Indexed OCR Text
Pages 301-320
- البقرة - ما يدُلُّ على لزومِ النونِ كما ترى، غايةُ ما فيه أنَّهما اشترطا في صِحَّةٍ تأكيدِه بالنونِ زيادةَ ((ما)) على ((إِنْ))(١)، أمَّا كونُ التأكيدِ لازماً أو غيرَ لازم فلم يتعرَّضا له، وقد جاء تأكيدُ الشرطِ بغيرِ ((إِنْ)) كقوله(٢): ٣٩٣ - مَنْ نَثْقَفَنْ منهم فليس بآئِبٍ أبداً وقتلُ بني قُتِبَةَ شافي و ((مني)» متعلق بـ ((يأْتِيَنَّ)»، وهي لابتداءِ الغاية مجازاً، ويجوز أن تكون في محلِّ حالٍ من ((هُدَىَّ)) لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدُّم عليها، وهو نظيرُ ما تَقَدَّم في قوله تعالى: ((مِنْ ربِّه كلماتٍ))(٣)، و ((هُدى)) فاعلٌ، والفاءُ مع ما بعدها مِنْ قوله: ((فَمَنْ تَبع» جوابُ الشرطِ الأولِ، والفاءُ في قوله تعالى: (فلا خوفٌ)) جوابُ الثاني، وقد(٤) وقع الشرطُ [الثاني وجوابُه جوابَ الأول، ونُقِل عن الكسائي أن قوله: ((فلا خوفٌ)) جوابُ الشرطين](٥) معاً. قال ابن عطية (٦) بعد نَقْلِه عن الكسائي: ((هكذا حُكِي وفيه نَظَرٌ، ولا يتوجَّه أن يُخالَفَ سيبويه هنا، وإنما الخلافُ في نحوِ قوله: ((فأمَّا إن كان من المقرَّبين فَرَوْحٌ)) (٧) فيقولُ سيبويهِ: جوابُ أحدِ الشرطينِ محذوفٌ لدلالةِ قوله ((فَرَوْحٌ)) عليه. ويقول الكوفيون ((فَرَوْح)) جوابُ الشرطين. وأمَّا في هذه الآية فالمعنى(٨) يمنع أَنْ يكونَ ((فلا خوف)» جواباً للشرطين)). وقيل: جوابُ الشرطِ الأول محذوفُ (١) قوله: ((إنْ)) سقط من ص. (٢) البيت لبنت مرة بن عاهان الحارثي، وهو في الكتاب ١٥٢/٢؛ وأوضح المسالك ١٣٥/٣؛ والخزانة ٥٦٥/٤؛ والهمع ٧٩/٢؛ والدرر ١٠٠/٢. وآئب: راجع. (٣) الآية ٣٧ من البقرة. (٤) ي: ((فقد». (٥) سقط من: ي. (٦) التفسير ٢٤٧/١؛ وانظر: الكتاب ٤٤٢/١. (٧) الآية ٨٨ من الواقعة. (٨) ي: ((أن يمنع)) بإقحام ((أن)). ٣٠١ - البقرة - تقديرُه: فإمَّا يأتِيَّنَّكم مني هدىًّ فاتَّبعوه، وقولُه: ((فَمَنْ تَبع)) جملةٌ مستقلةٌ. وهو بعيدٌ أيضاً. و ((مَنْ)) يجوزُ أَنْ تكونَ شرطيةٌ وهو الظاهرُ، ويجوز أَنْ تكونَ موصولةً، ودَخَلَتَ الفاءُ في خبرِها تشبيهاً لها بالشرطِ، ولا حاجةً إلى هذا. فإن كانتْ شرطيةٌ كان ((تَبع)) في محل جزم، وكذا: ((فلا خَوْفٌ)) لكونِهما شرطاً وجزاءً، وإنْ كانت موصولةٌ فلا محلَّ لـ «تَبِع)». وإذا قيل بأنَّها شرطيةٌ فهي مبتدأً أيضاً، ولكِنْ في خبرها خلافٌ مشهور(١): الأصحُّ أنه فعلُ الشرطِ، بدليل أنه يَلْزُم عودُ ضميرٍ (٢) مِنْ فعلِ الشرط على اسمِ الشرط، ولا يلزمُ ذلك(٣) في الجوابِ، تقول: مَنْ يَقُمْ أُكْرِمْ زيداً، [فليس في ((أُكرم زيداً) ضميرٌ يعودُ على (مَنْ)) ولو كان خبراً للزِمُّ فيه ضميرٌ](٤)، ولو قلتَ: (مَنْ يَقُمْ زيداً أُكْرِمْه)) وأنت تعيدُ الهاءَ على ((مَنْ)) لم يَجُزْ لخلِّ(٥) فعلِ الشرطِ من الضميرِ. وقيل: الخبرُ الجوابُ، ويلزُم هؤلاء أن يأتوا فيه بعائدٍ على اسمِ الشرطِ، فلا يَجُوزُ عندهم: (مَنْ يَقُمْ أُكْرِمْ زيدً) ولكنه جائز(٦)، هذا ما أورده أبو البقاء (٧). وسيأتي تحقيقُ القول في لزوم عَوْدِ ضميرٍ مِنَ الجوابِ إلى اسمِ الشرطِ عند قوله تعالى: ((مَنْ كانَ عَدُوَّاً لجبريلَ))(٨). وقيل: مجموعُ الشرطِ والجزاءِ هو الخبرُ لأنَّ الفائدةَ إنما تَحْصَلُ منهما. وقيل: ما كان فيه ضميرٌ عائدٌ على المبتدأ فهو الخبرُ. (١) انظر: إملاء العكبري ٣٢/١. (٢) ح ص: ((الضمير)). (٣) ي: ((من ذلك)) بإقحام ((من)). (٤) ما بين معقوفين سقط من ي، وكتبت بدلاً عنه عبارة: جاز. (٥) ص: ((نحو)). (٦) ي: «جاء)». (٧) الإِملاء ٣٢/١. (٨) الآية ٩٨ من البقرة. ٣٠٢ - البقرة - والمشهورُ: ((هُدَايَ))، وقُرىء: هُدَيَّ(١)، بقلبِ الألفِ ياءً، وإدغامها في ياء المتكلم، وهي لغة هُذَيْل، يقولون(٢) في عَصاي: عَصَيٍّ، وقال شاعرُهم يرثي بَنيه(٣): فَتُخُرِّمُوا ولكلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ ٣٩٤ _ سَبَقوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِهَوَاهُمُ كأنهم لمّا لم يَصِلوا إلى ما تستحقّه ياءُ المتكلمِ مِنْ كسرِ ما قبلَها لكونه ألفاً أتّوا بما يُجَانِسُ الكسرةَ(٤)، فقلبوا الألفَ ياءً، وهذه لغةً مطردةٌ عندهم، إلا أَنْ تكونَ الألفُ التثنية فإنهم يُثْبِتُونها نحو: جاء مسلمايَ وغلامايَ. قولُه: ((فلا خَوْفٌ عليهم)» قد(٥) تقدَّم أنه يجوزُ أن يكونَ جواباً للشرطِ، فيكونَ في محلِّ جزم، وأن يكونَ خبراً لـ ((مَنْ)) إذا قيل بأنها موصولةٌ، وهو أَوْلَى المقابلتِه بالموصولِ في قوله: (والذين كفروا))(٦) فيكونَ في محل رفع، و ((لا)) يجوز أَنْ تكونَ عاملةً(٧) عملَ ليس، فيكونَ (خوفٌ)) اسمها، و ((عليهم)» في محلّ نصبٍ خبرَها، ويجوز أن تكونَ غيرَ عاملةٍ فيكونَ ((خوفٌ)» مبتدأ، و((عليهم)) في (٨) محل رفع خبرَه. وهذا (٩) أَوْلِى مِمَّا قَبْله لوجهين، (١) قراءة عاصم الجحدري وابن أبي إسحاق. ابن عطية ٢٤٧/١؛ الشواذه. (٢) ي: «تقول)» جائز. (٣) البيت لأبي ذؤيب، وهو في ديوان الهذليين ٢/١؛ والمحتسب ٧٦/١؛ أمالي الشجري ٢٨١/١؛ ابن يعيش ٣٣/٣؛ الجمع ٥٣/٢؛ الدرر ٦٨/٢. أعنقوا: تبع بعضهم بعضاً في الموت، تُخُرُّموا: خَرَمَتْهم المَنِيّة. (٤) ح: ((والكسرة)) بإقحام الواو. (٥) ي: ((وقد» بإقحام الواو. (٦) في الأية التالية . (٧) أقحمت ((لا)) قبل قوله ((عاملة)» في: ي. (٨) ي: ((وعليهم خبر في محل)). (٩) ص ح: ((وهنا). ٣٠٣ - البقرة - أحدُهما: أنَّ عملَها عملَ ليس قليلٌ ولم يَثْبُتْ إلا بشيءٍ (١) محتملٍ وهو قوله(٢) :. ٣٩٥ - تَعَزَّ فلا شيءٌ على الأرضِ باقياً ولا وَزْرٌ ممَّا قضى اللَّهُ وافِيًا والثاني (٣): أنَّ الجملة التي بعدها وهي: (ولا هم يَحْزَنُون)) تُعَيِّنُ أن تكونَ ((لا)» فيها غيرَ عاملةٍ لأنها لا تعملُ (٤) في المعارفِ، فَجَعْلُها غِيرَ عاملةٍ فيه مشاكلةٌ لِما بعدها، وقد وَهِمَ بعضُهم فَجَعَلها عاملةً في المعرفة مستدلاً بقوله(٥): ٣٩٦ - وحَلَّتْ سوادَ القلبِ لا أنا باغياً سِواها ولا في حُبُّها مُتْراخِيا فـ ((أن)) اسمُها و ((باغياً)) خبرُها. قيل: ولا حُجَّةَ فيه لأنَّ ((باغياً) حال عاملُها محذوفٌ هو الخبرُ في الحقيقة تقديره: ولا أنا أُرَى(٦) باغِياً، أو يكونُ التقديرُ: ولا أُرَى باغيا، فلمَّا حُذِفَ الفعلُ انفصلَ الضميرُ. وقُرِىءَ: ((فِلا خَوْفُ)) بالرفعِ مِنْ غيرِ تنوين (٧)، والأحسنُ فيهِ أَنْ تكونَ الإِضافةُ مقدرةً أي: خوفُ شيءٍ، وقيلَ: لأنه على نيةِ الألفِ واللامِ ، وقيل: حَذَفَ التنوينَ تخفيفاً وقرىء: ((فلا خوفَ)) (٨) مبنياً على الفتح، لأنها (١) ي ح: ((لشيء). (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في شذور الذهب ١٩٦؛ وأوضح المسالك ٢٠٤/١؛ والخزانة ٥٣٠/١؛ والهمع ١٢٥/١؛ والدرر ٩٧/١. والوزر: الملجأ. (٣) ي: ((الثاني)). (٤) ي: ((لا تعمل إلا)). (٥) البيت للنابغة الجعدي وهو في ديوانه ١٧١؛ وأمالي الشجري ٢٨٢/١؛ والهمع ١٢٥/١؛ والذرر ٩٨/١. (٦) ي: ((أو)). (٧) قراءة ابن محيصن: البحر ١٦٩/١. (٨) قراءة الزهري وعيسى الثقفي ويعقوب. البحر ١٦٩/١. ٣٠٤ - البقرة - لا التبرئة(١) وهي أبلغُ في النفي، ولكن الناسَ رجَّحوا قراءةَ الرفع، قال أبو البقاء(٢): ((لوجهَيْنِ، أحدُهما: أنه عُطِف عليه ما لا يجوزُ فيه إلا الرفعُ وهو قولُه: ((ولا هم)) لأنه معرفةٌ، و((لا)) لا تعملُ في المعارِفِ، فالْأَوْلى أن يُجْعَلَ المعطوفُ عليه كذلك لتتشاكلَ الجملتان))، ثم نظُّره بقولهم: ((قام زيد وعمراً كلَّمْتُه)) يعني في ترجيحِ النصب في جملة الاشتغالِ للتشاكل. ثم قال: ((والوجهُ الثاني من جهة المعنى، وذلك أنَّ البناءَ يَدُلُّ على نفي الخوفِ عنهم بالكُلَِّةِ، وليس المرادُ ذلك، بل المرادُ نفيُه عنهم في الآخرةِ. فإنْ قيل: لِمَ لا يكونُ وجهُ الرفعِ أنَّ هذا الكلامَ مذكورٌ في جزاءٍ مَنِ اتَّبع الهُدى، ولا يَليق أن يُنْفَى عنهم الخوفُ اليسيرُ ويُتَوَهَّمَ ثَبوتُ الخوفِ(٣) الكثير؟ قيل: الرفعُ يجوزُ أَنْ يُضْمَرَ (٤) معه نفيُ الكثيرِ، تقديرُه: لا خوفٌ كثيرٌ عليهم، فَيُتَوَهِّمَ ثبوتُ القليلِ، وهو عكسُ ما قُدِّر في السؤال فبانَ أنَّ الوجهَ في الرفعِ ما ذكرنا)). انتهى. قولُه تعالى: ((ولا هُمْ يَحْزَنُون)» تقدَّم أنه جملةٌ منفيةٌ وأنَّ الصحيحَ أنَّها غيرُ عاملةٍ، و((يَحْزنون)) في محلِّ رفعٍ خبراً للمبتدأ، وعلى ذلك القولِ الضعيفِ يكون في محل نصب. والخوفُ: الذُّعْرُ والفَزَع، يقال: خافَ يخاف فهو خائِفٌ والأصل: خَوِف بوزن عَلِمَ، ويتعدَّى بالهمزةِ والتضعيف. قال تعالى: ((ونُخَوِّفُهم))(٥)، ولا يكونُ إلا في الأمر المستقبل. والحزنُ ضدُّ السرورِ، وهو مأخوذٌ من (١) ص ح: ((التنزيه)). (٢) الإملاء ٣٢/١. (٣) ع: ((الخير)). (٤) ي: ((يضمن)). (٥) الآية ٦٠ من الإِسراء: ونُخَوِّفُهُمْ فما يَزِيدُهم إلا طغياناً كبيراً. ٣٠٥ - البقرة - الحَزْن، وهو ما غَلُظ من الأرض فكأنه ما غَلُظ من الهمِّ، ولا يكون إلا في الأمرِ الماضي، يقال: حَزِن يَحْزَن حُزْناً وحَزَناً. ويتعدَّى بالهمزةِ نحو: أَحْزَنْتُه، وحَزَّنْتُه بمعناه، فيكون فَعَّل وَأَفْعَلَ بمعنى. وقيل: أَحْزَنَّه حَصَّلِ لِه حُزْناً. وقيل: الفتحةُ مُعَدِّيةٌ للفعلِ نحو: شَتِرَتْ عينُه(١) وشَتَرِها الله، وهذا على قولِ مَنْ يَرَى أَنَّ الحركةَ تُعَذِّي الفعلَ. وقد قُرِىء باللغتين: ((خَزَّنَه وَأَحْزَنه)) وسيأتي تحقيقهما(٢). آ. (٣٩) قوله: ﴿والذين كفروا، إلى قوله: خالدون): ((الذين)) مبتدأ وما بعده (٣) صلةً وعائدٌ، و((بآياتنا)) متعلقٌ بكذَّبوا. ويجوز أن تكونَ الآيَةُ من بابِ الإِعمال، لأنَّ ((كفروا)) يَطْلُبها(٤)، ويكونُ من إعمالٍ الثاني للحذف من الأول، والتقديرُ: كفروا بنا وكَذُّبوا بآياتِنا. و((أولئك)) مبتدأٌ ثانٍ و ((أصحابُ)) خبرُه، والجملةُ خبرُ الأولِ، ويجوزُ أن يكونَ ((أولئك)) بدلاً من الموصول أو عطف بيان له، و((أصحابُ)) خبرَ المبتدأ الموصول. وقوله: ((هم فيها خالدون)) جملةٌ اسميةٌ في محلِّ نصبٍ على الحالِ للتصريحِ بذلك في مواضعَ. قال تعالى: ((أصحابُ النار خالدين))(٥). وأجاز أبو البقاء(٦) أن تكونَ حالاً من ((النار)، قال: ((لأنَّ فيها ضميراً يعودُ عليها، ويكونُ العامل فيها معنى الإضافةِ أو اللام المقدِّرَةَ». انتهى. وقد عُرِف ما في ذلك. (١) الشتر: انقلاب في جفن العين. (٢) قرأ نافع: ولا يُحْزنك بضم الياء وفتح الباقون في الآية ٧٦ من آل عمران، فَمَنْ ضَمُّ أخذها من أحزن ومن فتح أخذها من حَزِن. انظر: السبعة ٢١٩؛ وحجة القراءات لأبي زرعة ١٨١ . (٣) ع: ((بعدها)). (٤) بالإِضافة إلى ((وكَذَّبوا))، والإعمال: التنازع. (٥) الآية ١٠ من التغابن: ((أولئك أصحابُ النار خالدين فيها)). (٦) الإملاء ٣٣/١. ٠٣٠٦ - البقرة - ويجوز أن تكونَ في محلِّ رفع خبراً لأولئك، وأيضاً فيكونُ قد أُخْبِرَ عنه بخبرين، أحدُهما مفردٌ وهو ((أصحابُ)). والثاني (١) جملةٌ، وقد عُرِف ما فيه من الخلافِ . و «فيها)» متعلقٌ بـ((خالدون)). قالوا: وحُذِف(٢) من الكلام الأول ما أُثْبِتَ في الثاني، ومن الثاني ما أَثْبِتَ في الأول، والتقدير: فَمَنْ تبع هُداني فلا خوفٌ ولا حُزْنٌ يَلْحَقُه وهو صاحبُ الجنةِ، ومَنْ كَفَر وَكَذَّب لَحِقَه الحزنُ والخوفُ وهو صاحبُ النار لأنَّ التقسيمَ يقتضي ذلك، ونظّروه بقولٍ الشاعر (٣) : ٣٩٧- وإني لَتَعْروني لِذِكْرَاكِ فَتْرَةٌ كما انتَفَضَ العصفورُ بَلَّلَهِ القَطْرُ والآيَةُ [لغةً](٤): العلامةُ، قال النابغةُ الذبياني(٥): ٣٩٨ - تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابِعُ وسُمِّيَتْ آيَةُ القرآنِ [آيةً] لأنها علامةٌ لانفصالِ ما قبلَها عمّا (٦) بعدَها. وقيل: سُمِّيَتْ بذلك لأنها تَجْمَعُ حروفاً من القرآن فيكون مِنْ قولهم: ((خرج بنو فلان بآيتهم» أي: بجماعتهم، قال الشاعر(٧): (١) ع: ((الثاني)). (٢) ع: ((وقد حذف». (٣) البيت لأبي صخر الهذلي، وهو في شرح أشعار الهذليين للسكري ٩٥٧/٢؛ وأمالي القالي ١٤٧/١؛ والمقرب ١٦٢/١؛ والإنصاف ٢٥٣؛ والشذور ٢٢٩؛ وابن يعيش ٦٧/٢؛ والعيني ٦٧/٣؛ والجمع ١٩٤/١؛ والخزانة ٢٥٤/٣. أي إني أذكرك فانتفض ثم افتر، والعصفور ینتفض ثم يفتر. (٤) سقط من: ي. (٥) ديوانه ٤٣؛ وأوضح المسالك ٢٢٣/٣؛ وشواهد الكشاف ٤٤٦/٤. (٦) ع: (مما). (٧) ي: ((شاعرهم))، والبيت لبرج بن مسهر الطائي، وهو في القرطبي ٦٦/١. ونزجي: نسوق، واللقاح المطافل: النوق الولود. ٣٠٧ - البقرة -: بآياتِنا نُزْجي اللِّقاحَ المَطَافِلَا ٣٩٩ - خَرَجْنا مِن النَّقْبَيْنِ لا حَيَّ مِثْلُنا. واختلف النحويون في وَزْنِها(١): فمذهب سيبويه(٢) والخليل أنها فَعَلَةِ، والأصل: أَيَية بفتح العين، تحرَّكَتِ الياءِ(٣) وانفتح ما قبلَها فَقُلِبت ألفاً، وهذا شاذٌ، لأنه إذا اجتمع حرفا عِلة أُعِلَّ الأخيرُ(٤)، لأنه مَحَلُّ التغييرِ نحو هَوَىْ وَجَوَى، ومثلُها في الشذوذِ: غاية وطاية (٥) وراية. ومذهبُ الكسائي أن وَزنَها آبِّة على وزن فاعِلة، فكانَ القياسُ أن يُدْغَمَ فيقال: آيَّة كدابَّة إلا (٦) أنه تُرِكَ ذلك تخفيفاً، فحذَفُوا عينَها كما خفَّفوا كْنونة والأصل: كَّنونة بتشديد الياء، وَضَعَّفوا هذا بأنَّ بناءَ كَيَّنونة أثقلُ فناسَبَ التخفيف بخلافٍ هذه . ومذهبُ (٧) الفرَّاءُ أنَّها فَعْلَةٌ بسكونِ العين، واختاره أبو البقاء (٨) قال: (لأنها من تَأَيًّا القوم أي اجتمعوا، وقالوا في الجمع: آيَاء، فَظَهَرَتِ الْيَاءُ [الأولى](٩)، والهمزةُ الأخيرةُ بدلٌ من ياء، ووزنُه أَفْعال، والألفُ الثانيةُ بدلٌ مِنْ همزةٍ(١٠) هي فاءُ الكلمةِ، ولو كانَتْ عينُها واواً لقالوا في الجمع: آواء، ثم إنهم قَلَبوا الياءَ الساكنةَ ألفاً على غيرِ قياس)) انتهى. يعني أنَّ حرفَ الغُلَّةِ لا يُقْلَبُ حتى يَتَحرََّ وینفتحَ (١١) ما قبله. (١) انظر: شرح الشافية ١١٨/٣؛ الممتع ٥٨٢/٢. (٢) الكتاب ٣٨٧/٢. (٣) صح: الغاء. (٤) ع: الآخر. (٥) الطاية: السطح. (٦) سقط من (ص ح) كلام يبدأ من هنا بمقدار صفحة. (٧). ي: ((وهذا مذهب)) بإقحام ((هذا)). (٨) الإملاء ٣٢/١. (٩) زيادة من أبي البقاء. (١٠) ي: ((الهمزة وهي)). (١١) ي: ((أو ينفتح)) بإقحام الهمزة. ٣٠٨ - البقرة - وذهبَ بعضُ الكوفيين إلى أن وزنها أَبِيّة، بكسر العين مثل: نِّقَّةِ (١) فَأُعِلَّ، وهو في الشذوذِ كمذهبٍ سيبويه والخليل. وقيل وزنُها: فَعُلَة بضم العين، وقيل أصلُها: أياة بإعلال الثاني، فَقُلبت بأَنْ قُدِّمَتِ اللامُ وأُخْرَتِ العينُ وهو ضعيفٌ. فهذه ستةُ مذاهبَ لا يَسْلَمُ كلَّ واحدٍ منها من شذوذٍ. آ. (٤٠) قوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل﴾ .. ((بني)) منادى وعلامةُ نصبِهِ الياءُ لأنه جمعُ مذكرٍ سالمٌ وَحُذِفَتْ نونُه للإِضافةِ، وهو شبيهٌ بجَمْعٍ التكسيرِ لتغيُّرِ مفرِده، ولذلك عامَله العربُ ببعضِ (٢) معاملةِ التكسيرِ فَأَلْحقوا في فِعْلِم(٣) المسندِ إليه تاءَ التأنيثِ نحو: قالت بنو فلان، وقال الشاعرَ(٤): ٤٠٠ - قالَتْ بنو عامِرٍ خالُوا بني أَسْدٍ يا بؤسَ للجهلِ ضَرَّاراً لأقوامٍ وأعْربوه بالحركاتِ أيضاً إلحاقاً [له](٥) به، قال الشاعر(٦): ٤٠١ - وكان لنا أبو حسن أباً بَرَّأ ونحنَ له بنينُ عليّ برفعِ النونِ، وهل لامُه ياءٌ لأنه مشتقٌ من البناء لأن الابنَ من فّرْعِ الأبِ، ومبنيًّ عليه، أو واوٌ لقولهم: البُنُوَّة كالْأُبْوَّة والْأَخُوَّة؟ قولان. الصحيحُ الأولُ، وأمّا البُنُوّة فلا دلالَةَ فيها لأنهم قد قالوا: الفُتُوَّة، ولا خلافَ أنها من ذوات الياء، إلا أنَّ الأخفشَ رَجَّح الثاني بأنَّ حَذْفَ الواو أكثرُ. واختُلِفَ في (١) النّبِقَة: ما يحمله السدر. (٢) ي: ((بعض)). (٣) ي: ((فعل)). (٤) البيت للنابغة، وهو في ديوانه ٢٢٠؛ والخصائص ١٠٦/٣؛ وكتاب اللامات ١١١؛ وذيل الأمالي ١٣٩؛ وأمالي الشجري ٨٠/٢؛ والإنصاف ٣٣٠؛ واللسان: خلا؛ والهمع ١٧٣/١. وخالوا: تخلَّوا مِنْ حلفهم. (٥) سقط من: ي. (٦) البيت لسعيد بن قيس وهو في العيني ١٥٦/١؛ وأوضح المسالك ٣٩/١؛ والخزانة ٤١٨/٣. ٣٠٩ البقرة - وزنه فقيل: بَنِّي(١) بفتح العين وقيل بَنْي بسكونها، وقد تقدم أنه أحد الأسماء العشرةِ التي سُكُّنَتْ فاؤها (٢) وعُوِّضَ من لامِها همزةُ الوصلِ . وإسرائيل: خَفْضِ بالإِضافةِ، ولا يَنْصَرِفُ للعلَمِيَّة والعُجْمة، وهو مركبٌ تركيبَ الإِضافةِ مثل: عبد الله، فإنَّ ((إِسْرا)) هو العبدُ بلغتِهم، و ((إيل)) هو اللهُ تعالى. وقيل (٣): ((إِسْرا) مشتقٌ من الأسْرِ وهو القوة، فكأن معناه: الذي قَوَّاه الله. وقيل لأنه أُسْرِي بِالليلِ مُهاجراً إلى اللهِ تعالى. وقيل: لأنه أَسْرَ جِنَّاً كان يُطْفِىءُ سِراج (٤) بَيْتِ المَقْدِس. قال بعضُهُم: فعلى هذا يكونُ بِعِضُ الاسمِ عربياً وبعضُه أعجمياً، وقد تَصَرَّفَتْ فيه العربُ بلغاتٍ كثيرةٍ أفصَحُها(٥) لغةُ القرآنِ(٦) وهي قراءةُ الجمهور. وقرأ أبو جعفر والأعمش (٧): ((إسْرايِل)) بياءٍ بعد الألف من غيرِ همزةٍ(٨)، ورُوي عن ورش: اسْرائِل بهمزةٍ بعد الألف دونَ ياءٍ، واسْرَأَلَ بهمزةٍ مفتوحةٍ بين الراء واللام [واسْرَئِل بهمزة مكسورةٍ بين الراء واللام](٩) وإسْرال بألفٍ محضة بين الراءِ واللامِ، قال الشاعر(١٠): غيرَ نفسي إلا بني إِسْرالٍ ٤٠٢- لا أَرَىْ مَنْ يُعينُني في حياتي (١) ع: ((هي)). : (٢) ي: ((واوها)». (٣) حكاه المهدوي كما في تفسير ابن عطية ٢٥٠/١. (٤) ي: ((السراج)) بإقحام أل. (٥) ي: «وأفصحها)». (٦) صح: ((القراءة)). (٧) سليمان بن مهران الكوفي، أخذ عن النخعي وعاصم وروى عنه حمزة الزيات، توفي سنة ١٤٨. انظر: طبقات القراء ٣١٥/١؛ وطبقات ابن سعد ٣٤٢/٦. (٨) نقل أبو حيان في البحر ١٧١/١، أن قراءة أبي جعفر بيائين بعد الألف. (٩) سقط من ي. (١٠) البيت لأمية بن أبي الصلت وهو في ديوانه ٥١؛ والبحر ١٧٢/١. ٣١٠ - البقرة - وتُرْوى قراءةً عن نافع. و ((إِسرائِين)) أَبْدلوا من اللامِ نوناً كأُصَيْلان في أُصَيْلال، قال(١): ٤٠٣ - قالَتْ وكنتُ رجلاً فَطِينا هذا - وربِّ البيتِ - إسرائينا ويُجْمَع على ((أَساريل))(٢). وأجاز الكوفيون: أَسارِلَة، وأسارٍل، كأنهم يُجيزون التعويضَ وعدمه، نحو: فَرازِنة وفرازِين(٣). قال الصفَّار(٤): ((لا نعلم(٥) أحداً يُجيز حذفَ الهمزةِ من أوَّلِهِ)». قوله: ((اذكروا نعمتي) اذكروا فعلٌ وفاعلٌ، ونعمتي مفعولٌ، وقال ابن الأنباري: ((لا بُدَّ مِنْ حذفِ مضافٍ تقديرُه: شُكْرَ نِعْمتي. والذِّكر والذُّكر بكسرِ الذال وضَمِّها بمعنىَّ واحدٍ، ويكونان باللسانِ وبالجَنانِ(٦). وقال الكسائي: ((هو بالكسر لِلِّسان وبالضمّ للقلب)) فضدُّ المكسور: الصمتُ، وضدُ المضمومِ : النُّسْيان، وفي الجملةِ فالذكرُ الذي محلُّه القلبُ ضدُّه النسيانُ، والذي محلُّه اللسانُ ضِدُّه الصمتُ، سواءً قيل: إنهما (٧) بمعنَى واحدٍ أم لا . والنِّعْمَةُ: اسمٌ لِما يُنْعَمُ به وهي شبيهةٌ فِعْلٍ بمعنى(٨) مَفْعول نحو: ذِْح ورِعْي، والمرادُ بها الجمعُ لأنها اسمُ جنسٍ، قال تعالى: ((وإنْ تَعُدُّوا (١) تقدم برقم ١٦٨، وإسرائين لغة تميم كما في ابن عطية ٢٥٠/١. (٢) ي: ((اسراريل)). (٣) الفرازين: ج فرزان وهي الملكة في لعبة الشطرنج. (٤)، القاسم بن علي، صحب ابن عصفور، وله: شرح الكتاب، توفي بعد سنة ٦٣٠. انظر: البلغة ١٨٨؛ والبغية ٢٥٦/٢. (٥). ع: (ولا)). (٦) ص: ((والجنان)». (٧) ي: ((انها)). (٨) ي: ((معنى)). ٣١١ - البقرة - نعمةَ اللهِ لا تُحْصُوها)(١). و((التي أَنْعَمْتُ)) صفتُها والعائدُ(٢) محذوفٌ. فإِنْ قيل: مِنْ شرطِ حَذْفِ عائدِ الموصولِ إذا كان مجروراً أن يُجَرَّ الموصولُ بمثلِ ذلك الحرفِ وأَنْ يَتَّحِدَ متعلَّقُهما، وهنا قد فُقِد (٣) الشرطان، فَإِنَّ الأصلَ: التي أنعمتُ بها، فالجوابُ أنه إنما حُذِف بعد أَنْ صار منصوباً بحَذْفٍ حَرْفِ الجرِّ اتساعاً فبقي (٤): أنعمتُها، وهو (٥) نظيرُ: ((كالذي خاضوا)) (٦) في أحدٍ الأوجه، وسيأتي تحقيقُه إنْ شاء الله تعالى. و ((عليكُمْ)) متعلُّقٌ به، وأتى بـ ((على)) دلالةٌ على شمولِ النعمةِ لهم. قوله: ((وأَوْفُوا بعهدي)) هذه جملةٌ أمريةٌ عطْفٌ على الأمريَّةِ قبلَها، ويقال: أَوْفَى وَوَفَى (٧) وَوَفَّى مشدّداً ومخففاً، ثلاثُ لغات بمعنىَّ، قَال الشاعر (٨): ٤٠٤ - أمّا ابنُ طَوْقٍ فقد أَوْفَى بِذِمَّتِهِ. كمَا وَفَى بِقِلاصِ النَّجْمِ حاِيها فَجَمَع بين اللغتين. ويقال: أَوْفَيْتُ ووفَيْتُ بالعهدِ وأَوْفَيت الكيلَ لا غيرُ. وعن بعضِهم أنَّ اللغاتِ الثلاثَ واردةٌ في القرآن، أمّا (٩) (أَوْفِى)) (١) الآية ٣٤ من إبراهيم (٢) ي: ((فالعائد)». (٣) ص: ((فقد فقد)). (٤) ص ح: ((فنفي)). (٥) ي: ((وهي)). (٦) الآية ٦٩ من التوبة: وخضتم كالذي خاضوا. (٧) قوله: ((ووفي)) سقط من ع. (٨) البيت لطفيل الغنوي، وهو في ملحق ديوانه ٦٥؛ والكامل ٣٤٠؛ والخصائص ٣٧٠/١؛ واللسان: قلص، والقرطبي ٣٢/٦؛ وقلاص النجم: النجوم التي ساقها الدَّبَران في خطبة الثريا فيما تزعمه العرب. (٩) ص: (وأما)). ٣١٢ - البقرة - فكهذه(١) الآية، وأمَّا (وفَّى)) بالتشديد فكقوله:((وإبراهيمَ الذي وَفَّى))(٢)، وأمَّا (وَفَى)) بالتخفيف فلِم يُصَرَّح به، وإنما أُخِذَ مِنْ قوله تعالى: ((ومَنْ أوفى بعهده من اللّه))(٣)، وذلك أنَّ أَفْعَلَ التفضيلَ لا يُبْنَى إلا (٤) من الثلاثي كالتعجّب هذا هو المشهورُ، وإنْ كانَ في المسألة كلامٌ كثيرٌ، ويُحْكى أن المستنبِطَ لذلك أبو القاسم الشاطبي(٥)، ويجيء ((أَوْفَى))(٦) بمعنى ارتفع، قال(٧): ٤٠٥ - رُبَّمَا أَوْفَيْتُ في عَلَمٍ تَرْفَعَنْ ثوبي شَمالاتُ و (بعهدي)) متعلُّقٌ بـ ((أَوْفُوا)) والعَهْدُ مصدرٌ، ويُحتمل (٨) إضافتُه للفاعل أو (٩) المفعول. والمعنى: بما عَاهَدْتُكم عليه من قَبول الطاعة، ونحوُه: ((ألم أَعْهَدْ إلَيكُمْ يا بني آدَم))(١٠) أو بما عاهَدْ تموني عليه، ونحوُهُ: ((ومَنْ أَوْفَى بما عاهَدَ عليهُ اللهَ))(١١)، ((صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه))(١٢). قوله: ((أُوْفٍ)) مجزومٌ على جوابِ الأمر، وهل الجازمُ الجملةُ الطلبيةُ (١) ص ح: ((فلهذه)). (٢) الآية ٣٧ من النجم. (٣) الآية ١١١ من التوبة. (٤) ص ح: ((الأمر)). (٥) القاسم بن فيره، ومعناها الحديد، قرأ على الصدفي، وله: الشاطبية في القراءات، توفي سنة ٥٩٠. انظر: طبقات القراء ٢٠/٢. (٦) ي: ((أو)). (٧) البيت لجذيمة الأبرش، وهو في الكتاب ١٥٣/٢؛ والنوادر ٢١٠؛ والجمع ٣٨/٢؛ والدرر ٤١/٢؛ وشمالات: ريح الشمال، وعلم: جبل. (٨) ص ح: ((يحتمل)). (٩) ي: ((و)) بإسقاط الألف. (١٠) الآية ٦٠ من يس. (١١) الآية ١٠ من الفتح. (١٢) الآية ٢٣ من الأحزاب. ٣١٣ - البقرة - نفسُها(١) لِما تضمَّنَتْه مِنْ معنى الشرط، أو حرفُ شرطٍ مقَدِّرُ تقديرُه: ((إِنْ تُوفوا بعَهْدي أَوفٍ)) قولان. وهكذا كلَّ ما جُزِم في جوابٍ طلب(٢) يجري [فيه](٣) هذا الخلاف. و (بعَهْدِكم)) متعلِّقٌ به، وهو محتمِلٌ للإضافةِ إلى الفاعلِ أو المفعولِ كما تقدَّم. قولُه: ((وإِيَّيَ فارْهَبون)) ((إِيَّاي)) ضميرٌ منصوبٌ منفصلٌ، وقد عُرِفٍ ما فيه من الفاتحة (٤). ونصبُه بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرُهُ الظاهرُ بعدَه، والتقديرُ: ((وإياي ارهبوا فارهبون)) وإنما قُدَّرْتُه متأخراً عنه، لأنَّ تقديرَه متقدِّماً عليه لا يَحْسُنُ. لانفصالِه(٥)، وإنْ كان بعضُهم قَدَّره كذلك. والفاءُ في ((فارهبون))(٦) فيها قولان للنحويين، أحدُهما: أنها جوابُ أمر مقدَّر تقديرُه: تَنَبَّهوا فارهبون، وهو نظيرُ قولِهم: ((زيداً فاضرب)) أي: تنبَّهْ فاضربْ زيداً، ثم حُذِف: تَنَبّه فصار: فَاضْرِب زيداً، ثم قُدِّم المفعولُ إصلاحاً للَّفْظِ، لئلا تقعَ الفاءُ صدراً، وإنما دَخَلَتِ الفاءُ لتربِطَّ هاتين الجملتين. والقولُ الثاني في هذه الفاءِ: أنها زائدةٌ. وقال الشيخ بعد أن حكى القولَ الأولَ (٧): ((فتحتملُ الآيةُ وجهين أحدُهما: أن يكونَ التقديرُ: وإياي ارهبوا تنبّهُوا فارهبون، فتكونُ الفاءدخلَتْ في جواب الأمر وليست مؤخرةً من تقديم. والوجهُ الثاني أن يكونَ التقديرُ: وتنبّهوا فارهبون، ثم قُدِّم المفعولُ فانفصلَ وأُتِي بالفاء حين قُدِّم المفعول، (١) ع: ((بنفسها)). (٢) ص ح: ((شرط طلب)) بإقحام ((شرط)). (٣) سقط من: ي. (٤) انظر الآية ٥ من الفاتحة. (٥) تقديره: أي الفعل، لإنفصاله: أي الضمير، وقوله ((لانفصاله)) في ي: انفصاله. (٦) ص ح ع: ((أرهبون)). (٧) البخر ١٧٩/١. ٣١٤ - البقرة - وفعلُ الأمر الذي هو (١) تنَّهوا محذوفٌ، فالتقى (٢) بحذفِه الواوُ والفاءُ، يعني(٣) فصارَ التقديرُ: وفإياي (٤) ارهَبُوا(٥)، فقُدِّم المفعولُ على الفاءِ إصلاحاً للفظ، فصارَ: وإيَّاي (٦) فارهبوا، ثم أُعيد المفعولُ على سبيل التأكيد ولتكميل الفاصِلةِ، وعلى هذا ((فإِنَّاي)) منصوبٌ بما بَعده لا بفعلٍ محذوفٍ، ولا يَبْعُد تأكيد المنفصل بالمتصل كما لا يمتنعُ تأكيدُ المتصلِ بالمنفصلِ ، وفيه نظرٌ. والرَّهَبُ والرّهْبُ والرَّهْبةُ(٧): الخوفُ، مأخوذٌ من الرَّهابة وهي عَظْمٌ في الصدر يؤثِّر فيه (٨) الخوف. آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿بما أَنْزَلْتُ﴾ .. (ما)) يجوز أن تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ، أي: الذي (٩) أَنْزَلْتُه، ويجوز أن تكونَ مصدريةٌ، والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعولِ أي بالمنزَّلِ . و((مصدقاً) نصبٌ على الحالِ، وصاحبُها العائدُ المحذوفُ. وقيل: صاحبُها ((ما)) والعاملُ فيها ((آمنوا))، وأجازّ بعضُهم أن تكونَ ((ما)» مصدريةً من غير جَعْلِهِ(١٠) المصدرَ واقعاً موقعَ مفعولٍ به، وجَعَل ((لِما معكم)) من تمامه(١١)، أي: بإنزالي لِما معكم، وجَعَل ((مُصَدِّقاً)) (١) قوله: ((هو)) سقط من ص ح. (٢) ح ص: ((فاكتفى)). (٣) ح ص: ((بمعنى)). (٤) ي: «فایاي)). (٥) ع: «فارهبوا)). (٦) ص ح: ((إياي)). (٧) أقحم في ي: ((والرهيب)). (٨) ي: «فيها)). (٩) ص ح: ((بالذي)). (١٠) ص ح: ((غير ما)». (١١) ص ح: ((عامة)). ٣١٥ - البقرة: حالاً (١) من ((ما)) المجرورةِ باللامِ قُدَّمَتْ عليها وإن كان صاحبُها مجروراً، لأنَّ الصحيحَ جوازٌ تقديمِ حالِ المجرورِ [بحرفِ الجر](٢) عليه كقوله(٣): ٤٠٦ - فإنْ تَكُ أَنْوِدٌ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ فَلَنْ يَذْهبوا فَرْغاً بقْلِ حِبالِ ((فَرْغًا)) حالٌ من ((بقتل))، وأيضاً فهذه اللامُ زائدةٌ فهي في حكم المُطُرح، و((مصدقاً) حالٌ مؤكدة، لأنه لا تكونُ إلا كذلك. والظاهرُ أنَّ ((ما)) بمعنى الذي، وأنَّ (مصدقاً)) حالٌ مِنْ (٤) عائدِ الموصول، وأنَّ اللامَ فِي ((لِما)) مقويةٌ لتعدية ((مصَدِّقاً)) لـ ((ما)) الموصولةِ بالظرف. قوله: ((أَوَّلَ كافرٍ به)) ((أولَ)) خبرُ ((كان)) قبلَه، وفيه أربعة أقوال(٥)، أحدُها - وهو مذهبُ سيبويهِ - (٦) أنه أَفْعَل، وأنَّ فاءَه وعينَه واوٌ، وتأنيثَهِ أُوْلى، وأصلُها: وُوْلِى، فَأُبْدِلَتِ الواوُ همزةً وجوباً، وليست مثلَ ((وُوْرِيَ)) في عَدَمِ قَلْبها لسكونِ الواوِ بعدَها، لأنَّ واوَ (أُولَى)) تَحَرَّكت في الجمعِ في قولهم ((أُوَل))، فحُمِلَ المفردُ على الجمعِ في ذلك. ولم يَتَصَرَّفْ من ((أَوَّل)) فِعْلٌ لاستثقاله(٧). وقيل: هو مِنْ وَأَل إذا نجا، ففاؤه واوٌ وعينُه همزةٌ، وأصلُه أَوْ أَل، فَخُفِّقَت بأَنْ قُلِبْتِ الهمزةُ واواً، وأُدْغِم فيها الواوُ الأولى فصار: أوَّلُ، وهذا ليسَ بقياس تخفيفِه، بل قياسُه أن تُلْقى حركةُ الهمزةِ على الواو الساكنة (١) ي: ((حال)). (٢) سقط من: ي. (٣) البيت لطليحة بن خويلد، وهو في المحتسب ١٤٨/٢؛ والبحر المحيط ١٠٧/٧؛ والعيني ١٥٤/٣؛ والأشموني ١٧٧/٢؛ واللسان: فرغ. والذود من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشر، وفرغاً: هدراً، والمسألة منعها الجمهور. (٤) من قوله ((مؤكدة)) إلى قوله ((حال من)) سقط من ح ص. (٥) انظر: الممتع ٢ /٥٦٣. (٦) الكتاب ٣/٢. (٧) ي: ((لاستقلاله)). ٣١٦ - البقرة - وتُحْذَفَ الهمزةُ، ولكنهم (١) شَبَّهوه بخَطِيّ وبَرِيَّة(٢)، وهو ضعيفٌ، والجمع: أَوائل وأَوالي أيضاً على القلب. وقيل: هو من آل يَؤُول إذا رَجَع، وأصلُه: أَأْوَل بِهِمزتين الأولى زائدةٌ والثانيةُ فاؤه، ثم قُلِب(٣) فَأُخِّرَتِ الفاءُ بعد العين فصار: أَوْأَل بوزن أَعْفَل، ثم فُعِلَ به ما فُعِل في الوجهِ الذي قبلَه من القلب(٤) والإِدغامِ وهو أضعفُ منه. وقيل: هو وَوَّل بوزن فَوْعَلٍ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ الأولَى همزةً، وهذا القولُ أَضْعَفُها؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرفَ ليس إلَّ. والجمعُ: أوائل، والأصلُ: وَواوِل، فَقُلِبَتِ الأولى همزةً لِما تقدَّم، والثالثة (٥) أيضاً لوقوعِها بعد ألف الجمعِ . واعلم أَنَّ(أَوَّل) أَفْعَلُ تفضيلٍ ، وأَفْعَلُ التفضيلِ إذا أُضيفَ إلى نكرةٍ كان مفرداً مذكراً مطلقاً. ثم النكرةُ المضافُ إليها أَفْعل: إمَّا أن تكونَ جامدةً أو مشتقةً، فإنْ كانَتْ جامدةً طابقَتْ ما قبلها نحو: الزيدان أفضلُ رجلّيْن، الزيدون أفضلُ رجال، الهنداتُ (٦) أفضلُ نسوةٍ. وأجاز المبردُ إفرادَها مطلقاً ورَدَّ عليه النَّحْويون. وإن كانَتْ(٧) مشتقةً فالجمهورُ أيضاً على وجوبِ المطابقةِ نحو: ((الزيدُون أفضلُ ذاهبين وأكرمُ قادمين»، وأجاز بعضُهم المطابقةَ وعدَمَها، أنشد الفراء(٨): (١) ي: ((ولكن)). (٢) قال صاحب الممتع ٥٦٤: ((وإنما قلنا إن ((البَرِيَّة)) مما أُلْزم التخفيف البتة لقيام الدليل على ذلك لكونها مِنْ برأ الله الخلق، ولم يقم دليل على أن ((أول)) من وأل فتزعم أنه ألزم التخفيف)). (٣) ي: قلبت والتاء مقحمة. (٤) ح: ((المقلب)). (٥) ص ح: ((والتالي به)). (٦) ي : الهندان. (٧) ص ح: ((كان)). (٨) معاني القرآن للفراء ٣٣/١؛ والنوادر ١٥٢، وقال: إنه الرجل جاهلي؛ والطبري ٥٦٢/١؛ والبحر ١٧٧/١. ٣١٧ - البقرة وإذا هُمُ جاعوا فَشَرُّ جِياعٍ ٤٠٧ - وإذا هُمُ طَعِمُوا فَأَلْأُمُ طاعِمٍ فَأَفْرَدَ في الأولِ وطابَقَ في الثاني. ومنه عندَهم: ((ولا تكونوا أوَّلَ كافٍ به))((١). إذا تقرّر هذا فكان ينبغي على قولِ الجمهور أن يُجْمع ((كافر)»، فأجابوا عن ذلك بأوجهٍ، أَجْوَدُها: أَنَّ أَفْعَل في الآية وفي البيتِ مضافٌ لاسمٍ مفردٍ مُفْهِمٍ للجمع حُذِفَ وبَقِيتْ صفْتُه قائمةٌ مَقامَه، فجاءت النكرةُ المضافُ إليهَا أَفْعَل مفردةٍ اعتباراً بذلك الموصوف المحذوف، والتقدیرُ: ولا تكونوا أولَ فريقٍ - أو فوجٍ - كافٍ، وكذا: فَأَلاَمُ فريقٍ طاعمٍ، وقيل: لأنه في تأويل: أوَّلَ مِّنْ كفر به، وقيل: لأنه في معنى: لا يكُنْ كلَّ واحدٍ منكم أولَ كافرٍ، كقولك: كساناً حُلَّةٌ أي: كلُّ واحدٍ منا، ولا مفهومَ لهذهِ الصفةِ هنا فلا يُراد: ولا تكونوا أولَ كافرِ بل آخرَ كافر. ولمَّا اعتقدَ بعضُهم أنَّ لها مفهوماً احتاج إلى تأويل جَعْلِ ((أول)) زائداً، قال: تقديرُه ولا تكونوا كافرين به، وهذا ليس بشيء، وقدَّره بعضُهم بأَنَّ ثمَّ معطوفاً محذوفاً تقديرُه: ولا تكونوا أولَ كافرٍ بِهِ(٢) ولا آخرَ كافرٍ، ونصَّ على الأول لأنه أَفْحَشُ للابتداءِ به، وهو نظيرُ قولِهِ(٣): عاجلُ الفُحْشِ ولا سوءُ الجَزَّعْ ٤٠٨ - مِنْ أُناسٍ ليسَ في أَخْلاقِهِمْ لا يريد أن فيهم فُحْشاً آجلاً، بل يريد لا فُحْشَ عندهم لا عاجلاً ولا آجِلاً. والهاءُ في ((به)) تعودُ على ((ما أَنْزَلْتُ)) وهو الظاهرُ، وقيل: على ((ما معكم)) وقيل: على الرسولِ عليه السلام لأنّ التنزيلَ يَسْتَدْعِي مُنَزَّلاً إليه، وقيل: على النعمةِ ذهاباً بها إلى معنى الإِحسانِ. (١) الآية ٤١ من البقرة. (٢) قوله: به: سقط من ع. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر المحيط ١٧٧/١. ٣١٨ - البقرة - قوله: ((بآياتي ثمناً قليلاً)) متعلّقٌ بالاشتراءِ قبلَه، وضُمِّنَ الاشتراءُ معنى الاستبدالِ، فلذلك دَخَلَتِ الياءُ (١) على الآياتِ، وكان القياسُ دخولَها على ما هو ثَمَنٌ لأنَّ الثمنَ في البيعِ حقيقتُه أَن يَشْتَرَى به لا أَنْ يَشْتَرِي لكنْ لَمًّا دَخَلَ(٢) الكلامَ معنى الاستبدالِ جازَ ذلك، لأنَّ معنى الاستبدالِ أن يكونَ المنصوبُ فيه حاصلاً والمجرورُ بالباءِ زائلاً. وقد ظَنَّ بعضُهم أنَّ (بَدَّلْتُ الدرهمَ بالدينار)) وكذا (٣)« أَبْدَلْتُ))(٤) أيضاً أنَّ الدينارَ هو الحاصلُ والدرهمَ هو الزائلُ، وهو وَهْمٌ، ومِنْ مجيءٍ(٥) اشترى بمعنى استبدل(٦) قوله(٧): ٤٠٩ - كما اشْتَرَى المسلمُ إذ تَنَصِّرا وقول الآخر(٨): فإِنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بعدكِ بالجَهْلِ ٤١٠ - فإنْ تَزْعُمِينِ كُنْتُ أَجْهَلُ فیکم وقال المهدوي: ((دخولُ الباءِ على الآياتِ كدخولها على الثَّمن، وكذلك كلَّ ما لا عَيْنَ فيه، وإذا كان في الكلامِ دراهمُ أو دنانيرُ دخَلَتِ الباءُ (١) ص ح: ((الهاء)). (٢) ح: ((دخلت)). (٣) ي: ((أو)). (٤) ي: ((نزلت)). (٥) ص ح: ((محل)). (٦) ص: ((أشرك)). (٧) لم أهتد إلى قائله، وقبله : وبالطويلِ العُمْرِ عُمْراً حَيْدرا وهو في شواهد الكشاف ٣٩٤/٤؛ والبيت إشارة إلى قصة جبلة بن الأيهم الذي تنصّر. (٨) البيت لأبي ذؤيب، وهو في ديوانه الهذليين ٣٦/١؛ وابن عقيل ٣٢٩/١؛ والهمع ١٤٨/١؛ وشواهد الكشاف ٤٧٦/٤. ٣١٩ - البقرة - على الثمنِ قاله الفراء)(١) انتهى .. يعني أنه إذا لم يكُنْ في الكلامِ درهمٌ ولا دينارٌ(٢) صَحَّ أن يكونَ كلُّ من العِوَضَيْن ثمناً ومثمَّناً، لكن(٣) يَخْتَلِفُ [ذلك](٤) بالنسبة إلى المتعاقِدَيْن، فَمَنْ نَسَب الشراءَ إلى نفسِه أَدْخَلَ الْباء على ما خَرَج منه وزال عنه ونَصَب ما حَصَل له، فتقولُ: اشتريتُ هذا الثوبُ بهذا العبدِ، وأمَّا إذا كان ثَمَّ دراهمُ أو دنانيرُ كان ثَمِناً ليس إلَّ، نحو: اشتريْتُ الثوبَ بالدرهمِ، ولا تقول: اشتريْتُ الدرهمَ بالثوبِ. وقدَّرِ بعضُهم [مضافاً](٥) فقال: بتعليمِ آياتي لأنَّ الآياتِ نفسَها لا يُشْتَرِى بِها، ولا حاجةَ إلى ذلك، لأنَّ معناه الاستبدال كما تقدَّم. و («ثَمنّاً)) مفعولٌ به، و((قليلا)» صفتُه. و((إِيَّي فَاتَّقون)) كقولِهِ «وإِيَّي فارهبون))(٦). وقال هنا: [فاتقون، وهناك فارهبون لأنَّ تَرْكَ المأمور به هناك معصيةٌ وهي تَرْكُ ذِكْر النعمةِ والإِيفاءِ بالعَهْدِ، وهنا](٧) تَرْلُكُ الإِيمانِ بالمُنْزَّلِ والاشتراءُ به ثمناً قليلاً كفرٌ فناسبَ ذِكْرَ الرَّهَب هناك لأنه أخفُّ يجوزُ(٨) العَفْوُ عنه لكونه معصيةٌ، وذَكُر التقوى هنا لأنه كُفْرٌ لا يجوز العفو عنه، لأنَّ التقوى اتّخاذُ الوقايةِ لِما هو كائنٌ لا بُدَّ منه. آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿ولا تَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ﴾: الباءُ [هنا](٩) معناها الإلصاقُ، كقولك: خَلَطْتُ الماءَ باللبن، أَي: لَا تَخْلِطوا الحقَّ (١) انظر: معاني القرآن للفراء ٣٠/١. (٢) ي: ((أو دنانير)). (٣) ي: ((ذلك)). (٤) سقط من ي. (٥) سقط من ي. (٦) الآية ٤٠ من البقرة. (٧) سقط من: ي. (٨) ص ح: فيجوز. (٩) سقط من ي. ٣٢٠