Indexed OCR Text
Pages 181-200
- البقرة - للمضارعِ فينسبكُ منها مصدرٌ مجرورٌ باللامِ ، وتقدَّم تحقيقُه. و((عليكم)) فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلقَ بأُتِمَّ، والثاني : أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من نعمتي، أي: كائنةً عليكم. آ. (١٥١) قوله تعالى: ﴿كما أُرْسلنا﴾: في الكافِ قولان، أظهرُهما: أنَّها للتشبيه. والثاني: أنها للتعليل، فعلى القولِ الأولِ تكونُ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ. واختَلَفَ الناسُ في متعلَّقِها حينئذٍ على خمسةِ أوجهٍ، أحدُها: أنها متعلقةٌ بقوله: ((ولأتِمَّ)) تقديرُه: ولأنَّم نعمتي عليكم إتماماً مثلَ إتمامِ الرسولِ فيكم، ومتعلَّقُ الإِتمامَيْنِ مختلفٌ، فالأولُ بالثوابِ في الآخرةِ والثاني بإرسالٍ الرسولِ في الدنيا، أو الأولُ بإيجابِ الدعوةِ الأولى لإِبراهيم في قوله: ((ومِنْ ذريتنا أمةٌ مسلمةً لك))(١) والثاني بإجابةِ الدعوةِ الثانية في قوله: ((ربَّنا وابعَثْ فيهم رسولاً منهم))(٢)، [ورجَّحه مكي(٣) لأنَّ سياقَ اللفظِ يَدُلُّ على أنَّ المعنى](٤): ولأتمَّ نعمتي ببيان مِلَّةِ أبيكم إبراهيمَ كما أَجْنا دعوتَه فيكم فَأَرْسلنا إليكم رسولاً منكم. الثاني أَنها متعلقةٌ بيهتدون، تقديرُه: يَهْتدون اهتداءً مثلَ إرسالِنا فيكم رسولاً، ويكون تشبيهُ الهدايةِ بالإِرسال في التحقيقِ والثبوتِ، أي: اهتداءً متحققاً كتحققٍ إرسالِنا. الثالث : - وهو قول أبي مسلم _ (٥) أنها متعلقةُ بقوله: ((وكذلك جَعَلْناكم أمةً وَسَطاً)(٦)، أي: جَعْلًا مثلَ إرسالِنا. وهذا بعيدٌ جداً لطولِ الفصلِ المؤذنِ بالانقطاعِ. الرابع: أنها متعلقةٌ بما بعدها وهو ((اذكروني))، قال الزمخشري(٧): ((كما ذَكَرْتُكُم (١) الآية ١٣٨ من البقرة. (٢) الآية ١٢ من البقرة. (٣) مشكل إعراب القرآن ٧٥/١. (٤) غير واضح في مصورة الأصل. (٥) أبو مسلم الأصبهاني. تقدمت الترجمة. (٦) الآية ١٤٣ من البقرة. (٧) الكشاف ٣٢٣/١. ١٨١ - البقرة - بإرسالِ الرسلِ فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب، فيكونُ على تقديرِ مصدرٍ محذوفٍ، وعلی تقدیرٍ مضافٍ أي: اذکروني ذكراً مثل ذِكْرِنا لكم بالإِرسال، ثم صار: مثلَ ذكرِ إرسالِنا، ثم حُذِفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقَامَه، وهذا كما تقول: كما أتاك فلان فإنه يكرمك، والفاءُ غيرُ مانعةٍ من ذلك)) قال أبو البقاء (١): ((كما لم تَمْنَعْ في باب الشرط)) يعني أنَّ ما بعدَ فاءِ الجزاءِ يَعْمَلُ فيما قبلها. [وقد رَدَّ مكي (٢) هذا بأنَّ الأمرَ إذا كان له جوابٌ لم يتعلَّق به ما قبله](٣) لاشتغالِه بجوابِه و((اذكروني)) قد أُجيب بقوله: ((أذكرْكم)) فلا يتعلَّقُ به ما قبلَه، قال ((ولا يجوزُ ذلك إلا على التشبيه بالشرطِ الذي يُجاب بجوابين نحو: إذا أتاك فلانٌ فِأكرمه تَرْضَهْ، فيكونُ ((كما)» و «فأذكركم)» جوابين للأمرِ، والأول أفصحُ وأشهرُ، وتقول: ((كما أحسنت إليك فأكرمني)) فَيَصِحُ أن تجعلَ الكافَ متعلقةً بأکرمني إذ لا جواب له)». وهذا الذي منعه مكي قال الشيخ(٣): ((لا نعلم خلافاً في جوازِه)) وأمَّا قولُه: ((إلا أن يُشَبَّه بالشرطِ)) وجعلُه ((كما)) جواباً للأمر فليس بتشبيهٍ صحيحٍ ولا يُتَعَقِّلُ، وللاحتجاجِ عليه موضعٌ غيرُ هذا الكتاب. قال الشيخ(٤): وإنما يَخْدِشُ هذا عندي وجودُ الفاء فإنها لا يعمل ما بعدها فيما قبلها وتَبْعُدُ زيادتُها)). انتهى وقد تقدَّم ما نقلته عن أبي البقاء في أنها غيرُ مانعةٍ من ذلك. الخامس: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ من ((نعمتي)) والتقديرُ: ولأُتّمَّ نعمتي مُشْبِهَةً إِرِسالنَا فيكم رسولاً، أي: مشبهةً نعمةً الإِرسالِ ، فيكونُ على حَذْفِ مضافٍ. (١) الإملاء ٦٩/١. (٢) ليس في المشكل غير عبارة: ((وفيه بُعْدٌ لتقدُّمِه)) .. (٣) ما بين معقوفين غير واضح في مصورة الأصل. (٤) البحر ٤٤٤/١. (٥) البحر ٤٤٤/١. ١٨٢ -+ - البقرة - وأمَّا على القولِ بأنَّها للتعليلِ فتتعلَّقُ بما بعدَها وهو قولُه: ((فاذكروني)) أي: اذكروني لأجلِ إرسالِنا فيكم رسولاً، وكونُ الكافِ للتعليل واضحٌ، وجَعَلَ بعضُهم منه: ((واذكروه كما هداكم))(١)، وقولَ الآخر(٢): ٧٧٦ - لا تَشْتُمِ الناسَ كما لا تُشْتَمُ أي: لا تشتم لامتناعِ الناسِ مِنْ شَتْمِكَ. وفي ((ما)) المتصلةِ بهذه الكافِ ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنها مصدريةٌ وقد تقدَّم تحريرُه. والثاني: أنها بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ، و((رسولاً)) بدلٌ منه، والتقديرُ: كالذي أرسلناه رسولا، وهذا بعيدٌ جداً، وأيضاً فإنَّ فيه وقوعَ ((ما)) على آحادِ العقلاءِ وهو قولٌ مرجوحٌ الثالث: أنها كافةٌ للكافِ كهي في قوله(٣): ٧٧٧ - لَعَمْرُكَ إنني وأبا حُمَيْدٍ كما النَّشْوانُ والرجلُ الحليمُ ولا حاجةً إلى هذا، فإنه لا يُصَار إلى ذلك إلَّ حيث تعذَّرَ أَنْ ينسبكَ منها ومِّمَّا بعدها مصدرٌ، كما إذا اتصلت بجملةٍ اسميةٍ كالبيتِ المتقدِّم. و((منكم)) في محلِّ نصبٍ لأنه صفةً لـ ((رسولاً)) وكذلك ما بعدَه من الجمل، ويُحتمل أن تكونَ الجملُ بعده حالاً لتخصص النكرةِ بوَصْفِها بقوله: ((منكم))، [ ١/٦٠] وأتى بهذه الصفاتِ بصيغة المضارعِ لأنه يَدُلُّ على / التجدُّدِ والحدوثِ، وهو مقصودٌ ها هنا بخلاف كونِه منهم فإنَّه وصفٌ ثابتٌ له، وهنا قَدَّم التزكيةَ على (١) الآية ١٩٨ من البقرة. (٢) البيت لرؤبة، وهو في ملحق ديوانه ١٨٣ وقبله: وَشَخَصَتْ أبصارُهُم وَأَجْذَموا وهو في الكتاب ٤٥٩/١؛ ورصف المباني ٢١٤؛ والإنصاف ٥٩١؛ والخزانة ٢٨٢/٤؛ والدرر ٤٣/٢. (٣) البيت لزياد الأعجم، وهو في الجنى الداني ٤٨١؛ والمغني ١٩٤. ١٨٣ - البقرة ــ التعليم ، وفي دعاءِ إبراهيم (١) بالعكسِ، والفرقُ أنَّ المرادَ بالتزكيةِ هنا التطهيرُ من الكفرِ وكذلك فَسَّروه، وهناك المرادُ بها الشهادةُ بأنّهم خيارٌ أزكياءُ وذلك متأخّر عن تعلُّمِ الشرائعِ والعَمَلِ بها، وقوله: ((يُعَلَّمكم ما لم تكونوا تَعْلمون)» بعد قوله: ((وَيُعَلَّمَكم الكتابَ والحكمةَ)) مِنْ بابِ ذكرِ العامِّ بعد الخاصِّ وهو قليلٌ بخلافِ عکسِه. آ. (١٥٢) وقوله تعالى: ﴿واشكروا لي﴾: تقدَّم أنَّ ((شكر)) يتعذّبی تارةً بنفسِه وتارةً بحرفِ جَرٍّ على حدٍّ سواءٍ على الصحيحِ، وقال بعضُهم: إذا قلت: شكرْتُ لزيدٍ فمعناه شَكَرْتُ لزيدٍ صَنِيعَه، فَجَعَلُوه متعدِّياً لاثنينٍ أحدُهما بنفسِه والآخرُ بحرفِ اَلجَرَ، ولذلك فسَّر الزمخشري (٢) هذا الموضعَ بقولِه: ((واشكُروا لي مَا أَنْعَمْتُ به عليكم)). وقال ابن عطية(٣): ((واشكروا لي واشكروني بمعنى واحد، و((لي)) أفصحُ وأشهرُ مع الشكر، ومعناه نعمتي وأيادِيَّ، وكذلك إذا قُلْتَ: شَكَرْتُك، فالمعنى شَكَرْتُ لك صنيعك وذَكَرْتُه، فَحَذَفَ المضافَ، إذ معنى الشكرِ ذِكْرُ اليدِ وذِكْرُ مُسْدِيها معاً، فما حُذِفَ مِنْ ذلك فهو اختصارٌ لدلالةِ ما بقي على ما حُذِفَ)). آ. (١٥٤) قوله تعالى: ﴿أُمواتٌ بل أحياءٌ﴾: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: لا تقولوا: هم أمواتٌ، وكذلك ((أحياءٌ)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: بل هم أحياءٌ، وقد راعى لفظَ ((مَنْ)) مرةً فَأَفْرَدَ في قولِه ((يُقْتَلُ))، ومعناها أخرى فَجَمَع في قوله ((أمواتٌ بل أحياءٌ)) واللامُ هنا للعِلَّة، ولا تكونُ للتبليغ، لأنهم لم يُبلِّغوا الشهداء قولَهم هذا. والجملةُ من قوله: ((هم أمواتٌ)) في محلٌ نصب بالقول لأنهامحكيَّةٍ به، وأما ((بل هم أحياء)) فيتحمل وجهين، أحدهما: (أ) الآية ١٢٩ من البقرة: ((ويُعَلِّمُهُمْ الكتاب والحكمة ويزكِّيهم)) . (٢) الكشاف ٣٢٣/١. (٣) التفسير ٤٥٤/١. ١٨٤ - البقرة - ألاّ يكونَ له محلٍّ مِنَ الإِعرابِ، بل هو إخبارٌ مِنَ الله تعالَى بأنَّهم أحياءٌ، ويُرَجِّحُه قولُه: ((ولكنْ لا تشعرون)) إذ المعنى لا شعورَ لكم بحياتهم. والثاني: أن يكون محلُّه النصبُ بقولٍ محذوفٍ تقديرُه، بل قولوا هم أحياء، ولا يجوزُ أن ينتصِبَ بالقولِ الأولِ لفسادِ المعنى، وحُذِفَ مفعولُ ((يشعرون)) ((لِفَّهُمِ المعنى أي : بحیاتھم. آ. (١٥٥) قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم﴾: هذا جوابُ قسمٍ محذوفٍ، ومتى كان جوابُه مضارعاً مثبتاً مستقبلاً وَجَبَ تلقِّيه باللامِ وإحدى النونين خلافاً الكوفيين حيث يعاقبون بينهما، ولا يُجِيز البصريونَ ذلك إلا في ضرورةٍ. وقُتِح الفعل المضارعُ لاتصالِه بالنونِ وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك وما فيه من الخلاف. قوله: ((بشيءٍ)) متعلُّقٌ بقوله: ((لَنَبْلُوَنَّكَ)) والباءُ معناها الإِلصاقُ، وقراءةُ الجمهورِ على إفرادِ (شيء)) ومعناها الدَّلالةُ على التقليلِ، إذ لو جَمَعَه لاحتمل أن يكون ضروباً من كل واحد. وقرأ(١) الضحاك بن مزاحم ((بأشياء)» على الجمعِ ، وقراءةُ الجمهور لا بُدَّ فيها من حذفٍ تقديرُه: وبشيءٍ من الجوعِ وبشيءٍ من النقصِ، وأمّا قراءةُ الضحاك فلا تحتاجُ إلى هذا، وقولُه ((من الخوف)) في محلِّ جرِّ صفةً لشيء فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. قوله: ((ونَقْصٍ)) فيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ معطوفاً على (شيء)) والمعنى: بشيءٍ من الخوفِ وينقصٍ ، والثاني: أن يكونَ معطوفاً على الخوفِ، أي: وبشيءٍ من نَقْصِ الأموال، والأولُ أَوْلَى لاشتراكِهما في التنكير. قوله: (مِنَ الأموالِ)) فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يكونَ متعلِّقاً بنَقْصِ W لأنه مصدرُ نَقَص، وهو يتعدَّى إلى واحد، وقد حُذِفَ، أي: ونقصٍ شيءٍ مِنْ (١) البحر ٤٥٠/١؛ ابن عطية ٤٥٧/١. ١٨٥ - البقرة - كذا. الثاني: أن يكونَ في محلٌّ جر صفةً لذلك المحذوفِ، فيتعلُّقَ بمحذوفٍ، أي: ونقصِ شيءٍ كائنٍ مِنْ كذا. الثالث: أن يكونَ في محلٌ نصبٍ صفةً لمفعولٍ محذوفٍ نُصِبَ بهذا المصدرِ المنَّوَّنِ، والتقديرُ: ونقصٍ شيئاً كائناً من كذا، ذكره أبو البقاء(١)، ويكونُ معنى ((مِنْ)) على هذين الوجهين التبعيضَ. الرابع: أن يكونَ في محلّ جَرٍّ صفةً لـ «نَقْص))، فيتعلّقُ بمحذوفٍ أيضاً، أي: نقصٍ كائنٍ من كذا، وتكونُ ((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ. الخامس: أن تكونَ ((مِنْ)) زائدةً عند الأخفش(٢)، وحينئذ لا تَعَلَّق لها بشيءٍ. آ. (١٥٦) قوله تعالى: ﴿الذين إذا أصابَتْهُمْ مصيبةٌ﴾: فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ منصوباً على النعتِ للصابرين، وهو الأصحُ. الثاني : : أن يكونَ منصوباً على المدحِ. الثالث: أن يكونَ مرفوعاً على خبرٍ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هم الذين، وحينئذٍ يَحْتمل أن يكونَ على القُطْعِ، وأَنْ يكونَ على الاستئنافِ. الرابعُ: أنْ يكونَ مبتدأ، والجملةُ الشرطيةُ من ((إذا)) وجوابِها صلته، وخبرُه ما بعدَه من قولِه: ((أولئك عليهم صلواتٌ)). آ. (١٥٧) قوله تعالى: ﴿أولئك﴾: مبتدأٌ، و ((صلواتٌ)) مبتدأ ثانٍ، و((عليهم)) خبرُه مقدَّمٌ عليه، والجملةُ خبرُ قولِه ((أولئك))، ويجوزُ أَنْ تكونَ ((صلوات)) فاعلاً بقوله: ((عليهم)). قال أبو البقاء(٣): ((لأنه قد قَوِيَ بوقوعِه خبراً. والجملةُ من قوله: ((أولئك)) وما بعدَه خبرُ ((الذين)) على أحدِ الأوجهِ المتقدِّمةِ، أولا محلَّ لها على غيرِه من الأوجه، و((قالوا)) هو العاملُ في ((إذا)) لأنه جوابُها، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك، وتقدَّم أنها هل تقتضي التكرارَ أم لا (٤)؟ (١) الإملاء ٦٩/١: (٢) لم يشر إلى هذه الآية في كتابه المعاني. وانظر مذهبه في زيادة مِنْ ص ٩٨. (٣) الإملاء ٧٠/١. (٤) أي أن ((إذا)) هل تدل على التكرار أو وضعت للمرة الواحدة؟ قولان للنحاة. ١٨٦ - البقرة - قوله: ((إنَّا لله)) ((إِنَّ واسمُها وخبرُها في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ، والأصل: إنَّنَا بثلاث نوناتٍ، فَحُذِفَتِ الأخيرةُ من إنَّ لا الأولى، لأنه قد عُهِدَ حَذْفُها، ولأنها طَرَفّ والأطرافُ أَوْلَى بِالحَذْفِ، لا يُقال: ((إنها لو حُذِفَتِ الثانيةُ لكانَتْ مخففةً، والمخففةُ لا تعملُ على الأفصح فكانَ ينبغي أن تُلْغَى فينفصلَ الضميرُ المرفوعُ حينئذٍ إذ لا عمل لها فيه، فدلَّ عَدَمُ ذلك على أنَّ المحذوفَ النونُ الأولى)) لأنَّ هذا الحَذْفَ حَذْفٌ لتوالي الأمثالِ لا ذاك الحَذْفُ المعهود في ((إنَّ) و((أصابتهم مصيبةٌ)) من التجانسِ المغاير، إذ إحدى كلمتي المادةِ اسمٌ والأخرى فِعْلٌ، ومثلُه: ((أَزِفَتِ الأَزِفَةُ))(١) ((وَقَعَتِ الواقعةُ)(٢). قوله: ((ورحمةٌ)) عَطْفٌ على الصلاة وإن كانَتْ بمعناها، فإنَّ الصلاةَ من الله رحمةٌ لاختلافِ اللفظين كقوله(٣): ٧٧٨ - وقَدَّمَتِ الأدِيمَ لراهِشَيْهِ وأَلْفَى قولَها كَذِباً ومَيْنَا وقوله(٤): ٧٧٩ - أَلا حَبَّا هِنْدَ وأرضٌ بها هندُ وهندٌ أتى مِنْ دونِها النَّأْيُ وَالْبُعْدُ قولُه: ((مِنْ ربِّهم)) فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلُّقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ الصلوات، و((مِنْ)) للابتداءِ، فهو في محلِّ رفعٍ أي: صلواتٌ كائنةٌ من ربهم. والثاني: أن يتعلَّقُ بما تَضَمَنَّه قولُه ((عليهم)) من الفعل إذا جَعَلْناه رافعاً الصلوات رَفْعَ الفاعلِ، فعلى الأولِ يكونُ قد حَذَفَ الصفةَ بعد ((رحمة)) أي: ورحمةٌ منه، وعلى الثاني لا يَحْتَاج إلى ذلك. وقولُه ((وأولئك هم المهتدون)» نظيرُ: ((وأولئك هم المفلحون)»(٥). (١) الآية ٥٧ من النجم. (٢) الآية ١ من الواقعة. (٣) تقدم برقم ٤٦٥. (٤) تقدم برقم ٤٦٦. (٥) الآية ٥ من البقرة. ١٨٧ - البقرة - آ (١٥٨) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفا﴾: ((الصَّفا)» اسمُها، و («مِنْ شعَائِر الله)) خبرُها. قال أبو البقاء(١): ((وفي الكلامِ حَذْفُ مضافٍ، تقديرُه: ((طوافُ الصفا، أو سَعْيُ الصفاء. وألفُ الصَّفا عن واوٍ بدليلٍ قَلْبِها في التثنيةُ واواً ، قالوا: صَفَوان، والاشتقاقُ يَدُلُّ عليه أيضاً لأنَّه من الصَّفْوِ، وهو الخُلُوصُ، والصَّفا الحَجَرُ الأمْلَسُ وقيل: الذي لا يُخالِطُه غيرُه من طينٍ أو ترابٍ، ويُفَرَّقُ بين واحدِه وجَمْعِه تاءُ التأنيثِ نحو: صفاً كثيرٌ وصفاة واحدة، وقد يجمع الصَّفا على فُعول وأَفْعال قالوا: صُفِيٍّ بكسر الصاد وضمِّها كعِصِيّ، وأصْفاء، والأصل: صُفُوو وأَصْغَافِ، فَقُلِيَتِ الواوان في ((صُفُوو)) ياءَين، والواوُ في أصفاء همزةً ككساء وبابه. والمَرْوَةُ: الحِجارة الصِّغارُ، فقيل اللَّيِّنَة وقيل: الصُلبةِ، وقيل المُرْهَفَةُ الأطْراف، وقيل البيض وقيل: السُّود، وهما في الآية عَلَمان لجبلين معروفين. والألفُ واللامُ فيهما للغَلَبةِ كهما في البيت والنجم، وجمعها: مَرْوٌ، كقوله(٢): ٧٨٠ - وترى المَرْوَ إذا ما هَجَّرَتْ عنِ يَدَيْها كالفَراشِ المُشْفَتِرْ والشعائر: جمع شَعِيرَة وهي العلامةُ، وقيل: جمع شِعارة، والمرادُ بها في الآية مناسِكُ الحَجِّ، والأجود ((شعائر)) بالهمزِ لزيادةِ حرفِ المَدّ وهو عكسُ معائِش ومصائب. / [٦٠/ب] قوله: ((فَمَنْ حَجَّ البيتَ)) ((مَنْ)) شرطيّةٌ في محلّ رفع بالابتداءِ، و((حَجَّ) في محلِّ جَزْمٍ، و((البيتَ)) نَصْبُ على المفعولِ به لا على الظرفِ، والجوابُ قولُه: ((فلا جُناحَ)). والخُجُّ لغةً: القَصْدُ مرةً بعدَ أخرى، قال(٣): (١) الإملاء ٧٠/١. (٢) البيت لطرفة وهو في ديوانه ٦١؛ واللسان: شفتر؛ والبحر ٤٥٤/١؛ وهجَّرت: سارت بالهاجرة والمشفتر: المتفرق، وقد صحفت هذه اللفظة بالأصل فوقعت: المشفرة، ويضطرب بها البيت ولم أجدها فيها رجعت إليه. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٤٥٤/١. والمنقل: الخِفُّ، والبرجد: كساء من صوف أحمر، والبرنس: نوع من الثياب. ١٨٨ - البقرة - في مِنْقَلٍ وبُرْجُدٍ وبُرْنُسٍ ٧٨١ - لِراهِبٍ يَحُجُّ بيتَ المَقْدِسِ والاعتمارُ: الزيارةُ، وقيل: مطلقُ القصدِ، ثم صارا عَلَمين بالغَلَبة في المعاني كالبيت والنجم في الأعيان. وقوله: ((فلا جُناحَ عليهِ) الظاهرُ أنَّ ((عليه)) خبرُ ((لا))، و((أَنْ يَطَّوَّفَ)) أصلُه: فِي أَنْ يَطَّوَّفَ، فَحُذِف حرفُ الجر، فيجيء في محلّها القولان: النصبُ أو الجرُّ. والوقفُ في هذا الوجهِ على قولِه ((بهما)». وأجازوا بعد ذلك أوجهاً ضعيفةً منها: أن يكونَ الكلامُ قد تَمَّ عند قولِه ((فلا جُناحَ)) على أن يكونَ خبرُ ((لا)) محذوفاً، وقدَّره أبو البقاء (١): ((فلا جُناحَ في الحج)) ويُبْتَدَأ بقوله: ((عليه أن يَطَّوَّفَ)) فيكونُ ((عليه)) خبراً مقدماً و((أَنْ يَطَّوَّفَ)) في تأويلٍ مصدرٍ مرفوعٍ بالابتداءِ، فإنَّ الطوافَ واجبٌ، قال أبو البقاء هنا(٢): ((والجيدُ أن يكونَ ((عليه)) في هذا الوجهِ خبراً، و((أَنْ يَطَّوَّفَ)) مبتدأ). ومنها: أن يكونَ ((عليه أن يَطَّوَّفَ)) من بابِ الإِغراءِ، فيكونَ ((أَنْ يََّّفَ)) في محلِّ نصبٍ كقولك، عليك زيداً، أي: الزَمْه، إلا أنَّ إغراءَ الغائبِ ضعيفٌ، حكى سيبويه(٣): ((عليه رجلًا لَيْسَني))، قال: وهو شاذ. ومنها: أَنَّ ((أَنْ يَطَّوَّفَ)) في محلٌّ رفعٍ خبراً ثانياً لـ ((لا)) والتقديرُ: فلا جُناحَ الطوافُ بهما. ومنها: ((أَنْ يَطَّفَ)) في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الهاءِ في ((عليه))، والعاملُ في الحالِ العاملُ في الخبرِ، والتقديرُ: فلا ◌ُناحَ عليه في حالٍ تَطْوافِه بهما. وهذان القولان ساقِطان ذَكَرْتُهما تنبيهاً على غَلَطِهما، ولا فائدةً في ذِكْرِ وجهِ الغَلَطِ إذ هو واضحٌ بأدنى نَظَرٍ . (١) إملاء ١/ ٧٠. (٢) الإملاء ١ / ٧٠. (٣) الكتاب: باب من الفعل سُمِّي الفعلُ فيه بأسماء مضافة ليست من أمثلة الفعل الحادث ١٢٦/١. ١٨٩ - البقرة - وقراءةُ الجمهور ((أَنْ يَطَّوَّفَ)) بغير لا. وقرأ(١). أنس وابن عباس وابن سيرين(٢) وشهر (٣) بن حوشب: ((أَنْ لا يَطَّوَّفَ)) قالوا: وكذلك في مُصْحَفي أَبَيّ وعبدِ الله. وفي هذه القراءة احتمالان، أحدُهما: أنَّها زائدة كهي في قوله: ((أَنْ لا تَسْجُدَ))(٤) وقوله(٥): ٧٨٢ - وما أَلوُمُ البيضَ ألَّ تَسْخَرَا لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمَطَ القَفْدَرِ! وحينئذٍ يَتَّحِدُ معنى القراءتين. والثاني: أنها غيرُ زائدةٍ بمعنى أَنَّ رَفْعُ الجُنَاحِ فِي فِعْلِ الشيء هو رفعٌ فِي تَرْكِه، إذ هو تخييرٌ بين الفعلِ والتركٍ نحو: ((فلا جُناح عليهما أن يتراجَعا))(٦)، فتكونُ قراءةُ الجمهورِ فيها رفعُ الجناحِ في فعلِ الطوافِ نَصَّأَ وفي هذه رفعُ الجناحِ في الترك نَصَّاً .. وقرأ الجمهورُ: (يَطَوَّفَ)) بتشديد الطاءِ والواوٍ، والأصلُ: يَتَطَوَّف، وماضيه كان أصله: ((تَطَوَّفَ))، فلمّا أُريد الإِدغامُ تخفيفاً قُلِبَتِ التاءُ طاءً وأُدْغِمت في الطاءِ فاحتيج إلى همزة وَصْلٍ لسكونِ أولِه لأجل الإِدغام فأُتي بها فجاء مضارعُه عليهِ: يَطَّوَّف فانحَذَفَت همزةُ الوصلِ لتحصُّنِ الحرفِ المدغمِ. بحرفِ المضارعة، ومصدرُه على التطوُّفِ رجوعاً إلى أصلِ تَطَّوَّفَ. وقرأ أبو السَّمَّال: (يَطُوف)) مخففاً، من طاف يَطُوف وهي سهلة. وقرأ (١) انظر في قراءاتها: البحر ٤٥٧/١؛ ابن عطية ٤٦٢/١؛ القرطبي ١٨٢/٢؛ الشواذ. ٠١١ (٢) محمد بن سيرين مولى أنس بن مالك، روى عن ثلة من الصحابة، وروى عنه الشعبي وقتادة، توفي سنة ١١٠. انظر: طبقات ابن سعد ١٩٣/٧. (٣) شهر بن حوشب الشامي ثم البصري، تابعي، عرض عليه أبو نهيك، توفي سنة ١٠٠ طبقات القراء ٣٢٩/١. (٤) الآية ١٢ من الأعراف: ((قال ما منعك ألَّ تَسْجُدَ)). (٥) تقدم برقم ٨٣. (٦) الآية ٢٣٠ من البقرة. ١٩٠ - البقرة - ابن عباس: ((يَطَّاف)» بتشديد الطاء مع الألف وأصله: يَطْتَوِف على وزن يَفْتَعِل وماضيه: اْتَوَف افْتَعَل تحرَّكت الواوُ وانفتحَ ما قبلها فَقُلِبَتْ ألفاً، ووَقَعَتْ تاءُ الافتعالِ بعدَ الطاءِ فَوَجَبَ قَلْبُها طاءً وإدغامُ الطاءِ فيها كما قالوا: اطَّلَب يَطَّلِبُ، والأصل: الْتَلَب يَطْتَلِبُ، فصار: اطَّاف وجاء مضارعُه عليه: يَطَّاف. هذا هو تصريفُ هذه اللفظةِ من كونٍ تاءِ الافتعال تُقْلَبُ طاءً وتُدَغَمُ فيها الطاءُ الأولى. وقال ابن عطية(١): ((فجاء يَطْنَاف أُدْغِمَت التاءُ - بعد الإِسكانِ - في الطاءِ على مَذْهَبِ مَنْ أَجازَ إدغامَ الثاني في الأولِ كما جاءَ في ((مُذَّكِر))، ومَنْ لم يُجِزْ ذلك قال: قُلِبَتِ التاءُ طاءٍ ثم أُدْغِمَت الطاءُ في الطاء، وفي هذا نظرٌ لأنَّ الأصليَّ أُدْغِم في الزائد وذلك ضعيفٌ)). وهذا الذي قاله ابنُ عطية فيه خطأً من وَجْهين، ◌ُأُحِدُهما: كَوْنُه يَدَّعي إدغامَ الثاني في الأولِ وذلك لا نظير له، إنما يُدْغَمُ الأولُ في الثاني . والثاني: أنه قال كما جاء في ((مُدَّكِر)) لأنه كان ينبغي على قوله أن يقال: مُذَكِر بالذال المعجمة وهذه لغةٌ رديئةٌ، إنما اللغةُ الجيدةُ بالمهملة لأنَّا قلبْنا تاءً الافتعالِ بعد الذالِ المعجمةِ دالاً مهملة فاجتمع متقاربان فَقَلَبْنا أوَّلَهما لجنسِ الثاني وأَدْغَمْنا، وسيأتي تحقيقُ ذلك. ومصدر اطَّف على الاطِّيَاف بوزن الافْتعال، والأصلُ: اطٌّواف فكُسِر ما قبل الواو فَقُلِبَتْ ياءً، وإنما عَادَتِ الواوُ إلى أصلِها (٢) لزوالِ موجب قَلْبها ألفاً ويُوَضِّح ذلك قولُهم: اعتاد اعتياداً، والأصل: اعتِواد فَفُعِل به ما ذَكرْتُ لك. قوله: (ومَنْ تَطَوِّع خيراً)) قرأ(٣) حمزةُ والكسائي ((تَطَوَعَ)) هنا وفي الآية (١) التفسير ٤٦١/١. (٢) أي في آية: ((أن يَطُّوَّفَ)). (٣) السبعة ١٧٢؛ الكشف ٢٦٩/١ بالياء وتشديد الطاء والجزم، وقراءة الباقين بالتاء وتخفيف الطاء وفتح العين. ١٩١ - البقرة - الآتية بعدها: يَطَّوَّعْ بالياء فعلاً مضارعاً، وقرأه الباقون: ((تَطَوّع)) فعلًا ماضياً. فأمَّا على قراءتهما فتكونُ (مَنْ)) شرطيةً ليس إلَّ ، لعملِها الجزمَ. وأصل يَطُوَّع: يَتَطَوَّعِ فَأُدْغِم على نحو ما تقدّم في ((يطَوّف)) وهي في محلّ رفعٍ بالابتداء، والخبرُ فعلُ الشرطِ على ما هو الصحيحُ كما تقدَّم تحقيقُه. وقولُه: ((فإنَّ اللهَ)) جملةٌ في محلِّ جزمٍ لأَنَّها جوابُ الشرطِ، ولا بُدَّ مِنْ عائدٍ مقدَّرٍ أي: فإنَّ اللّه شاكرٌ له. وقال أبو البقاء (١): (وإذا جَعَلْتَ ((مَنْ)) شرطاً لم يكنْ في الكلام. حَذْفُ ضميرٍ لأنَّ ضميرَ ((مَنْ)) في تطوّع)) وهذا يخالفُ ما قَدَّمْتُ لك نَقْلَه عن النحويين مِنْ أنه إذا كان أداةُ الشرطِ اسماً لَزِمَ أن يكونَ في الجوابِ ضميرٌ يعودُ عليهِ وتقدَّم تحقيقُ ذلك. وأمَّا على قراءة الجمهورِ فتحتمل وَجْهَيْنٍ، أحدُهما: أن تكونَ شرطيةٌ، والكلامُ فيها كما تقدَّم. والثاني: أن تكونَ موصولةً و «تَطَوَّعَ)) صلتَها فلا مجِلَّ له مِنْ الإِعراب حينئذٍ، وتكونُ في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ أيضاً و((فإنَّ الله)) خبرُه، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما تضمَّن مِنْ معنى الشرط، والعائدُ محذوفٌ كما تقدَّم أي: شاكرٌ له، وانتصابُ ((خيراً)) على أحدٍ أوجهِ: إمَّا على إسقاطِ حرفِ الجرِّ أي: تَطَوَّع بخيرٍ، فلمَّا حُذِفَ الحرفُ انتصَبَ نحو قولِهِ(٢): ٧٨٣ - تَمْرُونَ الدِّيَارَ ولم تَعُوجُوا وهو غيرُ مقيسٍ . الثاني: أن يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ أي: تطوُّعاً خيراً. والثالثُ: أن يكونَ حالاً من ذلك المصدر المقدَّرِ معرفةً، وهذا مذهبُ سيبويه(٣) وقد تقدَّم غيرَ مرةٍ، أو على تضمينِ ((تَطَوَّعَ)) فعلًا يتعدَّى، (٢) الإِملاء ٧١/١. (٣) تقدم برقم ١٤٨. (٤) الكتاب ١١٦/١. ١٩٢ - البقرة - أي: مَنْ فَعَلَ [خيراً متطوِّعاً به](١). وقد تلخّص مِمَّا تقدَّم أنَّ في قوله: ((فإنَّ اللهَ شاكرٌ عليمٌ)) وجهين، أحدُهما: الجزمُ على القولِ بكونِ ((مَنْ)) شرطيةٌ والثاني: الرفعُ على القولِ بكونِها موصولةٌ. آ. (١٥٩) قوله تعالى: ﴿ما أَنْزَلْنا): مفعول بيكتمون، و((أَنْزلنا)» صلتُه وعائدُه محذوفٌ، أي أنزلناه. و((من البيناتِ)) يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنها حالٌ من ما الموصولةِ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: كائناً من البينات. الثاني: أَنْ يتعلَّقَ بأنزلنا فيكونَ مفعولاً به قالَه أبو البقاء(٢)، وفيه نظرٌ مِنْ حيث إنه إذا كان مفعولاً به لم يتعدَّ الفعلُ إلى ضميرٍ، وإذا لم يتعدَّ إلى ضميرٍ الموصولِ بقي الموصولُ بلا عائدٍ. الثالث: أن يكونَ حالاً من الضميرِ العائدِ على الموصولِ، والعاملُ فيه ((أنزلنا)) لأنه عاملٌ في صاحبها. قوله: ((مِنْ بعدِ ما بَنَّه)) متعلِّقٌ بيكتُمون ولا يتعلَّقُ بِأَنْزَلْنا لفسادِ المعنى، لأنَّ الإِنزالَ لم يكُنْ بعد التبيين، وأمَّا الكتمان فبعد التبيين. والضميرُ في بَيِّنَّاه يعودُ على ((ما) الموصولةِ. وقرأ الجمهور ((بَيِّنَّا))، وقرأ(٣) طلحة بن مصرف ((بيَّنه) على ضمير الغائبِ وهو التفاتٌ من التكلمِ إلى الغَيْبةِ. و((الناس)) متعلِّقٌ بالفعلِ قبلَه. وقوله: ((في الكتابِ)) يَحْتمل وجهين، أحدُهما: أنَّه متعلَّقُ بقوله: (بَيِّنَاه). والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنَّه حالٌ من الضميرِ المنصوبِ في (بَيَّاه) أي: بَيِّنَّاه حالَ كونِه مستقراً كائناً في الكتابِ. قوله: ((أولئك يلعنهُم)) يجوز في ((أولئك)) وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ [٦١/أ] مبتدأُ و((يلعنُهم)) خبرُه والجملةُ خبرُ ((إنَّ الذين)) /. والثاني: أن يكونَ بدلاً من (١) ما بين معقوفين غير واضح في الأصل. (٢) الإملاء ٧١/١. (٣) البحر ١ /٤٥٨؛ ابن عطية ١ /٤٦٤. ١٩٣ - البقرة ــ (الذين)) و((يَلْعَنُهم)) الخبرُ لأنَّ قولَه: ((ويَلْعَنُهم اللاعنون)) يَحْتَمَلِ أنْ يكونَ معطوفاً على ما قبلَه وهو ((يلعنهم الله)) وأَنْ يكونَ مستأنفاً. وأتى بصِلةِ الذينَ فعلاً مضارعاً وكذلك بفعل اللعنةِ دلالةً على التجدُّد والحُدوث، وأَنَّ هذا يتجدَّد وقتاً فوقتاً، وكررت اللعنة تأكيداً في ذمِّهم. وفي قوله ((يَلْعَنُهم اللهُ)) التفاتُ إذ لوجرى على سننِ الكلامِ لقال: نلعنهم لقوله: ((أنزلنا)) ولكن في إظهار هذا الاسم الشريف ما ليس في الضمير. آ. (١٦٠) قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ استثناءً متصلاً، والمستثنى منه هو الضميرُ في ((يلعنهم)). والثاني: أن يكونَ استثناءً منقطعاً لأنَّ الذين كَتَمُوا لُعِنوا قبل أن يتوبوا، وإنما جاء الاستثناءُ البيان قَبولِ التوبة، لأنَّ قوماً من الكاتمين لم يُلْعَنوا، ذكر ذلك أبو البقاء(١) وليس بشيء. قوله: ((وماتوا)) هذه واوُ الحال، والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال، وإثباتُ الواو هنا أفصحُ خلافاً للفراء والزمخشري حيث قالا: إنْ حذفها شاذ. وقوله: ((أولئك عليهم لعنةُ)) ((أولئك)) مبتدأ، و((عليهم لعنةُ اللهِ)) مبتدأٌ وخبرٌ، خبرٌ عن أولئك، وأولئك وخبرُه خبرٌ عن ((إِنَّ)). ويجوزُ في (لَعَنَةُ)) الرِفِعُ بالفاعليةِ بالجارِّ قبلها لاعتمادِها فإنه وقع خبراً عن «أولئك)» وتقدَّم تحريرُه في : ((عليهم صلواتٌ من ربهم)(٢). قوله: ((والملائكة)) الجمهورُ على جَرَّ الملائكة نَسقاً على اسمِ الله. وقرأ الحسن(٣) بالرفع: ((والملائكةُ والناسُ أجمعون))، وخَرَّجَها النحويون على العطفِ على موضعِ اسمِ الله تعالى، فإنَّه وإنْ كان مجروراً بإضافةِ المصدرِ (١) الإِملاء ١ /٧١. (٢) الآية ١٥٧ من البقرة. (٣) البحر ٤٦٠/١؛ الكشاف ٣٢٥/١؛ الشواذ ١١. ١٩٤ - البقرة - إليه فموضعُه رفعَ بالفاعليةِ لِأنَّ هذا المصدرَ ينحلُّ لحرفٍ مصدريٍ وفِعْلٍ ، والتقدير: أَنْ لَعَنَهم، أو أَنْ يَلْعَنْهم اللـهُ، فَعَطَفَ ((الملائكةُ)) على هذا التقدير، قال الشيخ(١): ((وهذا ليس بجائزٍ على ما تقرَّر من العطفِ على الموضعِ ، فإنَّ مِنْ شرطِه أن يكونَ ثَمَّ مُحْرِزٌ للموضع وطالبٌ له(٢، والطالبُ للرفعِ وجودُ التنوينِ في المصدر٢ِ)، هذا إذا سَلَّمْنا أن ((لعنة)) تَنْحَلُّ لحرفٍ مصدري وفِعْلٍ ، لأنَّ الانحلالِ لذلك شرطُه أَنْ يُقْصَدَ به العلاج، ألا ترى أنَّ قولَه: ((ألا لعنةُ اللهِ على الظالمين)(٣) ليس المعنى على تقديرٍ: أَنْ يَلْعَنَ اللـهُ على الظالمين، بل المرادُ اللعنةُ المستقرةُ، وأضيفت لله تعالى على سبيلِ التخصيص لا على سبيل الحدوث)) ونقلَ عن سيبويه(٤) أن قولك: ((هذا ضاربُ زيدٍ غداً وعمراً)) بنصب ((عمراً) أنَّ نصبَه بفعلٍ محذوفٍ، وأبى أَنْ ينصِبَه بالعطفِ على الموضعِ (٥)، ثم بعد تسليمِه ذلك كلَّه قال: ((المصدرُ المنوّنُ لم يُسْمَعْ بعدَه فاعلٌ مرفوعٌ ومفعولٌ منصوبٌ، إنما قاله البصريون قياساً على أَنْ والفعل ومَنَعَه الفراء وهو الصحيح)). ثم إنَّه خَرَّجَ هذه القراءةَ الشاذة على أحدٍ ثلاثةٍ أوجه، الأولُ: أَنْ تكونَ ((الملائكةُ)) مرفوعةً بفعلٍ محذوفٍ أي: وتَلْعَنُهم الملائكة، كما نَصَبَ سيبويه ((عمراً)) في قولك: ((ضاربُ زيدٍ وعمراً) بفعلٍ محذوفٍ. الثاني: أن تكونَ (١) البحر ٤٦١/١. (٢ - ٢) لم يرد في البحر. (٣) الآية ١٨ من هود. (٤) الكتاب ٥٦/١، ٨٦/١. (٥) فكرة الطالب والمحرز للعطف على الموضع عند أبي حيان مأخوذة من المنهج الظاهري الذي لا يعتمد على التشقيق والتوسع في القواعد، فهو يطالبهم هنا بتطبيق قاعدة المصدر المضاف الذي لا يعمل أصلاً فكيف نعطف على معموله في قراءة الحسن: ((لعنةُ اللَّهِ والملائكةُ)) على حين أننا نجد خير ((ليس)) منصوباً على كثرة، فلذلك يجوز العطف على موضعه إذا كان مجروراً بالباء الزائدة في قولنا: ((ليس زيدٌ بمجتهدٍ ولا مهذباً». ١٩٥ - البقرة - الملائكةُ عطفاً على «لعنة)) بتقديرِ حَذْفِ مضافٍ: وَلَعْنَةُ الملائكةِ، فَلِمَّا حُذِفَ المضافُ أُقيم المضافُ إليه مُقامه. الثالث: أن يكونَ مبتدأً قد حُذِفَ خَبْرُه تقديره: والملائكةُ والناسُ أجمعون تَلْعَنُهم)). وهذه أوجهٌ متكلفة، وإعمالُ المصدرِ المنونِ ثابتٌ، غايةُ ما في الباب أنه قد يُحْذَفُ فاعله كقوله: ((أو إطعامٌ في يومٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يتيماً)(١) وأيضاً فقد أَتْبَعَتِ العربُ المجرورَ بالمصدرِ على مَوْضِعَيْهِ رفعاً قال الشاعر(٢): مَشْيَ الهَلوكِ عليها الخَيْعَلُ الفُضُلُ ٧٨٤ - برفع «الفُضُلُ)) وهي صفةٌ للهَلوك على الموضعِ ؛ وإذا ثَبَتَ ذلك، في النعتِ ثَبَتَ في العطفِ لأنهما تابعان من التوابعِ الخمسةِ. و((أجمعين)) من ألفاظِ التأكيدِ المعنوي بمنزلة ((كل)). آ. (١٦٢) قوله تعالى: ﴿خالدين﴾: حالٌ من الضمير في ((عليهم). قوله ((لا يُخَفَّفُ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ مستأنفاً. الثاني: أن يكونَ حالاً من الضميرِ في (خالدين)) فيكونَ حالان متداخلان. الثالث: أن يكونَ حالاً ثانيةً من الضميرِ في ((عليهم))، وذلك عند مَنْ يُجيز تعدُّدَ الحالِ. وقد مَنَع أبو البقاء(٣) هذا الوجه بناءً منه على مذهبه في ذلك. (١) الآية ١٤ من البلد. (٢) البيت للمتنخل الهذلي وصدره: السالِكُ الثَّغْرَةِ اليقظانُ سَائِكُها وهو في الخصائص ١٦٧/٢؛ وديوان الهذليين ٣٤/٢؛ اللسان: خعل؛ والعيني ٥١٦/٣؛ والأشموني ٢٩٠/٢؛ والهمع ١٨٧/١؛ والدرر ٠١٦٠/١ والثغرة: موضع الخوف، الهلوك: المتكسرة، الخيعل: ثوب يخاط جانب منه ويترك الآخر، والفضل من النساء: التي عليها ثوب واحد. (٣) الإِملاء ٧١/١. ١٩٦ ٦- - البقرة - آ. (١٦٣) قوله تعالى: ﴿إِلهٌ واحد﴾: خبرُ المبتدأ، و «واحدٌ» صفةٌ، وهو الخبرُ في الحقيقةِ لأنه محطّ الفائدةِ، ألا ترى أنه لو اقْتُصِر على ما قبلَه لم يُفِدْ وهذا يُشْبِهُ الحالَ الموطِّئَةَ نحو: مررتُ بزيد رجلاً صالحاً، فرجلا حالٌ وليست مقصودةً، إنما المقصودُ وَصْفُها. قوله: ((إلَّ هو)) رفعُ ((هو)) على أنَّه بدلٌ من اسم ((لا)) على المحلِّ، إذ محلُّه الرفعُ على الابتداءِ أو هو بَدَلُ مِنْ ((لا)» وما عَمِلَتْ فيه لأنّها وما بعدَها في محلِّ رفعٍ بالابتداء، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك، ولا يجوزُ أن يكونَ ((هو)) خبرً لا التبرئة لِمَا عَرَفْتَ أنها لا تَعْمَلُ في المعارفِ بل الخبرُ محذوفٌ أي: لا إله لنا، هذا إذا فَرَّعنا على أنَّ ((لا)» المبنيَّ معها اسمُها عاملةً في الخبر، أمَّا إذا جَعَلْنا الخبرَ مرفوعاً بما كان عليه قبل دخولٍ لا وليس لها فيه عملٌ - وهو مذهبُ سيبويه(١) - فكان ينبغي أَنْ يكونَ ((هو)) خبراً إلا أنه مَنَعَ من ذلك كونُ المبتدأِ نكرةً والخبرُ معرفةً وهو ممنوعٌ إلا في ضرائِر الشعرِ في بعضِ الأبوابِ. واستشكل الشيخُ(٢) كونَه بدلاً مِنْ ((إله)) قال: ((لأنه لم يُمْكِنْ تكريرُ العاملِ لا تقولُ: ((لا رجلَ لا زيدَ))، والذي يظهر لي أنه ليس بدلاً من ((اله)) ولا مِنْ (رجل)) في قولك: لا رجلَ إلا زيدٌ، إنما هو بدلٌ من الضميرِ المستكنِّ في الخبرِ المحذوفِ فإذا قُلْنا: ((لا رجلَ إلا زيدٌ)) فالتقدير: لا رجلَ كائنٌ أو موجودٌ إلا زيد، فزيدٌ بدلٌ من الضميرِ المستكنُّ في الخبر لا من ((رجل))، فليس بدلاً على موضعِ اسم لا، وإنما هو بدلٌ مرفوعٌ من ضمير مرفوع، ذلك الضميرُ هو عائدٌ على اسم [لا]، ولولا تصريحُ النَّحْويين أنَّه بدلٌ على الموضع مِن اسم ((لا)) لتأوَّلْنا كلامهم على ما تقدَّم تأويلُه)). وهذا الذي قالَه غيرُ مشكل لأنهم لم يقولوا: هو بدلٌ من اسمِ لا على اللفظِ حتى يَلْزَمَهم تكريرُ العاملِ ، (١) الكتاب ٣٤٥/١. (٢) البحر ٤٦٣/١. ١٩٧ - البقرة - وإنما كان يُشْكِلُ لو أجازوا إبدالَه من اسمِ ((لا)) على اللفظِ وهم لم يُجِيزوا ذلك لعدمِ إمكانِ تكريرِ العاملِ، ولذلك مَنّعوا وجهَ البدلِ في قولهم ((لا إله إلا الله)) (١) وجعلوه انتصاباً على الاستثناء، وأجازوه في قولك: ((لا رجلَ في الدارِ إلا صاحباً لك)) لأنه يمكنُ فيه تكريرُ العاملِ . قوله: ((الرحمنُ الرحيمُ)) فيه أربعة أوجه، أحدها: أن يكونَ بدلاً من ((هو) بدلَ ظاهرٍ من مضمر، إلاّ أنَّ هذا يؤدي إلى البدلِ بالمشتقات وهو قليلٌ، ويمكن. الجوابُ عنه بأن هاتين الصفتين جَرَتا مجرى الجوامِد / ولا سيما عند مَنْ [٦١/ب] يجعلُ ((الرحمنُ)) علماً، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في البسملة. الثاني: أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ أي: هو الرحمنُ، وحَسَّن حذفَه توالي اللفظ بـ ((هو)) مرتين. الثالث: أن يكونَ خبراً ثالثاً لقوله: ((وإلهُكم)) أَخْبر عنه بقوله: ((إله واحد))، وبقوله: ((لا إله إلا هو))، وبقوله: ((الرحمن الرحيم))، وذلك عند مَنْ يرى تعديدَ الخبر مطلقاً، الرابع: أن يكونَ صفةً لقوله: ((هو)) وذلك عند الكسائي فإنه يُجيز وصِفَ الضمير الغائبِ بصفةِ المَدْحِ، فَاشترطَ في وصفٍ الضمير هذين الشرطين: أن يكونَ غائباً وأن تكونَ الصفةُ صفةً مدحٍ ، وإنْ كانَ الشيخُ جمالُ الدين بن مالك أَطْلَقَ عنه جوازَ وصفٍ ضمير الغائب(٢). ولا يجوزُ أَنْ يكون خبراً لـ ((هو)) هذه المذكورةِ لأنَّ المستثنى ليس بجملةٍ. أ. (١٦٤) قوله تعالى: ﴿الليل والنهارِ﴾: ((الليل)) قيل: هو اسمُ جنسٍ فيفرِّقُ بين واحدِه وجمعِه تاءُ التأنيث فيقال: ليلة وليل كتمرةٍ وتمر، والصحيحُ أنه مفردٌ ولا يُحْفَظ له جمعٌ، ولذلك خَطَّأ الناسُ مَنْ زَعَم أنَّ الليالِيَّ جَمْعَ ليلٍ ، بل الليالي جمع لَيْلة، وهو جمعٌ غريب، ولذلك قالوا: هو جَمْعِ (٣) وجه المنع أن ((لا)) لو تكررت لدخلت على معرفةٍ وهذا ممنوع في باب لا النافية للجنس. (١) انظر: التسهيل لابن مالك ١٧٠. ١٩٨ - البقرة - ليلاة تقديراً وقد صُرِّح بهذا المفردِ في قَوْل الشاعر (١): ٧٨٥ - في كلِّ يوم وبكلِّ ليلاه ويَدُلُّ على ذلك تصغيرُهم لها على لُبْلَة ونظير ليلة وليال كَيْكة وكَيَاك كأنهم تَوهَّموا أنها كَيْكات في الأصل، والكيكة: البيضة. وأمّا النهار فقال الراغب(٢): ((هو في الشرعِ لِما بينَ طلوعِ الفجر إلى غروب الشمس))، وظاهرُ اللغة أنه من وقت الإِسفار، وقال ثعلب والنضر بن شميل: ((هو من طلوع الشمس)) زاد النضر ((ولا يُعَدُّ ما قبل ذلك من النهار)). وقال الزجاجِ: ((أولُ النهار دُرورُ الشمسِ)) ويُجْمع على نُهُر وَأَنْهِرَة نحو قَذَال(٣) وقُذُل وأَقْذِلة، وقيل: ((لا يُجْمع لأنه بمنزلة المصدر، والصحيحُ جَمْعُه على ما تقدَّم قال(٤): ثريدُ ليلٍ وثريدٌ بِالنُّهُرْ ٧٨٦ - لولا الثَّريدان لَمُتْنا بالضُّمُرْ وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه المادةِ وأنها تَدُلُّ على الاتساع، ومنه: ((النهار)) لاتساعٍ ضوئِه عند قوله ((مِنْ تحتها الأنهار)»(٥). والاختلافُ مصدرٌ مضاف لفاعِله، المرادُ باختلافهما أنَّ كلَّ واحد يَخْلُف الآخَرَ، ومنه: ((جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةٌ))(٦)، وقال زهير(٧): ٧٨٧ - بِها العِيْنُ والآرامُ يَمْشِيْنَ خِلْفَةً وَأَطْلأُؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كلِّ مَجْثَمٍ (١) البيت لدلم أبو زغيب، وقبله: يا وَجَهُ مِنْ جَمَلٍ ما أَشْقَاه وهو في ابن يعيش ٧٣/٥؛ والمخصص ٤٤/٩؛ واللسان: ليل؛ والدرر ٢٢٨/٢. (٢) المفردات ٥٢٨. (٣) القذال: جماع مؤخر الرأس. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: نهر. (٥) الآية ٢٥ من البقرة. (٦) الآية ٦٢ من الفرقان. (٧) ديوانه ٥، والعين: البقرة: والآرام: الظباء البيض، والطلا: ولد البقرة وولد الظبية. ١٩٩ - البقرة ـ ٧٨٨ - ولها بالماطِرُون إذا وقال آخر (١): أَكَلَ النملُ الذي جَمّعا سَكَّنَتْ مِن جِلْقِ بِيَعَا خِلْفَةٌ حتى إذا ارتَبَعَتْ وقَدَّم الليلَ على النهار لأنَّه سابقهُ، قال تعالى: ((وآيةٌ لهم الليلُ نَسْلَخُ منه النهارَ))(٢) وهذا أصحُّ القولين، وقيل: النورُ سابِقُ الظلمةِ وينبني على هذا الخلافِ فائدةً: وهي أن الليلةَ هل هي تابعةٌ لليومِ قبلَها أو لليومِ بعدَها؟ فعلى القولِ الصحيح تكونُ الليلةُ لليوم بعدها، فيكونُ اليومُ تابعاً لها. وعلى القولِ الثاني تكونُ لليومِ قبلَها فتكونُ الليلةُ تابعةً له، فيومُ عرفَةَ على القولِ الأولِ مستثنىَّ من الأصل فإنّه تابعٌ لليلةِ بعدَه، وعلى الثاني جاءَ على الأصل. قوله: ((والفُلْكِ)) عطفُ على ((خَلْقِ)) المجرورِ بـ((في)) لا على (السمواتٍ)) المجرورةِ بالإِضافة، والفُلْك [يكون واحداً كقوله: ((في الفلكِ المشحونٍ))(٣) وجمعاً](٤) كقوله: ((في الفُلْك وجَرَيْنَ بهم))(٥) فإذا أُريد به الجَمعُ ففيه أقوالٌ، أحدُها: قولُ سيبويهِ(٦) - وهو الصحيحُ -((أنه جمعُ تكسيرٍ)) فإنْ قيل: جمعُ التكسيرِ لا بُدَّ فيه من تغُّرٍ ما، فالجوابُ أنَّ تغييره مقدَّرَ، فالضمةُ في حالٍ كونه جمعاً كالضمةِ في ((حُمُر)) و ((نُدُب)) وفي حالِ کونِهِ مفرداً كالضمة في قُقْل. وإنَّما حَمَل سيبويهِ على هذا، ولم يَجْعَلْه مشتركاً بين (١) البيتان لأبي دهيل الجمحي أو الأحوص أو يزيد بن معاوية، وهما في الحيوان ١٠/٤؛ والكامل ٢١٨/١؛ وابن عطية ٤٦٨/١؛ واللسان والتاج: مطر. والماطرون: موضّع، وارتبعت: دخلت في الربيع. (٢) الآية ٣٧ من يس. (٣) الآية ١١٩ من الشعراء. (٤) ما بين معقوفين غير واضح في الأصل وأثبتناه من النسخ الأخرى. (٥) الآية ٢٢ من يونس. (٦) الكتاب ١٨١/٢ وحكاه عن الخليل. ٢٠٠