Indexed OCR Text

Pages 41-60

- البقرة -
أخلاقكم. وقرأ الحسن والزهري: ((المِرِ)) بكسر (١) الميم وكسرِ الراء خفيفة،
ووجهُها أنه نَقَلَ حركةَ الهمزةِ على الراءَ وحَذَفَ الهمزةَ تخفيفاً، وهو قياسٌ
[٤٥ /ب] مُطَّرد. / وقرأ الزهري أيضاً: ((المَرِّ) بتشديد الراء من غير همز، ووجهُها أنه
نَقَلَ حركةَ الهمزةِ إلى الراء ثم نَوَى الوقفَ عليها مشدداً، كما رُوي عن عاصم
(مُسْتَطَرِّ)(٢) بتشديد الراء، ثم أَجْرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ.
قوله: ((وما هم بضارِّين به مِنْ أَحَدٍ)) يجوز في ((ما)) وجهان، أحدُهما:
أن تكونَ الحجازيةَ فيكونَ ((هم)) اسمَها، و ((بضارِين)» خبرَها، والباءُ زائدةٌ،
فهو في محلِّ نصبٍ، والثاني: أن تكونَ التميميةَ، فيكونَ ((هم)) مبتدأ،
و ((بضارِّين)) خبرَه والباءُ زائدةً أيضاً فهو في محلٌّ رفعٍ. والضميرُ فيه ثلاثةُ
أقوالٍ، أحدُها: أنَّه عائدٌ على السَّحَرةِ العائدِ عليهم ضميرُ ((فيتعلَّمون)).
الثاني: يعود على اليهود العائدِ عليهم ضميرُ ((واتَّبَعوا)). الثالث: يعودُ على
الشياطين. والضميرُ في ((به)) يعودُ على ((ما)) في قوله: ((ما يُفَرِّقُون به)).
والجمهورُ على ((بضارِّين)) بإثباتِ النون و ((من أحدٍ)) مفعولٌ به، وقرأ
الأعمشُ (٣): ((بضارِّي)) من غيرِ نونٍ، وفي توجيهِ ذلك قولان، أظهرُهما: أنه
أَسْقَطَ النونَ تخفيفاً وإنْ لم يَقَعْ اسمُ الفاعلِ صلةً لألْ ومثلُه قولُ الشاعر (٤):
٦٥٧ - ولَسْنا إذا تَأَبُون سِلْماً بمُذْعِنِي لكم غيرَ أنَّا إِنْ نُسالَمْ نُسالِم
أي: بمُذْعنين، ونظيرُه في التثنية: ((قَظَا قَظَا بَيْضُكَ ثِنْتَا وَبَيْضي
مِثَتَا(٥). يريدون: ثِنْتان ومِئَتان. والثاني - وبه قال الزمخشري(٦) وابنُ
. (١) ضبطت في تفسير ابن عطية ٣٧٢/١ بفتح الميم.
(٢) الآية ٥٣ من القمر: ((وكلَّ صغير وكبير مُسْتَطَرٌ)). ولم يذكرها في السبعة.
(٣) البحر ٣٣٢/١؛ ابن عطية ٣٧٣/١.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في التسهيل لابن مالك ١٣.
(٥) البحر ٣٣٢/١، ويبدو أن ((قظاء اسم صوت.
(٦) الكشاف ٣٠٢/١.
٤١

- البقرة بـ
عطية -(١): أن النونَ حُذِفَتْ للإِضافة إلى ((أحد)) وفُصِل بين المضافِ
والمضافِ إليه بالجارِّ والمجرور وهو (به)) كما فُصِل به في قول الآخر (٢):
٦٥٨ - هما أَخَوا في الحربِ مَنْ لا أُخَالِه
وفي قوله(٣):
إذا خافَ يَوْماً نَبْوَةً فَدِّعاهُمَا
٦٥٩ - كما خُطَّ الكتابُ بكفِّ يوماً
يهوديٍ يقارِبُ أو يُزِيلُ
ثم اسْتَشْكَلَ الزمخشري ذلك فقال: ((فإنْ قلتَ كيفُ يُضافُ إلى أحد
وهو مجرورٌ بمِن؟ قلت: جُعِل الجارُّ جزءاً من المجرور))، قال الشيخ (٤): ((وهذا
التخريجُ ليس بجيد لأنَّ الفصلَ بين المتضايفَيْنَ بالظرفِ والمجرورِ من ضرائرِ
الشعرِ، وأقبحُ من ذلك ألَّ يكونَ ثَمَّ مضافٌ إليه، لأنه مشغولٌ بعامَلِ جرّ
فهو المؤثِّرُ فيه لا الإِضافةُ، وأمَّا جَعْلُه حرفَ الجرِّ جزءاً من المجرورِ فليس
بشيء لأنَّ هذا مؤثرٌ فيه وجزءُ الشيءٍ لا يُؤَثِّر فيه)) وفي قولِ الشيخ نظرٌ، أَمَّا كونُ الفصل
من ضرائر الشعر فليس كما قال، لأنه قد فُصِل بالمفعولِ به في
قراءة ابن عامر(٥) فبالظرفِ وشَبْهِهِ أَوْلَى (٦)، وسيأتي تحقيقُ ذلك في الأنعام.
(١) ابن عطية ٣٧٣/١.
(٢) البيت لعمرة الخثعمية أو درنى بنت عبعبة، وهو في الكتاب ٩٢/١؛ والنوادر ١١٦؛
والخصائص ٤٠٥/٢؛ والإنصاف ٤٣٤؛ واللسان: أبي. ونبوة السيف: عدم مضائه
ثم استعيرت للشدة.
(٣) البيت لأبي حية النميري، وهو في الخصائص ٤٠٥/٢؛ وأمالي الشجري ٢٥٠/٢؛
والانصاف ٤٣٣؛ وابن يعيش ١٠٣/١؛ ورصف المباني ٦٥؛ واللسان: عجم، والدرر
٦٦/٢. ويزيل: يفرق. يصف الديار فيشبهها بالكتاب.
(٤) البحر ٣٣٢/١.
(٥) ((وكذلك زَيَّن لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤهم)) الآية ١٣٧ من الأنعام، قرأ
ابن عامر: وكذلكَ زُيِّن، قتلُ، أولادَهم شركائهم، وقرأ الباقون كما أثبتنا السبعة
١٧٠.
(٦) والكوفيون يجيزون الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف والمجرور. انظر :.
الإنصاف ٤٢٧ .
٤٢

- البقرة -
وأمَّا قولُه: ((لأنَّ جزءً الشيءٍ لا يؤثر فيه)) فإنما ذلك في الجُزْءِ الحقيقي، وهذا
إنما قال: نُنَزِّلُه منزلَة الجزءِ، ويَدُلُّ على ذلك قولُ النحويين: الفعلُ كالجزء
من الفاعلِ ولذلك أُنَّثَ لتأنيثه، ومع ذلك فهو مؤثِّرٌ فيه .
و ((مِنْ)) في ((مِنْ أَحَد)) زائدةٌ لتأكيدِ الاستغراق كما تقدَّمَ في ((وما يُعَلِّمانِ
مِنْ أَحَدٍ)). وينبغي أَنْ يجيءَ قولُ أبي البقاء (١): إنَّ ((أَحَداً)) يجوزُ أَنْ يكونَ
بمعنىَّ واحدٍ، والمعهودُ زيادةُ ((مِنْ)) في المفعولِ به المعمولِ لفعل منفيّ
نحو: ((ما ضَربْتُ من أحدٍ)) إلا أنَّه حُمِلَتِ الجملةُ الاسميةُ الداخلُ عليها حرفُ
النفي على الفعليةِ المنفية في ذلك لأن المعنى: وما يَضُرُّون من أحدٍ، إلا أنه
عَدَلَ إلى هذه الجملةِ المصدَّرَةِ بالمبتدأِ المُخْبَرِ عنه باسمِ الفاعلِ الدالِّ على
الثبوتِ والاستقرارِ المزيدِ فيه باءُ الجرِّ للتوكيدِ المرادِ الذي لَمْ تُفِدْه الجملةُ
الفعلية .
قوله: ((إلا بإذنِ الله))هذا استثناءٌ مُفَرَّغٌ من الأحوالِ. فهو في محلِّ نصبٍ
على الحالِ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، وفي صاحبِ هذه الحالِ أربعةُ أوجهٍ،
أحدُها: أنه الفاعلُ المستكِنُّ في ((بضارِّين)). الثاني: أنه المفعولُ وهو ((أَحَدٍ))
وجاءَتِ الحالُ من النكرةِ لاعتمادِها على النفيِ. والثالثُ: أَنَّه الهاءُ في ((به))
أي بالسحرِ، والتقديرُ: وما يَضُرُّون أحداً بالسحرِ إلَّ ومعه عِلْمُ الله أو مقروناً
بإذنِ الله ونحو ذلك. والرابعُ: أنه المصدَرُ المعرَّفُ وهو الضررُ، إلاّ أنه حُذِفَ
للدلالة عليه .
قوله: ((ولا يَنْفَعُهُم)) في هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما - وهو الظاهرُ -
أنها عَطْفُ على ((يَضُرُّهم) فتكونُ صلّةً لـ((ما)) أيضاً، فلا مَحَلَّ لها مِن
الإِعراب. والثاني - وأجازه أبو البقاء (٢) -: أن تكونَ خبراً لمبتدأٍ مضمرٍ
(١) الإملاء ٥٥/١.
(٢) الاملاء ٥٦/١.
٤٣

- البقرة ــ
تقديرُه: وهو لا ينفعُهم، وعلى هذا فتكونُ الواوُ للحالِ، والجملةُ من المبتدأِ
والخبر في محلُّ نَصْبٍ على الحالِ، وهذه الحالُ تكونُ مؤكِّدةً لأنَّ قولَه:
(ما يَضُرُّهم)، يُفْهَمُ منه عدمُ النفع، قال أبو البقاء: ((ولا يَصِحُّ عَطْفُه على
((ما)) لأنَّ الفعلَ لا يُعْطَفُ على الاسمِ)) وهذا من المواضعِ المستغنى عن
النصِّ على مَنْعِها لوضوحِها، وإنما يُنْصُ على مَنْعِ شيءٍ يُتَوَهِّمُ جوازُه. وأَتِى
هنا بـ ((لا) لأنها ينفى بها الحالُ والاستقبالُ، وإنْ كان بعضُهم خَصَّها
بالاستقبالِ. والضُّرُّ والنّفْعُ معروفان، يقال: ضَرَّه يَضُرُّه بضم الضاد، وهو
قياسُ المضاعَفِ المتعدِّي، والمصدرُ: الضُّر والضَّر بالضم والفتح، والضّرر
بالفك أيضاً، ويقال: ضَارَه يَضيره بمعناه ضَيْراً، قال الشاعر(١):
بلى كلُّ ما شَفَّ النفوسَ يَضِيرُها
٦٦٠ - تقولُ أُناسٌ لا يَضِيرُكِ نَأْيُها
وليس حرفُ العلةِ مُبْدَلاً من التضعيفِ، ونَقَلَ بعضُهم: أَنَّه لا يُبْنَى من
(فع)) اسمُ مفعول فَيُقال: مَنْفُوع، والقياسُ لا يَأْباه.
قوله: ((ولقد عَلِمُوا)) تقدَّم أنَّ هذه اللامَ جوابُ قسمٍ محذوفٍ. و((عْلِمَ»
يجوزُ أن تكون متعديةً إلى اثنين أو إلى واحدٍ، وعلى كلا التقديرَيْنِ فهي
معلّقةٌ عن العمل فيما بعدَها لأجلِ اللامِ ، فالجملةُ بعدَها في محلٌّ نصبٍ:
إمَّا سادةً مسدَّ مفعولين أو مفعولٍ واحدٍ على حَسَبِ ما تقدَّم، ويظهر أثرُ ذلك
في العطفِ عليها، فإن اعتقدنا تعذِّيَها لاثنين عَطَفْنا على الجملةِ بعدَها
مفعولَيْن وإلَّ عَطَفْنا مفعولاً واحداً، ونظيرُه في الكلامِ: عَلِمْتُ لزيدٌ قائمٌ
وعمراً ذاهباً، أو عَلِمْتُ لزيدٌ قائمٌ وذهابَ عمرٍ. والذي يَدُلُّ على أنَّ الجملةَ
المعلّقة بعد ((عَلِم)) في محلِّ نصبٍ وعَطْفَ المنصوبِ على محلّها قولُ
الشاعرِ(٢):
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣١٩/١.
(٢) البيت لكثير، وهو في ديوانه ٣٧/١؛ والمغني ٥٤٦؛ والعيني ٤٠٨/٢؛ والخزانة
٣٧٨/٢.
٤٤

- البقرة -
٦٦١ - وما كنْتُ أدري قبلَ عَزَّةً ما الهَوى ولا موجعاتِ القَلْبِ حتى تَوَّلَّتٍ
رُوي بنصبِ ((مُوجعات)) على أنه عَطْفٌ على محلَّ (ما الهوى))، وفي
البيت كلامٌ، إذ يُحتمل أن تكونَ ((ما)) زائدةً، ((والهوى)) مفعولٌ به، فَعَطَفَ
((موجعاتٍ)) عليه، ويُحتمل أن تكونَ ((لا)) نافيةً للجنس و«موجعاتٍ)) اسمُها
والخبرُ محذوفٌ كأنه قال: ولا موجعاتِ القلب عندي حتى تولَّت.
والضميرُ في ((عَلِموا)) فيه خمسةُ أقوالٍ، أحدُها ضميرُ اليهودِ الذين
بحضرة محمدٍ عليه السلام، أو ضميرُ مَنْ بحضرةِ سليمانَ، أو ضميرُ جميعٍ
[٤٦/أ] اليهودِ أو ضميرُ الشياطين، أو ضميرُ المَلَكَيْنِ عند مَنْ يرى / أنَّ الاثنين
جمعٌ.
قوله: ((لَمَنِ اشتراه» في هذه اللامِ قولان، أحدُهما : - وهو الظاهرُ عند
النحويين - أنها لامُ الابتداءِ المعلِّقةِ لـ ((عَلِم)) عن العملِ كما تقدّم، و((مَنْ))
موصولةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، و((اشتراهُ)) صلتُها وعائدُها. و((ما له في
الآخرةِ مِنْ خَلاق)» جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ ومِنْ زائدةً في المبتدأ، والتقديرُ: ما له
خلاقٌ في الآخرةِ. وهذه الجملةُ في محل رفعٍ خبراً لـ ((مَنْ)) الموصولةِ
فالجملةُ من قوله: ((ولقد عَلِموا)) مقسمٌ عليها كما تقدَّم، و((لَمَن اشتراه)) غيرُ
مقسمٍ عليها، هذا مذهبُ سيبويه(١) والجمهور. الثاني - وهو قول الفراء(٢)،
وتَبِعه أبو البقاء(٣) -: أن تكونَ هذه اللامُ هي الموطئةَ للقسَمِ، و ((مَنْ)) شرطيةٌ
في محلّ رفعٍ بالابتداءِ، و((ما له في الآخرةِ من خَلاق)) جوابُ القسمِ،
فـ ((اشتراه)) على القولِ الأولِ صلةٌ وعلى هذا الثاني هو خبرٌ لاسمِ الشرطِ،
ويكونُ جوابُ الشرطِ محذوفاً؛ لأنه إذا اجتمع شرطٌ وقَسَمٌ ولم يتقدَّمْهما
(١) الكتاب ١٢٠/١، ٤٧٣/١.
(٢) معاني القرآن ٦٦/١.
(٣) الاملاء ٥٦/١.
٤٥

- البقرة ــ
ذو خبر أُجيب سابقُهما غالباً، وقد يُجاب الشرطُ مطلقاً كقوله(١):
٦٦٢ - لَئِنْ كان ما حُدِّثْتُه اليومَ صادِقاً أَصُمْ في نهارِ القَيْظِ للشمسِ بادِيا
ولا يُحْذَفُ جوابُ الشرطِ إلَّ وفعلُه ماضٍ ، وقد يكونُ مضارعاً
کقوله(٢):
لَيَعْلَمُ ربِّي أنَّ بيتِيَ واسِعُ
٦٦٣ - لَئِنْ تَكُ قَدْ ضاقَتْ علیكم بيوتُكُمْ
فعلى قولِ الفراء تكونُ الجملتان من قوله: ((ولقد علِموا، ولَّمَنٍ
اشتراه)) مُقْسَماً عليهما، ونُقِل عن الزجاج (٣) مَنْعُ قولِ الفراءِ فإنه قال: ((هذا
ليس موضعَ شرط)» ولم يُوجّهْ مَنْعَ ذَلك. والذي يَظْهَرُ في مَنْعِهِ، أنَّ الفعل بعد
(مَنْ)) وهو ((اشتراه)) ماضٍ لفظاً ومعنَّى فإِنَّ الاشتراءَ قد وَقَعَ وانفصَلَ، فَجَعْلُه
شرطاً لا يَصِحُّ ؛ لأنَّ فعلَ الشرطِ وإنْ كان ماضياً لفظاً فلا بدَّ أن يكونَ مستقبلاً
معنی ..
والخلاقُ: النَّصِيبُ، قال الزجاج(٤): ((أكثرُ استعمالِه في الخيرِ))
فأمَّا قولُه(٥).
٦٦٤ - يَدْعُون بالوَيْلِ فيها لا خَلاقَ لَهُمْ إِلا سَرابيلُ من قَطْرِ وأغلالُ
(١) البيت لامرأة من عقيل، وهو في معاني القرآن للفراء ٦٧/١؛ والمغني ١٤٠؛ والهمع
٤٣/٢؛ والدرر ٥٠/٢.
(٢) البيت للكميت بن معروف، وهو في الطبري ٤٥/٢؛ ومعاني القرآن للفراء ٦٦/١؛
والخزانة ٢٢٠/٤.
(٣) معاني القرآن ١٦٤/١.
(٤) معاني القرآن ١٦٣/١
(٥) البيت لأمية بن أبي الصلت، وهو في ديوانه ٤٧؛ وتفسير الطبري ٤٥٤/٢؛ والبحر
٣١٩/١.
٤٦

- البقرة -
فَيَحْتمل ثلاثةَ أوجهٍ، أحدُها: أنه على سبيلِ التهكَّمِ بهم كقوله(١):
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمِ ضَرْبٌ وجَمِعُ
٦٦٥ _
والثاني: أنه استثناءٌ منقطعٌ، أي: لكنْ لهم السرابيلُ مِنْ كذا،
والثالث: أنه اسْتُعْمِل في الشرِّ على قِلَّة. والخَلاقُ: القَدْر قال(٢):
٦٦٦ - فما لَكَ بيتٌ لدى الشامخاتِ وما لَكَ في غالِبٍ مِنْ خَلاقٍ
أي: من قَدْرٍ ورتبةٍ، وهو قريبٌ من الأولِ. والضميرُ المنصوبُ في
((اشتراه)) فيه أربعةُ أقوالٍ: يعودُ على السحرِ أو الكفرِ أو كَثْلِهم الذي باعوا به
السحرَ أو القرآنَ لتعويضِهم كتبَ السحرِ عنه. وقد تقدَّم الكلامُ على قوله:
((وَبْس ما))(٣) وما ذَكَر الناسُ فيها. واللامُ في (((لَبِْسَما)» جوابُ قسمٍ محذوفٍ
تقديرُه: والله لَبِثْسَما، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي: السحرُ أو الكفرُ.
قوله: ((لو كانوا يَعْلَمُون)) جوابُ لو محذوفٌ تقديرُه: لو كانوا يَعْلَمُون ذمَّ
ذلك لَمَا باعُوا به أنفسَهم، وهذا أحسنُ مِنْ تقديرٍ أبي البقاء (٤): ((لو كانوا
يَنْتَفِعُون بعِلْمهم لامتنعُوا من شراءِ السحرِ» لأنَّ المقدَّرَ كلما كان مُتَصَيَّداً من
اللفظِ كان أَوْلَى. والضميرُ في ((به)) يعودُ على السحرِ أو الكفرِ، وفي «يَعْلَمُون)»
يعودُ على اليهود باتفاق. واعلمْ أنَّ هنا سؤالاً معنوياً ذكره الزمخشري(٥)
(١) البيت لعمروبن معد يكرب وصدره:
وخيلٍ قد دَلَفْتُ لها بخَيْلٍ
وهو في النوادر ١٥٠؛ والكتاب ٣٦٥/١؛ ومفردات الراغب ٤٦؛ وابن يعيش
٨٠/٢؛ وشرح شواهد الكشاف ٤٣٦/٤؛ والخزانة ٥٣/٤. ودلفت: مشيت.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٣١٩/١.
(٣) الآية ٩٠ من البقرة.
(٤) الاملاء ١ /٥٦.
(٥) الكشاف ٣٠٢/١.
٤٧

- البقرة -
وغيرُه، وهو مترتّبٌ على عَوْدِ الضميرِ في ((عَلِمُوا)) و((يَعْلَمُون))، وذلك أنَّ
الزمخشري قال: ((فإنْ قلتَ: كيف أَتْبَتَ لهم العلمَ أولاً في ((ولقد عَلِمُوا))
على سبيلِ التوكيدِ القسمي، ثم نفاه عنهم في قوله: ((لو كانوا يَعْلَمون))؟
قلت: معناه: لو كانوا يَعْمَلُون بعِلْمِهم، جَعَلهم حينَ لم يَعْملوا به كأنهم
مُنْسلخون عنه)) وهذا بناءً منه على أنَّ الضميرين في ((عَلِموا)) و((يَعْلَمون))
لشيءٍ واحدٍ. وأجابَ غيرُه على هذا التقدير بأن المراد بالعلم الثاني العقلُ لأنَّ
العِلْمَ مِنْ ثمرتِه، فلمَّا أَنتَفَى الأصلُ انتفى ثمرتُه، أو يغابِرُ بين متعلَّقِ العِلْمين
أي: عَلِموا ضرره في الآخرةِ ولم يعلموا نَفْعَه في الدنيا، وأمَّا إذا أَعَدْتَ الضمِيرَ
في ((عَلِموا)) على الشياطين أو على مَنْ بحضرةِ سليمانَ أو على المَلَكَينَ
فلا إشكالَ لاختلافِ المُسْنَد إليه العلمُ حينئذ.
آ. (١٠٣) قوله تعالى: ﴿ولو أنهم آمنوا﴾: ((لو)» هنا فيها قولان،
أحدُهما: أنها على بابِها من كونها حرفاً لِما كان سيقع لوقوعِ غيرِه، وسيأتي
الكلامُ في جوابها. وأجاز الزمخشري(١) أن تكونَ للتمني أي: ليتهم آمنوا
على سبيل المجازِ عن إرادةِ الله إيمانَهم واختيارَهم له، فعلى هذا لا يَلْزَمُ أن
يكونَ لها جوابٌ لأنها قد تُجابُ بالفاءِ حينئذٍ، وفي كلامِه اعتزالٌ موضعُه غيرُ
هذا الكتاب.
و ((أنهم آمنوا)» مؤولٌ بمصدرٍ، وهو في محلِّ رفعٍ، واختُلِفَ في ذلك
على قَولَيْن، أحدُهما - وهو قولُ سيبويهِ(٢) - أَنَّه في محلٌّ رفعٍ بالابتداء
وخبرُه محذوفٌ، تقديرُه: ولو إيمانُهم ثابتٌ، وشَذَّ وقوعُ الاسمِ بعد لو، وإِنْ
كانت مختصةً بالأفعال، كما شَذَّ نصبُ ((غُدْوَةً)) بعد ((لَدُنْ)). وقيل: لا يَحْتَاج
هذا المبتدأ إلى خبرٍ لجريانِ لفظِ المسندِ والمسندِ إليه في صلةِ ((أَنَّ))، وصَخَّح
(١) الكشاف ٣٠٢/١.
(٢) الكتاب ٤١٠/١.
٤٨

- البقرة -
الشيخ (١) هذا في سورة النساء، وهذا يُشْبِهُ الخلافَ في ((أنَّ)) الواقعةِ بعد ظنَّ
وأخواتِها، وقد تقدَّم تحقيقُه والله أعلم. والثاني : - وهو قولُ المبرد(٢) - أنه
في محلِّ رفعٍ بالفاعليةِ، رافعُه محذوفٌ تقديرُه: ولو ثَبَتَ إيمانُهم، لأنَّها
لا يَليها إلا الفعلُ ظاهراً أو مضمراً. وقد رَدَّ بعضُهم هذا بأنه لا يُضْمَرُ بعدَها
الفعلُ إلا مفسَّراً بفعلٍ مثله، وهذا يُحْمَلُ على المبرد، ولكلٍّ من القولين
دلائلُ ليس هذا موضعَها. والضميرُ في ((أنهم)) فيه قولان، أحدُهما: عائدٌ
على اليهودِ، والثاني: على الذينَ يُعَلُّمون السحرَ.
قوله: (لَمَثُوبَةً من عندِ الله)) في هذه اللامِ قولان، أحدُهما: أنها لامُ لامُ
الابتداءِ وأنَّ ما بعدها استئنافُ إخبارٍ بذلك، وليس متعلَّقاً بإيمانِهم وتقواهم
ولا مترتِّباً عليه، وعلى هذا فجوابُ ((لو)) محذوفٌ إذا قيل بأنها ليست للتمني
[٤٦/ب] أو قيل / بأنها للتمني ويكونُ لها جوابٌ تقديره: لأُثيبوا. والثاني: أنها جوابُ
لو، فإِنَّ ((لو)) تجابُ بالجملةِ الاسميةِ. قال الزمخشري(٣): ((أُوْثِرَتِ الجملةُ
الاسميةُ على الفعليةِ في جوابٍ لولِما في ذلك من الدلالةِ على ثبوتِ المَثُوبة
واستقرارها، كما عَدَلَ عن النصبِ إلى الرفعِ في «سلامٌ عليكم» (٤) وفي وقوع
جوابٍ ((لو)) جملةٌ اسميةً نَظَرٌ يحتاجُ إلى دليلٍ غيرِ مَحَلّ النزاع. قال
الشيخ (٥): ((لم يُعْهَدْ في كلامِ العربِ وقوعُ الجملةِ الابتدائيةِ جواباً لِلَوْ، إنما
جاءَ هذا المختلَفُ في تخريجِه، ولا تَثْبُتُ القواعدُ الكليةُ بِالمُحْتَمَلِ .
(١) البحر ٢٦٤/٣.
(٢) المقتضب ٧٧/٣.
(٣) الكشاف ٣٠٢/١.
(٤) الآية ٢٥ من الذاريات ((إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً، قال: سلامٌ قوم مُنْكَرون)) ولذلك
كان جوابه أبلغ من قولهم الذي يحتاج فيه إلى تقدير فعل، والفعل يدل على التجدد،
على حين أن الاسم يدل على الثبوت.
(٥) البحر ٣٣٥/١.
٤٩

- البقرة -
والمُثُوبة فيها قولان أحدُهما: أنَّ وزنَها مَفْعُولَة والأصلُ مَثْوُوْبَة، فَتَقُلَتْ الضمةُ
على الواوِ فُقِلَتْ إلى الساكنِ قبلها، فالتقى ساكنان فَحُذِفَ أحدُهما مثل:
مَقُولة ومَجُوزة ومَصُوْن وَمَشُوْبٍ، وقد جاءَتْ مصادرُ على مَفْعُول كالمَعْقُول، فهي
مصدرٌ نَقَل ذلك الواحدي(١). والثاني: أنها مَفْعُلَّةٌ من الثواب بضمَّ العين،
وإنما نُقِلَتِ الضَمَّةُ منها إلى الثاء، ويقال: ((مَثْوَبة)» بسكون الثاءِ وفتحِ الواو،
وكان مِنْ حَقِّها الإِعلالُ فيقال: ((مَثَابة)) كمَقَامَة، إلا أنهم صَحَّحُوها كما
صَحَّحُوا في الأعلام مَْوَزَة، وبذلك قرأ أبو السَّمَّال وقتادة(٢) كمَشْوَرة. ومعنى
((لَمَثُوبة)) أي: ثوابٌ وجزاءٌ من الله. وقيل: لَرَجْعَةٌ إلى الله.
قوله: ((مِنْ عندِ الله)) في محلِّ رفعٍ صفةً لِمَثُوبة، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ،
أي: لَمَثُوبة كائنة من عندِ الله. والعِنْدِيَّة هنا مجازٌ كما تقدَّم في نظائره. قال
الشيخ(٣): ((وهذا الوصفُ هو المُسَوِّغُ لجوازِ الابتداءِ بالنكرةِ)» قلت: ولا حاجةً
إلى هذا لأنَّ المُسَوِّغَ هنا شيءٌ آخر وهو الاعتمادُ على لامِ الابتداءِ، حتى
لو قيل في الكلام: ((لَمَثُوبة خِيرٌ)) من غيرِ وصفٍ لَصَحّ. والتنكيرُ في ((لَمَثُوبَةٌ))
يفيدُ أنَّ شيئاً من الثواب - وإنْ قَلَّ - خَيرٌ، فلذلك لا يُقال له قليلٌ، ونظيرُه:
(ورضوانٌ من الله أكبرُ))(٤).
وقوله ((خيرٌ) خبرٌ لِمَثُوبَةٌ، وليست هنا بمعنى أَفْعَل التفضيلِ ، بل هي
البيانِ أنها فاضلةٌ، كقوله: ((أصحابُ الجنةِ يومئذٍ خيرٌ مستقراً))(٥) ((أَفَمَنْ يُلْقَى
في النارِ خيرٌ))(٦).
(١) علي بن أحمد، قرأ على أبي الحسن الضرير والثعالبي، له: البسيط والوسيط، توفي
سنة ٤٦٨. انظر: البغية ٢٢٠/٢.
(٢) البحر ٣٣٥/١؛ ابن عطية ٣٧٤/١؛ الشواذ ٨.
(٣) البحر ٣٣٥/١.
(٤) الآية ٧٢ من التوبة.
(٥) الآية ٢٤ من الفرقان
(٦) الآية ٤٠ من فصلت.
١
٥٠

- البقرة -
قوله: ((لو كانوا يَعْلَمُون)) جوابُها محذوفٌ تقديرُه: لكان تحصيلُ المثوبةِ
خيراً، أي تحصيلُ أسبابِها من الإِيمانِ والتقوى، وكذلك قَدَّرَهُ بعضُهم:
لآمنوا. وفي مفعولِ ((يَعْلَمُون)» وجهان، أحدُهما: أنه محذوفٌ اقتصاراً أي:
لو كانوا من ذوي العلمِ، والثاني: أنه محذوفٌ اختصاراً، تقديرُه: لو كانوا
يَعْلمون التفضيلَ في ذلك، أو يعلمونَ أنَّ ما عند الله خيرٌ وَأَبْقَى.
آ. (١٠٤) قوله تعالى: ﴿لا تقولوا راعِنا﴾: الجمهورُ على ((راعِنا)»
أمرٌ من المُراعاة، وهي النظرُ في مصالحِ الإِنسانِ وَتَدَبُّرِ أمورِه، و((راعِنا)» يقتضي
المشاركةً لأنَّ معناه: ليكن منك رعايةٌ لنا وليكن منا رعايةٌ لك، فَنُهوا عن ذلك
لأنَّ فيه مساواتِهم به عليه السلام. وقرأ(١) الحسنُ وأبو حَيْوَة: ((راعِنا) بالتنوين،
ووجهُه أنه صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قولاً راعناً، وهو على طَريقِ النَسَب
كلابن وتامر، والمعنى: لا تقولوا قولاً ذارُعونة. والرُّعونة: الجَهْل والحُمْق
والهَوَج، وأصلُ الرُّعونة: التفرّقُ، ومنه: ((جَيْشٌ أَرْعَنُ)) أي: متفرِّقٌ في كل
ناحية، ورجلٌ أَرْعَنُ: أي ليس له عَقْلٌ مجتمعٌ، وامرأةٌ رَعْنَاءٌ، وقيل للبَصْرةِ:
الرَّعْناء، قال(٢):
٦٦٧ - لولا ابنُ عُتْبَةَ عمروُ والرجاءُ له ما كانَتِ البصرةُ الرَّعْنَاءُ لي وَطَنا
قيل: سُمِّيت بذلك لأنها أَشْبَهت ((رَعْنَ الجبلِ)) وهو الناتِيءُ منه، وقال
ابن فارس: ((يقال: رَعَن الرجلُ يَرْعَنُ رَعَناً». وقرأ أُبَيّ: راعُونا، وفي
مصحف عبدالله كذلك، خاطَبوه بلفظِ الجمعِ تعظيماً، وفي مصحفِ عبدِ الله
أيضاً، ((ارْعَوْنا)) لِما تقدَّم. والجملةُ في محل نصبٍ بالقول، وقَدَّم النهيَ على
الأمرِ لأنه من باب التروك فهو أَسْهَلُ(٣).
(١) البحر ٣٣٨/١؛ ابن عطية ٣٧٥/١؛ الشواذ ٩.
(٢) البيت للفرزدق، وليس في ديوانه، وهو في أدب والكاتب ٣٣٠؛ القرطبي ٦٠/٢.
(٣) أي فهو أسهل ثم أتى بالأمر بعده الذي هو أشق لحصول الاستئناس قبلُ بالنهي. انظر:
البحر ٣٣٨/١.
٥١

- البقرة -
قوله: ((انظُرْنا» الجملةُ أيضاً في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ، والجمهورُ على
((انظُرْنا)» بوصلِ الهمزةُ وضَمِّ الظاء أمراً من الثلاثي، وهو نظرٌ من النَّظِرَة وهي
التأخير، أي: أَخِّرْنا وتأنَّ علينا، قال امرؤ القيس(١):
٦٦٨ - فإنَّكما إنْ تَنْظُرانيَ ساعةً من الدَّهْرِ يَنْفَعْني لدى أمِّ جُنْدَبٍ
وقيل: هو من نَظَر أي: أَبْصَرَ، ثم اتَّسِعَ فيه فَعُدِّيَ بنفسِه لأنه في
الأصلِ يَتَعدَّى بـ ((إلى))، ومنه(٢):
٦٦٩ - ظاهراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ
نَ كما يَنْظُرُ الْأراكَ الظباءُ
أي: إلى الأراك، وقيل: مِنْ نَظَر أي: تفكر ثم اتُّسِعَ فيه أيضاً فإنَّ
أصلَه أَنْ يتعدَّى بفي، ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ على هذا أي: انظُرْ في أمرنا.
وقرأ(٣) أُبيّ والأعمش: (أَنْظِرْنَا) بفتحِ الهمزةِ وكسرِ الظاءِ أمراً من الرباعي
بمعنى: أَمْهِلْنا وأخِّرْنا، قال الشاعر(٤):
٦٧٠ - أبا هندٍ فِلا تَعْجَلْ عَلَيْنا وأَنْظِرْنا نُخْبُرْكَ اليَقينا
أي: أَمْهِلْ علينا، وهذا القراءةُ تؤيّد أنَّ الأولَ من النَّْرةِ بمعنى التأخير
لا من البصرِ ولا من البصيرةِ، وهذه الآيةُ نَظيرُ التي في الحديد: ((انظُرونا
نقتبسْ))(٥) فإنها تُرِئَتِْ بالوَجْهَيْنِ .
آ. (١٠٥) قوله تعالى: ﴿مِنْ أُهلِ الكتابِ﴾: في ((مِنْ)) قولان،
أحدُهما: أنها للتبعيضِ فتكونُ هي ومجرورُها في محلّ نصبٍ على الحالِ
(١) ديوانه ٤١؛ القرطبي ٦٠/٢.
(٢) البيت لعبيدالله بن قيس الرقيات وهو في ديوانه ٨٨؛ والقرطبي ٦٠/٢.
(٣) البحر ٣٣٩/١؛ وابن عطية ٣٧٥/١.
(٤) البيت من معلقة عمروبن كلثوم، وهو في شرح القصائد للتبريزي ٣٨٠.
(٥) الآية ١٣ من الحديد، قرأ حمزة ((أنظرونا)) مقطوعة الألف مكسورة الظاء، والباقون:
موصولة الألف مضمومة الظاء. انظر: السبعة ٦٢٥ .
٥٢

- البقرة -
ويتعلَّقُ بمحذوف أي: ما يَوَدُّ الذين كفروا كائنين من أهلِ الكتابِ. والثاني:
أنها لبيانِ الجنسِ وبه قالَ الزمخشري (١).
قوله: ((ولا المشركين)» عطفُ على ((أَهْلِ)) المجرورِ بمِنْ و((لا)) زائدةٌ
للتوكيد لأنَّ المعنى: ما يَوَدُّ الذين كفروا مِنْ أهلِ الكتابِ والمشركين كقوله:
((لم يَكُنِ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين(٢) بغيرِ زيادة ((لا)). وزَّعَمَ
بعضُهم أنه مخفوضٌ على الجِوارِ وأنَّ الأصلَ: ولا المشركون، عطفاً على
الذين، وإنما خُفِض المجاورة، نحو: ((برؤوسكم وأرجلكم)) في قراءة
الجر (٣)، وليس بواضحٍ. وقال النحاس(٤): ((ويجوزُ: ولا المشركونَ بعطفِه
على ((الذين)) وقال أبو البقاء(٥): ((وإنْ كان قد قرىء ((ولا المشركون)» بالرفع
فهو عطفٌ على الفاعل، والظاهر أنه لم يُقْرأ بذلك)) وهذان القولان يؤيِّدان أدِّعاء
الخفضِ على الجوار.
قوله: ((أَنْ يُنَزَّلَ)) ناصبٌ ومنصوبٌ في تأويلِ مصدرٍ مفعولٌ بـ((يَوَدُّ» أي:
ما يودّ إنزالَ خيرٍ، وبُني الفعلُ للمفعولِ للعلمِ بالفاعلِ وللتصريحِ به في
قوله: ((من ربكم))، وأتى بـ ((ما)) في النفي دونَ غيرِها لأنَّها لنفي الحالِ وهم
كانوا متلبسين بذلك.
قولُه: ((مِنْ خيرِ)) / هذا هو القائمُ مَقَامَ الفاعلِ، و((مِنْ)) زائدةٌ، أي: أَنْ
يُنَزَّل خيرٌ من ربكم. وحَسُنَ زيادتُها هنا وإنْ كان ((يُنَزَّل)) لم يباشِرْه حرفُ النفي
الانسحابِ النفي عليه من حيث المعنى لأنه إذا نُفِيَتِ الوَدَادَةُ انتفى مُتَعَلَّقُها،
[ ١/٤٧]
(١) الكشاف ٣٠٢/١.
(٢) الآية ١ من البينة.
(٣) (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم)) الآية ٦ من المائدة، وهي رواية أبي بكر عن عاصم.
انظر: السبعة ٢٤٣ .
(٤) إعراب القرآن ٢٠٥/١ - ٢٠٦.
(٥) الإملاء ٥٦/١.
٥٣

- البقرة -
وهذا له نظائرُ في كلامِهم نحو: ((ما أظنُّ أحداً يقولُ ذلك إلا زيدٌ)) برفع ((زيدٌ))
بدلاً من فاعِل «يقول)) وإنْ لم يباشر النفيَ، لكنه في قوةٍ: ((ما يقولُ أحدٌ ذلك
إلا زيدٌ في ظني)) وقوله تعالى: ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الذي خَلَقَ السمواتِ
والأرضَ ولم يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بقادِرٍ))(١) زيدت الباءُ لأنه في معنى: أَوَلَيس اللهُ
بقادرٍ، وهذا على رأي سيبويه وأتباعِه(٢). وأمَّا الكوفيون والأخفش(٣)
فلا يَحْتاجون إلى شَيءٍ من هذا. وقيل: ((مِنْ)) للتبعيض أي: ما يَوَدُّون أَنْ يُنَزَّلَ
من الخيرِ قليلٌ ولا كثيرٌ، فعلى هذا يكونُ القائمُ مقامَ الفاعل: ((عليكم))
والمعنى: أَنْ يُنَزَّل عليكم بخير من الخُيور.
قوله: ((مِنْ ربكم)) في ((مِنْ)) أيضاً قولان، أحدُهما: أنَّها لابتداءِ الغايةِ
فتتعلَّقُ بِيُنَزَّل. والثاني :: أنها للتبعيضِ، ولا بُدَّ حينئذٍ مِنْ حَذْفِ مضاف
تقديرُه: مِنْ خُيورِ ربّكم، وتتعلَّقُ حينئذٍ بمحذوفٍ، لأنَّها ومجرورَها صفةٌ
لقوله: ((مِنْ خير)) أي: مِنْ خيرِ كائن من خيورِ ربِّكم، ويكونُ في محلِّها
وجهان: الجوُّ على اللفظِ، والرفعُ على الموضعِ لأنَّ ((مِنْ)) زائدةٌ في ((خير))
فهو مرفوعٌ تقديراً لقيامِهِ مَقامَ الفاعل كما تقدَّم. وتلخّصَ ممَّا تقدم أنَّ في كلِّ
واحدةٍ من لفظ ((مِنْ)) قولين(٤)، الأولى: قيل إنها للتبعيض، وقيل: لبيان
الجنس، وفي الثانية قولان: زائدةٌ أو للتبعيضِ ، وفي الثالثة أيضاً قولان:
ابتداءُ الغايةِ أو التبعيضُ.
قوله: ((والله يَخْتَصُّ برحمتِه مَنْ يشاء)) هذه جملةٌ ابتدائيةٌ تَضَمِّنَتْ رَدَّ
ودَادَتِهم ذلك. و((يختصُّ)) يَحْتملُ أن يكونَ هنا متعدِّياً وأن يكونَ لازماً، فإنْ
(١) الآية ٣٣ من الأحقاف.
(٢) أي الذين يشترطون في زيادة ((مِنْ)) دخولها على نكرة وأنْ تُسْبق بنفي أو شبهه. انظر:
الكتاب ٢٧٩/١.
(٣) معاني القرآن للأخفش ٩٨ ..
(٤) في الأصل ((قولان)) وهو سهو.
٥٤
۔۔

- البقرة -
كان متعدِّياً كان فيه ضميرٌ يعودُ على اللهِ تعالى، وتكون ((مَنْ)) مفعولاً به أي
يختصُّ الله الذي يشاؤه برحمتِهِ، ويكونُ معنى افْتَعَلَ هنا معنى المجرد نحو:
كَسَب مالاً واكتسَبه، وإنْ كان لازماً لم يكن فيه ضميرٌ ويكونَ فاعلُه ((مَنْ)) أي:
واللـهُ يختصُّ برحمتِّه الشخص الذي يَشاؤه ويكون افتعل بمعنى فعل الفاعل
بنفسه نحو اضطرب، والاختصاص ضد الاشتراك، وبهذا تبين فساد قول مَنْ
زعم أنه هنا متعدٍّ ليس إلَّ. و ((مَنْ)) يجوز أن تكونَ موصولةٌ أو موصوفةٌ، وعلى
كلا التقديرين فلا بُدُّ من تقديرٍ عائدٍ، أي: يشاءُ اختصاصَه، ويجوزُ أَنْ يُضَمِّنَ
(يشاء)) معنى يَخْتار، فحينئذٍ لا حاجة إلى حَذْفِ مضاف بل تقدِّره ضميراً فقط
أي: يَشاؤه، و((يشاءُ)) على القولِ الأولِ لا محلّ له لكونِه صلةً، وعلى الثاني
محلُّه النصبُ أو الرفعُ على ما ذُكِرَ في موصوفِه من كونِه فاعلا أو مفعولاً .
آ. (١٠٦) قوله تعالى: ﴿ما نْسَخْ﴾ .. في ((ما)) قولان، أحدُهما:
- وهو الظاهرُ - أنَّها مفعولٌ مقدم لنَنْسَخْ، وهي شرطيةٌ جازمةٌ له، والتقدير:
أيَّ شيءٍ نَنْسَخ، مثلَ قوله ((أَيَّا ما تَدْعُوا))(١). والثاني: أنَّها شرطيةٌ أيضاً جازمةٌ
لنْسَخْ، ولكنَّها واقعةٌ موقعَ المصدرِ، و((مِنْ آيَةٍ)) هو المفعولُ به، والتقديرُ:
أَيَّ نَسْخٍ نَنْسَخْ آيَةً، قاله أبو البقاء(٢) وغيرُه، وقالوا: مجيءُ ((ما)) مصدراً جائز
وأنشدوا(٣):
٦٧١ - نَعَبَ الغرابُ فقلتُ: بَيْنٌ عاجِلُ مَا شِئْتَ إذ ظَعَنُوا لِيْنٍ فَانْعَبِ
وقد رَدَّ هذا القولَ بعضُهم(٤) بشيئين، أحدُهما: أَنَّه يَلْزَمُ خُلُوُ جملةٍ
الجزاءِ من ضميرٍ يعودُ على اسمِ الشرطِ وهو غيرُ جائزٍ، وقد تقدَّم تحقيقُ
(١) الآية ١١٠ من الإِسراء ((أيّاً ما تَدْعوا فله الأسماء الحسنى).
(٢) الإملاء ٥٦/١.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣٤٣/١.
(٤) لعله يعني أبا حيان في البحر ٣٤٣/١.
٥٥

- البقرة ــ
الكلامِ في ذلك عند قوله: ((مَنْ كان عَدُوًّاْ لجبريلَ))(١). والثاني: أنَّ ((مِنْ))
لا تُزَادُ في الموجَبِ، والشرطُ موجَبٌ، وهذا فيه خلافٌ لبعضِ البصريين:
أجازَ زيادتها في الشرطِ لأنه يُشْبِه النفيَ، ولكنه خلافٌ ضعيفٌ.
وقرأ ابنُ عامر (٢): ((نُنْسِخْ)) بضمُّ النونِ وكسرِ السينِ من أَنْسَخَ، قال
أبو حاتم: ((هو غلطً)) وهذه جرأةٌ منه على عادَتِه، وقال أبو عليّ (٣): ليسَتْ لغةً
لأنه لا يُقال: نَسَخَ وأَنْسخ بمعنىٍّ، ولا هي للتعديةِ لأنَّ المعنى يجيءُ:
ما نكتبْ من آيةٍ وما نُنَزِّلْ من آيَةٍ، فيجيء القرآنُ كلُّه على هذا منسوخاً، وليس
الأمرُ كذلكَ، فلم يبقَ إلا أَنْ يكونَ المعنى: ما نَجِدْه منسوخاً كما يُقال:
أَحْمَدْتُه وَأَبْخَلْتُه، أي: وَجَدْتُه كذلك ثم قال: ((وليس نَجِدُه منسوخاً إلا بأَنْ
يَنْسَخَه، فتتفقُ القراءتان في المعنى وإن اختلفا في اللفظ)»، فالهمزةُ عنده ليست
للتعديةِ. وجَعَلَ الزمخشري (٤) وابنُ عطية(٥) الهمزةَ للتعديةِ، إلا أنهما اختلفا
في تقدير المفعولِ الأولِ المحذوفِ وفي معنى الإِنساخ، فَجَعَل الزمخشري
المفعولَ المحذوفَ جيريلَ عليه السلام، والإِنساخَ هو الأمرَ بنَسْخِها، أي:
الإِعلامُ به، وجَعَلَ ابنُ عطية المفعولَ ضميرَ النبي عليه السلام، والإِنساخَ
إباحةَ النَّسْخِ لنبيِّه، كأنه لَمَّا نَسَخَها أباحَ لَه تَرْكَها، فَسَمَّى تلك الإِباحةِ إنساخاً.
وخرَّج ابنُ عطية: القراءةَ على كَوْنِ الهمزةِ للتعديةِ مِنْ وجهٍ آخرَ، وهو مِنْ
نَسْخِ الكتابِ، وهو نَقْلُه من غير إزالةٍ له، قال: ((ويكونُ المعنى: ما نَكْتُبْ
ونُنَزِّلْ من اللوح المحفوظ أو ما نؤخِّرْ فِيه ونْرُكْهُ فلا نُزِّلْه، أيَّ ذلك فَعَلْنا فإنِما
نأتي بخيرٍ من المؤخّر المتروك أو بمثله، فيجيء الضميران في ((منها)) و((بمثلها)»
(١) الآية ٩٧ من البقرة.
(٢) السبعة ١٦٨؛ والكشف ٢٥٧/١.
(٣) الحجة (خ) ٢٢٤/١.
(٤) الكشاف ٣٠٣/١.
(٥) ابن عطية ٣٨١/١.
٥٦

- البقرة -
عائِدَيْنِ على الضمير في ((نَنْسَأْها))(١). قال الشيخ(٢): ((وذَهَلَ عن القاعدة وهي
أنه لا بُدَّ من ضميرٍ يعودُ من الجزاء على اسم الشرطِ، و((ما)» في قوله:
(ما نْسَخْ)) شرطيةٌ، وقولُه ((أو نَنْسَأْه)) عائدٌ على الآية، وإن كان المعنى ليس
عائداً عليها من حيث اللفظُ والمعنى، بل إنما يعودُ عليها من حيث اللفظُ فقط
نحو: عندي درهمٌ ونصفُه، فهو في الحقيقة على إضمار ((ما)) الشرطيةِ،
التقدير: أو ما نْسَأْ من آيةٍ ضرورةَ أنَّ المنسوخِ غيرُ المَنْسُوءِ، ولكن يبقى
قولُه: مَا نَنْسَخْ من آيةٍ مُفْلَتاً من الجوابِ، إذ لا رابطَ يعودُ منه إليه فَبَطَلَ هذا
المعنى الذي قاله)).
قوله: ((مِنْ آيَةٍ)) ((مِنْ)) للتبعيضِ ، فهي متعلَّقَةٌ بمحذوف لأنها صفةٌ لاسمِ
الشرط، ويَضْعُفُ جَعْلُها حالاً، والمعنى: أيُّ شيءٍ نَنْسَخْ من الآيات،
فـ («آية)) مفرد وقع موقِعَ الجمعِ، وكذلك تخريجُ كلَّ ما جاءَ من هذا التركيب:
((ما يفتح اللهُ للناس من رحمةٍ))(٣) ((وما بكم مِنْ نعمةٍ فَمِنَ الله)) (٤)، وهذا
المجرورُ هو المخصِّصُ والمبيِّنُ لاسم الشرطِ؛ وذلك أَنَّ فيه إبهاماً من جهةٍ
عمومِهِ، ألا ترى أنَّك لو قلت: ((مَنْ يُكْرِمْ أُكْرِمْ)) تناوَلَ النساءَ والرجالَ، فإذا
قلت: ((من الرجالِ)) بَيِّنْتَ وخصَّصْتَ ما تناوَله اسمُ الشرط.
وأجاز أبو البقاء(٥) فيها وَجْهَيْنِ آخرين، أحدهما: أنَّها في موضع نصبٍ
على التمييز، والمميَّز ((ما)) والتقدير: أَيَّ شيءٍ نْسَخْ، قال: ((ولا يَحْسُنُ أن
تقدِّر: أَّ آيةٍ نَنْسَخْ، لأَنَّك لا تَجْمَعْ بَيْنَ «آية)) وبين المميّز بآية، لا تقول: أَّ
آيةٍ نَنْسَخْ من آيَةٍ، يعني أنك لو قَدَّرْتَ ذلك لاستَغْنَيْتَ عن التمييز. والثاني:
(١) وهي إحدى القراءات أثبتناها كما في الأصل.
(٢) البحر ٣٤٢/١.
(٣) الآية من فاطر.
(٤) الآية ٥٣ من النحل.
(٥) الإِملاء ٥٦/١.
٥٧

- البقرة ــ
أنها زائدةٌ وآيةٍ حال /، والمعنى: أيَّ شيءَ نَنْسَخْ قليلاً أو كثيراً، وقد جاءت [٤٧/ب]
((آية)) حالاً في قوله: ((هذه نَاقَةُ اللهِ لكم آيَةً»(١) أي: ((علامة)) وهذا فاسدٌ لأن
الحالَ لا تُجَرُّ بـ ((مِنْ))، وقد تقدَّم أنها مفعولٌ بها، و((مِنْ)) زائدةٌ على القَوْل
بجَعْل ((ما)) واقعةً موقع المصدر، فهذه أربعةُ أوجه.
قوله: ((أَوْ نُنْسِها)) ((أو)) هنا للتقسيم، و((نْسِها)) مجزومُ عطفاً على فعلٍ
الشرطِ قبلَه. وفيها ثلاثَ عشرةَ قراءةً(٢): (نَنْسَأها)) بفتحِ حرفِ المضارعةِ
وسكون النون وفتحِ السين مع الهمز، وبها قرأ أبو عمرو وابن كثير. الثانية:
كذلك إلا أنه بغير همزٍ، ذكرها أبو عبيد البكري(٣) عن سعد بن أبي وقاص(٤)
رضي الله عنه، قال ابن عطية (٥): ((وأراه وَهِمْ)). الثالثة: ((تَنْسَها)) بفتح الْتَاءِ
التي للخطاب، بعدَها نونٌ ساكنةٌ وسينٌ مفتوحةٌ من غيرِ همزٍ، وهي قراءة
الحسن، وتُرْوى عن ابن أبي وقاص، فقيل لسعدِ بنِ أبي وقاص: ((إن
سعيد بن المسيَّبَ(٦) يَقْرؤها بنونٍ أولى مضمومةٍ وسينِ مكسورةٍ فقال: إن
القرآن لم يَنْزِلْ على المسيَّب ولا على ابن المسيَّبِ)) وتلا: ((سُفْرِئك
فلا تَنْسى))(٧) ((واذكُرْ ربَّك إذا نَسِيْتَ))(٨) يعني سعدٌ بذلك أن نسبةَ النسيانِ إليه
(١) الآية ٧٣ من الأعراف . :
(٢) انظر: السبعة ١٦٨؛ والكشف ٢٥٨/١؛ الشواذ ٩؛ والبحر ٣٤٣/١؛ والقرطبي
٦٧/٢؛ وابن عطية ٣٨١/١.
(٣) عبدالله بن عبدالعزيز، له: معجم ما استعجم واللآلىء والتنبيه، لغويّ إخباري. توفي
سنة ٤٨٧. انظر: البغية ٤٩/٢؛ معجم المؤلفين ٧٥/٦.
(٤) مالك بن أهيب أحد العشرة المبشرين بالجنة، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، توفي
سنة ٥١. انظر: طبقات القراء ٣٠٤/١.
(٥) التفسير ٣٨١/١.
(٦). سعيد بن المسيب إمام التابعين، قرأ على ابن عباس، وأبي هريرة، وقرأ عليه الزهري،
توفي سنة ٩٤. انظر: طبقات القراء ٣٠٨/١.
(٧) الآية ٦ من سورة الأعلى.
(٨) الآية ٢٤ من سورة الكهف.
٥٨

- البقرة -
عليه السلامُ موجودةٌ في كتابِ الله فهذا مثلُه. الرابعةُ: كذلك إلا أنه بالهمز.
الخامسةُ: كذلك إلا أنَّه بضمُّ التاء وهي قراءةُ أبي حَيْوَةِ. السادسةُ: كذلك
إلا أنَّه بغيرِ همزٍ وهي قراءةُ سعيدٍ بن المسيَّبِ. السابعة: ((نُنْسِها)) بضمُ حرفٍ
المضارعةِ وسكونِ النونِ وكَسْرِ السينِ من غيرِ همزٍ وهي قراءةُ باقي السبعةِ.
الثامنةُ: كذلك إلا أنه بالهمز. التاسعةُ: نُنَسِّها بضمٌّ حرفِ المضارعةِ وفتحِ
النونِ وكسر السينِ مُشَدَّدَةً وهي قراءةُ الضحاك وأبي رجاء(١). العاشرةُ:
«نْسِكَ. بضمُّ حرفِ المضارعةِ وسكونِ الْنونِ وكسرِ السينِ وكافٍ بعدها
للخطاب. الحادية عشرةً: كذلك إلا أنه بفتح النون الثانية وتشديد السين
مكسورةً، وتروى عن الضحاك وأبي رجاء أيضاً. الثانيةَ عشرةَ: كذلك إلا أنه
بزيادة ضمير الآية بعد الكاف: ((نُنَسِّكَها)) وهي قراءة حذيفة(٢)، وكذلك هي في
مصحفِ سالم(٣) مولاه. الثالثةَ عشرةَ: ((ما نْسِكَ من آيةٍ أو نْسَخْها نَجِىءُ
بمثلِها)) وهي قراءةُ الأعمش، وهكذا ثَبَتَتْ في مصحفِ عبدالله.
فأمَّا قراءةُ الهَمْز على اختلافِ وجوهِها فمعناها التأخيرُ من قولهم: نَسَأَ
الله وأَنْسَأَ اللهُ فِي أَجْلِكَ أي: أَخَّرَهِ، وبِعْتُه نسيئةٌ أي متأخراً، وتقولُ العرب:
نَسَأْتُ الإِبَل عن الحوضِ أَنْسَؤُها نَسْئَاً، وأَنْسَأَ الإِبلَ: إذا أَخَّرَها عَنْ ورودِها
يومَّيْنِ فأكثرَ، فمعنى الآيةِ على هذا فيه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: نؤخِّرُ نَسْخَها
ونزولَها وهو قولُ عطاء(٤). الثاني: نَمْحُها لفظاً وحكماً وهو قول ابن
(١) عمران بن تيم العطاردي، تابعي، عرض على ابن عباس، وروى عنه أبو الأشهب
العطاردي، توفي سنة ١٠٥. انظر: طبقات القراء ٦٠٤/١.
(٢) حذيفة بن اليمان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم، وردت الرواية عنه في حروف
القرآن، توفي سنة ٣٦. انظر: طبقات القراء ٢٠٣/١؛ الأعلام ١٨٠/٢.
(٣) سالم بن عتبة. وردت عنه الرواية في حروف القرآن توفي سنة ١٢. انظر: طبقات القراء
٣٠١/١.
(٤) عطاء بن أبي رباح، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، روى عن أبي هريرة
وعرض عليه أبو عمرو، توفي سنة ١١٥. انظر: طبقات القراء ٥١٤/١.
٥٩

- البقرة -
زيد(١). الثالث: نُمْضِها فلا نَنْسَخْها وهو قولُ أبي عبيد، وهو ضعيفٌ لقوله:
نَأْتِ بخيرٍ منها، لأنَّ ما أُمْضِي وأُقِرَّ لا يُقال فيه: نَأْتِ بخير منه.
وأمّا قراءةُ غيرِ الهَمْزِ على اختلافِ وجوهِها أيضاً ففيها احتمالان،
أظهرُهما: أنها من النسيانِ، وحينئذٍ يُحْتَمَلُ أن يكونَ المرادُ به في بعضٍ
القراءاتِ ضدَّ الذِّكْرِ، وفي بعضِها التركَ. والثاني: أنَّ أصلَه الهمزُ من النَّسْء
وهو التأخيرُ، إلا أنَّه أُبْدِلَ من الهمزةِ ألفٌ فحينئذٍ تَتَّحِد القراءتان. ثم مَنْ قرأ
مِنَ القُرَّاءِ: ((نْسَاها)) من الثلاثي فواضحٌ. وأمَّا مَنْ قرأ منهم مِنْ أَفْعَل، وهم
نافع وابن عامر والكوفيون فمعناه عندهم: تُنْسِكَها، أي: نجعلُك ناسياً لها،
أو يكونُ المعنى: نَأْمُرُ بتركها، يقال: أَنْسَيْتُهُ الشيءَ أي أَمَرْتُه بتركِه، ونَسِيْتُه
تَرَكْتُه، وأنشدوا(٢):
لستُ بِناسِيها ولا مُنْسِيهَا
٦٧٢ - إنَّ عليَّ عُقْبَةً أَقْضِيها
أي: لا تاركها ولا آمراً بتركها، وقد تكلّم الزجاج في هذه القراءةِ
فقال(٣): ((هذه القراءةُ لا يَتَوَجَّهُ فيها معنى الترك، لا يُقال: أَنْسَى بمعنى ترك.
قال الفارسي (٤) وغيرُه: ((ذلك مُتَّجِهُ لأنه بمعنى نَجْعَلُكَ تَتْرُكها)) وقد ضَعَّفَ
الزجاج (٥) أيضاً أَنْ تُحْمَلَ الآيةُ على معنى النسيانِ ضدَّ الذكرِ، وقال: «إِنَّ هذا
لم يكُنْ له عليه السلام ولا نَسي قرآناً»، واحتجِّ بقوله تعالى: ((ولَئِنْ شِئْنَا
◌َنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحينا إليك))(٦) أي لم نَفْعَل شيئاً من ذلك. وأجابَ الفارسي
(١) عبدالرحمن بن زيد المدني، له: تفسير القرآن، الناسخ والمنسوخ توفي سنة ١٨٢. انظر:
هدية العارفين ٥١٢/٥.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٦٨/٢؛ والبحر ٣٣٤/١. والعقبة: الإِبل يرعاها
الرجل ويسقيها .
(٣) معاني القرآن ١٦٧/١.
(٤) الحجة (خ) ٢٢٦/١.
(٥) معاني القرآن ١٦٧/١
(٦) الآية ٨٦ من الإسراء.
٦٠