Indexed OCR Text
Pages 341-360
- البقرة - ((وإذ واعَدْنا)) ((وإذا قُلتم)). وقُرىء: ((أَنْجَيْتُكُم)) على التوحيدِ(١)، وهذا خطابُ للموجودين في زمن الرسول عليه السلام، ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ أي: أَنْجَيْنا آباءكم، نحو: ((حَمَلْنَاكم في الجارية))(٢) أو لأنَّ إنجاءَ الآباء سببٌ في وجودٍ الأبناءِ. وأصلُ الإِنجاءِ والنجاةِ الإِلقاءُ على نَجْوَةٍ من الأرضِ (٣)، وهي المُرتفعُ منها لِيَسْلَمَ من الآفات، ثم أُطلِقّ الإِنجاء على كل فائزٍ وخارجٍ من ضيق إلى سَعَة وإن لم يُلْقَ على نَجْوة. و(من آلِ)) متعلَّقٌ به، و((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ. و((آل)) اختُلِف فيه(٤) على ثلاثةِ أقوال، قال سيبويه(٥) وأتباعُه: إنَّ أصلَه أَهْلٌ، فَأُبْدِلَتِ الهاءُ همزةٌ لقُربها منها، كما قالوا: ماء وأصلُه: ماه، ثم أُبْدِلَتِ الهمزةُ ألفاً، لسكونِها بعد همزةٍ مفتوحةٍ نحو: آمَنَ وَآدَم، ولذلك إذا صُغِّر رَجَعَ إلى أصله فتقول: أُهَيْل. قال أبو البقاء(٦): ((وقال بعضُهم: أُوَيْل، فأُبدلت الألفُ واواً، ولَم يَرُدَّه إلى أصله، كما لَم يَرُدُّوا(عُبَيَدْ)) إلى أصله في التصغير)). يعني (٧) فلم يقولوا ((عُوَيد)) لأنه من (٨) عاد يعود، قالوا: لئلا يلتبسَ بُعُود الخَشَب. وفي هذا نظر، لأنَّ النحويين قالوا: مَنِ اعتقد كونَه من ((أهل)) صَغَّره على أُهْيْل، ومَنِ اعتقد كونَه من آلَ يُؤْولُ أي رَجَع صغَّره على أُوَيْل. وذهب النحاس (٩) إلى أنَّ أصلَه ((أَهْلِ)) أيضاً، إلا أنه قَلَب الهاءَ ألفاً من غير أَنْ يَقْلِبَها أولاً همزة، وتصغيرُه (١) قراءة النخعي. البحر ١٩٢/١، الشواذ ه. (٢) الآية ١١ من الحاقة. (٣) سقط من ح ص. (٤) انظر: الممتع ٣٤٨. (٥) الكتاب ١٩٩/٢ . (٦) الإملاء ٣٥/١. (٧) ص ح: ((بمعنى)). (٨) قوله ((من)) سقط من ح ص. (٩) إعراب القرآن للنحاس ١٧٢/١ - ١٧٣. ٣٤١ - البقرة - عنده على أُهَيْل. وقال الكسائي: أُوَيْل، وقد تقدَّم ما فيه، ومنهم مَنْ قال: أصلُه أَوَل مشتقٌّ من آل يُؤُول، أي: رَجَع، لأن الإِنسان يَرْجِع إلى آلهِ، فتحرَّكَتِ الواوُ وانفَتَح ما قبلَها فقُلِبَتْ ألفاً، وتصغيرُه على أُوَيْل نحو: مال ومُوَيَل وباب وبُوَيْبٍ، ويُعْزى هذا للكسائي. وجمعه آلون وآلين وهو (١) شاذٍّ كأهلِين لأنه ليس بصفةٍ ولا عَلَمٍ. واختُلِف فيه: فقيل: ((آلُ الرجل)) قرابته كأهلِهِ، وقيل: مَنْ كانَ مِنْ شيعتِه، وإن لم يكن قريباً منه، وقيل: مَنْ كان تابعاً له وعلى دينه وإنْ لم يكنْ قريباً منه، قال (٢): ٤٤٤ - فلاَ تَّبْكِ مَيْتاً بعد مَيْتٍ أَجَنَّهُ عليٌّ وعَبَّاسَ وَآلُ أبي بَكْرِ ولهذا قيل: [إن](٣) آلَ النبي مَنْ آمَنَ به إلى آخرِ الدهرِ، ومَنْ لم يُؤْمِنْ به(٤) فليس بآلِه، وإن كان نسيباً له، كأبي لهب وأبي طالب. واختَلَفَ فيه النجاة: هل يُضاف إلى المضمر أم لا؟ فذهبَ الكسائي وأبوبكر الزبيدي(٥) والنحاس إلى أنَّ ذلك لا يجوزُ، فلا يجوز: اللهم صلِّ على محمدٍ وآلِهِ، بل: وعلى آل محمد، وذهبَ جماعةٌ منهم [ابنُ](٦) السِّيد(٧) إلى جوازه، واستدلَّ بقولهِ عليه السلام، لمَّا سُئِل فقيل: يا رسولَ الله مَنْ الْكَ؟ فقال: ((آلي كلُّ تقيّ ۔۔ (١). ي: ((وهذا). (٢) البيت للحطيئة وهو في ديوانه ٢٢٣؛ أو إراكة الثقفي؛ وابن عطية ٢٦٤/١؛ ومجمع البيان ١٠٤/١. (٣) سقط من: ي. (٤) قوله: ((به)) سقط من خ ص. (٥) محمد بن الحسن، له: الواضح والأبنية وما تلحن فيه العامة، توفي سنة ٣٧٩. انظر: الإنباه ١٠٨/٣؛ البلغة ٢١٨؛ البغية ٨٤/١. وانظر: كتابه لحن العوام ١٤ . (٦) سقط من: ي. (٧) عبدالله بن محمد، له الاقتضاب والحلل والمسائل والأجوبة، توفي سنة ٥٢١. انظر: . الأنباه ١٤١/٢؛ والبغية ٥٥/٢ . ٣٤٢ - البقرة - إلى يوم القيامة (١))) وأنشدوا قولَ أبي طالب(٢): سنّعُ رَحْله فامنَعْ حَلالَكْ ٤٤٥ - لا هُمَّ إِنَّ المَرْءَ يَمْـ ــب وعابِديه اليومَ آلَكْ وانصُرْ على آل الصَّلبـ وقول نُدْبة(٣). وآلي كما تَحْمي حقيقةً آلِكا ٤٤٦ - أنا الفارسُ الحامي حقيقةً والدي واختلفوا أيضاً(٤) فيه: هل يُضافُ إلى غيرِ العقلاءِ فُيُقال: آلُ المدينةِ وآلُ مكةً؟ فمنعَه الجمهورُ، وقال الأخفش: قد سَمِعْنَاه في البلدان قالوا: أهلُ المدينةِ وآلُ المدينة(٥)، ولا يُضاف إلَّ إلى مَنْ له قَدْرٌ وخَطَرُ، فلا يُقال: آلُ الإِسكاف ولا آلُ الحَجَّام، وهو من الأسماءِ اللازمة للإضافة معنى لا لفظاً، وقد عَرَفْتَ ما اختصِّ به من الأحكامِ دونَ أصلِه الذي هو ((أَهْلِ)). هذا كلُّه في ((آل)) مرادً به الأهلُ، أمّا ((آل)» الذي هو السَّراب فليس مِمَّا نَحْنُ فيه في شيء، وجَمْعُه أَأْوال(٦)، وتصغيرُه أُوَيْل ليس إلَّ، نحوُ: مال وأَمْوال ومُوَيْل. قوله: ((فِرْعَون)) خفضُ بالإِضافةِ، ولكنه(٦) لا يَنْصَرِفُ للعُجْمة والتعريف. واختُلِفَ فيه: هل هو علمُ شخصٍ أو علمُ جنسٍ، فإنه يُقال لكلِّ مَنْ مَلَك القِبْطَ ومصرَ: فرعون، مثلَ كِسْرى لَكَلِّ مَنْ مَلَك الفرس، وقيصرُ (١) المقاصد الحسنة ٥. (٢) السيرة ٥١/١؛ واللسان حلل؛ والممتع ٣٤٩؛ والتاج: أهل، والدرر ٦٢/٢. وينسب أيضاً لعبد المطلب. (٣) الممتع ٣٤٩/١؛ والقرطبي ٣٨٣/١. (٤) ص ح: ((فيه أيضاً)). (٥) قوله ((وآل المدينة)) سقط من ح ص. (٦) ثم يصير: آوال. (٧) ع: ولكنه. ٣٤٣ - البقرة. لكلِّ مَنْ مَلَك الرومِ، والقَيْلُ(١) لكلِّ مَنْ مَلَكَ حميرَ، والنجاشي لكلِّ مَنْ مَلَّكَ الحبشةَ، وَبَطْلَيْموس لكلِّ مَنْ مَلَكَ اليونان. قال الزمخشري (٢): ((وفرعونُ عَلَمٌ لِمَنْ مَلَك العمالقة كقيصر الروم، ولعُتُوِّ الفراعِنَة اشتقُّوا منه: تَفَرْعَنَ فلانٌ إذا عَتَا وَتَجَبَّ، وفي (٣) مُلَحِ بعضهم(٤): ٤٤٧ - قد جاءَهْ الموسى الكُلُومُ فَزَاد في أَقْصَى تَفَرْعُنِه وفَرْطِ عُرَامِه وقال المسعودي (٥): ((لا يُعْرَفُ لِفِرْعَوْن تفسيرٌ بالعربية))، و[ظاهر](٦) كلامِ الجَوْهري أنَّه مشتقٌ مِنْ معنى العُنُوِّ، فإنه قال (٧): ((والعُتَاة الفَرَاعِنة، وقد تَفَرْعَنَ وهو ذو فَرْعَنٍ أي: دهاءٍ ومكرٍ)). وفي الحديث: ((أَخَذْنا فِرْعونَ هذه الأمَّةِ»، إلاّ أنْ يريدَ (٨) معنى ما قاله الزمخشري المتقدم. قولُه: ((يَسُومونكم)) سوءَ العذابِ)) هذه الجملةُ في مجلِّ نصب (٩) على الحالِ مِنْ ((آل)) أي: حالَ كونهم سائِمين. ويجوز أَنْ تكونَ مستأنفةً لمجردٍ الإِحْبارِ بذلك، وتكون حكايةً حالٍ ماضيةٍ، قال بمعناه ابن عطية (١٠)، وليس بظاهر. وقيل: هي خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: هم يَسُومونكم، ولا حاجةَ إليه (١) سقط من ع. (٢). الكشاف ٢٧٩/١. (٣) ح ض: ((ومن). (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في شواهد الكشاف ٥١٥/٤. الموسى: ما يُحَلَق به، الكلوم: من الكَلْم وهو الجرح، والعرام: الشرُّ والخبث. (٥) لعله عبدالرحمن بن عبدالله الكوفي، روى عن السبيعي والشيباني، وروى عنه الطيالسي، مات بعد سنة ٥٨. انظر: تهذيب التهذيب ٢١١/٦. . أو هو محمد بن عبدالرحمن عالم باللغة توفي ٥٨٤. البغية ١٥٨/١. (٦) سقط من ي . (٧) الصحاح: مادة فرعن: (٨) ي: ((إلا أن يقال يريد ما قاله)). (٩) ص ح: ((النصب)). (١٠) التفسير ٢٦٥/١. ٣٤٤ - البقرة - أيضاً. و((كم) مفعولٌ أولُ، و((سوء)) مفعولٌ ثانٍ، لأنَّ ((سام)) يتعدَّى لاثنين كأعطى ومعناه: أَوْلاهُ كذا وأَلْزمه(١) إياه أو كلَّفه إياه، ومنه قولُ عمرو بن كلثوم (٢): ٤٤٨ - إذا ما المَلْكُ سامَ الناسَ خَسْفاً أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الخَسْفَ فِينا قال الزمخشري(٣): ((وأصلُهُ مِنْ سَام السِّلْعَةَ إذا طَلَبها، كأنه بمعنى يَبْغُونكم سوء العذاب ويُريدُونَكم عليه))، وقيل: أصلُ السَّوْمِ الدَّوامُ، ومنه: سائِمَةُ (٤) الغَنَمِ لمُداوَمَتِها(٥) الرَّعْميَ. والمعنى: يُديمونَ تعذيبكم، وسوءُ العذابِ أشدُّهُ وأفظعهُ وإنْ كان كلُّه سيئاً، كأنه أقبحُهُ بالإِضافة إلى سائرِهِ. والسوءُ: كلُّ ما يَعُمُّ الإِنسانَ من أمرٍ دنيوي وأُخْرَوي، وهو في الأصل مصدرٌ، ويؤنَّثُ بالألفِ، قال تعالى: ((أساؤوا السُّوْءَىْ))(٦). وأجاز بعضُهم أن يكونَ ((سوء)) نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديرُه: يَسُومونكم سَوْماً سيئاً كهذا قدَّره، وقال أيضاً: ((ويجوزُ أن يكونَ بمعنى سَوْم العذاب))، كأنه يريد بذلك أنه منصوبٌ على نَّوْعِ المصدرِ، نحو: ((قَعَدَ جلوساً))، لأن سُوء العذابِ نوعٌ من السَّوْمِ . قولُه تعالى: (يُذَبِّحُون)) هذه الجملةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تكونَ مفسِّرةً للجملة قبلَها، وتفسيرُها لها على وجهين: أحدهما أن تكونَ مستأنفةً، فلا محلَّ لها حينئذٍ من الإِعرابِ، كأنه قيل: كيف كان سَوْمُهم العذابَ؟ فقيل: يُذَبِّحُون. والثاني: أنْ تكونَ بدلاً منها كقولِه (٧). (١) ع: ((أي ألزمه)). (٢) من معلقته المشهورة، وهو في القصائد العشر للتبريزي ٣٩٥. والخسف: الذل. (٣) الكشاف ٢٧٩/١. (٤) ص ح: ((سائم)). (٥) ص ح: «لذا ومنها)). (٦) الآية ١٠ من الروم. (٧) تقدم برقم ١٧٣ . ٣٤٥ - البقرة -. ٤٤٩ - متى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنا في ديارنا ((مَنْ يفْعِلْ ذلكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضاعَفُ))(١)، ولذلك تُرِكَ العاطفُ، وَيُحْتمَل أن تكونَ حالاً ثانيةً، لا على أنها بدلٌ من الأولى، وذلك على رَأْي مَنْ يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحال. وقد مَنَع أبو البقاء هذا الوجه(٢) محتجًاً بأنَّ الحَالَ تُشْبِهُ المفعولَ به ولا يَعملُ العاملُ في مفعولَيْن على هذا الوصفِ، وهذا بناءً منه على أحد القولين، ويحتملُ أن يكونَ حالاً من فاعل ((يَسُومونكم)). وقُرىء: ((يَذْبَحُونِ)) بالتخفيف(٣)، والْأَوْلَى قراءةُ الجماعةِ لأنَّ الذبحَ متكرِّر (٤). فإِنْ قيل: لِمَ لَم يُؤْتَّ هنا بواو العَطْفِ، كما أُتِي بها في سورة إبراهيم(٥)؟ فالجوابُ أنه أُرِيدَ هنا التفسيرُ كما تقدَّم، وفي سورة إبراهيم معناه: يُعَذِّبونكم بالذَّبْحِ وبغيرِ الذبحِ. وقيل: يجوز أن تكونَ الواوُ زائدةً فتكونَ كَآيَةِ البقرة، واستدلَّ هذا القائلُ على زيادةِ الواوِ بقوله(٦): ٤٥٠ - فلَمَّا أَجَزْنَا ساحةَ الحِّي وانْتَحَى وقوله(٧). ٤٥١ - إلى المَلِكِ القَرْم وابنِ الهُمَامِ (١) الآية ٦٨ من الفرقان (٢) الإملاء ٣٥/١. (٣) قراءة الزهري وابن مخيصن: انظر: البحر ١٩٣/١؛ والقرطبي ٣٦٨/١. (٤) ي: «متكثر)). (٥) الآية ٦ من إبراهيم، ((يسومونكم سوء العذاب ويُذَبِّحون أبناءَكم)). (٦) البيت لامرىء القيس من معلقته، وعجزه: بنا بَطْنِ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقْقَلِ وهو في ديوانه ١٥؛ والأزهية ٢٤٤؛ والإنصاف ٤٥٧. وانتحى: اعترض، والحقف من الرمل: المِعْوجُّ، والعَقْقَل: المنعقد المتداخل. (٧) تقدم برقم ١٢١. وانظر: مسألة زيادة الواو في الإنصاف ٤٥٦ حيث أجازها الكوفيون. ٣٤٦ - البقرة - والجوابُ الأول هو (١) الْأَصْحُّ. والذَّبْحُ: أصلُه الشَّقُّ (٢)، ومنه: ((المذابحُ)) لأخاديدِ السيول في الأرض. و («أبناء)) جمع ابن، رَجَع به إلى أصله، فَرُدَّت لامُه، إمَّا الواوُ أو الياءُ حَسْبما تقدَّم. والأصلُ: ((أَبْناو)) أو ((أبناي)»، فَأُبْدِل حرفُ العلةِ همزةً لتطُرُّفِه بعد ألفٍ زائدةٍ، والمرادُ بهم الأطفالُ، وقيل: الرجالُ، وعَبَّر عنهم بالأبناءِ اعتباراً بما کانوا. قوله: ((وَيَسْتَحْيُون)) عطفُ على ما قبله، وأصلُه: يَسْتَحْيِيُون، فَأُعِلَّ بحَذْفِ الياءِ بعد (٣) حَذْفِ حركتها وقد تقدَّم بيانُه، فوزتُه يَسْتَفْعُون. والمراد بالنساءِ الأطفالُ، وإنما عَبَّر عنه بالنساءِ لمَآلِهِنَّ إلى ذلك. وقيل: المرادُ غيرُ الأطفالِ، كما قيل في الأبناء. ولامُ النساءِ الظاهرُ أنَّها من واوٍ لظهورها في مرادِفِه وهو نِسْوَان ونِسْوَة، ويُحْتمل (٤) أن تكونَ ياءً اشتقاقاً من النِّسْيان، وهل نساء جمعُ نِسوةٍ أو جمعُ امرأةٍ مِنْ حيث المعنى؟ قولان. قوله: ((وفي ذلكم بلاءٌ من رَبِّكُمْ عظيمٌ)) الجارُّ خبرٌ مقدَّمٌ، و((بلاءً» مبتدأ . ولامُه واوٌ لظهورِها في الفعلِ نحو: بَلَوْتُه، أَبْلُوه، ((ولَنَبْلُوَنَّكُمْ))(٥)، فَأَبْدِلَتْ همزةً. والبلاءُ يكون في الخيرِ والشّرِّ، قال تعالى: ((ونبلُوكم بالشرِّ والخيرِّ فِتْنَة))(٦) لأنَّ الابتلاءَ امتحانٌ فيمتحِنُ اللهُ عباده بالخيرِ ليشكُروا، وبالشرِّ ليصبِروا، وقال ابن كَيْسان: ((أبلاهُ وبَلاه في الخير)) وأنشد(٧): (١) ي: ((وهو)» بإقحام الواو. (٢) ص ح: ((السو)). (٣) ي: (بغير)). (٤) قَدَّمت نسخة ي وأخرت بين الأسطر، وأثبتنا الترتيب الصحيح من: ع. (٥) من الآية ١٥٥ من سورة البقرة. (٦) الآية ٣٥ من الأنبياء. (٧) البيت لزهير، وهو في ديوانه ١٠٩؛ والطبري ٤٩/٢؛ وشواهد الكشاف ٤٨٧/٤؛ ومعاني القرآن للزجاج ١٠٢/١. ٣٤٧ ۔۔ - البقرة - ٤٥٢ - جَزَى اللَّهُ بالخيراتِ مَا فَعَلا بكم وَأَبْلاهُمَا خيرَ البلاءِ الذِي يَبْلُو فَجَمَع بين اللغتين، وقيل: الأكثرُ في الخيرِ أَبْلَيْتُه، وفي الشرِّ بَلَوْتُه، وفي الاختبارِ ابْتَلَيْتُه وبَلَوْتُه، قال النحاس(١): ((فاسمُ الإِشارة من قوله: ((وفي ذلكم)) يجوزُ أن يكونَ إشارةً(٢) إلى الإِنجاء ((وهو خيرٌ مَحْبوب، ويجوز أن يكون إشارةً إلى الذَّبْحِ، وهو شرِّ مكروهٌ)). وقال الزمخشري: ((والبلاءُ: المِحْنَةُ إن أشير بـ ((ذلك)) إلى صنيع فرعون، والنعمةُ إن أشير به إلى الإِنجاء))، وهو حسن. وقال ابن عطية (٤): ((ذلكم)) إشارةٌ إلى جملةِ الأمر إذ هو خيرٌ فهو كمفردٍ حاضر)» كأنه يريدُ أنه أُشير به إلى مجموع الأمرين منّ الإِنجاءِ والذبح، ولهذا قال بعدَه: ((ويكونُ البلاءُ (٥) في الخيرِ والشر)) وهذا غيرُ بعيدٍ ، ومثله(٦): ٤٥٣ - إنَّ للخيرِ وللشَّرِّ مَدَى وكِلا ذلك وَجْهُ وَقَبَلْ و ((مِنْ ربكم)) متعلقٌ بـ ((بلاءً))، و((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ مجازاً. وقال أبو البقاء(٧): ((هو رفعٌ صفةٌ لـ ((بلاء)) فيتعلَّقُ بمحذوفٍ» وفي هذا نظرٌ، من حیث إنه إذا اجتمع صفتان، إحداهما(٨) صريحةٌ والأخرى مُؤَوَّلَةٌ قُدِّمَتِ الصَرِيحَةُ، حتى إنَّ بعضَ الناسِ يَجْعلُ ما سِواه ضرورةً. و ((عظيمٌ)) صفة لـ ((بلاء)) وقد تقدّم معناه مستوفىَّ في أول السورة. (١) ي: ((ابن النحاس)) ولم يرد في إعرابه. (٢) قوله: ((إشارة)) سقط من ع. (٣) الكشاف ٢٧٩/١ . (٤) التفسير ٢٦٦/١. (٥) ي: ((في البلاء)» بإقحام في. (٦) البيت لعبدالله بن الزبعرى، وهو في أوضح المسالك ٢٠٣/٢؛ وابن عقيل ٢٥١/٢؛ والأشموني ٤٣/٢؛ والدرر ٦٠/٢. والوجه: الجهة، والقبل: المحجة الواضحة. (٧) الإملاء ٣٦/١. (٨) ص ح: ((أحدهما)). ٣٤٨ - البقرة - آ. (٥٠) قوله تعالى: ﴿وإذا فَرَقْنا بكم البحرَ﴾ .. ((بكم)) الظاهرُ أنَّ الباءَ على بابها من كونِها داخلةً على الآلةِ فكأنه فَرَق بهم كما يُفْرَقُ بين الشيئين بما توسَّط(١) بينهما. وقال أبو البقاء(٢): ((ويجوز أن تكونَ المُعَدِّيّةَ كقولك: ذهبتُ بزيدٍ، فيكونُ التقدير: أَقْرَقْناكم(٣) البحرَ، ويكونُ بمعنى: ((وجاوَزْنا ببني إسرائيل البحرَ))(٤) وهذا قريبٌ من الأولِ. ويجوزُ أن تكونَ الباءُ للسبيَّة أي: بسببكم، ويجوزُ أن تكونَ للحالِ من ((البحر)) أَيْ: فَرَقْناه ملتِساً بكم، ونظّره الزمخشري (٥) بقولِ الشاعر(٦): تَدُوس بنا الجماجِمَ والتَّريبا ٤٥٤ - أي: تدوسُها ونحن راكبوها. قال أبو البقاء(٧): ((أي: فَرَقْنا البحرَ وأنتم به، فتكونُ إِمَّا حالاً مقدَّرةً أو مقارنةً)). قلت: وأُّ حاجةٍ إلى جَعْلِه إياها حالاً مقدَّرة وهو لم يكنْ مفروقاً إلا بهم حالَ كونِهم سالكينَ فيه؟ وقالَ أيضاً (٨): و(بكم)) في موضعِ نصبٍ مفعولٌ ثانٍ نَفَرَقْنا، و((البحرَ)) مفعولٌ أولُ، والباءُ هنا في معنى اللام)) وفيه نظرٌ؛ لأنه على تقديرٍ تسليم كون الباءِ بمعنى اللام فتكونُ لام العلَّةِ، والمجرورُ بلام العلةِ لا يُقال إنَّه مفعولٌ ثانٍ، لو قلتَ: (١) ي: ((موسط)). (٢) الإِملاء ٣٦/١. (٣) ي: ((أفرقنا بكم)). (٤) الآية ١٣٨ من الأعراف. (٥) الكشاف ٢٨٠/١. (٦) لم أهتد إلى قائله، وصدره : فمرَّتِ غيرَ نافرةٍ وهو في شواهد الكشاف ٣٣٨/٤؛ والبحر ١٩٧/١. (٧) الإِملاء ٣٦/١. (٨) الإملاء ٣٦/١. ٣٤٩ - البقرة :- ضَرَبْتُ زيداً لأجلك، لا يقولُ النحوي: ((ضَرَب))(١) يتعدَّى لاثنين إلى أحدهما بنفسه والآخر(٢) بحرفِ الجر. والفَرْقُ والفَلْقُ واحِدٌ، وهو الفصلُ والتمييز، ومنه ((وقُرْآناً فَرَقْنَاه))(٣) [أي: فَصَلْنَاهِ](٤) وميَّزَناه بالبيانٍ، والقرآنُ فرقانٌ لتمييزه بين الحقِّ والباطل وفَرْقُ الرأسِ لوضوحِهِ، والبحرُ أصله: الشِّقُّ الواسعُ، ومنه: البَجِيرة لشَقِّ أُذُنُها. والخلافُ المتقدِّمُ في النهر في كونِه حقيقةً في الماء أو في الأخذُودِ جارٍ هنا فَلْيُلْتَفَتْ إليه(٥). وهل يُطلَقُ على العَذْبِ بَحْرٌ، أو(٦) هو مختصُّ بالماءِ المِلْحِ؟ خلافٌ يأتي تحقيقُه في موضِعِه. ويقال: أَبْحَرَ الماءُ أي: صَار مِلْحاً قال نُصَيْب(٧): : ٤٥٥ - وقد عادَ ماءُ الأرضِ بَحْراً فزادني إلى مَرَضي أَنْ أَبْحَرَ المَشْرَبُ العَذْبُ والغَرَقُ: الرُّسوبُ في الماءِ، وتُجُوَّزَ به عن المُداخَلَةِ في الشيءِ، فيقال(٨): أَغْرَق فلانٌ في اللَّهْو، ويقال: غَرِقَ فهو غَرِقُ وغارِق، وقال أبو النجم (٩): (١) ي: ((ضربت)). (٢) ص ح: ((والأخرى)). (٣) الآية ١٠٦ من الإِسراء. (٤) سقط من: ي. (٥) انظر إعراب المؤلف للآية ٢٥ من البقرة. (٦) ي: (و)). (٧) القرطبي ٣٨٨/١. (٨) ع: ((فتقول)). (٩) القرطبي ٣٨٨/١ وقبله : فأصبحوا في الماء والخنادق ٣٥٠ - البقرة - ٤٥٦ - مِنْ بَيْنِ مقتولٍ وطافٍ غارِقٍ ويُطْلَقُ على القتلِ بأيّ نوعٍ كان، قال(١): أَلا لَيْتَ قَيْساً غَرَّقَتْهُ القَوائِلُ ٤٥٧ - والأصلُ فيه أن القابِلَةِ(٢) كانَتْ(٣) تُغَرِّق المولودَ في دَمِ السَّلَى (٤) عام القَحْطِ ليموتَ، ذكراً كان أو أنثى، ثم جُعِل كلُّ قَتْل تغريقاً. ومنه قول ذي الرمة (٥): ٤٥٨ - إذا غَرِّقَتْ أرباضُها ثِنْيَ بَكْرَةٍ بَيْهِاءَ لم تُصْبِحْ رَؤوماً سَلُوبُها قوله: ((وأنتم تنظرونَ)) جملةً من مبتدأ أو خبر في محلِّ نصبٍ على الحال من ((آل فرعون)» والعاملُ ((أَغْرقنا))، ويجوزُ أن يكونَ حالاً من مفعولٍ ((أَنْجَيْناكم)). والنظرُ يَحْتَمِلُ أن يكونَ بالبصرِ (٦) لأنهم كانوا يُبْصِرُون بعضَهم بعضاً لقُرْبِهِم. وقيل: إنَّ آلَ فرعون طَفَوْا على الماء فنظروا إليهم، وأن يكونَ بالبصيرةِ والاعتبار. وقيل: المعنى وأنتم بحالٍ مَنْ ينظرُ لو نَظَرْتُم، ولذلك لم يُذْكَرْ له مفعولٌ. (١) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ١٨٣، وصدره: أُطَوْرَيْنِ في عامٍ غَزاةٌ ورِحْلَةٌ وهو في القرطبي ٣٨٨/١. (٢) ص ح: ((المقابلة)). (٣) قوله: ((كانت)) سقط من ح ص. (٤) ع: ((السرة)). (٥) ديوانه ٧٠١؛ وإصلاح المنطق ٧٢؛ والقرطبي ٣٨٩/١. والأرياض: الحبال، والبكرة: الناقة الفتية، وثنيها: بطنها الثاني، وإنما لم تعطف على ولدها لتعبها، والسلوب: التي فارقت ولدها. يقول: إذا شدَّت الحبال عليها قتلت أولادها في بطونها ولم تقف عليه لاستعجالها . (٦) من قوله ((جملة)) إلى قوله ((بالبصر)) سقط من ح ص. ٣٥١ - البقرة- آ. (٥١) قوله تعالى: ﴿وَاعَدْنا﴾ .. قرأ(١) أبو عمروِ هنا وما كان مثلَه ثلاثياً، وقرأه الباقون: ((واعَدْنا)) بألف(٢). واختارَ أبو عُبَيْد قراءةَ أبي عمروٍ، ورجَّحها(٣) بأنَّ المواعدةَ إنما تكونُ من البشر، وأمَّ اللهُ تعالى فهو المنفردُ بالوَعْد والوعيد، على هذا وجَدْنا القرآن، نحو: ((وَعَد اللَّهُ الذين آمنوا منكم)) (٤) ((وَعَدكم اللهُ مغانمَ)) (٥) ((وعدَكم وَعْدَ الحق)»(٦) ((وإذْ يَعِدُكُمُ اللهُ))(٧)، وقال مكي (٨) مُرَجِّحاً لقراءةٍ أبي عمرو أيضاً: ((وأيضاً فإنَّ (٩) ظاهرَ اللفظِ فيه وَعْدٌ من اللهِ لموسى، وليسَ فيه وعدٌ مِنْ موسى فَوَجَبَ حَمْلُهُ على الواحدِ بظاهر النص)) ثم ذَكَر جماعةٌ جِلَّةٌ من القرَّاءِ عليها (١٠). وقال أبو حاتم مُرَجِّحاً لها أيضاً: ((قراءةُ العامَّة عندَنا: وَعَدْنا - بغيرِ ألفٍ - لأن المُواعَدَةَ أكثِرُ ما تكونُ من المخلوقين والمتكافئين)). وقد أجابَ الناس عن قول أبي عُيَيْد وأبي حاتم ومكي بأن المفاعلةَ هنا صحيحةٌ، بمعنى أنَّ موسى نَزَّل قبوله(١١) لالتزام الوفاءِ بمنزلة الوَعْدِ منه، أو أنَّه وَعَدَ أن يُعْنَى بما كلَّفه ربُّه. وقال مكي (١٢): ((المواعدة أصلُها من اثنين، وقد تأتي بمعنى فَعَل(١٣) نحو: (١) انظر: السبعة ١٥٤؛ الكشف عن وجوه القراءات ٢٣٩/١؛ النشر ٢٠٤/٢. (٢) ي: ((ألف)). (٣) انظر: الكشف ٢٣٩/١. (٤) الآية ٥٥ من سورة النور. (٥) الآية ١٠ من سورة الفتح. (٦) الآية ٢٢ من سورة إبراهيم. (٧) الآية ٧ من سورة الأنفال. (٨) الكشف ٢٣٩/١. (٩). ي: ((قال)). (١٠) ذكر أنها قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمر وقتادة وابن أبي إسحاق. (١١) ي: ((فقوله))، ص: ((قوله)) وكلاهما تحريف. (١٢) الكشف ٢٣٩/١. (١٣) عبارة مكي: من واحد. ٣٥٢ - البقرة - طارَقْتُ(١) النَّعْلِ))، فجعل القراءتين بمعنىٍّ واحد، والأولُ أحسنُ. ورجَّح قوم ((واعدنا). قال الكسائي: ((وليس قولُ الله: ((وَعَد الله الذين آمنوا))(٢) من هذا البابِ في شيء؛ لأن واعَدْنا موسى إنما هو من بابِ الموافاة، وليس من الوَعْد في شيء، وإنما هو من قولك(٣): مَوْعِدُك يومُ كذا وموضعُ كذا، والفصيحُ في هذا ((واعَدْنا)). وقال الزجاج(٤): ((واعَدْنَا)) بالألفِ جَيِّدٌ، لأن الطاعةَ في القَبول بمنزلةِ المواعدة، فمِنَ الله وَعْدٌ، ومِنْ موسى قَبولٌ واتِّاعٌ، فجرَى مَجْرَى المواعدة)). وقال مكي أيضاً(٥): ((والاختيارُ (واعَدْنا)) بالألفِ، لأنه بمعنى(٦) وَعَدَنْا، في أحدٍ مَعْنَيْهِ، وأنه لا بُدَّ لموسى من وَعْدٍ أو قبول يقُومُ مقَامَ الوعِدِ فَصَحّت المفاعلة)». و((وعدَ)) يتعدَّى لاثنين، فموسى مفعولٌ أولُ، وأربعين مفعولٌ ثانٍ، ولا بُدَّ من حَذْفِ مضاف، أي: تمامَ أربعين، ولا يجوزُ أن ينتصِبَ على الظرفِ لفسادٍ المعنى وعلامةُ نصبه الياءُ لأنه جارٍ مَجْرىٌ جَمْعِ المذكر السالم، وهو في الأصلِ مفرد اسمُ جمعٍ ، سُمِّ به هذا العَقْدُ من العَدَد(٧)، ولذلك أَعْربه بعضُهم بالحركاتِ ومنه في أحدٍ القولين قولُه(٨): ٤٥٩ - وماذا يَبْتَغِي الشعراءُ مني وقد جاوَزْتُ حَدَّ الأربعينِ (١) طارق النعل: صيِّرها طاقاً فوق طاق. (٢) الآية ٥٥ من النور. (٣) ي: «فول)). (٤) معاني القرآن ١٠٤/١. (٥) الكشف ٢٤٠/١. (٦) قوله ((بمعنى)) سقط من ص. (٧) ع: ((من العدد به)) بإقحام ((به)). (٨) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٥٧٧؛ أو سحيم بن وثيل؛ والأصمعيات ١٩؛ وابن يعيش ١١/٥؛ وأوضح المسالك ٤٤/١؛ والخزانة ٤١١/٣؛ والدرر ٢٢/١. ٣٥٣ - البقرة - بكسر النون، و«ليلةً)) نصبٌ على التمييز، والعُقود التي هي منَ عِشْرِينَ إلى تسعين وأحدَ عشرَ إلى تسعةَ عشرَ كلُّها تُمَّيَّز بواحدٍ منصوبٍ. وموسى: اسمٌ(١) أعجمي [غيرُ منصرفٍ](٢)، وهو في الأصل على ما يُقال مركبٌ، والأصل: مُوشِى - بالشين - لأنَّ ((ماء)) بلغتهم يقال له: ((ُو)) والشجر يقال له ((شاء)) فعرَّبته العربُ فقالوا موسى (٣)، قالوا: وقد لَقِيه آل فرعون عند ماءٍ وشجرٍ. واختلافُهم في موسى: هل هو مُفْعَل مشتقٌّ من أَوْسَيْتُ رأسَهُ إذا حلقتُه فهو مُوسى، كأعطيتُه فهو مُعْطَىَّ، أو هو فُعْلَى مشتقٌّ من ماسَ يميس أي: يتبخترُ فِي مِشْيَتَه ويتحرَّلُكُ، فَقُلِبَتِ الياءُ واواً لانضمامِ ما قبلَها كمُوْقِن من اليقين، [وهذا](٤) إنما هو [في](٥) مُوسى الحديدِ التي هي آلهُ الحَلْقِ، لأنها تتحرَّك وتضطربُ عند الحَلْقِ بها، وليس لموسى اسم النبي عليه السلام اشتقاقٌ لأنه أعجميٍّ . قوله: (ثم اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ)) اتَّخذ يتعدَّى لإِثنين، والمفعولُ الثاني محذوفٌ أي: ثم اتخذتم العجلَ إلهاً. وقد يتعدَّى لمفعولٍ واحد إذا كان معناه عَمِل وجَعَل نحو: ((وقالوا اتَّخذَ اللهُ ولداً))(٦)، وقال بعضُهم: تَخِذَ واتَّخَذَ يتعذَّيانِ لاثنين مَا لَمْ يُفْهِمَا كَسْباً، فيتعدَّيان لواحدٍ. واختُلِفَ فِي اتَّخَذَ فقيل: هو اقْتَعلَ من الأخْذ والأصلُ: اأتخذ الأولى همزةُ وصلٍ والثانيةُ فَاءٌ الكلمةِ فاجتمع همزتان ثانيتُهما (٧) ساكنةٌ بعد أخرى، فَوَجَبَ قلبها ياءً كإيمان، (١) سقط من: ي ص. (٢) سقط من: ي. (٣) من قوله ((بالشين)) إلى قوله ((موسى)) سقط من ح ص .. (٤) زيادة لضرورة فهم السياق. (٥) سقط من: ي. (٦) الآية ١١٦° من البقرة (٧) ص ح: ((ما بينهما)). ٣٫٥٤ - البقرة - فَوَقَعَت الياءُ فاءً قبلَ تاءِ الافتعالِ فَأُبْدِلَتْ تاءً وأُدْغِمَت في تاءِ الافتعال كأَّسر مِن الْيُسْرِ، إلَّ أنَّ هذا قليلٌ في باب الهمز نحو: اتَّكل من الأكْلِ واتَّزَرَ من الإِزارِ. وقال أبو علي: هو افْتَعَلَ من تَخِذَ يَتْخِذُ، وأنشد(١): ٤٦٠ - وقد تَخِذّتْ رِجْلي إلى جَنْبِ غَرْزِهَا نَسيفاً كأُفْحوصِ القَطاةِ المُطَرِّقِ وقال تعالى: (لَتَخِذْتَ عليه أَجْرًا))(٢) وهذا أسهلُ القَوْلَيْن. والقُرَّاءُ (٣) على إدغامِ الذالِ في التاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجِهما، وابن كثير وعاصم (٤) في رواية حَفْصٍ بالإِظهار، وهذا الخلافُ جارٍ في المفردِ نحو: اتَّخَذْتُ، والجمع نحو: اتَّخَذْتُم، وأَتى في هذه الجملة بـ((ثُمَّ) دلالةً على أَنَّ الاتخاذَ كان بعدَ المواعدة بِمُهْلَةٍ . قوله: ((مِنْ بعدِه)) متعلَّقٌ باتَّخَذْتُمْ، و((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ، والضميرُ يعودُ على موسى، ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ، أي: مِنْ بعدِ انطلاقِه أو مُضِيِّهِ، وقال ابنُ عطية(٥): «يعودُ على موسى [وقيل: على انطلاقِه للتكليمِ، وقيل: على الوَعْد، وفي كلامِه بعضُ مناقشةٍ، فإنَّ قولَه: ((وقيل يعودُ على انطلاقِه)) يَقْتَضي عَوْدَه على موسى](٦) من غيرِ تقدير مضافٍ وذلك غيرُ مُتَصَوَّرٍ. (١) البيت للممزق العبدي، وهو في الحيوان ٢٩٨/٢؛ ومفردات الراغب ٧٠؛ واللسان: فحص، ومجالس العلماء ٣٣٣؛ والخصائص ٢٨٧/٢؛ والعيني ٥٩٠/٤. والغرز: ركاب الرحل من جلد، والنسيف: أثر ركض الرجل بجنبي البعير، والقطاة المطرق: التي حان خروج بيضها، والأفحوص: مجثمها. (٢) الآية ٧٧ من الكهف وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. السبعة ٣٩٦. (٣) انظر: السبعة ١٥٤. (٤) عاصم بن أبي النجود، الكوفي، أحد السبعة، عرض على السلمي وأخذ عنه حفص وحماد، ثبت توفي سنة ١٢٧. طبقات القراء ٣٤٦/١. (٥) التفسير ٢٧١/١. (٦) سقط من: ي. ٣٥٥ - البقرة .- قوله: ((وأنتم ظالمون)) جملةٌ حاليةٌ من فاعل ((اتَّخَذْتُمْ)). آ. (٥٢) قوله تعالى: [﴿ثم عَفَوْنا عنكم﴾] .. والعَفْوُ: المَحْوُ، ومنه ((عَفَا اللهُ عنكم)) أي: مَحَا ذنوبَكَم، والعَافيةُ لأنها تَمْحُو السُّقْمَ، وعَفَتِ الريحُ الأثرَ، قال(١): ٤٦١ - فُتُوضِحَ فالمِقْرَاةِ لم يَعْفُ رَسْمُهَا لِمَا نَسَجَتْها مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلٍ وقيل: عَفا كذا أي: كَثُرَ، ومنه ((وَأَعْفوا اللَّحى))(٢) فيكونُ من الأضداد. وقال ابنُ عطية (٣): ((العَقْوُ تغطيةُ الأثرِ وإذهابُ الحالِ الأول من الذَّنْب أو غيرهُ ولا يُسْتَعْمَلُ العَقْوُ بمعنى الصَّفْحِ (٤) إلا في الذَّنْبَ)). وهذا(٥) الذي قاله [قريبٌ](٦) من تفسير الغُفْرانِ، لأنَّ الغَفْرَ التغطيةُ والسَّتْرِ، ومنه: المِغْفَرُ، ولكِنْ قد فُرِّق(٧) بينهما بأنَّ العفوَ يجوزُ أن يكونَ بعد العُقوبَةِ فيجتمِعُ معها، وأمَّا الغُفْرَان فلا يكونُ مع عقوبةٍ. وقال الراغب (٨): ((العَقْوُ: القَصْدُ لِتَناوُلِ الشيءِ، يُقال: عَفَاه واعْتَفَاه أي قَصَده مُتَناولا ما عندَه، وَعَفَتِ الريحُ الترابَ قَصَدَتْها متناولةً آثارَها، وعَفَتِ الديارُ كأنها قَصَدَتْ نحو البِلَى، وعَفَا النبتُ والشَّعْرُ قَصَدَ تِناولَ الزيادةِ، وعَفَوْتُ عنك كأنه قَصَد إزالَة ذَنْبِه صارِفاً عنه، وَأَعْفَيْتُ كذا أي تركْتُه يَعْفُو ويكثُر ومنه ((وَأَعْفُوا اللُّحى))(٩) فَجَعَلَ القصدَ قَدْراً (١) البيت لامرىء القيس من معلقته، وهو في ديوانه ٨. (٢) رواه البخاري (فتح الباري)؛ اللباس ٣٥١/١٠؛ أحمد ١٦/٢. (٣) التفسير ٢٧٣/١. (٤) في مطبوعة ابن عطية: ((الصلح)). (٥) ص ح: ((وهنا)). (٦) سقط من: ي. (٧) ي: ((قرن)». (٨) المفردات ٣٥١ :. (٩) البخاري (الفتح)؛ اللباس ٣٥١/١٠؛ أحمد ١٦/٢. ٣٥٦ - البقرة - مشتركاً في العَفْو، وهذا ينفي كونَه من الأضداد، وهو كلامٌ حَسَنٌ، وقال الشاعر (١): ٤٦٢ - إذا ردًّ عافي القِدْرِ مَنْ يَسْتَغِيرُها معناه: أنَّ العافِيَ هنا ما يَبْقَى في القِدْرِ مِنَ المَرَقِ ونحوِهِ، فإذا أرادَ أحدٌ [أَنْ] يستعيرَ القِدْرَ يُعَلَّلُ صاحبَها بالعافي الذي فيها، فالعافي فاعل، ومَنْ يستعيرُها مفعولٌ، وهو من الإِسنادِ (٢) المجازي لأنَّ الرادَّ في الحقيقة صاحبُ القِدْر بسببِ العافي . وقوله: ((تشكرون)) في محلِّ رفعٍ خبرُ ((لعلَّ))، وقد تقدَّم تفسيرُ الشكر عند ذكر الحَمْدِ. وقال الراغب(٣): ((وهو تَصَوُّرُ النِّعْمَةِ وإظهارُها، وقيل: هو مَقْلُوبٌ عن الكَشْرِ أي الكَشْف (٤) وهو ضدُّ الكفر، فإنه تَغْطِيَةُ النِّعْمَةِ. وقيل: أصلُه من عَيْنَ شَكْرى أي ممتلئةُ، فهو على هذا الامتلاءُ مِنْ ذِكر المُنْعَمِ عليه)). وشَكَر مِن الأفعالِ المتعدِّية بِنفسِها تارةً وبحرفِ الجرِّ أخرى وليسَ أحدُهما أصلاً للآخَر على الصحيحِ، فَمِنَ المتعدِّي بنفسِه قولُ عمرو ابن لُحَيّ(٥): ٤٦٣ - همُ جمَعُوا بُوسَى ونُعْمَى عليكُمُ فَهَلَا شكرْتَ القومَ إذ لم تُقاتِلِ (١) البيت للأعشى وصدره: فلا تَصْرميني وأسألي ما خليفتي وهو في ديوانه ٣٧١؛ وشواهد الكشاف ٣٩٣/٤. (٢) قوله: ((الإِسناد)) سقط من ح. (٣) المفردات ٢٧٢. (٤) ص: ((الكف)). (٥) الطبري ٢١٢/٣؛ معاني القرآن للفراء ٩٢/١؛ والبحر ٤٤٧/١. والبؤسَى والنعمى: البؤس والنعمة . ٣٥٧ - البقرة :- ومن المتعدِّي (١) بحرفِ الجرِّ قولُه تعالى: ((واشكروا لي))(٢) وسيأتي [هناك](٣) تحقيقُه. آ. (٥٣) قوله تعالى: ﴿الكتابَ والفرقانَ﴾ .. مفعولٌ ثانٍ لآتيناً، وهل المرادُ بالكتاب والفرقانِ شيءٌ واحدٌ وهو التوراةُ؟ كأنه قيل: الجامعُ بَيْنَ كونِه كتاباً مُنَزَّلاً وفرقاناً يَفْرُق بينِ الحقِّ والباطلِ ، نحو: رأيت الغيثَ والليثَ، وهو من باب قوله (٤). ٤٦٤ - إلى المَلِك القَرْمِ وابنِ الهُمامِ أو لأنه لمَّا اختَلَفَ اللفظُ (٥) جازَ(٦) ذلك كقوله(٧): ٤٦٥ - فَقَدَّمَتِ الْأَدِيمَ لراهِشَيْهِ وَأَلْفَى قولَهاَ كَذِباً وَمَيْنَا وقوله(٨): وهندٌ أتى مِنْ دَوْنِها النَّيُّ والبُعْدُ ٤٦٦ - (١) ي: ((التعدي)). (٢) الآية ١٥٢ من البقرة. (٣) سقط من: ي. (٤) تقديم برقم ١٢١. (٥) ي: ((باللفظ)). (٦) ي: («صار)). (٧) البيت لعدي بن زيد وهو في ديوانه ١٨٣؛ والمغني ٣٩٥؛ والهمع ١٢٩/٢؛ والدرر ١٦٧/٢٠؛ والراهشان: العرقان الظاهران في الذراعين. (٨) البيت للحطيئة وصدره: ألا حبَّذا هندَ وأرضٌ بها هِنْدُ وهو في ديوانه ١٤٠؛ وأمالي الشجري ٣٦/٢؛ وابن يعيش ١٠/١٠؛ والدرر ٢/ ٠٠١١٥ ٣٥٨ - البقرة - وقولهِ(١): أَقْوَى وأَقْفَرَ بعدَ أُمِّ الهَيْثُمِ ٤٦٧ - قال النحاس (٢): ((هذا إنما يجوزُ في الشِّعْرِ، فالأحسنُ أن يُرادَ بالفرقان ما علَّمه اللهُ موسى من الفَرْق بين الحق والباطل)). وقيل: الواوُ زائدة، و ((الفرقان)) نعتٌ للكتاب أو ((الكتابُ)) التوراةُ، و((الفرقانُ)) ما فُرِّق به (٣) بين الكُفْرِ والإِيمانِ، كالآياتِ من نحو العَصا واليد، أو ما فُرِّقَ به بين الحلالِ والحرام من الشرائع. والفُرْقَانُ في الأصلِ مصدرٌ مثلُ الغُفْران. وقد تقدَّمَ معناه في ((فَرَقْنَا بِكُم البحرَ))(٤). وقيل: الفرقانُ هنا اسمٌ للقرآنِ، قالوا: والتقديرُ: وَلَقَدْ آتَيْنا موسى الكتابَ ومحمداً الفرقانَ. قال النحاس(٥): ((هذا خطأً في الإِعرابِ والمعنى، أمَّا الإِعرابُ فلأنَّ المعطوفَ على الشيءٍ (٦) مثلُه، وهذا يخالِفُه، وأمَّا المعنى فلقوله: ((ولقد آتَيْنا موسى وهرونَ الفُرْقَانَ))(٧). آ. (٥٤) قوله تعالى: ﴿يا قوم﴾ .. اعلم أنَّ في المنادى المضافِ إلى ياء المتكلم ستَّ لغاتٍ أفصحُها: حَذْفُها مُجْتَزَأَ منها بالكسرةِ وهي لغةُ القرآن، (١) البيت لعنترة من معلقته وصدره: حُيِّتَ مِن طَلَلٍ تَقَادَمَ عهدُه وهو في ديوانه ١٨٥؛ والقصائد العشر للتبريزي ٣٢٠. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٧٥/١ . (٣) سقط قوله ((به)) من ي. (٤) الآية ٥٠ من البقرة. (٥) إعراب القرآن له ١٧٥/١ . (٦) ي: «شيء». (٧) الآية ٤٨ من الأنبياء . ٣٥٩ " - البقرة: الثانية: ثبوتُ الياءِ ساكنةً، الثالثة: ثبوتُها مفتوحةً، الرابعةُ: قَلْبُهَا ألفاً، الخامسةُ: حَذْفُ هذِه الألفِ والاجتزاءُ عنها بالفتحةِ كقوله(١): ٤٦٨ - ولَسْتُ بِراجعٍ ما فاتَ مِنِّ بِلَهْفَ ولا بِلَيْتَ ولا لَوَنِّي أي: بقولي يا لَهْفا، السادسة: بناءُ المضاف إليها على الضمِّ تشبيهاً بالمفرد، نحو قراءةٍ مَنْ قَرَأ: ((قال ربُّ احكُمْ بالحقِّ))(٢). قال بعضُهم: ((لأنّ ((يا قوم)) في تقدير: يا أيُّها القومُ)) وهذا ليس بشيءٍ . والقومُ: اسمُ جمْعٍ ، لأنَّه دالٌّ على أكثرَ مِن اثنين، وليس له واحدٌ من لفظِهِ ولا هو على صيغةٍ مختصَّةٍ بالتكسيرِ، ومفردُه رَجُل، واشتقاقُه من قام بالأمرِ يَقُوم به، قال تعالى: ((الرجالُ قَوَّامون على النساءِ))(٣)، والأصلُ فِي إطلاقِهِ على الرجال، ولذلك قُوبل بالنساءِ في قولهِ: ((لا يَسْخَرْ قومٌ مِنْ قومٍ ، ولا نساءٌ من نساءٍ)»(٤) وفي قولٍ زهير (٥): ٤٦٩ - وما أَدْرِي وسوفُ إخالُ أَدْري أقومُ آلُ حِصْنٍ أم نِسَاءُ وأما قوله تعالى: ((كَذَّبَتْ قومُ نوحٍ))(٦) و((كَذَّبَتْ قومُ لوط))(٧). والمكذِّبون رجالٌ ونساء فإنما (٨) ذلك من باب التغليب، ولا يجوزُ أن يُطْلَّقْ (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في المحتسب ٣٢٣/١؛ وأمالي الشجري ٧٤/٢؛ والإنصاف ٣٩٠؛ والممتع ٦٢٢؛ والمقرب ١٨١/١؛ ورصف المباني ٢٨٨؛ والتاج: لهف؛ وشواهد الشافية ٢٠٨؛ والعيني ٢٤٨/٤؛ والدرر ٦٩/٢؛ والخزانة ٦٣/١. (٢) الآية ١١٢ من الأنبياء، وهي قراءة أبي جعفر. انظر: زاد المسير ٣٩٩/٥. (٣) الآية ٣٤ من النساء. (٤) الآية ١١ من الحجرات. (٥) ديوانه ٧٣؛ والطمع ١٥٣/١؛ والدرر ١٣٦/١. (٦) الآية ١٠٥ من الشعراء. (٧) الآية ١٦٠ من الشعراء. (٨) ص ح: ((قائمًا)». ٣٦٠