Indexed OCR Text
Pages 281-300
- البقرة - والثاني: أنه مشتقُّ عنده مِنْ قَرَّنْتُ بين الشيئينِ، فيكونُ وزنُهُ على هذا: فُعالاً، وعلى الأول. فُعْلاناً، وذلك أنه قد قُرِنَ فيه بين السورِ والآياتِ والحِكَمِ والمواعِظِ. وأما قولُ مَنْ قال إنَّه مشتقُّ مِنْ قَرَيْتُ الماءَ فِي الحَوْضِ أَي جَمَعْتُه فغلطٌ، لأنَّهما مادتان متغايرتان. و((القرآنُ)) مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعله، ومعنى (أُنْزِل فيه القرآن)): أنَّ القرآن نَزَلَ فيه فهو ظرفٌ لإنزالِه: قيل في الرابع والعشرين منه، وقيل: أَنْزِلَ في شأنِه وفضلِه، كقولك ((أَنْزِلَ في فلانٍ قرآنٌ)). قوله: ((هدىًّ)) في محلِّ نصبٍ على الحالِ من القرآن، والعاملُ فيه (أَنْزِلَ)) وهُدَىَّ مصدرٌ، فإمَّا أَنْ يكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي: ذا هدى أو على وقوعِه موقعَ اسمِ الفاعلِ أي: هادياً، أو على جَعْلِه نفسَ الهُدى مبالغةً. قوله: (للناس)) يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يتعلَّقَ بـ ((هُدَىَّ)) على قولِنا بأنه وَقَعَ مَوْقِعَ ((هادٍ))، أي: هادياً للناس. والثاني: أَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ لأنه صفةٌ للنكرةِ قبلَه، ويكونُ محلُّه النصبَ على الصفةِ، ولا يجوزُ أَنْ يكون ((هُدَىَّ)) خبر مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: ((هو هدى)) لأنه عُطِفَ عليه منصوبٌ صريحٌ وهو: ((بيِّنات))، و((بِّنات)) عطفٌ على الحالِ فهي حالٌ أيضاً، وكلا الحالَيْنِ لازمةٌ، فإنَّ القرآن لا يكون إلا هُدىًّ وبيناتٍ، وهذا من باب عطف الخاص على العامِّ، لأنَّ الهدى يكونُ بالأشياء الخفيّة والجليَّةِ، والبِّنات من الأشياء الجَلِيَّةِ . قوله: ((من الهدى والفرقان)) هذا الجارُّ والمجرورُ صفةٌ لقوله: ((هدئٍ وبيِّنَاتٍ)) فمحلُّه النصبُ، ويتعلَّق بمحذوفٍ، أي: إِنَّ كَوْنَ القرآنِ مدىٍّ وبيِّنات هو من جملةِ هُدَى اللهِ وبَيِّنَاتِه؛ وعَبِّر عن البيناتِ بالفرقان ولم يأتِ ((مِن الهُدى والبينات)) فيطابقْ العجزُ الصدر لأنَّه فيه مزيدُ معنىً لازم للبينات ٢٨١ - البقرة ـــ وهو كونُهُ يُفَرِّقُ بين الحقِّ والباطلِ ، ومتى كان الشيءُ جليًّاً واضحاً حَصَل به الفرقُ، ولأنَّ في لفظِ الفرقانِ تواخيَ الفواصِلِ قبله، فلذلك عَبَّر عن البينات بالفرقان. وقال بعضُهم: ((المرادُ بالهُدى الأولِ أصولُ الدياناتِ وبالثاني فروعُها)). وقال ابنُ عطية (١): ((اللامُ في الهُدى للعهدِ، والمرادُ الأولُ)) يعني أنه تقدَّم نكرةٌ، ثم أُعيد لفظُها معرفاً بأل، وما كان كذلك كان الثاني فيه هو الأولَ نحو قوله: ((إلى فرعون رسولاً، فعصى فرعونُ الرسول)»(٢)، ومِنْ هنا قال ابن عباس: (لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ)) وضابطُ هذا أَنْ يَحُلَّ محِلَّ الثاني ضميرُ النكرةِ الأولى، ألا ترى أنه لوقيل: فعصاه لكان كلاماً صحيحاً). قال الشيخ(٣): ((وما قاله ابنُ عطية لا يتأتَّى هنا، لأنه ذَكَرَ هو والمُعْرِبُون أنَّ ((هدى)) منصوبٌ على الحالِ، والحالُ وَصْفٌ في ذي الحال، وعَطَفَ عَليه ((وَبِيِّنات)) فلا يَخْلُو قولُه (من الهدى)) - المرادُ به الهدى الأولُ - من أن يكونَ صفةً لقوله ((هُدَىَّ)) أو لقولِهِ ((وبيناتٍ)) أَوْ لهما، أو متعلِّقاً بلفظ ((بينات)). لا جائزٌ أن يكونَ صفةً لـ ((هدى)) لأنه مِنْ حيثُ هو وَصْفٌ لزم أن يكونَ بعضاً، ومن حيث هو الأولُ لَزِمِ أنْ يكونَ إياه، والشيء الواحدُ لا يكونُ بعضاً كُلَّ بالنسبةِ لماهِيَّتِه، ولا جائزٌ أَنْ يكونَ صفةً لبيناتٍ فقط لأنَّ ((وبينات)) معطوفٌ عِلَى ((هُدَى)) و((هُدَى)) حالٌ، والمعطوفُ على الحالِ حالٌ، والحالانِ وصفٌ في ذي الحال، فمِنْ حيثُ كونُهما حالَيْن تَخَصَّص بهما ذو الحال إذ هما وَصْفانِ، ومِنْ حيثُ وُصِفَتْ (َبَيِّنات)) بقوله: ((مِنَ الهدى)) خَصَصْناها به / فتوقَّفَ [ ٧٠/أ] تخصيصُ القرآن على قوله: (هُدَىَّ وَبِيِّنات)) معاً، ومن حيثُ جَعَلْتَ ((مِنْ الهدى)) صفةً لبيِّنات وتَوَقُّفَ تخصيصُ ((بيَّنات)) على ((هُدَى)) فَلَزِمَ من ذلك 1 (١) التفسير ٥١٦/١. (٢) الآية ١٥ - ١٦ من المزمل. (٣) البحر ٤٠/٢. ٢٨٢ - البقرة - تخصيصُ الشيءِ بنفسِه وهو مُحالٌ. ولا جائزٌ أَنْ يَكونَ صفةٌ لهما لأنه يَفْسُدُ من الوجهينِ المذكورينِ مِنْ كونِه وَصَفَ الهدى فقط، أو بينات فقط. ولا جائزٌ أَنْ يتعلَّق بلفظِ ((بينات)) لأنَّ المتعلَّقَ قَيّدُ في المتعلَّقِ به، فهو كالوصفٍ فيمتنع من حيثُ يمتنعُ الوصفُ، وأيضاً فلوجَعَلْتَ هنا مكانَ الهدى ضميراً فقلْتَ: منه، أي: من ذلك الهُدى لم يَصِحّ، فلذلك اخْتَرْنا أن يكونَ الهُدى والفرقانُ عامّيْنِ حتى يكونَ هُدَى وبينات بعضاً منهما)». قوله: ((فَمَنْ شَهِدَ منكمُ الشِّهْرَ)) ((مَنْ)) فيها الوجهانِ: أعني كونَها موصولةً أو شرطيةً، وهو الأظهرُ. و((منكم)) في محلّ نصبٍ على الحالِ من الضميرِ المستكنِّ في ((شَهِدَ))، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: كائناً منكم. وقال أبو البقاء (١): ((منكم)) حالٌ من الفاعلِ، وهي متعلقةٌ بـ ((شَهِدَ)). قال الشيخ (٢): ((فَنَاقَضَ، لأنَّ جَعْلَهَا حالاً يوجِبُ أَنْ يكونَ عاملُها محذوفاً، وجَعْلَها متعلقةٌ بِشَهِدَ يوجِبُ ألّ تكونَ حالاً)). ويمكنُ أَنْ يُجابَ عن اعتراضٍ الشيخ عليه بأنَّ مرادَه التعلُّق المعنوي، فإنَّ كائناً الذي هو عاملٌ في قولِه (منكم) هو متعلُّقٌ بِشَهِدَ، وهو الحالُ حقيقةً. وفي نَصْبِ ((الشهر)) قولان، أحدُهما: أنّه منصوبٌ على الظرف، والمرادُ بشَهِدَ: حَضَر ويكونُ مفعولُ ((شَهِدَ)) محذوفاً تقديرُهُ: فَمَنْ شَهِدَ مِنكُم المِصْرَ أو البلدَ في الشهرِ. والثاني: أنه منصوبٌ على المفعولِ به، وهو على حَذْفِ مضافٍ. ثم اختلفوا في تقدير ذلك المضاف: فالصحيحُ أنَّ تقديره ((دخول الشهر)). وقال بعضُهم: هلال الشهر، وهذا ضعيفٌ لوجهين، أحدهما: أنك لا تقول: شَهِدْتُ الهلالَ، إنما تقول: شاهَدْتُ الهلالَ. (١) الاملاء ٨٢/١. (٢) البحر ٤١/٢. ٢٨٣ - البقرة - والثاني: أنه كان يَلْزَمُ الصومَ كلُّ مَنْ شَهِدَ الهلالَ، وليس كذلك: وقال الزمخشري(١): ((الشهرَ منصوبٌ على الظرف، وكذلك الهاءُ في ((فَلْيَصُمْه)»، ولا يكونُ مفعولاً به كقولك: شَهِدْتُ الجمعة، لأنَّ المقيمَ والمسافِرَ كِلاهُما شاهِدَان للشهرِ)) وفي قوله: ((الهاء منصوبةٌ على الظرفِ)) فيه نظرٌ لا يَخْفَى؛. لأنَّ الفعلَ لا يتعدَّى لضميرِ الظَرْفِ إلا بـ((في))، اللهم إلَّ أَنْ يُتَوَسَّعَ فيهِ، فَيُنْصَبَ نَصْبَ المفعولِ به، وهو قد نَصَّ على أَنَّ نَصْبَ الهاءِ أيضاً على الظرفِ. .! والفاءُ في قوله: ((فَلْيَصُمْهُ)): إمَّا جوابُ الشرطِ، وإمَّا زائدةٌ في الخبر على حَسَبٍ ما تقدَّم في ((مَنْ))، واللامُ لامُ الأمرِ. وقرأ الجمهورُ بسكونِها وإنْ كانِ أصلُها الكسرَ، وإنما سكَّنوها تشبيهاً لها مع الواوِ والفاءِ بـ ((كَتِف»، إجراءً للمنفصِلِ مُجْرَى المتصلِ. وقرأ السلمي(٢) وأبو حَيْوة وغَيْرُهُما بالأصل، أعني كسر لامِ الأمر في جميعِ القرآن. وفَتْحُ هذه اللامِ لغةُ سُلَيْم فيما حكاه الفراء، وقَيَّد بعضُهم (٣) هذا عن الفراء، فقال: ((مِنْ العرب مَنْ يفتحُ هذه اللام لفتحةِ الياء بعدها))، قال: ((فلا يكونُ على هذا الفتحُ إن انكسَرَ ما بعدها أو ضُمَّ نحو: لِيُنْذِرُ، ولِتُكْرِمْ أنتَ خالداً». والألفُ واللامُ في قولِه ((فَمَنْ شَهِدَ منكم الشهرَ» للعهدِ إذ لو أَتَى بدَلِه بضميرٍ فقالَ: فَمَنْ شَهِدَهُ منكم لَصَحَّ، إلا أنَّه ◌َبْرزه ظاهراً تَنْوبهاً به. قوله: ((يريد اللهُ بكم الْيُسْرَ)) تقدَّم معنى الإِرادة واشتقاقُها عند قوله تعالى: ((ماذا أراد الله بهذا))(٤). و((أراد)» يتعدى في الغالبِ إلى الأجْرام بالياء (١) الكشاف ٣٣٦/١. (٢) البحر ٤١/٢؛ الشواذ ١٢. (٣) هو الخضراوي صاحب كتاب ((الإِعراب)) كما في البحر ٤١/٢، وانظر: معاني القرآن للفراء ٢٨٥/١. (٤) الآية ٢٦ من البقرة. ٢٨٤ - البقرة - وإلى المصادرِ بنفسِه كالآيةِ الكريمةِ، وقد يَنعكِسُ الأمرُ، قال الشاعر(١): عَراراً لِعَمْرِي بالهَوانِ فَقَدْ ظَلَمْ ٨٤٩ - أرادَتْ عَراراً بالهَوانِ ومَنْ يُرِدْ والباءُ في ((بكم؛ قالَ أبو البقاء(٢): ((للإلصاقِ، أي: يُلْصِقُ بكم الْيُسْرَ وهو من مجازِ الكلامِ ، أي: يريدُ اللهُ بفِطْركم في حالِ العُذْرِ اليسرَ. وفي قوله: ((ولا يريدُ بكم العُسْرَ) تأكيدٌ، لأنَّ قبلَه ((يريدُ بكُم الْيُسْرَ» وهو كافٍ عنه(٣). وقرأ أبو جعفر ويحيى بن وثاب وابن هرمز: ((اليُسُر والعُسُر)) بضمّ السين، واختلف النحاةُ: هل الضَمُّ أصلٌ والسكونُ تخفيفٌ، أو الأصلُ السكونُ والضمُّ للإِتباعِ؟ الأولُ أظهرُ لأنه المعهودُ في كلامِهم. قوله: ((ولِتُكْمِلوا)) في هذه اللام ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنها زائدةً في المفعولِ به كالتي في قولك: ضَرَبْتُ لزيدٍ، و((أَنْ)) مُقَدَّرةٌ بعدَها تقديرُه: ((ويريد أنْ تُكمِلوا العِدَّة)) أي: تكميلَ، فهو معطوفٌ على الْيُسْر. ونحوُه قولُ أبي صخر (٤): ٨٥٠ - أريدُ لِإِنْسَى حُبَّها فكأنَّما تَمَثَّلُ لي ليلى بكلِّ طريقٍ وهذا قولُ ابن عطية(٥) والزمخشري(٦) وأبي البقاء(٧)، وإنما حَسُنَتْ زيادةُ هذه اللام في المفعولِ - وإنْ كان ذلك إنما يكونُ إذا كان العاملُ فرعاً (١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٢/٢. (٢) الاملاء ٨٢/١. (٣) البحر ٤٢/١؛ ابن عطية ٥١٧/١؛ الشواذ ١٢. (٤) البيت لكثير وليس لأبي صخر، وهو في ديوانه ٢٤٨/١؛ والكامل ٨٢٣؛ واللامات ١٥١؛ والذيل ١٢٠؛ والبحر ٤٢/٢؛ والمغني ٢٣٦؛ وشواهد المغني ٦٥. (٥) التفسير ٥١٧/١. (٦) الكشاف ٣٣٧/١. (٧) الاملاء ٨٢/١. ٢٨٥ - البقرة: أو تقدَّمَ المعمولُ - من حيث إنه لمَّا طالَ الفصلُ بين الفعلِ وبين ما عُطِفَ على مفعوله ضَعُفَ بذلك تَعَذِّيه إليه فَعُدِّي بزيادة اللام قياساً لضَعْفِهِ بطولٍ الفصلِ على ضَعْفِه بالتقديم. الثاني: أنَّها لامُ التعليلِ وليسَتْ بزائدةٍ، واختلَفَ القائلون بذلك على ستةِ أوجه أحدُها: أن يكونَ بعدَ الواوِ فعلٌ محذوفٌ / وهو المُعَلَّل تقديرُهِ: [٧٠/ب] (ولِتُكْمِلوا العِدَّة فَعَلَ هذَ))، وهو قولُ الفراء(١). الثاني ــ وهو قولُ الزجاج- أن تكونَ معطوفةً على علة محذوفٍ حُذِفَ معلولُها أيضاً تقديرُه: فَعَلَ الله ذلك لِيُسَهِّلَ عليكم ولِتُكْمِلوا. الثالث: أن يكونَ الفعلُ المُعَلَّلُ مقدراً بعد هذه العلةِ تقديرُه: ((ولِتُكْمِلوا العدَّةَ رخّص لكم في ذلك)) ونَسبه ابن عطية(٢) لبعض الكوفيين. الرابع: أنَّ الواوَ زائدةٌ تقديرُه: يريد الله بكم كذا لِتُكْمِلوا، وهذا ضعيفٌ جداً. الخامسُ أَنْ يكونَ الفعلُ المُعَلَّلُ مقدراً بعدَ قوله: ((وَلَعَلَّكم تَشْكُرون))، تقديرُه: شَرَعَ ذلك، قاله الزمخشري(٣)، وهذا نصُّ كلامِه قال: (شَرَعَ ذلك، يَعني جُملةَ ما ذَكَر من أمرِ الشاهدِ بصومِ الشهرِ وأمرِ المرخّصِ له بمراعاةٍ عِدَّةٍ ما أَفْطَر فيهِ ومن الترخيص في إباحةِ الفطر، فقولُه: ((ولِتُكْمِلوا) علَّةُ الأمر بمراعاةِ العدَّة، و(لِتُكَبِّروا)) علةُ ما عُلِم من كيفية القضاءِ والخروج عن عُهْدةِ الفِطْر و((لعلَّكم تَشْكرون)) علةُ الترخيصِ والتيسير، وهذا نوعٌ من اللفِّ. لطيفُ المَسْلَكِ، لا يهتدي إلى تبيُّنه إلا النُّقَّابُ من علماءِ البيانِ)). السادس: أن تكونَ الواوُ عاطفةً على علةٍ محذوفةٍ، التقديرُ: لتعملوا ما تعلّمون: ولِتُكْملوا، قاله الزمخشري (٤)، وعلى هذا فالمعلِّلُ هو إرادةُ التيسيرِ. واختصارُ (١) معاني القرآن للفراء ٤/١ (٢) ابن عطية ٥١٨/١. (٣) الكشاف ٣٣٦/١. (٤) الكشاف ٣٣٧/١. ٢٨٦ - البقرة - هذه الأوجهِ أَنْ تكونَ هذه اللامُ علةَ لمحذوفٍ: إمّا قبلَها وإمَّا بَعدَها، أو تكونَ علةً للفعلِ المذكور قبلَها وهو ((يُريد)). الثالث: أنَّها لامُ الأمرِ، وتكونُ الواوُ قد عَطَفَتْ جملةً أمريةً على جملةٍ خبريّةٍ، فعلى هذا يكونُ من بابِ عطفِ الجملِ ، وعلى ما قبلَه يكونُ من عَطْفِ المفردات كما تقدَّم تقريرُه، وهذا قولُ ابنِ عطية (١)، وضَعَّفه الشيخُ(٢) بوجهَيْنِ، أحدُهما: أنَّ أَمْرَ المخاطبِ بالمضارِعِ مع لامِه لغةً قليلةٌ نحوُ: لِتَقُمْ يا زيد، وقد قرىء شاذاً: ((فبذلك فَلْتفرحوا))(٣) بتاء الخطاب. والثاني: أن القُرَّاءَ أَجْمَعُوا على كسرِ هذه اللامِ، ولو كانَتْ للأمرِ لجاز فيها الوجهان: الكسرُ والإِسكانُ كأخواتها. وقرأ الجمهورُ ((ولِتُكْمِلوا)) مخففاً من أَكْمل، والهمزةُ فيه للتعدية. وقرأ أبو بكر بتشديدِ(٤) الميم، والتضعيفُ للتعديةِ أيضاً؛ لأنَّ الهمزةَ والتضعيفَ يتعاقبان في التعديةِ غالباً، والألفُ واللامُ في ((العِدَّة)) تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أحدُهما: أنها للعهدِ فيكونُ ذلك راجعاً إلى قولِه تعالى: ((فَعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ» وهذا هو الظاهرُ، والثاني: أَنْ تكونَ للجنسِ ، ويكونُ ذلك راجعاً إلى شهرِ رمضانَ المأمورِ بصومِه، والمعنى أنكم تأتُون ببدلِ رمضان كاملاً في عِدَّته سواءً كان ثلاثين أم تسعةً وعشرين. واللامُ في ((وَلِتُكَبِّروا)) كهي في ((ولِتُكْمِلوا))، فالكلامُ فيها كالكلام فيها، إلَّ أنَّ القولَ الرابعَ لا يتأتّى هنا. قوله: ((على ما هَداكُمْ)) هذا الجارُّ متعلُّقٌ بـ (تُكَبِّروا)). وفي ((على)) (١) التفسير ٥١٨/١. (٢) البحر ٤٣/٢. (٣) الآية ٥٨ يونس، وهي قراءة ابن سيرين وقتادة. المحتسب ٣١٣/١. وانظر: رصف المباني ٢٢٧ . (٤) السبعة ١٧٦؛ الكشف ٢٨٣/١. ٢٨٧ - البقرة بـ قولان، أحدُهما: أنها على بابِها من الاستعلاءِ، وإنما تَعَدَّى فعلُ التكبيرِ بها لتضمُّنِهِ معنى الحمدِ: قال الزمخشري (١): ((كأنَّه قيل: ولِتُكَبِّروا اللّه حامِدِين على ما هَذَاكم)) قال الشيخ (٢): (وهذا منه تفسيرُ معنى لا إعراب، إذ لو كان كذلك لكانَ تعلُّقُ ((على)» بـ ((حامدين)) التي قَدَّرها لا بـ ((تُكِّروا)، وتقدِيرُ الإِعراب في هذا هو: ((ولِنَحْمَدُوا اللّه بالتكبيرِ على ما هداكم، كما قدَّره الناسُ في قوله(٣): ٨٥١ - قد قَتَلَ اللهُ زياداً عَنِّي أي: صَرَفَه بالقَتَلِ عني، وفي قولِه(٤): بصيرونَ فِي طَعْنِ الكُلى والأباهِرِ ٨٥٢ _ ويَرْكَبُ يومَ الرَّوْعِ مِنَّا فوارِسٌ أي: متحكِّمون بالبصيرة في طَعْنَ الكُلى)). والثاني: أنها بمعنى لامٍ العلَّةِ، والأول أولى لأنَّ المجازَ في الحرفِ ضعيفٌ. و((ما)) في قوله: ((على ما هداكُمْ)) فيها وجهان، أظهرهُما: أنها مصدريةٌ، أي: على هدايته إياكم. والثاني: أنَّها بمعنى الذي. قال الشيخ (٥): ((وفيهُ بُعْدٌ مِنْ وَجْهَيْن، أحدُهما: حَذْفُ العائدِ تقديرُه: هداكُموه، وقَدَّره منصوباً لا مجروراً باللامِ ولا بإلى، لأنَّ حَذْفَ المنصوبِ أسهلُ، (١) الكشاف ٣٣٧/١. (٢) البحر ٢/ ٤٤ . (٣) تقدم برقم ١٩٦. (٤) البيت لكعب بن زهير، وهو في ديوانه ١٣٤ برواية: يُرُدُونَ طَعْناً في الأباهِرِ والكُلى كما ينسب لزيد الخيل الطائي، وهو في إعراب القرآن المنسوب خطأً للزجاج ٢/ ٣٤°؛ وأمالي الشجري ٢٦٨/٢؛ والأشموني ٢١٩/٢؛ والهمع ٣٠/٢؛ والدرر ٢٦/٢. (٥) البحر ٤٤/٢ . ٢٨٨ - البقرة - والثاني: حَذْفُ مضافٍ يَصِحُّ به معنى الكلامِ، تقديرُه: على اتباع الذي هَداكُمْ أو ما أَشْبَهَه)) . وخُتِمَتْ هذه الآية بترجِّي الشكر لأنَّ قبلَها تيسيراً(١) وترخيصاً، فناسَبٌ خَتْمَها بذلك. وخُتمت الآيتان قبلَها بترجِّي التقوى، وهو قولُه: ((ولكم في القِصاص حياةً))(٢) وقولُه: ((كُتِبَ عليكم الصِّيامُ))(٣) لأنَّ القصاصَ والصومَ من أشقِّ التكاليفِ، فناسَب خَتْمَها بذلك، وهذا أسلوبٌ مطَرَدٌ، حيث وَرَدَ ترخيصٌ عقّب بترجي الشكر غالباً، وحيث جاء عَذَمُ ترخيصٍ عَقَّب بترجي التقوى وشِبْهِها، وهذا من محاسِن علمِ البيانِ. آ. (١٨٦) قوله تعالى: ﴿وإذا سأَلَك عبادي عني فإني قريبٌ أُجيبُ﴾: في ((أُجِيب) وجهانِ أحدُهما: أنها جملةٌ في محلٌّ رفع صفةٌ لـ ((قَرِيبٌ)) والثاني أنها خبرٌ ثانٍ لإِنِّي، لأنَّ ((قريب)) خبرٌ أولُ. ولا بُدَّ من إضمارٍ قولٍ بعدَ فاء الجزاء تقديرُه: فَقُلْ لهم إني قَرِيبٌ، وإنما احتُجْنا إلى هذا التقديرِ لأنَّ المترتّب على الشرط الإِخبارُ بالقُرْبِ. وجاء قولُه ((أجيب)) مراعاةٌ للضميرِ السابقِ على الخبرِ، ولم يُراعَ الخبرُ فيقالُ: ((يُجِيبُ)) بالغَيْبَة مراعاةً لقوله: ((قريبٌ)) لأنَّ الْأَشهَر من طريقتي العرب هو الأولُ، كقوله تعالى: ((بل أنتم قومٌ تَجْهَلون))(٤) وفي أخرى ((بل أَنْتُم قَوْمٌ تُفْتَنُون))(٥)، وقولِ الشاعر (٦): (١) الأصل: ((تيسير وترخيص)) وهو سهو. (٢) الآية ١٧٩ من البقرة. (٣) الآية ١٧٨ من البقرة. (٤) الآية ٥٥ من النمل. (٥) الآية ٤٧ من النمل. (٦) تقدم برقم ٧٢٣. ٢٨٩ - البقرة - إذا ما رَأَنْهُ عامِرٌ وَسَلُولُ ٨٥٣ - وإنَّا لَقَوْمٌ مَا نرى القَتْلَ سُبَّةً / ولو راعى الخبر لقال: ((مَا يَرَوْنَ القَتْلَ)). :[١/٧١] وفي قوله: ((عَنِّي)) و((إنِّي)) التفاتٌ من غَيْبَة إلى تَكَلُّمٍ، لأنَّ قِبَلَه، (ولتُكَبِّروا الله)) والاسمُ الظاهرُ في ذلك كالضميرِ الغائبِ. والكافُ في ((سألَكَ)) للنبي صلى الله عليه وسلم وإنْ لم يَجْرِ لَه ذكْرٌ، إلَّ أنَّ قوله: ((أُنْزِل فيه القرآن)) يَدُنُّ عليه، لأنَّ تقديره: ((أُنْزِلَ فيه القرآنُ على الرسول صلى الله عليه وسلم)). وفي قوله: («فإني قريب)» مجازٌ عن سرعةِ إجابته لدعوة داعیه، وإلّ فهو متعالٍ عن القُرْبِ الحسي لتعاليه عن المكان، ونظيرُه: ((ونحن أقربُ إليه من حَبْل الوريد))(١)، ((هو بَيْنَكُم وبين أَعْنَاق رواحلِكم))(٢). والعاملُ في ((إذا)) قال الشيخ(٣): ((قولُه: أُجيبُ)) يعني ((إذا)) الثانيةَ، فيكونُ التقديرُ: أُجِيبُ دعوته وقتَ دعائِه، فيُحْتَمِلُ أنْ تكونَ لمجردِ الظرفية وأَنْ تكونَ شرطيةً، وحذف جوابها لدلالةِ ((أُجِيْبُ)) عليه، وحينئذٍ لا يكونُ ((أُجيبُ)) هذا الملفوظُ به هو العامل فيها، بل ذلك المحذوفُ، أو يكونُ هو الجوابَ عند مَنْ يُجيز تقديمَه على الشرط. وأمَّا ((إذا)). الأولى فإنَّ العاملَ فيها ذلك القولُ المقدَّرُ. والهاء في «دعوة)) ليستْ الدالّة على المَرَّة نحو: ضَرْبَة وقَتْلَة، بل التي بُنِيَ عليها المصدرُ نحو: رَحْمة ونَجْدة، فلذلك لم تَدُلَّ على الوَحْدَة. والياءان من قولِه: ((الداع ـ دغانٍ)) من الزوائدِ عند القُرَّاء، ومعنى ذلك أنَّ الصحابة لم تُثْبِتْ لها صورةً في المصحفِ، فمن القُرَّاء مَنْ أَسْقَطَها تَبَعاً للرسم وَقْفاً ووَصْلاً، ومنهم مَنْ يُثْبِتُها في الحالَيْن، ومنهم مَنْ يُشْبِتُها وَضْلاً (١) الآية ١٦ من سورة ق. (٢) حديث شريف رواه الترمذي في الدعوات ٥٩، التحفة ٤٢٩/٩ بلفظ ((رؤوس رحالكم). (٣) البحر ٤٦/٢. ٢٩٠ - البقرة - ويَحْذِفُها وَقْفاً، وجملةُ هذه الزوائد اثنتان وستون ياءً، ومعرفةُ ذلك مُحَالةٌ على كتبِ القراءاتِ(١)، فَأَتْبَتَ أبو عمروٍ وقالون هاتين الياءيْن وَصْلاً وحَذَفَاها وقفاً. قوله: ((فَلْيَسْتجيبوا لي)) في الاستفعالِ هنا قولان، أحدُهما: أنَّه للطلبِ على بابِه، والمعنى: فَلْيَطْلُبوا إجابتي قاله ثعلب. والثاني: أنه بمعنى الإِفعال، فيكون استفعل وأَفْعَل بمعنىٍّ، وقد جاءَتْ منه ألفاظُ نحو: أقرَّ واستقرَّ؛ وأبَلَّ المريضُ واسْتَلَّ، وأحصدَ الزرعُ واستحصد، واستثار الشيء وأثارَه، واستعجله وأَعْجَله، ومنه استجابَهُ وأجَابَهُ، وإذا كان استفعل بمعنى أَفْعَل فقد جاء متعدِّياً بنفسه وبحرف الجرِّ، إلا أنه لم يَرِدْ في القرآن إلَّ مُعَدَّىَّ بحرف الجرِّ نحو: ((فاستجبنا له))(٢) فاستجاب لَهُم))، ومِنْ تعدِّيه بنفسِه قوله(٤): ٨٥٤ - وداعٍ دَعَا يا مَنْ يُجيبُ إلى النَّدى فلم يَسْتَجِبْه عند ذاك مُجِيبُ ولقائلٍ أن يقولَ: يَحْتَمِلُ هذا البيتُ أَنْ يكونَ مِمَّا حُذِفَ منه حرفُ الجر(٥). واللامُ لامُ الأمر، وفَرَّق الرماني بين أَجاب واستجاب: بأنَّ ((استجاب)) لا يكون إلا فيما فيه قبول لِما دُعِي إليه نحو: ((فاسْتَجَبْنا له))(٦) («فاستجاب لهم ربُّهم))(٧)، وأمَّا ((أجاب)) فأعمُّ لأنه قد يُجيب بالمخالفة، فَجَعَل بينهما عموماً وخصوصاً. (١) انظر: الكشف لمكي ٣٣١/١. (٢) الآية ٨٤ من الأنبياء. (٣) الآية ١٩٥ من آل عمران. (٤) تقدم برقم ٢١٥. (٥) أي فيكون الأصل: فلم يستجب له. (٦) الآية ٧٦ من الأنبياء. (٧) الآية ١٩٥ من آل عمران. ٢٩١ - البقرة - والجمهورُ على ((يَرْشُدون)) بفتح الياء وضمِّ الشينِ، وماضيه زَشَدَ بالفتح وقرأ(١) أبو حيوة وابن أبي عبلة بخلافٍ عنهما بكسر الشين، وقُرىء بفتحها. وماضيه رَشِد بالكسر، وقرىء: يُرْشَدون)) مبنياً للمفعول، وقرىء: ((يُرْشِدُونِ)» بضم الياء وكسر الشين من أَرْشد. والمفعولُ على هذا محذوفٌ تقديرُه: یُرْشِدون غيرهم . آ. (١٨٧) قوله تعالى: ﴿ليلةَ الصيامِ﴾: منصوبٌ على الظرفِ، وفي الناصبِ له ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها : - وهو المشهورُ عند المُعْرِبين - أنه ((أُحِلَّ))، وليس بشيءٍ، لأنَّ الإِحلال ثابتٌ قبلَ ذلك الوقتِ. الثاني: أنه مقدرٌ مدلولٌ عليه بلفظ ((الرفث)»، تقديرُه: أُحِلَّ لكم أن تَرْفُوا ليلة الصيامِ، كما خَرَّجوا قول الشاعر(٢): ٨٥٥ - وبعضُ الحِلْمِ عِند الجَهْـ ـلٍ للذُّلَّةِ إِذْعَانُ أي: إذعان للذلة إذعانٌ، وإنما لم يَجُزْ أَن يَنْتَصِب بالرَّفَثِ لأنه مصدرٌ مقدَّرٌ بموصولٍ ، ومعمولُ الصلة لا يتقدَّمُ على الموصولِ فلذلك احْتُجْنا إلى إضمار عاملٍ مِنْ لفظِ المذكورِ. الثالث: أنه متعلِّق بالرفثِ، وذلك على رأي مَنْ يرى الاتساعَ في الظروف والمجرورات، وقد تقدَّم تحقيقه. وأضيفت الليلة اتساعاً لأنَّ شرطَ صحتِه وهو النيةُ موجودةٌ فيها، والإِضافة [تحصُل] بأدنى ملابسةٍ، وإلَّ فمِنْ حَقِّ الظرف المضاف إلى حَدَثٍ أن يُوجَدَ ذلك الحدثُ في جزء من ذلك الظرف، والصومُ في الليلِ غيرُ معتبرٍ، ولكنَّ المُسَوِّغَ لذلك ما ذَكرْتُ لك. (١) البحر ٤٧/٢؛ ابن عطية ٤٥٢٠/١ الشواذ ١٢. (٢) البيت للفند الزماني، وهو في أماني القالي ٢٦٠/١؛ والجمع ٩٤/٢؛ والدرر ١٢٤/٢، أي : إذا حلمت على الجاهل ركبك فلحقك مذلة. ٢٩٢ - البقرة - والجمهورُ على ((أُحِلَّ)) مبنياً للمفعولِ للعلمِ به وهو اللَّهُ تعالى، وقرىء مبنياً(١) للفاعلِ ، وفيه حينئذٍ احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ من باب الإِضمارِ لفَهْمِ المعنى، أي أَحَلَّ اللَّهُ، لأنَّ من المعلومِ أنه هو المُحَلِّل والمحرِّم. والثاني: أن يكونَ الضميرُ عائداً على ما عاد عليه من قولِهِ: ((فَلْيَسْتجيبوا لي وَلْيؤمنوا بي)) وهو المتكلمُ، ويكونُ ذلك التفاتاً، وكذلك في قوله ((لكم)) التفاتُ من ضميرِ الغَيْبة في: ((فَلْيَسْتجيبوا وَلْيؤمنوا)). وعُدِّي ((الرفث)) بإلى، وإنما يتعدَّى بالباء لِما ضُمِّن مِنْ معنى الإِفضاء، كأنه قيل: أُحِلَّ لكم الإِفضاءُ إلى نسائِكم بالرَّفَث. وقرأ عبد الله(٢) ((الرَّفوتُ)). والرَّفَتُ لغةً مصدرُ: رَفَكَ يَرْفُث إذا تكلم بالفُحْشِ، وأَرْفَثَ أتى بالرَّفَثِ، قال العجاج: (٣) ٨٥٦ - ورُبَّ أسرابِ حجيجٍ كُظّمِ عنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التكلُّم وقال الزجاج(٤) : - ويُروى عن ابن عباس - ((إن الرفثَ كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يريدُه الرجلُ من المرأة)). وقيل: الرفث: الجِماعُ نفسُه، وأنشد(٥): ٨٥٧ ۔ ویُرَیْنَ من أَنَسِ الحدیثِ زوانیا ولَهُنَّ عن رَفَتِ الرجالِ نِفارُ وقول الآخر: (٦) ٨٥٨ - فَظِلْنَا هنالِكَ فِي نِعْمَةٍ وَكلِّ اللَّذَاذَةِ غيرَ الرَّفَتْ (١) قراءة ابن ميسرة كما في الشواذ ١٢؛ والبحر ٤٨/٢. (٢) البحر ٤٨/٢؛ وابن عطية ٥٢١/١. (٣) ديوانه ٤٥٦؛ والمحتسب ٢٤٧/٢؛ والخصائص ١ /٣٣؛ واللسان: كظم. (٤) معاني القرآن ٢٤٢/١. (٥) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر المحيط ٢٧/٢. (٦) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر المحيط ٢٨/٢. ٢٩٣ - البقرة - ولا دليل فيه لاحتمالِ إرادة مقدمات الجِماع كالمداعَبَةِ والقُبْلَةَ، وأنشد(١) ابنُ عباس وهو مُحْرِمُ: / [٧١/ب] ٨٥٩ - وهُنَّ يَمْشِينُ بنا هَمِيسا إِنْ يَصْدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَمِيسا فقيل له: رَفْتَ، فقال: إنما الرَّفَث عند النساءِ(٢). قوله: (كنتم تَخْتَانون)) في محلِّ رفعٍ خبرٌ لأنَّ. و(«تَخْتانون)» في محلٌ نصبٍ خبرٌ لكان. قال أبو البقاء(٣): ((وكُنْتُم هنا لفظُها لفظُ الماضي ومعناها المضيُّ أيضاً، والمعنى : أن الاختيان كان يقعُ منهم فتاب عليهم منه، وقيل: إنه أرادَ الاختيان في الاستقبال، وذَكَرَ ((كان)) ليحكي بها الحالَ كما تقول: إن فعلت كنت ظالماً)) وفي هذا الكلامِ نظرٌ لا يَخْفى. و («تَخْتَانون)» تَفْتَّعِلُون من الخيانة، وعينُ الخيانة واوٌ لقولهم: خانَ يخُون، وفي الجمع: خَوَنَة، يقال: خانَ يَخُون خَوْنً وخيانة، وهي ضدُّ الأمانة، وتَخَوَّنْتُ الشيءَ تَنَقَّصْتُه، قال زهير (٤): ٨٦٠ - بآرِزَةِ الفَقَّارَةِ لم يَخُنْهَا قِطافٌ في الرِّكاب ولا خِلَاءُ وقال الزمخشري(٥): ((والاختيانُ: من الخيانة كالاكتساب من الكَسْبِ، فيه زيادةٌ وشِدَّة)) يعني من حيثُ إنَّ الزيادة في اللفظ تُنْبِىءُ عن زيادةٍ في المعنى، كما قَدَّمَهُ في قولِهِ الرحمنُ الرحيمُ. وقيل هنا: تختانون أَنْفُسَكُم أي: (١) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان رفث، وشواهد الكشاف ٤٢٨/٤؛ والدرر ١٩٩/١. (٢) أي يكون هذا رفثاً بحضرة النساء. (٣) الإملاء ٨٣/١. (٤) ديوانه ٦٣؛ والخصائص ١٥١/٢؛ اللسان: خلا؛ وآرزة الفقارة: مجتمعة، وذلك أشدُّ لها؛ القطاف: مقاربة الخطوة؛ الركاب: الإِبل؛ والخلاء: من خلأت الناقة إذا بركث. (٥) الكشاف ٣٣٨/١. ٢٩٤ - البقرة - تتعهدونها بإتيان النساء، وهذا يكون بمعنى التخويل، يقال: تَخْوَّنه وَتَخَوَّله بالنون واللام، بمعنى تَعَهَّده، إلا أنَّ النونَ بدلٌ من اللام، لأنه باللامِ أشهرُ. و((عَلِمَ)) إنْ كانَتِ المتعدية لواحد بمعنى عَرَف، فتكونُ ((أَنَّ)) وما في حِّزها سادَّةٍ مَسَدَّ مفعولٍ واحدٍ، وإن كانتِ المتعديةَ لاثنينٍ كانَتْ سادةٌ مَسَدَّ المفعولينِ على رأي سيبويهِ (١)، ومَسَدَّ أحدِهما والآخرُ محذوفٌ على مذهبٍ الأخفش. وقوله: ((هُنَّ لِباسٌ لكم)) لا محلّ له من الإِعراب، لأنه بيانٌ للإِحلالِ فهو استئنافٌ وتفسيرٌ. وقَدَّمَ قولَه: ((هُنَّ لباسٌ لكم)) على ((وأنتم لباسٌ لَهُنَّ) تنبيهاً على ظهورٍ احتياجِ الرجل للمرأةِ وعَدَم صَبْرِهِ عنها، ولأنَّه هو البادئُ بطلبٍ ذلك، وكَنَّى باللباسِ عن شِدَّةِ المخالَطَةِ كقولِهِ - هو النابغة الجعْدِي(٢) -: ٨٦١ - إذا ما الضجيعُ ثَنَى جِيدَها تَنَّتْ عليه فكانَتْ لبساسا وفيها أيضاً(٣) : وَأَقْنَيْتُ بعد أُناسٍ أُناسا ٨٦٢ - لَبِسْتُ أُناساً فَأَقْنَيْتُهُمْ قوله: ((فالآن باشِروهُنَّ» قد تقدَّم الكلامُ على ((الآن)). وفي وقوعِهِ ظرفاً للأمرِ تأويلٌ، وذلك أنه للزمنِ الحاضِرِ والأمرُ مستقبلٌ أبداً، وتأويلُهُ ما قاله أبو البقاء قال: (٤) ((والآن: حقيقَتُه الوقتُ الذي أَنْتَ فيه، وقد يقع على (١) الكتاب ٦٤/١. (٢) ديوانه ٨١؛ مشكل ابن قتيبة ١٤٢؛ والقرطبي ٣٤١/١؛ وشواهد الكشاف ٤٢٨/٤. (٣) من قصيدة الشاهد السابق وهو في: اللسان: لبس؛ والقرطبي ٣١٦/٢؛ ابن عطية ٥٢٣/١. (٤) الإِملاء ٨٣/١. ٢٩٥ - البقرة - الماضي القريب منكَ، وعلى المستقبلِ القريبِ، تنزيلاً للقريبِ منزلةً الحاضِرِ، وهو المرادُ هنا، لأنَّ قوله: «فالآن باشروهُنَّ» أي: فالوقتُ الذي كان يُحَرَّمُ عليكم فيه الجِماعُ من الليل)» وقيل: هذا كلامٌ محمولٌ على معناه، والتقدير: فالآن قد أَبَحْنا لكم مباشَرَتَهُنَّ، ودَلَّ على هذا المحذوفِ لفظُ الأمر فالآن على حقيقته. وقرىء: ((واتَّبِعُوا))(١) منْ الاتِّباع، وتُرْوى عن ابن عباس ومعاوية ابن قرة(٢) والحسن البصري. وفَسَّروا «ما كَتَب اللَّهُ)) بليلة القدر، أي: أَتَّبِعوا ثوابها، قال الزمخشري (٣): ((وهو قريبٌ من بِدَعِ التفاسير)). قوله: ((حتى يَتَبَّنَ)) ((حتى)» هنا غايةٌ لقولِهِ: ((كُلُوا واشربوا)) بمعنى إلى، ويقال: تُبَّن الشيءُ وأبان واستبان وبانَ كُلُّه بمعنَّى، وكلُّها تكونُ متعديةً ولازمةً، إلَّ ((بان)) فلازمٌ ليس إلَّ. و((مِن الخيط)) مِنْ لابتداءِ الغاية وهي ومجرورُها في محلِّ نصبٍ بـ يتبيَّن، لأنَّ المعنى: حتى يُبَايِن الخيطُ الأبيضُ الأسود . و ((من الفجر)) يجوزُ فيه ثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أن تكونَ تبعيضيةً فتعلَّق أيضاً بـ ((يتبيَّن))؛ لأنَّ الخيطَ الأبيضَ هو بعضُ الفجرِ وأولُه، ولا يَضُرُّ تعلُّق حرفين (٤) بلفظٍ واحدٍ بعاملٍ واحدٍ لاختلافِ معناهما. والثاني: أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنها خالٌ من الضمير في الأبيض، أي: الخيطُ الذي هو أبيضُ كائناً من الفجرِ، وعلى هذا يجوزُ أن تكونَ ((مِنْ)» لبيانٍ الجنس كأنه قيل: (١) قراءة الجمهور: ((وابتغوا)) وانظر: البحر ٥٠/٢؛ ابن عطية ٥٢٤/١. (٢) معاوية بن قرة البصري، روى عن أبيه وعن معقل بن يسار، وروى عنه ابنه، توفي سنة ١١٣. انظر: تهذيب التهذيب ٢١٧/١٠. (٣) الكشاف ٣٣٩/١. (٤) الأصل: ((حرفان)» وهو سهو. ٢٩٦ - البقرة - الخيطُ الأبيضُ الذي هو الفجرُ. والثالث: أن يكونَ تمييزاً، وهو ليس بشيء، وإنما بَيّن قولَه ((الخيط الأبيض)) بقولِهِ: ((مِنَ الفجرِ)، ولم يُبَيِّن الخيطَ الأسود فيقول: مِنَ الليلِ اكتفاءً بذلك، وإنما ذَكَرَ هذا دونَ ذاك لأَنَّه هو المَنُوط به الأحكامُ المذكورةُ من المباشَرَةِ والأكلِ والشُّرْبِ. وهذا من أحسنِ التشبيهات حيث شَبَّه بياضَ النَّهار بخيطٍ أبيضَ، وسوادَ الليل بخيطٍ أسودَ، حتى إنه لما ذَكَر عَدُّ بن حاتَمٍ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه فَهِمَ من الآية حقيقةً الخيطِ تعجّب منه، وقال: ((إن وسادَك لَعَرِيض))(١) ويُروى: ((إنك لعريضُ القَّفَا)). وقد رُوي أنَّ بعضَ الصحابة فَعَلَ كَفِعْلِ عَدِيٍّ، ويُرْوى أن بينَ قولِهِ ((الخيط الأبيض)) ((من الخيط الأسود)) عاماً(٢) كاملاً في النزول. وهذا النوعُ من بابِ التشبيهِ من الاستعارة، لأنَّ الاستعارَة هي أَنْ يُطْوَى فيها ذِكْرُ المُشَبَّهِ، وهنا قد ذُكِرَ وهو قولُهُ: ((من الفجرِ))، ونظيرُهُ قولُكَ: ((رأيت أسداً من زيدٍ)) لولم تَذْكُر: ((من زيدٍ)) لكانَ استعارةً. ولكنَّ التشبيهَ هنا أبلغُ، لأنَّ الاستعارة لا بد فيها من دلالةٍ حاليةٍ، وهنا ليس ثَمَّ دلالةٌ، ولذلك مَكَثَ بعضُ الصحابة يَحْمِلُ ذلك على الحقيقةِ مدةً، حتى نَزَلَ ((مِنَ الفَجْرِ) فَتُرِكَتْ الاستعارةُ وإنْ كانَتْ أبلغَ لِمَا ذَكَرْتُ لك. والفجرُ مصدر فَجَرَ يَفْجُرُ أي : انشَقَّ. قوله: ((إلى الليل)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلِّق بالإِتمامِ فهو غايةٌ له. والثاني: أنه في محلّ نصبٍ على الحالِ من الصيام، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: كائناً إلى الليل، و((إلى)) إذا كان ما بعدها من غيرِ جنسٍ ما قبلَها لم يدخُلْ فيه، والآيةُ من هذا القبيلِ . (١) رواه مسلم ٧٦٧/٢؛ أبو داود ٧٦١/٢. (٢) الأصل: ((عام كامل)) وهو سهو. ٢٩٧ - البقرة ـ (وأنتم عاكفون)) جملةٌ حاليةٌ من فاعل ((تباشروهُنَّ))، والمعنى: لا تباشروهُنَّ وقد نَوَيْتُم الاعتكافَ في المسجد، وليس المرادُ النهيَ عن مباشرتِهِنَّ في المسجدِ بقيدِ الاعتكافِ، لأنَّ ذلك ممنوعٌ منه في غير الاعتكاف أيضاً. والعُكُوف: الإِقامَةُ والملازَمَةُ له، يقال: عَكَف / بالفتح يَعْكِفُ بالضم [١/٧٢] والكسر، وقد قُرىء: ((يُعْكفون على أصنامٍ))(١) بالوجهين وقال الفرزدق(٢): على صَنَمٍ في الجاهليةِ عُكَّفُ ٨٦٣ - تَرَى حَوْلَهُنَّ المُعْتَفِين كأنَّهم وقال الطرماح(٣): ٨٦٤ _ وظلَّ بناتُ الليلِ حولي عُكَّفاً عكوفَ البواكي بينهنَّ صَرِيعُ ويقال: الافتعالُ منه في الخير، والانفعالُ في الشَّرِّ. وأمَّا الاعتكافُ في الشرع فهو إقامةٌ مخصوصةٌ بشرائط، والكلامُ فيه بالنسبة إلى الحقيقةِ الشرعيةِ كالكلام في الصلاة. وقرأ قتادة(٤): ((عَکِفُون)) کأنه يقال: عاکِفٌ وعَكِفُ نجو بار وَبَرّ وَرَابٍّ وَرَبِّ. وقرأ الأعمش(٥): ((في المسجدِ)) بالإِفرادِ كأنه يريد الجنس . قوله: ((تلك حدودُ اللَّهِ)) مبتدأ وخبرٌ، واسمُ الإشارةِ أَخْبَرَ عنه بجمعٍ فلا جائزٌ أنْ يُشاربه إلى ما نِهِيَ عنه في الاعتكاف لأنه شيءٌ واحدٌ، بل هو إشارةً (١) الآية: ١٣٨ من الأعراف، قرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف والباقون بالضم. انظر: السبعة ٠.٢٩٢ (٢) ديوانه ٥٦١؛ وتفسير الطبري ٥٤٠/٣؛ والبحر ٢٨/٢. والمُعْتَفون: الذين يطلبون المعروف . (٣) ديوانه ١٥٣؛ وتفسير الطبري ٥٣٩/٣؛ واللسان: بنو. وبنات الليل: الأحلام، أو أهوال الليل ، أو النساء. (٤) البحر ٥٣/٢؛ ابن عطية ٥٢٨/١؛ الشواذ ١٢ وقرأها كذلك مجاهد. (٥) البحر ٥٤/٢؛ ابن عطية ٥٢٨/١؛ الشواذ ١٢. ٢٩٨ - البقرة - إلى ما تضمَّنَتْه آيةُ الصيامِ من أولها إلى هنا، وآيةُ الصيامِ قد تَضَمَّنَتْ عدةً أوامِرَ، والأمرُ بالشيء نْهَيّ عن ضدِّه، فبهذا الاعتبارِ كانَتْ عِدَّةً مناهيَ (١)، ثم جاء آخرُها صريحَ النهي وهو: ((ولا تباشِرُوهُنَّ)) فَأَطْلَقَ على الكل ((حدوداً) تغليباً للمنطوقِ به، واعتباراً بتلك المناهي التي تضمّنْهَا الأوامرُ، فقيل فيها حدودٌ، وإنما اضطُرِرْنَا إلى هذا التأويلِ لأنَّ المأمورَ به لا يقال فيه ((فلا تَقْرَبُوها)). قال أبو البقاء(٢): ((دخولُ الفاءِ هنا عاطفةٌ على شيءٍ محذوفٍ تقديرهُ: (تَنبّهوا فلا تَقْرَبُوها))، ولا يَجُوز في هذه الفاء أَنْ تكونَ زائدةً كالتي في قولِهِ تعالى: ((وإياي فارهبون))(٣) على أحدِ القولَيْنِ، لأنه كانَ ينبغي أن ينتصِبَ ((حدودَ الله)) على الاشتغالِ، لأنه الفصيحُ فيما وَقَعَ قبل أمر أو نهي نحو: (زيداً فاضْرِبْهِ، وعمراً فلا تُهِنْهُ))(٤) فلمَّا أَجْمَعَتِ القُرَّاءُ هنا على الرفع علمنا أنَّ هذه الجملةَ التي هي ((فلا تَقْرَبُوها)» منقطعةٌ عمَّا قبلها، وإلَّ يلزمْ(٥) وجودُ غيرِ الفصيحِ في القرآنِ . والحدودُ: جَمْعُ حَدٍّ وهو المنعُ، ومنه قيلَ للبَوَّاب: حَدَّاد، لأَنَّه يَمْنَعُ من العبور. وحَدُّ الشيءِ منتهاه ومنقطَعُه، ولهذا يُقال: الحَدُّ مانِعٌ جامع أي: يَمْنَعَ غير المحدودِ الدخولَ في المحدودِ. والنهيُ عن القربانِ أَبْلَغُ من النهيِ عن الالتباسِ بالشيءٍ، فلذلك جاءتِ الآيةُ الكريمةُ. وقال هنا: ((فلا تقْرَبُوها) وفي مواضع أُخَرَ: ((فلا تَعْتَدُوها))(٦) ومثلُه: (١) كذا في الأصل، لعل الأجود ((مناهٍ)). (٢) الإملاء ٨٣/١. (٣) الآية ٤٠ من البقرة. (٤) لأن خبر المبتدأ يضعف أن يكون إنشاء. (٥) التقدير: وإنْ لا نعتقد ذلك يلزم وجود. (٦) الآية ٢٢٩ من البقرة. ٢٩٩ - البقرة ــ (وَمَنْ يَتَعَدَّ حدودَ الله)) (١) ((ويتعدَّ حدودَه))(٢) لأنه غَلَّب هنا جهةَ النهي إذ هو المُعَقَّبُ بقوله: ((تلك حدودُ اللَّهِ) وما كان مَنْهِيّاً عن فعلِهِ كان النهيُ عِنْ قُرْبَانِهِ أبلغَ، وأمَّا الآياتُ الْأُخَرُ فجاء ((فلا تَعْتَدُوها)) عَقِبَ بيانِ أحكامٍ ذُكِرَت قبلُ كالطلاقِ والعِدَّة والإِيلاءِ والخَيْض والمواريث، فناسَبَ أن يَنْهَى عن التَّعذِّي فيها، وهو مجاوزَةُ الحَدِّ الذي حَدَّه اللَّهُ فيها. قوله: ((كذلك يُنَيِّنَ اللَّهُ)) الكافُ في محلِّ نصب: إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: بياناً مثلَ هذا البيانٍ، أو حالاً من المصدرِ المحذوفِ کما هو مذهبُ سییویه . آ. (١٨٨) قولُه تعالى: ﴿بينكم﴾: في هذا الظرفِ وجهان، أحدُهما: أن يتعلَّقَ بتأكلوا بمعنى: لا تَتْنَاقَلوها فيما بينكم بالأكلِ. والثاني: أنه متعلَّقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من ((أموالكم))، أي: لا تأكلوها كائنةٌ بينكم. وقَدَّره أبو البقاء(٣) أيضاً بكائنةٍ(٤) بينكم أو دائرةٍ بينكم، وهو في المعنى كقولهِ: ((إلَّ أَنْ تكونَ تجارةً حاضرةٌ تُديرونها بينكم))(٥)، وفي تقدير ((دائرةً)) - وهو كونٌ مقيَّدٌ - نَظَرُ لا يَخْفَى، إلَّ أَنْ يُقالَ: دَلَّتِ الحالُ عليه. قولُه ((بالباطلِ)) فيه وجهان، أحدُهما: تعلُّقه بالفعل، أي: لا تَأْخُذوها بالسببِ الباطلِ . الثاني: أَنْ يكونَ حالاً، فيتعلَّقَ بمحذوفٍ، ولكنْ في صاحِبِها احتمالان، أحدهما: أنه المالُ، كأن المعنى، لا تأكلوها ملتبسةً بالباطلِ ، والثاني: أَنْ يكونَ الضَمِيرَ في ((تأكلوا)) كأنَّ المعنى: لا تأكلوها مُبْطِلين، أي: مُلْتَبِسِينَ بالباطِل. (١) الآية ٢٢٩ من البقرة. (٢) الآية ١٤ من النساء. (٣) الإملاء ١ /٨٤. (٤) الأصل: ((بدائرة)) وهو سهو لأنها سَتَرِدُ بعد قليل. (٥) الآية ٢٨٢ من البقرة. ٣٠٠