Indexed OCR Text
Pages 321-340
۔۔ - البقرة - يعني أن المقصودَ الإِخبارُ بالصلاح، وجيء برجلٍ توطئةٌ، إذ معلومٌ أنه رجل . وقال الزجاج(١) ((جَمَعَ العدَدَيْنِ لجوازٍ أن يُظَنَّ أنَّ عليه ثلاثةٌ أو سبعةً؛ لأنَّ الواوَ قد تقوم مَقامَ أو، ومنه: ((مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعِ))(٢) فأزال احتمالَ التخيير، وهذا إنما يتمشَّى عند الكوفيين، فإنهم يُقيمون الواوَ مُقامَ أو (٣). وقال الزمخشري (٤): ((الواوُ قد تجيء للإباحةِ في قولك: ((جالس الحسن وابن سيرين)) ألا ترى أنه لو جالَسَهما معاً أو أحدهما كان ممتثلاً فَفُذْلِكَتْ نفياً لِتَوَهُّمِ الإِباحة)) قال الشيخ(٥): ((وفيه نظرٌ لأنه لا تُتَوَهَّمُ الإِباحة، فإنَّ السياق سياقُ إيجاب، فهو ينافي الإِباحة، ولا ينافي التخييرَ، فإن التخييرَ يكون في الواجبات، وقد ذكر النحويون الفرقَ بين التخييرِ والإِباحةِ))(٦). قوله: ((ذلك لِمَنْ)) ((ذلك)) مبتدأً، والجارُّ بعدَه الخبرُ. وفي اللامِ قولان، أحدُهما: أنَّها على بابِها، أي ذلك لازمٌ لِمَنْ. والثاني: أنها بمعنى على، كقولِهِ: ((أولئك عليهم لعنةُ الله))(٧)، ولا حاجةً إلى هذا. و((مَنْ)) يجوز أن تكونَ موصولةً وموصوفةٌ. و((حاضري)) خبرُ ((يكن)) وحُذِفَت نونُه للإضافة . و ((شديدُ العقاب)) من باب إضافةِ الصفة المشبهة إلى مرفوعها، وقد تقدَّم أن الإِضافة لا تكون إلا مِنْ نَصْبٍ، والنصبُ والإِضافةُ أبلغُ من الرفعِ ؛ لأن فيها إسنادَ الصفةِ للموصوفِ ثم ذكر مَنْ هي له حقيقةٌ، والرفعُ إنما فيه إسنادُها لَمَنْ هي له حقيقةٌ، دونَ إسنادٍ إلى موصوف. (١) معاني القرآن ١ /٢٥٨. (٢) الآية ٣ من النساء. (٣) انظر المسألة في الإنصاف ٤٧٨/٢. (٤) الكشاف ٣٤٥/١. (٥) البحر ٨٠/٢. (٦) التخيير عدم جواز الجمع بينهما، والإباحة جوازه. ابن عقيل ١٣٣/٢. (٧) الآية ١٦١ من البقرة. والأصل ((اللغة)) وهو سهو. ٣٢١ - البقرة - آ. (١٩٧) قوله تعالى: ﴿الحجُّ أُشھر): ((الحجُ)) مبتدأ و «أشھرُ)) خبرهُ، والمبتدأ والخبرُ لا بد أَنْ يَصْدُقًا على ذاتٍ واحدة، و((الحَجُّ) فِعْلٌ من: الأفعال، و((أشهرٌ)) زمانَ، فهما غَيْران، فلابُدَّ من تأويل، وفيه ثلاثةُ احتمالاتٍ، أحدُهما: أنه على حَذْف مضافٍ من الأول، تقديره: أشهرُ الحَجّ. أشهرٌ معلوماتٌ. الثاني: الحَذْفُ من الثاني تقديرُه: الحَجُّ حَجُّ أشهرٍ، فيكونُ حَذَفَ من كلِّ واحدٍ ما أَنْبَتَ نظيرَهُ. الثالث: أن تَجْعَلَ الحدثَ نفسَ الزَمَانِ مبالغةً، ووجهُ المجازِ كونُهُ حالاً فيه، فلما اتُّسِعَ في الظرفِ جُعِلَ نفسَ الحدثِ، ونظيرُها: ((وَحَمْلُهُ وفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شهراً (١) / وإذا كان ظرفُ الزمانِ [١/٧٥] نكرةً مُخْبَراً به عن حَدَثٍ جاز فيه الرفعُ والنصبُ مطلقاً، أي: سواءً كان الحدث مستوعباً للظرفِ أم لا، هذا مذهبُ البصريين. وأمَّ الكوفيون فقالوا: إنْ كانَ الحدثُ مستوعباً فالرفعُ فقط نحو: ((الصومُ يومٌ)) وإن لم يكن مستوعباً فهشام يلتزم رفعَه أيضاً نحو: ((ميعادُك يومُ)) والفِرَاءُ يجيز نصبَهُ مثلَ البصريين، وقد نُقِلَ عنه أنه مَنَعِ نصْبَ ((أشهر)) يعني في الآية لأنها نكرةٌ، فيكونُ له في المسألة قولان، وهذه المسألةُ بعيدةُ الأطرافِ تضُمُّها كتبُ النحويين. قال ابن عطية (٣): ((وَمَنْ قَدَّر الكلامَ: [الحج] في أشهر فيلزَمُهُ مع سقوطِ حرفِ الجر نصبُ الأشهر، ولم يقرأ به أحدٌ)) قال الشيخ(٤): ((ولا يلزم ذلك، لأنَّ الرفعَ على جهةِ الاتساعِ، وإن كان أصلُهُ الجِرَّبفي». قوله: ((فَمَنْ)): (مَنْ)) يجوزُ فيها أن تكون شرطيةً، وأَنْ تكونَ موصولةً كما تقدَّم في نظائرها، و((فيهن)) متعلَّقٌ بـ ((فَرَضَ)). والضميرُ في ((فيهن)) يعودُ على ((أشهر))، وجيء به كضمير الإِناث لما تَقَدَّم مِنْ أَنَّ جمعَ غير العاقلِ فِي (١) الآية ١٥ من الأحقاف. (٢) معاني القرآن ١ / ١١٩. (٣) ابن عطية ٥٥٢/١. (٤) البحر ٨٤/٢. ٣٢٢ - البقرة - القلَّةِ يُعامَل معاملةً جمْعِ الإِناثِ على الأفصحِ، فلذلك جاء ((فيهنَّ» دونَ ((فيها))، وهذا بخلافِ قولِهِ (منها أربعةٌ حُرُمٌ))(١) لأنه هناك جمعُ كثرة. قوله: ((فلا رَفَثَ)) الفاءُ: إِمَّا جوابُ الشرطِ، وإمَّا زائدةً في الخبرِ على حَسَبِ النحوبين المتقدمين. وقرأ(٢) أبو عمرو وابن كثير بتنوين ((رفث)) و ((فُسوق)) ورفعِهما وفتحِ ((جدال))، والباقون بفتح الثلاثة، وأبو جعفر - ويروى عن عاصم - برفع الثلاثة والتنوين، والعطاردي(٣) بنصب الثلاثة والتنوين. فأمَّا قراءة الرفع ففيها وجهان، أظهرهُما: أنَّ ((لا)) ملغاةٌ وما بعدها رفعٌ بالابتداء، وسَوَّغ الابتداء بالنكرةِ تقدُّم النفيِ عليها. و((في الحجّ)) خبرُ المبتدأ الثالث، وحُذِفَ خبرُ الأولِ والثاني لدلالةِ خبرِ الثالثِ عليهما، أو يكونُ «في الحج)) خبرَ الأول، وحُذِفَ خبرُ الثاني والثالث لدلالةِ خبرِ الأولِ عليهما، ويجوزُ أَنْ يكونَ «في الحج)) خبرَ الثلاثة. ولا يجوزُ أن يكونَ «في الحج)» خبرَ الثاني، وحُذِفَ خبرُ الأولِ والثالثِ لقُبْحِ مثل هذا التركيب، ولتَأْدِيَتِهِ إلى الفَصْلِ . والثاني: أن تكون ((لا)) عاملَةً عملَ ليس، ولعملِها عملَها شروطٌ: تنكيرُ الاسم، وألَّ يتقدَّم الخبرُ ولا ينتقض النفيُ، فيكونُ («رفث)) اسمَها وما بعده عطفٌ عليه، ((وفي الحجِّ)) الخبرُ على حسَبِ ما تقدَّم من التقادير فيما قبلَه. وابنُ عطية (٤) جَزَمَ بهذا الوجهِ، وهو ضعيفٌ لأنَّ إعمالَ ((لا)) عَمَلَ ليس لم يَقُمْ عليه دليلٌ صريحٌ، وإنما أنشدوا أشياءَ محتملةً، أنشد سيبويه(٥): (١) الآية ٣٦ من التوبة. (٢) السبعة ١٨٠؛ الكشف ٢٨٥/١؛ البحر ٨٨/٢؛ الشواذ ١٢. (٣) وهو أبو رجاء وتقدَّمت ترجمته. (٤) التفسير ٥٥٤/١. (٥) البيت لسعد بن مالك، وهو في الكتاب ٢٨/١؛ والحماسة ٢٦٦/١؛ وكتاب اللامات ١٠٧؛ وأمالي الشجري ٢٨٢/١؛ واللسان: برح، ورصف المباني ١٦٦؛ وابن يعيش ١٠٨/١؛ والهمع ١٢٥/١؛ والدرر ٩٧/١. والبراح: أن يزول من مكانه ويبارحه. ٣٢٣ ٨٨٠ - مَنْ صَدَّ عن نيرانِها وأنشد غيره(١): - البقرة - ! فأنا ابنُ قيسٍ لا براحُ ٨٨١ - تَعَزَّ فلا شيءٌ على الأرضِ باقيا وقول الآخر(٢): ولا وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللّهُ وَاقِيَا لا الدارُ داراً ولا الجيرانُ جیرانا ٨٨٢ - أَنْكَرْتُها بعد أعوامٍ مَضَيْنَ لها وأنشدَ ابنُ الشجري (٣): سِواها ولا في حُبِّها متراخِيا ٨٨٣ - وحَلَّتْ سوادَ القلبِ لا أنا باغياً والكلامُ في هذه الأبياتِ له موضعٌ غيرُ هذا. وأمَّا مَنْ نَصَبَ الثلاثةَ منونةً فتخريجُها على أن تكونَ منصوبة على المصدرِ بأفعالٍ مقدرةٍ من بفظِها، تقديرُه: فلا يَرْفُتُ رَفَثَاً ولا يَفْسُقُ فُسوقاً ولا يجادل جِدالاً، وحينئذٍ فلا عمل للا فيما بعدها، وإنما هي نافيةٌ للجمل المقدرة، و((في الحجِّ)) متعلَّقُ بأيِّ المصادرِ الثلاثةِ شِئْتَ، على أن المسألة من التنازع ، ويكونُ هذا دليلاً على تنازع أكثرَ مِنْ عاملين، وقد يمكنُ أن يُقَال: إن هذه ((لا)) هي التي للتبرئةِ على مَذْهَبِ مَنْ يرى أنَّ اسمَها معربٌ منصوب، وإنما حُذِفَ تنوينُه تخفيفاً، فروجعُ الأصلُ في هذه القراءة الشاذةِ كما روجع في قوله(٤). ٨٨٤ - ألا رجلاً جَزاه الله خيراً وقد تقدَّم تحريرُ هذا المذهبِ. (١) تقدم برقم ٣٩٥. (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٨٨/٢؛ وشذور الذهب ١٩٦. (٣) تقدم برقم ٣٩٦ وأنشده ابن الشجري في أماليه ٢٨٢/١. (٤) تقدم برقم ٩٥. ٣٢٤ - البقرة - وأمَّا قراءةُ الفتحِ في الثلاثةِ فهي ((لا)) التي للتبرئةِ. وهل فتحةُ الاسمِ فتحةُ إعرابٍ أم بناءٍ (١)؟ قولان، الثاني للجمهورِ. وإذا بُني معها فهل المجموع منها ومن اسمِها في موضعِ رفعٍ بالابتداءِ، وإن كَانَتْ عاملةً في الاسمِ النصبَ على الموضع ولا خبرَ لها؟ أوليس المجموعُ في موضعٍ مبتدأ، بل ((لا) عاملةٌ في الاسمِ النصبَ على الموضعِ وما بعدها خبرٌ لـ ((لا))، لأنها أُجْرِيَتْ مُجْرى ((أنَّ)) في نصبِ الاسمِ ورفعِ الخبر؟ قولان، الأولُ قولُ سيبويه(٢)، والثاني قولُ الأخفش. وعلى هذين المذهبين يترتَّب الخلافُ في قوله ((في الحج)) فعلى مذهبٍ سيبويه يكونُ في موضعٍ خبرِ المبتدأ، وعلى رأي الأخفش يكونُ في موضعٍ خبرِ ((لا))، وقد تقدَّم ذلك أولَ الكتابِ، وإنما أُعيدُ بعضَه تنبيهاً عليه. وأمَّا مَنْ رفع الأوَّلَيْن وفتحَ الثالث: فالرفعُ على ما تقدَّم، وكذلك الفتحُ، إلا أنه ينبغي أَنْ يُتَبَّه لشيءٍ: وهو أنَّا إذا قلنا بمذهبِ سيبويه من كونِ ((لا)» وما بُني معها في موضعِ المبتدأ يكونُ ((في الحج)) خبراً عن الجميع، إذ ليس فيه إلا عَطْفُ مبتدٍ على مبتدأ. وأمّا على مذهبِ الأخفشِ فلا يجوز أن يكونَ (في الحج)) إلا خبراً للمبتدأيْنِ أو خبراً لـ ((لا)). ولا يجوزُ أن يكونَ خبراً للكلِّ لاختلافِ الطالبِ، لأنَّ المبتدأ يَطْلُبه خبراً له ولا يطلبُه خبراً لها. وإنما قُرِىء كذلك(٣)، قال الزمخشري (٤): ((لأنهما حَمَلا الأوَّلَيْنِ على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكونَنَّ رفثٌ ولا فسوقٌ، والثالثُ على معنى الإِخبار بانتفاءِ الجدالِ، كأنه قيل: ولا شكَّ ولا خلافَ في الحج)) واستدلّ (١) انظر: المقتضب ٣٥٧/٤؛ وابن عقيل ٣٣٥/١، ولعل الأفصح أن يقول ((أو بناء)). (٢) الكتاب ٣٤٥/١. (٣) أي قراءة أبي عمرو وابن كثير برفع الأولين، ونصب الآخر. (٤) الكشاف ٣٤٧/١. ٣٢٥ - البقرة :- على أنّ المنهيَّ عنه هو الرفثُ والفسوقُ دونَ الجدالِ بقوله عليه السلام: (مَنْ حَجَّ فلم يَرْفُتْ ولم يَفْسُقْ))(١) وأنه لم يَذْكُرِ الجدالَ. وهذا الذي ذكره الزمخشري سبقه إليه صاحبُ هذه القراءة، إلا أنه أفصحَ عن مرادِه، قال(٢) أبو عمرو بن العلاء - أحد قارئيها -: الرفعُ بمعنى فلا يكونُ رفتٌ ولا فسوقٌ؛ أَيْ شيءٌ يَخْرُج من الحَجِّ، ثم ابتدأ النفيَ فقال: ((ولا جدالَ))، فأبو عمرو لم يجعل النفيَيْن الأوَّلَيْن نهياً، بل تركهما على النفي الحقيقي؛ فمِنْ ثَمَّ كان في قولِه هذا نظرٌ؛ فإنّ جملة النفيِ بلا التبرئةِ قد يرادُ بها النهيُ أيضاً، وقيل ذلك في قوله: ((لا ريبَ فيه))(٣). والذي يظهر في الجواب عن ذلك ما نقله أبو عبد الله(٤) الفاسي عن بعضهم فقال: ((وقيل: الحُجَّةُ لمَنْ رفعهما أنَّ النفي فيهما ليس بعامٌّ؛ إذ قد يقع الرفث والفسوق في الحج من بعضِ الناسِ بخلاف نفي الجدال في أمر الحج فإنه عالمٌّ ... (٥)) وهذا يتمثَّى على عُرْف النحويين فإنهم يقولون: لا العاملةُ عملَ ((ليس» لنفي الوَحْدة، والعاملةُ عملَ (إنَّ)) لنفي الجنس، قالوا: ولذلك يُقال: لا رجلَ فيها بل رجلان أو رجال إذا رفعت، ولا يَحْسُن ذلك إذا بَيْتَ اسمَها أو نَصَبْتَ بها (٦). وتوسّط بعضُهم فقال: التي للتبرئة نصّ في العمومِ، وتلك ليست نَصَّأَ، والظاهرُ أنَّ النكرةَ في سياق النفي مطلقاً للعموم. (١) البخاري: باب فضل الحج؛ الفتح ٣٨٢/٣؛ مسلم: فضل الحج والعمرة ٩٨٣/٢ (٢) انظر: القرطبي ٤٠٨/٢. (٣) الآية ٢ من البقرة. (٤) محمد بن أحمد الفاسي، أخذ عن أحمد بن خلوص، توفي سنة ٦١٤، انظر: طبقات القراء ٦٨/٢. (٥) خرم في الأصل ولم تثبت شيئاً النسخ الأخرى. (٦) يبنى اسمها إنْ كان مفرداً؛ ويُنصب إن كان مضافاً أو شبيهاً به. ٣٢٦ - البقرة - وقد تقدَّم معنى الرَّفَثِ والفِسْق. وقرأ (١) عبدالله ((الرَّفُوث)) وهو مصدر بمعنى الرُّفت. وقوله: ((فلا رفثَ)) وما في حَيِّزه في محلِّ جَزْمٍ إن كانت ((مَنْ)) شرطيةً، ورفعٍ إن كانت موصولةً، وعلى كلا التقديرين فلا بُدَّ من رابطٍ يُرْجِع إلى (مَنْ))؛ لأنها إنْ كانَتْ شرطيةً فقد تقدَّم أنه لا بد من ضميرٍ يعودُ على اسمِ الشرط، وإنْ كانت موصولةً فهي مبتدأٌ والجملةُ خبرُها ولا رابطَ في اللفظِ، فلا بدَّ من تقديرِه وفيه احتمالان، أحدُهما: أن تقدِّره بعد «جدال)) تقديرُه: ولا جدالَ منه ويكون ((منه)) صفةً لـ ((جدال))، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، فيصيرُ نظيرٌ قولهم: ((السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم)» تقديره: منوانٍ منه. والثاني: أنْ يُقَدَّرَ بعد الحج)) تقديره: ولا جدالَ في الحجِّ منه، أو: له. ويكونُ هذا الجارُّ في محلِّ [٧٥/ب] نصبٍ على الحالِ من ((الحج)). وللكوفيين في هذا تأويلٌ آخرُ / وهو أنَّ الألف واللامَ نابت منابَ الضميرِ، والأصلُ: في حَجِّه، كقوله: ((وأمَّا مَنْ خافَ مقامَ ربِّه)) ثم قال: ((فإنَّ الجنةَ هي المأوى))(٢) أي : مَأْواه. وكَرِّر الحجَّ وَضْعاً للظاهر موضعَ المضمر تفخيماً كقوله(٣): ٨٨٥ - لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءُ وكأنَّ نظمَ الكلام يقتضي: ((فَمَنْ فرض فيهنَّ الحجَّ فلا رَفَت فيه»، وحَسَّنَ ذلك في الآيةِ الفصلُ بخلاف البيت. والجِدال مصدر ((جادَلَ)). والجدالُ: أشدُّ الخصام مشتقٌّ من الجَدالة، (١) البحر ٨٨٢/٢؛ ابن عطية ١ /٥٥٥. (٢) الآية ٤٠ من النازعات . (٣) تقدم برقم ٤٩٠. ٣٢٧ - البقرة - وهي الأرض؛ كأنَّ كلَّ واحد من المتجادِلَيْن يرمي صاحبه بالجَدِالَةِ، قال الشاعر(١): وأترُكُ العَاجِزَ بَالجَدَالَهْ ٨٨٦ - قد أَرْكَبُ الآلَةَ بعدَ الآلَهْ. ومنه: ((الأجْدَل) الصقر، لشِدَّته. والجَدْلُ فَتْلُ الحَبْل، ومنه: زِمَامٌ مجدولٌ أي مُحْكَمُ الفَتْلِ . قولُه: ((وما تَفْعَلُوا من خيرِ» تقدُّم الكلامُ على نظيرتها، وهي: (ما نَتَسَخْ))(٢)، فكلُّ ما قيلَ ثَمَّ يُقال هنا. قال أبو البقاء(٣): ((ونزيدُ هنا وجهاً آخرَ: وهو أن يكونَ ((منْ خير)» في محلِّ نصبٍ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديرُه: وما تفعلوا فعلاً كائناً(٤) مِنْ خيرٍ». و ((يَعْلَمْه)» جزمٌ على جواب الشرطِ، ولا بُدَّ من مجازٍ في الكلام: فإمَّا أن يكون عَبَّر بالعلمِ عن المُجازاةِ على فِعْلِ الخير، كأنه قيل: يُجازِكم، وإمَّ أَنْ تُقَدِّر المجازاةَ بعد العلمِ أي: فيثيبه عليه. وفي قوله: ((وما تَفْعلوا)) التفاتٌ؛ إذ هو خروجٌ مِنْ غَيْبَةٍ في قولِهِ: ((فَمَنْ فَرَض)). وحُمِلَ على معنى ((مَنْ)) إذ جَمَعَ الضميرَ ولم يُفْرِدْه. وقد خَبَط بعضُ المُعْرِبين فقال: ((مِنْ خير)) متعلقٌ بتَفْعلوا، وهو في موضعِ نصبٍ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، تقدرُه: ((وما تفعلوه فعلاً مِنْ خير)» والهاءُ في ((يَعْلَمْه)) تعودُ إلى ((خير)). وهذا غلطّ فاحشٌ؛ لأنه من حيثُ عَلَّقه بالفعلِ (١) البيت للعجاج وهو في ملحق ديوانه ٣١٥/٢؛ واللسان: أول، وأدب الكاتب ٤٥؛ والآلة: الحالة. (٢) الآية ١٠٦ من البقرة. (٣) الاملاء ٨٦/١. (٤) قوله ((كائناً) لم يرد في مطبوعة الإملاء. ٣٢٨ ۔۔۔ - البقرة - قبلَه كيف يَجْعَلُه نعت مصدرٍ محذوفٍ؟ ولأنَّ جَعْلَه الهاءَ تعود إلى ((خير)» يلزم منه خلوُّ جملةِ الجوابِ من ضميرٍ يعود على اسمِ الشرطِ، وذلك لا يجوز، أمّا لو كانَتْ أداةُ الشرط حرفاً فلا يُشْترط فيه ذلك فالصوابُ ما تقدَّم. وإنما ذكرتُ لك هذا لئلا تراه فَتَتَوهَّمَ صِحَّتَه. والهاءُ عائدةٌ على ((ما)) التي هي اسمُ الشرط. وألفُ ((الزاد)) منقلبةٌ عن واوٍ لقولِهم: تَزَوَّدَ. آ. (١٩٨) قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغوا﴾: ((أَنْ)) في محلٌّ نصبٍ عند سيبويه والفراء (١)، وجَرِّ عند شَيْخَيْهما والأخفش؛ لأنَّها على إضمارٍ حرفٍ الجَرِّ، أي: في أَنْ، وهذا الجارُّ متعلَّقٌ: إمَّا بجُناحِ لما فيه من معنى الفعلِ وهو الميلُ والإِثمُ، وما كانَ في معناهما، وإمَّا بمحذوفٍ، لأنه صفةٌ لـ ((ُناح))، فيكونُ مرفوعَ المحلِّ أي: جناحٌ كائنٌ في كذا. ونقل أبو البقاء(٢) عن بعضهم أنه متعلقٌ بـ ((ليس))، واستضعفه، ولا ينبغي ذلك، بل يُحْكُمُ بتخطئِه البتة . قوله: ((مِنْ ربكم)) يجوز أَنْ يتعلَّق بتبتغوا، وأن يكونَ صفةٌ لـ((فضلاً))، فيكونُ منصوبَ المحل، متعلقاً بمحذوفٍ. و((مِنْ)) في الوجهين لابتداءٍ الغاية، لكنْ في الوجهِ الثاني تحتاجُ إلى حَذْفِ مضافٍ أي: فضلاً كائناً مِنْ قُضولٍ ربکم. قوله: ((فإذا أَفَضْتُم)) العاملُ فيها جوابُها وهو ((فاذكروا)) قال أبو البقاء(٣): ((ولا تمنع الفاءُ من عملٍ (٤) ما بعدَها فيما قبلها لأنه شرطٌ)). وقد منع الشيخ(٥) (١) معاني القرآن ٠١٤٨/١ ٢٣٨/٢؛ والكتاب ١٧/١. (٢) الاملاء ٨٧/١. (٣) الاملاء ٨٧/١. (٤) في الأصل: العمل. (٥) البحر ٩٧/٢. ٣٢٩ - البقرة نا مِنْ ذلك بما معناه أنَّ مَكانَ إنشاء الإِفاضة غيرُ مكانٍ الذكر؛ لأنَّ ذلك عرفات وهذا المَشْعَرُ الحرام، وإذا اختلف المكانُ لزم منه اختلافُ الزمانِ ضرورةً، فلا يجوزُ أَنْ يكونَ الذكر عند المشعر الحرام واقعاً عند إنشاء الإِفاضة. قوله: ((مِنْ عرفات)) متعلَّقٌ بـ ((أَفَضْتُم)) والإِفاضةُ في الأصل: الصبُّ، : يقال: فاضَ الماء وأَفَضْتُه، ثم يُستعمل في الإِحرام مجازاً. والهمزة في ((أَفَضْتُم)) فيها وجهان، أحدهما: أنها للتعدية فيكون مفعولُه محذوفاً تقديره: أَفَضْتُم أنفسكم، وهذا مذهبُ الزجاج وتبعه الزمخشري(١)، وقَدَّره الزجاج فقال: ((معناه: دَفَع بعضكم بعضاً). والثاني: أن أَفْعَل هنا بمعنى فَعَل المجردِ فلا مفعولَ له. قال الشيخ (٢): ((لأنه لا يُحفظ: أَفَضْتُ زيداً بهذا المعنى الذي شرحناه، وكان قد شرحه بالانخراط والاندفاعِ والخروج من المكانِ بكثرة. وأصل أَفَضْتُم: أفْيَضْتُمْ فَأُعِلَّ كنظائره، بأَنْ نُقِلَتْ حركةُ حرفِ العلة على الساكنِ قبله فتحرَّك حرفُ العِلَّة في الأصلِ وانفتح ما قبله فَقُلِب ألفاً(٣)، وهو من ذواتِ الياء من الفَّيْض كما ذَكَرْتُ لك، ولا يكون من ذواتِ الواوِ من قولهم: فَوْضى الناسِ وهم أخلاطُ الناسِ بلا سائسٍ . وعَرَفات اسمُ مكانٍ مخصوصٍ، وهل هو مشتقُّ أو مرتجل؟ قولان أحدهما: أنه مرتجلٌ وإليه ذهب الزمخشري (٤) قال: ((لأنَّ العَرَفَة لا تُعْرَف في أسماء الأجناس إلا أَنْ تكونَ جمعَ عارف)». والثاني: أنه مشتقٍّ، واختُلِف في اشتقاقه، فقيل: من المعرفة لأن إبراهيم عليه السلام لَمَّا عَرَّفه جبريل هذه البقعة فقال: عَرَفْتُ عَرَفْتُ، أو لأنه عَرَّفَه بها هاجَرَ واسماعيلَ لَمَّا أخْرَجَتْهما (١) الكشاف ٣٤٨/١؛ والزجاج لم يشر إلى ذلك في كتابه «معاني القرآن». (٢) البحر ٨٣/٢. (٣) ثم التقى ساكنان: الألف والضاد فحذفت الألف. (٤) الكشاف ٣٤٨/١. ٣٣٠ - البقرة - سارةُ في غَيْبته فوجَدهما بها، أو لأنَّ آدم عَرَف بها حواء. وقيل: مشتقةٌ من العَرْف وهو الرائحةُ الطيبة، وقيل: من العُرْف وهو الارتفاعُ ومنه عُرْفُ الديك، وعرفات جمع عَرَفة في الأصل ثم سُمِّي به هذا الموضعُ، والمشهور أنَّ عرفات وعَرَفة واحد. وقيل: عَرَفَةُ اسمُ اليومِ وعرفات اسمُ مكان، والتنوين في عَرَفات وبابِه فيه ثلاثةُ أقوال، أظهرُها: أنه تنوينُ مقابلةٍ، يَعْنُون [٧٦/ أ] بذلك أنَّ تنوينَ هذا الجمع مقابلٌ لنونِ جمع / الذكور، فتنوينُ مسلمات مقابل لنون مسلمين، ثم جُعِل كلُّ تنوينٍ في جمعِ الإناث - وإن لم يكن لهنّ جمعٌ مذكرٌ - كذلك طَرْداً للباب. والثاني أنه تنوينُ صرفٍ وهو ظاهرُ قولٍ الزمخشري(١) فإنه قال: ((فإن قلت: فهلَا مُنِعَت الصرفَ وفيها السببان: التعريفُ والتأنيثُ. قلت: لا يخلو التأنيثُ: إما أن يكونَ بالتاءِ التي في لفظِها وإما بتاء مقدرة كما في ((سعاد)»، فالتي في لفظِها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامةُ جمعِ المؤنث، ولا يَصِحُّ تقديرُ التاءِ فيها، لأنَّ [هذه] التاء لاختصاصها بجمعِ المؤنثِ مانعةٌ من تقديرُها كما لا تُقَدَّر تاءُ التأنيث في بنت؛ لأنَّ التاءَ التي هي بدلٌ من الواو لاختصاصِها بالمؤنث كتاءِ التأنيث فَأَبَتْ تقديرَها)) فمنع الزمخشري أن يكون التأنيثُ سبباً فيها فصار التنوينُ عنده للصرفِ. والثالث: أنَّ جمعَ المؤنثِ إنْ كان له جمعُ مذكرٌ كمسلمات ومسلمين فالتنوين للمقابلةِ وإلّ فللصرفِ كعرفات. والمشهورُ - حالَ التسمية به - أن يُنَوَّن وتُعْرِبَه بالحركتين: الضمة والكسرة كما لوكان جَمْعاً، وفيه لغة(٢) ثانية: وهو حَذْفُ التنوينِ تخفيفاً (١) الكشاف ٣٤٨/١. (٢) انظر في لغاته في: ابن عقيل ٦٧/١. ٣٣١ - البقرة :- وإعرابُه بالكسرةِ نصباً. والثالثة: إعرابُه غيرَ منصرف بالفتحة جراً، وحكاها الكوفيون والأخفش(١)، وأنشدَ قول امرىء القيس(٢): ٨٨٧ - تَنَوَّرْتُها مِنْ أَذْرِعِاتَ وأهلُها بيثربَ أدنى دارِها نظرٌ عالي بالفتح . قوله: ((عند المَشْعَرِ الحرامِ)) فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلَّقَ باذكروا. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من فاعل ((اذكروا)) أي: اذكروه كائنين عند المشعرِ. قوله: ((كما هداكم)) فيه خمسةُ أقوالٍ، أحدُها: أن يكونَ في محلٌ نصبٍ على أنَّها نعتٍُ مصدرٍ محذوفٍ أي: ذكراً حسناً كما هداكم هدايةٌ حسنة، وهذا تقديرُ الزمخشري(٣). والثاني: أن تكونَ في محلِّ نصَبٍ على الحال من ضمير المصدرِ المقدرِ، وهو مذهبُ سيبويه. والثالث: أن تكونَ للتعليل بمعنى اللام، أي: اذكروه لأجل هدايته إياكم، حكى سيبويه(٤): ((كما أنه لا يَعْلَمُ فتجاوزَ الله عنه)». ومِمَّنْ قَالَ بكونها للعِلِّيّة الأخفشُ(٥) وجماعةٌ . و((ما)) في ((كما)) يجوزُ فيها وجهان، أحدُهما: أن تكونَ مصدريةً، فتكونَ مع ما بعدها في محلّ جر بالكافِ، أي: كهدايته. والثاني : - وبه قال (١) معاني القرآن ١٦٥/١. (٢) ديوانه ٣١؛ ابن يعيش ٣٤/٩؛ اللسان: ذرع؛ رصف المباني ٣٤٥؛ الدرر ٥/١. تنورتها: مثلت نارها وتوهمتها. (٣) الكشاف ٣٤٩/١. (٤) الكتاب ٤٧٠/١. (٥) لم يشر إلى ذلك في ((معاني القرآن)). ٣٣٢ - البقرة - الزمخشري(١) وابن عطية(٢) - أن تكونَ كافةً للكافِ عن العملِ، فلا يكونُ للجملة التي بعدها محلّ من الإِعرابِ، بل إنْ وَقَع بعدَها اسمٌ رُفِعَ على الابتداءِ كقوله(٣): كما الناسُ مجرومٌ عليه وجَارِمُ ٨٨٨ - ونَنْصُرُ مولانا ونعلُم أنَّه وقال آخر (٤): كما النشوانُ والرجلُ الحليمُ ٨٨٩ - لعمرك إنني وأبا حميدٍ وأعلم أنه عبدٌ لئيم أريد هجاءه وأخاف ربي وقد منع صاحبُ ((المستوفى))(٥) كونَ «ما)» كافةً للكافِ، وهو محجوجٌ بما تقدَّم . والرابع(٦): أن يكونَ في محلُّ نصب على الحال من فاعل ((اذكروا)» تقديرُه: مُشْبِهِين لكم حين هداكم. قال أبو البقاء(٧): ((ولا بُدَّ من حذفٍ مضافٍ؛ لأنَّ الجثة لا تشبه الحدثَ. والخامس: أن تَكونَ الكافُ بمعنى ((على)) كقوله: ((ولِتُكَبِّروا الله على ما هداكم))(٨). قوله: ((وإنْ كنتم من قبله لَمِنَ الضالين)»: ((إنْ)) هذه هي المخففةُ من الثقيلة، واللامُ بعدها للفرق بينها وبين النافيةِ، وجازَ دخولُ ((إنْ)) على الفعل (١) الكشاف ٣٤٩/١. (٢) لم أجده في تفسيره وإنما قال: ((الكاف نعت لمصدر محذوف)). (٣) البيت لعمرو بن براق الهمداني، وهو في الأشموني ٢٣١/٢؛ والدرر ٤٢/٢؛ والهمع ٣٨/٢. ومجروم عليه: مظلوم؛ وجارم: ظالم. (٤) تقدم برقم ٧٧٧. (٥) وهو أبو سعد كمال الدين علي بن مسعود الفرخان، وقد أكثر أبو حيان من النقل عنه، ولم تذكر وفاته. انظر: البغية ٢٠٦/٢؛ كشف الظنون ١٦٧٥/٢. (٦) أي الرابع من أوجه الإعراب الواردة في الآية: ((واذكروه كما هداكم)). (٧) الاملاء ٨٧/١. (٨) الآية ١٨٥ من البقرة. ٣٣٣ - البقرة - لأنه ناسخٌ. وهل هذه اللامُ لام الابتداءُ التي كانت تصحبُ ((إنَّ) أو لامٌ أخرى غيرُها، اجتُلِيَتْ للفرق؟ قولان هذا رأيُ البصريين. وأمَّا الكوفيون فعندهم فيها خلاف: فالفراءُ يزعم أنها بمعنى ((إِنْ)) النافية واللامُ بمعنى إلَّ أي: ما كنتم من قبلِه إلا من الضالين، ومذهبُ الكسائي التفصيلُ: بين أنْ تدخُلَ على جملةٍ فعليةٍ فتكونَ ((إنْ)) بمعنى قد، واللامُ زائدة للتوكيدٍ وبين أن تدخُلَ على جملةٍ اسمية فتكون كقولِ الفراء، وقد تقدَّم طرفٌ من هذه الأقوال. و ((من قبله)) متعلقٌ بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه ((لمن الضالين)»، تقديرُه: كنتم من قبله ضالِّين لمن الضالين. ولا يتعلَّق بالضالِّين بعده، لأنَّ ما بعد أل الموصولة لا يعمل فيما قبلها، إلا على رأي مَنْ يتوسَّع في الظرف، وقد تقدم تحقيقه. والهاء في (قبله)) عائدةٌ على ((الهدى)) المفهوم من قوله ((كما هداكم)) . آ. (١٩٩) قوله تعالى: ﴿ثم أَفيضوا من حيثُ﴾ استشكل الناسُ مجيءَ (ثم) هنا من حيث إنَّ الإِفاضة الثانية هي الإِفاضةُ الأولى؛ لأنَّ قريشاً كانت تَقِفُ بمزدلفة وسائرُ الناسِ بعرفة، فأمروا أن يَفيضوا من عرفةَ كسَائِرِ الناسِ ، فكيف يُجاء بـ «ثم)) التي تقتضي الترتيب والتراخيَ؟ وفي ذلك أجوبةٌ: أحدُها: أنَّ الترتيبَ في الذُّكر لا في الزمانِ الواقعِ فيه الأفعالُ، وحَسَّنَ ذلك أن الإِفاضةَ الأولى غيرُ مأمورٍ بها، إنما المأمورُ به ذكرُ اللهِ إذا فُعِلَّتْ الإِفاضة. والثاني: أن تكونَ هذه الجملةُ معطوفةً على قوله: ((واتقوني يا أولي)» ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ وهو بعيدٌ. الثالث: أن تكونَ ((ثم)) بمعنى الواو، وقد قال به بعضُ النحويينِ، فهي لعطفِ كلامٍ على كلامٍ منقطعٍ من الأول. الرابع: أن الإِفاضة الثانيةَ هي من جَمْعٍ (١) إلى مُنى، والمخاطبون بها جميعُ (١) ((جمع)) هي مزدلفة أيضاً. ٣٣٤ - البقرة - الناس، وبهذا قال جماعةٌ كالضحاك ورجَّحه(١) الطبري، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ القرآنِ وعلى هذا فـ ((ثم)) على بابها، قال الزمخشري(٢): ((فإنْ قلت: كيف موقعُ ((ثم))؟ قلت: نحوُ موقِعها في قولك: ((أحْسِنْ إلى الناس ثم لا تُحْسِن إلى غير كريم)) تأتي بـ ((ثم)) لتفاوتِ ما بين الإِحسانِ إلى الكريمِ والإِحسان إلى غيرِهِ وبُعْدِ ما بينهما، فكذلك حين أمرَهم بالذكر عند الإِفاضةِ من عرفات قال: ((ثم أفيضوا)) لتفاوتِ ما بين الإِفاضَتَيْنِ وأنَّ إحداهما صوابٌ والثانيةَ خطأً)). قال الشيخ (٣): ((وليست الآية نظيرَ المثال الذي مثَّله، وحاصلُ [٧٦/ب] ما ذَكَّرَ أن ((ثم)) تَسْلُب الترتيبَ وأنَّ لها معنَّى غيرَه سَمَّاه بالتفاوتِ / والبُعْدِ لما بعدها مِمَّا قبلها، ولم يَذْكُر في الآية إفاضة الخطأ حتى تجيء ((ثم)) لتفاوتِ ما بينها، ولا نعلمُ أحداً سبقه إلى إثبات هذا المعنى لثم)). وهذا الذي ناقشَ الشيخُ به الزمخشري تحاملٌ عليه، فإنه يعني بالتفاوتِ والْبُعْد التراخيَ الواقعَ بين الرتبتين. وسيأتي له نظائرُ، وبمثلِ هذه الأشياءِ لا يُرَدُّ كَلامُ مثلِ هذا الرجل . و ((من حيث)) متعلَّقٌ بأَفيضوا، و((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ، و((حيث)) هنا على بابِها من كونِها ظرفَ زمانٍ، وقال القفال: ((هي هنا لزمانِ الإِفاضة)» وقد تقدُّم أن هذا قولُ الأخفش، وتقدَّم دليلُه، وكأن القفال رام بذلك التغاير بين الإِفاضتين ليقع الجوابُ عن مجيء ((ثم)) هنا، ولا يفيدُ ذلك لأن الزمان يستلزمُ مكانَ الفعلِ الواقعِ فیه. و ((أفاض الناسُ)) في محلِّ جرِّ بإضافة ((حيثُ)) إليها. والجمهورُ على رفعِ السين من ((الناسُ)). وقرأ(٤) سعيد بن جبير: ((الناسي)) وفيها تأويلان، (١) تفسير الطبري ١٩٠/٤. (٢) الكشاف ٣٤٩/١. (٣) البحر ٢ /٩٩. (٤) البحر ١٠٠/٢؛ ابن عطية ٥٦٢/١؛ الكشاف ٣٤٩/١؛ وسعيد تابعي عَرَضَ على ابن عباس، وأخذ عنه أبو عمرو، توفي سنة ٩٥. انظر: طبقات القراء ٣٠٥/١. ٣٣٥ - البقرة - أحدهما: أنه يُراد به آدمُ عليه السلام، وأيَّدوه بقوله: ((فَنَسِيَ ولم نجدْ له عزماً) (١). والثاني: أن يُراد به التارُكُ للوقوف بمزدلفة، وهم جَمْعُ الناسِ، فيكون المرادُ بالناسي جنسَ الناسين. قال ابن عطية (٢): ((ويجوزُ عند بعضِهم حذفُ (٣) الياءِ، فيقول: ((الناس كالقاضِ والهادِ)) قال: أمّا جوازُه في العربية فذكره سيبويه، وأمّا جوازُه قراءَةً فلا أحفظه)). قال الشيخ (٤): لم يُجِزْ سيبويه ذلك إلا في الشعر، وأجازه الفراء في الكلام، وأمّا قوله: ((لم أحفظْه)) قد حَفِظَه غيرُه، حكاها المهدوي قراءةً عن سعيد بن جبير أيضاً. قوله: ((واستغفروا الله)) ((استغفر)) يتعدَّى لاثنين أولُهما بنفسِه، والثاني ((بـ ((مِنْ))، نحو: استغفرتُ اللّه من ذنبي، وقد يُحْذَفُ حرفُ الجر كقوله(٥): ربُّ العبادِ إليه الوجهُ والعَمَلُ ٨٩٠ - أستغفرُ اللهَ ذنباً لستُ مُحْصِیَه هذا مذهبُ سيبويه(٦) وجمهورِ الناس. وقال ابن الطراوة: إنه يتعدّى إليهما بنفسِه أصالةً، وإنما يتعدَّى بـ (من)) لتضمُّنه معنى ما يتعدَّى بها، فعنده (استغفرت الله من كذا)) بمعنى تُبْت إليه من كذا، ولم يَجِىءٌ ((استغفر)» في القرآن متعدِّياً إلَّ للأولِ فقط، فأمَّا قولُه تعالى: ((واستغْفِر لذنبك))(٧) ((واستغفري لذنِكِ))(٨) ((فاستغفروا لذنوبهم))(٩) فالظاهرُ أنَّ هذه اللامَ لامُ العلةِ (١) الآية ١١٥ من طه . (٢) التفسير ١ /٥٦٢. (٣) عبارة المطبوعة: ((تخفيف)). (٤) البحر ١٠٠/٢، وانظر: الكتاب ٢٨١/٢. (٥) تقدم برقم ٦٩٠. (٦) الكتاب ١٧/١. (٧) الآية ٥٥ من غافر. (٨) الآية ٢٩ من يوسف. (٩) الآية ١٣٥ من آل عمران. ٣٣٦ - البقرة - لا لامُ التعديةِ، ومجرورُها مفعولٌ من أجلِه لا مفعولٌ به. وأمّا ((غَفَر)) فَذُكِرَ مفعولُه في القرآنِ تارةً: ((ومَنْ يغفرُ الذنوبَ إلا الله))(١)، وحُذِف أخرى: ((ويَغْفِرُ لَمَنْ يشاء))(٢). والسين في ((استغفر)) للطلبِ على بابها. والمفعولُ الثاني هنا محذوفٌ للعلم به، أي: مِنْ ذنوبكم التي فَرَطَتْ منكم . أ. (٢٠٠) قوله تعالى: ﴿مناسِكَكُمْ﴾: جمعُ «مَنْسَك)) بفتحِ السین وكسرِها، وسيأتي تحقيقُهما، وقد تقأَم اشتقاقها قريباً. والقُراء على إظهار هذا، وروى عن أبي (٣) عمرو الإِدغامُ، قالوا: شَبَّ الإِعرابِ بحركةِ البناءِ فَحَذَفَها للإِدغام، وأدغم أيضاً ((مناسككم)) ولم يُدْغِم ما يُشْبِهه من نحو: ((جباههم)) (٤) و ((وجوههم))(٥) . قوله: ((كذكرٍكم آباءكم)) الكافُ كالكاف في قوله (( كما هداكم)) (٦) إلَّ في كونِها بمعنى ((على)) أو بمعنى اللام، فَلْيُلتفت إليه. والجمهورُ على نصبِ ((آباءكم)) مفعولاً به، والمصدرُ مضافٌ لفاعِلِه على الأصل. وقرأ(٧) محمد بن كعب: (آباؤكم)) رفعاً، على أنَّ المصدرَ مضافٌ للمفعولِ، والمعنى: كما يَلْهَجُ الابنُ بذكر أبيه. ورُوِيَ عنه أيضاً: ((أباكم)) بالإِفراد على إرادة الجنس ، وهي توافقُ قراءةً الجماعة في كونِ المصدر مضافاً لفاعله، ويَبْعُد أن يقال: هو مرفوعٌ على لغةٍ مَنْ يُجري ((أباك)) ونحوَهُ مُجرى المقصورِ. (١) الآية ١٣٥ من آل عمران. (٢) الآية ٤٠ من المائدة. (٣) انظر: السبعة ١٢١ . (٤) الآية ٣٥ من التوبة. (٥) الآية ١٠٦ من آل عمران. (٦) الآية ١٩٨ من البقرة. (٧) البحر ١٠٣/٢؛ ابن عطية ٥٦٣/١؛ ومحمد بن كعب القرظي تابعي روى عن أبي هريرة، وعائشة. توفي سنة ١٠٨. انظر: الطبقات لابن الجزري ٢٣٣/٢. ٣٣٧ - البقرة - قوله: ((أو أشدَّ ذِكْراً)) يجوزُ في ((أشد)) أن يكونَ مجروراً وأَنْ يكونَ منصوباً: فأمّا جَرُّه فذكروا فيه وجهين، أحدهما: أن يكونَ مجروراً عطفاً على ((ذكرِكم)) المجرورِ بكافِ التشبيه، تقديرُه: أو كذكرٍ أشدَّ ذكراً، فتجعلُ للَذكرِ ذِكْرَاً مجازاً، وإليه ذهب الزجاج(١)، وتبعه أبو البقاء(٢)، وابن عطية (٣). والثاني: أنه مجرورٌ عطفاً على المخفوض بإضافة المصدرِ إليه، وهو ضميرُ المخاطبين. قال الزمخشري(٤): ((أو أَشدَّ ذكراً في موضع جر عطفاً على ما أُضِيف إليه الذكر في قوله: ((كذكركم)) كما تقول: كذكرٍ قريشٍ آباءَهم أو قومٍ أشدَّ منهم ذِكْرًا)) وهذا الذي قاله الزمخشري معنى حسنٌ، ليس فيه تَجُزْ بأَنْ يُجْعَل للذكْرِ ذِكْرٌ، لأنه جَعَلَ ((أشد)) من صفات الذاكرين، إلا أن فيه العطفَ على الضميرِ المجرور من غير إعادة الجار وهو ممنوعٌ عند البصريين(٥) ومَحَلُّ ضرورة. وأمَّا نصبُهُ فمن أوجهٍ، أحدُه: أن يكونَ معطوفاً على ((آباءكم)) قال الزمخشري(٦)، فإنه قال: ((بمعنى أو أشدَّ ذكراً من آبائِكم، على أن ((ذِكْراً)) من فِعْلِ المذكور)) وهذا كلامٌ يَحْتاج إلى تفسيرٍ، فقولُه: ((هو معطوفٌ على آباءكم)) معناه أنك إذا عَطَفْتَ ((أشدّ)) على ((آباءكم)) كان التقديرُ: أو قوماً أشدَّ ذكراً من آبائكم، فكأن القومُ مذكورين، والذكرُ الذي هو تمييزٌ بعد «أشدَّ)» هو من فِعْلهم، أي: من فعلِ القوم المذكورين، لأنه جاء بعد ((أَفْعَلَ)) الذِي (١) معاني القرآن ٢٦٤/١. (٢) الاملاء ٨٨/١. (٣) التفسير ١ /٥٦٣. (٤) الكشاف ٣٥٠/١. (٥) انظر: الانصاف ٤٦٣. (٦) الكشاف ٣٥٠/١. ٣٣٨ - البقرة - [٧٧/أ] هو صفةٌ / للقومِ، ومعنى (من آبائِكم) أي من ذكركم لآبائكم(١) وهذا أيضاً ليس فيه تجوزٌّ بأنْ جُعِل الذكرُ ذاكراً. الثاني: أن يكونَ معطوفاً على محلِّ الكاف في ((كذكركم)) لأنها عندهم نعتٌ لمصدر محذوف، تقديرُه: ذكراً كذكركم آباءكم أو أشدَّ، وجَعَلُوا الذِّكْرَ ذاكراً مجازاً كقولهم: شعرٌ شاعِرٌ، وهذا تخريجُ أبي علي وابن جني . الثالث: قاله مكي (٢): أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلٍ، قال: ((تقديرُه: فاذكروه ذكراً أشد من ذكركم لآبائكم، فيكونُ نعتاً لمصدر في موضع الحالِ، أي: اذكروه بالغين في الذِّكْر. الرابع: أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلِ الكون، قال أبو البقاء(٣): ((وعندي أنَّ الكلام محمولٌ على المعنى، والتقدير: أو كونوا أشدَّ لله ذِكْراً منکم لآبائكم، ودلَّ على هذا المعنى قوله: «فاذكروا الله)» أي: کونوا ذاکریه، وهذا أسهلُ مِنْ حَمْلِه على المجاز)) يعني المجاز الذي تقدَّم ذكره عن الفارسي وتلميذه. الخامس: أن يكون ((أشدَّ)) نصباً على الحال من ((ذِكْراً)) لأنه لو تأخّر عنه لكان صفةً له، كقوله(٤): ٨٩١ - لميَّةَ موحشاً طَلَلُ يَلُوح كأنه خِلَلُ (موحشاً)) حالٌ من ((طلل))، لأنه في الأصلِ صفةٌ، فلما قُدِّم تعذّر بقاؤه (١) فيكون مجمل التقدير: كذكركم قوماً أشد ذكراً من ذكركم لآبائكم. (٢) المشكل ٩٠/١. (٣) الاملاء ٨٨/١. (٤) تقدم برقم ٦٠٨. ٣٣٩ - البقرة - ٤٠ صفةً فَجُعِلَ حالاً، قاله الشيخ (١)، فإنه قال بعد ذكره ثلاثةَ أوجه لنصبه ووجهين لجرّه: ((فهذه خمسةُ أوجه كلُّها ضعيفة، والذي يتبادر إلى الذهنِ في الآية أنهم أُمروا بأَنْ يَذْكُروا الله ذكراً يُماثل ذكرَ آبائهم أو أشدَّ، وقد ساغ لنا حَمْلُ هذه الآية عليه بوجهٍ، ذُهلوا عنه))، فَذَكَر ما تقدم. ثم ◌َوَّز في ((ذِكْراً)) والحالةُ هذه وجهين، أَحدُهما: أن يكونَ معطوفً على محلِّ الكاف في («كذكركم)». ثم اعترض على نفسِه في هذا الوجه بأنه يلزم منه الفصلُ بين حرفِ العطف وهو ((أو) وبين المعطوف وهو (ذِكْراً)) بالحال ((وهو)) أشدَّ))، وقد نصَّ النحويون [على] أن الفصلَ بينهما لا يجوز إلا بشرطين، أحدُهُما: أن يكون حرفُ العطفِ أكثرَ من حرفٍ واحد. والثاني: أن يكونَ الفاصلُ قَسَماً أو ظرفاً أو جاراً، وأحدُ الشرطين موجودٌ وهو الزيادة على حرفٍ والآخرُ مفقودٌ، وهو كونُ الفاصل ليس أحدَ الثلاثةِ المتقدمة. ثم أجابَ بأن الحالَ مقدرةٌ بحرفِ الجر(٢) وشَبَّهه بالظرفِ فَأُجْرِيَت مُجْرَاهما. والثاني(٣) من الوجهين في ((ذِكْراً)) أن يكون مصدراً لقوله: ((فاذكروا)) ويكون قولُه: ((كذكركم)) في محلِّ نصبٍ على الحال من ((ذِكْراً) لأنها في الأصل صفةٌ له، فلما قُدِّمت كانت في محلُّ حال، ويكون ((أشدَّ) عطفاً على هذه الحالِ، وتقديرُ الكلام: فاذكروا الله ذكراً كذكركم، أي: مُشْبِهاً ذكركم أو أشدَّ، فيصيرُ نظيرٍ ((اضربْ مثل ضربٍ فلانٍ ضرباً أو أشد)» الأصل: اضرب ضرباً مثلَ ضَرْبٍ فلانٍ أو أشدَّ. و ((ذِكْراً)) تمييزٌ عند غير الشيخ كما تقدَّم، واستشكلوا كونَه تمييزاً منصوباً (١) البحر ١٠٤/٢. (٢) أي: في حال. والعجيب أن أبا حيان ظاهري فكيف يُسَوَّغ لنفسه مثل هذه التأويلات !!. (٣) وهو الوجه الثاني الذي جَوَّزه أبو حيان. ٣٤٠