Indexed OCR Text

Pages 501-520

- البقرة -
((غِلاف)»، ويكونُ أصلُ اللامِ الضمَّفخُفَّفَ نحو: حمار وحُمُر وكتاب وكُتُب، إلاّ أنَّ
تخفيفَ فُعُل إنما يكون في المفرد غالباً نحو عُنْقَ في عُنُق، وأمَّا فُعُل الجمع
فقال ابن عطية(١): ((لا يجوز تخفيفُه إلا في ضرورةٍ))، وليس كذلك، بل
هو قليل، وقد نصّ غيرهُ على جوازه، وقرأ(٢) ابن عباس - ويُروى عن
أبي عمرو - بضمِّ اللامِ وهو جمع ((غِلاف)»، ولا يجوز أن يكون فُعُل في هذه
القراءة جمعَ ((أَغْلِف)) لأنَّ تثقيلَ فُعُل الصحيحِ العينِ(٣) لا يجوز إلَّ فِي شِعْر،
والمعنى على هذه القراءة أنَّ قلوبَنا أوعيةً للعلمِ فهي غيرُ محتاجةٍ إلى علمٍ
آخر، والتغليفُ كالتغشِيَة في المعنى.
قوله: ((بل لَعَنَهم الله)) ((بل)) حرفُ إضرابٍ، والإِضرابُ راجعٌ إلى
ما تَضَمَّنه قولُهم من أن قلوبَهم غُلْف، فردَّ الله عليهم ذلك بأنَّ سَبَبَه لَعْنُهم
بكفرهم السابق. والإضرابُ على قسمين: إبطالٍ وانتقالٍ، فالأول نحو:
ما قام زيدٌ بل عمروٌ، ولا تَعْطِفُ ((بل)) إلا المفردات، وتكونُ في الإِيجاب
والنفي والنهي، ويُزاد قبلها (لا)) تأكيداً. واللَّعْنُ: الطَّرْدُ والْبُعْدُ، ومنه: شَأْوٌ
لعين أي بعيد: قال الشمَّاخ(٤):
٦٠٧ - ذَعَرْتُ به القَطا ونَفَيْتُ عنه مقامَ الذئبِ كالرَّجُلِ اللَّعينِ
أي: البعيد، وكان وجهُ الكلام أن يقول: ((مقام الذئب اللعين
كالرجل)). والباءُ في ((بكفرهم)» للسببِ، وهي متعلَّقَةٌ بلعَنْهُمْ. وقال الفارسي:
((النية به التقديمُ أي: وقالوا: قُلوبنا غلفٌ بسببٍ كفرهم، فتكونُ الباءُ متعلقةً
بقالوا وتكونُ ((بل لعنهم)) جملةٌ معترضةً))، وفيه بُعْدٌ، ويجوز أن تكونَ حالاً
(١) التفسير ٣٤٧/١.
(٢) البحر ٣٠١/١؛ وابن عطية ٣٤٧/١، وفيه أن هذه القراءة بتثقيل اللام، ويعني بالتثقيل
الضم.
(٣) أي تثقيله بالضم والأصل التسكين.
(٤) ديوانه ٩٢، وإعراب ثلاثين سورة ٨؛ والقرطبي ٢٥/٢.
٥٠
١

. - البقرة -
من المفعولِ في ((لَعَنهم)) أي لِعَنهم كافرين أي: مُلتيسين بالكفرِ كقوله: ((وقد
دخلوا بالكفر)». (١)
قوله: ((فقليلاً ما يُؤْمنون)) في نصبِ ((قليلاً)) ستةُ أوجهٍ، أحدُها
وهو الأظهرُ: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: فإيماناً قليلاً يُؤمنون. الثاني: أنهِ.
حالٌ من ضمير ذلك المصدرِ المحذوفِ أي: فيؤمنونه أي الإِيمانَ في حالٍ
قلَّته، وقد تقدَّم أنه مذهب سيبويه(٢) وتقدَّم تقريره. الثالث: أنه صفةٌ لزمان
محذوفٍ، أي: فزماناً قليلاً يؤمنون، وهو كقوله: ((آمنوا بالذي أُنْزِل على الذين
آمنوا وجهَ النهار واكفُرُوا آخرَه))(٣). الرابع: أنه على إسقاطِ الخافض
والأصل: فبقليل يؤمنون، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجرِّ انتصب، ويُعْزَى
لأبي عبيدة(٤). الخامس: أن يكونَ حالاً من فاعل ((يؤمنون))، أي فجَمْعاً قليلاً.
يؤمنون أي المؤمِنُ فيهم قليلٌ، قال معناه ابنُ عباس وقتادة. إلا أن المهدوي
قال: ((ذهب قتادة إلى أنّ المعنى: فقليلٌ منهم مَنْ يؤمن، وأنكره النحويون،
وقالوا: لو كانَ كذلك لَلَزِمَ رفع ((قلیل)). قلت: لا يلزم الرفعُ مع القول بالمعنى
الذي ذهب إليه قتادة لِما تقدَّم من أنَّ نصبه على الحالٍ وافٍ بهذا المعنى.
و ((ما)) على هذه الأقوال كلها مزيدةٌ للتأكيد. السادس: أن تكونَ ((ما) نافيةً
أي: فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، ومثلُه: ((قليلاً ما تشكرون))(٥)، ((قليلاً
ما تَذَكَّرون))(٦)، وهذا قويّ من جهة المعنى، وإنما يَضْعُفُ شيئاً من جهةٍ تقدُّم
ما في خَيِّزها عليها، قاله أبو البقاء(٧)، وإليه ذهب ابن الأنباري، إلا أنَّ تقديم
(١) الآية ٦١ من المائدة.
(٢) الكتاب ١١٦/١. وانظر: الورقة ١٦ ب.
(٣) الآية ٧٢ من آل عمران.
(٤) ليس في ((مجاز القرآن)) إشارة إلى ذلك.
(٥) الآية ٣ من الأعراف.
(٦) الآية ١٠ من سورة الأعراف.
(٧) الإِملاء ٥٠/١.
٥٠٢

- البقرة -
ما في حَيِّها عليها لم يُجْزِه البصريون، وأجازه الكوفيون. قال أبو البقاء (١).
((ولا يَجُوزِ أَنْ تكونَ «ما)) مصدريةً، لأن ((قليلاً)) يبقى بلا ناصبٍ». يعني أنَّك
إذا جَعَلْتَها مصدريةً كان ما بعدَها صلتها، ويكون المصدرُ مرفوعاً بـ((قليلاً)) على
أنه فاعلٌ به فأين الناصبُ له؟ وهذا بخلافِ قوله ((كانوا قليلاً من الليلِ
ما يَهْجعون))(٢) فإنَّ ((ما)) هناك يجوزُ أن تكونَ مصدريةً لأنَّ ((قليلاً)) منصوبٌ
بـ كانَ. وقال الزمخشري: ((ويجوزُ أن تكونَ القِلَّةُ بمعنى العَدَم))(٣). قال
الشيخ (٤): ((وما ذهبَ إليه من أنَّ ((قليلا)) يُراد به النفيُ فصحيحٌ، لكنْ في غيرِ
هذا التركيبِ، أعني قوله تعالى: ((فقليلاً ما يؤمنون)) لأنَّ ((قليلاً) انتصَبَ بالفعلِ
المثبتِ فصار نظيرَ ((قُمْتُ قليلاً)) أي: قمتُ قياماً قليلاً، ولا يَذْهَبُ ذاهبٌ إلى
أنَّك إذا أَتَيْتَ بفعلٍ مُثْبَتٍ وجَعَلْتَ ((قليلاً)) منصوباً نعتاً لمصدرِ ذلك الفعلِ
يكونُ المعنى في المُثْبَتِ الواقعِ على صفةٍ أو هيئةٍ انتفاءَ ذلك المُثْبَتِ رأساً
وعدَمَ قوعِه بالكلِّية، وإنما الذي نقّل النحويون: أنَّه قد يُراد بالقلة النفيُّ
المَحْضُ في قولهم: ((أَقَلُّ رجلٍ يقول ذلك، وقَلَّما يقوم زيد)»، وإذا تقرَّر هذا
فَحَمْلُ القلةِ على النفي المَحْض هنا ليس بصحيحٍ )) انتهى. / قلت: ما قاله [٣٩/ب]
أبو القاسم الزمخشري - رحمه الله - من أنَّ معنى التقليلِ هنا النفيُ قد قال
به الواحديُّ قبلَه، فإنه قال: ((أَيْ: لا قليلاً ولا كثيراً، كما تقول: قَلَّما يفعلُ
كذا، أي: ما يفعله أصلاً)».
آ. (٨٩) قوله تعالى: ﴿مِنْ عندِ الله﴾ .. فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه
في محلٌّ رفع صفةً لكتاب، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي كتابٌ كائنٌ من عندِ الله.
(١) الإملاء ٥٠/١.
(٢) الآية ١٧ من الذاريات.
(٣) الكشاف ٢٩٥/١.
(٤) البحر ٣٠٣/١.
٥٠٣

- البقرة -
والثاني: أن يكونَ في محلٌّ نصبٍ لابتداءِ غايةِ المجيء قالَه أبو البقاء (١). وقد
ردَّ الشيخ هذا الوجهَ فقال(٢): ((لا يُقال إنه يُحْتمل أن يكونَ ((من عند الله)»
متعلقاً بجاءهم، فلا يكونُ صفةً، للفصلِ بين الصفةِ والموصوفِ
بما هو معمولٌ لغير أحدهما)) يعني أنه ليس معمولاً للموصوفِ ولا للصفةِ
فَلا يُغْتَفَرُ الفصلُ به بينهما (٣).
والجمهورُ على رفع ((مُصَدِّقٌ)) على أنه صفةٌ ثانيةٌ، وعلى هذا يُقال: قد
وُجِدَ صفتان إحداهما صريحةٌ والأخرى مؤولةٌ، وقد قُدِّمَتِ المؤولَةُ، وقد تقدَّم
:
أنَّ ذلك غيرُ ممتنع وإنْ زَعَم بعضُهم أنه لا يجوزُ إلا ضرورةً. والَذِي حَسِّنَ
تقديمَ غير الصريحة أنَّ الوصفَ بكينونَتِهِ مِنْ عندِ اللّه آكدُ، وأنَّ وصفَه بالتصديقِ
ناشىءٌ عن كونه من عندِ الله. وقرأ ابن أبي عبلة(٤) ((مُصَدِّقاً)) نصباً، وكذلك
هو في مصحفِ أُبيّ، ونصبُه على الحال، وفي صاحِبها قولان، أحدُهما أنه
(كتاب)). فإِنْ قيل: كيفُّ جاءت الحالُ مِن النكرة؟ فالجوابُ أنها قد قَرُبَتْ من
المعرفة لتخصيصِها بالصفةِ وهي ((من عندِ الله)) كما تقدَّم. على أنَّ سيبويهِ(٥)
أجاز مجيئُها منها بلا شرطٍ، وإلى هذا الوجه أشار الزمخشري(٦). والثاني:
أنه الضمير الذي تَحمِّله الجارُّ والمجرورُ لوقوعِه صفةً، والعاملُ فيها إِمَّا:
(١) الإملاء ٥٠/١.
(٢) البحر ٣٠٣/١.
(٣) يعني بالصفة ((مصدق)) وبالموصوف ((كتاب))، وعلى إعراب أبي البقاء يكون ثمة فصل
بينهما بأجنبي وهو (من عند الله)) الذي هوليس معمولاً للصفة ولا للموصوف
وإنما هو معمول لـ ((جاءهم)).
(٤) البحر ٣٠٣/١.
(٥) الكتاب ٢٧٢/١، ٢٤٣/٢.
(٦) الكشاف ٢٩٥/١ .
٥٠٤

- البقرة -
الظرفُ أو ما يتعلَّق به على الخلاف المشهور، ولهذا اعترَضَ بعضُهم على
سيبويه في قوله(١):
٦٠٨ - لِمَيَّةَ موحِشاً طَلَلٌ يَلُوح كأنّه خِلَلُ
إنَّ ((موحشاً)) حالٌ من ((طَلَل))، وساغَ ذلك لتقدُّمِهِ (٢)، فقال: لا حاجةً
إلى ذلك، إذ يمكنُ أن يكونَ حالاً من الضمير المستكنّ في قوله: «لميَّةَ»
الواقعَ خبراً لطلل، وللجوابِ، عن ذلك موضعٌ آخرُ. واللام في ((لِما معهم))
مقويةٌ لتعدية ((مُصَدِّق)) لكونِهِ فَرْعاً، و((ما)) موصولةٌ، والظرفُ صلتُها.
قوله: ((وكانوا)) يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ معطوفاً على
((جاءهم)) فيكونُ جوابُ ((لَمَّا)» مرتَّباً على المجيءِ والكونِ. والثاني: أن يكونَ
حالاً أي: وقد كانُوا، فيكونُ جوابُ (((لَمَّا)) مرتَباً على المجيءِ بقيدٍ في مفعولِه
وهم كونُهم يَسْتَفْتِحون. قال الشيخ(٣): ((وظاهرُ كلامِ الزمخشري أن ((وكانوا))
ليسَتْ معطوفةً على الفعلِ بعد ((لَمًّا)) ولا حالاً، لأنه قدَّر جوابَ ((لَمَّ)) محذوفاً
قبل تفسيره ((يستفتحون))، فَدلَّ على أنَّ قوله ((وكانوا)) جملةٌ معطوفةٌ على
مجموعِ الجملةِ من قولِه: ولَمَّا، وهذا هو الثالثُ.
و ((من قبلُ)) متعلقٌ بَيَسْتَفْتِحون، والأصل: من قبلِ ذلك، فلمَّا قُطِعَ بُنِيَ
على الضمِّ. و((يَسْتَفْتحون)) في محلِّ النصبِ على خبر ((كان)). واختلف
النحويون في جوابِ ((لَمًّا)» الأولى والثانية. فَذَهَبَ الأخفش(٤) والزجاج(٥) إلى أنَّ
(١) البيت لكثير وهو في ديوانه ٢١٠/٢؛ والكتاب ٢٧٦/١؛ والخصائص ٤٩٢/٢؛ وأمالي
الشجري ٢٦/١؛ وابن يعيش ٥٠/٢؛ والأشموني ١٧٤/٢ .
(٢) الكتاب ٢٧٦/١.
(٣) البحر ٣٠٣/١.
(٤) معاني القرآن له ١٣٦ .
(٥) معاني القرآن له ١٤٦/١.
٥٠٥

- البقرة -.
جوابَ الأولى محذوفٌ تقديرُهُ: وَلَمَّا جاءهم كتابٌ كفروا به. وقَدَّره
الزمخشري(١): ((كَذَّبوا به واستهانوا بمجيئه)» وهو حَسَنٌ. وذهب الفراء (٢) إلى
أنَّ جوابَها الفاءُ الداخلةُ على لَمَّا، وهو عندَه نظير «فإِما يَأْتِيَنْكم مني هُدَىِّ فَمَنْ
تَّبع هُداي فلا خَوْفٌ))(٣) قال: ((ولا يجوزُ أن تكونَ الفاءُ ناسقةً إذ لا يَصْلُح
موضِعَهَا الواوُ)) و((كفروا)) جوابُ لَمَّا الثانية على القولَيْن. وقال أبو البقاء(٤).
(في جوابٍ لَمَّا الأولى وجهانٍ، أحدُهما: جوابُها ((لَمَّا)) الثانية وجوابُها. وهذا
ضعيفٌ لأنَّ الفاءَ مع ((لمَّا)) الثانيةِ، و((لمَّا)) لا تُجَابُ بالفاءِ إلا أَنْ يُعتقدَ زيادةُ الفَاءِ
على ما يُجيزه الأخفش))(٥) قلت: ولو قيل برأي الأخفش في زيادةِ الفاء من
حيث الجملةُ فإنه لا يمكنُ ههنا لأنَّ ((لَمَّا)) لا يُجاب بمثلِها، لا يُقال: «لَمَّا جاء زيدٌ
لَمَّا قَعَد أكرمتُك)) على أن يكونَ ((لَمَّا قعد)» جوابَ ((لِمَّا جاء)». والله أعلم.
وذهب المبردُ إلى أنَّ((كفروا)) جوابُ (لَمَّا)) الأولى وكُرِّرت الثانيةُ لطولٍ
الكلام، ويُفيد ذلك تقريرَ الذنبِ وتأكيدَه، وهو حسنٌ، لولا أنَّ الفاء تَمْنع من
ذَلكِ. وقال أبو البقاء(٦) بعد أن حَكَى وجهاً أولَ: ((والثاني: أنَّ((كفروا)» جوابُ
الأولى والثانية لأنَّ مقتضاهما واحدٌ. وقيل: الثانيةُ تكریرُ فلم يُخْتَجْ إلى جوابٍ»
قلت: ((قولُه: ((وقيل الثانية تكريرٌ)) هو ما حَكَيْتُ عن المبرد، وهو في الحقيقة
ليس مغايراً للوجه الذي ذكره قبله من كون ((كفروا)) جواباً لهما بل هوهو.
قوله: ((فَلَعْنَةُ اللهِ على الكافرين)) جملةٌ من مبتدأ أو خبرٍ مُتَسَبَّةٌ عَمَّا
تقدَّم. والمصدرُ هنا مضافٌ للفاعل، وأتى بـ ((على)) تنبيهاً على أنَّ اللعنةَ قِد
(١) الكشاف ٢٩٦/١.
(٢) معاني القرآن ٥٩/١.
(٣) الآية ٣٨ من البقرة.
(٤) الإملاء ٥٠/١.
(٥) انظر أمثلة على زيادة إلفاء في كتابه معاني القرآن ٣٤، ٢٢٢.
(٦) الإملاء ٥٠/١.
٥٠٦

- البقرة -
استعْلَتْ عليهم وشَمِلَتْهم. وقال ((على الكافرين)) ولم يَقُلْ ((عليهم)) إقامةً
للظاهر مُقَامَ المضمرِ لينَبِّه على السبب المقتضي لذلك وهو الكفرُ.
آ. (٩٠) قوله تعالى: ﴿بِئْسَاشْتَرَوْا﴾ .. بئسَ: فعلٌ ماض غيرُ متصرفٍ،
معناه الذُّ، فلا يَعْمُل إلا في معرَّفٍ بأل، أو فيما أُضيف إلى ما همافيه، أو في
مضمرٍ مفسَّرِ بنكرةٍ، أو في ((ما)) على قول سيبويه(١). وفيه لغاتٍ(٢): بَيْسَ
بكسر العينِ وتخفيفٍ، هذا الأصلُ، ويِئِس بكسرِ الفاء إتباعاً للعينِ وتخفيفٍ،
هذا الإِتباعُ، وهو أشهرُ الاستعمالاتِ، ومثلُها (نِعْمَ)) في جميع ما تقدَّم من
الأحكام واللغات. وزعم الكوفيون(٣) أنهما اسمان، مستدلِّين بدخول حرف
الجر عليهما في قولهم: ((ما هي بِنِعْمَ الولد نصرُها بكاءٌ ويِرُّها سَرِقة))، ((ونِعْمَ
السيرُ على بِئْس العَيْر)) وقوله(٤):
٦٠٩ - صَبَّحَكَ اللهُ بخيرٍ باكرِ بَنِعْمَ طِيرٍ وشبابٍ فَاخِرٍ
وقد خَرَّجه البصريون على حَذْفِ موصوف، قامَتْ صفتُه مَقَامَه تقديرُه:
ما هي بولٍ مقولٍ فيه نِعْم الولد، ولها أحكامٌ كثيرة، ولا بدَّ بعدّها من
مخصوصٍ بالمدحِ أو الذمِّ، وقد يُحْذَفُ لقرينةٍ، هذا حكمُ بِئْسَ.
أمَّا، ((ما)) الواقعةُ بعدَها كهذه الآية: فاختلف النحويون فيها اختلافاً
كثيراً، واضطربت النقولُ عنهم اضطراباً شديداً، فاختلفوا: هَلْ لها محلّ من
الإِعراب أم لا؟ فذهبَ الفراء(٥) إلى أنها مع ((بِئْسَ)) شيءٌ واحد رُكِّبَ تركيب
(١) الكتاب ٤٧٦/١.
(٢) انظر في لغات نعم وبئس: الانصاف ١٢٥.
(٣) الإِنصاف ٩٧.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في العيني ٥٢/٤؛ الجمع ٨٤/٢؛ والدرر ١٠٨/٢؛ والأشموني
٢٧/٣.
(٥) معاني القرآن ٥٧/١.
٥٠٧
٠

- البقرة-
((حَبِّدًا))، نقله ابنُ عطية (١)، ونَقَلَ عنه المهدوي أنه يُجَوِّز أن تكونَ ((ما)) مع
بئسَ بمنزلة كُلَّمَا، فظاهرُ هذين النقلينِ أنها لا محلَّ لها. وذهب الجمهورُ إلى
[٤٠/أ] أنَّ لها مَحَلاً، ثم اختلفوا: / محَلُّها رفع أو نصبٌ؟ فذهب الأخفشُ(٢) إلى
أنها في محلِّ نصبٍ على التمييزِ والجملةُ بعدَها في محلِّ نصبٍ صفةً لها،
وفاعلُ بئس مضمرٌ تُفَسِّرُه ((ما))، والمخصوصُ بالذمُّ هو قولُه: ((أَنْ يكفروا)) لأنه
في تأويلِ مصدرٍ، والتقدير: بِئْس هو شيئاً اشتَرَوا به كفرُهم، ويه قال
الفارسي في أحدٍ قوليه، واختاره الزمخشري(٣)، ويجوزُ على هذا أن يكونَ
المخصوصُ بالذمِّ محذوفاً، و((اشتَرَوا)) صفةً له في محلٌّ رفعٍ تقديرُه: بئس
شيئاً شيءٌ أو كفرٌ اشتروا به، كقوله(٤).
٦١٠ - لنِعْمَ الفتى أَضْحَى بأَكْنافٍ حَائِل
أي: فَتِّى أَضْحِى، و((أَنْ يكفروا)) بدلٌ من ذلك المحذوفِ، أو خبرٌ
مبتدأ محذوفٍ أي: هو أَنْ يكفروا. وذهبَ الكسائي إلى أنَّ ((ما) منصوبةٌ
المحلِّ أيضاً، لكنه قَدَّر بعدها (ما) أخرى موصولةً بمعنى الذي، وجعل الجملةً
مِنْ قولِه (اشتَرَو) صلتها، و((ما)) هذه الموصولةُ هي المخصوصُ بالذمِّ،
والتقديرُ: بئس شيئاً الذي اشتروا به أنفسهم، فلا محلَّ لـ(اشتروا)) على هذا،
ويكونُ ((أَنْ يكفروا)) على هذا القولِ خبراً لمبتدأ محذوفٍ كما تقدَّم، فتلخّص
في الجملة الواقعةِ بعد ((ما)) على القول بنصبِها ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنها
صفةٌ لها فتكونُ في محلِّ نصبٍ أو صلةٌ لـ ((ما)) المحذوفةِ فلا محلَّ لها أو صفةٌ
للمخصوص بالذم فتكونُ في محل رفعٍ.
(١) التفسير ٣٥٠/١.
(٢) مذهبه في معاني القرآن ١٣٩ «ما: اسم وأن يكفروا تفسير له وأن ينزل بدل من بما
أنزل)).
(٣) الكشاف ٢٩٦/١.
(٤) لم أهتد إلى قائله وتمامه وهو في إملاء العكبري ٥١/١.
٥٠٨

- البقرة -
وذهب سيبويه إلى أَنَّ موضعَها رفعً على أنَّها فاعلُ بئس، فقال
سيبويه(١): هي معرفةٌ تامةٌ، التقديرُ: بئس الشيءُ، والمخصوصُ بالذمُّ على
هذا محذوفٌ أي شيءٌ اشتَرَوا به أنفَسَهم، وعُزي هذا القولُ أيضاً للكسائي.
وذهب الفراء(٢) والكسائي. أيضاً إلى أنَّ ((ما)) موصولةٌ بمعنى الذي والجملةُ
بَعْدَها صلتُها، ونقلَه ابن عطية (٣) عن سيبويه، وهو أحدُ قَوْلَيْ الفارسي،
والتقدير: بئسَ الذي اشتروا به أنفسَهم أَنْ يكفرُوا، فَأَنْ يكفروا هو
المخصوصُ بالذمِّ. قال الشيخ(٤): ((وما نَقَلَه ابنُ عطية عن سيبويه وَهْمٌ
عليه)). ونقل المهدوي وابن عطية(٥) عن الكسائي أيضاً أن ((ما)) يجوزُ أن
تكونَ مصدريةً، والتقديرُ: بئسَ اشتراؤهم، فتكونُ ((ما)، وما في حَيِّزها في
محلِّ رفعٍ . قال ابنُ عطية(٥): ((وهذا معترضٌ بأنَّ ((بْسَ)) لا تَدْخُل على اسمٍ
معيَّنِ يتعرَّفُ بالإِضافةِ للضمير)». قال الشيخ(٦): ((وهذا لا يَلْزَم إلا إذا نَصَّ أنه
مرفوعُ بئس، أمَّا إذا جعله المخصوصَ بالذمِّ وجعل فاعلَ ((بئس)) مضمراً
والتمييزُ محذوفٌ لفهم المعنى، والتقدير: بئسَ اشتراءً اشتراؤهم فلا يَلْزَمُ
الاعتراضُ)) قلت: وبهذا - أَعْني بجَعْلٍ فاعلٍ بئسَ مضمراً فيها - جَوَّز
أبو البقاء(٧) في ((ما)) أَنْ تكونَ مصدريةً، فإنه قال: ((والرابعُ أن تكونَ مصدريةً
أي: بئسَ شِراؤهم، وفاعلُ بئسَ على هذا مضمرٌ لأنَّ المصدر ههنا
مخصوصٌ ليس بجنسٍ)) يعني فلا يكونُ فاعلاً، لكن يُبْطِلُ هذا القولَ عَوْدُ
الضمير في ((به)) على ((ما)» والمصدريةُ لا يعودُ عليها، لأنها حرفٌ عند
(١) الكتاب ٤٧٦/١.
(٢) معاني القرآن ٥٧/١.
(٣) التفسير ٣٥٠/١.
(٤) البحر ٣٠٥/١.
(٥) التفسير ٣٥٠/١.
(٦) البحر ٣٠٥/١.
(٧) الاملاء ٥١/١.
٥٠٩

- البقرة :-
الجمهور، وتقديرُ أَدِلَّةِ كلِّ فريق مذكورٌ في المُطَوَّلات. فهذه نهايةُ القولِ فِي
(بئسما)) و(«نِعِمَّ)) واللهُ أعلم.
قوله ((أَنْ يكفُرُوا)) قد تقدَّم فيه أنه يجوزُ أن يكونَ هو المخصوصَ بالدمِّ
فتكونُ الأوجهُ الثلاثة: إمَّا مبتدأ وخبرُه الجملةُ قبلَه، ولا حاجةً إلى الرابطِ،
لأنَّ العمومَ قائمٌ مَقامَه إذ الألفُ واللامُ في فاعِلِ نِعْم وبئسَ للجنسِ ، أو لانَّ
الجملةَ نفسُ المبتدأ، وإمّا خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، وإمَّا مبتدأٌ وخبره محذوف،
وتقدَّم أنه يجوزُ أن يكونَ بدلاً أو خبراً لمبتدأ محذوفٍ حَسْبما تقرَّر وتحرَّر.
وأجاز الفراء(١) أن يكونَ في محلِّ جَرِّ بدلاً من الضميرِ في ((به)) إذا جَعَلْتَ
((ما)) تامَّة .
قوله: ((بما أَنْزَلَ الله)) متعلِّق بيكفرُوا، وقد تقدَّمَ أنَّ ((كفر)) يتعدَّى بنفسِه
تارةً وبحرفِ الجرِّ أخرى، و((ما)) موصولةٌ بمعنى الذي والعائدُ محذوفٌ
تقديرُه: أَنْزِلهِ، ويَضْعُفُ جَعْلُها نكرةً موصوفةً، وكذلك جَعْلُها مصدريةً
والمصدرُ قائمٌ مقامَ المفعولِ أي بإنزالِه يعني بالمُنَزَّل.
قوله: ((بَغْيَا) فيه ثلاثةُ أَوجهٍ، أظهرُها: أنه مفعولٌ مِنْ أَجْله وهو مستوفٍ
الشروطِ النصبِ، وفي الناصبِ له قولان، أحدُهما - وهو الظاهر - أنه
(يكفروا)) أي علةُ كفرِهم البغيُّ. والثاني أنه ((اشْتَرَوا))، وإليه يَنْحِو كلامُ
الزمخشري (٢)، فإنه قال: ((وهو علةُ ((اشْتَرَو)). والثاني من الأوجهِ الثلاثة: أنه
منصوبٌ على المصدرِ بفعلٍ يَدُلُّ عليه ما تَقَدَّم أي بَغَوْا بَغْياً. والثالث: أنه في
موضعٍ حالٍ، وفي صاحِبها القولان المتقدَّمان: إمَّا فاعلُ ((اشْتَرَوا)) وإمَّا فاعلُ
(يُكْفروا))، تقديرُه: اشْتَرَوا باغِين، أو يَكْفُرُوا باغِين.
(١) معاني القرآن ٥٦/١
(٢) الكشاف ٢٩٦/١.
٥١٠

- البقرة -
والبَغْيُ: أصلُه الفَسادُ مِنْ قَوْلِهِم: بَغَى الجُرْحُ أي فَسَدَ قاله الأصمعيْ
وقيل: هو شِدَّةُ الطلبِ، ومنه قولُه تعالى: ((ما نَبْغي))(١)، وقال الراجز(٢):
قلائِصاً مختلفاتِ الألْوانْ
٦١١ - أُنْشِدُ والباغي يُحِبُّ الوِجْدانْ
ومنه «الْبَغِيُّ)) لشدة طلبها له.
قوله ((أَنْ يُنَزِّل اللَّهُ)) فيه قولان، أحدُهما: أنَّه مفعولٌ من أجله والناصبُ
له ((بَغْيا)) أي: عِلَّةُ البغيِ إنزالُ الله فَضْلَه على محمدٍ عليه السلامُ. والثاني:
أنَّه على إسقاطِ الخافضِ والتقديرُ: بَغْياً على أَنْ يُنَزِّلَ، أي: حَسَدَاً على أَنْ
يُنَزِّلَ، فيجيءُ فيه الخلافُ المشهورُ: أهي في موضعِ نصبٍ أو في موضعِ
جرٍ؟ والثالثُ: أَنَّه في محلٍّ جرِّ بدلاً من ((ما)) في قوله: ((بما أَنْزِل الله)) بدلَ
اشتمال، أي: بإنزال الله فيكونُ مثلَ قولِ امرىء القيس(٣):
٦١٢ - أَمِنْ ذِكْر سلمى أَنْ نَأَتْكَ تُنُوصُ
وقرأ أبو عمرو وابن كثير(٤) جميعَ المضارع من ((أَنْزَل)) مخففاً إلا ما وقع
الإِجماع على تشديدِه في الحجرِ ((وما نُنُزِّلُه إلَّ))(٥)، وقد خالفا هذا الأصلَ:
أمَّا أبو عمروٍ فإنه شدَّد ((على أَنْ يُنَزِّل آيَةً))(٦) / في الأنعام، وأمَّا ابن كثير فإنه [٤٠ /ب]
شَدَّد في الإِسراء: ((ونُنَزِّل من القرآن))(٧) ((حتى تُنَزِّلَ علينا كتاباً)(٨) والباقون
(١) الآية ٦٥ من يوسف.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٢٩٨/١. والقلوص: الناقة الشابة.
(٣) تقدم برقم ٣١٩.
(٤) السبعة ١٦٤؛ الكشف ٢٥٣/١؛ البحر ٣٠٦/١.
(٥) الآية ٣١ من الحجر.
(٦) الآية ٣٧ من الأنعام.
(٧) الآية ٨٢ من الإِسراء.
(٨) الآية ٩٣ من الإسراء.
٥١١

- البقرة -
بالتشديد في جميع المضارع إلا حمزة والكسائيَّ فإنهما خالفا هذا الأصلَ
فخَفَّفا: ((ويُنْزِّل الغيث))(١) آخر لقمان، ((وهو الذي يُنْزِّل الغيث))(٢) في
الشورى. والهمزةُ والتضعيفُ للتعديَةِ، وقد تقدَّم: هل بينهما فرقٌ؟ وتحقيقُ
كلٌّ من القولين، وقد ذَكَر القُرَّاءُ مناسباتٍ للإِجماعِ على التشديدِ في ذلك
الموضعِ ومخالفةِ كلِّ واحدٍ أصلَه لماذا؟ بما يطول ذكره، والأظهرُ من ذلك
كلِّه أنه جَمْعٌ بين اللغات.
قوله: ((مِنْ فَضْله)): ((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ، وفيه قولان، أحدُهما: أنه
صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ هو مفعولُ ((يُنَزِّل)) أي: أَنْ يُنَزِّل الله شيئاً كائناً من
فضلِه فيكونُ في محلٌّ نصب. والثاني: أنَّ ((مِنْ)) زائدةٌ، وهو رأيُ
الأخفش (٣)، وحينئذٍ فلا تَعَلُّقَ له، والمجرورُ بها هو المفعولُ أي: أَنْ يُنَزِّلُ
الله فضله.
قوله ((على مَنْ يشاء)) متعلقٌ بِيُنَزِّلَ. و((مَنْ)) يجوزُ أن تكونَ موصولةً
أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ على الموصولِ أو الموصوفِ محذوفٌ لاستكمالِ
الشروطِ المجوِّزةِ للحَذْفِ، والتقديرُ: على الذي يشاؤه أو على رجلٍ يشاؤه،
وقَدَّره أبو البقاء(٤) مجروراً فإنه قال - بعد تجويزِه في ((مَنْ)) أن تكونَ موصوفةٌ
أو موصولةً ــ ((ومفعولُ ((يشاء)» محذوفٌ أي: يَشَاءُ نزولَه عليه، ويجوزُ أَنْ يكونَ
يشاءُ يختارُ ويصطفي)) انتهى. وقد عَرَفْت أن العائدَ المجرورَ لا يُحْذِفُ
إلا بشروطٍ وليسَتْ موجودةً هنا فلا حاجةً إلى هذا التقديرِ.
قوله: ((مِنْ عبادِهِ)) فيه قولان، أحدُهما: أنَّه حالٌ من الضميرِ المحذوفِ
(١) الآية ٣٤ من لقمان.
(٢) الآية ٢٨ من الشورى.
(٣) لم يشر إلى زيادتها في كتابه ((معاني القرآن)) لدى إعرابه للآية. انظر: ص ١٣٩.
(٤) الاملاء ١ /٥١.
٥١٢

- البقرة -
الذي هو عائدٌ على الموصولِ أو الموصوفِ، والإِضافةُ تقتضي التشريفَ.
والثاني: أَن يكونَ صفةً لـ ((مَنْ)) بعدَ صفةٍ على القولِ بكونها نكرةً(١)، قاله
أبو البقاء(٢). وهو ضعيفٌ لأنَّ البداءة بالجارِّ والمجرورِ على الجملةِ في باب
النعتِ عند اجتماعهما أَوْلى لكونِه أقربَ إلى المفردِ، فهو في محلُّ نصبٍ
على الأولِ وجَرٍّ على الثاني، وفي كلا القولين يتعلَّق بمحذوفٍ وجوباً لِما عَرَفْتَ.
قوله: ((فبأؤُوا بِغَضَبِ)) الباءُ للحال، أي: رَجَعوا ملتبسين بغضبٍ أي
مغضوباً عليهم وقد تقدم ذلك. قوله ((على غضب)) في محل جر لأنه صفة
لقوله ((بغضب)) أي: كائن على غضب أي بغضبٍ مترادفٍ. وهل الغضبانِ
مختلفانٍ لاختلاف سببهما، فالأولُ لعبادةٍ أسلافِھم العجلَ والثاني لكفرهم بمحمدٍ
السلام، أو الأولُ لكفرِهم بعيسى والثاني لكفرِهم بمحمدٍ صلى الله وسلم
عليهما، أو هما شيءٌ واحدٌ وذُكِرا تشديداً للحال وتأكيداً؟ خلافٌ مشهور.
قوله: (مُهِين)) صفة لعذاب، وأصلُه: (مُهْوِن)) لأنه من الهَوان وهو اسمُ
فاعلٍ من أَهان يُهين إهانةً، مثل أقامَ يُقيم إقامةً، فُقِلَتْ كسرةُ الواوِ على
الساكن قبلَها، فَسَكَنَتِ الواوُ بعدَ كسرةٍ فَقُلِبَتْ ياءً. والإِهانةُ: الإِذلالُ
والخِزْيُ، وقال: ((وللكافرين)» ولم يَقُل: ((ولهم)) تنبيهاً على العلةِ المقتضيةِ
للعذابِ المُهینِ.
آ. (٩١) قوله تعالى: ﴿ويكفرون بما وراءه﴾: يجوزُ في هذه
الجملةِ وجهانِ، أحدُهما: أَنْ تكونَ استئنافيةً استؤنِفَتْ للإِخبارِ بأنَّهم يكفرُون
بما عدا التوراةً فلا محلّ لها من الإعراب. والثاني أن تكون خبراً لمبتدأ
محذوفٍ؛ أي: وهم يكفرون، والجملةُ في محلّ نصبٍ على الحالِ ،
والعاملُ فيها ((قالوا))، أي قالوا: نؤمنُ حالَ كونِهم كافرين بكذا، ولا يجوزُ أَنْ
(١) أي بكون ((من)) نكرة موصوفة كما مر.
(٢) الاملاء ١ /٥١.
٥١٣

- البقرة -:
يكونَ العاملُ فيها ((نؤمن))، قال أبو البقاء (١): ((إذ لو كان كذلك لكان لفظُ
الحال ونكفر أو(٢) ونحن نكفر)) يعني فكان يجبُ المطابقَةُ. ولا بد من إضمار
هذا المبتدأ لِما تقدَّم من أن المضارعَ المُثْبَتَ لا يقترن بالواوِ وهو نظيرُ
قوله(٣):
نَجَوْتُ وأَرْهَنُهُمْ مالِكنا
٦١٣ -
وحُذِفَ الفاعلُ من قولِه: ((بما أُنْزِلِ)) وأُقيم المفعولُ مُقَامَه للعلم به،
إذ لا يُنَزِّلُ الكتبَ السماويةَ إلا اللهُ، أو لتقدُّمِ ذكره في قوله: ((بما أَنْزَلَ
اللَّهُ» ..
قوله: ((بما وراءَه)) متعلَّق بيَكْفرون، وما موصولةٌ، والظرفُ صلتُها، فمتعلَّقه
فعلٌ ليس إلا. والهاءُ في ((وراءه)» تعودُ على ((ما)) في قوله: ((نُؤْمِنُ بما أُنْزِل)).
ووراءَ من الظروف المتوسطةِ التصرُّفِ، وهو ظرفُ مكاٍ، والمشهورُ أنه
بمعنى خَلْف وقد يكونُ بمعنى أَمام، فهو من الْأَضْداد، وفَسَّره الفراءِ (٤) هنا
بمعنى («سِوَى)) التي بمعنى ((غَيْرِ))، وفَسَّره أبو عبيدة (٥) وقتادة بمعنى ((بعد)).
وفي همزه قولان، أحدُهما: أنه أصلّ بنفسِه وإليه ذهبَ ابن جني مُسْتَدِلاً
بثبوتِها في التصغيرِ في قولهم: وُرَيْئَة. والثاني: أنها من ياء لقولهم: تَوَارَيْتَ
قاله أبو البقاء (٦)، وفيه نظرٌ. ولا يجوز أن تكونَ الهمزةُ بدلاً من واو لأنَّ ما فاؤه
واوٌ لا تكونُ لامُه واواً إلا ندوراً نحو ((واو) اسمٍ حَرْفِ الهجاء، وحكمُه حكمُ قبلُ
(١) الاملاء ٥١/١.
(٢) الاملاء: ((أي)) وهي أنسب ..
(٣) تقدم برقم ٤١٩.
(٤) معاني القرآن ٦٠/١
(٥) مجاز القرآن ٤٧/١.
(٦) الاملاء ٥١/١.
٥١٤

- البقرة -
وبعدُ في كونِه إذا أُضيف أُعْرِبَ، وإذا قُطِعَ بُني على الضم وأنشد الأخفش
على ذلك قول الشاعر(١):
٦١٤ - إذا أنا لم أُومِنْ عليكَ ولم يَكُنْ لقَاؤُك إلا مِنْ وراءُ وراءُ
وفي الحديثِ عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم: ((كنتُ خليلاً مِنْ وراءُ
وراءُ))(٢)، وثبوتُ الهاء في مصغّرِها شاذٌّ، لأن ما زاد من المؤنث على ثلاثة
لا تَثْبُتُ الهاءُ في مصغّره إلا في لفظتين شَذَّتا وهما: وُرَيْئَة وَقُدَيْدِيمة: تصغير:
وراء وقُدَّامٍ. قال ابن عصفور(٣): ((لأنَّهما لم يتصرَّفا فلولم يُؤَنَّثا في التصغير
لُهِّمَ تذكيرهُما)) .
قوله: (وهو الحقُّ)) مبتدأ وخبر، والجملةُ في محلِّ نصب على الحال
والعاملُ فيها قولُه: ((ويَكْفرون)) وصاحبُها فاعلُ يكفرون. وأجازَ أبو البقاء (٤) أن
يكونَ العاملُ الاستقرارَ الذي في قولِه «بما وراءه» أي: بالذي استقر وراءَه وهو
لحقُّ.
قوله: ((مُصَدِّقً) حالٌ مؤكِّدة لأنَّ قولَه ((وهو الحقُّ)) قد تضمّن معناها
والحالُ المؤكّدةُ: إِمَّا أَنْ تُؤَكِّدَ عاملها نحو: ((ولا تَعْثَوْا في الأرضِ
مُفْسِدين))(٥)، وإمَّا أَنْ تُؤَكَّدَ مضمونَ جملةٍ. فإن كانَ الثاني التّزِمِ إضمارُ
عامِلها وتأخيرها عن الجملة، ومثلُه ما أنشدَ / سيبويه(٦):
[١/٤١ ]
(١) لم يرد في المعاني للأخفش، وهو لعتي بن مالك، وهو في معاني القرآن للفراء ٣٢٠/٢؛
وابن يعيش ٨٧/٤؛ والشذور ١٠٣؛ واللسان: ورى؛ والهمع ١٢٠/١؛ والدرر
١٧٧/١.
(٢) رواه مسلم في كتاب الإِيمان ١٨٧/١.
(٣) شرح الجمل ٣٠٥/٢.
(٤) الاملاء ١ /٥٢.
(٥) الآية ٦٠ من البقرة.
(٦) الكتاب ٢٥٧/١، وهو لسالم بن دارة، في الخصائص ٢٦٨/٢؛ والأشموني ١٨٥/٢؛
والشذور ٢٤٧؛ والدرر ٢٠٢/١.
٥١٥

- البقرة -
وهَلْ بدارةَ يا لَلنَّاسِ مِنْ عَارٍ
٦١٥ - أنا ابنُ دارةُ مَعْروفاً بها نَسَبي
والتقديرُ: وهو الحقُّ أَحُقُه مصدقاً، وابنُ دارَة أُعْرَفُ معروفاً، هذا تقريرُ
كلامِ النحويين. وأمّا أبو البقاء(١) فإنه قال: ((مصدقاً حالٌ مؤكّدةٌ، والعاملُ فيها
ما في ((الحقّ)) من معنى الفعل إذ المعنى: وهو ثابتٌ مصدِّقاً، وصاحب الحال:
الضميرُ المستترُ في ((الحقّ)) عند قومٍ، وعند آخرين صاحبُ الحالِ ضميرٌ دَلَّ
عليه الكلامُ، و((الحقّ)) مصدرٌ لا يتحَمَّلُ الضميرَ على حَسَبِ تحمُّلِ اسمِ
الفاعلِ له عندهم، فقولُه ((عند آخرين)» هذا هو الذي قَدِّمْتُه أوَّلاً وهو
الصواب .
قوله: ((فَلِمَ تَقْتُلُون)) الفاءُ جوابُ شرطٍ مقدرٍ تقديرُه: إنْ كنتمْ آمنتم بما
أُنزِلَ عليكم فَلِمَ قَتَلتم الأنبياءَ؟ وهذا تكذيبُ لهم، لأن الإِيمانَ بالتوراةِ منافٍ
لقتلٍ أَشْرَفِ خَلْقِهِ. وَلِمَ)) جارٌّ ومجرورٌ، اللامُ حرفُ جرِ وما استفهاميةٌ في
محلٌّ جَرِّ أي: لأي شيء؟ ولكنْ حُذِفَتْ ألِفُها فَرْقَاً بينها وبين ((ما) الخبريةِ. وقد
تُحْمَلُ الاستفهاميةُ على الخبريةِ فَثْبُتُ أَلِفُها، قالَ الشاعر (٢):
٦١٦ - على ما قامَ يَشْتِمُني لئيمٌ كخنزيرٍ تمرِّغَ فِي رَمَادٍ
وهذا ينبغي أَنْ يُخَصَّ بالضرورةِ كما نصّ عليه بعضُهم، والزمخشري
يُجيز ذلك، ويُخَرِّج عليه بعضَ آي القرآن، كما قد تُحْمَلُ الخبريةُ على
الاستفهاميةِ في الحذفِ في قولهم: اصنعْ بِمَ شِئْتَ، وهذا لمجردِ الشَّبَهِ
اللفظيِّ. وإذا وُقف على ((ما) الاستفهاميةِ المجرورة: فإنْ كانَتْ مجرورةً باسم
وَجَبَ لَحاقُ هاءِ السكتِ نحو: مَجيءَ مَهْ، وإن كانّتْ مجرورةٌ بحرْفٍ
فالاختيارُ اللَّحاقُ. والفرقُ أنَّ الحرفَ يمتزجُ بما يَدْخُلُ عليه فَتَقْوَى بِهِ
(١) الاملاء ٥٢/١.
(٢) البيت لحسان وهو في ديوانه ٢٥٨؛ وأمالي الشجري ٢٣٣/٢؛ وابن يعيش ٩/٤؛
والجمع ٢١٧/٢؛ والدرر ٩٠/١.
٢
٥١٦

- البقرة -
الاستفهاميةُ بِخِلافِ الاسمِ المضافِ إليها فإنه في نيةِ الانفصالِ ، وهذا الوقفُ
إنما يجوز ابتلاءُ(١) أو لقَطْعِ نفسٍ، ولا جَرمَ أنَّ بعضَهم(٢) مَنَع الوقفَ على
هذا النحوِ، قال: ((لأنه إنْ وُقف بغيرِ هاءٍ كان خطأْ لنقصانِ الحَرْفِ، وإنْ
وُقِفَ بهاءٍ خالفَ السوادَ))، لكن البزي(٣) قد وقف بالهاء، ومثلُ ذلك لا يُعَدُّ
مخالفةً للسواد، ألا ترى إلى إثباتِهم بعضَ ياءاتِ الزوائدِ(٤). والجارُّ متعلقٌ
بقوله: ((تقتلون))، ولكنه قُدِّمَ عليه وجوباً لأنَّ مجرورَه له صدُر الكلامِ، والفاءُ
وما بعدها من ((تَقْتُلُون)) في محلِّ جزم(٥)، وتَقْتلون - وإنْ كان بصيغةٍ
المضارعِ - فهو في معنى الماضي لفَهْمِ المعنى، وأيضاً فمعه قولُه ((من
قبل))، وجاز إسنادُ القتلِ إليهم وإنْ لم يَتَعاطَوْه لأنهم لَمَّا كانوا راضِينَ بفعلِ
أسلافِهِم جُعِلوا كأنَّهم فَعَلوا هم أنفسهم.
قوله: ((إنْ كنتُمْ مؤمنين)) في ((إِنْ) قولان أحدهما: أنها شرطية وجوابُها
محذوفٌ تقديرُه: إنْ كنتُمْ مؤمنينَ فِلِمَ فَعَلْتُم ذلك، ويكونُ الشرط وجوابُه قد
كُرِّر مرتين، فَحُذِفَ الشرطُ من الجملةِ الأولى وبقي جوابُه وهو: فَلِمَ تقتلون،
وحُذِفَ الجوابُ من الثانيةِ وبقي شرطُه، فقد حُذِفٍ مِنْ كلِّ واحدةٍ ما أُنْبت في
الأخرى. وقال ابن عطية(٦): ((جوابُها متقدِّمُ، وهو قوله: فَلِم)) وهذا إنما يتأتّى
على قولِ الكوفيين وأبي زيد. والثاني: أَنَّ ((إِنْ)) نافيةٌ بمعنى ما، أي:
ما كنتم مؤمنين لمنافاةِ ما صَدَر منكم الإِيمانَ.
(١) أي عند الاختبار، ولعله يعني امتحان الطلبة لتقرير القاعدة.
(٢) انظر: تفسير القرطبي ٣٠/٢.
(٣) أحمد بن محمد، قرأ على عكرمة بن سليمان، وقرأ عليه الحسن بن الحباب توفي
سنة ٢٥٠. انظر: ميزان الاعتدال ٤٤/١؛ وطبقات القراء ١١٩/١.
(٤) ياءات الزوائد هي التي لم تثبت في خط المصحف، وهي إحدى وستون ياء نحو: هداني -
نذيري. وانظر في اختلاف القراء بها: الكشف لمكي ٣٣١/١.
(٥) لأنه قدر أنه جواب شرط مقدر. ارجع إلى صدر إعرابه للآية.
(٦) التفسير ٣٥٣/١.
٥١٧

((انتهى الجزء الأول من كتاب: الدر المصون في علوم
الكتاب المكنون. ويليه الجزء الثاني إن شاء الله))
٥١٨

فهرس
الموضوع
الصفحة
مقدمة المحقق
١١
دراسة المؤلّف:
١٣
اسمه ونسبه ولقبه وكنيته
١٤
حياته العلمية والثقافية
١٥
اساتذته
١٦
كتبه .
٢١
دراسة الكتاب:
مصادر الکتاب
٢٣
( أ ) المصادر الرئيسية
٢٥
(ب) المصادر الثانوية
٢٦
منهج الكتاب
٣١
أهمية الكتاب
٣٤
مذهب المؤلف
( أ ) بين المدارس النحوية
٣٤
(ب) الالتزام والمحافظة
٣٨
٥١٩
٧
مولده ووفاته
١٤
٢٣

الموضوع
الصفحة
(ج) أصول الصناعة وموقفه منها
٤٩
موقفه من القراءات
٥٦
موقفه من المُعْرِبين
٦٨:
المفسر .
الخاتمة
وصف مخطوطات الكتاب
١١٩
منهج التحقيق
نماذج من صور المخطوطات
١٢٥
خطبة المؤلف
الاستعاذة
٧
١٣
البسملة
٣٦
سورة الفاتحة
٧٩
سورة البقرة
---
٥٢٠
١٠٣
١٠٦
:
١٠٧
٣