Indexed OCR Text
Pages 201-220
- البقرة - وسُمِّيَتْ سورةُ القرآنِ بذلك لأنَّ صاحبها يَشْرُفُ بها وَتَرْفَعُه. وقيل: اشتقاقُها من الشُّؤْر وهو البَقِيَّة، ومنه: ((أَسْأَروا في الإِناء)) قال الأعشى(١): ٢٧٤ - فبانَتْ وقد أَسْأَرَتْ في الفؤا بِصَدْعاً على نَأيِها مُسْتطيرا أي: أَبْقَتْ، ويَدُلُّ على ذلك أنَّ تميماً وغيرَها يهمزون فيقولون: سُؤْرة بالهمز، وسُمِّيت سورةُ القرآن بذلك لأنها قطعةٌ منه، وهي على هذا مخففةٌ من الهمزة، وقيل: اشتقاقُها من سُورِ البِناءِ لأنها تُحيط بقارئها وتحفظُه كسُورٍ المدينة، ولكنَّ جَمْعَ سُورةِ القرآن سُوَر بفتح الواو، وجَمْعَ سُورةِ البِناءِ سُؤْر بسكونِها فَفَرَّقوا بينها في الجمعِ. قوله تعالى: ((وادعُوا شهداءَكم)) هذه جملةُ أمرٍ معطوفةٌ على الأمر قبلها، فهي في محلِّ جَزْم أيضاً. ووزنُ ادْعُوا: افْعُوا لأن لامِ الكلمةِ محذوفٌ دلالةٌ على السكونِ في الأمر / الذي هو جَزْمٍ في المضارع، والواوُ ضميرُ الفاعِلِين [٢٦/أ] و ((شهداءَكم)) مفعولٌ به جمعُ شهيد كظريف، وقيل: بل جمعُ شاهد كشاعر والأولُ أَوْلِى لاطُّراد فُعَلاء في فَعِيل دونَ فاعلٍ ، والشهادةُ: الحضور. و ((مِنْ دونِ الله)) متعلقٌ بادْعُوا، أي: ادْعُوا مِنْ دونِ الله شهداءكم، فلا تستشهدوا بالله، فكأنه قال: وادعُوا من غير الله مَنْ يشهَدْ لكم، ويُخْتمل أَنْ يَتَعلَّقَ بـ («شهداءَكم))، والمعنى: ادعُوا مَن اتخذتموه آلهةٌ مِنْ دونِ الله وَزَعَمْتُم أنهم يَشْهدون لكم بصحةِ عبادتكم إياهم، أو أعوانكم مِنْ دون أولياء الله، أي الذين تستعينون بهم دونَ الله. أو یکونُ معنی «مِنْ دونِ الله)» بین یدي الله كقوله(٢): (١) ديوانه ٣١٧؛ والطبري ١٠٥/١؛ وابن عطية ٨٠/١. (٢) البيت في وصف صفاء الخمرة، ولم أقف عليه، غير أني وجدت في ديوان الأعشى ٢١٩ وجمهرة ابن دريد ١١٤/٣ : تُرِيْكَ القذى مِنْ دونها وهي دونّه إذا ذاقَها مَنْ ذاتها يَتْمَطُّقُ ٢٠١ بـ البقرة - ٢٧٥ - تُريك القَذَى مِنْ دونِها وهي دونَه لوجهِ أخيها في الإِناءِ قُطُوبُ أي: تريكَ القذى قُدَّامها وهي قُدَّامِه لرقتِها وصفائها. واختار أبو البقاء(١) أن يكون ((من دون الله)) حالاً من ((شهداءكم))، والعاملُ فيه محذوفٌ، قال: ((تقديرُه: شهداءَكم منفردين عنِ الله أو عن أنصارٍ الله» . و((دونَ)) مِنْ ظروف الأمكنة، ولا تَتَصَرَّف على المَشهورِ إلا بالجرِّ بـ((مِنْ))، وزعم الأخفش أنها متصرِّفة، وجَعَل من ذلك قولَه تعالى: ((ومِنّا دونَ ذلك))(٢) قال: ((دونَ)) مبتدأ، و((منَّا)) خبرُه، وإنما بُني لإِضافتِه إلى مبني، وقد شَذَّ رفعُه خبراً في قول الشاعر(٣): ٢٧٦ - ألم تّرَ أَنِّي قد حَمَيْتُ حقيقتي وباشَرْتُ حدَّ الموتِ والموتُدونُها وهو من الأسماءِ اللازمةِ للإضافةِ لفظاً ومعنَّى. وأمّا ((دون)) التي بمعنى رديء فتلك صفةٌ كسائرِ الصفات، تقول: هذا ثوبٌ دونٌ، ورأيت ثوباً دوناً، أي: ردیئاً، وليستْ ممَّا نحن فيه. : قوله تعالى: (إِنْ كنتم صادقين)) هذا شرطٌ حُذِفَ جوابُه للدلالة عليه، تقديره: إنْ كنتم صادِقِين فافعلوا، ومتعلَّقُ الصدقِ محذوفٌ، والظاهرُ تقديرُه هكذا: إن كنتم صادقين في كونكم في رَيْبٍ من المنزّل على عبدِنا أنه من عندنا. وقيل: فيما تَقْدِرون عليه من المعارضة، وقد صَرَّح بذلك عنهم في آية أخرى حيث قال تعالى حاكياً عنهم: ((لونشاء لقُلْنا مثلَ هذا))(٤). والصدقُ (١) الاملاء ٢٥/١. (٢) الآية ١١ من الجن. وليس في معاني القرآن للأخفش إشارة إلى ذلك .: (٣) البيت لموسى بن جابر، وهو في الحماسة ٢١٥/١؛ والشذور ٨١؛ والبحر ١٢٠/١. (٤) الآية ٣١ من الأنفال. ٢٠٢ - البقرة - ضدُّ الكذبِ، وقد تقدَّم فَيُعْرَفُ مِنْ هناك، والصديقُ مشتقٌّ منه لصِدْقِه في الودِّ والنصحِ ، والصَّدْقُ من الرماح: الصُّلبة. آ. (٢٤) قوله تعالى: ﴿فإِنْ تَفْعلوا ولَنْ تَفْعلوا﴾: «إنْ)» الشرطيةُ داخلةٌ على جملة ((لم تفعلوا)) وتفعلوا مجزومٌ بلم، كما تدخل إنْ الشرطيةُ على فعلٍ منفي بلا نحو: ((إنْ لا تفعلوه))(١) فيكون ((لم تفعلوا)) في محلٌّ جزم بها. وقوله: ((فاتَّقوا)) جوابُ الشرطِ، ويكونُ قولُه: ((ولَنْ تفعلوا)) جملةً معترضةٌ بين الشرطِ وجزائه. وقال جماعةٌ من المفسرين(٢): معنى الآيةِ: وادعوا شهداءَكم مِنْ دونِ اللَّهِ إِنْ كنتم صادقين، ولَنْ تَفْعلوا فإنْ لم تَفْعلوا فاتَّقوا النار. وفيه نظرٌ لا يَخْفى. وإنما قال تعالى: ((فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا)) فَعَبِّر بالفعلِ عن الإِتْيان لأن الفعلَ يجري مَجْرى الكناية، فيُعَبِّر به عن كلِّ فعلٍ ويُغْني عن طول ما تَكْني به. وقال الزمخشري(٣): ((لولم يَعْدِلْ من لفظِ الإتيانِ إلى لفظِ الفعلِ لاسْتُطِيل أن يقال: فإنْ لم تأتوا بسورةٍ من مثله ولَنْ تأتوا بسورةٍ مِنْ مثلِه)). قال الشيخ(٤): ((ولا يَلْزَمُ ما قال لأنه لو قال: («فإنْ لم تأتوا ولَنْ تأتوا)) كان المعنى على ما ذَكَر، ويكونُ قد حَذَفَ ذلك اختصاراً، كما حَذَف اختصاراً مفعولَ ((لم تَفْعلوا ولَنْ تفعلوا))، ألا ترى أنَّ التقدير: فإنْ لم تفعلوا الإِتيانَ بسورةٍ من مِثله، ولن تفعلوا الإِتيانَ بسورةٍ من مثله)). و ((لَنْ)) حرفُ نَصْبِ معناه نَفْيُ المستقبل(٥)، ويختصُّ بصيغة المضارع كـ ((لم)، ولا يقتضي نَقْيُه التأبيدَ، وليس أقلَّ مدةً مِنْ نفي لا، ولا نونُه بدلاً من (١) الآية ٧٣ من الأنفال. (٢) انظر مناقشة أبي حيان: البحر ١٠٦/١. (٣) الكشاف ٢٤٨/١. (٤) البحر ١٠٦/١. (٥) انظر في لن: الكتاب ٤٠٧/١؛ المغنى ٣١٤؛ أسرار العربية ١٣٠. ٢٠٣ ب البقرة : - ألفٍ لا، ولا هو مركباً من ((لا أَنْ)) خلافاً للخليلِ، وزَعَم قومٌ أنها قدٍ تَجْزِمُ، منهم أبو عبيدةً وأنشدوا(١): ٢٧٧ - لن يَخِبْ لانَ مِنْ رجائِك مَنْ حَرْ رَكَ مِنْ دونٍ بَابِكِ الحَلَقَةْ وقال النابغة (٢): فلن أُعَرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ ٢٧٨ _ ويُمكِنُ تأويلُ ذلك بأنه مِمَّا (٣) سُكِّنَ فيه للضرورةِ. قوله تعالى: ((فاتَّقوا النارَ)) هذا جوابُ (٤) الشرطِ كما تقدم، والكثير في لغة العرب: ((اتَّقِى يَتَّقَى)) على افْتَعَل يَفْتَعِلُ، ولغة(٥) تميم وأسد: تَّقَى يَتْقِي مثل: رَمَى يَرْمي، فيُسَكَّنون ما بعد حرفِ المضارعة، حكى هذه اللغة سيبويه(٦)، ومنهم مَنْ يُحَرِّك ما بعد حرف المضارعة، وأنشدوا(٧): ٢٧٩ - تَقُوه أيُّها الفِنْيَانُ إِنّي رأيتُ الله قد غَلَبَ الجُدودًا (١) البيت لأعرابي يمدح الحسين بن علي، وهو في المغني ٣١٥؛ والأشموني ٢٧٨/٣؛ والدرر ٤/٢. (٢) ديوانه ٢٥ وروايته ((فلم))، وصدره: هذا الثناءُ فإنْ تَسْمَعْ لقائله وهو في القرطبى ٢٣٤/١؛ والصفد والثناء هنا: العطاء. (٣) من هنا يبدأ السقط من الأصل، وقد حصل ما بين الآيات ٢٤ - ٦١ من البقرة وقد أثبتنا نسخة ((ي)) مع مراعاة الفروق بين النسخ المعتمدة الأخرى ولا سيما نسخة ((ع)) التي هي أعلى النسخ قيمة هنا، ولكننا لم نتمكن من إثبات نصها لكثرة الخروم فيها. (٤) ح: «جوابه)). (٥) ع: ((وهي لغة)). (٦) الكتاب ٢٥٧/٢. (٧) لم أهتد إلى قائله، وهو في النوادر ٤. ٢٠٤ - البقرة - وقال آخر (١): تَقِ الله فينا والكتاب الذي تتلو ٢٨٠ - قوله تعالى(٢): ((النار)) مفعول به، و((التي)) صفتها، وفيها أربع(٣) اللغاتِ المتقدمةِ، كقوله(٤): بك ما بها مِنْ لَوْعَةٍ وغَرامٍ ٢٨١ - شُغِفَتْ بِك اللَّتْ تَيَّمَتْكَ فَمثلُ ما وقال آخر (٥): ٢٨٢ - فقلْ لِلَّتْ تَلُومُك إنَّ نَفْسي أراها لا تُعَوّذُ بالتَّمِيمِ وقوله (٦): ((وَقُودها الناس) جملةٌ من مبتدأ وخبر صلةٌ وعائدٌ، والألفُ واللامُ في ((النار)) للعهدِ لتقدُّمِ ذكرها في سورة التحريم - وهي مكية - عند قوله تعالى: ((قُوا أَنفسَكم وأهليكم ناراً)(٧). والمشهورُ فتحُ واوِ الوَقود، وهو اسمُ ما يُوقَدُ به، وقيل: هو(٨) مصدر كالوَلوع والقَبول والوضوء والطّهور. ولم يجىءْ مصدرٌ على فَعُول غيرُ هذه الألفاظ فيما حكاه سيبويه(٩). وزاد الكسائي: الوَزُوع(١٠)، وقُرىء شاذاً في سورة (١) البيت لعبدالله بن همام السلولي، وهو في المحتسب ٣٧٢/٢؛ والخصائص ٢٨٦/٢؛ وأمالي الشجري ٢٠٥/١؛ واللسان: تخذ، وصدره: زيادتّنا نعمانَ لا تَحْرِمَنُّنا (٢) صح ع: ((والنار) بإسقاط ((قوله تعالى)). (٣) ي: أربع لغات، صح: الأربع اللغات، وما أثبتناه من ع لأنه الصواب. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في الهمع ٨٢/١؛ الدرر ٥٦/١. (٥) لم أهتد إلى قائله وهو في أمالي الشجري ٣٠٨/٢؛ والخزانة ٢٩٩/٢؛ والهمع ٨٢/١؛ والدرر ٥٦/١. (٦) سقط من صحع. (٧) الآية ٦ من التحريم. (٨) ي: ((ما)). (٩) الكتاب ٢٢٨/٢. (١٠) الوَزُوعِ: الوَلُوعِ. ٢٠٥ - البقرة - (ق) ((وما مسَّنا من لَغوب))(١)، فتصير سبعةً، وهناك ذَكرْتُ هذه(٢) القراءةَ، ولكن المشهور أن الوقود والوضوءَ والطَّهور بالفتح اسمٌ وبالضم مصدرٌ، وقرىء شاذاً بضمها(٣) وهو مصدرٌ. وقال ابن عطية (٤): ((وقد حُكيا(٥) جميعاً في الخَطَب، وقد حُكيا في المصدر)) انتهى. فإن أريدَ اسمُ ما يُوقد به فلا حاجةً إلى تأويل، وإنْ أَريد (٦) بهما المصدرُ فلا بدَّ من تأويلٍ وهو: إِمَّا البمالغة (٧) أي جُعلوا نفس التوقُّدِ مبالغةً في وصفهم بالعذاب، وإمّا حذفُ مضافٍ: إمَّا من الأولِ أي أصحابُ توقدِها، وإمَّا من الثاني أي (٨). يُوقِدُها إحراقُ الناس، ثم حُذِفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقَامَهُ. والهاءُ في الحجارةِ لتأنيثِ الجمع. قوله تعالى: ((أُعِدَّثْ)) فعلُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والقائمُ مَقَامَ الفاعلِ ضميرٌ (النار)) والتاء واجبة، لأن الفعلَ أُسْنِدَ إلى ضمير المؤنث، ولا يُلتفت إلى قوله(٩): (١) الآية ٣٨ من سورة ق، وهي قراءة السلمي وطلحة. انظر: المحتسب ٢٨٥/٢. واللغوب: التعب. (٢) سقط من ي. (٣) أي بضم وقود، وهي قراءة الحسن ومجاهد وعيسى بن عمر. انظر: القرطبي ٢٣٦/١؛ والبحر ١٠٧/١. (٤) التفسير ١٩٦/١. (٥) ي: ((حكينا)). (٦) صح: ((أريدهما)). (٧): ي: ((للمبالغة)). (٨) ي: ((أن)). (٩) البيت لعامر بن جوين الطائي، وهو في الكامل ٦٦٠؛ والمذكر والمؤنث للمبرد ١١٢؛ والخصائص ٤١١/٢؛ والمخصص ٨٠/١٦؛ وأمالي الشجري ١٦١/١؛ والمقرب ٣٠٢/١؛ ورصف المباني ١٦٦؛ والعيني ٢٦٤/٢. والمزنة: واحدة المزن وهي: السحابة البيضاء، والودق: المطر وبقل المكان: نبت بقله. ٢٠٦ - البقرة - ٢٨٣ - فلا مُزْنَةٌ وَدَقْتْ وَدْقَها ولا أرضَ أَبْقَلَ إِْقالَها لأنه ضرورةً خلافاً لابن كيسان(١). و((للكافرين)) متعلقً به، ومعنى أُعِدَّت: هُيِّئَتْ، قال(٢): ٢٨٤ - أَعْدَدْتَ للحَدَثان سا بِغَةٌ وَعَدَّاءً عَلْنْدى وقرىء: (أُعْتِدَتْ))(٣) من العَتاد بمعنى العُدَّة. وهذه الجملةُ الظاهر أنها لا محلّ لها لكونِها مستأنفةً جواباً لمَنْ قال: لِمَنْ(٤) أُعِدَّتْ؟ وقال أبو البقاء(٥): (محلُّها النصبُ على الحالِ من ((النار))، والعامِلُ فيها اتقوا)). قيل: (٦) وفيه نظرٌ فإنها مُعَدَّةٌ للكافرين اتَّقَوْا أم لم يَتَّقُوا، فتكونُ حالاً لازمةً، لكن الأصل في الحال التي ليسَتْ للتوكيدِ أن تكونَ منتقلةً(٧)، فالْأَوْلَى أن تكونَ استئنافاً. قال أبو البقاء: (٨) ((ولا يجوزُ أن تكون حالاً من الضمير في (وَقُودُها)) لثلاثة أشياء أحدها: أنها مضاف إليها. الثاني: أنَّ الحَطَب لا يعمل، يعني(٩) أنه اسمٌ جامدٌ. الثالث: الفصلُ (١٠) بين المصدرِ أو ما يَعْمَلُ (١) محمد بن أحمد، أخذ عن ثعلب والمبرد، توفي سنة ٢٩٩. انظر: إنباه الرواة ٥٧/٣؛ والنزهة ٢٣٥؛ البغية ١٨/١. (٢) البيت لعمرو بن معد يكرب الزبيدي، وهو في الحماسة ١٠٤/١. والحدثان: الحوادث، والعلندى: الغليظ. (٣) وهي قراءة عبدالله بن مسعود. انظر: البحر ١٠٩/١؛ الشواذ ٤. (٤) قوله: ((لمن)) سقط من ح ص. (٥) الإملاء ٢٥/١. (٦) القائل هو أبو حيان الذي يرد على أبي البقاء. انظر: البحر ١٠٩/١. (٧) من قوله ((منتقلة)) إلى قوله ((حالاً)) سقط من ح ص. (٨) الإِملاء ٢٥/١. (٩) ي: «بمعنى)). (١٠) ح: ((والفصل)). ٢٠٧ - البقرة - عَمَلَهُ وبين مَا يَعْمَلُ فيه بالخبر(١) وهو ((الناسُ))، يعني أنَّ الوقودَ بالضِمِّ وإنّ كان مصدراً صالحاً(٢) للعملِ فلا يجوزُ ذلك أيضاً؛ لأنه عاملٌ (٣) في الحالِ وقد فَصَلْتَ بينه وبينها بأجنبي وهو ((الناسُ)). وقال السجستاني: ((أُعِدَّتْ للكافرين)) من صلة ((التي)) كقوله: ((واتقوا النارَ التي أُعِدَّتْ للكافرين))(٤)، قال ابن الأنباري: ((وهذا غَلَطٌ لأن ((التي)) هُنَا وُصِلَتْ بقوله: ((وَقُودُها الناسِ)) فلا يجوز أن تُوصل بصلةٍ(٥) ثانية، بخلافِ التي في آل عمران))(٦). قلت: ويمكن أَلَّ يكونَ غَلطاً، لأنَّا لا نُسَلّم أنَّ(٧) )( وقودُها الناس)) - والحالةُ هذهِ ــ صلةٌ، بل إمَّا معترضةً لأنَّ فيها تأكيداً وإمَّا حالاً، وهذان الوجهان لا يمْنَعُهُما معنىٍّ ولا صناعةٌ . آ. (٢٥) قوله تعالى: ﴿وَبَشِّر الذين آمنوا﴾: هذه الجملةُ معطوفةٌ(٨) على ما قبلها، عَطَفَ جملةَ ثوابِ المؤمنين على جملةِ عقابٍ(٩) الكافرين، وجاز ذلك(١٠) لأنَّ مذهبَ سيبويه - وهو الصحيح - أنه لا يُشْتَرَطُ في عطفٍ الجملِ التوافُقُ معنى، بل تُعْطَفُ الطلبيةُ على الخبريةِ وبالعكسٍ ، بدليلٍ قوله :(١١) : (١) ح صع: ((بالجر»، وما أثبتناه من العكبري وي، وهو الصواب. (٢) ي: ((مصدراً حالاً صالحاً)). (٣) قوله: ((عامل)) محروم في: ص. (٤) الآية ١٣١ من آل عمران. (٥) ح: ((لصلة)). (٦) أي ليس لها صلة غير ((أعدت)). (٧) قوله: ((أن)) سقط من ع. (٨) قوله: ((معطوفة)) سقط من ي. (٩) صحع: ((ثواب)). (١٠) انظر: البحر ١١١/١. (١١) البيت لحسان وهوفي ديوانه ٢٦؛ والمغني ٥٣٦؛ واللسان: قيل. وتناغي: تكلمه بما يجبه. والإثمد: عود یکتحل به. ٢٠٨ - البقرة - وَكَحُّلْ أماقِيكَ الحسانَ بِإِثْمِدٍ ٢٨٥ - تُناغي غَزالاً عند بابِ ابنِ عامٍ وقولِ امرىء القيس: (١) وهل عند رَسْمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّلٍ ٢٨٦ - وإنَّ شفائي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ وأجاز الزمخشري (٢) وأبو البقاء (٣) أن يكونَ عطفاً على ((فاتقوا)) ليَعْطِفَ أمراً على أمر. وهذا قد رَدَّهُ الشيخ (٤) بأنَّ(٥) ((فاتّقُوا)) جوابُ الشرط، فالمعطوفُ يكون جواباً لأنَّ حكمه حكمُه، ولكنه لا يَصِحُّ لأنَّ تبشيرَه للمؤمنين لا يترتّبُ على قولِهِ: فإنْ لَمْ تَفْعَلوا. وقرىء: ((وبُشِّرَ) ماضياً مبنياً للمفعول (٦). وقال الزمخشري: (٧) ((وهو عطف على أُعِدَّت))(٨). قيل: (٩) ((وهذا لا يتأتّى على إعرابِ ((أُعِدَّتْ)) حالاً لأنها لا تَصْلُحُ للحالِيَّةِ». والبِشارةُ: أولُ خبرٍ من خير أوشرِّ، قالوا: لأنَّ أثرَها يَظْهَرُ في البَشَرة وهي ظاهِرُ جلدِ الإِنسان، وأنشدوا: (١٠) ٢٨٧ - يُبَشِّرُني الغُرابُ بِبَيْنِ أهلي فقُلْتُ له: ثَكِلْتُكَ مِنْ بشيرٍ (١) البيت من معلقته، وهو في ديوانه ٩ وشرح التبريزي على المعلقات ٨٠. (٢) الكشاف ٢٥٤/١. (٣) ليس في الإملاء ما يشير إلى ذلك، وقد يكون في كتاب آخر أو في نسخة ثانية منه. (٤) البحر ١١٠/١. (٥) صح: ((فإن)). (٦) نسبها أبو حيان في البحر ١١١/١ إلى زيد بن علي. (٧) الكشاف ٢٥٤/١. (٨) ي: ((اعتدت)). (٩) القائل هو أبو حيان في البحر ١١١/١. (١٠) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ١١١/١. ٢٠٩ ۔۔ ــ البقرة - وقال آخر: (١) ٢٨٨ - وبَشِّرْتَنِي يَا سَعْدُ أَنَّ أَحِيَّتِي جَفَوْنِي وأنَّ الُدَّ موعِدُهُ الحَشْرُ وهذا رأي سيبويه(٢)، إلا أن الأكثرَ استعمالُها في الخير، وإن اسْتُعْمِلَتْ في الشرِّ فبقَيْدٍ، كقولهِ تعالى: (فَبَشِّرْهُم بعذابٍ))(٣)، وإن أُطْلِقَتْ كانت للخيرِ، وظاهرُ كلامِ الزمخشري (٤) أنها تختصُ بالخَيْرِ، لأنه تَأَوَّلِ مثلَ: (فَبَشِّرْهُم بعذاب)) على العكسِ في الكلام الذي يُقْصَدُ به الزيادةُ فِي غَيْظِ المُسْتَهْزَأ به وتألُّمِهِ(٥). والفعلُ منها: بَشَرَ وبَشَّر مخففاً ومثقلاً، كقوله: ((بَشَرْتُ عيالي)) البيت(٦)، والتثقيلُ للتكثيرِ بالنسبة إلى المُبَشَّرِ به. وقد قرىء(٧) المضارعُ مخففاً ومشدداً، وأمَّ الماضي فَلَمْ يُقْرَأْ به إلا مثقَّلاً نحو: ((فبشَّرْنَاها بإسحاق))(٨) وفيه لغةً أخرى: أَبْشَرَ مثل أَكْرَمَ، وأنكر أبو حاتم التخفيف، وليس بصوابٍ لمجيء مضارعِهِ. وبمعنى (٩) البِشارة: البُشور والتَّبْشِير والإِبْشَار، وإن اختُلَفَتْ أفعالُها، والبِشارَةُ أيضاً الجَمالُ، والبشير: الجميلُ، وتباشيرِ الفجرِ أوائلُهُ. [وقرأ زيدٌ بنُ علي - رضي الله عنهما - ((وبُشِّرَ)): ماضياً مبنياً للمفعول (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ١١١/١. (٢) الكتاب ١٠٧/٢، ٢٢٧. (٣) الآية ٢١ من آل عمران، وزاد في ((ي)) بعد الآية: ((على العكس)) وهي مقحمة من قبيل انتقال النظر. (٤) الكشاف ٢٥٤/١. (٥) ص: «وتأمله)). (٦) تقدَّم برقم ١٠٠. (٧) انظر تفصيل القراءات في هذا الفعل: السبعة ٢٠٥. (٨) الآية ٧١ من هود .: (٩) ص: ((ومعنى). ٢١٠ - البقرة - قال الزمخشري(١): ((عطفاً على ((أُعِدَّت)) انتهى. وهو غلط لأن المعطوف عليه [مِن] الصلة، ولا راجعَ على الموصولِ من هذه الجملةِ فلا يَصِحُّ أن يكونَ عطفاً على أُعِدَّت](٢). وفاعلُ ((بَشِّرْ))(٣): إِمَّا ضميرُ الرسولِ عليه السلام، وهو الواضحُ، وإمَّا كلُّ مَنْ تَصِحُّ منه البشارةُ. وكونُ صلةٍ(٤) ((الذين)) فعلاً ماضياً دونَ كونِهِ اسمَ فاعلٍ دليلٌ على أَنْ يستحقَّ التبشيرَ بفضلِ الله مَنْ وَقَعَ منه الإِيمانُ وتَحَقُّقَ بهـ وبالأعمالِ الصالحةِ. والصالحاتُ جمعُ صالحة وهي من الصفاتِ التي جَرَتْ مَجْرى الأسماءِ في إيلائِها(*) العواملَ، قال: (٦) ٢٨٩ - كيفَ الهجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ مِنْ آلِ لَأُمِ بظهرِ الغَيْبِ تَأْتِي وعلامةُ نصبهِ الكسرةُ لأنه من بابٍ جَمْعِ المؤنث السالم نيابةً عن الفتحةِ التي هي أصلُ النصبِ. قولُه تعالى: ((أنَّ لهم جناتٍ)) جناتٍ اسمُ أنَّ، و ((لهم)) خبرٌ مقدمٌ، ولا يجوز تقديمُ خبرِ ((أنَّ)) وأخواتِها إلا ظرفاً أو حرفَ جَرٍّ، وأنَّ وما في حَيِّزها في محلِّ جَرّ عند الخليل والكسائي ونصبٍ عند سيبويهِ(٧) والفراء(٨)، لأن الأصلَ: وبَشِّرِ الذين آمنوا بأنَّ لهم، فخُذِفَ حرفُ الجر مع أَنَّ، وهو حَذْفٌ (١) الكشاف ٢٥٤/١. (٢) ما بين معقوفين انفردت بها ع، وكان قد أشير إليها قبل قليل بعبارة ثانية. (٣) ص: ((بشير). (٤) صح: ((مثله)). (٥) ي: ((أوائلها)). (٦) البيت للحطيئة، وهو في ديوانه ٨٦؛ وشواهد الكشاف ٥٤٧/٤. (٧) الكتاب ١٧/١. (٨) معاني القرآن ١٤٨/١، ٢٣٨/٢. ٢١١ - البقرة : مُطَّردٌ معها ومع ((أَنْ)) الناصبة للمضارعِ، بشرط أَمْنِ اللُّبْسِ، بسبب طولهما بالصلة، فلما حُذِفَ حَرفُ الجرّ جرى(١) الخلافُ المذكورُ، فَالخليل(٢). والكسائي يقولان: كأنَّ الحرفَ(٣) موجودٌ فالجرُّ باقٍ(٤)، واستدلَّ الأخفشُ لهما بقولِ الشاعر: (٥) ٢٩٠ - وما زُرْتُ ليلى أَنْ تَكُونَ حبيبةً إليَّ ولا دَيْنِ بها أنا طالِيُهْ فَعَطْفُ ((دَيْنِ)) بالجرِّ على محلٌّ ((أن تكون)) يبيّنُ كونَها مجرورةً، قيل ويَحْتملُ أن يكونَ من بابِ عَطْفِ التوهُّم فلا دليلَ فيه. والفراء وسيبويه. يقولان: وَجَدْناهم إذا حذفوا حرفَ الجر نَصَبُوا، كقولِهِ: (٦) ٢٩١ - تُمُرُّونَ الديارَ وَلَمْ تَعُوجوا كلامُكُمُ عليَّ إذاً حَرَامُ أي بالديار، ولا يجوزُ الجرّ إلا في نادرِ شعرٍ، كقولهِ: (٧) : أَشَارتْ كليبٍ بالْأَكفِّ الأصابعُ. ٢٩٢ - إذا قيلَ: أيُّ الناسِ شرُ قبيلةٍ أي: إلى كُلَيْبٍ، وقول الآخر: (٨) (١) أقحم في ((ي)) زيادة جملة من قبيل انتقال النظر. (٢) صح: والخليل. (٣) ي: ((الحروف)). (٤) ص: «فإن)). (٥) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٩٣؛ والإنصاف ٣٩٥/١؛ وأمالي الشجري ٤١٨/١؛ والمغني ٥٨١؛ والأشموني ٩٢/٢؛ والدرر ١٠٥/٢. (٦) تقدم برقم ١٤٨. وانظر: الكتاب ١٧/١؛ والفراء ١٤٨/١. (٧) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٥٢٠، أو جرير في ديوانه ٣٥٧ برواية ثانية والتصريح ٢١٢/١؛ والعيني ٥٤٢/٢؛ والخزانة ٦٦٩/٣؛ والجمع ٣٦/٢؛ والدرر ٣٧/٢. (٨) لم أهتد إلى قائله، وصدره: وكريمةٍ من آلٍ قيسٍ ألِفْتُه وهو في ابن عقيل ٣٥/٢؛ والهمع ٣٦/٢؛ والدرر ٣٧/٢. ٢١٢ - البقرة - حتى تَبَذُّخَ فارتقى الْأُعْلامِ ٢٩٣ - أي: إلى الأعلام. والجَنَّةُ: البُسْتَانُ، وقيل: الأرضُ ذاتُ الشجرِ، سُمِّيَتْ بذلك لسَتْرِها مَنْ فيها، ومنه: الجنين لاستتارِه، والمِجَنُّ: التُّرْس، وكذلك ((الجُنَّة))(١) لأنه يَسْتُر صاحبه، والجِنَّة لاستتارِهم عن أعينِ الناسِ . قوله: ((تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهارُ)) هذه الجملةُ في مَحَلُّ نصبٍ(٢) لأنها صفةٌ لجنَّات، و((تَجْرِي)) مرفوعٌ لتجرُّدِهِ من الناصبِ والجازمِ (٣)، وعلامةُ رفعِه ضمةٌ مقدرةً في الياءِ استثقالاً، وكذلك تُقَدَّرُ في كلِّ فعلٍ معتلٍ نحو: يَدْعو ويَخْشَى (٤) إِلَّ أَنَّها في الألِفِ تُقَدَّرُ تعذُّراً. والأنهارُ جمع نَهَر بالفتح، وهي اللغة العالية (٥)، وفيه تسكينُ الهاءِ، ولكن ((أَفْعال)) لا ينقاسُ في فَعْل الساكنِ العينِ بل يُحْفظ نحو: أَفْراخ وأَزْنَاد وأَفْراد. والنهرُ دونَ البحرِ وفوقَ الجدولِ، وهل هو مجرى الماءِ أو الماءُ الجاري(٦) نفسُه؟ والأولُ أظهرُ، لأنه مشتقٌّ من نَهَرْت أي: وسَّعْتُ، قال قيس بن الخطيم يصفُ طعنةٍ: (٧) ٢٩٤ - مَلَكْتُ بها كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَها (١) الْجُنَّة: ما استترتّ به من سلاح ونحوه، ورسمت في ح: ((الجند)). (٢) صح ع: ((النصب). (٣) ذهب أكثر الكوفيين إلى ذلك، وقال البصريون: يرتفع لقيامه مقام الاسم. انظر: الإنصاف ٥٥٠ . (٤) ح: ((ويحسبا)). (٥) ص: ((الغالبة)). (٦) ي: «الجري)». (٧) تقدم برقم ٤٥. ٢١٣ - البقرة - أي وَسَّعْتُ، ومنه: النهارُ لاتساعٍ ضوئِهِ، وإنَّما أُطْلِقَ على الماءِ مجازاً إطلاقاً للمحلِّ على الخالِّ. و ((مِنْ تَحْتِهَا)) متعلقٌ بتجري، و((تحت)) مكانٌ لا يَتَصَرِّفُ(١) وهو نقيضُ ((فوق))، إذْا أُضيفا أُعْرِبَا، وإذا قُطِعَا بُنِيًا على الضم. و((مِنْ)) لا بتداءِ الغايةِ وقيل: زائدةٌ، وقيل: بمعنى في، وهما ضعيفان. واعلمْ أنه إذا قيل بأنَّ الجَنَّة هي الأرضُ ذاتُ الشجرِ فلا بُدَّ من حَذْفٍ مضافٍ، أي: من تحتِ عَذْقِها(٢) أو أشجارِها. وإن قيل بأنها الشجرُ نفسُهِ فلا حاجةً إلى ذلك. وإذا قيل بأنَّ الأنهارَ اسمُ للماءِ الجاري فنسبةُ الجَرْيِ. إليه حقيقةٌ. وإنْ قيلَ بأنه اسمٌ لِلْأُخْدُودِ الذِي يَجْرِي فيه فنسبةُ الجَرْي إليه مجازٌ كقول مهلهل: (٣): ٢٩٥ - نُبِئْتُ أنَّ النارَ بعدَكَ أُوْقِدَتْ واسْتَبَّ بعدَك يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ قال الشيخ: (٤) ((وقد ناقضَ ابنُ عطيةَ كلامَهُ هنا فإنه قال: (٥) ((والأنهار: المياهُ في مجاريها المتطاولةِ الواسعةِ) ثم قال: «نْسَبَ(٦) الجَرْيَ إلى النهر، وإنما يَجري الماءُ وحدَهُ توسُّعاً وتجوُّزاً، كما قال تعالى: ((واسْألِ القريةَ))(٧)، وكما قال: نُبِئْتُ أَنَّ النار. البيت». والألف واللامُ في ((الأنهار)) للجنس، وقيل: للعَهْدِ لِذِكْرِها في سورةٍ (١) قوله: ((لا يتصرف)) سقط من ح، ص. (٢) ع: ((غرفها)). والعَذق: النخلة بحملها. (٣) مجالس ثعلب ٣٧/١؛ وأمالي القالي ٩٥/١؛ والحماسة ٤٥٥/١؛ والقرطبي ٢٣٩/١ والشاهد في ((المجلس)) حيث إن الأصل أن يقول: ((القوم)). (٤) البحر ١١٣/١. (٥) التفسير ١٩٩/١. (٦) صح: ((نسبت)) والتاء مقحمة. (٧) الآية ٨٢ من يوسف. ٢١٤ - البقرة - القتال(١). وقال الزمخشري: (٢) ((يجوزُ أَنْ تَكونَ عوضاً من الضمير كقوله: (واشتعلَ الرأسُ شَيْبًا)(٣) أي: (٤) أنهارُها))، بمعنى(٥) أنَّ الأصلَ: واشتعلَ رأسي، فَعَوّض ((أل)) عن ياء المتكلم، وهذا ليس مذهب البصريين(٦)، بل قال به بعض الكوفيين، وهو مردودٌ بأنه لوكانت ((أل)) عوضاً من الضمير لَما جُمع بينهما، وقد(٧) جُمع بينهما (٧)، قال النابغة: (٨) ٢٩٦ - رَحِيبٌ قِطابُ الجَيْبِ منها رفيقةٌ بِجَسِّ النَّدامىْ بَضَّةُ المُتَجَرِّدِ [فقال: الجيبِ منها](٩)، وأمَّا ما (١٠) وَرَدَ وظاهرُه ذلك فيأتي تأويله في موضِعِه . قوله تعالى: (كُلَّمَا رُزِقوا منها مِنْ ثَمَرَةٍ» تقدَّم الكلامُ في ((كُلُّما))(١١)، والعاملُ فيها هنا(١٢): ((قالوا))، و((منها) متعلُّق بـ((رُزِقوا))، و ((مِنْ)) لابتداء الغاية وكذلك ((مِنْ ثمرةٍ)) لأنها بَدَلٌ من قولِه ((منها)) بدلُ اشتمالٍ بإعادةِ العاملِ، (١) الآية ١٢ : ((إنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ جناتٍ تَجْري من تحتها الأنهار)) . (٢) الكشاف ٢٥٩/١. (٣) الآية ٤ من مريم. (٤) ص: ((يعني أي)». (٥) ي: ((بمعنى)). (٦) انظر المسألة في: المغني ٥٥. (٧) قوله ((وقد جمع بينهما)) سقط من ع. (٨) الديوان ٣٠؛ وشرح المعلقات للتبريزي ١٦٩؛ والمحتسب ١٨٣/١؛ واللسان: قطب؛ والخزانة ٢٠٣/٢. والرحيب: المتسع. وقطاب الجيب: مجتمعه، وهو مخرج الرأس منه. الجس: المس، أي إنَّ عنقها واسع، فتحتاج أن يكون جيبها واسعاً. (٩) سقط من ي. (١٠) ((ما)) سقط من ح ص. (١١) انظر: الآية ٢٠ من البقرة وإعرابه لها. (١٢) ((هنا)) سقط من ح ص. ٢١٥ -- البقرة - وإنما قُلْنَا إِنَّهِ بدلُ اشتمالٍ، لأنه لا يتعلَّقُ حرفان بمعنَّى واحدٍ بعاملٍ واحدٍ إلا على سبيلِ البدليةِ أو العطفِ(١). وأجاز الزمخشري أن تكونَ ((مِنْ)) للبيانِ، كقولك: رأيت منكَ(٢) أسداً. وفيه نظرً، لأنَّ مِنْ شرطِ ذلك أن يَحُلِّ مَحَلَّها موصولٌ وأن يكونَ ما قبلها مُحَلَّى (٣) بأل الجنسية، وأيضاً فليس قبلَها شيءٌ يَتَبَيِّنُ(٤) بها، وكونُها بيأناً لِما بعدها بعيدٌ جداً وهو غيرُ المصطلح . و ((رِزْقً) مفعولٌ ثانٍ لـ «رُزِقوا)) وهو بمعنى («مَرْزوقٍ))، وكونُه مصدراً بعيدٌ لقوله: (هذا الذي رُزِقْنا من قبلُ وأتُوا به متشابهاً)) والمصدرُ لا يُؤْتَى به متشابهاً، وإنما يُؤتى بالمرزوق كذلك. قوله: ((قالوا: هذا الذي رُزِقْنا مِنْ قبلُ)) ((قالوا)) هو العاملُ في ((كلما)) كما (٥) تقدَّم، و((هذا الذي رُزِقنا)) مبتدأ وخبرٌ في محلِّ نصبٍ بالقول، وعائدُ الموصولِ محذوفٌ لاستكمالِهِ الشروطَ، أي: رُزِقْناه. و((مِنْ قبلُ)) متعلِّقٌ بهِ .. و ((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ، ولَمَّا قُطِعَتْ ((قبلُ)) بُنِيَتْ، وإنما بُنِيَتْ على الضَّمةِ لأنها حركةٌ لم تكنْ لها حالَ إعرابها. واختُلِفَ في هذه الجملةِ، فقيل: لا محلّ لها مِنَ الإِعرابِ لأنَّها استئنافيةٌ(٦)، كأنه قيل لَمَّا وُصِفَت الجناتُ: ما حالُها؟ فقيل: كلما رُزِقوا قالوا (٧). وقيل: لَهَا محلٌّ، ثم اختُلِفَ فيه فقيل: رفعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، واختُلِفَ في ذلك المبتدأ، فقيل: ضميرُ الجنات أي هي (٨) كلما. وقيل: ضميرُ الذين آمنوا أي: هم كلما رُزقوا قالوا ذلك. وقيل: (١) ي: «العطفية)). (٢) ص: ((مثل)). (٣) ي: ((محكي)). (٤) صح: ((مبين)). (٥) ((كما)) سقط من: صح. (٦) صحع: «استئناف)). (٧) ((قالوا)) سقط من: ص. (٨) ((هي)) سقط من: ص. ٢١٦ - البقرة - محلُّها نصبٌ على الحالِ وصاحبُها: إمّا الذين آمنوا وإمَّا جنات، وجاز ذلك وإنْ كان نكرةً لأنها تَخَصَّصَتْ بالصفةِ، وعلى هذين تكونُ حالاً مقدَّرةً لأن وقتَ البشارةِ بالجناتِ لم يكونوا مرزوقينَ ذلك. وقيل: مَحَلَّهَا نَصْبٌ على أنها صفةٌ لجنات أيضاً. قوله: ((وأُتُّوا به متشابهاً)) الظاهرُ أنها جملةٌ مستأنفةٌ. وقال الزمخشري(١) فيها: ((هو كقولِكَ: فلانٌ أَحْسِنْ بفلان(٢)، ونِعْم ما فعل، ورأى من الرأي كذا، وكان صواباً، ومنه: ((وجعلوا أَعِزَّةَ أَهلِها أَذِلَّةً وكذلك يفعلون)»(٣) وما أشْبَه ذلك من الجملِ التي تُساق في الكلام معترضةً فلا محلَّ لها (٤) للتقرير)). قلت(٥): يعني بكونها معترضةٌ أي بين أحوال أهل الجنة، فإنّ بعدها: ((ولهم فيها أزواجٌ))، وإذا كانت معترضةً فلا محلّ لها أيضاً. وقيل: هي عطفٌ على ((قالوا))، وقيل: محلُّها النصبُ على الحالِ ، وصاحبُها فاعلُ (قالوا)) أي: قالوا هذا الكلامَ في هذه الحالِ، ولا بُدَّ من تقديرِ ((قد)» قبل الفعلِ أي: وقد أُتوا، وأصلُ أُتُوا: أُتِيُوا مثل: ضُرِبوا، فَأُعِلَّ كنظائرِه. وقرىء: وأتَوا(٦) مبنياً للفاعل، والضميرُ للوِلْدان(٧) والخَدَمِ للتصريحِ بهم في غيرِ موضع. والضميرُ في ((به)» يعودُ على المرزوق الذي هو الثمرات(٨)، كما أنَّ ((هذا)) إشارةٌ إليه. وقال الزمخشري(٩): ((يعودُ إلى المرزوق في الدنيا (١) الكشاف ٢٦٢/١. (٢) ي: ((لفلان)). (٣) الآية ٣٤ من النمل. (٤) قوله ((فلا محلَّ لها)) سقط من ع. (٥) زيادة من ع. (٦) قراءة هارون الأعور والعتكي. انظر: البحر ١١٥/١. (٧) ي: ((الولدان)). (٨) صح: ((الثمر)). (٩) الكشاف ٢٦١/١. ٢١٧ - البقرة والآخرة لأنَّ قولَه: ((هذا الذي رُزِقنا من قبلُ)) انطوى تحته ذِكْرُ ما رُزِقوه في الدارَيْن. ونظيرُ ذلك قولُه تعالى: ((إِنْ يَكُنْ غنياً أو فقيراً فاللَّهُ أَوْلى بهما))(١). أي: بجنسي الغنيّ والفقيرِ المدلولِ عليهما بقوله: غنياً أو فقيراً). انتهى. قلت: يَعْني بقولِه: ((انطوى تحتّهَ ذِكْرُ ما رُزِقوه في الدارَيْن)) أنه لمّا كان التقديرُ: مثلُ الذي رُزِقْناه كان قدِ انطوى على المرزوقَيْنِ معاً كما أنَّ قولَكَ. ((زيدٌ مثلُ حاتم)) مُنْطَوٍ على زَيد وحاتم. قال الشيخ(٢): ((وما قالَه غيرُ ظاهِر، لأنَّ الظاهر عَوْدُه على المرزوق(٣) في الآخرةِ فقط، لأنه هو المُحَدَّثُ عنه، والمشبّهُ بالذي رُزقوه من قبلُ، لا سيما إذا فَسَّرْتَ القبلِيَّةَ بما في الجنة، فإنه يتعيّن عَوْدُه على المَرزوق في الجنةِ فقط، وكذلك إذا أَعْرَبْتَ الجملةَ حالاً ، إِذْ يَصِيرُ التقديرُ: قالوا: هذا [مثلُ](٤) الذي رُزقنا من قبل وقد أُتُوا بِه [متشابهاً](٥)، لأنَّ الحاملَ لهم على هذا القول كَونُه أُتُوا به متشابهاً وعلى تقديرٍ أن يكونَ معطوفاً على ((قالوا)) لا يَصِحُ عَوْدُهُ على المرزوقِ في الدارَيْنِ لِأنّ الإِتيانَ إذ ذاك(٦) يستحيل أن يكونَ ماضياً معنَّى، لأنَّ العاملَ في ((كلما) وما في حَيُّزها يتعيَّنُ هنا أن يكونَ مستقبلَ المعنى، لأنها لا تَخْلُو من معنى الشرط، وعلى تقديرِ كونها مستأنفةً لا يظهرُ ذلك أيضاً لأنَّ هذه الجمل مُحَدَّثٌ(٧) بها عن الجنة(٨) وأحوالها)). وقولُه ((مُتَّشابهاً)) حالٌ من الضميرِ في «به)). (١) الآية ١٣٥ من النساء. (٢) البحر ١١٥/١. (٣) ي: المرزوقين، والبحر:" مرزوقهم. (٤) من البحر، وسقط من النسخ. (٥) من البحر، سقط من النسخ. (٦) صح: ((إدراك)). (٧) ي: ((تحدث)). (٨) صح: ((الجملة)). ٢١٨ -- - البقرة - قوله: ((ولهمْ فيها أَزْواجٌ مطهرة)) ((لهم)) خبرٌ مقدَّمٌ و((أزواجٌ)) مبتدأ و ((فيها)) متعلِّقٌ بالاستقرار الذي تعلَّق به الخبرُ. قال أبو البقاء(١): ((ولا يكونُ ((فيها) الخبرَ لأنَّ الفائدَةَ تَقِلُّ، إذ الفائدةُ في جَعْلِ الأزواجِ لهم)). وقوله: (مُطَهَّرَةٌ)) صفةٌ وأَتَى بها مفردةً على حدٍّ: ((النساءُ طَهُرَتْ))، ومنه قولُ الشاعر(٢): ٢٩٧ - وإذا العَذارى بالدُّخانِ تَلَفَّعَتْ وَاسْتَعْجَلَتْ نَصْبَ القُدورِ فَمَلَّتِ وقُرىء: (مُطَهَّراتٌ))(٣) على حَدٍّ: النساءُ طَهُرْنَ. والزوجُ: ما يكونُ معه آخرُ، ويقال: ((زَوْجٌ)) للرجلِ والمرأةِ، وأمَّا ((زَوْجَةٌ)) فقليلٌ، ونَقَلَ الفراءُ أنها لغةُ تميمٍ ، وأنشد للفرزدق(٤). ٢٩٨ - وإنَّ الذي يَسْعى ليُفْسِدَ زوجتي كساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرى يَسْتَبِيلُها وفي الحديثِ عَنْ عَمَّارِ بنِ ياسر في حقِّ عائشةَ رضي الله عنهما: ((والله إني لَأَعْلَمُ أنها زوجتُه في الدنيا والآخرة))(٥)، ذَكَرَه البخاري(٦)، واختاره الكسائي، والزوجُ أيضاً: الصِّنْفُ، والتثنية: زَوْجان، والطهارةُ: النظافةُ، والفِعْلُ منها طَهَر بالفتح ويَقِلَّ الضم، واسمُ الفاعل منها ((طاهر) فهو مقيسٌ (١) الإملاء ٢٥/١. (٢) البيت لسلمى بن ربيعة الضبي وهو في الحماسة ٢٨٦/١؛ وشواهد الكشاف ٤/ ٣٥٠؛ والهمع ٦٠/١؛ والدرر ٣٥/١. والتلفع: التلُّس بالشيء، وملّت: من المَلَّة وهي الجمر . (٣) قراءة زيد بن علي. البحر ١١٧/١. (٤) الديوان ١٣٨؛ الأضداد ٣٢٧؛ أدب الكاتب ٣٢٧، اللسان: زوج؛ ابن عطية ٢٠١/١. ويستبيلها: يطلب البول منها؛ والفراء في المذكر والمؤنث ٩٥ نسبها إلى نجد . (٥) البخاري: فضائل الصحابة (فتح الباري) ١٠٦/٧. (٦) محمد بن إسماعيل له: الجامع الصحيح، توفي سنة ٢٥٦. معجم المؤلفين ٥٢/٩. ٢١٩ - البقرة - على الأول شاذ على الثاني(١) كخاثرٍ وحامِض من خَثُر اللبنُ وحَمُضٍ بضمٌ العين. قوله: ((وهم فيها خالدون))(هم)) مبتدأ، و((خالدون)) خبرُه، و((فيها، متعلقٌ به، وقُدِّم ليوافقَ رؤوسَ الآيِ. وأجازوا أن يكونَ «فيها)» خبراً (٢) أولّ، و ((خالدون)) خبرٌ ثانٍ، وليس هذا بسديدٍ. وهذه الجملةُ والتي قبلَها عطفٌ على الجملةِ قبلَها حَسْب ما تقدَّم. وقال أبو البقاء(٣): ((وهاتان الجملتان مستأنفتان، ويجوز أن تكونَ الثانيةُ حالاً من الهاءِ والميمِ في ((لَهُمْ)) والعاملُ فيها معنى الاستقرار)) . والخُلود: المُكْثُ الطويلُ، وهل يُطْلَقُ على ما لا نهايةَ له بطرِيقٍ الحقيقة أو المجاز؟ قولان، قال زهير (٤): ٢٩٩ - فلو كان حَمْدٌ يُخْلِدُ الناسَ لم تَمُتْ ولكنَّ حَمْدَ الناسِ لِيسَ بِمُخْلِدِ وقال الزمخشري(٥): ((هو الثباتُ الدائمُ والبقاءُ(٦) اللازمُ الذي لا ينقطع)» وأنشدَ لامرىء القيس(٧): ٣٠٠ - ألا عِمْ صباحاً أيُّها الطللُ البالي وهل يَعِمَنْ مَنْ كانَ في العُصُر الخالي قليلُ الهُموم ما يبيت بأَوْجَالِ وهل يَنْعَمَنْ إلا سعيدٌ مُخَلَّدٌ (١) لأن اسم الفاعل منَ فَعُل: فَعْل، نحو: ضَخْم، وفعيل نحو: جميل. انظر: ابن عقيل ٢/ ١١١. (٢) صح: ((خبر). (٣) ابٍلاء ٢٦/١. (٤) ديوانه ٢٣٦؛ والهمع ٦٦/٢؛ والدرر ٨٢/٢. (٥) الكشاف ٢٦٢/١. (٦). خ: البناء، ص: الثناء. (٧) ديوانه ٢٧؛ والكتاب ٢٢٧/٢؛ والمحتسب ١٣٠/٢؛ وأمالي الشجري ٢٧٤/١؛ والدرر ١٠٧/٢. والْعُصُرِ والعَصْر: واحد، والأوجال: المخاوف. ٢٢٠