Indexed OCR Text
Pages 261-280
- البقرة - لأنه أضعفُ(١) من الصفةِ المشبّهة التي هي أضعفُ من اسمِ الفاعلِ الذي هو أضعفُ من الفعلِ في العملِ، وهذا يكونُ نظيرَ ما أَوْلوه من قول الشاعر(٢): ولا مثلَنا يومَ التقَيْنَا فوارِساً ٣٤٥ - فلم أَرَ مثلَ الحِيِّ حَيّاً مُصَبَّحاً وأَضْرَبَ منا بالسيوفِ القوانِسا أَكَرَّ وأَحْمى للحقيقةِ منهمُ فالقوانسَ منصوبٌ بفعلٍ مقدَّر، أي بـ ((ضَرَب))، لا بـ ((أَضْرَبَ))، وفي ادِّعاء مثلِ ذلك في الآيةِ الكريمةِ بُعْدٌ لحذفِ(٣) شيئين: المفضَّلِ (٤) عليه والناصبِ لـ «ما)». آ. (٣١) قولُه تعالى: ﴿وَعَلَّم آدَمَ الأسماءَ كلَّها﴾ .. هذه الجملةُ يجوز إلَّ يكونَ لها مَحَلُّ من الإِعرابِ لاستئنافِها، وأنْ يكونَ محلُّها الجرَّ لعطفِها على ((قال ربك)). و ((عَلَّم)) هذه متعديةٌ إلى اثنين، وكانت قبلَ التضعيفِ متعديةً لواحدٍ (٥) لأنها عرفانيةٌ، فتعدَّتْ بالتضعيفِ لآخرَ، وفَرَّقوا بين ((عَلِم)) العُرْفانيةِ واليقينيةِ في التعديةِ، فإذا أرادوا أن يُعَدُّوا العرفانيةَ عَذَّوْها بالتضعيف، وإذا أرادوا أن يُعَدُّوا اليقينيةَ عَدَّوْها بالهمزةِ، ذكر ذلك أبو علي الشلوبين(٦)، وفاعلُ (عَلَّم)) يعودُ على الباري تعالى، و((آدَمَ)) مفعولُه. (١) ح ص ((أصعب)). (٢) البيتان للعباس بن مرداس، وهما في النوادر ٥٩؛ والأصمعيات ٢٠٥؛ والحماسة ٢٤٦/١؛ وابن يعيش ١٠٥/٦؛ والخزانة ٥١٧/٣؛ وشرح شواهد الكشاف ٤٢٩/٤. والمصبح: الذي يُغار عليه صباحاً، والقونس: أعلى بيضة الحديد. (٣) ص ح: ((حذف بإسقاط اللام. (٤) ص: ((الفعل))، ح: ((الفصل)). (٥) قوله ((لواحد)) سقط من ص. (٦) عمر بن محمد، روى عن السهيلي، وهو بلغة الأندلس الأشقر الأبيض، له: التوطئة وشرح الجزولية وشرح الكتاب، توفي سنة ٦٤٥. انظر: الإنباه ٣٣٢/٢؛ والبلغة ١٧٢؛ والبغية ٢٢٤/٢ . ٢٦١ البقرة - : وفيه ستةُ أقوال، أرجحُها [أنه](١) اسمٌ أعجميٍّ غيرُ مشتقٍّ، ووزنُهِ فاعَلَ. كنظائره نحو: آزَر وشالَحِ، وإنما مُنع من الصرفِ للعَلَمِيَّة والعجمةِ الشَّخْصيةِ، الثاني: أنه مشتقٌّ من الْأُدْمَة، وهي حُمْرَةٌ تميلُ إلى السوادِ، الثالث: أنه مشتقّ من أَدِيمِ الأرض، [وهو أوجَهُها ومُنِعَ من الصَّرْف على هذين القولين للوزن والعلميةِ. الرابعُ: أنه مشتقٌّ من أديم الأرض](٢) أيضاً على هذا الوزن أعني. وزنَ فاعَل وهذا خطأ، لأنه كان ينبغي أن يَنْصَرِفَ. الخامس: أنه عِبْرِيَّ من الإِدام وهو الترابُ. السادس: قال الطبري (٣): ((إنه في الأصل فِعْلٌ رباعي مثل: أَكْرَم، وسُمِّي به لِغرضِ إظهارِ الشيء حتى تُعْرَفَ جِهتُه)) والحاصلُ أنَّ ادِّعاءَ الاشتقاق فيه بعيدٌ، لأنَّ الأسماءَ الأعجميةَ لا يَدْخُلُها اشتقاقٌ ولا تصريفٌ، وآدُ وإن كانَ مفعولاً لفظاً فهو فاعِلٌ معنى، و((الأسماء)) مفعولٌ ثانٍ، والمسألةُ من باب أعطى وكسا، وله أحكامٌ تأتي إن شاء الله تعالى. وقُرىء: ((عُلِّم))(٤) مبنياً للمفعول، و((آدمُ)) رفعا لقيامهِ مَقامَ الفاعلِ. و (كلَّها)) تأكيدٌ للأسماءُ تابعٌ(٥) أبداً، وقد يلي العواملَ كما تقدَّم. وقولُه ((الأسماء كلَّها) الظاهرُ أنه لا يَحْتاج إلى ادِّعاءِ حَذْفٍ، لأنَّ المعنى: وَعَلَّم آدَمَ الأسماءَ، [ولم يُبَيِّنْ لنا أسماءً مخصوصةٌ، بل دَلَّ كلُّها على الشمولِ، والحكمةُ حاصلةٌ بتعلُّمِ الأسماءِ](٦)، وإنْ لم يَعْلَمْ مُسَمِّياتِها، أو يكونُ أَطْلَقَ الأسماءَ وأراد المسمَّيات، فعلى هذين الوجهين لا حَذْفَ. وقيل: لا بدَّ من حذفٍ واختلفوا فيه، فقيل: تقديرُه: أسماءَ المسمِّيات، فَحُذِفَ المضافُ إليه (١) قوله: ((أنه)) سقط من مي. (٢) ما بين معقوفين سقط من ي. (٣) التفسير ٤٨٢/١. (٤) قراءة اليماني ويزيد اليزيدي. البحر ١٤٥/١؛ والشواذ ٤. (٥) ح ص: ((مانع)). (٦) زيادة من: ع، وسقط من ي ص ح. ٢٦٢ - البقرة - للعلم. قال الزمخشري(١): (وعُوِّض منه اللامُ، كقوله تعالى: ((واشتعَلَ الرأسُ شَيْباً)(٢) ورُجِّح هذا القول بقوله تعالى: ((أنبئوني بأسماء هؤلاءٍ، فلمًّا أنبأهم بأسمائهم)» ولم يَقُل: أنبئوني بهؤلاءٍ فلمَّا أنبأهم بهم. ولكن في قوله: ((وعُوَّض منه اللام)) نظرً، لأن الألف واللام لا يَقُومان مقامَ الإِضافةِ عند البصريين. وقيل: تقديرُهُ مُسَمَّاتِ الأسماء، فَحُذِف المضافُ، وأُقيمَ المضافُ إليه مُقامه، ورُجِّح هذا القولُ بقولِه تعالى(٣): (ثم عَرَضَهمْ)) لأن الأسماء لا تُجْمَع كذلك، فدلَّ عَوْدَه على المسمِّياتِ. ونحوُ هذه الآيةِ قولُه تعالى: ((أو كظُلُماتٍ في بحر لُجِّيٍّ يغشاه موجٌ)) (٤) تقديرُه: أو كذي(٥) ظُلُمات، فالهاءُ في ((يَغْشَاه)) تعودُ على ((ذي)) المحذوفِ. قوله: ((ثم عَرَضَهُمْ علي الملائكةِ)) (ثم)) حرفٌ للتراخي(٦) كما تقدَّم، والضميرُ في ((عَرَضَهُمْ)) للمسمِّياتِ المقدَّرةِ أو لإِطلاقِ الأسماءِ وإرادةٍ المسمِّيات، كما تقدَّم. وقيل: يعودُ على الأسماءِ ونُقِل عن(٧) ابنِ عباس، ويؤيِّدُهُ قراءةُ مَنْ قرأ(٨): ((عَرضَها وعَرَضهُنَّ) إلا أنَّ في هذا القول جَعْلَ ضميرٍ غير العقلاء كضمير العقلاءِ، أو نقول: إنما قال ابن عباس ذلك بناءً منه أنّه أطلقَ الأسماء وأراد المسمِّيات كما تقدَّم وهو واضحٌ. و((على الملائكة)) متعلق بـ ((عرضهم)). (١) الكشاف ٢٧٢/١. (٢) الآية ٤ من مريم. (٣) قوله: ((تعالى)) سقط من ع. (٤) الآية ٤٠ من النور. (٥) ص ح: (الذي)). (٦) ي: «للترجي)). (٧) قوله ((عن)) سقط من ص ح. (٨) قرأ أُبَيّ: ثم عرضها، وقرأ عبد الله: ثم عرضهن. انظر: البحر ١٤٦/١؛ ابن عطية ٢٢٣/١؛ الشواذ ٤. ٢٦٣ - البقرة - قوله: (أَنْبِئوني بأسماءِ هؤلاء)» الإِنباءُ: الإخبارُ، وأَصلُ ((أنبأ)) أن يتعدّى لاثنين ثانيهما بحرفِ الجر كهذه الآية، وقد يُحْذَفُ الحرفُ، قال تعالى: ((مَنْ أنبأكَ هذا))(١) أي: بهذا(٢) وقد يتضمَّن معنى ((أَعْلَم)) اليقينية، فيتعدَّى تعديَّتُها إلى ثلاثة مفاعيل، ومثلُ أنبأ: نَبَّ وأخبر، وخبَّر وحدَّث. و((هؤلاء)) في محلٌ خفضٍ بالإِضافة، وهو اسمُ إشارة ورتبتُه دنيا، ويُمَدُّ ويُقْصَرُ، كقوله(٣): ٣٤٦ - هَؤْلا ثُمَّ هَؤُلا كُلَّ أعطَّيْ تَ نِعالاً مِحْذُوَّةٌ بِمِثال والمشهورُ بناؤهُ على الكسرِ، وقد يُضَمُّ وقد يُنَوَّنُ مكسوراً، وقد تُبْدَلُ همزتُه هاءً، فتقولُ: هَؤُلاء، وقد يقال: هَوْلا، كقوله(٤). ٣٤٧ - تجلَّدْ لا يَقُلْ هَوْلا هَذَا بكىَ لَمَّا بكىْ أَسَفا عليكا ولامُه عند الفارسيّ همزةٌ فتكونُ فاؤه ولامُه من مادةٍ واحدةٍ، وعند المبرِّد أصلُها ياءُ وإنما قُلِبَتْ همزةً لتطُّفها بعد الألفِ الزائدة. قوله: ((إنْ كُنْتُمْ صَادِقِين)» قد تقدَّم نظيره(٥)، وجوابُه محذوف أي: إِنْ كنتمْ صادقين فأنبئوني، والكوفيون والمبرد(٦) يَرَوْنَ أنَّ الجوابَ هو المتقدِّمُ، وهو مردودٌ بقولِهِم: ((أنتَ ظالمُ إن فعلْتَ)) لأنه لو كان جواباً لوَجَبَت الفاءُ : (١) الآية ٣ من المتحريم. (٢) ي: ((هذا)). (٣) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ١١؛ وابن عطية ٢٢٥/١؛ والبحر ١٣٨/١؛ والقرطبي ٠ ٢٨٤/١؛ وحذا النعل: قطعها وقدَّرها على مثال، أي ألبسهم نعالاً محذوة بمثال، فالعقاب على قدر جرمهم. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ١٣٨/١؛ والخزانة ٤٧٠/٢. وتجلد: أمر من الجلادة وهو التحفظ من الجزع. (٥) نظيره الآية ٢٣ من البقرة. (٦) المقتضب ٢٩/٣. ٢٦٤ - البقرة - معه، كما تَجِبُ معه متأخراً، وقال ابن عطية (١): (إنَّ كونَ الجوابِ محذوفاً هو رأيُ المبرد وكونه متقدّماً هو رأيُ سيبويه))(٢) وهو وَهْمٌ. أ. (٣٢) قوله تعالى: ﴿قالوا سُبْحانك﴾ .. ((سُبْحان)) اسمُ مصدرٍ وهو التسبيح، وقيل: بل(٣) هو مصدرٌ لأنه سُمِعَ له فعلٌ ثلاثي، وهو من الأسماء اللازمةِ للإِضافة وقد يُفْرَدُ، وإذا أُفْرِد مُنِعَ الصرفَ للتعريفِ وزيادةِ الألفِ والنون کقوله(٤): ٣٤٨ - أقولُ لَّمَّا جاءني فَخْرُه سُبْحَانَ مِنْ عِلقَمَةَ الفاخِرِ وقد جاء منوَّناً كقوله(٥): ٣٤٩ - سبحانَه ثم سُبْحاناً نعوذُ به وقبلَنَا سبَّحِ الجُودِيُّ والجُمُدُ فقيل: صُرِف ضرورةٌ، وقيل: هو بمنزلة قبلُ وبعدُ، إن(٦) نُوي تعريفُه بقي على حالِهِ، وإن نُكَّر أُعْرِبَ منصرفاً، وهذا(٧) البيتُ يساعِدُ على كونِهِ مصدراً [لا اسمَ مصدرٍ](٨) لورودِه منصرفاً. ولقائلِ القولِ الأولِ أن يُجيب عنه بأنّ هذا نكرةٌ لا معرفةٌ، وهو من الأسماءِ اللازمةِ (٩) النصبَ على (١) التفسير ٢٢٥/١. (٢) الكتاب ٤٣٨/١. (٣) ي: «هوبل) وهو سهو. (٤) تقدم برقم ٣٤٢. (٥) البيت لأمية بن أبي الصلت. وهو في ديوانه ٣٠؛ والكتاب ١٦٤/١؛ وأمالي الشجري ٣٤٨/١؛ والخزانة ٣٧/٢؛ والدرر ١٦٣/١، كما ينسب لورقة بن نوفل. والجودي: جبل بالموصل، والجمد: جبل قريب من مكة. (٦) ي: «وان)». (٧) صح: ((وهنا). (٨) سقط من: ي، وعلة المؤلف واهية لأن المصدر واسم المصدر ينونان. (٩) ي: ((الملازمة)). ٢٦٥ - البقرة - المصدريةِ فلا يتصرّفُ(١)، والناصبُ له فعلٌ مقدرٌ لا يجوزُ إظهارُه، وقد رُوي عن الكسائي أنه جَعَلَه منادى تقديرُه: يا سبحانَك، وأباه الجمهورُ(٢) من النحاةِ، وإضافتُه [هنا](٣) إلى المفعولِ لأنَّ المعنى: نُسَبِّحُك نحنُ. وقيل: بل إضافتهُ للفاعل، والمعنى: تنزَّهْتَ وتباعَدْتَ من السوء وسبحانَكَ(٤)، والعاملُ فيه في محلِّ تُصبٍ بالقول. قوله: ((لا عِلْمَ لَنا إلا مَا عَلَّمْتَنَا)) كقوله تعالى: ((لا ريبَ فيه))(٥)، و((إلَّ)) حرفُ استثناء، و((ما)) موصولةٌ، و ((علَّمْتنا) صلتُها، وعائدُها محذوفٌ، على أن يكونَ «عِلْم)» بمعنى مَعْلُوم، ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً وهي في محلّ نصب على الاستثناءِ، [ولا يجوزُ أن تكونَ منصوبةً بالعِلْم الذي هو اسمُ لا لأنه إذا عَمِل كان مُعْرباً](٦)، وقيل: في(٧) محلِّ رفعٍ على البدلِ من اسم (لا)) على الموضع. وقال ابن عطية (٨): ((هو بدلٌ من خبر التبرئة كقولهم: ((لا إلهَ إلا اللهُ)) وفِيهِ نظرٌ، لأن الاستثناءَ إنما هو من المحكومِ عليه بقيدٍ الحكم لا مِن المحكومِ به .. وَنقَل هو عن الزهراوي (٩) أنَّ ((ما)) منصوبَةٌ بعلَّمْتَنَا بعدَها، وهذا غيرُ معقولٍ لأنه كيف ينتصِبُ الموصولُ بصلتِهِ وتَعْمَلُ فيه؟ قال الشيخُ (١٠): ((إِلا أَنْ يُتَكَلَّف لَه وجهٌ بعيدٌ، وهو أن يكونَ استثناءً منقطعاً بمعنى (١) ي: ((ولا)). (٢) ع: ((جمهور النحويين)). (٣) سقط من: ي. (٤) ي: ((سبحانك)). (٥) الآية ٢ من البقرة. (٦) ما بين معقوفين ورد في: ي، بعد قوله: وعائدها محذوف، وما أثبتناه من: ع. (٧) ي: بل في. (٨) التفسير ٢٢٦/١. (٩) عمر بن عبيدالله الذهلي القرطبي، محدِّث الأندلس، وروى عن عبدالوارث بن سفيان، توفي سنة ٤٥٤. انظر: العبر للذهبي ٢٣٣/٣. (١٠) البحر ١٤٨/١. ٢٦٦ - البقرة - لكنْ، وتكونُ (ما)(١) شرطيةً، و((علَّمتنَا)) ناصبٌ لها وهو (٢) في محلّ جَزْمٍ بها والجوابُ محذوفٌ، والتقديرُ: لكنْ ما علَّمْتنا عَلِمناه. قولُه: ((إنك أنت العليمُ الحكيم)) أنتَ يَحتمِلُ ثلاثةَ أوجهٍ، أن يكونَ تأكيداً لاسم إنَّ فيكونَ منصوبَ المحلِّ، وأن يكونَ مبتدأ خبرُه ما بعده والجملةُ خبرُ إِنَّ، وأن يكونَ فَصْلًا، وفيه الخلافُ المشهورُ، وهل له محلّ إعراب أم لا؟ وإذا قيل: إنَّ له محلًّ، فهل بإعرابِ ما قبلَه كقولِ الفراء(٣) فيكونُ في محلِّ نصبٍ، أو بإعراب ما بعده، فيكونُ في محلِّ رَفعٍ كقول الكسائي؟ و((الحكيمُ)) خبرٌ ثانٍ أو صفةٌ للعليم، وهما فَعِيل بمعنى فاعِل، وفيهما من المبالغةِ ما ليس فيه. والحُكْم(٤) لغةً: الإِتقانُ والمَنْعِ من الخروجِ عن الإِرادة، ومنه حَكَمَةُ الدابة(٥) وقال جرير(٦): ٣٥٠ - أبني حُنَيْفَةَ أحْكِموا سفهاءَكُمْ إني أخافُ عليكُمُ أَنْ أَغْضَبَا وقَدَّم ((العليم)) على ((الحكيم)) لأنه هو المتصلُ به في قوله: ((عَلَّم)) وقوله: ((لا عِلْمَ لنا))، فناسَبَ اتَّصالَه بهِ، ولأنَّ الِحِكْمَةَ ناشئةٌ عن العِلْمِ وأثرٌ له، وكثيراً ما تُقَدَّمُ صفةُ العِلْم عليها، والحكيمُ صفةُ ذاتٍ إِنْ فُسِّر بذي الحكمةِ، وصفةُ فِعْلٍ إِنْ فُسِّر بأنه المُحْكِمُ لصَنْعَتِهِ. آ. (٣٣) قوله تعالى: ﴿قال يا آدمُ أَنْبِثْهم بأسمائهم﴾ .. «آدَمُ» مبنيًّ (١) ع: ((لا)). (٢) قوله: ((وهو)) سقط من ص. (٣) معاني القرآن ١٤٨/١، ٢٣٨/٢. (٤) ي: ((والحكمة)). (٥) حكمة الدابة: لجامها. وانظر: مفردات الراغب ١٢٦. (٦) البيت في ديوانه ٥٠؛ واللسان: حكم، وشواهد الكشاف ٣٣٦/٤. ٢٦٧ - البقرة ــ على الضم لأنه مغردٌ مِعرفَةٌ، وكلُّ ما كان كذلكُ بني على ما كان يُرْفع بِهِ، وهو في مَحلِّ نصبٍ لوقوعه موقعَ [المفعولِ به فإنَّ تقديره. أدعو آدمَ، وبُنِي الوقوعِه موقعٌ](١) المضمرِ، والأصلُ: يا إياك، كقولهم: ((يا إياك قد كُفِيْتُكَ)) ويا أنتَ كقوله (٢): ٣٥١ - يَا أَبْجَرَ بِنَّ أَبْجَرِ يا أَنْتَا أنتَ الذي طَلَّقْتَ عامَ جُعْثًا قد أحسنَ اللهُ وقد أَسَأْتَنا و (يا إياك)) أقيسُ من ((يا أنت)) لأنَّ الموضعَ موضعُ نَصْبٍ، فإياك لائقٌ به، وتحرَّزْتُ بالمفردِ من المضافِ نحو: يا عبدَ الله، ومن الشبيهِ به وهو عبارةٌ عَمَّا كان الثاني. فيه من تمامِ معنى الأول نحو: يا خيراً من زيدٍ ويا ثلاثةً وثلاثين، وبالمعرفة من النكرة غير المقصودة نحو قوله (٣): ٣٥٢ - أيا راكباً إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغْنْ ندامَاي مِنْ نجرانَ ألَّ تلاقيا فإن هذه الأنواع الثلاثة معربةٌ نصباً. و ((أَنْبِثْهُمْ) فعلُ أمر وفاعلٌ ومفعولٌ، والمشهورُ: أَنِْثْهُمْ(٤) مهموزاً مضمومَ الهاء، وقُرىء بكسر الهاءِ وتُرْوى عن ابنِ عامر(٥)، كأنه أَتْبَعَ الهاءَ لحركةِ البَاءِ (١) ما بين معقوفين سقط من ي. (٢) البيت للأحوص وهو في ديوانه ٢١٦ أو سالم بن دارة؛ والنوادر ١٦٣؛ وأوضح المسالك ٧٢/٣؛ وأمالي الشجري ٧٩/٢؛ وابن يعيش ١٢٧/١؛ والخزانة ٢٨٩/١. وطلّقت: فارقت خلائلك . (٣) البيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي، وهو في المفضليات ١٥٦؛ والكتاب ٣١٢/١؛ والخصائص ٤٤٨/٢؛ والجمهرة ٢٨٢؛ ومجالس ثعلب ٤٨٨؛ والمقتضب ٢٠٤/٤؛ وأمالي القالي ١٣٢/٣؛ والعيني ٤٢/٣. (٤) ص ح: ((اسم)) تحريف. (٥) ثمة روايتان عنه الأولى: أنبيهم، والثانية: أنيثْهِم. انظر: السبعة ١٥٣؛ البحر ١٤٩/١، وقد نسب أبو حيان رواية السمين عن ابن عامر إلى ابن عباس. ٢٦٨ - البقرة - ولم يَعْتَدَّ بالهمزةِ لأنها ساكنةٌ، فهي حاجزٌ غيرُ(١) حصينٍ، وقُرِىء بحَذْفٍ الهمزة ورُوِيَتْ عن ابنٍ كثير (٢)، قال ابن جني (٣): ((هذا على إبدالِ الهمزة ياءٌ كَمَا تقولَ: أَنْبَيْتُ بزنة أَعْطَيْت. قال: ((وهذا ضعيفٌ في اللغة لأنه بدلٌ لا تخفيف، والبدلُ عندنا لا يجوزُ إلَّ في ضرورةٍ»، وهذا من أبي الفتح غيرُ مُرْضٍ لأن البدلَ جاء فِي سَعَةِ الكلامِ، حكى الأخفشُ في ((الأوسط)) له أنهم يقولون في أَخْطَأْت: أَخْطَيْتُ، وفي توضّأْت: توضَّيْتُ، قال: ((وربما حَوَّلُوه(٤) إلى الواوِ، وهو قليلٌ، قالوا: رَفَوْتُ فِي رَفَأْتُ ولم يُسْمِعِ رَفَيْتُ)). إذا تقرَّر ذلك فللنَّحْوبين في حرف العلة المبدلِ من الهمزة نظرٌ في أنه هل يجري مَجْرى حرف العلةِ الأصلي(٥) أم يُنظرُ إلى أصله؟ ورتّبُوا على ذلك أحكاماً ومِن جملتها: هل يُحْذَفُ جَزْماً كالحرف غيرِ المُبْدِل [أم لا](٦) نظراً إلى أصلِه، واستدلَّ بعضُهم على حَذْفِه جَزْماً بقول زهير (٧): سريعاً وإلاَّ يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِمِ ٣٥٣ - جريءٍ متى يُظْلَمْ يُعاقِبْ بِظُلْمِه لأنَّ(٨) أصله ((يُبْدَأ) بالهمزةِ فكذلك هذه الآيةُ أُبْدِلَتِ الهمزةُ ياءٌ ثم حُذِفَتَ حَمْلاً للأمرِ على المجزومِ . وقُرىء (٩) (أنبيهم) بإثباتِ الياء (١٠) نظراً إلى (١) ص ح: ((عن)). (٢) وهي من طريق القواس وقراءة الحسن والأعرج. وهذه القراءة على وزن أَعْطِهم. انظر: المحتسب ٦٦/١؛ وابن عطية ٢٢٧/١؛ والبحر ١٤٩/١. (٣) المحتسب ٦٦/١. (٤) ع: ((حرکوه)). (٥) ي: ((الأصلية)). (٦) سقط قوله ((أم لا)) من: ي. (٧) ديوانه ٢٤ . (٨) ي: ((لأنه)). (٩) وهي قراءة ابن أبي عبلة كما في الشواذ ٤. (١٠) صح: ((الفاء)). ٢٦٩ - البقرة الهمزةٍ(١) وهل تُضَمُّ الهاءُ نظراً للأصلِ أم تُكْبَرُ نظراً للصورة؟ وجهان(٢) مُنْقولان عن حمزةَ عند الوقفِ عليه . و ((بأسمائهم)) متعلّق بأَنِْئْهُمْ، وهو المفعولُ الثاني كما تقدَّم، وقد يتعدَّى بـ ((عن)) نحو: أنبأَتُه عن (٣) حالِهِ، وأَمَّا تعديتُه بـ ((مِنْ)) في قوله تعالى: ((قد نَبَّأَنَا اللَّهُ من أخبارِكم))(٤) فسيأتي في موضعه إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. قوله: ((قال: أَلم أَقُلْ لكم إني أعلمُ)) الآية. ((قال)) جوابُ (فلِمًا)) والهمزةُ للتقرير إذا دَخَلَتْ على نفي قَرَّرَتْهُ فَيَصِيرُ إثباتاً نحو: ((أَلَمْ نَشْرَحْ))(٥) أي: قد شرحنا و((لم)): حرفُ جزمٍ وقد تَقَدَّمَ أحكامُها، و(«أَقُلْء مجزومٌ بها حُذِفَتْ عينُه وهي الواوُ لالتقاءِ الساكنين. و((لكم)) متعلقٌ به، واللامُ للتبليغِ . والجملةُ من قوله ((إني أَعْلَمُ)) في محِلِّ نَصْبٍ بالقولِ. وقد تقدَّم نظائرُ (٦) هذا الترکیبِ فلا حاجةً إلى إعادته. قوله: ((وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُون)) كقوله: ((أَعْلَمُ ما لا تعلمون)) من كونٍ ((أَعْلَّمُ)) فعلاً مضارعاً أو أَفْعَل بمعنى فاعِل أو أَفْعَل تفضيل، وكونٍ ((ما)) في محل نصبٍ أوجرٍ وقد(٧) تقدَّم. والظاهرُ: أن جملةَ قولِه: ((وأعلمُ)) معطوفةٌ على قولِه: (إني أعلمُ غَيْبَ))، فتكونُ في محلِّ نصبٍ بالقولِ، وقال أبو البقاءِ(٨): (إنه مستأنفٌ وليسَ محكِيًّاً بالقولِ))(٩)، ثم جَوَّزَ فيه ذلك. (١) ع: ((همزة)). (٢) ي: ((وجها منقولاً)). (٣) صح: ((على)). (٤) الآية ٩٤ من التوبة. (٥) الآية ١ من الانشراح (٦) ي: ((نظير). (٧) ي: (قد)). (٨) الاملاء ٣٠/١. (٩) أي بقوله: ((ألم أقل لكم)) كما في أبي البقاء. ٢٧٠ - البقرة- و ((تُبْدُون)) وزنه: تُفْعون لأن أصله تُبْدِوُونَ مثل تُخْرِجون، فَأُعِلَّ بحذْفٍ الواو بعد سكونها. والإِبداءُ: الإظهارُ. والكَتْمُ: الإِخفاءُ، يقال: بَدا يَبْدُو بَداءً، قال(١): بَدَا لَكَ في تلك القَلوصِ بَداءُ ٣٥٤ - قوله: ((وما كنتم تكتُمون)): ((ما) عطفُ على ((ما)) الأولى بحسّبٍ ما تكونُ عليه من الإِعرابِ . آ. (٣٤) قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكةِ اسْجُدوا لَآَدَمَ﴾: العاملُ في ((إِذ)) محذوفٌ دلَّ عليه قولُه: ((فَسَجَدوا)) تقديرُه: أطاعوا وانقادُوا فسجدوا، لأنَّ السجودَ ناشىءٌ عن الانقيادِ، وقيل: العاملُ ((اذكُرْ)) مقدرةٌ(٢)، وقيل: [إذ] زائدةٌ، وقد تقدَّم ضَعْفُ هذين القولين. وقال ابنُ عطية(٣): ((وإذ قلنا معطوفُ على ((إذ)(٤) المتقدمةِ) ولا يَصِحُّ هذا لاختلافٍ(٥) الوقتين، وقيل: ((إِذ)) بدلُ من ((إذ)) الأولى، ولا يَصِحُّ لِمَا تقدَّم ولتوسُّطِ حرفِ العطفِ، وجملةُ ((قلنا» في محلٌّ خفضٍ بالظرفِ، وفيه التفاتٌ من الغَيبةِ إلى التكلمِ للعظمة، واللامُ للتبليغ کنظائرها. والمشهورُ جَرَّ تاءِ ((الملائكة)) بالحرفِ، وقرأ أبو جعفر (٦) بالضمّ إتباعاً (١) البيت لمحمد بن بشير العدواني الخارجي وصدره: لعلَّك والموعودُ حَقٌّ لقاؤه وهو في الخصائص ٣٦٨/١؛ وأمالي الشجري ٣٠٦/١؛ والهمع ٢٤٧/١؛ والدرر ٢٠٤/١؛ والقلوص: الناقة الشابة. (٢) ع: ((مقدرا)). (٣) التفسير ٢٣٠/١. (٤) ي: ((إذا)). (٥) ص ح ((الاختلاف)). (٦) يزيد بن القعقاع، أحد القراء العشرة، تابعي، عرض القرآن على عبدالله بن عباس، توفي سنة ١٣٠. انظر: الطبقات ٣٨٢/٢. ٢٧١ - البقرة - الضمةِ الجيم(١)، ولم يَعْتَدَّ بالساكن، وغَلَّطه الزّجَّاج(٢)، وخطّأه الفارسي، وشَبَّهه(٣) بعضُهم بقولِه تعالى: ((وقالتُ اخْرُج))(٤) بضم تاء التأنيث، وليس بصحيح لأنَّ تلك حركةُ التقاءِ الساكنين وهذه حركةُ إعرابٍ فلا يُتَلاعَبُ بها، والمقصودُ هناك يحصُلُ بأيِّ حركةٍ كانَتْ. وقال الزمخشري(٥): ((لا يجوزُ استهلاك الحركةِ الإِعرابيةِ إلا في لغةٍ ضعيفةٍ كقراءةٍ: ((الحمدِ الله)(٦) يعني بكسرِ الدال))، قلتُ: وهذا أكثرُ شذوذاً، وأضعفُ من ذاك مع ما في ذاك من الضعفِ المتقدِّم، لأنَّ هناك فاصلاً(٧) وإنْ كان ساكناً، وقال أبو البقاء(٨). ((وهي قراءةٌ ضعيفةً جداً، وأحسنُ ما تُحْمَلُ عليه أن يكون الراوي لم يَضْبِطْ عن القارىء وذلك أن القارىء أشارَ إلى الضمُّ تنبيهاً على أنَّ الهمزةَ المحذوفةً مضمومةً في الابتداءِ فلم يُدْرِك الراوي هذه الإِشارَةَ. وقيل: إنه نوى الوقفَ على التاءِ ساكنةً ثم حَرَّكها بالضم إتباعاً لحركةِ الجيم، وهذا من إجراءِ الوَصْلِ مُجْرى الوقفِ. ومثلُه: ما رُوِيَ عن امرأةٍ رأت رجلاً مع نساءٍ فقالت: ((أفي سَوْءَةً أَنْنَّه)) نوتِ (٩) الوقف على ((سَوْءَة)) فسكّنَتِ التّاءً ثم ألقَتْ (١٠) عليها حركةَ همزة((أنتنَّ)). قلت: فعلى هذا تكونُ هذه الحركةُ حركةً (١) وهي قراءة سليمان بن مهران أيضاً. انظر: القرطبي ٢٩١/١؛ البحر ١٥٢/١. (٢) معاني القرآن للزجاج ٧٩/١. (٣) ص ح: ((ويشهد)). (٤) الآية ٣١ من يوسف. (٥) الكشاف ٢٧٣/١ . (٦) الآية ١ من الفاتحة. قراءة هارون العتكي في جماعة. انظر: البحر ١٨/١. (٧) ع: ((فاصل))، ونسخة ي: («فاصلة)) ويعني بالفاصل السين من ((اسجدوا)). (٨) الاملاء ٣٠/١. (٩) ي: «سوی)). (١٠) صح: ((ألقى)). ٢٧٢ - البقرة - التقاءِ ساكنين، وحينئذٍ يكونُ كقوله(١): ((قالتِ اخْرُج))(٢) وبابه(٣)، وإنما أكثرَ الناسُ توجيه هذه القراءةٍ لجلالةِ (٤) قارئها أبي جعفر يزيد بن القعقاع شيخٍ نافعٍ شيخِ أهلِ المدينةِ، وترجمتُهما(٥) مشهورةٌ. و ((اسجُدوا) في محلِّ نصبٍ بالقولِ، واللامُ في ((لآدمَ)) الظاهرُ أنها متعلقةً باسجُدُوا، ومعناها التعليلُ أي لأجلِه وقيل: بمعنى (٦) إلى، أي: إلى جهته لأنه جُعِل قِبْلَةً لهم، والسجودُ لله. وقيل: بمعنى مع لأنه كان إمامَهم كذا نُقِلَ، وقيل: اللامُ للبيانِ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ ولا حاجةً إلى ذلك. و ((فسجدوا)) الفاءُ للتعقيبٍ، والتقديرُ: فَسَجدوا له، فَحُذِفَ الجارُّ للعلمِ به. قوله تعالى: ((إلا إبليس)) [إلا](٧) حرفُ استثناءٍ، و ((إبليس)) نصبٌ على الاستثناء. وهل نصبُه بإلاّ وحدها أو بالفعلِ وحدّه أو به بوساطة(٨) إلا، أو بفعلٍ محذوف أو بـ((أنَّ)؟ أقوالٌ(٩)، وهل هو استثناءٌ متصلٌ أو منقطعٌ؟ خلافٌ مشهورٌ، والأصحُّ أنه متصلٌ. وأمَّا قولُه تعالى: ((إلا إبليس كان من الجِن))(١٠) فلا يَرُدُّ هذا لأنَّ الملائكة قد يُسَمَّوْنَ جِنّاً لاجْتِنانِهِم (١١) قال(١٢): (١) ص ح: ((قوله)). (٢) الآية ٣١ من يوسف. (٣) ص: ((وبا)). (٤) ص ح: ((محالة)). (٥) صح: ((وابن حميد)). (٦) صح: ((المعنى. (٧) سقط من: ي. (٨) ي: ((بواسطة)). (٩) انظر في أحكام إلا: المغني ٧٣؛ الرصف ٨٥. ونصبها بأنَّ أي: التقدير إلا أنَّ. (١٠) الآية ٥٠ من الكهف. (١١) أي: لاختفائهم. (١٢) البيت للأعشى وليس في ديوانه، وهو في اللسان: جنن؛ والطبري ٥٠٦/١. ويذكر فيه النبي سليمان عليه السلام. ٢٧٣ - البقرة - ٣٥٥ - وسَخَّر مِنْ جِنِّ الملائِكِ تسعةً قياماً لَدِيْهِ يَعْمَلِون بلا أَجْرِ وقال تعالى: (وَجَعَلوا بينه وبين الجِنَّةَ نَسَبًا)(١) يعني الملائكةَ. واعلم أَنَّ المستثنى على أربعة أقسامٍ: قسمٍ واجبِ النصبِ، وقسم واجبِ الجُرِّ، وقسمٍ جائزٍ فيه النصبُ والجرُّ، وقسمٍ جائزِ فيه النصبُ والبدلُ مِمَّا قبله والأرجحُ البدلُ. القسم الأول: المستثنى من الموجبِ والمقدَّمُ(٢) والمكررُ والمنقطعُ عند الحجاز مطلقاً، والواقعُ بعد لا يكون وليس وما خلا وما عدا عند غيرِ الجرميّ(٣)، نحو: قام القومُ إلا زيداً، ما قَام إلا زيداً القومُ، وما قام أحد إلا زيداً إلا عَمْراً، وقاموا إلا حماراً، وقاموا لا يكون زيداً وليس زيداً وما خلا زيداً وما عدا زيداً. القسم الثاني: المستثنى بخير وسِوى وسُوى وسواء. القسم الثالث: المستثنى بعدا وخلا وحاشا. القسمُ الرابع: المستثنى من غيرِ الموجب نحو: ((ما فعلوه إلا قليلٌ منهم))(٤). والسجودُ لغةً: التذلَّلُ والخضوعُ، وغايتُه وَضْعُ الجبهةِ على الأرضِ، وقال ابن السكيت(٥): ((هو المَيْلُ)) قال زيدُ الخيل(٦): ٣٥٦ - بجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراته تَرَى الأَكْمَ فیھا سُجَّداً للحَوافِ (١) الآية ١٥٨ من الصافات. (٢) ص ح: ((والعدم)). (٣) صالح بن إسحق، بصري، تلميذ الأخفش، له: المختصر والأبنية، توفي سنة ٢٢٥. انظر: أخبار النحويين البصريين ٥٥؛ النزهة ١٤٣؛ البغية ٨/٢. (٤) الآية ٦٦ من النساء. (٥) يعقوب بن إسحاق، لقي فصحاء العرب وأخذ عنهم، له: إصلاح المنطق، توفي سنة ٢٤٣. انظر: البلغة ٢٨٨؛ البغية ٣٤٩/٢. (٦) الأضداد ٢٥٧؛ ابن عطية ٢٣١/١؛ القرطبي ٢٩١/١؛ البحر ١٥١/١. والبلق: ج أبلق وهو الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين، وحجراته: ج حجرة وهي الناحية، والأكم: الجبال الصغار، جعلها سجّداً للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها. ٢٧٤ - البقرة - [يريد أنَّ الحوافِرَ تطأُ الأرضَ فتجعلُ تأثّرَ الأْمِ للحوافرِ سُجودا](١)، وقال آخر (٢): ٣٥٧ - سُجود النصارى لِإِحْبارِها وفَرَّقَ بعضُهم بين سَجَدٍ وَأَسْجد، فسجد: وَضَعَ جَبْهَتَّهِ(٣)، وَأَسْجَدَ: أمال رأسه وطأطأها، قال الشاعر (٤): سُجودَ النَّصارى لأرْبابها ٣٥٨ - فُضُولَ أَزِمَّتِها أَسْجَدَتْ وقال آخر (٥): ٣٥٩ - وقُلْنَ له أسْجِدْ لِلَيْلَى فَأَسْجدا يعني: أن البعيرَ طأطأ رأسه لأجلها، ودراهُم الأسجادِ دراهمُ عليها صُوَرٌ كانوا يَسْجُدون لها، قال الشاعر(٦): وافى بها كدَراهمِ الْأُسْجادِ ٣٦٠ - وإبليس اختُلِفَ فيه فقيل: [إنه] (٧) اسمٌ أَعجمي مُنِعَ من الصَّرْفِ (١) زيادة من: ع، وسقط من النسخ الأخرى. (٢) البيت لحميد بن ثور، وهو في اللسان سجد، والقرطبي ٢٩١/١. يقول: لما ارتحل النسوة ولَوَيْنَ فُضول أزمَّةِ جِمالِهِنَّ على معاصمهنُ أسجدت أي طأطأت رأسها لهن. (٣) ي: ((الجبهة)). (٤) تقدم برقم ٣٥٧. (٥) لم أهتد إلى تمامه، وقائله أعرابي من بني أسد، وهو في الأنصاف ٤٤٥؛ والقرطبي ٢٩١/١. (٦) البيت للأسود بن يعفر وصدره: مِن خَمْرِ ذِي نُطَفٍ أَغَنْ مُنَظّقٍ وهو في القاموس المحيط مادة: سجد. (٧) سقط من: ((ي)). ٢٧٥ - البقرة - للعلَمِيَّة والعَجْمةِ، وهذا هو الصحيحُ، وقيل: إنه مشتقُّ من الإِبْلاسِ وهو اليأسُ من رحمة اللَّهِ تعالى والبُعْدُ عنها، قال(١): ٣٦١ - وفي الوُجوهِ صُفْرَةٌ وإبْلاسْ وقال آخر (٢): ٣٦٢ - يا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَسَا قال نَعَمْ أَعْرِفُه وَأَبْلَسَا أي: بَعُد عن العِمارةِ والْأُنْسِ به، ووزنُه عند هؤلاء: إِفْعِيل، واعتُرِضَ عليهم بأنه كان ينبغي أن يكونَ منصرفاً، وأجابوا بأنه أَشْبَهَ الأسماءَ الأعجميةَ لَعَدمِ نظيرِهِ(٣) في الأسماء العربية، ورُدَّ عليهم بأنَّ مُثُلَه في العربية كثيرٌ، نحو: إزْميل وإكليل وإِغْرِيض(٤) وإِخْرِيط(٥) وإحْليل(٦). وقيل: لمَّا لم يَتَسَمِّ به أحدٌ من العرب صار كأنه دخيلٌ في لسانِهم فأشبه الأعجميةَ وفيه بُعْدٌ . . قوله: ((أَبى واستكبرَ» الظاهرُ أنَّ هاتين الجملتين استئنافيتان جواباً لَمَنْ قال: فما (٧) فعلَ؟ والوقفُ على قولِه: ((إلّ إبليسَ)) تامّ. وقال أبو البقاء(٨): ((في موضع نصبٍ على الحالِ من إبليسٍ تقديرُه: تَرَك السجودَ كارهاً (١) لم أهتد إلى قائله، وقبله: وحضرَتْ يومَ خميسِ الأخْماسْ وهو في اللسان: بلس، والخصائص ٣٦٠/١؛ والطبري ٥١٠/١؛ والأشموني ٠٢٦٧/١ (٢) البيت للعجاج، وهو في ديوانه ١٨٥/١؛ والخصائص ٣٦٠/١؛ واللسان: بلس؛ والأشموني ٢٦٧/١؛ والتصريح ٢٢٦/٢. (٣) صح: «نظره)). (٤) الاغريض: الطلع. (٥) الاخريط: اسم بقلة. (٦) قوله: ((واحليل)) سقط من ص ح ع. (٧) ي: ((فافعل)). (٨) الاملاء ٣٠/١. ٢٧٦ - البقرة - ومستكبراً عنه فالوقفُ عنده على ((واستكبر)»، وجَوَّز في قولِه تعالى: ((وكانَ من الكافرين)) أَنْ يكونَ مستأنفاً وأن يكونَ حالاً أيضاً. والإِباء: الامتناعُ، قالَ الشاعر(١): ٣٦٣ - وإما أَنْ يقولوا قَدْ أَبَيْنا وشَرُّ مواطِنِ الحَسَبِ الإِباءُ وهو من الأفعال المفيدةِ للنفي، ولذلك وَقَعَ بعده (٢) الاستثناءُ المفرِّغُ، قال الله تعالى: ((ويأبى الله إلا أَنْ يُتِمَّ نورَه))(٣)، والمشهورُ أبى يأبى بالفتحِ فيهما، وكان القياسُ كسرَ عينِ المضارعِ (٤)، ولذلك اعتبره بعضُهم فَكَسَر حرفَ المضارعةِ فقال: تِثْبى ونِثْبى. وقيل: لمَّا كانت الألفُ تشبه حروفَ الحَلْقِ فُتِحٍ لأجلِها عينُ المضارعِ . وقيل(٥): أَبى يأبى بالفتحِ فيهما، وكان القياسُ كسرَ عينِ المضارعِ (٤)، ولذلك اعتبره بعضُهم فَكْسَر حرفَ المضارعةِ فقال: تِثْبَىُ ونِثْبَى. وقيل: لَمَّا كانت الألف تشبه حروف الحلق فُتح لأجلها عين المضارع. وقيل(٥): أَبِيَ يأبى بكسرها في الماضي وفتحها في المضارع، وهذا قياسٌ فُيُحتمل أنْ يكونَ مَنْ قال: أبى يأبى - بالفتح فيهما - استغنى بمضارع (٦) مَنْ قال: أبِيَ بالكسر ويكونُ من التداخُلِ نحو: ركّن يركّنُ وبابِه(٧): واستكبر بمعنى تكبِّرِ، وإنما قدَّم الإِباءَ عليه وإنْ كان(٨) متأخّراً عنه في (١) البيت لزهير، وهو في ديوانه ٧٤. (٢) ي: ((بعد». (٣) الآية ٣٢ من التوبة. (٤) لأن المعتل العين أو اللام بالياء يأتي مضارعه على يَفْعِل نحو: رمى يرمي. انظر: الممتع ١٧٤/١. (٥) ع: ((ونقل)). (٦) صاح: ((المضارع)). (٧) لأن فَعَل الصحيح اللام وليست لامه أو عينه حرف حلق يأتي على يفعل ويفعل. انظر: الممتع ١ /١٧٥ . (٨) قوله: ((كان)) سقط من ح ص. ٢٧٧ - البقرة - الترتيبِ لأنه من الأفعال الظاهرةِ بخلافِ الاستكبارِ فإنه من أفعال القلوب. وقوله ((وكان)) قيل: هي هنا بمعنى ضار كقوله(١): ٣٦٤ - بتَيْهاءَ قَفْرٍ وَالمَطِيُّ كأنَّها قطا الحَزْن قد كانَتْ فراخاً بيوضُها أي: قد صارَتْ، وَرَدَّ هذا ابنُ فُوْرَكَ(٢) وقال: ((تَرُدُّه الأصولُ)) والأظهر أنها على بابها، والمعنى: وكانَ من القومِ الكافرين الذين كانوا في الأرض قبل خَلْقِ آدَمَ على ما رُوي، أو: وكانَ(٣) في عِلْم الله. آ. (٣٥) قوله تعالى: ﴿وَقُلْنا يا آدمُ اسْكُنْ أنتَ وزوجُك الجنَّةِ﴾. هذه الجملةُ معطوفةً على جملةٍ: ((إِذْ قلنا)) لا على ((قُلْنا)) وحدَه لاختلافٍ زمنّيْهِما، و((أنت)) توكيدً للضميرِ المستكنَّ في ((اسكُنْ)) ليصِحَّ العطفُ عليهِ، و ((زوجُك)) عَطْفُ عليه، هذا مذهبِ البصريين(٤)، أعني: اشتراط الفصلِ بِيْنَ المتعاطِفَيْن إذا كان المعطوفُ عليه ضميراً مرفوعاً متصلاً، ولا يُشْترط أن يكونَ الفاصلُ توكيداً، [بل] أيَّ فصلٍ كان، نحو: ((ما أشرَكْنا ولا آباؤنا))(٥) وأمّا الكوفيون فُيُجيزون ذلك من غير فاصل وأنشدوا(٦): (١). لم أهتد إلى قائله، وهو في المحتسب ١٤٤/٢؛ وابن يعيش ١٠٢/٧؛ والأشموني ٢٣٠/١؛ واللسان: عرض؛ والخزانة ٣١/٤. (٢) عبدالله بن محمد الأصبهاني مقرىء مفسر قرأ على ابن شنبوذ وله اختيار في القراءة رواه عنه الهذلي، توفي سنة ٣٧٠. انظر: الطبقات ٤٥٤/١، وهناك رجل آخر يعرف بهذا اللقب وهو محمد بن الحسن، كان كثير التصنيف متنوع العلوم توفي سنة ٤٠٦. انظر: وفيات الأعيان ٤٠٢/٣. (٣) ي: ((كان)). (٤) الإنصاف ٤٧٤. (٥) الآية ١٤٨ من الأنعام. (٦) البيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو في ملحق ديوانه ٤٩٨؛ وابن عقيل ١٨٨/٢؛ والدرر : ١٩١/٢. وتهادى: تتبختر، نعاج الفلا: بقر الوحش في الصحراء، تعسفن؛ ملن عن الطريق. والشاهد عطف ((وزهر)) على الضمير المستتر في ((أقبلت)) بدون فاصل. ٢٧٨ - البقرة - ٣٦٥ - قُلْتُ إذ أقبلَتْ وزهرٌ تَهادى كنعاجِ الفَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلا وهذا عند البصريينَ ضرورةٌ لا يُقاسُ عليه. وقد مَنْعَ بعضَهُم أن يكونَ (وجُك)) عطفاً على الضميرِ المستكنِّ في ((اسكُنْ)) وجعله من عطفٍ الجملِ، بمعنى أن يكونَ ((زوجُك)) مرفوعاً بفعلٍ محذوفٍ، أي: وَلْتَسْكُنْ(١) زوجك، فَحُذِف لدلالة ((اسكنْ)) عليه، ونَظَّرَه بقوله تعالى: ((لا نُخْلِفُه نحن ولا أنت))(٢)، وزعم أنه مذهبُ سيبويهِ، وكأن شُبْهَتَه(٣) في ذلك أنَّ مِنْ حقّ المعطوفِ حُلولَه مَخَلَّ المعطوفِ عليه، ولا يَصِحُّ هنا حلولُ ((زوجُك)) محلٌ الضميرِ، لأنَّ فاعلَ فِعْلِ الأمر الواحدِ المذكَّر نحو: قُمْ واسكُنْ لا يكونُ إلّ ضميراً مستراً، وكذلك فاعل نفعلُ (٤)، فكيف يَصِحُ وقوعُ الظاهرِ موقعَ المضمر(٦) الذي قبله؟ وهذا الذي زعمه ليس بشيءٍ لأنَّ مذهبَ سيبويهِ بنصِّه يخالفُه(٧)، ولأنه لا خلافَ في صِحَّةِ: ((تقوم هندٌ وزيدٌ))، ولا يَصِحُّ مباشرةُ زید لـ (تقوم)) التأنيثه(٨). والسكونُ والسُّكْنى: الاستقرارُ. ومنه: المِسْكِينُ لعدَمِ استقراره(٩) وحركتِه وتصرُّفِه، والسُّكِّينُ لأنها تَقْطَعُ حركةَ المذبوحِ، والسَّكِينة لأنَّ (١٠) بها يَذْهَبُ القلقُ. (١) ص: ((ویسکن)). (٢) الآية ٥٨ من سورة طه. (٣) ص: ((يشبهه). (٤) ع: ((يفعل)). (٥) قوله: ((وقوع)) سقط من ع. (٦) ي: ((الضمير)). (٧) الكتاب ٣٩٠/١ قال: ((وأما ما يقبح أن يَشْرَكه المُظْهر: فعلتَ وعبدُ الله، فإنْ نَعَتَّه حَسُنَ أن يَشْرَكَه المظهر وذلك قولُك: ذهبتَ أنت وزيدٌ)». (٨) صح: ((تأنيثه)). (٩) قوله ((استقراره) سقط من ح صع. (١٠) اسم ((أنّ)) ضمير الشأن. ٢٧٩ - البقرة - و ((الجَنَّةَ)) مفعولٌ به لا ظرفٌ، نحو: سَكَنْتُ الدارَ. وقيل: هي ظرفٌ. على الاتساع ، وكان الأصلُ تعديته إليها بـ((في))، لكونها ظرف مكان مختصٍّ، وما بعد القولِ منصوبٌ به .. قوله: ((وكُلَا منها رَغَدا)) هذه الجملةُ عَطْفٌ على ((اسْكُنْ)) فهي في محلّ نَصْبٍ بالقولِ، وأصلُ كُلْ: أَأْكُلْ بهمزتين: الأولى همزةُ وصلٍ، والثانيةُ فاءُ الكلمة فلو جاءَتْ هذه الكلمةُ على هذا الأصلِ لقيل: أُوكُلْ بإبدالِ الثانيةِ. حرفاً مجانسً لحركةِ ما قبلَها، إلا أنَّ العربَ حَذَفَتْ فاءَه في الأمرِ تخفيفاً فاستَغْنَتْ حينئذٍ عن همزة الوصلِ فوزنُه عُلْ (١)، ومثلُه: خُذْ وَمُرْ، ولا يُقاسُ. على هذه الأفعالِ غيرُها لا تقول من أَجَر: جُرْ. ولا تَرُدُّ العربُ هذه الغاءَ في العطف بل تقول: قم وخذ وكُلْ، إلا ((مُرْ)) فإنَّ الكثيرَ رَدُّ فائِه بعد الواوِ والفاءِ(٢) قال تعالى: (وَأْمُرْ قومَك))(٣) و((وَأْمُرْ أهلَك))(٤)، وعدمُ الردِّ قليلٌ، وقد حَكَى سيبويه(٥): (ؤُكُلْ)) على الأصلِ وهو شاذٌّ. وقال ابن عطية(٦). ((حُذِفَتِ النونُ من((كُلا)) [للأمر](٧))) وهذه العبارةُ مُوهِمةٌ لمذهبِ الكوفيين(٨). من أنَّ الأمرَ عندهم مُعْربٌ على التدريجِ كما تقدَّم، وهو عند البصريين محمولٌ على المجزومِ، فإِن سُكِّنَ المجزومُ سُكِّن الأمرُ منه، وإِنْ حُذِفَ منه حرفٌ حُذِفَ من الأمر. (١) انظر: الممتع ٦١٩/١ (٢) صح: ((والياء)). (٣) الآية ١٤٥ من الأعراف. (٤) الآية ١٣٢ من طه . (٥) الكتاب ١٣٤/١. (٦) التفسير ٢٣٧/١. (٧) سقط من النسخ، وأثبتناه من ابن عطية. (٨) انظر: الإنصاف ٥٢٤، وأصلها عندهم: لتأكلان. ٢٨٠