Indexed OCR Text

Pages 221-240

- البقرة -
آ. (٢٦) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يَسْتَحْبِي أن يضربَ مثلاً﴾:
(لا يَسْتَحْيي)) جملةٌ في محل الرفع خبرٌ لـ((إِنَّ))، واستفْعَلَ هنا للإِغناء عن
الثلاثي المجرد، وقال الزمخشري (١): ((إنه موافق له)) أي: قد وَرَدَ حَيِي
واسْتَحْيى بمعنى واحد، والمشهور: اسْتَحْيَى يَسْتَحْيِي فهو مُسْتَحْيٍ
ومُسْتَحْيى منه(٢) من غير حَذْف، وقد جاء اسْتَحَى يَسْتَجِي فهو مُسْتَحٍ مثل:
استقى يستقي، وقُرىء به، ويُرْوَى عن ابن كثير (٣). واختلف في المحذوفِ
فقيل: عينُ الكلمة فوزنُهُ يَسْتَفِل. وقيل: لامُها فوزنُه يَسْتَفِعِ، ثم نُقِلت حركةُ
اللامِ على القولِ الأول وحركةُ العينِ على القولِ الثاني إلى الفاءِ وهي
الحاءُ، ومن الحَذْفِ قولُه (٤).
محارِمَنا لا يَبْوُؤُ الدُ بالدَمِ
٣٠١ - ألا تُسْتَجِي منا الملوكُ وتَتَّقِي
وقال آخر(٥):
كَرُعْنَ بِسَبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ
٣٠٢ - إذا ما اسْتَحَيْنَ الماءَ يَعْرِضُ نفسَه
والحياءُ لغةً: تَغَيُّرُ وانكسارٌ يَعْترِي الإِنسانَ من خوفِ ما يُعاب به،
واشتقاقُه من الحياة، ومعناه على ما قاله(٦) الزمخشري(٧): ((نَقَصَتْ حياتُه
واعتلَّتْ مجازاً كما يُقال: نَسِي وحَشِيَ وشَظِيَ الفرسُ إذا اعتلَّتْ هذه
(١) الكشاف ٢٦٣/١.
(٢) قوله: ((منه)) سقط من ي.
(٣) في رواية شبل، وابن محيصن ويعقوب. انظر: البحر ١٢١/١؛ الشواذ ٤.
(٤) البيت لجابر بن حني، وهو في المفضليات ٢١١؛ وسيبويه ٤٥٠/١؛ واللسان ((بوا)»
برواية: ألا تنتهي عنا ملوك؛ والقرطبي ١ / ٤٣٠. والبواء: القود. والرواية هنا بترك الإعلال.
(٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في شواهد الكشاف ٣٦٦/٤. السبت: الجلود المدبوغة بالقرظ،
يصف كثرة المطر وأنه أينما ذهب رأى مياه الأمطار فتكرع النوق منه بمشافرها، والأرض
قد أنبتت الأزهار فكأنها إناء من الورد.
(٦) ع صح: ((قال)).
(٧) الكشاف ٢٦٣/١.
٢٢١

- البقرة -
الأعضاءُ، جُعِل الحَبِيُّ (١) لما يعتريه (٢) مِنَ الانكسارِ والتغيُّرِ منتكسَ القوةِ
منتقِصَ الحياةِ، كما قالوا: فلان هَلَك من كذا حياءً)). انتهى. يعني بقوله:
(نَسِيَ وحَشِيَ وشَظِيَ)) أي أصيب نَساه وهو عِرْقٌ، وحَشاهُ وهو ما احتوى عليه
البطن، وشَظاه وهو عَظُم في الوَرِك.
واستعمالُه هنا في حقِّ اللَّهِ تعالى مجازٌ عن التَّرْكِ، وقيل: مجازٍّ عن
الخشيةِ لأنها أيضاً مِنْ ثمراتِه، وجَعَلَه الزمخشريُّ(٣) من باب المقابلة، يعني
أنَّ الكفار لَمَّا قالوا: ((أمَا يستحيي ربُّ محمدٍ أن يَضْرِبَ المَثَل بالمُحَقَّراتِ))
قوبل قولُهم ذلك بقوله: ((إنَّ الله لا يستحيي أن يضربَ))، ونظيرُه قول(٤)
أبي تمام(٥) .
أُنِي بَنَّيْتُ الجارَ قبلَ المَنْزِلِ.
٣٠٣ _ مَنْ مُبْلِغٌ أَفنَاءَ يَعْرُبَ كلَّها
لو لم يَذْكُرْ بناءَ الدارِ لم يَصِحَّ بناءُ الجارِ.
واستحيى يتعدَّى تارةً بنفسِه وتارةً بحرفِ جرِّ، تقول: استَحْيَيْته،
وعليه: ((إذا ما اسْتَحَيْنَ الماءَ)) البيت(٦)، واستَحْيَيْتُ منه، وعليه: ((ألا تَسْتَخِي
منا الملوكُ)) البيت(٧)، فَيَحْتَمِلُ أن يكونَ قد تعدَّى في هذه الآية إلى ((أَنْ
يضربَ)) بنفسِه فيكونَ في محلِّ نصبٍ قولاً واحداً، ويَحْتَمِل أن يكونَ تَعَدَّى
(١) ح ص: (الحي).
(٢) ي: ((یعبر به».
(٣) الكشاف ٢٦٣/١.
(٤) ي: ((بقول)».
(٥) ديوانه ٤٧/٣؛ وشواهد الكشاف ٤ / ٤٧٥.
(٦) تقدم برقم ٣٠٢ .
(٧) تقدم برقم ٣٠١ .
٢٢٢

- البقرة -
إليه بحرفِ الجرِّ المحذوفِ، وحينئذٍ يَجْري الخلافُ المتقدمُ في قولِه(١) ((أَنَّ
لهم جناتٍ))(٢).
و ((يَضْرِبَ)) معناه: يُبَيِّنَ، فيتعدَّى لواحدٍ. وقيل: معناه التصييرُ، فيتعدّى
لاثنين نحو: ((ضَرَبْتُ الطينَ لَبِناً)، وقال بعضُهم: ((لا يتعدَّى لاثنين إلا مع
المَثَل خاصة)»، فعلى القول الأول يكونُ ((مَثَلاً)) مفعولاً و (ما)) زائدةٌ، أو صفةٌ
للنكرة قبلَها لتزدادَ النكرةُ شِياعاً(٣)، ونظيرُه قولُهم: ((لأمرٍ ما جَدَع قَصيرٌ
أنفَه)»(٤) وقولُ امرىء القيس(٥):
٣٠٤ - وحديثُ الرَّكْبِ يومَ هنا وحديثٌ ما على قِصَرِهْ
وقال أبو البقاء(٦): ((وقيل ((ما)) نكرةٌ موصوفةً))، ولم يَجْعَلْ ((بعوضة)»
صفتها بل جَعَلها بدلاً منها(٧)، وفيه نظرً، إذ يَحْتاجُ أن يُقَدِّر صفةً محذوفةٌ
ولا ضرورةَ إلى ذلك فكان الْأَوْلى أن يَجْعَلَ ((بعوضةٌ)) صفتها بمعنى أنه وَصَفَها
بالجنسِ المُنْكَّرِ لإِبهامِه فهي (٨) في معنى ((قليل))، وإليه ذهب الفراء (٩)
والزجَّاج(١٠) وثعلب، وتكون ((ما)) وصفتُها حينئذ بدلاً من ((مثلاً))، و((بعوضةً))
بدلاً(١١) من ((ما)» أو عطفَ بيان لها إنْ قيلَ إنَّ ((ما)) صفةٌ لـ ((مثلاً))، أو نعتٌ
(١) ي: قولهم.
(٢) الآية ٢٥ من البقرة.
(٣) صح: ((اتساعاً)).
(٤) مثل عربي. انظر: مجمع الأمثال ١٩٠/٢ وقصير هذا هو قصير بن سعد اللخمي.
(٥) ديوانه ١٢٧ .
(٦) املاء ٢٦/١. وانظر في أعاريب الآية: البحر ١٢٢/١؛ معاني القرآن للزجاج ٧٠/١.
(٧) أبو البقاء: من ما .
(٨) ي: ((فهو)).
(٩) معاني القرآن له ٢١/١.
(١٠) معاني القرآن له ٧٠/١.
(١١) ي: «بدل)).
٢٢٣

- البقرة -
لـ ((مَا)) إِنْ قِيل: إنها(١) بدلُ من ((مثلاً))(٢) كما تقدَّمَ في قولِ الفراء، وبدلٌ(٣)
من ((مثلاً)) أو عطفُ بيان له إنْ قِيلَ: إِنَّ ((ما)) زائدةً. وقيل: ((بعوضة))
هو المفعولُ و((مثلاً)) نُصِبَ على الحال قُدِّم على النكرةِ. وقيل: نُصِبَ عِلَى
إسقاطِ الخافض، التقديرُ: ما بينَ بعوضةٍ، فلمَّا حُذِفَتْ ((بَيْنَ)) أُعرِيتَ
(بعوضةً)) بإعرابها، وتكونُ الفاءُ في قوله: ((فما فوقها)) بمعنى إلى، أي: إلى
ما فوقها، ويُعْزى هذا(٤) للكسائي والفراء(*) وغيرهم من الكوفيين وأنشدوا(٦):
ولا حبالَ مُحِبُّ واصِلٍ تَصِلُ
٣٠٥ _ يا أحسنَ الناسِ ما قَرْناً إلى قَدَمٍ
أي: ما بينَ قَرْنٍ، وحَكَوا(٧): ((له عشرون ما ناقةً (٨) فَحَمْلاً))، وعَلَى
القول الثاني يكونُ ((مثلاً)) مفعولاً أولَ، و (ما)) تحتملُ الوجهين المتقدمين
و ((بعوضةً)) مفعولٌ ثانٍ، وقيل: بعوضةٌ هي(٩) المفعولُ الأولُ و((مَثَلًا:
هو الثاني ولكنه قُدِّم.
وتلخّص مِمَّا تقدَّم أنَّ في ((ما)) ثلاثةَ أوجه: زائدةٌ(١٠)، صفةٌ لما قبلَها،
نكرةٌ موصوفةٌ، وأنَّ في ((مَثَلًا)) ثلاثةً أيضاً مفعولٌ أولُ (١١)، مفعولٌ ثانٍ، حالٌ
(١) أي إن «منا)).
(٢) ي: ((ما)).
(٣) أي: بعوضة.
(٤) قوله: ((هذا) سقط من ي.
(٥) معاني القرآن له ٢٣/١.
(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في المغني ١٧٤ برواية: قرناً. وفي بعض النسخ: ((قرن)) كما في
المجمع ١١٣/٢؛ والذرر ١٧٠/٢. والقرن: الخصلة من الشعر.
(٧) صح: ((وحلوا)).
(٨) ي: ((باباً)).
(٩) صح: ((هو)).
(١٠) قوله: ((زائدة)) سقط من :. ع.
(١١) ع: ((أو)).
٢٢٤

- البقرة -
مقدَّمةٌ، وأنَّ في ((بعوضة)) تسعة أوجهٍ. والصوابُ من ذلك كلّه أن يكونَ
((ضَرَبَ)) متعدياً لواحدٍ بمعنى بَيِّن، و((مثلاً)) مفعولٌ به، بدليل قولِه(١):
(ضُرِبَ مَثَلُ))(٢)، و((ما)) صفةٌ للنكرة، و((بعوضةً)) بدلٌ لا عطفُ بيان، لأن
عطفَ البيان ممنوعٌ عند جمهور البصريين في النكراتِ.
وقرأ ابن أبي عَبْلة(٣) والضحاك(٤) برفع ((بعوضةً))، واتفقوا على أنها
خبرٌ لمبتدأ، ولكنهم اختلفوا في ذلك المبتدأ، فقيل: هو (ما)) على أنها
استفهاميةٌ، أي: أيُّ شيء بعوضةٌ، وإليه ذهب الزمخشري(٥) ورجَّحه. وقيل:
المبتدأ مضمرٌ تقديرُه: هو بعوضةً، وفي ذلك وجهان، أحدُهما: أن تُجْعَلَ
هذه الجملةُ صلةً لـ ((ما)) لكونها بمعنى الذي، ولكنه حَذَفَ العائد وإن
لم تَظُل الصلةُ، وهذا لا يجوزُ عند البصريين إلا في ((أَيّ)) خاصةً لطولها
بالإِضافة، وأمَّا غيرُها فشاذٍّ أو ضرورةٌ، كقراءةٍ: ((تماماً على الذي أَحْسَنُ))(٦)،
وقوله(٧):
٣٠٦ - مَنْ يُعْنَ بالحَقِّ لا يَنْطِقْ بما سَفَهُ ولا يَجِدْ عن سَبيلِ الحَمْدِوالگرمِ
(١) ي: ((قولهم)).
(٢) الآية ٧٣ من الحج: (يا أيها الناسُ ضُرِبَ مَثَلّ فاستمعوا له)).
(٣) إبراهيم بن أبي عبلة، شمر بن يقظان الدمشقي، تابعي ثقة، له: اختيار شاذ. أخذ
عن الزهري وأخذ عنه موسى بن طارق، توفي سنة ١٥١. انظر: طبقات
القراء ١٩/١. وفي تخريج القراءة انظر: الكشاف ٢٦٤/١؛ البحر ١٢٣/١.
(٤) محمد بن محمد البغدادي، روى قراءة عاصم عن الخياط ولم تذكر وفاته. انظر:
الطبقات ٢٤٠/٢. وهناك أيضاً: الضحاك بن مزاحم تابعي أخذ عن سعيد بن جبير،
توفي سنة ١٠٥. انظر: الطبقات ٢٤٠/٢.
(٥) الكشاف ٢٦٤/١.
(٦) الآية ١٥٤ من الأنعام وهي قراءة الحسن والأعمش كما في الإتحاف ١٣٢، وانظر مناقشة
هذه القراءة تفصيلاً في: سيبويه والقراءات ٢٦ .
(٧) لم أهتد إلى قائله، وهو في الأشموني ١٦٩/١؛ والتصريح ١٤٤/١؛ والهمع ٩٠/١؛
والدرر ٦٩/١.
٢٢٥

- البقرة -
أي: الذي هو أحسنُ، وبما هو سَفَهُ، وتكونُ ((ما)) على هذا بدلاً من
(مثلاً))، كأنه قيل: مَثَلاً الذي هو بعوضةٌ. والثاني: أن تُجْعَلَ ((ما)) زائدةً
أو صفةٌ وتكونَ («هو بعوضةٌ)) جملةً كالمفسِّرة لِما انطوى عليه الكلامُ.
قولُه: ((فما فَوْقَها) قد تقدَّم أن الفاءَ بمعنى إلى، وهو قولُ مرجوحٌ جداً.
و((ما)) في ((فما فوقها)) إن نَصَبْنا (١) ((بعوضةُ)) كانت معطوفةً عليها موصولةٌ
بمعنى الذي، وصلتُها الظرفُ، أو موصوفةً وصفتُها الظرفُ أيضاً، وإنْ رَفَعْنَا
(بعوضةٌ))، وجَعَلْنَا (ما) الأولى موصولةً أو استفهاميةٌ فالثانيةُ (٢) معطوفةٌ عليها،
لكنْ فِي جَعْلِنا ((ما)) موصولةً يكونُ ذلك من عَطْفِ المفرداتِ، وفي جَعْلِنَا
إياها استفهاميةً يكونُ مِن عَطْفِ الجملِ ، وإنْ(٣) جَعَلْنَا ((ما)) زائدةً أو صفةً
النكرة و((بعوضةٌ)) خبراً لـ ((هو)) مضمراً كانت ((ما)) معطوفةً على ((بعوضة)).
والبَعُوضةُ واحدةُ الْبَعُوض وهو معروفٌ، وهو في الأصل وَصْفٌ على
فَعُول كالقَطُوعِ، مأخوذُ من الْبَعْضِ وهو القَطْع، وكذلك البَضْعُ والعَضْبِ،
قال(٤):
٣٠٧ - لَنِعْمَ البيتُ بِيتُ أبي دِثار إذا ما خافَ بعضُ القومِ بَعْضا
ومعنى ((فما فوقَها)) أي: في الكِبَر وهو الظاهرُ، وقيل: في الصِّغَرِ.
قوله: ((فَأَمَّا الذين آمنوا)) ((أمَّ): حرفٌ ضُمِّن معنى اسمِ شرطٍ وفِعْلِهِ،
كذا قدَّره سيبويه، قال(٥): ((أمَّا)) بمنزلةٍ مهما يَكُ مِنْ شيءٍ)). وقال
(١) ح ص: ((نصباً)).
(٢) صح: ((والثانية)).
(٣) ي: ((فإن)).
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان: بعض؛ وشواهد الكشاف ٤٣٤/٤؛ وابن
عطية ٢٠٥/١. والبعض الثانية هنا: العض والأذى، وأبو دثار: الكِلَّة وهي ما يُتَوَقِّى بِه
من البعوض.
(٥) الكتاب ٣١١/٢.
٢٢٦

- البقرة -
الزمخشري (١): ((وفائدتُه في الكلامِ أن يُعْطِيه فَضْلَ توكيدٍ، تقولُ: زيدٌ
ذاهبٌ، فإذا قَصَدْتَ توكيدَ ذلك(٢) وأنه لا محالةَ ذاهبٌ قلت: أمّا زيدٌ
فذاهبٌ)) وذَكَر كلاماً حسناً بليغاً كعادتِه في ذلك. وقال بعضُهم: ((أمَّا)) حرفُ
تفصيلٍ لِما أَجْمَلَه المتكلُّمُ وادَّعاه المخاطبُ، ولا يليها إلا المبتدأ، وتَلْزَمُ
الفاءُ في جوابها، ولا تُحْذَفُ إلَّ مع قولٍ ظاهرٍ أو مقدَّرٍ كقوله: ((وأمَّا الذين
اسْوَدَّتْ وجوهُهم، أكفرتم))(٣) أي: فيقالُ لهم: أَكَفَرْتُمْ، وقد تُحْذَفُ حيث
لا قولٌ، كقوله(٤).
٣٠٨ - فأمَّا القِتالُ لا قتالَ لدیكُمُ
ولكنَّ سَيْراً في عِراضِ المواكبِ
أي: فلا قتالَ، ولا يجوزُ أن تليها الفاءُ مباشرةً ولا أن تتأخّر عنها بِجُزْأَي
جملةٍ لوقلت: ((أمّا زيدٌ منطلقٌ ففي الدار)) لم يَجُزْ، ويجوز أنْ يتقدَّم معمولُ
ما بعد الفاءِ عليها، متليَّ (٥) أمّا كقوله: ((وأمَّا اليتيمَ فلا تَقْهَرْ))(٦)، ولا يجوز(٧)
الفصلُ بين أمَّ والفاءِ بمعمولٍ إِنَّ (٨) خلافاً للمبرد، ولا بمعمولٍ خبر ليت(٩)
ولعلّ خلافاً للفراء.
(١) الكشاف ٢٦٦/١.
(٢) ي: ((ذاك)).
(٣) الآية ١٠٦ من آل عمران.
(٤) البيت للحارث بن خالد المخزومي، وهو في أمالي الشجري ٢٨٥/١؛ وأوضح
المسالك ٢٠٧/٣؛ والخزانة ٢١٧/١؛ والجمع ٧٦/٢؛ والدرر ٨٤/٢. والمواكب:
ج موكب وهو الجماعة من الناس.
(٥) اسم مفعول من تُلِيَ لعل الأجود : تالياً.
(٦) الآية ٩ من الضحى.
(٧) ي: ((لا يجعل)).
(٨) نحو: أما اليوم فإني ذاهب. وانظر المقتضب ٣٥٤/٢ - ٣٥٥.
(٥) نحو: أما اليوم فليتني أقرأ.
٢٢٧

- البقرة -
وإنْ وَقَعَ بعدها مصدرٌ نحو: ((أمَّ عِلْماً فعالمٌ)): فإنْ(١) كان نكرةً جاز
نصبُه عند التميميين برُجْحَان، وضَعُفَ(٢) رفعُه، وإن كان معرفةً التزموا فيه
الرفع. وأجاز الحجازيُون فيه الرفعَ والنصْبَ(٣)، نحو: ((أمَّا العلمُ فعالِمٌ)
ونصبُ المنكِّرِ عند سيبويهِ(٤) على الحالِ، والمعرِّفُ مفعولٌ له. وأمَّا الأخفشُ
فنصبُهما عنده على المفعول المطلق. والنصبُ بفعلِ الشرط المقدَّر
أو بما بعد الفاء ما لم يمنْع مانعٌ فيتعيِّنُ(٥) فعلُ الشرطِ نحو: ((أمَّا علماً فلا عَلَّمَ
له)) أو: فإنَّ زيداً عالمٌ، لأن ((لا)) و((إنَّ)) لا يعملُ ما بعدهما فيما قبلهما،
وأمَّا الرفعُ فالظاهرُ أنه بفعلٍ (٦) الشرط المقدَّر، أي: مهما يُذْكَرْ عِلْمٌ أو العلمُ
فزيدٌ عالمٌ، ويجوز أن يكونَ مبتدأ وعالمُ خبرَ مبتدأ(٧) محذوفٍ، والجمِلَةُ
خبرهُ، والتقديرُ: أَمَّا علمٌ - أو العلمُ - فزيدٌ عالِمٌ به (٨) وجازَ الابتداءُ بالنكرة
لأنه موضعُ تفصيلٍ ، وفيها (٩) كلامٌ أطولُ من هذا.
و ((الذين آمنوا)) في محلِّ رفع بالابتداء، و («فيعلمونَ)» خيرهُ. قوله:
((فيعلمون أنَّه الحقُّ من ربِّهم)) الفاءُ جوابُ أَمًّا، لِما تَضَمَّنَتْهِ مِنْ معنى الشرطِ
و ((أنّه الحقُّ)) سادُّ مَسَدَّ المفعولَيْن عند الجمهورِ، ومَسَدَّ المفعول الأولِ (١٠)
فقط والثاني محذوفٌ عند الأخفشِ أي: فَيَعْلَمونَ حقيقتَهُ ثابتةً. وقال
(١) ص: ((وان)).
(٢) ص ح: ((وضعت)).
(٣) ع: ((فالنصب)).
(٤) الكتاب ١٩٢/١.
(٥) ي: ((فتعين بفعل)).
(٦) ص ح: ((ان الفعل)).
(٧) قوله ((وعالم خبر مبتدأ) سقط من ص.
(٨) قوله: ((به)) سقط من ي.
(٩) ص . ح:)).
(١٢) قوله: ((الأول)) سقط من ص.
٢٢٨

- البقرة -
الجمهور: لا حاجةً إلى ذلك لأنَّ وجودَ النسبةِ فيما بعدَ ((أنَّ» كافٍ في تَعَلَّق
العلمِ أو الظنِّ به، والضميرُ في ((أَنَّه)) عائدٌ على المَثَل. وقيل: على ضَرْبِ
المثلِ المفهومِ من الفِعْل، وقيل: على تَّرْكِ الاستحياءِ. و((الحقُّ) هو الثابتُ،
ومنه (حَقَّ الأمرُ)) أي ثَبَتَ، ويقابِلُه الباطلُ.
وقوله: (مِنْ رَبِّهم)) في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِن ((الحق)) أي: كائناً
وصادراً(١) مِنْ ربهم، و((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ المجازيةِ. وقال أبو البقاء(٢):
((والعامل(٣) فيه معنى الحقِّ، وصاحبُ الحالِ الضميرُ المستتر(٤) فيه)) أي:
في الحق، لأنه مشتقٌ فيتحمِّلُ ضميراً.
قوله: ((ماذا أرادَ الله)) اعلَمْ أنَّ ((ماذا صنعت)) ونحوَه له في كلامِ العربِ
ستةُ استعمالات(٥): أن تكون ((ما)) اسم استفهام(٦) في محل رفعٍ بالابتداءِ،
و ((إذا)) اسمُ إشارةٍ خبرهُ. والثاني: أن تكونَ ((ما)) استفهاميةٌ وذا بمعنى الذي،
والجملة بعدها صلةٌ وعائدُها محذوفٌ، والأجودُ حينئذٍ أن يُرْفَعَ ما أُجيب به
أو أُبْدِلَ (٧) منه كقوله(٨).
أَنَحْبٌ فَيُقْضى أم ضَلالٌ وباطِلُ
٢٠٩ - ألا تَسْأَلانِ المرءَ ماذا يُحاوِلُ
(١) ص ح: ((وضادماً)).
(٢) الإِملاء ٢٦/١.
(٣) ص ح: ((العامل)).
(٤) ص ح: ((المستبين)).
(٥) انظر: المغني ٣٣٢.
(٦) ص ح: ((استفهامية)).
(٧) ي: ((بدل)» تحريف.
(٨) البيت للبيد، وهو في ديوانه ٢٥٤؛ ومعاني القرآن للفراء ٤٣٩/١؛ ومجالس ثعلب
٤٦٢؛ والأزهية ٢١٦؛ واللسان: حول؛ والمخصص ١٠٣/١٤؛ ووصف المباني ١٨٨.
والنحب: النذر.
٢٢٩

- البقرة-
فـ ((ذا)) هنا بمعنى الذي لأنه أُبْدِلَ منه مرفوعٌ وهو ((أَنَحْبٌ))، وكذا ((ماذا(١)
ينفقون قل العفوُ))(٢) في قراءة أبي عمرو. والثالث: أن يُغَلَّبَ حكمُ ((ما)) على
(ذا))، فَيُتْرَكا(٣) ويَصيرا بمنزلة اسمٍ واحدٍ، فيكونَ في محلُّ نصبٍ بالفعل
بعدَهِ، والأجودُ حينئذٍ أن يُنْصَبَ جوابُه والمبدلُ منه كقوله: ((ماذا (٤) ينفقون
قلِ العفوَ)) في قراءة غير أبي عمروٍ، و((ماذا أَنْزَل ربكم، قالوا: خيراً))(٥) عند
الجميع، ومنه قوله(٦):
لا يَسْتَفِقْنَ إلى الدَّيْرَيْنِ تَحْنَانًا
٣١٠ - يا خُزْرَ تغلبَ ماذا بالُ نِسْوَتِكِم
فـ «ماذا)» مبتدأ، و ((بالُ نسوتكم» خبرهُ. الرابع: أن يُجْعَلَ ((ماذا» بمنزلةٍ
الموصول تغليباًلـ((ذا)) على ((ما))(٧)، عكسَ ما تقدَّم في الصورة قبلَه، وهو قليلٌ
جداً، ومنه قولُ الشاعر(٨):
٣١١ - دَعي ماذا عَلِمْتِ سأَتَّقيه ولكنْ بالمُغَيَّبِ نَيِّئِينَي
فماذا بمعنى الذي لأنَّ ما قبله لا يُعَلَّقُ. الخامسُ: زعم الفارسي أن
(ماذا)) كلَه يكونُ نكرةً موصوفةً وأنشد: ((دَعي ماذا عَلِمْتِ)) أي: دَعِي شيئاً
معلوماً وقد تقدَّم تأويلُه. السادس : - وهو أضعفُها - أن تكونَ ((ما)) استفهاماً و (ذا)»
زائدةً وجميعُ ما تقدَّم يصلُح أن يكون مثالاً له، ولكنَّ زيادةَ الأسماءِ ممنوعةٌ
أو قليلةٌ جداً ..
(١) ي: «ما)).
(٢) الآية ٢١٩ من البقرة. وانظر: السبعة ١٨٢.
(٣) ص ح: ((فيتركنا)).
(٤) ص ح: ((ما)).
(٥) الآية ٣٠ من النحل.
(٦) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٥٩٨.
(٧) قوله: ((ما)) سقط من ي.
(٨) البيت لسحيم بن وثيل أو المثقب العبدي، وهو في المغني ٣٣٣؛ والخزانة ٥٥٤/٢؛
والعيني ٤٨٨/١؛ والدرر ٦٠/١.
٢٣٠

- البقرة -
إذا عُرِفَ ذلك فقولُه: ((ماذا أرادَ اللهُ)) يجوزُ فيه(١) وجهان دونَ الأربعةِ
الباقيةِ، أحَدُهما: أن تكونَ ((ما)) استفهاميةً في محلُّ رفعٍ بالابتداء، وذا بمعنى
الذي، و((أراد الله)) صلةٌ والعائدُ(٢) محذوفٌ لاستكمالٍ شروطِه(٣)، تقديره:
أرادَه اللَّهُ، والموصولُ خبرُ ((ما) الاستفهاميةِ. والثاني: أن تكونَ ((ماذا)» بمنزلةِ
اسمٍ واحدٍ في محلّ نَصْبٍ بالفعلِ بعده تقديرُه: أيّ شيء أرادَ اللهُ، ومحلُّ
هذه الجملةِ النصبُ بالقولِ .
[والإِرادةُ لغةً: طَلَبُ الشيءِ مع الميل إليه، وقد تتجرِّدُ للطلبِ، وهي
التي تُنْسَبُ إلى اللهِ تعالى وعينُها واوٌ من رادَ يرودُ أي: طَلَب، فأصلُ أراد
أَرْوَدَ مثل أَقام، والمصدرُ الإِرادةُ مثلُ الإِقامةِ، وأصلُها: إرْوَاد فأُعِلَّتْ وعُوّضَ
من محذوفِها تاءُ التأنيث](٤).
قوله: ((مَثَلاً)) نصبُ على التمييزِ، قيل: جاءَ على معنى التوكيد، لأنه
من حيث(٥) أُشير إليه بـ ((هذا) عُلِم أنه مثلُ، فجاء(٦) التمييزُ بعده مؤكّداً
للاسم الذي أُشير إليه. وقيل: نصبٌ على الحال، واختُلِفَ في صاحِبها
فقيل: اسمُ الإِشارةِ، والعاملُ فيها معنى الإِشارةِ، وقيل: اسمُ الله تعالى أَي
متمثِّلاً (٧) بذلك، وقيل: على القَطْع وهو رأيُ الكوفيين، ومعناه عندهم: أنه
(١) ص ح: ((فيها الوجهان)).
(٢) ص ح: ((وعائد)).
(٣) شروط حذف العائد المنصوب هي أن يكون ضميراً متصلاً منصوباً بفعل تام أو وصف.
انظر: ابن عقيل ١٤٣/١.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من ع.
(٥) : (حیث انه)).
(٦) ع: ((في)» .
(٧) ص: ((ممتثلاً)).
٢٣١

- البقرة:
كان أصلُه أَنْ يَتْبَعَ ما قبلَه والأصلُ: بهذا المثلِ، فلمَّا قُطِع عن التبعيةِ
انتصبَ، وعلى ذلك قولُ امرىء القيس(١):
وعَالِيْنَ قِنْواناً من البُسْرِ أَحْمَرًا
٣١٢ - سَوامِقُ جَبَّارٍ أثيثٍ غُروعُهُ
أصله: من البسر الأحمر(٢).
قول: ((يُضِلُّ به كثيراً ((الباء)) فيه للسببيةِ، وكذلك في(٣) «يهدي به»
وهاتان الجملتان لا محلّ لهما لأنهما كالبيانِ للجملتين المُصَدَّرَتَيْنِ بـ((أمَّ))، وهما
من كلام الله تعالى، وقيل: في محلِّ نصب لأنهما صفتان لمَثَلاً، أي: مَثَلًا
يُفَرِّقُ الناسَ به، إلى ضُلَّلٍ ومُهْتِدِين، وهما على هذا من كلامِ الكفار.
وأجازَ أبو البقاء(٤) أن تكونَ حالاً من اسمِ الله أي: مُضِلَا به كثيراً ومادياً به
كثيراً. وجَوَّزَ ابن عطية(٥) أن تكونَ جملةُ قولَه: ((يُضِل به كثيراً) من كلام
الكفار، وجملةُ قوله: «وَبھْدي به كثيراً»(٦) من كلام الباري تعالی. وهذا ليس
بظاهرٍ، لأنه إلباسٌ في التركيب. والضميرُ في ((به)) عائدٌ على ((ضَرْبٍ))
المضاف تقديراً إلى (٧) المثل، أي: بِضَرْب المَثّل، وقيل: الضمير الأول
للتكذيبِ، والثاني للتصديق، ودلَّ على ذلك قُوَّةُ الكلام.
وقُرىءَ: ((يُضَلُّ به كثيرٌ ويُهْدى به كثيرٌ، وما يُضَلُّ به إلا الفاسقُون))
بالبناء للمفعول(٨)، وقُرىءَ أيضاً: «يَضِلُّ به كثيرٌ ويَهْدي به كثيرٌ، وما یَضِلَّ بِه
(١) ديوانه ٥٧؛ والبحر ٤٤٤٣/٣ وسوامق: عاليات؛ والجبار من النخل: الفتّ، والأثيث:
المتلفُّ، عالين: رفعن، والقنوان: عذقه، والبسر: ما أحمر من التمر.
(٢) سقط من ص، ح.
(٣) قوله ((في)) زيادة من ع.
(٤) الإِملاء ٢٦/١.
(٥) التفسير ٢٠٧/١، وهو لم يجوزه، وإنما نقله قولاً.
(٦) قوله ((من كلام الكفار وجملة قوله ويهدي به كثيراً) سقط من ص ح.
(٧) ي: ((أي)).
(٨) قراءة زيد بن علي، كما في البحر ١٢٦/١.
٢٣٢

- البقرة -
إلا الفاسقون)) بالبناء(١) للفاعل (٢)، قال بعضهم: ((وهي قراءة القَدَرِيَّة)) قلت:
نقل ابنُ عطية(٣) عن أبي عمرو الداني (٤) أنها قراءةُ المعتزلة، ثم قال: ((وابنُ
أبي عَبْلة مِنْ ثِقات الشاميين)) يعني قارئها، وفي الجملة فهي مخالفةٌ لسواد
المصحف. فإن قيل: كيف وَصَف المهتدين هنا بالكثرةِ وهم قليلون، لقوله
تعالى: ((وقليلٌ ماهم)) (٥) ((وقليلٌ من عباديَ الشَّكور))(٦)؟ فالجوابُ أنهم وإن
كانوا قليلين في الصورة فهم(٧) كثيرون في الحقيقةٍ كقوله(٨).
٣١٣ - إنَّ الكرامَ كثيرٌ في البلادِ وإنْ
قُلُّوا كما غيرُهُم قَلَّ وإنْ كَثُروا
فصار ذلك باعتباریْن.
قوله: ((وما يُضِلَّ به إلا الفاسقين)). الفاسقين: مفعولٌ لـ((يُضِلُّ)) وهو استثناءٌ
مفرغٌ، وقد تقدَّم معناه، ويجوزُ عند الفراء(٩) أن يكونَ منصوباً على الاستثناء،
والمستثنى منه محذوفٌ تقديرُه: وما يُضِلُّ به أحداً إلا الفاسقين كقوله(١٠):
٣١٤ - نَجا سالمٌ والنَّفْسُ منه بشِدْقِه
ولِمَ يَنْجُ إلا جَفْنَ سیفٍ ومِثْزَرا
(١) ي: ((البناء).
(٢) قراءة ابن أبي عبلة، كما في البحر ١٢٦/١؛ الشواذ ٤.
(٣) التفسير ٢٠٨/١، ولم يقل انها قراءة المعتزلة، وإنما قال قراءة القدرية.
(٤) عثمان بن سعيد المعروف بابن الصيرفي، له: التيسير. توفي سنة ٤٤٤، انظر: طبقات
القراء ٥٠٣/١.
(٥) الآية ٢٤ من سورة ص.
(٦) الآية ١٣ من سورة سبأ.
(٧) صح: ((فهو)).
(٨) لم أهتد إلى قائله، وهو في شواهد الكشاف ٣٩٥/٤.
(٩) معاني القرآن ٢٣/١.
(١٠) البيت لحذيفة بن أنس الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٢٢/٣؛ ومجالس ثعلب ٤٥٦؛
والمقرب ١٦٧/١؛ واللسان: جفن، ووصف المباني ٩٣؛ والبحر ١٢٦/١. وقوله:
والنفس منه بشدقه: أي كادت تخرج فبلغت شدقه.
٢٣٣

- البقرة :
أي: لم ينجُ بشيء، ومنعَ أبو البقاء(١) نصبَه على الاستثناءِ(٢)، كأنه(٣)
اعتبر مذهب جمهورِ البصریین.
والفِسْقُ لغةً: الخروجُ، يقال: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عن قِشْرِها، أي
خَرَجَتْ، والفاسِقُ خارجٌ عن طاعةِ الله تعالى، يقال: فَسَق يفسُقُ ويفسِقُ
بالضم والكسر في المضارع فِسْقاً وفُسوقاً فهو فاسقٌ. وزعم ابن الأنباري أنه
لم يُسْمع في كلامِ الجاهلية ولا في (٤) شعرها فاسِقٌ، وهذا عجيب(٥)، قال
رؤية(٦):
٣١٥ - يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وَغَوْراً غائراً فواسِقاً عن قَصْدِها جَوائِراً
آ. (٢٧) قوله تعالى: ﴿الذين يَنْقُضون﴾ .. فيه أربعة أوجهٍ، أحدُها؛
أَنْ يكونَ نعتاً للفاسِقِينَ. والثاني: أنه منصوبٌ على الذمِّ. والثالث(٧) أنه
مرفوعٌ بالابتداء، وخيرُه الجملةُ من قوله: ((أولئك هم الخاسرون)). والرابع: أنه
خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي: هم الفاسقون.
والنّقْضُ: حَلّ (٨) تركيب الشيءِ والرجوعُ به إلى الحالة الأولى. والعهدُ
في كلامِهم على معانٍ منها: الوصيةُ والضمانُ والاكتفاءُ والأمرُ. والخَسار.
النقصانُ في ميزان أو غيره، قال جرير (٩):
(١) الإملاء ٢٦/١.
(٢) قال: ((لأن ((یضل)) لم يستوف مفعوله قبل إلا ».
(٣) صح: ((كله)).
(٤) ((في)) سقط من صح:
(٥) ص: ((عجب)).
(٦) ملحق ديوان رؤية ١٩٠؛ وملحق ديوان العجاج ٢٨٨/٢؛ وسيبويه ٤٩/١؛
والخصائص ٤٣٢/٢؛ وأساس البلاغة: فسق، وشذور الذهب ٣٣٢؛ وغوراً: أي
يسلكن غوراً.
(٧) ي: ((والثاني» وهو سهو.
(٨) ي: ((حمل).
(٩) ديوانه ٥٩٨؛ والقرطبي ٢٤٨/١. والقنُ: الذي مُلِك هو وأبواه.
٢٣٤

- البقرة -
٣١٦ - إنَّ سَليطاً في الخسار إنَّهْ أولادُ قومٍ خُلِقوا أَقِنَّهْ
وخَسَرْتُ الشيء - بالفتح - وأَخَسَرْتُه نَقَصْتُه، والخُسْران والخَسار
والخَيْسَرى كلُّه بمعنى الهلاك.
و ((مِنْ بعد)» متعلقٌ بـ((يَنْقْضُون))، و ((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ، وقيل : زائدةٌ وليس
بشيء. و ((ميثاقَه) الضميرُ فيه يجوزُ أن يعودَ (١) على العهدِ، وأن يعودَ على اسم الله
تعالى، فهو على الأول مصدرٌ مضافٌ إلى المفعولِ، وعلى الثاني مضافٌ
للفاعل، والميثاقُ مصدرٌ كالميلادِ والميعادِ بمعنى الولادةِ والوَعْد(٢)، وقال ابنُ
عطية (٣): ((هو اسمٌ في موضعِ المصدرِ كقوله(٤).
٣١٧ - أكُفْراً بعدَ رَدِّ الموتِ عني وبعد عطائِك المئةَ الرِّتَاعا
أي: إعطائك))، ولا حاجة تدعُو إلى ذلك. والمادةُ تَدُلُّ على الشَدِّ (٥)
والربطِ وجمعُه مواثيق(٦) ومياثق وأنشد ابن الأعرابي(٧):
٣١٨ - حِمىٍ لا يَحُلُّ الدهرُ إلا بإذنِنا ولا نَسْأَل الأقوامَ عهدَ المَيَائِقِ
و ((يقطعونَ)) عطف على ((ينقضون)) فهي صلةٌ أيضاً، و((ما)» موصولةٌ،
(١) ي؛ یعهد يعود.
(٢) ح ص: ((والوعيد)).
(٣) التفسير ٢٠٩/١.
(٤) البيت للقطامي، وهو في ديوانه ٤١؛ والخصائص ٢٢١/٢؛ وابن يعيش ٢٠/١؛ وأمالي
الشجري ١٤٢/٢؛ وأوضح المسالك ٢٤٣/٢؛ والتصريح ٦٤/٢؛ والأشموني
٢٨٨/٢؛ والهمع ١٨٨/١؛ والدرر ١٦١/١. والرتاع من الإبل: التي ترعى دون أن
یرُدَّها أحد.
(٥) ص: ((التثنية)).
(٦)؛ صح: ((من مواثيق)) وهي مقحمة.
(٧)) البيت لعياض بن أم درة الطائي، وهو في الخصائص ١٥٧/٣؛ وابن يعيش ١٢٢/٥؛
والنوادر ٦٥؛ واللسان: وثق؛ والقرطبي ٢٤٧/١.
٢٣٥

- البقرة :
و ((أَمَرَ الله به)» صلتُها وعائدُها. وأجاز أبو البقاء (١) أن تكونَ نكرةً موصوفةٌ،
ولا يجوز أن تكونَ مصدرِيَّةً لِعَوْدِ الضميرِ عليها إلا عند أبي الحسن
وابن السراج(٢)، وهي مفعولٌ بَيَقْطَعون.
قوله: (أَنْ يُوْضَلَ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: الجرُّ على البدلِ من
الضمير في ((به)) أي: ما أمرَ اللَّهُ بَوَصْلِهِ، كقول امرىء القيس: (٣)
٣١٩ - أمِنْ ذِكْرٍ ليلى أَنْ نَتْكَ تَنُوصُ
فَتَقْصُرُ عنها خَطْوَةٌ وَتَبُوَصُ
أي: أمِنْ(٤) نَأْيِها. والنصبُ وفيه(٥) وجهان، أحدُهما: أنَّهَ بدلٌ من
ما(٦) أمر اللَّهُ بدلُ اشتمالٍ. والثاني: أنه مفعولٌ من أجله، فقدَّره المهدوي:
كراهةً أن يُوصِل، وقدَّرَهُ غيرُه: أن لا يُوصلَ. والرفع (٧) [على] أنه خبرُ مبتدأٍ.
مضمرٍ أي هو أن يُوصِلَ، وهذا بعيدٌ جداً، وإنْ كان أبو البقاء(٨) ذَكَرَهُ.
و ((يُفْسِدُونَ)) عطفٌ على الصلةِ أيضاً و((في الأرضِ)) متعلِّقٌ به. وقولُه
(أولئك هم الخاسرون)) كقولهِ: ((وأولئك هم المفلحون))(٩). وقد تقدَّم أنه
يجوز أن تكون هذه الجملةُ خبراً عن ((الذين ينقضُون)) إذا جُعِلَ مبتدأٌ، وإنْ
لم يُجْعَلْ مبتدأ فهي مستأنفةٌ فلا محلَّ لها حينئذٍ(١٠). وتقدَّم معنى الخَسار،
والأمرُ: طلبُ الأعلى من الأدنى.
(١) الإملاء ٢٧/١.
(٢) الأصول ١٦١/١.
(٣) ديوانه ١٧٧؛ واللان: بوص؛ والبحر ١٢٨/١. تنوص: تتحول. وتبوص: تسبق.
(٤) صح: ((أمر)).
(٥) ص: ((فيه)).
(٦) ي: ((أراد)).
(٧) ي: ((والرابع)).
(٨) الإملاء ٢٧/١.
(٩) الآية ٥ من البقرة.
(١٠) صح: ((وحينئذٍ)). وبعد ذلك تبدأ نسخة ي بإثبات الحديث عن الإرادة لغةً، وقد
قَدَّمِناه نقلاً عن نسخة ع التي أوردّتْه في مكانه المناسب حسب تسلسل الآيات.
٢٣٦

- البقرة -
آ. (٢٨) قوله تعالى: ﴿كيف تكفرون باللّهِ﴾: ((كيف)) اسمُ
استفهامٍ يُسْأَلُ بِهِ عن الأحوالِ، وبُنِيَ (١) لتضمُّنِهِ معنى الهمزة، وبُنِيّ(٢) على
أخفِّ الحركات، وشَذَّ دخولُ حرفِ الجرِّ عليها، قالوا: ((على كيف تبيعُ
الْأَحْمَرَيْنِ))(٣)، وكونُها شرطاً قليلٌ، ولا يُجزْم بها خلافاً للكوفيين(٤)، وإذا أُبْدِل
منها اسمٌ أُو وَقَعَ جواباً لها فهو منصوبٌ إن كان بعدها فعلٌ متسلِّطٌ (٥) عليها
نحو: كيف قمتَ؟(٦) أصحيحاً أم سقيماً، وكيف سِرْت؟ فتقول: راشداً، وإلاّ
فمرفوعان(٧)، نحو: كيف زيدٌ؟ أصحيحٌ أم سقيمُ. وإنْ وقعَ بعدَها اسمٌ
مسؤولٌ عنه بها فهو مبتدأٌ وهي خبرٌ مقدَّمٌ، نحو: كيف زيدٌ؟ وقد يُحْذَفُ الفعلُ
بعدَها، قال تعالى: ((كيف وإنْ يَظْهروا عليكم))(٨) أي كيف تُوالونهم.
و(كيفَ)) في هذه الآيةِ منصوبةٌ على التشبيهِ بالظرف عند سيبويه(٩)، أي: في
أيِّ حالةٍ تكفُرون، وعلى الحالِ عند الأخفش، أي: على أي حالٍ تكفرون،
والعاملُ فيها على القولين ((تكفرون)) وصاحبُ الحالِ الضميرُ في تكفرون،
ولم يَذْكر أبو البقاء (١٠) غيرَ مذهبِ الأخفش، ثم قال: ((والتقدير: معاندين(١١)
تكفرون. وفي هذا التقدير نظرٌ، إذ يذهب معه معنى الاستفهام المقصود به
(١) صح: ((وهي)).
(٢) ع: ((وهي)).
(٣) الأحمران: اللحم والخمر.
(٤) قال سيبويه: ((سألت الخليل عن قوله: كيف تصنع أصنع. فقال: هي مستكرهة وليست
من حروف الجزاء)» الكتاب ٤٣٣/١.
(٥) صح: ((يتسلط)).
(٦) صح: ((قمنا)).
(٧) ي: ((فمرفوعاً».
(٨) الآية ٨ من التوبة .
(٩) انظر: الكتاب ٤٤/٢.
(١٠) الإملاء ٢٧/١ ولم يشر الأخفش إلى ((كيف)) هذه في ((معاني القرآن)).
(١١) الإِملاء: أمعاندين.
٢٣٧

- البقرة-
التعجبُ أو التوبيخُ أو الإِنكارُ (١)، قال الزمخشري (٢) بعد أَنْ جَعَلَ الاستفهامَ
للإنكارِ: ((وتحريرهُ أنه إذا أُنْكَرَ أن يكونَ لكفرهم حالٌ (٣) يُوجَدُ عليها، وقد عُلِمَ
أنَّ كلَّ موجودٍ لا بُدَّ له من حالٍ، ومُحالٌ (٤) أن يُوجَدَ بغيرِ صفةٍ من الصفاتِ
كان إنكاراً لوجودِه على الطريق البرهاني)).
وفي الكلام التفاتُ من الغَيْبَةِ في قولِهِ: ((وأمَّا الذين كفروا إلى آخره، إلى
الخطاب في قولهِ: ((تَكْفُرون، وكُنْتُم)). وفائدتُهُ أنَّ الإِنكارَ إذا توجّه إلى
المخاطبِ كان أبلغَ. وجاء «تكفرونَ)) مضارعاً لا ماضياً لأنَّ المُنْكَرَ الدَوَامُ عِلَى
الكفرِ، والمضارعُ هو المُشْعِرُ بذلك، ولئلا يكون ذلك تَوْبيخاً لَمَنْ آمَنَ بعد
كُفْر.
و ((كَفَرَ)) يتعدَّى بحرف الجر نحو: ((تَكْفُرونَ بالله)) ((تَكْفُرُونَ بِآيَاتٍ
اللَّهِ)(٥) ((كفروا بالذكر)(٦)، وقد تعدَّى بنفسه في قوله تعالى: ((ألا إنَّ ثمودَ
كَفَروا ربّهم))(٧) وذلك لُمَّا ضُمِّن معنى جَحَدوا.
قوله: ((وكنتم أمواتاً فَأَحْيَاكُمْ)) الواوُ واوُ الحالِ، وعلامتُها أن يَصْلُح
موضِعَها (إذ))، وجملةُ(٨) (كنتم أمواتاً)) في محلَّ نصبٍ على الحال، ولا بد(٩)
من إضمار ((قد)) ليصِحَّ وقوعُ الماضي حالاً. وقال الزمخشري: (١٠) ((فإن
(١) ي: ((والإِنكار)).
(٢) الكشاف ٢٦٩/١.
(٣) صح: ((حالة توجه)) ..
(٤) صح: ((ومحل)).
(٥) الآية ٧٠ من آل عمران، وسقطت هذه الآية من: مي.
(٦) الآية ٤١ من فصلت.
(٧) الآية ٦٨ من هود.
(٨) قوله: ((وجملة)) سقط من ي.
(٩) صح: «ولأنه)).
(١٠) الكشاف ٢٦٩/١.
٢٣٨

- البقرة -
قلت: (١) كيف صَحَّ أن يكونَ حالاً وهو ماضٍ بها؟ قُلْتُ: لَمْ تَدْخُل الواوُ على
(كنتم أمواتاً) وحدّه، ولكنْ على جملة قوله: ((كنتم أمواتاً) إلى (تُرْجَعُون))؛
كأنه قيل: كيف تكفرون بالله وقصتُكم(٢) هذه وحالُكم أنكم كنتم أمواتاً نُطَفَاً
في أَصْلَابِ آبائكم فَجَعَلَكم أحياءً، ثم يُميتكم بعد هذه الحياة، ثم يُحْيِيكم
بعد الموتِ ثم يُحاسِبُكم)). ثم قال: ((فإنْ قلتَ: بعضُ القصةٍ ماضٍ
وبعضُها(٣) مستقبلٌ، والماضي والمستقبل كلاهما لا يَصِحُ أن يقعَ حالاً حتى
يكونَ فعلاً حاضراً وقتَ وجودِهَا هو حالٌ عنه فما الحاضرُ الذي وقع حالاً؟(٤)
قلت: هو العلمُ بالقصة كأنه قيل: كيف(٥) تكفرونَ وأنتم عالمونَ بهذه القصة
بأولِها(٦) وبآخرها)»؟ قال الشيخُ (٧) ما معناه: هذا تَكَلُّفٌ، يعني تأويلَه هذه(٨)
الجملةَ بالجملةِ الاسمية. قال: ((والذي حَمَله على ذلك اعتقادُه أنَّ الجملَ
مندرجَةٌ في حكمٍ (٩) الجملةِ الأولى)). قال: ((ولا يتعيّن، بل يكونُ قولُه تعالى:
(ثم يُميتُكم)) وما بعده جملاً مستأنفةً أَخْبَرَ بها تعالى لا(١٠) داخلةً تحتِ الحالِ ،
ولذلك غايَرَ بينها وبين ما قبلَها من الجملِ بحرفِ العطفِ وصيغةِ الفعل
السابقَيْنِ لها في قولِهِ: ((وكنتم أمواتاً فأحياكُمْ)).
والفاءُ في قوله: ((فَأَحْيَاكُمْ)) على بابِها مِن التعقيبِ، و((ثم)) على بابها
(١) قوله: ((فإن قلت)) سقط من ع.
(٢) ع: «قضيتكم)).
(٣) ح: ((وبعدها)).
(٤) من قوله ((حتى يكون)) إلى قوله ((وقع حالاً، سقط من حص.
(٥) قوله: ((كيف)» سقط من ي.
(٦) ي: ((وبأولها)) الواو مقحمة.
(٧) البحر المحيط ١٣٠/١.
(٨) ح ص: ((وهذه)) الواو مقحمة.
(٩) حص: الحكم. والبحر: في حال.
(١٠) قوله: ((لا)) سقط من ع.
٢٣٩

- البقرة .-
من التراخي(١)، لأنَّ المرادَ بالموتِ الأول العدَمُ السابقُ، وبالحياةِ الأولى
الخَلْقُ، وبالموتِ الثاني الموتُ المعهودُ(٢)، وبالحياةِ الثانية الحياةُ للبعثِ،
فجاءت (٣) الفاءُ و((ثم)) على بابهما من التعقيبِ والتراخي على هذا التفسير
وهو أحسنُ الأقوالِ، ويُعْزَى لابنِ عباس وابن مسعود ومجاهد(٤)، والرجوعُ إلى
الجزاءِ أيضاً متراخٍ عن(٥) البعثِ. والضميرُ في ((إليه)) لله تعالى، وهذا ظاهِرٌ
لأنه كالضمائرِ قبلَه وثَمَّ مضافٌ محذوفٌ أي: إلى ثوابِهِ (٦) وعقابِه. وقيل: على
الجزاءِ على الأعمالِ: وقيل: على المكانِ الذي يَتَوَّلَّى اللَّهُ فيه الحِكِمْ
بينكم. وقيل: على الإِحياء المدلولِ عليه بأَحْياكم، يعني أنكم تُرْجَعُون إِلَى
الحالِ الأولى (٧) التي كنتم عليها في ابتداء الحياةِ الأولى من كونِكم
لا تَمْلگون لأنفسكم شيئاً.
والجمهورُ على قراءة ((تُرْجَعُون)) مبنياً للمفعولِ، وقُرِىءَ مبنياً للفاعل(٨)
حيث جاء(٩)، ووجهُ القراءتين أنَّ ((رَجَع)) يكونُ قاصراً ومتعدياً، فقراءةٌ
الجمهورِ من المتعدِّي(١٠) وهي أرجحُ؛ لأنَّ أصلَها: ((ثم إليه يُرْجِعُكُمْ))(١١) لأنَّ
(١) ي: ((الترجي)).
(٢) ي: ((والمعهود)) الواو مفحمة.
(٣) ي: «فجاء)».
(٤) مجاهد بن جبر المكي، تابعي، قرأ على عبدالله بن عباس وأخذ عنه ابن كثير، توفي سنة
١٠٣. انظر: طبقات القراء ٤١/٢.
(٥) صح: ((على)).
(٦) قوله: ((إلى)) سقط من صح.
(٧) صح: ((الأول)).
(٨) ي: ((للمفعول)».
(٩) قراءة مجاهد ويحيى بن يعمر وآخرين. البحر ١٣٢/١.
(١٠) ي: ((التعدي)).
(١١) صح: ((مرجعكم))
٢٤٠