Indexed OCR Text

Pages 321-340

- البقرة -
بالباطلِ فلا يتميُّزَ. وقال الزمخشري(١): ((إنْ كانت صلةً مثلَها في قولك
لَبَسْتَ الشيء بالشيء وخَلَطْتُه به كان المعنى: ولا تكتُبوا(٢) في التوراة ما ليس
فيها فيختلِطَ الحقُّ المُنَزَّلُ بالباطلِ الذي كتبتم. وإن كانت باءَ الاستعانةِ كالتي
في قولك: كتْتُ بالقلَمِ كان المعنى: ولا(٣) تجعلوا الحقَّ مشتبهاً بباطِلكم
الذي تكتبونَه)) فأجازَ فيها وجهين كما ترى، ولا يريدُ بقوله: ((صلة)) أنها زائدةٌ
بل يريدُ أنها مُوصِلَةٌ(٤) للفعلِ، كما تقدَّم. قال الشيخ (٥): ((وفي جَعْلِه إياها
للاستعانةِ بُعْدٌ وصَرْفٌ عن الظاهرِ مِنْ غيرِ ضرورةٍ، ولا أدري ما هذا
الاستبعادُ مع وُضوحِ هذا المعنى الحَسَن؟.
قوله: ((وَتَكْتُموا الحقَّ) فيه وجهان، أحدُهما وهو الأظهرُ: أنَّه مجزومٌ
بالعطفِ على الفعلِ قبلَه، نهاهم عن كلِّ فِعل على حِدَتِه أي: لا تفعلوا (٦)
لا هذا ولا هذا. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمارِ ((أَنْ)) في جوابِ النهي بعد الواو
التي تقتضي المعيةً، أي: لا تَجْمَعوا بين لَبْسِ الحق بالباطل وكتمانِه،
ومنه (٧):
٤١١ - لَ تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مِثْلَه عارٌ عليكَ - إذا فَعَلْتَ - عظيمُ
(١) الكشاف ٢٧٦/١.
(٢) ع: ((ولا تلبسوا)).
(٣) ص ح: ((فلا).
(٤) ص ح: ((موصولة).
(٥) البحر ١٧٩/١ .
(٦) ي: ((إلا)).
(٧) البيت للأخطل، أو المتوكل الكناني أو أبي الأسود الدؤلي، وهو في ملحق ديوانه
أبي الأسود ١٣٠؛ والكتاب ٤٢٤/١؛ والمقتضب ١٦/٢؛ وحماسة البحتري ١٧٤؛
وابن يعيش ٢٤/٧؛ وشذور الذهب ٢٣٨؛ والعيني ٣٩٣/٤؛ والخزانة ٦١٧/٣؛
والدرر ٩/٢.
٣٢١

- البقرة -
و((أَنْ)) مع ما فِي حِيِّزها في تأويلِ مصدرٍ، فلا بُدَّ من تأويلِ الفعلِ
الذي قبلَها بمصدرٍ أيضاً ليصِحَّ عَطْفُ الاسمِ على مثله، والتقديرُ: لا يكُنْ
منكم ◌َبْسُ الحقِ بالباطِل وكتمانُه، وكذا [سائرُ](١) نظائره. وقال الكوفيون(٢):
(منصوبٌ بواو الصرف))، وقد تقدَّم معناه، والوجهُ الأولُ أَحْسَنُ لأنه نَهْيٌ عن
كلِّ فِعْلٍ على حِدَتِه. وأمَّا الوجهُ الثاني فإنه نَهْيٌ عن الجمع، ولا يَلْزَمُ مِن
النهيِ عن الجمعِ بين الشيئين النهيُّ عن كلُّ واحدٍ على حِدَتِه إلا بدليل
خارجي .
واللَّبْسُ: الخَلْطُ والمَزْجُ، يُقال(٣): لَبَسْتُ عليه الأمرَ أَلْبِسُه خَلَطْتُ بيِّنَهُ
بُمُشْكِلهِ، ومنه قولُ الخَنْساءِ(٤):
رُشْداً وهيهاتَ فانظُرْ ما به التبا
٤١٢ - ترى الجليسَ يقولُ الحقِّ تَحْسَبُه
والبِسْ عليه أموراً مثلَ ما لَبْبنا
صَدِّقْ مقالتَه واحذَرْ عَداوَتَهُ
وقال العجَّاج(٥)
غَنِيْنَ واسْتَبْدَلْنَ زيداً مِنِّي
٤١٣ - لَمَّا لَبَسْنَ الحقِّ بالتجنّي
ومنه أيضاً(٦):
٤١٤ - وقد لَبَسْتُ لِهذا الأمرَ أَعْصُرَهُ
حتى تَجَلِّل رأسي الشيبُ فاشْتَعلا
وفي فلان مَلْبَسُ أي: مُسْتَمْتَعٌ، قال(٧):
(١) سقط من: ي.
(٢) انظر المسألة في: الإنصاف ٥٥٥.
(٣) ص ح: ((تقول)).
(٤) ليسا في ديوانها، وهما في القرطبي ٣٤٠/١.
(٥) ديوانه ٢٧٩/١؛ والقرطبي ٣٤١/١.
(٦) البيت للأخطل وهو في ديوانه ١٥٥؛ والقرطبي ٣٤١/١.
(٧) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ١٠٨؛ والقرطبي ٣٤١/١؛ والقنوة: الكَسْبة.
٣٢٢

- البقرة -
٤١٥ - ألا إنَّ بعدَ العُدْمِ للمَرْءِ قُنْوَةً وبعدَ المشيبِ طولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا
وقولُ الفَرَّار(١):
حتى إذا التّبَسَتْ نَفَضْتُ لها يَدِي
٤١٦ - وكتيبةٍ لَبَّسْتُها بكتيبةٍ
يحتمل أن يكونَ منه وأن يكونَ من اللَّباس، والآيةُ الكريمةُ تحتمِلُ المعنيين
أي: لا تُغَطُّوا الحقِّ بالباطِلِ .
والباطلُ ضدُّ الحقِّ، وهو الزائلُ، كقولٍ لبيد(٢):
٤١٧ - ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللَّهَ باطِلُ
وقد بَطَل يَبْطُلُ بُطولاً وبُطْلًا وبُطْلاناً. والبَطَلُ: الشجاعُ، سُمِّي بذلك
لأنه يُبْطِلِ شَجاعةً غيرِهِ. وقيل: لأنه يُبْطِلَ دمَه، فهو فَعَل بمعنى مَفْعولٍ،
وقيل: لأنه يُبْطِلُ دمَ غيرِهِ فهو (٣) بمعنى فاعلِ. وقد بَطْل [بالضم](٤) يَبْطُل
بُطولاً وبَطالة أي: صارَ شجاعاً. قال النابغة(٥):
٤١٨ - لھُمْ لِواءً بأيدي ماجدٍ بَطَلٍ
لا يقطّعُ الخَرْقَ إلا طَرْفُه سامي
وبَطَل الأجيرُ - بالفتح - بِطالة بالكسر(٦): إذا تَعَطَّل فهو بَطَّلٌ، وذهب
دَمُه بُطْلًا(٧) _ بالضم - أَي: مَدْراً.
قولُه: ((وأنْتُمْ تَعْلَمُون)) جملةً من مبتدأ وخبرٍ في محلُّ نَصْبٍ(٨) على
(١) وهو الفرار السلمي، والبيت في الحماسة ١١٠/١.
(٢) تقدم برقم ٣٨٤.
(٣) ص ح: ((فهي)).
(٤) سقط من: ي.
(٥) ديوانه ٢٢١ برواية: بكفّئْ ماجد.
(٦) ضبطها في الصحاح - بطل - بالفتح.
(٧) ي: ((بطلاناً)).
(٨) ص ح: ((نصبه)).
٣٢٣

- البقرة -
الحال، وعامُلها: إمَّا تَلْبِسوا أو تَكْتُموا، إلَّ أَنَّ عَمَل ((تكتموا)) أَوْلَى لوجهين،
أحدُهما: أنه أقربُ. والثاني: أنَّ كُتْمانَ الحقِّ مع العلمِ به أَبْلَغُ ذمًَّ، وفيه
نوعُ(١) مقابلةٍ. ولا يجوزُ أن تكونَ المسألةُ من بابِ الإِعمال، لأنه يَسْتدعي
الإِضمارَ، ولا يجوزُ إضمارُ الحال، لأنه لا يكونُ إلا نكرةً، ولذلك مَنَّعوا
الإِخبارَ عنه بالذي (٢). فإِنْ قيل: تكونُ المسألةُ من باب الإِعمال على معنى
أَنَّا حَذَقْنَا من الأولِ ما أثبتناه في الثاني من غيرِ إضمارٍ، حتى لا يَلْزَمَ المحذورُ
المذكورُ والتقديرُ: ولا تَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ وأنتم تعلمون، ولا تَكْتُمُوا الحقِّ
وأنتم تَعْلَمون. فالجوابُ أنَّ هذا لا يُقال فيه إعمالٌ، لأنَّ الإِعمالَ يَسْتَدْعِي أَنْ
يُضْمَرَ في المهمل ثم يُحْذَفَ. وأجاز ابن عطية(٣) ألَّ تكونَ هذه الجملةُ حالاً
فإنه قال: ((ويُحْتمل أن تكونَ شهادةً عليهم بِعِلْمِ حقّ مخصوصٍ في أمرٍ
محمدٍ عليه السلام، ولم يَشْهَدْ لهم بالعلمِ [على الإطلاق](٤)، فعلى هذا
لا تكونُ الجملةُ في موضعِ الحال)»(٥) وفيما قاله نظرً.
وَقُرىء شاذاً(٦): (وَتَكْتُمُونَ)) بالرفع، وخَرَّجوها على أنها(٧) حالٌ. وهذا
غيرُ صحيحٍ لأنه مضارعٌ مُثْبَتْ، فمِنْ حَقِّه ألَّ يقترنَ بالواوِ، وما وَرَد(٨) من
(١) ح: ((يدع).
(٢) الأخبار بالذي: أن يقول القائل: أَخْبر عن زيد من قولك: ضربت زيداً فتقول: الذي
ضربته زيد. انظر: ابن عقيل ٣١٣/٢.
(٣) التفسير ٢٥٦/١.
(٤) زيادة من ع.
(٥) يعني أن الجملة تكون معطوفةً على ما قبلها، فيكون الله قد نعى عليهم كتمهم الحق مع
علمهم أنه حق. انظر: البحر المحيط ١٨٠/١.
(٦) قراءة عبد الله. البحر ١٨٠/١.
(٧) ص ح: ((أنه)).
(٨) ي: «وما».
٣٢٤

- البقرة -
ذلك فهو مؤولّ بإضمار مبتدأ قبلَه نحو قَولِهم: ((قُمْتُ وأَصُكُّ عينَه)»، وقولِ
الآخر (١):
٤١٩ - فلَمَّا خَشِيْتُ أظافيرَهُمْ نَجَوْتُ وأَرْهُنُهُمْ مالِكًا
أي: وأنا أصُكُ، وأنا أَرْهُنهم، وكذا: وأنتم تَكْتُمون، إلَّ أنه يَلْزَمُ منه
إشكالٌ آخرُ، وهو أنهم مَنْهِيُّون عن اللَّبْسِ مطلقاً، والحالُ قَيْدٌ(٢) في الجملةِ
السابقةِ فيكونُ قد نُهُوا بقيدٍ (٣)، وليسَ ذلك مُراداً، إلا أَنْ يُقال: إنَّها حالٌ
لازمةٌ، وقد قَدَّره الزمخشري(٤) بكاتِمين، فَجَعَله حالاً، وفيه الإِشكالُ
المتقدِّم، إلَّ أَنْ يكونَ أرادَ تفسيرَ المعنى لا تفسيرَ الإِعرابِ. ويجوزُ أن تكونَ
جملةً خبريةٌ عُطِفَتْ(٥) على جملةٍ طلبيةٍ، كأنَّه تعالى نَعَى عليهم كَتْمَهُمْ
الحقِّ مع عِلْمِهِم أنَّه حق. ومفعولُ العلمِ غيرُ مرادٍ لأنَّ المعنى: وأنتم مِنْ
ذوي العلمِ. وقيلَ: حُذِفَ للعلمِ به، والتقديرُ: تَعْلَمُون الحقَّ من الباطِلِ .
وقَدَّره الزمخشري (٦) ((وأنتم تَعْلَمُون في حالٍ عِلْمِكُم أنّكم لابسونَ كاتمون)»،
فَجَعَل المفعولَ اللَّبْسَ والكتَ المفهومَيْنِ من الفعلَيْن السابقَيْن، وهذا حَسَنٌ
جداً.
قوله: ((وأَقيموا الصلاة)) هذه الجملةُ وما بعدَهَا عطفُ على الجملةِ
قبلَها، عطفَ أمراً (٧) على نَهْي. وأصلُ أَقيموا: ((أَقْوِمُوا)) فَفُعِل به ما فُعِلَ
(١) البيت لعبدالله بن همام السلولي، وهو في المقرب ١٥٥/١، واللسان: رهن، والأشموني
١٧٨/٢؛ والهمع ٩٦/١؛ والدرر ٢٠٣/١. والأظافر: ج أظفور، والمراد به هنا
السلاح.
(٢) ص ح: ((فيه)).
(٣) ص ح: ((بعيدا)).
(٤) الكشاف ٢٧٧/١.
(٥) ص ح: ((عطف)).
(٦) الكشاف ٢٧٧/١.
(٧) ص ح: ((أمر)).
٣٢٥

- البقرة -
بـ ((يُقيمون))(١) وقد تقدَّم، وأصلُ آتُوا: أْتِيُوا بهمزتين مثل: أَكْرِموا، فَقُلِبَتْ الثانيةُ
ألفاً لسكونِها بعدَ همزةٍ مفتوحةٍ، واسْتُثْقِلَتِ الضَّمةُ على الياءِ فَحُذِفَت فالتقى
ساكنان: الياءُ والواوُ، فَحُذِفَتِ الياءُ (٢) لأنها أَوَّلُ، وحُرِّكَتِ التاءُ بحركتِها.
وقيل: بل ضُمَّتِ تَبَعاً للواو، كما ضُمَّ(٣) آخِرُ ((اضْرِبُوا)) ونحوه، ووزنه: أَفْعُوا
بحذف اللام.
وألفُ (الزكاة)) من واو لقولهم: زَكْوات، وزَكا يَزْكُو، وهي النُمُوُّ، وقيل:
الطهارةُ، وقيل: أصلُها الثناءُ الجميلُ ومنه ((زَكَّى القاضي الشهودَ))، والزَّكا:
[الزوجُ](٤) صارَ زَوْجاً بزيادةٍ فردٍ آخرَ عليه. والخَسا: الفَرْدُ، قال(٥):
٤٢٠ - كانوا خَسَاً أَوزَكاً من دون أربعةٍ
قوله: ((مع الراكعينَ)) منصوبٌ باركَعوا. والركوعُ: الطمأنينةُ والانحناءُ،
ومنه قوله(٦):
لَم يَخْلُقوا وُدودُ الناسِ تَعْتِلِجُ
٤٢١ - أُخَبِّرُ أَخْبَارَ القرونِ التي مَضَتْ أَدِبُّ كَأَّنِي كُلَّمَا قُمْتُ راكِعُ
وقيل: الخضوعُ والذِّلَّة، ومنه قولُ الشاعر (٧):
(١) الآية ٣ من البقرة.
(٢) ص ح: ((الفاء)).
(٣) قوله: ((ضم)) سقط من ص ح.
(٤) سقط من: ي.
(٥). لم أهتد إلى قائله، وهو في الطبري ٥٧٣/١، واللسان: خسا. والجدود: الحظوظ،
وتعتلج: ترتفع.
(٦) البيت للبيد، وهو في ديوانه ١٧١؛ ومجاز القرآن ٥٤/١؛ وابن عطية ٢٥٧/١؛
ومفردات الراغب ٢٠٨؛ والبحر ١٧٣/١.
(٧) البيت للأضبط بن قريع، وهو في أمالي القالي ١٠٧/١؛ وابن يعيش ٤٣/٩؛ وأمالي
الشجري ٣٨٥/١؛ والإنصاف ٢٢١؛ والمغني ١٦٦؛ وشواهد المغني ٤٥٣؛ والخزانة
٥٨٨/٤؛ والدرر ١١١/١.
٣٢٦

- البقرة -
٤٢٢ - لا تُهينَ الفقيرَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ كَعَ يوماً والدهرُ قَدْ رَفَعَهْ
آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿أَتأمرونَ الناسَ بالبِرِّ﴾: الهمزةُ للإِنكارِ
والتوبيخِ أو للتعجُّبِ مِنْ حالِهِم. و((أَمَرَ)) يتعدَّى لاثنين أحدُهما بنفسِه والآخرُ
بحرفِ الجرِّ، وقد يُحْذَفُ، وقد جَمَع الشاعرُ بين الأمرين في قوله(١):
٤٢٣ - أَمَرْتُكَ الخيرَ فافْعَلْ ما أُمِرتَ به فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ
فالناسَ مفعولٌ أولُ، وبالبِرٌ مفعولٌ ثان. والبِرُ: سَعَةُ الخيرِ مِن الصلة
والطاعة، ومنه البُرُّ والبرِيَّة لسعَتِهما، والفعلُ [منه](٢): بَرِّيَبُّ على فَعِلِ يَفْعَل
كَعَلِمَ يَعْلَمِ، قال(٣):
٤٢٤ - لا هُمَّ ربِّ إِنَّ بَكْراً دونكا يَبْرُّكَ الناسُ وَيَفْجُرونكا
[أي: يُطيعونك، والبِرُ أيضاً: ولدُ الثعلب وسَوْقُ الغَنَّم، ومنه قولُهم:
(لا يَعْرِفُ الهِرَّ من البِّ»(٤) أي: لا يَعْرِفُ دُعاءَها مِنْ سَوْقِها، والبِرُّ أيضاً الفؤادُ،
قال(٥):
٤٢٥ - أكونُ مكانَ البِرِّ منه ودونَه وَأَجْعَلُ مالي دونّه وأُوامِرُهْ
والبُّ - بالفتح - الإِجلالُ والتعظيمُ، ومنه: وَلَدُ بُرِّ بوالدَيْهِ، أي:
يُعَظِّمُهما، واللهُ تعالى بَرُّ لسَعَةِ خيرِهِ على خَلْقِهِ](٦).
قوله: ((وَتَنْسَوْن)) داخلٌ في حَيِّزْ الإِنكار، وأصلُ تَنْسَوْن: تَْسَيُون، فأُعِلَّ
(١) تقدم برقم ٢٢١.
(٢) سقط من: ي.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٣٦٨/١.
(٤) مثلٌ عربي، يُضرب لِمَنْ يتناهى في جهله. مجمع الأمثال ٢٩١/٢.
(٥) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: برر، والقرطبي ٣٦٨/١.
(٦) ما بين معقوفين سقط من: ي.
٣٢٧

- البقرة -
بحَذْفِ الياءِ بعد سُكونها، وقد تقدَّم في ((اشْتَرَوا))(١)، فوزنُه تَفْعون(٢).
والنِّسيانُ: ضدُّ الذِّكْر، وهو السهوُ الحاصِلُ بعد حصولِ العلمِ، وقدِ يُطْلَقُ
على التِّركِ، ومنه: (نَسُوا اللّه فَنَسِيَهم)(٣)، وقَد يَدْخُلُه التعليقُ حَمْلًا على
نقيضه، قال(٤):
· وریحُكُمُ من أيّ ریحِ الأعاصِرِ
٤٢٦ - ومَنْ أَنتُمُ إِنَّا نَسِينا مَنَ أَنْتُمُ
قوله: ((وَأَنتم تَتْلُون الكتابَ)) مبتدأ وخبرٌ في محلِّ نصبٍ على الحال،
العاملُ فيها «تْسَوْن)». والتلاوةُ: التتابعُ، ومنه تلاوة القرآنِ، لأنَّ القارىء يُتْبِع
كلماتِه بعضَها ببعضٍ ، ومنه: (والقمرِ إذا تلاها))(٥)، وأَصلَ تَتْلُون: تَتْلُوون
بواوين فاستُثْقِلتِ الضمة على الواوِ الأولى فحُذِفَتْ(٦)، فالتقى ساكنان،
فحُذِفَتْ فوزنُه: تَفْعُون.
قوله: ((أفلا تَعْقِلون)» الهمزةُ للإنكار أيضاً، وهي في نيَّةِ التأخير عن الفاءِ
لأنها حرفُ عَطْفٍ، وكذا تتقدَّم أيضاً على الواوِ وثم نحو: ((أولا يعلمون))(٧)
(أثمَّ إذا ما وَقَع))(٨)، والنيَّةُ بها التأخيرُ، وما عدا ذلك من حروفِ العطف
فلا تتقدَّمُ عليه، تقول: ما قامَ زيدٌ بل أَقَعَدَ؟ هذا مذهبُ الجمهورِ. وزعم
(١) الآية ١٦ من البقرة.
(٢). ي: ((تفون)).
(٣) الآية ٦٧ من التوبة.
(٤) البيت لزياد الأعجم وهو في المحتسب ١٦٨/١؛ والخصائص ٨٩/٣؛ والهمع ١٥٥/١؛
والدرر ١٣٧/١؛ وحاشية الشيخ يس ٢٥٣/١؛ والشاهد فيه: نسينا من انتم، حيث
علق الفعل ((نسي)) عن العمل بالاستفهام بعده، لأنه نقيض ((علم)) الذي يجوز فيه ذلك ..
(٥) الآية ٢ من الشمس.
(٦) ي: ((فقدرت)).
(٧) الآية ٧٧ من البقرة.
(٨) الآية ٥١ من یونس.
٣٢٨

- البقرة -
الزمخشري (١) أن الهمزةَ في موضعها غيرُ مَنْوِيٌّ بها التأخيرُ، وَيُقَدِّرَ قبل الفاءِ
والواوِ وثم فعلًا عُطِفَ عليه ما بعده، فيقدِّر هنا: أَتَغْفَلُون فَلَا تَعْقلون، وكذا:
(أَفَلَمْ يَرَوا))(٢) أي: أَعَمُوا فلم(٣) يَرَوْا، وقد خالف هذا الأصلَ ووافق
الجمهورَ في مواضعَ يأتي التنبيهُ عليها (٤). ومفعولُ ((تَعْقِلون)) غيرُ مرادٍ، لأنَّ
المعنى: أفلا يكونُ منكم [عَقْلٌ](٥). وقيل: تقديرهُ: أفلا تَعْقِلون قُبْحَ ما
ارتكبتم مِنْ ذلك.
والعَقْلُ: الإِدراُ المانعُ من الخطأ، وأصلُه المُنْعُ. ومنه: العِقال(٦)،
لأنه يَمْنُعُ البعيرَ، وعَقْلُ الدِّيَّة لأنه يَمْنَعُ من قتل الجاني، والعَقْلُ أيضاً ثوبٌ
مُوَشَّى، قال علقمة(٧):
٤٢٧ - عَقْلاً وَرَقْماً تَظَلُّ الطيرُ تَتْبَعُهُ كأَنَّه من دم الأَجْوافِ مَدْمُومُ
قال ابن فارس: ((ما كان منقوشاً طُولاً فهو عَقْلٌ، أو(٨) مستديراً فهوَ رَقْمٌ))
ولا محلّ لهذه الجملةِ لاستئنافِها.
قوله: ((واستعينوا بالصبر)» هذه الجملةُ الأمريةُ عَطْفٌ على ما قبلَها من
الأوامر، ولكن اعتُرِضَ بينها(٩) بهذه الجمل. وأصلُ ((استعينوا)) اسْتَعْوِنُوا فَفْعِل
(١) لم يقدّر الزغشري هذا التقدير في هذه الآية، إنما شرحه على مذهب الجمهور.
(٢) الآية ٩ من سبأ.
(٣) ح: ((ولم)).
(٤) ي: «علیه)).
(٥) سقط من: ي.
(٦) صح: ((القتال)).
(٧) ديوانه ٥١؛ والمفضليات ٣٩٧. والرقم: ضَرْبٌ من البرود، ومدموم: مطليٍّ بالدم.
يصف الظعائن اللواتي جلَّلْنَ هواد جهن باللون الأحمر فتتبعها الطير تحسبها لحمرتها لحمًا.
(٨) ي: و.
(٩) ي: ((تنبيهاً)).
٣٢٩

- البقرة -
به ما فُعِل في ((نستعين))(١)، وقد تقدَّم تحقيقُه ومعناه. و((بالصبر)) متعلقٌ به
والباءُ للاستعانةِ أو السببيةِ، والمستعانُ عليه محذوفُ لَيَعُمَّ جميعَ الأحوال
المستعانِ عليها، و((استعان)) يتعدَّى بنفسِه نحو: ((وإيّاك نستعين(٢). ويجوزُ أن
تكونَ الباءُ للحال أي: ملتبسينَ بالصبر، والظاهر أنه يتعدَّى بنفسه وبالباء
تقولُ: استَعَنْتُ [الله واستعنْتُ بالله](٣)، وقد تقدَّم أن السينَ للطلب. والصبرُ:
الحَبْسُ على المكروه، ومنه: ((قُتِل فلانٌ صبراً))، قال(٤):
٤٢٨ - فَصَبْراً في مجالِ الموتِ صَبْراً فما نّيْلُ الخلودِ بِمُسْتَطَاعٍ
قوله: ((وإنَّها لكبيرةٌ إلَّ على الخاشعين)) إنَّ واسمها وخبرُها، والضميرُ
في ((إنها)) قيل: يعودُ على الصلاة(٥) وإنْ تقدَّم شيئان، لأنها أغلبُ منه(٦)
وأهمُّ، وهو نظيرُ قولِه: ((وإذا رَأَوْا تجارةً أولَهْواً انفضُّوا إليها))(٧) أعاد الضمير
على التجارةِ لأنها أهمُّ وأَغْلَبُ، كذا قيل، وفيه نظرً، لأنَّ العطف بـ((أو))
فيجبُ الإِفرادُ(٨)، لكنَّ المرادَ أنه ذَكَر الأهمَّ من الشيئين فهو نظيرُها من هذه
الجهةِ(٩). وقيل: يعودُ على الاستعانةِ المفهومةِ من الفعلِ نحو: ((اعْدِلُوا هو
أقربُ))(١٠). وقيل: على العبادةِ المدلولِ عليها بالصبرِ والصلاةِ، وقيل: هو
(١) الآية ٤ من الفاتحة.
(٢) الآية ٤ من الفاتحة.
(٣) ما بين معقوفين سقط من: ي.
(٤) البيت القطري بن الفجاءة، وهو في أمالي المرتضى ٢٣٦/١؛ العيني ٥١/٣؛ التصريح
٣٣١/١؛ شرح الأشموني ١١٧/٢؛ حاشية الشيخ يس ٣٣٠/١.
(٥) ي: ((للصلاة)).
(٦) قوله: ((منه)) سقط من صح.
(٧) الآية ١١ من سورة الجمعة.
(٨) ي: ((المراد)).
(٩) صح ع: ((الجملة)).
(١٠) الآية من المائدة.
٣٣٠

- البقرة -
عائدٌ على الصبرِ والصلاةِ، وإنْ كان (١) بلفظِ المفردِ، وهذا ليسَ بشيءٍ.
وقيل: حُذِفَ من الأولِ لدلالةِ الثاني عليه، وتقديرُه: وإنه لكبيرٌ، نحو
قوله(٢):
٤٢٩ - إنَّ شَرْخَ الشبابِ والشِّعْرَ الأسْ وَدَ ما لم يُعاصَ كان جُنوناً
قوله: ((إلا على الخاشِعين)) استثناءٌ مفرَّعٌ، وجازَ ذلك وإن كانَ الكلامُ
مُثْبَتاً(٣) لأنه في قوةِ المنفيِّ، أي: لا تَسْهُل ولا تَخِفُّ إلَّا على هؤلاء، فـ ((على
الخاشعين)) متعلُّقُ بـ((كبيرة)) نحو: (كَبُر عليَّ هذا))(٤) أي: عَظُم وشَقّ.
والخشوعُ: الخُضوع، وأصلُه اللَّيْنُ والسُّهولة، ومنه ((الخُشْعَةُ)) للرَّمْلَةِ
المتطامنةٍ، وفي الحديث: ((كانَتْ خُشْعَةً على الماءِ ثم دُحِيَتْ بعدُ) أي:
كانت الأرضُ لينةً، وقال النابغة(٥):
٤٣٠ - رَمَادٌ ككُحْلِ العَيْنِ لَأَياً أُبِينُه
ونُؤْيُّ كِئْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خاشِعُ
أي: عليه أثرُ الذلَّ، وفَرَّق بعضُهم بين الخضوع والخُشوع، فقال:
الخُضُوعِ في البدنِ خاصةً، والخُشُوعِ في البدنِ والصوت والبصر(٦) فهو أعمُّ
منه .
آ. (٤٦) قوله تعالى: ﴿الذين يَظُنُّون أنَّهم مُلاقُو ربِّهم):
((الذين)) يَحتملُ موضعُه الحركاتِ الثلاثَ، فالجرُّ على أنه تابعٌ لِمَا قَبْلَه
(١) ص ح: ((كانت)).
(٢) البيت لحسان وهو في ديوانه ٢٣٦؛ وأمالي الشجري ٣٠٩/١؛ واللسان: شرخ.
(٣) صح: ((مبنياً)).
(٤) ع: «كذا).
(٥) ديوانه ٤٣؛ والقرطبي ٣٧٤/١. واللأي: الجهد، والنوي: حُفَيْرَة حول الخباء لتمنع
السيل، والأثلم: المتكسر.
(٦) غير واضحة في: ي.
٣٣١

- البقرة -
نعتاً، وهو الظاهرُ، والرفعُ والنصبُ على القَطْعِ، وقد تقدَّم معناه. وأصلُ
الظنِّ: رُجْحانُ أحدِ الطرفينِ وأمَّا هذه الآيةُ ففيها قولانٍ، أحدُهما - وعليه
الأكثرُ - أنَّ الظنَّ ههنا بمعنى اليقين ومثلُه (١): ((إني ظَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ
حِسَابِيَهْ))(٢)، وقوله(٣).
سَرَاتُهُمُ في الفارسيِّ الْمُسَرَّدِ
٤٣١ - فقلت لهم ظُنُوا بألفَيْ مُدَجِّجٍ
وقال أبو دُؤاد (٤).
وغيِوبٍ كَثَّفْتُها بِظُنُونٍ
٤٣٢ - رُبَّ همَّ فَرَّجْتُه بِعَزِيمٍ
فاستُعْمِلَ الظنَّ استعمالَ اليقينِ مجازاً، كما استُعْمِلِ العِلْمُ استعمالَ
الظُنَّ كقولِه: ((فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمناتٍ)) (٥) ولكنَّ العربَ لا تَسْتَعْمِلُ الظَنَّ
استعمالَ اليقين إلا فيما لم يَخْرُجْ إلى الحِسُ والمشاهدةِ كالآيتين والبيت،
ولا تَجِدُهم يقولون في رجل مَرْئيٍّ حاضراً: أظنُّ(٦) هذا إنساناً.
والقولُ الثاني: أنَّ الظِنَّ على بابِهِ وفيه حينئذٍ تأويلان، أحدُهما ذَكَره
المهدوي والماوَرْدي (٧) وغيرُهما: أن يُضْمَر في الكلام (بذنوبهم)) فكأنهم
يتوقُّعون لقاءَه مُذْنِبين. قال ابن عطية (٨): (وهذا تعسُّفٌ)) والثاني من التأويلين:
(١) صح: ((ومنه)).
(٢) الآية ٢٠ من الحاقة.
(٣) البيت لدريد بن الصمة، وهو في الحماسة ٣٩٧/١؛ والأصمعيات ١٠٧؛ وابن يعيش
٨١/٧؛ واللسان: ظنن؛ والقرطبي ٣٧٥/١. والمدجج: التام، السلاح، والسراة:
الأخيار، والفارسي المسرد: الدروع التي أُحْكِم نسجها.
(٤) الأضداد ١٥؛ والقرطبي ٣٧٦/١.
(٥) الآية ١٠ من سورة الممتحنة.
(٦) صح: ((ظن)).
(٧) تفسير الماوردي ١٠٣/١.
(٨) التفسير ٢٦٠/١.
٣٣٢
۔

- البقرة -
أنهم يظنُّون ملاقاةَ ثوابٍ ربهم لأنهم ليسوا قاطِعين بالثوابِ دونَ العقاب،
والتقديرُ: يَظُنُّون أنهم ملاقُو ثوابِ ربِّهم، ولكن يُشْكِلُ على هذا عَطْفُ ((وأنهم
إليه راجعون)» فإنه لا يَكْفي فيه الظنُّ، هذا إذا أَعَدْنا الضميرَ في ((إليه)) على
الربِّ سبحانه وتعالى، أمَّا إذا أَعَدْناه على الثوابِ المقدَّر فيزولُ الإِشكالُ
أو يُقالُ: إنه بالنسبةِ إلى الأول بمعنى الظنِّ على بابه، وبالنسبةِ إلى الثاني
بمعنى اليقينِ، ويكونُ قد جَمَعَ في الكلمةِ الواحدةِ بين الحقيقةِ والمجازِ،
وهي مسألةُ خلافٍ و((أن)) وما في حَيَّزها سادَّةٌ [مَسَدَّ](١) المفعولَيْنِ عندَ
الجمهورِ، ومسدَّ الأولِ ، والثاني محذوفٌ عند الأخفش، وقد تقدَّم تحقيقُه.
و ((ملاقُو ربِّهم)) من باب إضافةِ اسم الفاعل لمعموله إضافةً تخفيفٍ(٢)
لأنه مستقبلٌ، وحُذِفَتِ النونُ للإِضافة (٣)، والأصلُ، مُلاقونَ ربِّهم. والمفاعلةُ
هنا بمعنى الثلاثي نحو: عافاك الله، قاله المهدوي. قال ابن عطية(٤): ((وهذا
ضعيفٌ، لأنَّ (لَقِيَ)) يتضمَّن معنى ((لاقى)). كأنه يَعْني(٥) أن المادةَ لذاتها
تقتضي (٦) المشاركةً بخلافِ غيرِها من: عاقَبْت وطارقت (٧) وعافاك. وقد تقدَّم
أن في الكلام حَذْفاً تقديرُه: ملاقو ثوابٍ ربّهم وعقابِه. قال ابن عطية (٨).
((وَيَصِحُ أن تكونَ الملاقاةُ هنا الرؤيةَ(٩) التي عليها أهلُ السُّنَّةِ وورد (١٠) بها
(١) سقط من: ي.
(٢) أي إنها إضافة غير محضة، فليس فيها تعريف.
(٣) صح: ((الإضافة)).
(٤) التفسير ٢٦٠/١.
(٥) صح: ((بمعنى)).
(٦) ص: ((بمقتضى)).
(٧) طارق النعل: صيرها طاقاً فوق طاق.
(٨) التفسير ٢٦٠/١.
(٩) ي: ((بالرؤية)).
(١٠) ص: ((ورد)).
٣٣٣

- البقرة -
متواترُ الحديث))، فعلى هذا الذي قاله لا يُحْتاج إلى حَذْفِ مضافٍ. ((وأنهم
إليه راجعون)) عَطْفٌ على ((أَنَّهم)) وما في حَيِّزها، و ((إليه)) متعلق بـ ((راجعون))،
والضميرُ: إمَّا للربِّ سبحانَه أو الثَّوابِ كما تقدَّم، أو اللقاءِ المفهوم من ((مُلاقُو)).
آ. (٤٧) قوله تعالى: ﴿وأَنِّي فَضَلْتُكم على العالمين): ((أنَّ) وما في
حَيِّزها في محل نصبٍ لعَطْفِها على المنصوبِ في قوله: ((اذكروا نعمتيّ)) أي:
اذكروا نعمتيَ وتفضيلي إياكم، والجارّ (١) متعلّقٌ به، وهذا من باب عَطْفٍ
الخاصِّ على العامِّ لأن النعمةَ تَشْمَلُ التفضيلَ. والفضلُ: الزيادةُ في الخَيْرِ،
واستعمالُه في الأصل التعذِّي بـ ((على))، وقد يَتَعدِّى بـ((عَنْ)): إِمَّا على
التضمين وإمَّا على التجوُّزِ في الحذف(٢)، كقوله(٣):
٤٣٣ - لاهِابْنُ عَمِّك لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ عني ولا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي
وقد يتعدّى بنفسه، كقوله(٤):
٤٣٤ - وَجَدْنا نَهْشَلا فَضَلَتْ فُقَيْماً كَفَضْلِ ابنِ المَخَاضِ على الفَصِيلِ
وبـ ((على))، وفِعْلُه: فضَل يَفْضُل بالضم، كقَتَّلَ يقتُل. وأمَّا الذي(٥)
معناه الفَضْلة من الشيء وهي (٦) البقيّة ففعلُه أيضاً كما تقدَّم، ويقال فيه أيضاً:
(١) ص ح: ((والحال)).
(٢) ي: الحرف.
(٣) البيت لذي الأصبع العدواني أو كعب الغنوي، وهو في المفضليات ١٦٠؛ والأزهية ٩٧؛
والخصائص ٢٨٨/٢؛ وأمالي القالي ٩٢/١؛ وأمالي الشجري ١٣/٢؛ ومجالس العلماء
٧١؛ والمخصص ٦٦/١٤؛ والمقرب ١٩٧/١؛ والمغنى ١٥٨؛ وشواهد المغني ٤٣٠.
والديان: القاهر والمالك، وخزاه: قهره.
(٤) البيت للفرندق، وهو في ديوانه ٦٥٢؛ والكتاب ٢٦٦/١؛ وابن يعيش ٣٥/١؛
واللسان: مخض. وابن المخاض: هو الذي حملت أمه، والفصيل: ما كان في الحول
وما اتصل به، وكلاهما لا ينتفع به .
:
(٥) ي: «والذي» بإقحام الواو.
(٦) ح ص: ((وهو من)).
٣٣٤

- البقرة -
((فَضِل)) بالكسر يَفْضَل بالفتح كعَلِم يعلَم، ومنهم مَنْ يكسِرُها في الماضي
ويَضُمُّها في المضارعِ وهو من التداخّلِ بين اللغتين.
آ .: (٤٨) قوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً﴾: ((يوماً) مفعولٌ به، ولا بدَّ من
حَذْفِ مضافٍ أي: عذابَ يوم أو هولَ يوم، وأُجيز أن يكونَ منصوباً على
الظرف، والمفعولُ محذوفٌ تقديره: واتقوا العذابَ في يومٍ صفتُهُ كَيْتَ
وكَيْتَ، ومَنَع أبو البقاء(١) كونَه ظرفاً، قال: ((لأنَّ الأمر بالتقوى لا يقع في يوم
القيامة))، والجوابُ عَمَّا قاله: أن الأمرَ بالحَذَرِ من الأسبابِ المؤدِّيةِ إلى
العذابِ في يومِ القيامةِ. وأصلُ اتَّقُوا: أوْتَقُوا، ففُعِل به ما تقدَّم(٢) في
(تَتَّقون))(٣).
قوله ((لا تَجْزي نفسٌ عن نفسٍ)) التنكيرُ في ((نفسٌ)) و((شيئاً) معناه(٤)
أنَّ نفساً من الأنفس(٥) لا تَجْزي عن نفس مثلها شيئاً من الأشياء، وكذلك في
(شفاعةٌ)) و((عدلٌ))، والجملةُ في محلِّ نصبٍ صفةً لـ (يوماً) والعائدُ محذوفٌ،
والتقديرُ: لا تَجْزِي فيه، ثم حُذِفَ الجارُّ والمجرورُ لأنَّ الظروفَ يُتْسَعُ فيها
ما لا يُتْسَعُ في غيرِها، وهذا مذهبُ سيبويه(٦). وقيل: بل حُذِفَ بعد(٧) حرفٍ
الجرِّ ووصول الفعل إليه فصار: ((لا تَجْزیه»(٨) كقوله(٩):
(١) الاملاء ٣٥/١.
(٢) ع: ((ما فعل)).
(٣) الآية ٢١ من البقرة.
(٤) ي: ((في معناه» بإقحام ((في)).
(٥) ي: ((النفوس)).
(٦) الكتاب ١٩٣/١.
(٧) سقط من: ص.
(٨) يعني: في طريقة حذفه قولان، الأول: أنه حذف دفعة واحدة، الثاني: أنه حذف على
التدريج، فحذف ((في)) أولاً، فاتصل الضمير بالفعل، ثم حذف هذا الضمير.
(٩) البيت لرجل من بني عامر، وهو في الكتاب ١٧٢/١؛ والكامل ٢١؛ وأمالي الشجري
٦/١؛ والدرر ١٧٢/١؛ وشواهد الزمخشري ٤٨٩/٤. والنوافل: الغنائم.
٣٣٥

- البقرة -
٤٣٥ - ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْماً وعامِراً قليلٌ سوى الطَّعْنِ النِّالِ نوافِلُهُ
ويُعْزى للأخفش(١)، إلا أن المهدويَّ نَقَل أنَّ الوجهين المتقدمين
جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج(٢). ويَدُلُّ على حَذْفِ عائدِ الموصوفِ
إذا كان منصوباً قولُه (٣):
!
٤٣٦ - وما أَدْري: أَغَيَّرَهُمْ تَنَاءٍ وطولُ العهدِ أم مالُ أصابوا
أي: أصابوه، ويجوز عند الكوفيين أن يكونَ التقديرُ: يوماً يومَ لا تَجْزِي
نفسٌ، فيصيرُ كقولهِ تعالى: ((يومَ لا تَمْلِك نفسٌ» (٤)، ويكونُ اليومُ الثاني بدلاً
من ((يوماً)) الأولِ، ثم حُذِف المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مُقامه كقوله
تعالى: ((واسألِ القرية))(٥)، وعلى (٦) هذا لا يُحتاج إلى تقديرِ عائدٍ لأنَّ الظرف
متى أُضيف إلى الجملةِ بعدَه لم يُؤْتَ له فيها بضمير إلا في ضرورةٍ،
کقوله(٧).
٤٣٧ - مَضَتْ مِنَةٌ لِعامَ وَلِدَتُ فيه
وعَشْرٌ بعدَ ذلكَ وحِجَّتَانٍ
و((عن نَفْسٍٍ)) متعلُّقٌ بِتَجْزي، فهو في محلِّ نَصْب به(٨)، قال
أبو البقاء (٩): ((ويجوزُ أن يكونَ نصباً على الحال)).
(١) معاني القرآن للأخفش ٨٨.
(٢) معاني القرآن ٩٨/١:
(٣) البيت للحارث بن كلدة، وهو في الكتاب ٤٥/١؛ وأمالي الشجري ٥/١؛ وابن
يعيش ٨٩/٦؛ والعيني ٤ / ٦٠.
(٤) الآية ١٩ من الانفطار.
(٥) الآية ٨٢ من يوسف ..
(٦) ي: ((أو)))).
(٧) البيت للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ١٦١؛ أو النمر بن تولب، وهو في الجمع
٢١٩/١؛ والدرر ١٨٩/١.
(٨) ب: سقط من: ص. ح.
(٩) الاملاء ٣٥/١.
٣٣٦

- البقرة -
والجزاء: القضاءُ والمكافأةُ، قال الشاعر(١):
جناتٍ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلَى
٤٣٨ - يَجْزِيه ربُّ العرشِ عَنِّ إِذْ جَزَی
والإِجزاءُ: الإِعْناء والكِفاية، أَجْزَأَني كذا: كفاني، قال(٢):
٤٣٩ - وأجْزَأْتَ أمرَ العالمینَ ولم یکُنْ
لِيُجْزَأَ إلا كاملٌ وابنُ كاملٍ (٣)
قيل: وأَجْزَأْتُ وجَزَأْتُ متقاربان. وقيل: إنَّ الجزاء والإِجزاء بمعنى،
تقول منه: جَزَيْتُه وأَجْزَيْته، وقد قُرىءٍ(٤): ((تُجْزِىءُ)) بضمِّ حرفِ المضارعة
من أَجْزَأ، وَجَزَأْتُ بكذا أي: اجتزَأْتُ به، قال الشاعر(٥):
٤٤٠ - فإنَّ الغَدْرَ في الأقوام عارٌ
وإِنَّ الحُرِّ يَجْزَأُ بالكُراعِ
أي: يَجْتَزِىء به(٦).
قوله: ((شيئاً) نصبُ(٧) على المصدرِ، أي: شيئاً من الجزاء؛ لأن
الجزاءَ شيءٌ، فَوُضِع العامُّ موضعَ الخاصِّ، ويجوزُ(٨) أن يكونَ مفعولاً به
على أنَّ ((تَجْزِي)) بمعنى ((تَقْضي))، أي: لا تَقْضي [نفسٌ (٩)] عن غيرِها شيئاً
من الحقوقِ، والأولُ أظهَرُ.
(١) البيت لأبي النجم، وهو في الأضداد ١٠٢؛ والصاحبي ١١٢؛ والطبري ٢٣٥/١؛
والبحر ١٨٧/١.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٣٧٨/١.
(٣) سقط البيت من ع.
(٤) قراءة أبي السمَّال العدوي. انظر: البحر ١٨٩/١؛ وابن عطية ٢٦٢/١.
(٥) نسبه في غريب الحديث ٥٨/١ إلى الطائي، وهو في اللسان: جزأ، والقرطبي ٣٧٧/١.
ويجزأ: يكتفي، والكراع: ماء السماء.
(٦) سقط البيت وما بعده من تعليق من: ع.
(٧) ص: ((نصبت)).
(٨) صح: (ويجزي)).
(٩) سقط من: ي.
٣٣٧

- البقرة -
قوله: ((ولا يُقْبَلُ منها شفاعةٌ)) هذه الجملةُ عَطْفٌ على ما قبلها فهي صفةٌ
أيضاً لـ ((يوماً))، والعائدُ منها عليه محذوفٌ كما تقدَّم، أي: ولا يُقبل منها فيه
شفاعةٌ. و((شفاعةٌ)) مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُه، فلذلك رُفِعَتْ، وقُرىء(١): ((يُقْبَل))
بالتذكير والتأنيثِ، فالتأنيثُ لِلَّفْظِ، والتذكيرُ لأنه مونثٌ مجازيٍّ، وحَسَّنَهُ
الفصلُ. وقُرىء(٢): ((ولا يَقْبل)) مبنياً للفاعل وهو الله تعالى. و((شفاعةً)) نصباً
مفعولاً به. و((لا يُؤْخَذُ منها عَدْلٌ)) صفةٌ أيضاً، والكلامُ فيه واضحٌ. و «منها)
متعلُّقٌ بـ (يُقْبل)) و((يُؤْخذ))، وأجاز أبو البقاء(٣) أن يكونَ نصباً على الحال،
لأنه في الأصلِ صفةً لشفاعة وعدل، فلمَّا قُدِّم عليهما نُصِبَ على الحالِ،
ويتعلَّقُ حينئذٍ بمحذوفٍ، وهذا غيرُ واضحٍ ، فإِنَّ المعنى مُنْصَبٌّ على تعلُّقِهِ
بالفعلِ ، والضميرُ في ((منها)) يعودُ على ((نفس)) الثانيةِ، لأنها أقربُ مذكور،
ويجوز أن يعودَ على الأولى لأنها هي المُحَدَّث عنها، ويجوزُ أَنْ يعودَ الضميرُ
الأول على الأولى (٤) وهي النفسُ الجازية، والثاني يعودُ على الثانية وهي
المَجْزِيُّ عنها، وهذا مناسِبٌ(٥).
والشفاعةُ مشتقةٌ من الشَّفْع، وهو الزوجُ، ومنه: الشُّفْعَةُ، لأنها ضَمُ
مِلْكٍ إلى غيره، والشافعُ والمشفوعُ له، لأنَّ كلَّ منهما يُزَوِّجُ نفسَه بالآخرِ،
وناقةٌ شَفُوعٍ: تَجْمَع (٦) بين مَحْلَبَيْنِ فِي حَلْبةٍ واحدةٍ، وناقةٌ شافِع إذا اجتمع لها
حَمْلٌ وولدٌ يَتْبَعُها، والعَدْل بالفتح الفِداءِ(٧)، وبالكسر المِثْل، يقال: عَدْلِ
(١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ولا تُقْبل بالتاء، والباقون بالياء، واختلف عن عاصم. انظر:
السبعة ١٥٤؛ البحر ١٩٠/١.
(٢) قراءة سفيان، البجر ١٩٠/١، ونسبها في الشواذ ه إلى قتادة.
(٣) الإملاء ٣٥/١.
(٤) ع: ((الأول)).
(٥) ي: ((غير مناسب)) بإقحام ((غير).
(٦) ص ح: ((جمع)).
(٧) صح: ((النداء)».
٣٣٨

- البقرة -
وعَدِيل. وقيل(١): ((عَدْل)) بالفتح المساوي للشيءٍ قيمةٌ وقَدْراً، وإنْ لم يكنْ
جنسه، وبالكسر(٢): المساوي له في جنسهٍ وجِرْمه، وحكى الطبري (٣) أنَّ من
العرب مَنْ يكسِر الذي بمعنى الفِداء، والأولُ أشهرُ، وأمّا عِدْل ـ واحد (٤)
الأعْدال ـ فھو بالکسر لا غیرُ.
قوله: ((ولا هم يُنْصَرون)) جملةٌ من مبتدأ وخبر(٥)، معطوفةٌ على ما قبلَها
وإنما أُتي هنا بالجملةِ مصدرةً بالمبتدأ مُخْبَراً عنه(٦) بالمضارعِ تنبيهاً على
المبالغةِ والتأكيدِ في عَدَمِ النَّصْرة. والضميرُ في قوله ((ولا هُمْ)) يعود على
النفس؛ لأنَّ المرادَ بها جنسُ الأنفس، وإنما عادَ الضميرُ مذكَّراً وإن كانّتٍ
النفسُ (٧) مؤنثةً لأنَّ المرادَ بها العِبادُ(٨) والأناسيُّ. قال الزمخشري(٩): ((كما
تقول ثلاثةُ أنفسٍ)) يعني(١٠): إذا قُصِد بها الذكورُ، كقوله (١١).
٤٤١ - ثلاثةُ أَنْفُسِ وثلاثُ ذَوْدٍ
(١) قوله: ((وقيل)) سقط من ص.
(٢) ي: ((الكسر)».
(٣) التفسير ٣٥/٢.
(٤) ع: ((فهو أحد)).
(٥) ص ح: ((وخبره).
(٦) ص ح: عنها.
(٧) قوله: (النفس، سقط من ح ص.
(٨) ص ح: ((العبادة)).
(٩) الكشاف ٢٧٩/١.
(١٠) صح: ((بمعنى)).
(١١) البيت للخطيئة وعجزه:
لقد جار الزمانُ على عِيالي
وهو في ديوانه ٣٩٥؛ والإنصاف ٧٧١؛ والدرر ٢٠٩/١. والذود: ما بين
الثلاثة إلى العشر من الإبل.
٣٣٩

- البقرة :-
ولكنَّ النحاةَ نَصُوا على أنه ضرورةٌ، فالْأُوْلى أن يعودَ على الكفارِ الذين
اقتضَتْهُمُ الآيةُ كما قال(١) ابنُ عطية(٢).
والنَّصْرُ: العَوْنُ، والأنصار: الأعوان، ومنه: ((مَنْ أَنصارى إلى
الله)(٣) والنصر أيضاً: الانتقامُ، انتصر(٤) زيد أي: انتقم. والنَّصْزُ أيضاً:
الإِتيان(٥) نَصَرْتُ أرضَ بني فلان أتيتُها، قال الشاعر(٦):
٤٤٢ - إذا دَخَلَ الشهرُ الحرامُ فودِّعي
بلادَ تميمٍ وانصُري أرض عامرٍ
وهو أيضاً: العَطَاءُ، قال الراجز(٧):
٤٤٣ - إني وأسطارٍ سُطِرْنَ سَطْراً لَقائِلٌ يا نصرُ نَصْرٌ نَصْرَا
ويتعَذَّى بـ ((على))(٨)، قال: ((فانصُرْنا على القوم الكافرين))(٩)، وأمَّا
قولُه: ((ونَصَرْناه من القوم))(١٠) فيحتَمِل التعدِّيَ بـ ((مِنْ)) ويَحْتمل أن يكونَ مُنَ
التضمين أي : نَصَرْناه بالانتقام له منهم.
. آ. (٤٩) قوله تعالى: ﴿وإذ نَجَّيْناكم من آلٍ فِرْعون﴾: («إذْ» في
موضعٍ نصبٍ عطفاً على ((نعمتي))، وكذلك الظروفُ التي بعده نحو(١١):
(١) ص ح: ((قاله)).
(٢) التفسير ٢٦٣/١.
(٣) الآية ٥٢ من آل عمران.
(٤) ص: ((أي انتصر)) بإقحام أي.
(٥) ص ح: ((الإِثبات)).
(٦) البيت للراعي، وهو في اللسان: نصر.
(٧) البيت لرؤية، وهو في ملحق ديوانه ١٧٤؛ والخصائص ٣٤٠/١؛ والمغني ٤٣٤؛ والهمع
١٢١/٢؛ وشواهد المغني ٢٧٤؛ والدرر ١٥٣/٢.
(٨) ص ح: ((لعلي)).
(٩) الآية ٢٨٦ من البقرة.
. (١٠) الآية ٧٧ من الأنبياء.
(١١) ص: ((يجوز)).
٣٤٠