Indexed OCR Text

Pages 401-420

- البقرة -
ويدل على أن الأصلَ الهمزُ قولُ سيبويه(١): إنهم كلَّهم يقول: تنبّأ مسيلمة
فيهمزون، وبهذا لا ينبغي أن تُرَدَّ به قراءة هذا الإِمامِ الكبير. أمَّا الحديثُ فقد
ضَعَّفوه، قال ابنُ عطية(٢): ((مِمَّا يُقَوِّيَ ضعفَه أنه لمَّا أَنْشده العباس: ((يا خاتم
النَّبَآء)» لم يُنْكِرْه، ولا فرقَ بين الجمع والواحد))، ولكنَّ هذا الحديثَ قد ذكره
الحاكم في المستدرك، وقال: هو صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يُخْرجاه.
قلت: فإذا كان ذلك كذلك فَلْيُلْتَمَسْ للحديثِ تخريجُ يكونُ جواباً عن قراءة
نافع، على أن القطعيَّ لا يُعارَضُ بالظني، وإنما نذكرُه زيادةً فائدةٍ والجواب
عن الحديث أن أبا زيد(٣) حكى: (نَبَأْتُ من أرضِ كذا إلى أَرض كذا)) أي:
خَرَجْتُ منها إليها، فقوله: ((يا نبيءَ الله)) بالهمز يُوهم يا طريدَ الله الذي
أخرجه من بلدِه إلى غيره، فنهاهُ عن ذلك لإِيهامِهِ ما ذكرنا، لا لسبب يتعلَّق
بالقراءةِ. ونظيرُ ذلك نَهْيُه للمؤمنين عن قولهم: (راعِنا)»، لَّمَّا وَجَدَتِ اليهودُ بذلك
طريقاً إلى السبِّ به في لغتهم، أو يكونُ حَضَّاً منه عليه السلام على تحرِّي
أفصحِ اللغاتِ في القرآنِ وغيرِه.
وأمَّا مَنْ لم يَهْمِزْ فإِنَّه يَحْتمل وجهين، أحدُهما: أنَّه من المهموزِ ولكِنْ
خُفِّف، وهذا أَوْلى ليوافِقَ القراءتين ولظهورِ الهمزِ في قولِهِم: تَنَبَّا مُسَيلَمَةُ،
وقوله: ((يا خاتمَ النُّبَاء)). والثاني: أنه أصلٌ آخرُ بنفسِه مشتقٌّ من نَبا ينبو إذا
ظَهَرَ وارتفع، ولا شك أن رتبة النبيِّ مرتفعةٌ ومنزلته ظاهرةٌ بخلاف غيره من
الخَلْقِ، والأصلُ: نَبِيْرُ وأَنْبِواء، فاجتمع الياءُ والواوُ وسَبَقَتْ إحداهما
بالسكون، فَقُلبت الواو ياءً وأُدْغِم، كمَيِّت في مَيْوِت، وانكسر ما قبلَ الواوِ في
الجمعِ فَقُلبت ياءً، فصار: أنبياء. والواوُ في النبوّة بدلٌ من الهمزِ على الأولِ
(١) الكتاب ١٢٦/٢.
(٢) التفسير ٢٩٧/١.
(٣) سعيد بن أوس، عالم باللغة، أخذ عن أبي عمرو، وأخذ عنه أبو حاتم توفي سنة
٢١٥. انظر: الإنباه ٣/٢؛ النزهة ١٢٥.
٤٠١

:
٠٠
- البقرة ؟
وأصلّ بنفسِها على الثاني، فهو فَعِيلٌ بمعنى فاعِل أي: ظاهرٌ مرتفعٌ، أو بمعنى
مفعول أي: رَفَعه الله على خَلْقه، أو يكونُ مأخوذاً من النبيّ الذي
هو الطريق، وذلك أن النبيَّ طريقُ اللهِ إِلى خَلْقِهِ، به يتوصَّلُون إلى معرفةٍ
خالِقِهم، وقالَ الشاعر(١):
مُسْحَنْفِرٌ كَخُطوطِ النَّسْجِ مُنْسَجِلُ
٥١٠ - لمَّا وَرَدْنَ نُبِيّاً واسْتَبَّ بِنا
أي: طريقاً، وقال(٢):
٥١١ - لَأَصْبَحَ رَتْمَأَ دُقاقُ الحَصَى مكانَ النَّبِيِّ من الكَائِبِ
الرّتْمُ بالتاءِ المِثْنَّةَ والمثلثةِ جميعاً: الكَسْر، والكائبُ بالمثلْثة اسمُ
جبلٍ، وقالوا في تحقيرِ نُبُوَّةٍ مُسَيْلَمَةَ: نُبَِّة. وقالوا: جمعُه على أَنْبياء قياس
مطَّرَد في فَعيل المعتلُّ نحو: وَلِيٍّ وأَوْلِياءِ وصَفِيَ وأَصْفِياءٌ وأمَّا قالون فإنما
تَرَكِ الهمزَ في الموضعين المذكورين لَمَدْركٍ آخِرَ، وهو أنه مِنْ أصلِه في
اجتماعِ الهمزتينِ من كلمتين إذا كانتا مكسورَتَيْنِ أَنْ تُسَهَّل الأولى، إلا أَنْ يَقَعَ
قبلَها حَرِفُ مَدٍّ فَتُبْدَلَ وتُدْغَمَ، فَلَزِمَه أن يفعلَ هنا ما فَعَل في ((بالسوء إلَّ))(٣)
مِن الإِبدالِ والإِدغامِ، إلّ انه رُوي عنه خلافٌ في ((بالسوء إلَّ» ولم يُرْوَ عِنْه
هنا خلافٌ، كأنه التزم البدل لكثرة الاستعمال في هذه اللفظة ويابها، ففي
التحقيق لم يتْرُكُ همزَ ((النبيّ)) بل هَمزَهْ وَلِمَّا هَمَزَه أدَّاه قياسُ تخفيفهٍ إلى
ذلك، وَيدُلَّ على هذا الاعتبارِ أنَّه إنما يَفْعَلُ ذلك حيث يَصِلُ، أمَّا إذا وَقَفْتُ
[٢٧/أ] فإنَّه يَهْمِزُه في الموضعين لزوالِ السببِ المذكورِ / فهو تارِكُ للهمزِ لَفظاً آتٍ به
تقديراً.
(١) البيت للقطامي، وهو في ديوانه ٤؛ والبحر ٢٢٠/١؛ واللسان: نبا؛ وابن عطية
٢٩٧/١. والمُسْحَنْفِر: صفة للطريقِ أي واسع، وسحلت الريح: كشطت ما عليها.
والأفضل أن تكون ((نُبِيّ)) هنا موضعاً بعينه كما في اللسان لأنَّ الرواية بضم النون.
(٢) البيت لأوس بن حجرٍ، وهو في ديوانه ١١؛ واللسان، كثّبَ.
(٣) الآية ٥٣ من يوسف: ((إِنَّ النفسَ لأمّارةُ بالسوءِ إلَّ ما رَحِم ربي)).
٤٠٢

- البقرة -
قوله تعالى: ((بغيرِ الحقِّ) في محلِّ نَصْبٍ على الحال من فاعلٍ
(يَقْتُلُون)) تقديرُه: يقتُلونهم مُبْطِلين، ويجوز أَنْ يكونَ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ
تقديره: قَبْلاً كائناً بغيرِ الحق، فيتعلَّقَ بمحذوفٍ. قال الزمخشري(١): («قتلُ
الأنبياءِ لا يكون إلا بغير الحقِّ، فما فائدةُ ذِكْرِه؟ وأجابَ بأنَّ معناه أنهم قَتَلوهم
بغيرِ الحق عندَهم لأنهم لم يَقْتُلُوا ولا أَفْسَدوا في الأرض حتى يُقْتَلوا،
فلوسُئِلوا وأَنْصَفُوا مِنْ أنفسِهم لم يَذْكُرُوا وجهاً يَسْتَحِقُونَ به القتلَ عندهم»
وقيل: إنما خَرَج وصفُهم بذلك مَخْرَجَ الصفةِ لقَتْلِهم بأنه ظلمٌ في حقهم
لاحقٌ، وهو أبلغُ في الشَّناعة والتعظيم لذنوبهم.
قوله: ((ذلك بما عَصَوْا)) مثلُ ما تقدَّم. وفي تكريرِ اسم الإشارة قولان،
أحدهما: أنه مُشارٌ به إلى ما أُشِير بالأول إليه على سبيل التأكيد. والثاني
ما قالَه الزمخشري(٢): وهو أَنْ يشار به إلى الكفرِ وقَتْلِ الأنبياء، على معنى أنَّ
ذلك بسببٍ عِصْيانهم واعتدائِهم لأنَّهم انهمكوا فيهما)). و ((ما)) مصدريةٌ والباءُ
للسبيّة، أي بسبب عِصْيانهم، فلا محلِّ لـ((عَصَوا)) لوقوعِه صلةً، وأصلُ عَصَوْا
عَصَيُوا، تحرَّكت الياءُ وانفتح ما قبلَها، قُلبت ألفاً، فالتقى ساكنان هي والواوُ،
فَحُذِفَت لكونها أوَّلَ الساكنين، وبَقِيَتِ الفتحةُ تَدُلُّ عليها فوزنه فَعَوْا. ((وكانوا
يعتدُون)) في محلِّ نصبٍ خبراً لـ((كان))، وكانَ وما بعدها عطفٌ على صلةٍ
((ما)) المصدرية .
وأصلُ العِصيان: الشِّئَّةُ، اعتصَتِ النَّواةُ: اشتدَّت، والاعتداءُ المجاوزةُ
من عدا يعدُو، فهو افتعالٌ منه، ولم يَذْكُرْ متعلَّقَ العِصيان والاعتداءِ لِيَعُمَّ كلَّ
ما يُعْصَی ويُعْتَدی فیه.
(١) الكشاف ٢٨٥/١.
(٢) الكشاف ٢٨٥/١.
٤٠٣

- البقرة بـ
وأصلُ ((يَعْتَدُون)) يَعْتَدِيُون، ففُعِل به مافُعِل بـ ((يَتَّقون))(١) من الحَذْفِ
والإِعلال وقد تقدَّم، فوزنُه يَفْتَعُون .. والواوُ من ((عَصَوْا)) واجبةُ الإِدغام في
الواوِ بعدَها لانفتاحِ ما قبلَها، فليسَ فيها مَدِّ يمنعُ مِن الإِدغام، ومثلُّه: ((فقد
اهتدوا وإنْ تَوَلَّوا)(٢) وهذا بخلافِ ما إذا انضمَّ ما قبل الواوٍ، فإنَّ المدَّ يقومُ
مَقامَ الحاجز بينِ المِثْلَيْن فيجبُ الإِظهارُ، نحو (آمنوا وعَمِلوا))(٣) ومثلُه:
((الذي يُوَسْوِس)»(٤).
آ. (٦٢) قوله تعالى: ﴿مَنْ آمن بالله﴾ .. ((مَنْ)) يجوز فيها وجهان،
أحدُهما: أن تكونَ شرطِيّةً في محلّ رفعٍ بالابتداءِ، و((آمَن)) مجزومٌ بها تقديراً
وهو الخبرُ على الصحيحِ خَسْبما تقدَّم الخلافُ فيه. وقوله: ((فلهم)) جواب
الشرط، وهذه الجملة الشرطية في محل رفع خبراً لـ((إِنَّ) في قوله: إنَّ الذين
آمنُوا، والعائدُ محذوفٌ تقديرُه: مَنْ آمن منهم، كما صَرَّح به في موضعٍ
آخرَ(٥). والثاني: أن تكونَ موصولةً بمعنى الذي ومَحَلُّها حينئذٍ النصبُ على
البدلِ مِنْ اسمِ ((إنَّ)) وهو ((الذين)) بدلِ بعضٍ من كلٍّ، والعائدُ أيضاً محذوفٌ
کما تقدم، و (آمن)» صلتُها، فلا محلًّ له حينئذ.
وقوله: ((فلهم أجرُهُمْ)) خبرُ ((إنَّ الذين))، ودخلتِ الفاءُ لأن الموصولَ
يُشْبه الشرطَ، وهذا عند غيرِ الأخفش، وأمَّا الأخفش(٦) فتُقِل عنه أنَّه إذا نُسِخ
المبتدأ بـ ((إنَّ)) يمتنعُ ذلكَ فِيه، فمحلُّ قولِه ((فلهم أجرُهم)) رفعٌ على هذا
(١) الآية ٢١ من البقرة ((لعلكم تتقون)).
(٢) الآية ٢٠ من آل عمران (فإنْ أسْلموا فقد اهتدوا وإن تَوَلَّوْا فإنما عليك البلاغُ)).
(٣) الآية ٢٥ من البقرة.
(٤) الآية ٤ من الناس.
(٥) الآية ١٢٦ من البقرة: ((وارزُقْ أُهلَه من الثمراتِ مَنْ آمَنّ منهم بالله)).
(٦) ليس له في ((معاني القرآن)) ضابط معين في زيادة الفاء. انظر ٣٤، ١٢٤ - ١٢٥،
٢٢٢.
٤٠٤

- البقرة -
القولِ ، وجَزْمٌ على القولِ الأولِ، و((لهمْ)) خبرٌ مقدَّمُ متعلُّقُ بمحذوفٍ،
و((أجرُهُمْ)) مبتدأ، ويجوزُ عند الأخفش أن يكونَ فاعلاً بالجارِّ قبلَه وإنْ
لم يعتَمِدْ، وقد تقدَّم ذِكْرُ الخلافِ في ذلك.
قوله: ((عند ربِّهم)) ((عندَ)) ظرفُ مكانٍ لازمُ الإِضافةِ لفظاً ومعنَى، والعاملُ
فيه الاستقرارُ الذي تضمَّنه (لهم))، ويجوزُ أَنْ يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ
من ((أجرُهم)) فيتعلَّقَ بمحذوفٍ تقديرُه: فلهم أجرهم ثابتاً عند ربهم. والعِنْدِيَّة
مجازُ لتعاليه عن الجهةِ، وقد تَخْرُجُ إلى ظرفِ الزمان إذا كانَ مظروفُها معنىً،
ومنه قولُه عليه السلام: ((إنما الصبرُ عند الصَّدمةِ الأولى(١))) والمشهورُ كسرُ
غَيْنِها، وقد تُفْتَحُ وقد تُضَمُّ.
والذين هادُوا هم اليهودُ، وهادُوا في أَلِفه قولان: أحدهما أنه من واو،
والأصلُ: هاد يهودُ أي تاب، قال الشاعر(٢):
٥١٢ - إنِّي امرؤُ من حُبِّه هـائِدُ
أي: تائبٌ، ومنه سُمِّي اليهودُ لأنَّهم تابُوا عن عبادةِ العِجْلِ، وقال
تعالى: ((إنَّا هُدْنا إليك))(٣) أي تُبْنَا، وقيل: هو من التَّهْويد وهو النطق في
سكون ووقار، وأنشدوا(٤):
٥١٣ ۔ وخُودمن اللائی تَسَمَّعْنَ بالضُّحی
قَرِيضَ الرُّدَافَى بِالغِناءِ الْمُهَوَّد
وقيل: هو من الهَوادة وهي الخضوعُ. الثاني: انها من ياء، والأصلُ: هاد
(١) رواه البخاري في الجنائز (فتح الباري) ١٤٨/٣؛ مسلم: الجنائز ٦٣٨/٢.
(٢) نسبه في الصحاح (هود) إلى أعرابي وهو في القرطبي ٤٣٣/١. واللسان ((هود)).
(٣) الآية ١٥٦ من الأعراف.
(٤) البيت للراعي النميري، وهو في اللسان هود - وخد، وابن عطية ٣٠٠/١. والخود:
من وخد البعير إذا أسرع.
٤٠٥

- البقرة بـ
يَهِيد، أي: تحرَّك ومنه سُمِّي اليهودُ لتحرُّكهم في دراستِهم. وقيل: سُمُوا يهودَ
نسبةً ليهوذا بالذال المعجمة وهو ابنُ يعقوب عليه السلام، فغيَّرتْه العربُ من
الذال المعجمة إلى المهملة جَرْياً على عادتها في التلاعب بالأسماءِ
الأعجمية.
والنَّصارى جمعٌ، واحدُه نَصْران ونَصْرَانة كنّدْمان ونَدْمانة ونَدامى، قاله
سيبويه(١) وأنشد (٢):
٥١٤ - فَكِلْتاهما خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رأسُها كما أَسْجَدَتْ نَصْرانَةٌ لِم تَحَّفِ
وأنشد الطبري على نَصْران قوله(٣):
٥١٥ - يَظَلُّ إذا دارَ العِشَا مُتْحَنِّفاً
ويُضْحِي لَدَيْه وهو نَصْرانُ شامِسُ
قال سيبويهٍ (٤): ((إلاّ أنَّه لم يُسْتَعْمَلْ في الكلام إلا بياءِ النسب)) وقال
الخليل: ((واحدُ النصارى نَصْرِيّ كَمَهْرِيّ ومَهارى. وقال الزمخشري(٥): ((الياءُ
[٢٧/ب] في نَصْرانيّ للمبالغة كالتي في أَحْمري)). ونصارى / نكرةٌ، ولذلك دَخَلَتْ عليه
أَلْ وَوُصِفَ بالنكرةِ في قول الشاعر(٦):
٥١٦ - صَدَّتْ كما صَدَّ عما لا يَحِلُّ له
ساقي نصارى قُبَيْل الفِصْحِ صُوَّامٍ
(١) الكتاب ٢٩/٢، ١٠٤/٢.
(٢) البيت لأبي الأخزر الحماني، وهو في الكتاب ٢٩/٢؛ والبحر ١٥١/١؛ واللسان:
نصر. ولم تحنف: لم تختتن، والبيت في وصف ناقتين أجهدهما السير.
(٣) تفسير الطبري ١٤٣/٢، والبيت لم أهتد إلى قائله وهو في الاضداد ١٥٥؛ وابن عطية
٣٠١/١؛ والقرطبي ٤٣٣/١؛ والبحر ٢٣٨/١؛ والشماس: من رؤوس النصارى.
(٤) الكتاب ٢٩/٢.
(٥) الكشاف ٢٨٥/١.
(٦) البيت للنمر بن تولب، وهو في الكتاب ٢٩/٢؛ القرطبي ٤٣٣/١. والشاعر يصف
ناقة عرض عليها الماء؛ فعافته. والفصح: عيد النصارى يفطرون فيه.
٤٠٦

- البقرة -
وسُمُّوا بذلك نسبةً إلى قرية يقال لها نَاصِرة، كان يُنْزِلها عيسى عليه
السلام، أو لأنهم كانوا يتناصرون، قال الشاعر(١):
٥١٧ - لَمَّا رأيتُ نَبَطأْ أَنْصارا شَمُرْتُ عن رُكْبَتَيَ الإِزارا
كُنْتُ لهم من النَّصارى جَارا
والصابتُون: قومُ عَبدوا الملائكةَ، وقيل: الكواكبَ. والجمهورُ على
همزهٍ، وقرأه نافعٌ غيرَ مهموز(٢). فَمَنْ هَمَزَه جَعَلَه من صَبّأَ نابُ البعير أي:
خَرَج، وصَبَتِ النجومُ: طَلَعت. وقال أبو عليّ(٣): ((صَبَأْتُ على القومِ إذا
طَرَأْتُ عليهم، فالصابِىءُ: التارِكُ لدينه كالصابىءِ الطارىءٍ على القومِ فإنه
تارِكُ لأرضِه ومنتقلّ عنها)). ومَنْ لم يَهْمِزْ فإنه يحتمل وجهين، أحدهما: أن
يكونَ مأخوذاً من المهموزِ فَأَبْدَلَ من الهمزةِ حرفَ علة إمَّا ياءً أو واواً، فصارَ
من باب المنقوصِ مثل قاضٍ أو غازٍ، والأصل: صابٍ، ثم جُمِع كما يُجْمع
القاضي أو الغازي، إلا أنَّ سيبويه لا يرى قلبَ هذه الهمزة إلا في الشعر (٤)،
والأخفشُ وأبو زيد يَرَيان ذلك مطلقاً. الثاني: أنه من صَبَا يَصْبو إذا مال،
فالصابي كالغازي، أصلُه: صابِوٌ فَأُعِلَّ كإعلال غازٍ. وأَسْند أبو عُبَيْد إلى
ابن عباس: ((ما الصابُون إنما هي الصابئون، ما الخاطون إنما هي
الخاطِئون)). فقد اجتمع في قراءةِ نافع همزُ النبيين وتَرْكُ همز الصابئين، وقد
عَرَفْت أن العكسَ فيهما أَفْصَحُ. وقد حَمَلَ الضميرَ في قوله ((من آمن وعمل))
على لفظِ (مَنْ)) فَأَفْرِد، وعلى المعنى في قوله: ((فَلَهُم أجرهم عند ربهم)) على
المعنى، فَجَمَع كقوله(٥):
(١) لم أهتد إلى قائلها، وهو في أمالي الشجري ٧٩/١؛ والقرطبي ٤٣٤/١.
(٢) السبعة ١٥٧؛ الكشف ٢٤٥/١؛ القرطبي ٤٣٤/١.
(٣) الحجة (خ) ١٨٤/١.
(٤) الكتاب ١٩٠/٢.
(٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٤٣٥/١.
٤٠٧

- البقرة -
٥١٨ - أَلِمَّا بسَلْمى عنكما إنْ عَرَضْتُما وقولا لها عُوجِي على مَنْ تَخَلَّقُوا
فراعى المعنى، وقد تقدَّم تحقيق ذلك عند قوله: ((ومِن الناس مَنْ يقول
آمنًّا)(١).
والأجْرُ فِي الأصلِ مصدرٌ يقال: أَجَرَهُ الله يأجِرُهُ أَجْراً، وقد يُعَيِّر به عن
نفس الشيء المُجَازَى بِهِ، والآيةُ الكريمة تحتملُ المعنيين.
وقرأ أبو السَّمَّال(٢): ((والذين هادَوْا)) بفتحِ الدال كأنها عنده من المفاعلَةِ
والأصلُ: ((هاديُوا)) فأُعِلَّ كنظائره.
آ. (٦٣) قوله تعالى: ﴿فَوْقكم﴾: ظرفُ مكانٍ ناصبُه ((رَفَعْنا» وحكم
((فوق)) مثلُ حكم تحت، وقد تقدَّم الكلامُ عليه. قال أبو البقاء(٣): ((ويَضْعُف أن
يكونَ حالاً من ((الطور))، لأن التقدير يصير: رَفَعْنا الطورَ عالياً، وقد استُفيد
[هذا](٤) من ((رَفَعْنا)) وفي هذا نظرٌ لأنَّ المرادَ به علوّ خاص وهو كونُه عالياً
عليهم لا مطلقُ العلوِّ حتى يصيرَ رفعناه عالياً كما قدَّره. قال: ((ولأنَّ الجَبَلَ
لم يكُنْ فوقَهم وقتَ الرفع، وإنما صارَ فوقَهم بالرفْعِ . ولقائلٍ أن يقولَ:
لِمَ لا يكونُ حالاً مقدرةُ، وقد قالَ هو في قوله ((بقوة)) إنها حالٌ مقَدَّرةٌ
كما سيأتي.
والطّور: اسمٌ لكِلِّ جبل، وقيل لما أَنْبَتَ منها خاصةً دونَ ما لم يُنْبِتْ،
وهل هو عربي أو سُرْياني؟ قولان، وقيل: سُمِّي بطور ابنُ اسماعيل عليه
السلام، وقال العجَّاج(٥).
(١) الآية ٨ من البقرة.
(٢) قعنب بن أبي قعنب العدوي البصري، له اختيار شاذ رواه عنه أبو زيد ولم تذكر وفاته.
انظر: طبقات ابن الجزري ٢٧/٢. وانظر: الشواذ ٦.
(٣) الاملاء ٤١/١.
(٤) زيادة للتوضيح من أبي البقاء.
(٥) ديوانه ٤٢/١؛ وأمالي القالي ١٧١/٢؛ والخصائص ٩٠/٢؛ والمخصص ١٢٠/١١؛
والمحتسب ١٥٧/١؛ والذرر ٢١٣/٢؛ وشواهد الكشاف ٤٢٦/٤.
٤٠٨

- البقرة -
٥١٩ - داني جَنَاحَيْهِ من الطُّور فَمَرْ تَقَضِّيَ البازي إذا البازي كَسَرْ
قوله: ((خُذُوا)) في محلِّ نصبٍ بقولٍ مضمر، أي: وقُلْنا لهم خُذُوا،
وهذا القولُ المضمر يجوزُ أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعل
(رَفَعْنا)) والتقدير: ورفعنا الطور قائلين لكم خُذوا. وقد تقدَّم أنَّ((خُذْ)) محذوفُ
الفاءِ وأن الأصلَ: أُؤْخُذْ، عند قوله ((فكُلا منها رَغَداً))(١).
قوله: ((ما آتيناكم)) مفعولُ ((خُذوا))، و ((ما)) موصولةٌ بمعنى الذي لا نكرةٌ
موصوفةُ، والعائدُ محذوفٌ أي: ما آتيناكموه.
قوله: ((بقوةٍ) في محلِّ نَصْبٍ على الحال. وفي صاحِبها قولان،
أحدهما: أنه فاعلُ (خُذوا)) وتكونُ حالاً مقدرة، والمعنى: خُذوا الذي
آتيناكموه حالَ كونكم عازمين على الجِدَّ بالعمل به. والثاني: أنه ذلك العائدُ
المحذوف، والتقدير: خُذوا الذي آتيناكُموه في حالٍ كونه مشدّداً فيه أي: في
العمل به والاجتهادٍ في معرفته، وقوله ((ما فيه)) الضميرُ يعود على ((ما آتيناكم)).
والتولِّي تَفَعُّل من الوَلْي، وأصلُه الإِعراضُ عن الشيء بالجسم، ثم استُعْمِل
في الإِعراض عن الأمورِ والاعتقاداتِ اتساعاً ومجازاً، و((ذلك)) إشارةٌ إلى
ما تقدَّم من رفعِ الطور وإيتاء التوراة.
آ. (٦٤) قوله تعالى: ﴿فلولا فَضْلُ الله﴾: ((لولا)» هذه حرفُ امتناعٍ
لوجودٍ، والظاهرُ أنها بسيطةٌ، وقال أبو البقاء(٢): ((هي مركبةً من ((لَوْ)) و((لا)»،
و ((لو)» قبل التركيبِ يمتنعُ بها الشيءُ لامتناع غيره، و((لا)) للنفي، والامتناعُ
نفيٌّ في المعنى، وقد دَخَلَ النفيُ بـ(لا)) على أحد امتناعي لو، والنفيُّ إذا دخل
على النفي صار إيجاباً، فمِنْ هنا صار معنى ((لولا)) هذه يمتنع بها الشيءُ
(١) البقرة آية ٣٥.
(٢) الاملاء ٤١/١.
٤٠٩

- البقرة بـ
لوجودِ غيره، وهذا تكلُّفُ ما لا فائدةَ فيه، وتكونُ ((لولا)) أيضاً حرفَ تحضيضٍ
فتختصُّ بالأفعال وسيأتي الكلامُ عليها إن شاء الله تعالی. و ((لولا)) هذه تختصُّ
بالمبتدأ، ولا يجوزُ أَنْ يليَها الأفعالُ، فإنْ وَرَدَ ما ظاهرُه ذلك أُوَّلَ كقولِهِ (١).
:
٥٢٠ - ولولا يَحْسِبُون الحِلْمِ عَجْزاً لَمَا عَدِمِ المُسيئونَ احتمالي
وتأويلُه أن الأصلَ: ولولا أن يَحْسِبوا، فلمَّا حُذِفَتْ ارتفع الفعلُ
کقوله(٢):
٥٢١ - ألا أيُّهذا الزاجري أخضرُ الوغى
أي: أَنْ أحضرَ، والمرفوعُ بعدها مبتدأٌ خلافاً للكسائي حيث رَفَعَه
بفعلٍ مضمر، وللفراء حيث قال: ((مرفوعٌ بنفس لولا)»، وخبرُه واجبُ الحذف
[٢٨/أ] / للدلالةِ عليه وسَدِّ شيءٍ مَسَدَّه وهو جوابُها، والتقديرُ: ولولا فضلُ اللَّهِ كائنٌ
أو حاصل، ولا يجوز أنْ يُثْبَتَ إلا في ضرورة شعر، ولذلك لُحِّن المعري في
قوله(٣).
٥٢٢ - يُذِيبُ الرُّعْبُ منه كلَّ عَضْبٍ
فلولا الغِمْدُ يُمْسِكُه لَسَالا
حيث أَثْبتَ خبرَها بعدها، هكذا أطلقوا. وبعضُهم فصّل فقال(٤): ((إِنْ
كانِ خبرُ ما بعدها كوناً مطلقاً فالحذفُ واجبٌ، وعليه جاء التنزيلُ وأكثرُ
الكلام، وإن كان كوناً مقيداً فلا يَخْلو: إمّا أَنْ يَدُل عليه دليلٌ أو لا، فإنْ لم يَدُلَّ
(١) لم أقف عليه.
(٢) البيت لطرفة من معلقته، وهو في ديوانه ٣١؛ والكتاب ٥٢٨/١؛ ومجالس ثعلب ٣١٧؛
والرواية المشهورة بنصب ((أخضر)). وعجزه:
وأنْ أشهدَ اللذاتِ هل أنت مُخْلِدي
(٣) سقط الزند ١٠٤/١؛ والمقرب ٨٤/١؛ والمغنى ٣٠٢. والضمير في ((منه)) للسيف.
(٤) انظر: ابن عقيل ٢١٦/١.
٤١٠

- البقرة -
عليه دليلٌ وجَبَ ذِكْرُه، نحو قوله عليه السلامُ: ((لولا قومُكِ حديثو عهدٍ
بكفر»(١)، وقول الآخر (٢):
٥٢٣ - فلولا بُنُوها حولَها لَخَبَطْتُها
وإِنْ دَلَّ عليه دليلٌ جاز الذكرُ والحذفُ، نحو: لولا زيدٌ لِغُلِبْنا، أي
شجاع، وعليه بيتُ المعري المتقدِّم، وقال أبو البقاء(٣): ((ولَزِمَ حَذْفُ الخبر
للعلمِ به وطولِ الكلام، فإن وَقَعَتْ ((أَنْ)) بعدها ظَهَر الخبرُ، كقوله: ((فلولا أنَّه
كان من المُسَبِّحين)) (٤) فالخبرُ في اللفظ لـ((أنَّ) وهذا الذي قاله مُؤْهمٌ، ولا تعلّق
لخبرِ ((أنَّ)) بالخبر المحذوف ولا يُغْني عنه البتةَ فهو كغيرِه سواء، والتقدير:
فلولا كونُه مُسَبِّحاً حاضرٌ أو موجود، فأيُّ فائدةٍ في ذكره لهذا؟ والخبرُ يجب
حَذْفُه في صورٍ أخرى(٥)، يطولُ الكتابُ بِذِكْرِها وتفصيلها، وإنما تأتي إن شاء
اللَّهُ مفصّلةً في مواضعها. وقد تقدَّم معنى الفضلِ عند قوله ((فَضَّلْتُكم على
العالَمين))(٦).
!
قوله: ((لَكُنْتُمْ من الخاسرين)) اللامُ جوابُ لولا. واعلم أنَّ جوابَها إن
كان مُثْبَاً فالكثيرُ دخولُ اللامِ كهذه الآيةِ ونظائرها، ويَقِلُّ حَذْفُها، قال(٧).
٥٢٤ _ لَوْلا الحياءُ وباقي الدينِ عِبْتُكُما
ببعضِ ما فيكما إِذْ عِبْتُمَا عَوَري
(١) رواه البخاري: الحج (فتح الباري) ٤٣٩/٣؛ مسلم: الحج ٩٦٨/٢.
(٢) البيت للزبير بن العوام وهو في المغني ٥٦٣؛ والعيني ٥٧١/١ وعجزه:
كخَبْطةِ عصفورٍ ولم أتلَعْثَمِ
(٣) الاملاء ١ /٤١.
(٤) الآية ١٤٣ من الصافات.
(٥) انظر: ابن عقيل: ٢١١/١.
(٦) الآية ٤٧ من البقرة.
(٧) البيت لتميم بن مقبل، وهو في ديوانه ٧٦؛ والمقرب ٩٠/١؛ واللسان: بعض، ورصف
المباني ٢٤٢؛ والبحر ٢٢٤/١؛ والهمع ٢٧/٢؛ والدرر ٨٣/٢.
٤١١

- البقرة -
وإنْ كان منفيًَّ فلا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يكونَ حرفُ النفي ((ما)) أو غيرها، إن
كان غيرَها فترُكُ اللام واجبٌ نحو: لولا زيدٌ لم أقم، أو لن أقوم، لئلا يتوالى
لامان، وإن كان بـ ((مَا)) فالكثيرُ الحَذْفُ، ويَقِلُّ الإِتيانُ بها، وهكذا حكمُ
جوابٍ (لو)) الامتناعية، وقد تقدَّم عند قوله: ((ولو شاءَ الله لَذَهَبَ بسمعهم))(١)
ولا محلَّ لجوابِها من الإعراب. و((من الخاسرين)) في محلّ نصبٍ خبراً
لـ((كان))، ومِنْ للتبعيض.
آ. (٦٥) قوله تعالى: ﴿ولقد عَلِمْتُم)»: اللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ
تقديرُه: والله لقد، وهكذا كلَّ ماجاءَ من نظائرِها، و((قد)) حرف تحقيق
وتوقع، ويُفيد في المضارع التقليلَ إلا في أفعال الله تعالى فإنَّها للتحقيق، وقد
تُخْرِجُ المضارع إلى المُضيِّ كقوله(٢):
٥٢٥ - قد أَتْرُلُ القِرْنَ مُصْفَرًّاً أناملُه
كأنَّ أثوابَه مُجَّتْ بِفُرْصَادِ
وهي أداةٌ مختصةٌ بالفعلِ ، وتَدْخُل على الماضي والمضارعِ ، وتُحْدِثُ
في الماضي التقريب من الحالِ. وفي عبارة بعضِهم: ((قد: حرفٌ يَصْحَبُ
الأفعالَ ويُقَرِّبُ الماضيُّ من الحالِ، ويُحْدِثُ تقليلاً في الاستقبال» ويكونُ
اسماً بمعنى حَسْب نحو: قدني درهمٌ أي: حسبي، وتتصل بها نونُ الوقايةِ
مع ياء المتكلم غالباً، وقد جَمَع الشاعر بين الأمرين، قال(٣).
(١) الآية ٢٠ من البقرة.
(٢) البيت لعبيد بن الأبرص وهو في ديوانه ١٤٩، وقد ينسب إلى شاعر هذلي وليس في
ديوان الهذليين؛ والكتاب ٣٠٧/٢؛ وابن يعيش ١٤٧/٨؛ ورصف المباني ٣٩٢؛
والمغني ١٨٩؛ وشواهد المغني ٤٩٤؛ والخزانة ٥٠٢/٤؛ والهمع ٧٣/٢؛ والدرر
٨٩/٢. واصفرار الأنامل كناية عن الموت، والفرصاد: ماء التوت.
(٣) اختلفوا في نسبته بين أبي بحدلة وحميد الأرقط، وهو في النوادر ٢٠٥؛ وأماني الشجري
١٤/١؛ والإنصاف ١٣١؛ والمغني ١٨٥؛ وابن يعيش ٢٤/٣؛ والخزانة ٠ ٤٤٩/٢؛
والعيني ٣٧٥/١؛ وشواهد المغني ٤٨٧. والخبيبان هما عبدالله بن الزبير وأخوه مصعب،
وقدني أي حسبي. وبعد البيت: ليس الإِمامُ بالشحيح المُلْجِدِ.
٤١٢

- البقرة -
٥٢٦ - قَدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدي
وإذا كانت حرفاً جاز حَذْفُ الفعلِ بعدَها كقولِهِ(١):
لمَّا تَزُلْ برِحالِنا وكَأَنْ قَدٍ
٥٢٧ - أَفِدَ الترخُلُ غيرَ أنَّ رِكابنا
أي: قد زالت، وللقسم وجوابِه أحكامٌ تأتي إنْ شاء الله تعالى مفصّلةٌ.
و((عَلِمْتُمْ)) بمعنى عَرَفْتُم، فيتعدَّى لواحدٍ فقط، والفرقُ بين العلم والمعرفة أنَّ
العلمَ يستدعي معرفةَ الذاتِ وما هي عليه من الأحوال نحو: عَلمتُ زيداً قائماً
أو ضاحكاً، والمعرفةُ تستدعي معرفةَ الذاتِ، وقيل: لأنَّ المعرفةَ يسبقها
جهلٌ، والعلمُ قد لا يَسْبِقُه جهلٌ، ولذلك لا يجوزُ إطلاقُ المعرفةِ عليه
سبحانه. و((الذين اعتّدَوا)) الموصولُ وصلتُه في محلِّ النصبِ مفعولاً به،
ولا حاجةَ إلى حَذْفِ مضافٍ، كما قدَّره بعضُهم، أي: أحكامُ الذين اعتدوا،
لأنَّ المعنى عَرَفْتم أشخاصَهم وأعيانَهم. وأصلُ اعتَدَوْا: اعتَدَيُوا، فَأُعِلَّ
بالحذف ووزنه افْتَعَوا، وقد عُرِفَ تصريفُه ومعناه.
قوله: ((منكم)) في محلّ نصبٍ على الحالِ من الضميرِ في ((اعتدوا))
ويجوز أن يكونَ من ((الذين)) أي: المعتدين كائنين منكم، و ((مِنْ)) للتبعيض.
قوله: ((فِي السَّبْتِ)) متعلِّقٌ باعتَدَوا، والمعنى: في حُكْم السبت، وقال
أبو البقاء(٢): ((وقد قالوا: اليومَ السبتُ، فجعلوا ((اليوم)) خبراً عن السبت،
كما يقال، اليومَ القتالُ، فعلى ما ذكرنا يكونُ في الكلامِ حَذْفٌ تقديرُه في يوم
السبت)). والسبتُ في الأصل مصدرُ سَبَتَ، أي: قَطَّع العمل. وقال
ابن عطية (٣): ((والسَّبتُ: إمَّا مأخوذٌ من السُّبوت الذي هو الراحة والدَّعَة،
(١) البيت للنابغة، وهو في ديوانه ٣٠؛ والخصائص ٣٦١/٢؛ وابن يعيش ٥/٨؛
والأشموني ٣١/١؛ والخزانة ٢٣٢/٣؛ والدرر ١٢١/١. وأفد: حان.
(٢)) الاملاء ٤١/١.
(٣)) التفسير ٣٠٦/١.
٤١٣
۔

- البقرة -
وإمَّا من السّبْت وهو القطع، لأن الأشياء فيه سَبَتَتْ وتَمَّتْ خِلْقَتُها، ومنه
قولُهم: سَبَتَ رأسَه أي: حَلَقه. وقال الزمخشري(١): ((والسبتُ مصدرُ سَبْتَتٍ
اليهودُ إذا عَظُّمت يومَّ السبتِ)) وفيه نظرً، فإنَّ هذا اللفظ موجودٌ واشتقاقُه
مذكورٌ في لسان العرب قبل فِعْل اليهودِ ذلك، اللهم(٢) إِلا أَنْ يريدَ هذا
السبتَ الخاصَّ المذكورَ في هذه الآيةِ. والأصلُ فيه المصدرُ كما ذكرتُ، ثم
سُمِّي به هذا اليومُ من الأسبوع لاتفاقٍ وقوعِه فيه كما تقدَّم أنَّ خَلْقَ الأشياءِ تَمَّ
وقُطِعَ، وقد يقال يومُ السبتِ فيكونُ مصدراً، وإذا ذُكِر معه اليومُ أو مع ما أشبهه
من أسماءِ الأزمنة مِمَّا يتضمَّن عَمَلًا وحَدَثاً جاز نصبُ اليومِ ورفعُه نحو: اليوم
الجمعةُ، اليوم العيدُ، كما يقال: اليوم الاجتماعُ والعَودُ، فإنْ ذُكِرَ مع «الأحد»
[٢٨/ب] وأخواتِه وَجَب / الرفعُ على المشهورِ، وتحقيقُها مذكورٌ في كتبٍ
النحوِ.
قوله: ((قردةً خاسئين)) يجوز فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها أن يكونا خبرين،
قال الزمخشري (٣): ((أي: كونوا جامعين بين القِرَدِيَّة والخُسُوء)) وهذا التقديرُ بناءً
منه على على أنَّ الخبرَ لا يتعدَّدُ، فلذلك قَدَّرهما بمعنى خبرٍ واحدٍ من باب:
هذا حُلْوٌ حامِضٌ، وقد تقدَّم القول فيه. الثاني: أن يكون (خاسئين)) نعتاً
القِردة، قاله أبو البقاء (٤). وفيه نظرٌ مِنْ حيث إن القردةَ غيرُ عقلاءَ، وهذا جَمْعُ
العقلاء. فإِنْ قيل: المخاطبون عُقَلاء. فالجوابُ أنّ ذلك لا يُفيد، لأنَّ التقديرَ
عندكم حينئذٍ: كونوا مثلَ قِرَدَةٍ مِنْ صفتِهِم الخُسُوءِ، ولا تعلُّقَ لِلْمُخاطَبِين
بذلك، إلا أنه يمكنُ أَنْ يقالَ إنهم مُشَبَّهون بالعقلاء، كقوله: ((لي
(١) الكشاف ٢٨٦/١.
(٢) في الأصل: ((إلا اللهم)) وهو سهو.
(٣) الكشاف ٢٨٦/١.
(٤) الاملاء ١ /٤٢.
٤١٤

- البقرة -
ساجدين))(١)، و((أَتَيْنا طائعين))(٢). الثالث: أن يكون حالاً من اسم ((كونوا))
والعاملُ فيه ((كونوا))، وهذا عندَ مَنْ يُجيز لـ((كان)) أن تعملَ في الظروفِ
والأحوالِ. وفيه خلافٌ سيأتي تحقيقُه عند قوله تعالى: ((أكان للناس
عَجَبً)(٣) إن شاء الله تعالى. الرابع - وهو الأجْوَدُ - أن يكونَ حالاً من
الضميرِ المستكنّ في «قِرَدَةً» لأنه في معنى المشتقِّ، أي: كونوا مَمْسوخِينَ في
هذه الحالةِ، وجَمْعُ فِعْل على فِعَلة قليلٌ لا ينقاس.
ومادة القرد تدل على اللصوق والسكون، تقول: ((قَرَد بمكان كذا)» أي :
لَصِق به وسكن، ومنه ((الصوفُ القَرَد)) أي المتداخلُ، ومنه أيضاً: ((القُراد))
هذا الحيوانُ المعروف. ويقال: خَسَأَتُه فَخَسَأَ، فالمتعدي والقاصر سواء نحو:
زاد وغاض، وقيل: يُقال خَسَأَتُه فَخَسِىءَ وانْخَسَاً؛ والمصدر الخُسُوء والخَسْءُ.
وقال الكسائي: ((خَسَأْتُ الرجلَ خَسْئاً، وخَسَأَ هو خُسُوءاً ففرَّقَ بين
المصدَرَيْن، والخُسُوءُ: الذُّلَّةَ والصَّغَارُ والطَّرْدُ والْبُعْدُ ومنه خَسَأْتُ الكلبَ.
آ. (٦٦) قوله تعالى: ﴿نَكالا﴾: مفعولٌ ثانٍ لجَعَلَ التي بمعنی ضَیَّر
والأولُ هو الضميرُ وفيه أقوالٌ، أحدُها: يعود على المَسْخَة. وقيل: على القرية
لأنَّ الكلامَ يقتضيها كقوله: ((فَأَثَرْنَ به نَقْعاً) (٤) أي بالمكانِ. وقيل على
العقوبة، وقيل على الأمّة. والنِّكالُ: المَنْعُ، ومنه النِّكْلُ اسمٌ للقيد
من الحديد واللِّجام لأنه يُمْنَعُ به، وسُمِّي العِقابُ نكالاً لأنه يُمْنَعُ به غيرُ
المعاقب أن يفعلَ فِعْلَه، ويَمْنَعُ المُعاقَبَ أن يعودَ إلى فِعْلِهِ الأولِ. والتنكيلُ:
إصابةُ الغيرِ بالنِّكَالِ لِيُرْدَعَ غيرُه، ونَكَلَ عن كَذا يَنْكُل نُكولاً امتنع، وفي
(١) الآية ٤ من يوسف ((والشمس والقمرَ رأيتُهم لي ساجدين)).
(٢) ((١١ من فصلت ((فقال لها واللأرض اثتيا طَوْعاً أو كَرْهاً قالتا أتينا طائعين)).
(٣) الآية ٢ من يونس.
(٤) الآية ٤ من العاديات .
٤١٥

البقرة ــ
الحديثِ: ((إنَّ الله يحبُّ الرجلَ النَّكَل))(١) أي: القوي على الفرس. والمَنْكَلُ
ما يُنكَّل به الإِنسان قال(٢):
٥٢٨ - فارم على أَقْفائهم بِمَنْكُلِ
والضميرُ في يديُّهَا وخلفها كالضميرِ في ((جَعَلْنَاهَا)).
قوله: ((ومَوْعِظَةً)) عطفٌ على: ((نَكالاً)) وهي مَفْعِلَة من الوعظ
وهو التخويف، وقال الخليل (٣): ((التذكيرُ بالخيرِ فيما يَرِقُّ له القَلْبُ، والاسمُ:
العِظَةُ كالعِدَةِ والزِنَة، و((للمتقين)) متعلقٌ بِمَوْعِظة. واللامُ للعلة، وخُصَّ
المتقين بالذُّكْرِ، وإن كانَتْ موعظةً لجميعِ العالَمِ: البَرِّ والفاجِرِ، لأن المنْتَفَعَ
بها هم هؤلاء دونَ مَنْ عَذَاهم، ويجوزُ أَنْ تكونَ اللامُ مقويةً، لأنَّ (موعظة)) فَرْعٌ
على الفِعْلِ في العمل فهو نظيرُ ((فَعَّالٌ لِما يريد))(٤)، فلا تعلُّق لها لزيادتها،
ويجوز أَنْ تكونَ متعلقةً بمحذوفٍ لأنها صفةٌ لموعظةً، أي: موعظةً كائنةً
للمتقين .
آ. (٦٧) قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ .. الجمهور على ضمَّ الراء لأنه
مضارعٌ مُعْرَبٌ مجرَّدٌ من ناصبٍ وجازمٍ . ورُوِيَ عن أبي عمرو (٥) سكونُها
سكوناً مَحْضاً واختلاسُ الحركةِ، وذلك لتوالي الحركات، ولأنَّ الراءَ حرفُ
تكريرٍ فكأنها حرفان، وحركتُها حركتان، وقيل: شبّهها بعَضْد، فسُكِّن أَوْسَطُه
(١) النهاية في غريب الحديث ١١٦/٥.
(٢) البيت لرياح المؤملي وهو في اللسان ((نكل)) والقرطبي ٤٤٣/١، وقبله:
يا ربِّ أَشْقاني بنو مُؤَمِّل
وقد ضبط المؤلف الميم بالكسر خلاف ما نصَّتْ عليه كتب اللغة.
(٣) انظر: القرطبي ٤٤٤/١.
(٤) الآية ١٠٧ من هود.
(٥) القرطبي ٤٤٤/١؛ والبحر ٢٤٩/١ .
٤١٦

- البقرة -
إجراءً للمنفصلِ مُجْرَى المتصلِ ، وهذا كما تَقَدَّم في قراءة ((بارِثْكم(١)، وقد
تقدَّم ذِكْرُ من استضْعَفها من النحويين، وتقدَّم ذكرُ الأجوبةِ عنه بما أَغْنَى عن
إعادتِه هنا، ويجوز في همز ((يَأْمركم)) إبدالُه ألفاً وهذا مطِّدٌ. و((يَأْمركم)) هذه
الجملةُ في محلِّ رفعٍ خبراً لإِنَّ، وإِنَّ وما في حَيِّزها في مَحلِّ نصب مفعولاً
بالقول، والقولُ وما في حَيِّزِهِ في محلِّ جرِّ بإضافة الظرف إليه، والظرفُ
معمولٌ لفعل محذوفٍ أي: اذكرْ.
قوله: ((أن تَذْبَحوا بقرةٍ))((أَنْ)) وما في حُيِّزِها مفعولٌ ثانٍ لیأمركم، فموضِعُهایجوزُ
أن يكونَ نصباً وإن يكونَ جرَّاً حَسْبَما مضى من ذِكْرِ الخلافِ، لأنَّ الأصلَ
على إسقاطِ حرفِ الجرّ أي: بأَنْ تَذْبَحوا، ويجوزُ أن يُوافِقَ الخليلُ هنا على
أَنَّ موضِعَها نَصبٌ لأنَّ هذا الفعلَ يجوز حذفُ الباءِ معه، ولو لم تكنِ الباءُ في
((أَنْ)) نحو: أمرتُكَ الخيرَ.
والبقرةُ واحدة البَقَر، تقعُ على الذكَرِ والأنثى نحو حَمامة، والصفةُ تُمُيِّزُ
الذكر من الأنثى، تقول: بقرةٌ ذكرٌ وبقرةٌ أنثى، وقيل: بقرةً اسمٌ للأنثى خاصةً
من هذا الجنس مقابلةً لثور، نحو: ناقةٌ وجَمَل، وأَتان وحمار، وسُمِّي هذا
الجنسُ بذلك لأنه يَبْقُر الأرض أي يَشُقُّها بالحرث، ومنه: بَقَر بطنَه، والباقر
أبو جعفر(٢) لشَقُّه العلم، والجمع: بَقَر وباقِر وبَيْقُور وبَقِيرِ.
قوله: ((هُزُوا) مفعول ثان لـ ((أنتتَّخِذُنا)). وفي وقوع (هُزُوا)) مفعولاً ثانياً
ثلاثةُ أقوالٍ. أحدُها: أنه على حَذْفِ مضافٍ أي ذوي هُزْء. الثاني: أنه
مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعولِ به أي مَهْزُوءاً بنا. الثالث: انهم جُعِلوا نفس الهُزْءِ
(١) الآية ٥٤ من البقرة.
(٢) محمد بن علي، عرض على أبيه زين العابدين، وروى عن ابن عباس، وقرأ عليه ابنه
جعفر، توفي سنة ١١٨. انظر: طبقات القراء ٢٠٢/٢.
٤١٧

- البقرة -
مبالغةً. وهذا أَوْلَى، وقال الزمخشري - وبدأ به _(١): (أَتَجْعَلُنا مكانَ هُزْءٍ))
وهو قريب من هذا.
وفي ((هُزُوا) قراءاتٌ سِتُّ(٢)، المشهورُ منها ثلاثٌ: هُزُؤاً بضمتين مع
[٢٩/أ] الهمز، وهُزْءاً بسكونِ العين / مع الهمز وَصْلاً وهي قراءة حمزة رحمه الله،
فإذا وَقَفَ أبدلَها واواً، وليس قياسَ تخفيفها، وإنما قياسُه إلقاءُ حركتِها على
الساكنِ قبلَها. وإنما اتَّبِع رسمَ المصحف فإنها رُسِمَتْ فيه واواً، ولذلك
لم يُبْدلها في ((جزءاً) واواً وقفاً، لأنها لم تُرْسَمْ فيه واواً كما سيأتي عن قريب،
وقراءتُه أصلُها الضمُّ كَقراءةِ الجماعةِ إلا أنه خُفِّفَ كقولِهم في عُنُقَ: عُنْقَ.
وقيل: بل هي أصلٌ بنفسِها، ليست مخففةً من ضم، حَكَى مكي(٣) عن
الأخفش(٥) عن عيسى بن عمر: «كلُّ اسمٍ ثلاثي أولُه مضمومٌ يجوزُ فيه لغتان:
التثقيل والتخفيفُ)). و(هُزُوا)) بضمتين مع الواوِ وَصْلاً وَوَقْفاً وهي قراءةُ حَقْص
عن عاصم، كأنه أَبْدَلَ الهمزةَ واواً تخفيفاً، وهو قياسٌ مَطَّد في كلِّ همزة
مفتوحةٍ مضمومٍ ما قبلَها نحو جُوَن في جُوَّن(٥)، و((السفهاءُ وَلَا إِنَّهم))(٦)
وحكمُ ((كُفْئً) في قوله تعالى: (ولم يكُنْ له كُفْئاً أحدٌ))(٧) حكمُ ((هُزُوا) في
جميع ما تقدم قراءةً وتوجيهاً. و((هُزَاً)) بإلقاء حركة الهمزة على الزاي وحذفها
(١) الكشاف ٢٨٦/١.
(٢) انظر: السبعة ١٥٧؛ الكشف ٢٤٧/١؛ البحر ٢٥٠/١؛ الشواذ ٦.
(٣) الكشف ٢٤٨/١.
(٤) معاني القرآن ١٠٣
(٥) قال صاحب القاموس مادة ((جان)): الجُوْنَة: سَفَطُ مغَشَّى بجلد ظَرْفُ لطيب العطار
أصله الهمز، وجمعه جئن .
(٦) ((أنؤمنُ كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء)) الآية ١٣ من البقرة، وذلك فيما روي عن
أبي عمرو أنه يُنْحو بالمفتوحة بعد المضمومة نَحْوَ الألف ويبدل منها واواً مفتوحة. انظر:
الكشف ١١٧/١.
(٧) الآية ٤ من الإخلاص.
٤١٨

- البقرة -
وهو أيضاً قياسٌ مطرد، وهُزْواً بسكون العين مع الواو، وهُزَّاً بتشديد الزاي من
غيرِ همزةٍ، ويُرْوَى عن أبي جعفر، وتقدُّم معنى الهُزْء أول السورة.
قوله: ((أعوذُ باللهِ)) تقدَّم إعرابُه في الاستعاذَةِ، وهذا جوابٌ لاستفهامِهم
في المعنى كأنه قال: لا أَهْزَأُ مستعيذاً باللهِ من ذلك فإنَّ الهازِىءَ جاهِلٌ.
وقوله ((أَنْ أكونَ)) أي: مِن أَنْ أكونَ، فيجيءُ فيه الخلافُ المعروف. و ((مِن
الجاهلين» خبرُها، وهو أَبْلَغُ من قولك: ((أن أكونَ جاهِلاً، فإنَّ المعنى: أن
أَنْتظمَ في سلكِ قَوْمٍ اَتَّصفوا بالجهل.
آ. (٦٨) قوله تعالى: ﴿قالوا ادْعُ لنا رِبَّك يُبَيِّنْ لنا» .. كقوله: «ادعُ
لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا))(١) وقد تقدَّم. قولُه: ((ما هي))؟ ما استفهاميةٌ في محلٌّ رفعٍ
بالابتداءِ تقديرُه: أيُّ شيءٍ هي، و ((ما) الاستفهاميةُ يُطْلَبُ بها شَرْحُ الاسم تارةً
نحو: ((ما العنقاءُ؟ [و] ما هيَّةُ المُسَمِّى أخرى نحو: ما الحركةُ؟ وقال
السكاكي (٢): ((يَسْأَلُ بـ ((ما)) عن الجنسِ، تقولُ: ما عندك؟ أي: أُّ أجناسٍ
الأشياءِ عندك، وجوابُه: كتابٌ ونحوه، أو عن الوصف، تقول: ما زيدٌ؟
وجوابه: كريمٌ)) وهذا هو المرادُ في الآية. و((هي)) ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ في
محلٌّ رفع خبراً لـ((ما))، والجملةُ في محلٌّ نصب بيبيِّن، لأنه مُعَلَّقُ عن الجملةِ
بعده(٣)، وجاز ذلك لأنَّه شبيهٌ بأفعالِ القلوبِ.
قوله: ((لا فارضٌ ولا بِكْرٌ)) لا نافيةٌ و ((فارضٌ)) صفةٌ لبقرة، واعترض
بـ ((لا) بين الصفةِ والموصوفِ، نحوِ: مَرَرْتُ برجلٍ لا طويلٍ ولا قصيرِ.
وأجاز أبو البقاء(٤) أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوفٍ أي: لا هي فارضٌ. وقولُه:
(١) الآية ٦١ من البقرة.
(٢) مفتاح العلوم ٥٣٣. والسكاكي هو يوسف بن أبي بكر من أهل خوازم، برع في المعاني
والبيان وله: مفتاح العلوم، توفي سنة ٦٢٦. انظر: البغية ٣٦٤/٢.
(٣) أي: إن الاستفهام في قوله ((ما هي)) عَلَّق ((يبين)) عن العمل.
(٤) الإملاء ٤٢/١.
٤١٩

- البقرة -
(ولا بِكْرٌ)) مثلُ ما تقدَّم، وتكرَّرت ((لا)) لأنها متى وقعت قبل خبرٍ أو نعتٍ
أو حالٍ وَجَب تكريرُها، تقول: زيدٌ لا قائمٌ ولا قاعدٌ، ومررت به لا ضاحكاً
ولا باكياً، ولا يجوز عدمُ التكرارِ إلا في ضرورةٍ، خلافاً للمبرد(١) وابن
كيسان، فمن ذلك(٢):
٥٢٩ - وأنتَ امرؤٌ مِنَّا خُلِقْتَ لغيرِنا
حياتُكِ لا نفعّ وموتُك فاجِعُ
وقولُه(٣) :
ولكنْ بأنواعِ الخدائعِ والمَكْرِ
٥٣٠ - قَهَرْتَ العِدَى لَا مُسْتَعيناً بعُصْبَةٍ
فلم يكرِّرها في الخبر ولا في الحالِ .
والفارضُ: المُسِنَّةُ الهَرِمة، قال الزمخشري (٤): ((كأنَّها سُمِّيَتْ بذلك
لأنها فَرَضَتْ سِنَّها، أي قَطَعَتْها وبَلَغَتْ آخِرَها)) قال الشاعر(٥):
٥٣١ - لَعَمْرِي لقد أَعْطَيْتَ جارَك فارِضاً تُساقُ إليه ما تقومُ على رِجْلٍ
ويقال لكلِّ ما قَدِّم: فارضٌ، قال: (٦)
٥٣٢ _ شيَّبَ أصداغِي فرأسي أبيضُ
محامِلٌ فيها رجالٌ فُرَّضُ
(١) المقتضب ٣٦٠/٤.
(٢) البيت للضحاك بن هنام أولرجل من بني سلول، وهو في الكتاب ٣٥٨/١؛ والأشموني
١٨/٢؛ والهمع ١٤٨/١؛ والدرر ١٢٩/١.
(٣) البيت لزياد بن سيار، وهو في شذور الذهب ٣٦٢؛ والجنى الداني ٢٩٩؛ وشرح الصبان
١٨/٢؛ والأشموني ٤٢/٢؛ والهمع ١٤٩؛ والدرر ١٣٢/١.
(٤). الكشاف ١٨٧/١.
(٥) البيت لعلقمة بن عوف، وهو في الأضداد ٣٧٦؛ واللسان: فرض؛ والقرطبي
٤٤٨/١.
(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان: فرض؛ والقرطبي ٤٤٨/١.
٤٢٠