Indexed OCR Text
Pages 161-180
- البقرة - قوله: ((فولِّ وجهك شطرَ المسجدِ)): ((وَلَّى)) يتعدَّى لاثنين أحدُهما ((وجهك)) والثاني ((شطرَ))، ويجوز أن ينتصبَ ((شطر)) على الظرفِ المكاني فيتعدَّى الفعلُ لواحدٍ وهو قولُ النحاس(١)، ولَمْ يذكرِ الزمخشري(٢) غيرَه، والأولُ أوضحُ، وقد يتعدَّى إلى ثانيهما بإلى. والشطر يكون بمعنى النصف من الشيء والجزء منه، ويكون بمعنى الجهة والنحو، قال(٣): ٧٦٢ - ألا مَنْ مُبْلِغْ عني رسولاً وما تُغْنِي الرسالةُ شطرَ عمروٍ وقال(٤). صدورَ العيسِ شَطْرَ بني تميمٍ ٧٦٣ - أقولُ لِأُمِّ زِنْباعِ أَقيمي وقال(٥): هَوْلٌ له ظُلَمْ يَغْشاكُمُ قِطَعا ٧٦٤ - وقد أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِ كُمُ وقال ابن أحمر(٦): ٧٦٥ - تَعْدُو بنا شَطْرَ نجدٍ وهيَ عاقِدَةٌ قد كارب العقدُ من إيقادها الحُقُبا وقال(٧): (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٠/١. (٢) الكشاف ٣٢٢/١. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في ابن عطية ٤٤٥/١؛ البحر ٤١٨/١. (٤) البيت لأبي زنباع الجذامي، وهو في اللسان: شطر، والقرطبي ١٥٩/٢؛ والبحر ٤١٨/١. (٥) البيت للقيط بن يعمر الإِيادي، وهو في ديوانه ٤٣؛ ومجمع البيان ٢٢٦/١؛ وابن عطية ٤٤٥/١؛ والبحر ٤١٨/١؛ والهمع ٢٠١/١؛ والدرر ١٧٠/١. (٦) ابن عطية ٤٤٤/١؛ والهمع ٢٠١/١؛ والدرر ١٧٠/١. عاقدة: مُصِرَّة ذنبها من النشاط، كارب: قارب، والحقب: الحبل الذي يشد به الرَّحْل يمنعه أن يتأخر. (٧) البيت لدرهم بن يزيد الأنصاري، وهو في اللسان: جدح، والمجدح: نجم تزعم العرب أنها تمطر به، وتمامه : حتى إذا خَفَقِ اِجْدَحُ ١٦١ - البقرة - ٧٦٦ - وأَطْعَنُ بالزُّمْحِ شَطْرَ المُلو ك وقال(١): ٧٦٧ - إنَّ العَسِيرَ بها داءٌ مُخامِرُها وشَطْرَها نَظَرُ العينينِ مَجْسورُ كل ذلك بمعنى: نجو وتِلْقاء. ويقال: شَطَرَ: بَعُد ومنه: الشاطرُ وهو الشابُّ البعيدُ من الجيرانِ الغائبِ عن منزلِه، يقال: شَطَر شُطوراً، والشَّطيرُ: البعيدُ ومنه منزل شَطِير، وشَطَر إليه أي أقبل. وقال الراغب(٢): ((وصار يُعْبَّر بالشاطر عن البعيدِ وجمعه شَطْر، والشاطر أيضاً لِمَنْ يتباعَدُ من الحقَّ وجمعُه نُطَّار. وقوله: ((وحيثما كنتُمْ)) في ((حيثما)» هنا وجهان، أظهرُهما: أنها شرطيةٌ، وشرطُ كونِها كذلك زيادةُ ((ما)) بعدها خلافاً للفراء، بـ((كنتم))، في محلِّ جزم بها، و((فولُّوا)) جوابُها وتكون هي منصوبةً على الظرفِ بكنتم، فتكونُ هي عاملةً فيه الجزمَ، وهو عاملٌ فيها النصبَ نحو: ((أيَّاً ما تدعوا فله الأسماءُ الحسنى)» (٣). واعلم أنَّ ((حيثٍ)) من الأسماءِ اللازمةِ للإِضافةِ فالجملةُ التي بعدها كان القياسُ يقتضي أن تكونَ في محلِّ خفضٍ بها، ولكنْ مَنَعَ من ذلك مانعٌ وهو كونُها صارَتْ من عوامل الأفعالِ. قال الشيخ(٤): ((وحيث هي ظرفُ مكانٍ مضافةً إلى الجملةِ فهي مقتضيةٌ للخفضِ بعدَها، وما اقتضى الخفْضَ لا يقتضي الجزمَ، لأنَّ عواملَ الأسماءِ لا تعملُ في الأفعالِ ، والإِضافةُ موضِّحةٌ (١) البيت لقيس بن خويلد الهذلي، وهو في اللسان: حسر، والبحر ٤١٨/١. والعسير: الناقة، وبصر حسير كليل. (٢) المفردات ٢٦٧ . (٣) الآية ١١٠ من الإِسراء. (٤) البحر ٤٢٩/١. ١٦٢ - البقرة - لما أُضيف، كما أنَّ الصلةَ موضِّحَةٌ فيُنافى اسمُ الشرط؛ لأنَّ اسَمَ الشرطِ مبهم، فإذا وُصِلَتْ بـ ((ما)) زال منها معنى الإِضافةِ وضُمِّنَتْ معنى الشرطِ وجُوزي بها، وصارَتْ من عواملِ الأفعالِ)). والثاني: أنها ظرفٌ غيرُ مضمَّنِ معنى الشرط، والناصبُ له قولُه: ((فَوَلُّوا)) قاله أبو البقاء(١)، وليس بشيء، لأنه متى زيدت عليها (ما)) وَجَبَ تضمُّنُها معنى الشرطِ. وأصل وَلُوا: وَلَّيُوا، فاستُثْقِلَتِ الضمة على الياءِ فَحُذِفَتْ فالتقى ساكنان فَحُذِفَ أوَّلُهما وهو الياءُ وضُمَّ ما قبلَه ليجانسَ الضمير فوزنه فَقُوا. وقوله: ((شَطْرَه)) فيه القولان، وهما: إمَّا المفعولُ به وإمَّا الظرفية كما تقدم . قوله: ((أنه الحق)) يُحْتمل أن تكونَ ((أَنَّ)) واسمُها وخبرُها سادَّةً مَسَدًّ المفعولَيْنِ لـ ((يَعْلَمُوْن)) عند الجمهور، ومَسَدَّ أحدِهما عند الأخفشِ والثاني محذوفٌ على أنها تتعدّى لاثنين، وأن تكونَ سادَّةً مسدّ مفعولٍ واحدٍ على أنها بمعنى العرفان. وفي الضميرِ ثلاثةُ أقوالٍ أحدُها: يعودُ على التولِي المدلولِ عليه بقوله: ((فولُّوا)). والثاني: على الشطر. والثالث: على النبي صلى الله عليه وسلم، ويكونُ على هذا التفاتاً من خطابه بقوله ((فَلَنُوَلِّنَّكَ)) إلى الغَيْبة. قوله: ((مِنْ ربِّهم)) متعلُّقٌ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الحق أي: الحقُّ كائناً مِنْ ربهم. وقرىء (٢): ((عمَّا يعملون)) بالغَيْبة ردًّاً على الذين أوتوا الكتاب [٥٨/أ] أو ردًّاً على المؤمنين ويكون / التفاتاً من خطابهم بقوله: ((وجوهكم - كنتم)). وبالخطاب(٣) على ردِّه للمؤمنين وهو الظاهرُ، أو للذين على الالتفات تحريكاً لهم وتُنْشِيطاً. (١) الإملاء ٦٨/١. (٢) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء. انظر: البحر ٤٣٠/١؛ والقرطبي ١٦١/٢. (٣) أي: وقرىء بالخطاب. ١٦٣ - البقرة - آ. (١٤٥) قوله تعالى: ﴿ولئن أَتَيْتَ﴾: فيه قولان، أحدُهما قولُ سيبويهِ(١) وهو أنَّ اللامَ هي الموطَِّةُ للقَمِ المحذوفِ و ((إنْ)) شرطيةٌ، فقد اجتمعَ شرطٌ وقسمٌ، وسَبَقَ القسمُ فالجوابُ له إذ لم يتقدَّمْهما ذو خبرٍ، فلذلك جاء الجوابُ للقسمِ بَما النافيةِ وما بعدَها، وحُذِفَ جوابُ الشرطِ لسدٍّ جوابٍ القسمِ مَسَدَّه، ولذلك جاء فعلُ الشرطِ ماضياً لأنه متى حُذِفَ الجوابُ وَجَبَ مضيُّ فعلِ الشرطِ إلا في ضرورةٍ، و(«تَّبِعوا)) وإنْ كان ماضياً لَغْظاً فهو مستقبلٌ معنّى، أي: ما يَتَّبعون لأنَّ الشرطَ قيدٌ في الجملةِ والشرطُ مستقبلٌ فَوَجَبَ أنْ يكون مضمونُ الجملةِ مستقبلاً ضرورةَ أنَّ المستقبلَ لا يكونُ شرطاً في الماضي . الثاني: وهو قولُ الفراء(٢) _ ويُنْقل أيضاً عن الأخفش (٣) والزجاج (٤) - أن ((إنْ)) بمعنى ((لو))، ولذلك كانَتْ ((ما)» في الجوابِ، فَجَعَلَ ((ما تَبِعوا)) جواباً لإِنْ لأنّها بمعنى لو، أمّا إذا لم تكن بمعناها فلا تُجابُ بـ ((ما)) وحدَها، بل لا بُدَّ من الفاءِ، تقول: إن تَزُرْني فما أزورك، ولا يجيز الفراء: ((ما أزورك)» بغير فاء. وقال ابن عطية(٥): ((وجاء جوابُ ((لَئِنْ)) كجوابٍ لو، وهي ضدُّها في أَنَّ ((لو)) تَطْلُبُ المُضِيَّ والوقوعَ و ((إِنْ)) تَطْلُب الاستقبالَ، لأنهما جميعاً يترتَّب قبلَهما القسمُ، فالجوابُ إنما هو للقسمِ ، لأنَّ أحدَ الحَرْفَيْنِ يَقَع موقعَ الآخرِ هذا قولُ سيبويه)) قال الشيخ(٦): ((هذا فيه تشبيجٌ(٧) وعدمُ نصٍ على المرادِ؛ لأنَّ أَوَّلَه يقتضي أنَّ الجوابَ لـ ((إنْ)) وقولُه بعدَه: الجوابُ للقسم يَدُلَّ على أنه (١) الكتاب ٤٥٦/١. (٢) معاني القرآن للفراء ٨٤/١. (٣) معاني القرآن للأخفش ١٥١/١. (٤) معاني القرآن للزجاج:٢٠٥/١. (٥) التفسير ٤٤٦/١. (٦) البحر ١ /٤٣١. (٧) التشبيج: الاضطراب في الكلام. ١٦٤ - البقرة - ليسَ لإِنْ، وتعليلُه بقوله: ((لأنَّ أحد الحرفين يَقَعُ موقعَ الآخرِ لا يَصْلُحُ علةً الكون ((ما تَبِعوا)) جواباً للقسمِ، بل لكونِه جواباً لإِنْ، وقوله: ((قولَ سيبويه)) ليس في كتاب سيبويه ذلك، إنما فيه أن «ما تَبِعوا)) جوابُ القسمِ، ووقعَ فيه الماضي موقعَ المستقبلِ ، قال سيبويه(١): ((وقالوا: لَئِنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلَ يريد معنى ما هو فاعِلٌ وما يَفْعَلَ)). وتلخّص مِمَّا تقدَّم أنَّ قولَه: ((ما تَبِعُوا)) فيه قولان، أحدُهما: أنه جوابٌ للقسمِ سادٍّ مسدّ جواب الشرطِ ولذلك لم يَقْتَرِنْ بالفاءِ. والثاني: أنه جوابٌ لإِنْ إجراءً لها مُجرى لو. وقال أبو البقاء(٢): ((ما تَبِعوا)) أي: لا يتّبعوا، فهو ماضٍ في معنى المستقبلِ ، ودخلَتْ ((ما)) حَمْلًا على لفظِ الماضي، وحُذِفَتْ الفاءُ في الجوابِ لأنَّ فعلَ الشرطِ ماضٍ ، وقال الفراء: إِنْ هنا بمعنى لو)) وهذا من أبي البقاءِ يُؤْذِنُ أنَّ الجوابَ للشرطِ وإنما حُذِفَتِ الفاءُ لكونِ فعلِ الشرطِ ماضياً، وهذا منه غير مَرْضِيٍّ، لأنه خَالَفَ البصريين والكوفيين بهذه المقالةِ. قوله: ((وما أنت بتابعٍ قِبْلَتَهم)) ((ما)) تَحْتَمِلِ الوَجْهين أعنى كونها حجازيةٌ أو تميميةً، فعلى الأولِ يكون ((أنتَ)) مرفوعاً بها، و ((بتابع)» في محلُّ نصبٍ، وعلى الثاني يكون مرفوعاً بالابتداءِ و((بتابعٍ » في محلِّ رفعٍ ، وهذه الجملةُ معطوفةٌ على جملةِ الشرطِ وجوابِه لا على الجوابِ وحدَه، إذ لا يَحُلُّ محلّه لأنَّ نفِيَ تَبَعِيَّتِهِم لِقِبْلَتِهِ مقيدٌ بشرطٍ لا يَصِحُّ أَنْ يكونَ قيداً في نفي تبعيَّتِهِ قِبلَتّهم. وهذه الجملةُ أبلغُ في النفي مِنْ قولِه: ((ما تَبِعوا قبلَتك)) من وجوهٍ أحدُها: كونُها اسميةً متكررٌ فيها الاسمُ، مؤكَّدُ نفيُها بالباءِ. ووحَّد القبلةَ وإن كانت مثنَّةً لأنَّ لليهودِ قِبلةً وللنصارى قبلةٌ أخرى لأحدٍ وجهين: إمَّا لاشتراكِهما في البطلان صارا قِبلةً واحدةً، وإمَّا لأجْلِ المقابلةِ في (١) انظر: الكتاب ٤٤٤/١. (٢) الإملاء ٦٨/١. ١٦٥ - البقرة - اللفظِ، لأنَّ قبلَه ((ما تبعوا قِيْلتك)). وقُرِىء(١) ((بتابعِ قبلتِهم)) بالإِضافةِ تخفيفاً لأنَّ اسمَ الفاعلِ المستكملِ لشروطِ العملِ يجوزُ فيه الوجهان. واختُلِفَ في هذه الجملةِ: هل المرادُ بها النهيُّ أي: لا تَتَبْ قبلتهم ومعناه الدوامُ على ما أنتَ عليه لأنَّه معصومٌ من اتِّبَاعِ قبلتِهم أو الإِخبارُ المحض بنفي الأتباع. والمعنى أنَّ هذه القبلةَ لا تصيرُ منسوخةً، أو قطعُ رجاءِ أهلِ الكتابِ أن يعودَ إلی قبلتهم؟ قولان مشهوران . قوله: ((ولكَنَ اتَّبَعْتَ)) كقوله: ((ولَئِنْ أَتَيْتَ)). وقولُه: ((إِنَّك)) جوابُ القسمِ ، وجوابُ الشرط محذوفٌ كما تقدَّم في نظيرِه، قال الشيخ(٢): ((لا يقال إنه يكونُ جواباً لهما لامتناع ذلك لفظاً ومعنَّى، أمَّا المعنى فلأنَّ الاقتضاءَ مختلفٌ، فاقتضاءُ القَسَمِ على أنه لا عملَ له [فيه](٣)، لأنَّ القسم إنما جيءَ به توكيداً للجملةِ المُقْسَمِ عليها، وما جاءَ على سبيلِ التوكيدِ لا يناسِبُ أن يكون عاملاً، واقتضاءُ الشرطِ على أنه عاملٌ فيه، فتكونُ الجملةُ في موضعٍ جزم، وعَمَلُ الشرطِ لَقوةِ طلبه له، وأمَّا اللفظُ فإنَّ هذه الجملةَ إذا كانَتْ جوابَ قسمٍ لم تَحْتَجْ إلى مزيدٍ رابطٍ، فإذا كانت جوابَ شرط احتيجت(٤) إِلى مزيدٍ رابطٍ وهو الفاء ولا يَجوزُ أن تكونَ خاليةً من الفاء موجودة فيها فلذلك امتنع أن تَكونَ جواباً لهما معاً)). و ((إِذَنْ)) حرفُ جوابٍ وجزاءٍ بنص سيبويه(٥)، وتَنْصِبُ المضارعَ بثلاثةِ شروطٍ (٦): أن تكونَ صدراً، وألَّ يُفْصَلَ بينها وبين الفعلِ بغيرِ الظرفِ والقسمِ (١) قراءة عيسى بن عمر. الشواذ ١٠؛ البحر ٤٣٢/١. (٢) البحر ٤٣٣/١. (٣) زيادة من البحر. (٤) كذا في الأصل وعبارة البحر ((احتاجت)). (٥) الكتاب ٣١١/٢. (٦) المقتضب ١٢٠٧/٢؛ ابن عقيل ٢٧٠/٢. ١٦٦ - البقرة - وألاّ يكون الفعلُ حالاً، ودخلَتْ هنا بين اسمِ إنَّ وخبرِها لتقريرِ النسبة بينهما وكانَ حَدُّها أَنْ تتقدَّمَ أو تتأخّرَ، فلم تتقدَّمْ لأَنَّه سَبَقَ قسمٌ وشرطٌ والجوابُ هو للقسمِ ، فلو تقدَّمَتْ لَتُوُهِّمَ أنها لتقريرِ النسبةِ التي بين الشرطِ والجوابِ المحذوفِ، ولم تتأخَّرْ لِئَلَّ تفوتَ مناسبةُ الفواصلِ ورؤوسِ الآي . قال الشيخ (١): ((وتحريرُ معنى ((إِذَنْ)) صعبٌ اضطربَ الناسُ في معناها وفي فهم كلامٍ سيبويهِ فيها، وهو أنَّ معناها الجوابُ والجزاءُ)) قال: ((والذي تحصَّل فيها أنها لا تقعُ ابتداء كلامٍ ، بل لا بدَّ أَنْ يسبقَها كلامٌ لفظاً أو تقديراً، وما بعدها في اللفظِ أو التقديرِ وإنْ كان مُتَسَبِّباً عَمَّا قبلَها فهي في ذلك على وجهين، أحدُهما: أَنْ تَدُلَّ على إنشاءِ الارتباطِ والشرطِ، بحيث لا يُفْهم الارتباطُ من غيرِها مثالُ ذلك: أزورُك. فتقول: إذاً أزورَك، فإنما تريد الآن أن تجعلَ فعلَه شرطاً لِفِعْلِكَ، وإنشاءُ السببيةِ في ثاني حالٍ من ضرورته أن يكونَ في الجواب وبالفعلية في زمانٍ مستقبلٍ ، وفي هذا الوجهِ تكونُ عاملة، ولعملها شروطٌ مذكورةٌ في النحوِ. الوجه الثاني: أن تكونَ مؤكِّدةً لجواب ارتبط بمُقَدَّمٍ أو مَنْبَهَةً على مُسَبَّبٍ حَصَلَ في الحال، وهي في الحالَيْنِ غيرُ عاملةٍ لأنَّ المؤكِّداتِ لا يُعْتَمَدُ عليها والعاملُ يُعْتَمَدُ عليه، وذلك، نحو: ((إنْ تأتني إذاً آتِكَ))، و((واللَّهِ إذاً لافعلَنَّ)) فلو أُسْقِطَتْ ((إذا) لَفَهُمَ الارتباطُ، ولَمَّا كانَتْ في هذا الوجهِ غير مُعْتَمَدٍ عليها جاز دخولُها على الجملةِ الاسميةِ الصريحةِ نحو: ((أزورك)) فتقول: ((إذاً أنا أكرمُك))، وجاز توسُّطُها نحو: ((أنا إذاً أكرمُك))، وتأخّرها. وإذا تقرَّر هذا فجاءت ((إذا) في الآيةِ مؤكدةً للجوابِ المُرْتَبِطِ بما تقدَّم، وإنما قَرَّرْتُ معناها هنا لأنها كثيرةُ الدَّوْرِ في القرآنِ فَتُحْمَلُ في كلِّ موضعٍ على ما يناسِبُ من هذا الذي قَرَّرْناه)). انتهى كلامُه. واعلم أنَّها إذا تقدَّمَها عاطفُ جازَ إعمالُها وإهمالُها وهو الأكثرُ، وهي (١) البحر ٤٣٤/١؛ وانظر في ((إذن)): الكتاب ٣١٢/٢؛ المغني ١٥؛ رصف المباني ٦٢. ١٦٧ .-. - البقرة - مركبةُ من همزة وذال ونون، وقد شَبَّهَتِ العربُ نونَها بتنوين المنصوبِ فَقَلَبُوها في الوقفِ ألفاً وكتبوها (١) الكُتَّب على ذلك، وهذا نهايةُ القولِ فيها. / : [٥٨/ب] وجاء في هذا المكان ((مِنْ بعدِ ما جاءك)) وقال قبلَ هذا: ((بعد الذي جاءك))(٢)، وفي الرعدّ: (بَعدَ ما جاءك)(٣) فلم يأتِ بـ ((من)) الجارةِ إلَّ هِنا، واختصَّ موضعاً بـ ((الذي))، وموضِعَيْنٍ بـ ((ما))، فما الحكمةُ في ذلك؟ والجوابُ ما ذَكَرَه بعضُهم(٤) وهو أنَّ ((الذي)) أَخَصُّ، و((ما)) أشدُّ إبهاماً، فحيث أتى بالذي أشير به إلى العلمِ بصحةِ الدينِ الذي هو الإِسلام المانعُ مِن مِلْتَي اليهودِ والنصارى، فكان اللفظُ الأخَصُّ الأشهرُ أَوْلَى فيه لأنه عِلْمُ بكلِّ أصولٍ الدينِ، وحيث أتى بلفظِ ((ما)) أُشيرَ به إلى العلمِ بركن من أركانِ الدينِ، أحدُهما: القِبلةُ، والآخرُ: بعض الكتاب لأنه أشَارَ إلى قولِه: ((ومِنَ الأحزابِ مَنْ يُنْكِرُ بعضَه))(٥). قال: ((وأما دخولُ ((مِنْ)) ففائدتُه ظاهرةٌ وهي بيانُ أولٍ الوقتِ الذي وَجَبَ [على] عليه السلام أن يخالِفَ أهلَ الكتابِ في قِبْلَتِهِم، والذي يقال في هذا: إنَّه من بابِ التنوعِ في البلاغة. آ. (١٤٦) قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهُمْ﴾: فيه ستةُ أوجهٍ أظهرُها: أَنَّه مرفوعٌ بالابتداءِ، والخبرُ وقوله ((يَعْرفونه)). الثاني: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: هم الذين آتيناهم. الثالث: النصبُ بإضمار أعني. الرابعُ: الجُرُّ على البدلِ من ((الظالمين)) الخامس: على الصفةِ للظالمين. السادس: النصبُ على البدلِ من ((الذين أوتوا الكتاب)) في الآيةِ قبلَها. (١) كذا على لغة أكلوني البراغيث. (٢) الآية ١٢٠ من البقرة ((ولئن اتَّبَعْتَ أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم. (٣) الآية ٣٧ من الرعد: ((ولئن اتَّبَعْتَ أهواءهم بعد ما جاءك من العلم. (٤) انظر: البحر ٤٣٣/١. (٥) الآية ٣٦ من الرعد. ١٦٨ - البقرة - قوله: ((يَعْرفونه)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه خبرٌ للذين آتيناهم كما تقدَّم في أحدِ الأوجهِ المذكورةِ في ((الذين آتيناهم)). الثاني: أنه نصبٌ على الحالِ على باقيةِ الأقوالِ المذكورةِ، وفي صاحبِ الحالِ وجهان، أحدُهما: المفعولُ الأولُ لآتيناهم، والثاني: المفعولُ الثاني وهو الكتاب، لأنَّ في (يَعْرفُونه) ضميرين يعودان عليهما. والضميرُ في (يَعْرفونه)) فيه أقوالٌ، أحدُهما: أنه يعودُ على الحقِّ الذي هو التحوُّل. الثاني: على القرآن. الثالث: على العِلْم، الرابع: على البيتِ الحرام، الخامس: على النبي صلى الله عليه وسلم وبه بدأ الزمخشري(١)، واختاره الزجاج(٢) وغيرُه، قالوا: وأُضْمِرَ وإنْ لم يَسْبِقْ له ذِكْرٌ لدلالة الكلامِ عليه وعَدَمِ الَّلْسِ، ومثلُ هذا الإِضمارِ فيه تفخيمٌ له كأنَّه لشُهْرَتِه وكونِه علماً معلوماً مستغنّى عن ذِكْرِهِ بلفظه. قال الشيخ (٣): ((بل هذا من بابِ الالتفات من الخطابِ في قوله: ((فولُّ وجهَك)) إلى الغيبة)). قوله: ((كما يَعْرِفُون)) الكافُ في محلِّ نَصْبٍ: إمَّا على كونِها نَعْتاً لمصدرٍ محذوفٍ أي: مَعرفةً كائنةً مثلَ معرفتِهم أبناءَهم أو في موضعِ نصبٍ على الحالِ من ضمير ذلك المصدرِ المعرفةِ المحذوفِ، التقديرُ: يعرفونه المعرفةَ مماثلة لعرفانهم، وهذا مذهبُ سيبويه(٤)، وتقدَّم تحقيقُ هذا. و((ما)) مصدريةٌ لأنه يَنْسَبِكُ منها ومِمَّا بعدَها مصدرٌ كما تقدَّم تحقيقُه. قوله: ((وهم يَعْلَمون)) جملةٌ اسميةٌ في محلُّ نصبٍ على الحالِ من فاعلٍ يكتُمون، والأقربُ فيها أَنْ تكونَ حالاً مؤكدةً لأنَّ لفظَ ((يكتمُون الحق)) يَدُلُّ على عِلْمِه إذ الكتمُ إخفاءُ ما يُعْلَمُ، وقيل: متعلَّقُ العلم هو ما على (١) الكشاف ٣٢١/١. (٢) معاني القرآن ٢٠٧/١. (٣) البحر ٤٣٥/١. (٤) الكتاب ١١٦/١. ١٦٩ - البقرة - الكاتمِ من العقابِ، أي: وهم يعلمونَ العقابَ المُرَتَّبَ على كاتم الحق، فتكونُ إذ ذاكَ حالاً مبَِّةً. آ. (١٤٧) قوله تعالى: ﴿الحقُّ مِن رَبِّك﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه مبتدأٌ وخبرُه الجارُّ والمجرورُ بعده، وفي الألفِ واللامِ حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أن تكونَ للعهدِ، والإِشارةُ إلى الحقِّ الذي عليه الرسولُ عليه السلام أو إلى الحقِّ الذي في قولِه ((يكتمون الحقَّ)) أي: هذا الذي يكتمونه هو الحقُّ من ربك، وأن تكونَ للجنسِ على معنى الحقُّ مِن اللهِ. لا من غيره. الثاني: أنه خبرُ مبتدٍ محذوفٍ أي: هو الحقُّ من ربك، والضميرُ يعودُ على الحقِّ المكتومِ أي ما كتموه هو الحقُّ. الثالث: أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: الحقُّ من ربَّك يعرفونه، والجارُّ والمجرورُ على هذين القولين في محل نصبٍ على الحالِ من ((الحق))، ويجوز أن يكونَ خيراً بعد خبرٍ في الوجهِ الثاني . وقرأ(١) علي بن أبي طالب: ((الحقُّ من ربك)) نصباً، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه منصوبٌ على البدلِ من الحقّ المكتوم، قاله الزمخشري (٢). الثاني: أن يكونَ منصوباً بإضمار ((الزم)» ويدلُّ عليه الخطابُ بعده [في] قولِه: ((فلا تكونَنَّ)) الثالث: أَنْه يكونَ منصوباً بـ((يَعْلَمون)) قبلَه. وذكر هذين الوجهين ابنُ عطية (٣)، وعلى هذا الوجهِ الأخيرِ يكونُ مِمَّا وقع فيه الظاهرُ موقعَ المضمِرِ أي: وهم يعلمونَه كائناً من ربك، وذلك سائغٌ حسنٌ في أماكنِ التفخيم والتهويل نحو(٤): (١) البحر ٤٣٦/١؛ والقرطبي ١٦٣/٢؛ الشواذ ١٠. (٢) الكشاف ٣٢٢/١. (٣) التفسير ٤٤٨/١ . (٤) تقدم برقم ٤٩٠. ١٧٠ - البقرة - ٧٦٨ - لا أَرى الموتَ يَسْبِقُ الموتّ شيءٌ والنهيُ (١) عن الكونِ على صفةٍ أبلَغُ من النهيِ عن نفسِ الصفةِ فلذلك جاءَ التنزيلُ عليه: نحو ((فلا تكونَنَّ من المُمْتَرِين)) ((فلا تكونَنَّ من الجاهلين))(٢) دونَ: لا تَمْتَرِ ولا تَجْهَلْ ونحوِهِ، وتقريرُ ذلك أنَّ قولَه: ((لا تكُنْ ظالماً) نهي عن الكونِ بهذه الصفةِ، والنهيُّ عن الكونِ على صفةٍ أبلغُ من النهي عن تلك الصفةِ، إذ النهيُ عن الكونِ على صفةٍ يَدُلَّ على عمومٍ الأكوانِ المستقبلةِ عن تلكَ الصفةِ، والمعنى لا تَظْلِمْ في كل أكوانِك أي: في كل فردٍ فردٍ من أكوانِك فلا يَمُرُّ بك وقتٌ يؤخذ منك فيه ظلمٌ، فيصيرُ كأن فيه نصاً على سائرٍ الأكوانِ بخلاف: لا تَظْلِمْ، فإِنَّه يستلزِمُ الأكوانَ، وفَّرْقٌ بين ما يَدُلُّ دلالةً بالنصِّ وبين ما يَدُلُّ دلالةٌ بالاستلزام. والامتراءُ: افْتِعال من المِرْيَةِ وهي الشَّكُّ، ومنه المِراء قال(٣): ٧٦٩ - فإيَّاك إيّاكَ المِراءَ فإنَّه إلى الشَّرِّ دَعَّاءٌ وللشَّرِّ جَالِبُ ومارَيْتُه: جَادَلْتُه وشاكَلْتُه فيما يَدَّعِيهِ، وافتَعَل فيه بمعنى تَفَاعِلَ يقال: تَمَارَوْا في كذا وامتَرَوْا فيه نحو: تجاوَروا، واجتوروا. وقال الراغب(٤): (المِرْيَةُ: التََّدُّدُ في الأمر وهي أخصُّ من الشك، والامتراءُ والمُماراةُ: المُحاجَّةُ فيما فيه مِرْية(٥)، وأصلَهُ من مَرَيْتُ الناقةَ إذا مسحتُ ضَرْعَها للحَلْبِ)) (١) يتحدث المؤلف الآن عن قوله: ((فلا تكونَنَّ من الممترين)) وانظر: البحر ٤٣٦/١. (٢) الآية ٣٥ من لأانعام. (٣) البيت للفضل بن عبدالرحمن القرشي وهو في الخصائص ١٠٢/٣؛ وكتاب اللامات ٥٨؛ والمغني ٧٥٦؛ واللسان: أيا؛ والعيني ١١٣/٤. (٤) المفردات ٤٨٦. (٥) من قوله ((والامتراء)) إلى قوله ((مرية)) سقط من مطبوعة الراغب. ١٧١ - البقرة- ففرَّق بين المِرْبةِ والشّكّ كما تَرَى، وهذا كما تقدَّم له الفرقُ بينَ الرَّيْبَ والشك، وأنشدَ الطبري قولَ الأعشى(١): ٧٧٠ - تَسدُرُّ على أَسْؤُقِ المُمْتَرِيـ ـن رَكْضاً إذا ما السرابُ ارْجَحَنْ شاهداً على أنَّ الممترينَ الشاكُّون، قال(٢): ((ووَهِمَ في ذلك لأن أبا عبيدةَ وغيرَه قالوا: الممترون في البيت هم الذين يَمْرُون الخيلَ بأرجلِهِم همزاً لتجريَ [كأنهم](٣) يَتَحَلَّبون الجَرْيَ منها))(٤). آ. (١٤٨) قوله تعالى: ﴿ولكلِّ وِجْهَةٌ﴾: جمهورُ القراء على تنوينِ ((كل))، وتنوينُه للعوض من المضافِ إليه، والجارُّ خبرٌ مقدَّمٌ، و((وِجْهَةٌ)) مبتدأُ مؤخرٌ، واختُلِفَ في المضافِ إليه ((كل)) المحذوفِ فقيل: تقديرُه: ولكلٍّ طائفةٍ من أهل الأديان، وقيل: ولكلِّ أهلِ موضعٍ من المسلمين وِجْهَتُه إلى جهةٍ الكعبة يميناً وشمالاً ووراءُ وقُدَّامُ. وفي ((وِجْهَة)) قولان، أحدُهما ــ ويُعْزَى للمبرِّد والفارسي والمازني في أحدٍ قولَيْه -: أنّها اسمُ المكانِ المتوجَّهِ إليه، وعلى هذا يكونُ إثباتُ الواوِ قياساً إذ هي غيرُ مصدرٍ. قال سيبويه(٥) ((ولو بَنْتَ فِعْلَةَ من الوَعْد لقلتَ: وِعْدَة، ولو بَنّيْتَ مصدراً لقُلْتَ: عِدَة، والثاني: أنها مصدرٌ، ويُعْزى للمازني(٦)، وهو ظاهرُ كلام سيبويه(٧)، فإنه قال بعد ذِكْرِ (١) ديوانه ٢٣؛ الطبري : ١٩١/٣؛ اللسان: رجحن. يصف الأعشى خيلاً، ودَرَّ الفرس: عدا عَدْواً شديداً، والأسوق: ج ساق، يقول: بينما هم يتمارون إذ غشيتهم الخيل فصرعتهم، ومرت على سيقانهم عَدْواً، وارجحن السراب: ارتفع. (٢) هذا كلام ابن عطية في تفسيره ١٤/٢ . (٣) زيادة من ابن عطية . (٤) لأن أصله من مَرَيْت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب. (٥) الكتاب ٣٥٨/٢. (٦) المنصف ٢٠٠/١. (٧) الكتاب: ٣٥٨/٢. ١٧٢ - البقرة - حَذْفِ الواو من المصادر: ((وقد أثبتوا فقالوا: وِجْهَة في الجهة))، وعلَى هذا يكونُ إثباتُ الواوِ شاذاً مَنْبَهَةً على ذلك الأصلِ المتروكُ في ◌ِدَة ونحوِها، والظاهرُ أَنَّ الذي سَوَّغَ إثباتَ الواوِ وإنْ كانَتْ مصدراً أنها مصدرٌ جاءَتْ على حَذْفِ الزوائدِ؛ إذ الفعلُ المسموعُ من هذه المادةِ تَوَجَّه واتَّجَهَ، ومصدرُهما التوجُّه والاتِّجاه، ولم يُسْمَعْ فِي فِعْلِهِ: وَجَهَ يَجِهُ كَوَعَدَ يَعِدُ، وكانَ الموجِبُ لحَذْفِ الواوِ من عِدَة وزِنَّة الحملَ على المضارعِ لوقوعِ الواوِ بين ياءٍ وكسرةٍ، وهنا فلم يُسْمَعْ فيه مضارعٌ يُحْمَلُ مصدرُه عليه فلذلك قلت: إنَّ (وِجْهَة)) مصدرٌ على حَذْفِ الزوائدِ لتَوَجَّه أو اتَّجَه. وقد ألَمَّ أبو البقاء (١) بشيءٍ من هذا. قوله: ((هو مُؤَلِيها)) جملةٌ من مبتدٍ وخبرٍ في محلِّ رفعٍ لأنَّها صفةٌ لوِجْهَة، واختُلِف في ((هو)» على قولين، أحدهما: أنه يعودُ على لفظ ((كل)) [٥٩/أ] / لا على معناها ولذلك أُفْرِدَ، والمفعول الثاني محذوف لفهمِ المعنى تقديرُه هو مُوَلِّيِها وَجْهَه أو نفسَه، ويؤيد هذا قراءةُ (٢) ابن عامر: (مُوَلَّه)) على ما لم يُسَمَّ فاعلُه كما سيأتي. والثاني: أنه يعودُ على اللهِ تعالى أي: الله مُؤَلِّي القبلةِ إياه، أي ذلك الفريقُ. وقرأ الجمهورُ: ((مُؤَلِيها)) على اسمُ فاعل، وقد تقدَّم أنه حُذِفَ أحدُ مفعولَيْهِ، وقرأ ابن عامر - ويُعْزَىْ لابن عباس - مُوَلَّها على اسمِ المفعول، وفيه ضميرٌ مرفوعٌ قائمٌ مقامَ الفاعلِ ، والثاني هو الضميرُ المتصلُ به وهو ((ها)» العائدُ على الوجهة، وقيل: على التولية ذكره أبو البقاء(٣)، وعلى هذه القراءةِ بتعيَّن عَوْدُ ((هو)) إلى الفريق، إذ يَسْتَحِيلُ في المعنى عَوْدُه على الله تعالى، وقرأ (١) الإِملاء ٦٨/١. (٢) السبعة ١٧١؛ الكشف ٢٦٧/١؛ البحر ٤٣٧/١. (٣) الإملاء ٦٨/١. ١٧٣ - البقرة - بعضُهم (١): ((ولكلِّ وِجْهَةٍ) ((بالإِضافة، ويُعزى لابنِ عامر، واختلفوا فيها على ثلاثةِ أقوالٍ أحدُها : - وهو قولُ الطبري -(٢): أنها خطأ وهذا ليس بشيء، إذ الإِقدامُ على تخطئة ما ثَبَتَ عن الأئمةِ لا يَسْهُلُ. والثاني - وهو قولُ الزمخشري (٣) وأبي البقاء (٤): أنَّ اللامَ زائدةٌ في الأصلِ ، قال الزمخشري: ((المعنى وكلَّ وجهةٍ اللهُ مُولِيها، فزيدتِ اللامُ لتقدُّمَ المفعولِ ، كقولك: لزيدٍ ضَرَبْتُ، ولزيدٍ أبوه ضاربه. قال الشيخ(٥): وهذا فاسدٌ لأنَّ العاملَ إذا تعدَّى لضمير الاسم لم يتعدَّ إلى ظاهِرِه المجرورِ باللام لا تقولُ: لزيدٍ ضَرَبْتُه، ولا: لزيدٍ أنا ضَاربُه، لئلا يلزَم أحدُ محذورَيْن، وهما: إمَّا لأنه يكونُ العاملُ قوياً ضعيفاً، وذلك أنه من حيث تَعَدَّى للضمير بنفسِه يكون قوياً ومن حيث تَعَدَّى للظاهرِ باللامِ يكُون ضعيفاً، وإمَّا لأنَّه يَصير المتعدِّي لواحدٍ متعدِّياً لاثنينٍ، ولذلك تَأَوَّلَ النَّحْوِبُون ما يُوهِمُ ذلك وهو قولُه(٦): ٧٧١ - هذا سُراقَةُ للقرآنِ يَدْرُسُه والمرءُ عند الرُّشَا إِنْ يَلْقَهَا ذِيْبُ على أنَّ الضميرَ في ((يدرسه)) للمصدرِ، أي: يدرس الدرسَ لا للقرآن، لأن الفعلَ قد تعدَّى إليه. وأمّا تمثيلُه بقوله: (لزيدٍ ضَرَبْتُ)) فليس نظيرَ الآيَة (١) نسبها في الشواذ ١٠ إلى ابن عباس. (٢) تفسير الطبري ١٩٥/٣. (٣) الكشاف ٣٢٢/١. (٤) الإِملاء ١/ ٦٩. (٥) البحر ٤٣٨/١. (٦) لم أهتد إلى قائله وهو في الكتاب ٤٣٧/١؛ وأمالي الشجري ٢٣٩/١؛ واللسان: سرق؛ والمقرب ١١٥/١؛ والمغني ٢٤٠، وعجزه فيه: : يُقَطَّعُ الليلَ تسبيحاً وقرآنا والرشا: ج رشوة .. ١٧٤ - البقرة - لأنه لم يَتَعَدَّ في هذا المثال إلى ضميره، ولا يجوز أن تكونَ المسألةُ من باب الاشتغال، فتقدِّرَ عاملاً في ((لكلِّ وِجْهةٍ)) يفسِّره ((مُولِيها)) لأنَّ الاسمَ المشتغِلَ عنه إذا كان ضميره مجروراً بحرفٍ ينتصبُ ذلك الاسم بفعل يوافقُ العاملَ الظاهرَ في المعنى، ولا يجوزُ جَرُّ المشتغلِ عنه بحرفٍ، تقول: زيداً مررت به أي: لابست زيداً مررتُ به، ولا يجوزُ: لزيدٍ مررتُ به، قال تعالى: ((والظالمين أعدَّ لهم))(١) وقال(٢): ٧٧٢ - أثعلبَةَ الفوارسِ أم رياحا عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا فأتى بالمشتغَلِ عنه منصوباً، وأمَّا تمثيلُه بقولِه: لزيدٍ أبوه ضارِبُه فتركيبٌ غيرُ عربي)). الثالث: أن ((لكلِّ وجهةٍ)) متعلُّقٌ بقوله: ((فاستبقوا الخيراتِ)) أي: فاستبقوا الخيراتِ لكلِّ وجهةٍ، وإنما قُدِّم على العاملِ للاهتمامِ به، كما يُقَدَّمُ المفعولُ، ذكرَه ابنُ عطية(٣)، ولا يجوز أَنْ تُوَجَّه هذه القراءةُ على أنَّ ((لكلِّ وجهةٍ)) في موضعِ المفعولِ الثاني لمولِّيها، والمفعولُ الأولُ هو المضافُ إليه اسمُ الفاعل الذي هو (مُوَلِّ)) وهو ((ها))، وتكون عائدةً على الطوائفِ، ويكونُ التقديرُ: وكلَّ وجهةٍ اللـهُ مُؤَلِّي الطوائفِ أصحابِ القِبْلَاتِ، وزيدتْ اللامُ في المفعولِ لتقدُّمه ويكونُ العامِلُ فرعاً؛ لأنَّ النَحْويين نَصُوا على أنه لا يجوزُ زيادةُ اللامِ للتقوية إلا في المتعدي لواحد فقط، و(مُوَلٍّ)) مِمَّا يتعدّى لاثنين، فامتنع ذلك فيه. وهذا المانعُ هو الذي مَنَعَ من الجوابِ عن الزمخشري فيما اعترَضَ به عليه الشيخُ من كونِ الفعلِ إذا تعدَّى للظاهرِ فلا يتعدَّى لضميرِهِ، (١) الآية ٣١ من الإِنسان. (٢) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٦٦؛ والكتاب ٥٢/١؛ وأمالي الشجري ٣٣١/١؛ وعدلت: سَوَيْتَ. (٣) التفسير ٤٥٠/١. ١٧٥ - البقرة :ـ وهو أنه كان يمكن أن يُجابَ عنه بأَنَّ الضميرَ المتصل بـ «مُوَلّ)) ليس بضميرٍ المفعولِ بل ضميرُ المصدرِ وهو التوليةُ، ويكون المفعولُ الأولُ محذوفاً، والتقدير: اللـهُ ((مَُوَلِّي التوليةِ كلِّ وجهةٍ أصحابها، فلما قُدِّمَ المفعولُ على العاملِ قَوِي باللامِ لولا أنهم نَصُوا على المنعِ مِنْ زيادتِها في المتعدِّي لاثنينٍ وثلاثة. قوله: ((فاستبقوا الخيراتِ)) ((الخيرات)) منصوبةٌ على اسقاطِ حرفِ الجرِّ، التقديرُ: إلى الخيرات، كقول الراعي (١): ٧٧٣ - ثنائي عليكم آلَ حربٍ ومَنْ يَمِلْ سِواكمْ فإني مُهْتَدٍ غیرُ مائِلِ أي: إلى سواكم، وذلك لأنّ ((استبق)): إمّا بمعنى سَبَق المجردِ أو بمعنى تسابق، لا جائز أن يكونَ بمعنى سَبَقَ لأنَّ المعنى ليس على اسبقوا الخيراتِ، فبقي أن يكون بمعنى تسابقَ ولا يتعدَّى بنفسِه. والخَيْرَات جمع: خَيْرة وفيها احتمالان، أحدُهما: أن تكونَ مخففةً من ((خَيِّرَة)) بالتشديدِ بوزنٍ فَيْعِلَة نحو: مَيْت في مَيّت. والثاني: أن تكونَ غيرَ مخففةٍ، بل تَثْبُتُ على فَعْلَة بوزن جَفْنَة، يقال: رجلٌ خَيْرٌ وامرأةٌ خيرٌ، وعلى كِلا التقديرين فليسا للتفضيل. والسَّبْقُ: الوصولُ إلى الشيءِ أولاً، وأصلُه التقدُّمُ فِي السير، ثم تُجُوَّزَ به في كلِّ تقدُّم. قوله: ((أينما تكونوا)) ((أين)) اسمُ شرطٍ تَجْزِمُ فعلين كإِنْ و ((ما)) مزيدةٌ عليها على سبيلِ الجواز، وهي ظرفُ مكانٍ، وهي هنا في محلٌّ نصبٍ خبراً لكانَ؛ وتقديمُها واجبٌ لتضمُّنها معنى ماله صدرُ الكلامِ، و((تكونوا)) مجزومٌ بها على الشرطِ، وهو الناصبُ لها، و ((يأتِ)) جوابُها، وتكونُ أيضاً استفهاماً فلا تعملُ شيئاً، وهي مبنيةٌ على الفتحِ لتضمّن معنى حرفِ الشرطِ أو الاستفهام. (١) البيت في البحر المحيط ٤٣٩/١. ١٧٦ -- - البقرة - أ. (١٤٩) قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حيثُ خَرَجْتَ فَوَلٌ﴾: (مِنْ حيثُ» متعلُّقٌ بقوله: ((فولٍّ)) و((خرجْتَ)) في محلِّ جَرِّ بإضافة ((حيثُ)) إليها، وقرأ عبد الله(١) «حيثَ} بالفتح، وقد تقدَّم أنها إحدى اللغات، ولا تكونُ هنا شرطيةً، لعدم زيادةِ ((ما))، والهاءُ في قوله: ((وإنَّه لَلْحَقُّ)) الكلامُ فيها كالكلامِ عليها فيما تقدَّم. وقرىء ((تَعْلَمون)) بالياء والتاء، وهما واضحتان كما تقدَّم. آ. (١٥٠) قوله تعالى: ﴿لئلا يكونَ﴾: هذه لامُ كي بعدها «أَنْ)) المصدريةُ الناصبةُ للمضارعِ ، و((لا)) نافيةٌ واقعةٌ بين الناصبِ ومنصوبِهِ، كما تقعُ بين الجازمِ ومجزومِه نحوَ: ((إلَّ تفعلوه تَكُنْ))(٢)، و((أَنْ)) هنا واجبةُ الإِظهارِ، إذ لو أُضْمِرَتْ لَثَقُلَ اللفظُ بتوالي لامَيْنٍ، ولامُ الجرِّ متعلقةٌ بقولِه: ((فَلُّوا وجوهَكم)). وقال أبو البقاء(٣): متعلقةً بمحذوفٍ تقديره: فَعَلْنا ذلك لئلاً، ولا حاجةً إلى ذلك، و((للناس)) خبرٌ لـ ((يكون)» مُقَدَّمٌ على اسمها، وهو (حُجَّةٌ)) و((عليكم)) في محلِّ نصبٍ على الحالِ، لأنَّه في الأصلِ صفةٌ النكرةِ، فلمّا تَقَدَّم عليها انتصَبَ حالاً، ولا يتعلَّقُ بـ((حُجَّة)) لئلا يَلْزَمَ تقديمُ معمولِ المصدر عليه، وهو ممتنعٌ، لأنَّه في تأويلٍ صلةٍ وموصولٍ، وقد قالَ بعضُهم: ((يتعلَّق بحُجَّة)) وهو ضعيفٌ. ويجوزُ أن يكونَ ((عليكم)) خبراً ليكون، ويتعلّقُ((للناسِ)) بـ((يكون)) على رَأْي مَنْ يَرَى أنَّ كان الناقصةَ تعملُ في الظرفِ وشِبْهِه، وذكَّر الفعلَ في قوله ((يكونَ))؛ لأنَّ تأنيثَ الحجة غيرُ حقيقي، وحَسَّن ذلك الفصلُ أيضاً. قوله: ((إلّ الذين)) قرأ الجمهور ((إلاَّ)) بكسرِ الهمزةِ وتشديدٍ اللام، (١) البحر ٤٣٩/١، ونسبها لعبدالله بن عمير، وهو عبدالله بن عمير القرشي روى عنه أشعث بن أبي الشعثاء. وثمة رجل آخر بهذا الاسم روى عن ابن عباس، ولم تذكر وفاة الرجلين. انظر: الجرح والتعديل للرازي ١٢٤/٥ . (٢) الآية ٧٣ من الأنفال. (٣) الإِملاء ٦٩/١. ١٧٧ - البقرة - وقرأ(١) ابن عباس وزيد بن علي وابن زيد بفتحِها وتخفيفِ اللامِ على أنها للاستفتاح. فأما قراءة الجمهور فاختلف النحويون / في تأويلها على أربعة [٥٩/ب] أقوال أظهرُها : - وهو اختيارُ الطبري(٢)، وبدأ به ابن عطية(٣)، ولم يذكر الزمخشري (٤) غيرَه - أنه استثناء متصلٌ، قال الزمخشري: ((ومعناه لئلا يكون حجةٌ لأحدٍ من اليهودِ إلا للمعانِدِين منهم القائلينَ: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا مَيْلًا لدين قومه وحُبّاً لهم، وأَطْلق على قولهم ((حجة)) لأنهم ساقُوه مَساقَ الحُجّة. وقال ابن عطية: ((المعنى أنه لا حجة لأحدٍ عليكم إلا الحجةُ الداحضةُ للذين ظلموا من اليهود وغيرهم الذين تكلِّموا في النازلة، وسمَّاها حُجَّة، وحكم بفسادها(٥) حين كانت من ظالم)). الثاني: انه استثناءٌ منقطعٌ فُيُقَدَّر بـ ((لكن)) عند البصريين وببل عند الكوفيين لأنه استثناءٌ مِنْ غِيرِ الأولِ والتقديرُ: لكنَّ الذين ظلموا فإِنَّهم يتعلَّقون عليكم بالشُّبْهَة يَضَعونَها موضِعَ الحُجَّةِ. ومثارُ الخلافِ هو: هل الحُجَّةُ هو الدليلُ الصحيحُ أو الاحتجاجُ صحيحاً كان أو فاسداً؟ فعلى الأولِ يكونُ منقطعاً وعلى الثاني يكون متصلاً. الثالث : - وهو قولُ أبي عبيدة - (٦) أن ((إلَّ)) بمعنى الواو العاطفةِ، وجْعَلَ من ذلك قوله(٧): ٧٧٤ - وكلُّ أخٍ مُفَارِقُه أَخوهِ لَعَمْرُ أبيك إلا الفَرْقَدانِ (١) الشواذ ١٠ البحر ٤٤١/١؛ وابن عطية ٤٥٢/١، ونسبها صاحب البحر أيضاً إلى ابن عامر ولم يذكرها صاحب السبعة . (٢) الطبري ٢٠٤/٣. (٣) ابن عطية ٤٥٢/١. (٤) الكشاف ٣٢٢/١. (٥) الأصل: ((بعنادها)) وأثبتنا ما في ابن عطية لأنه الصواب. (٦) مجاز القرآن ٦٠/١. (٧) تقدیم برقم ٥٧٩. ١٧٨ - البقرة - وقول الآخر (١): دارُ الخليفةِ إلا دارُ مروانا ٧٧٥ - ما بالمدينةِ دارٌ غيرُ واحدةٍ تقديرُ ذلك عنده: ((ولا الذين ظلموا - والفرقدان - ودار مروان» وقد خَطَّه النحاةُ في ذلك كالزجاج (٢) وغيره. الرابع: أنَّ ((إلا)) بمعنى بَعْدَ، أي: بعد الذين ظلموا، وجعل منه قولَ الله تعالى: ((لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى)) (٣)، وقوله تعالى: ((إلا ما قد سلف)) (٤) تقديرُه: بعد الموتةِ وبعدّ ما قد سَلَف، وهذا من أفسدِ الأقوالِ وأَنْكَرِها وإنما ذكرْتُه لغرضِ التنبيه على ضَعْفِه. و ((الذين)) في محلِّ نصبُ على الاستثناءِ، على القَوْلين اتصالاً وانقطاعاً. وأجاز قطرب أن يكونَ في موضع جَرِّ بدلاً من ضمير الخطابِ في ((علیکم»، والتقديرُ: لئلا تَثْبُتَ حُجَّةٌ للناسِ على غيرِ الظالمين منهم، وهم أنتم أيها المخاطبون بتولية وجوهِكِم إلى القبلة، ونُقِلَ عنه أنه كان يقرأ: ((إلَّ على الذين)) كأنه يكرر العاملَ في البدلِ على حِدٍّ قولِه: ((للذين استُضْعِفُوا لَمِنْ آمَنَ منهم))(٥) وهذا عند جمهورِ البصريين ممتنعٌ، لأنه يؤدِّي إلى بدلِ ظاهرٍ من ضميرٍ حاضرٍ بدلِ كلٍّ مِنْ كلُّ، ولم يُجِزْه من البصريين إلا الأخفشُ، وتأوَّل غيرُه ما وَرَدَ من ذَلك. وإمَّا قراءةُ ابن عباس فـ((ألا)) للاستفتاح، وفي محلّ ((الذين)) حينئذٍ ثلاثة أوجهٍ، أظهرُها: أنه مبتدأٌ وخبرُه قولُه: ((فلا تَخْشَوْهم)) وإنما دَخَلَتِ الفاءُ في (١) البيت للفرزدق وليس في ديوانه، وهو في الكتاب ٣٧٣/١؛ والمقتضب ٤٢٥/٤؛ والقرطبي ١٦٩/٢. (٢) لم يذكر ذلك في كتاب معاني القرآن. (٣) الآية ٥٦ من الدخان . (٤) الآية ٢٢ من النساء: ((ولا تَنْكِحوا ما نكح آباءكم من النساء إلا ما قد سلف)). (٥) الآية ٧٥ من الأعراف. ١٧٩ - البقرة - الخيرِ لأنَّ الموصولَ تَضَمِّنَ معنى الشرطِ، والماضي الواقعُ صلةً مستقبلٌ معنًى، كأنه قيل: مَنْ يظلمُ الناسَ فلا تَخْشَوهم، ولولا دخولُ الفاءِ لترجَّحَ النصبُ على الاشتغال، أي: لَا تَخْشَوا الذين ظلموا لا تَخْشَوْهم. الثاني: أن يكون منصوباً بإضمارٍ فعلٍ على الاشتغال، وذلك على قول الأخفش فإنه يجيز زيادةً الفاءِ (١). الثالث - نقله ابن عطية -(٢): أن يكونُ منصوباً على الإِغراءِ. ونُقِلَ عن ابن مجاهد أنَّه قرأ(٣): ((إلى الذين ظلموا)) وجعل ((إلى)) حرفَ جر متأولاً لذلك بأنَّها بمعنى مع، والتقديرُ: لئلا يكونَ للناسِ عليكم حجةٌ مع الذين، والظاهرُ أنَّ هذا الراويَ وقع في سَمْعِهِ ((إلا الذين)) بتخفيف (إلا)) فاعتقَدَ ذلك فيها، وله نظائرُ مذكورةٌ عندهم». و((منهم)) في محلّ نصبٍ على الحالِ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، ويحتمل أَنْ تكونَ ((مِنْ)) للتبعيضِ وأن تكونَ للبيان . قوله: ((ولِأْتِمَّ)) فيه أربعةُ أوجهٍ، أَظْهَرُها: أنه معطوفٌ على قولِه (لئلا يكونَ)) كأن المعنى: ((عَرَّفْناكم وجهَ الصوابِ في قبلتِكم والحُجَّةَ لكم لانتفاءِ حُجَجِ الناس عليكم ولإِتمام النعمةِ، فيكونُ التعريفُ مُعَلَّلاً بهاتين العلَّتين، والفصلُ بالاستثناءِ وما بعدَه كلا فصلٍ إذ هو من متعلَّقِ العلةِ الأولى. الثاني: أنه معطوفُ على علةٍ محذوفةٍ وكلاهما معلولُها الخَشْيَةُ السابقةُ، فكأنه قيل: واخْشَوْني لأُوَفِّيُكم ولِأُتِمَّ نعمتي عليكم. الثالث: أنه : "مُتعلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ مقدرٍ بعدَه تقديرُه: ((ولأتمَّ نعمتي عليكم عَرَّفْتُكم أمرَ قِبْلَتِكم. الرابع: وهو أضعفُها - أن تكونَ متعلقةً بالفعلِ قبلَها، والواوُ زائِدٌ، تقديرُه: واخشَوْنِي لِأُتِمَّ نعمتي. وهذه لامُ كي وأنْ مضمرةٌ بعدَها ناصبةٌ (١) انظر مذهب الأخفش في زيادة الفاء: معاني القرآن ٣٤، ٢٢٢. (٢) التفسير ٤٥٢/١. (٣) البحر ٤٤١/١. ١٨٠