Indexed OCR Text
Pages 21-40
- البسملة - ٢٢ - واللَّهُ أَسْماك سُمَيَّ مُبَارَكاً آثرك اللَّهُ به إيثارَكًا ولا دليلَ في ذلك لجوازٍ أن يكونَ من لغةٍ مَنْ يجعله منقوصاً مضمومَ السين وجاء به منصوباً، وإنما كان ينتهض دليلاً لوقيل: سُمَىَّ حالةَ رفعٍ أو جرِّ (١). وهمزتُه همزةٌ وصلٍ أي تُثْبَت ابتداءً وتُحْذَفُ دَرْجَاً، وقد تُثْبَتُ ضرورةً كقوله(٢): ٢٣ - وما أنا بالمَخْسوسِ فِي جِذْمِ مالكٍ ولا مَنْ تسمَّى ثم يلتزِمِ الإِسْما وهو أحدُ الأسماءِ العشرةِ التي ابتُدِىء في أوائِلها بهمزةِ الوصلِ (٣) / وهي: اسم واست وابن وابتُم وابنة وامرؤ وامرأة واثنان واثنتان وايمنُ في [٤/أ] القسم. والأصل في هذه الهمزة أن تُثْبَتَ خَطًَّ كغيرِها من همزاتِ الوصل، وإنما حَذَفوها حين يُضاف الاسمُ إلى الجلالةِ خاصةً لكثرة الاستعمال. وقيل ليوافقَ الخطُّ اللفظَ. وقيل لا حذفَ أصلاً، وذلك لأن الأصل: ((سِمٌ)) أو (سُم)) بكسر السين أو ضمها فلمَّا دخلتِ الباءُ سَكَنَتِ العينُ تخفيفاً، لأنه وقع بعد الكسرة كسرةٌ أو ضمةٌ، [وهذا حكاه النحاس وهو حسن](٤)، فلو أضيف إلى غير الجلالة ثَبَتَتْ(٥)، نحو: باسم الرحمن، هذا هو المشهور، وحُكِيّ عن الكسائي(٦) والأخفش جوازُ حَذْفِها إذا أُضيفت إلى غيرِ الجلالة من أسماء الباري تعالى نحو: بسمِ ربِّك، بسمِ الخالق. (١) انظر: أوضح المسالك ٢٥/١. ولو كان صحيح الآخر لقلت: هذا سُمّ مثل: هذه يد. (٢) البيت للأحوص، وهو في ديوانه ١٩٣ برواية: ((ولا بالمسمى)) واللسان: سما، وتفسير القرطبي ١٠٠/١. والمخسوس: المرذول، وجذم كل شيء: أصله. (٣) انظر: رصف المباني ٣٩. (٤) غير واضح في الأصل وهو مثبت في النسخ الأخرى. وانظر: إعراب النحاس ٣/١. (٥) أي ألف اسم. (٦) علي بن حمزة إمام أهل الكوفة أخذ عن الرؤاسي، أحد القراء السبعة توفي سنة ١٨٩ . انظر: طبقات القراء ٥٣٥/١؛ النزهة ٦٧؛ البغية ١٦٢/٢. ٢١ :- البسملة ــ واعلم أنَّ كلَّ جار ومجرور لا بُدَّ له من شيءٍ يَتَعَلَّقُ به، فعلٍ أو ما في معناه، إلا في ثلاثٍ صور: حرفِ الجر الزائد ولعلَّ ولولا عند مَنْ يجر بهما (١)، وزاد الاستاذ ابن عصفور(٢) كافَ التشبيه، وليس بشيء، فإنها تتعلَّق. إذا تقرر ذلك فـ ((بسم الله)) لا بدَّ من شيء يتعلق به ولكنه خُذِف. واختلف النحويون في ذلك(٣)، فذهب أهلُ البصرةِ إلى أنَّ المُتَعَلَّقَ به اسمٌ، وذهب أهلُ الكوفة إلى أنه فِعْلٌ، ثم اختَلَفَ كلّ من الفريقين. فذهب بعضُ البصريين إلى أنَّ ذلك المحذوفَ مبتدأُ حُذِفَ هو وخبرُه وبقي معمولُهِ، تقديره: ابتدائي باسم الله كائنٌ أو مستقرّ، أو قراءتي باسم الله كائنةٌ أو مستقرة. وفيه نظرٌ من حيث إنه يلزمُ حَذْفُ المصدرِ وإبقاءُ معموله وهو ممنوعٌ، وقد نص مكي على مَنْع هذا الوجهِ (٤). وذهبَ بعضُهم إلى أنه خبرٌ حُذِف هو ومبتدؤه أيضاً وبقي معمولُه قائماً مَقامَه، والتقدير: ابتدائي كائنٌ باسمِ الله، أو قراءتي كائنةٌ باسم الله نحو: زيدٌ بمكةً، فهو على الأول منصوبُ المحلِّ وعلى الثاني مرفوعُه لقيامِهِ مقامَ الخبر. وذهب بعضُ الكوفيين إلى أنَّ ذلك الفعلَ المحذوفَ مقدَّرٌ قبله، قال: لأنَّ الأصلَ التقديمُ، والتقدير: أقرأُ باسم الله: أو أبتدىءُ باسم الله. ومنهم مَنْ قدَّره بعده، والتقدير: باسم الله أقرأ أو أبتدىء أو أتلو، وإلى هذا نحا الزمخشري قال(٥): ((ليفيد (١) (لعل)) حرف جر عند عقيل، ((ولولا)) حرف جر عند سيبويه في ((لولاي)). انظر: ابن عقيل ٦/٢ - ٨. (٢) علي بن مؤمن حامل لواء العربية بالأندلس، أخذ عن الشلوبين والدباج، وله: الممتع والمقرب وشرح الجمل، مات سنة ٦٦٣. انظر: البغية ٢١٠/٢. وانظر مذهبه في الكاف: شرح الجمل له ٤٨٢/١. (٣): انظر: الانصاف ٢٤٥. (٤) المشكل ٦/١. (٥) الكشاف ٢٩/١. ٢٢ - البسملة - التقديمُ الاختصاصَ لأنه وقع ردًّاً على الكفرة الذين كانوا يبدؤون بأسماءٍ آلهتهم كقولهم: باسم اللات، باسم العُزَّى)) وهذا حسنّ جداً، ثم اعترض على نفسِه بقوله تعالى: ((اقرأْ باسم ربِّك))(١)، حيث صَرَّح بهذا العامل مُقَدَّماً على معموله، ثم أجاب بأنَّ تقديمَ الفعل في سورة العلق أوقعُ لأنها أولُ سورةٍ نَزَلَت فكان الأمرُ بالقراءة أهمَّ). وأجاب غيرُه بأنَّ بـ ((اسم ربك)) ليس متعلقاً بـ ((اقرأ)) الذي قبله، بل بـ ((اقرأ)) الذي بعده(٢)، فجاء على القاعدة المتقدمة. وفي هذا نظرٌ لأن الظاهرَ على هذا القول أن يكون ((اقرأ)) الثاني توكيداً للأول فيكون قد فَصَلَ بمعمول المؤكَّد بينه وبين ما أكَّده مع الفصلِ بكلامٍ طويل. واختلفوا أيضاً: هل ذلك الفعلُ أمرٌ أو خبرٌ؟ فذهب الفراء (٣) أنه أَمْرٌ تقديرُه: اقرأ أنت باسم الله، وذهب الزجاج(٤) أنه خبرٌ تقديره: اقرأ أنا أو ابتَدِىءُ ونحوهُ(٥). و((الله)) في ((بسم الله)) مضافٌ إليه، وهل العاملُ في المضاف إليه المضافُ أو حرفُ الجرِّ المقدَّرِ أو معنى الإضافة؟ ثلاثةُ أقوال خَيْرُها أوسعُها. وهو عَلَمُ على المعبودِ بحق، لَا يُطلق على غيره، ولَمَ يَجْسُرْ أحدٌ من المخلوقين أن يَتَسَّمى به، وكذلك الإِله قبل النقل والإِدغامِ لا يُطْلق إلا على المعبودِ بحقِّ. قال الزمخشري: (٦) ((كأنه صار عَلَماً بالغلَبة))، وأمّا ((إله)) (١) الآية ١ من سورة القلم. (٢) نص الآيات: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من عَلَق، اقرأ وربُكَ الأكرم. (٣) يحيى بن زياد إمام أهل الكوفة وتلميذ الكسائي، له: معاني القرآن والمذكر والمؤنث، توفي سنة ٢٠٧. انظر: النزهة ٩٨؛ البغية ٣٣٣/٢. (٤) إبراهيم بن السريّ لزم المبرد، له: معاني القرآن، المختصر، الاشتقاق. توفي سنة ٣١٠. انظر: النزهة ٢٤٤؛ البغية ٤١١/١. (٥) معاني القرآن ١/١. (٦) الكشاف ٣٦/١. ٢٣ - البسملة - المجردُ من الألف واللام فيُطلق على المعبود بحقِّ وعلى غيره، قال تعالى: ((لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لَفَسدت))(١)، ((وَمَنْ يَدْعُ مع الله إلهاً آخرَ لا بُرْهَانَ لِه به))(٢)، ([أرأيْتَ] مَنِ اتَّخَذَ إِلهَه هواه))(٣). واختلف الناسُ هل هو مُرْتَجَلٌ أو مشتق؟، والصوابُ الأولُ، وهو أعرفُ المعارف. يُحْكى أن سيبويه رُئِيَ في المنام فقيل [له]: ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: خيراً كثيراً، لجَعْلِي اسمَه أعرفَّ المعارفِ. ثم القائلونَ باشتقاقِه(٤) اختلفوا اختلافاً كثيراً، فمنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ من لاهَ يليه أي ارتفع، ومنه قيل للشمس: إلاّهة (٥) بكسر الهمزة وفتحها لارتفاعها، وقيل: لاتخاذِهِم إياها معبوداً، وعلى هذا قيل: ((لَهْيَ أبوك)) يريدونَ: للهِ أبوك، فَقَلَب العينَ إلى موضع اللام. وخَفَّفه فَحَذَفَ الألِفَ واللامَ وحَذَفَ حرفَ الجرِ. وَأَبْعد بعضُهم فَجَعَلَ مِنْ ذلك قولَ الشاعر(٦): لَهِنَّكَ مِن برقٍ عليٍّ كريمُ ٢٤ - ألا ياسَنا بَرْقٍ عَلى قُلَلِ الحِمى. قال: الأصلُ: لله إنك كريمٌ عليَّ، فَحَذَفَ حرف الجر وحرف التعريف. والألفَ التي قبل الهاء من الجلالة، وسَكَّن الهاءَ إجراءً للوصل مُجْرى الوقف، (١) الآية ٢٢ من الأنبياء. (٢) الآية ١١٧ من سورة المؤمنون. (٣) الآية ٤٣ من سورة الفرقان. (٤) انظر: اشتقاق أسماء الله الحسنى للزجاج: ((الله))؛ القرطبي ١٠٣/١؛ مفردات الراغب ١٧؛ الكشاف ٣٩/١؛ البيان في إعراب القرآن لابن الأنباري ٣٢/١. (٥) غير واضح في الأصل. (٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في مجالس ثعلب ٩٣؛ والخصائص ٣١٥/١؛ وأمالي القالي ٢١٨/١؛ وأمالي الزجاجي ٢٥٠؛ والمقرب ١٠٧/١؛ واللسان: ((لهن))؛ والمغني ٢٥٤؛ ورصف المباني ٤٤؛ والخزانة ٤ /٣٣٩. والقلل: القمم. وانظر تعليق ابن عصفور على : البيت في: المقرب ١٠٧/١. .. ٢٤ - البسملة - فصار اللفظ: لَهْ، ثم أَلقى حركة همزة ((إِنَّ)) على الهاء فبقي: لَهِنَّك كما ترى، وهذا سماجَةٌ من قائلِه. وفي البيت قولان أيسرُ من هذا. ومنهمَ مَنْ قال: ((هو مشتقٌّ من لاه يَلُوهِ لِياهاً. أي احتجَبَ، فالألف على هذين القولين أصليةٌ، فحينئذ أصلُ الكلمة لَآهَ، ثم دخل عليه حرفُ التعريف فصار اللاه، ثم أُدْغِمت لام التعريف في اللام بعدها لاجتماع شروطٍ الإِدغام، وفُخُّمت لامُه. ووزنُه على القولين المتقدِّمين إمَّا: فَعَل أو فَعِل بفتح العين أو كسرِها، وعلى كل تقدير: فتحرَّك حرفُ العلة وانفتحَ ما قبلَه فَقُلِب ألفاً، وكان الأصلَ: لَيَهاً أولَيِهاً أو لَوَهاً أو لَوِهاً. ومنهم مَنْ جَعَلَه مشتقاً من أَلَه، وأَلَه لفظٌ مشترك بين معانٍ وهي : العبادةُ والسكون والتحيُّر والفزع، فمعنى ((إله)) أنَّ خَلْقَه يعبدونه ويسكنون إليه ويتحيّرون فيه ويفزعون إليه. ومنه قولُ رؤبة: (١) ٢٥ - لِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُهي أي: من عبادتِه، ومنه ((ويذرُك وإلَّهَتّك))(٢) أي عبادتك. وإلى معنى التحيُّر أشار أمير المؤمنين بقوله: ((كَلَّ دون صِفاته تحبيرُ الصفات وَضلَّ هناك تصاريفُ اللغات))(٣) وذلك أن العبد إذا تفكّر في صفاته تحيَّر، ولهذا / رُوي: [٤/ب] (تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله))(٤) وعلى هذا فالهمزةُ أصلية والألفُ (١) ديوانه ١٦٥؛ تفسير الطبري ١٢٣/١؛ المحتسب ٢٥٦/١؛ المخصص ١٩١/١٢؛ اللسان أله؛ تفسير ابن عطية ٩٥/١؛ ابن يعيش ٣/١. المدَّة: ج المادهِ: المادح. (٢) الآية ١٢٧ من الأعراف وهي قراءة ابن مسعود وعلّ وابن عباس وأنس. انظر: البحر ٤ /٣٦٧؛ الطبري ١٢٣/١. (٣) انظر: مفردات الراغب ١٧ . (٤) قال في كشف الخفاء ٣١١/١: ((رواه أبو نعيم في الحلية وابن أبي شيبة)). ٢٥ - البسملة - قبل الهاء زائدةً، فأصلُ الجلالة الكريمة: الإِله، كقولِ الشاعر(١): ٢٦ - معاذَ الإِله أن تكونَ كظبيةٍ ولا دُمْيَةٍ ولا عَقِيْلَةِ رَبْرَبِ ثم حُذِفت الهمزةُ لكثرةِ الاستعمال كما حُذفت في ناس، والأصل: أُناسٍ کقوله(٢) : ٢٧ - إنَّ المَنَايا يَطَّلِّعْ نَ على الأناسِ الأَمِنينَا فالتقى حرفُ التعريفِ مع اللامِ فَأُدْغِم فيها وفُخِّم. أو نقول: إن الهمزة من الإِله حُذِفِت للنقل، بمعنى أنَّا نَقَلْنا حَرَكتَها إلى لام التعريف وَحَذَفْناها بعد نقل حركتها كما هو المعروف في النقل، ثم أُدغم لامُ التعريف كما تقدَّم، إلا أنَّ النقلَ هنا لازِمٌ لكثرةِ الاستعمال. ومنهم مَنْ قال: هو مشتقٌ من وَلِهَ لَكونِ كلِّ مخلوقٍ والِهاً نحوَه، وعلى ذلك قال بعض الحكماء: ((اللّه محبوب للأشياءِ كلها، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: ((وإنْ من شيءٍ إلا يُسَبِّح بحمده))(٣)، فأصله: ولاه ثم أبدلت الواو همزةٌ كما أُبدلت في إشاح وإعاء، والأصلُ: وشاح ووِعاء(٤)، فصار اللفظُ به: إلاهاً، ثم فُعِل به ما تقدَّم مِنْ حَذْفِ همزتِهِ والإِدغام، ويُعْزَى هذا القول للخليل(٥)، فعلى هذين القولين وزنُ إلاه: فِعال، وهو بمعنى مَفْعول أي: مَعْبُود أو متحيّ فیه کالکِتاب بمعنى مكتوب. (١) البيت للبعيث بن حريث وهو في الحماسة ٢١٨/١؛ والخزانة ٣٥٠/١؛ وشواهد الكشاف ٣٢٣/٤. والعقيلة: الكريمة، والربرب: القطيع من البقر. (٢) البيت لذي جدن الحميري وهو في مجالس العلماء ٧٠؛ والخصائص ١٥١/٣؛ وأمالي الشجري ١٢٤/١؛ وابن يعيش ٩/٢؛ وشواهد الشافية ٢٩٦؛ والخزانة ٣٥١/١. (٣) الآية ٤٤ من الإِسراء. (٤) قال ابن عصفور في الممتع ٣٣٣: ((وإنما فَعَلْتَ ذلك لثقل الكسرة في الواو فكأنه اجتمع لك یاء وواو)». (٥) الخليل بن أحمد الفراهيدي أستاذ سيبويه وواضع علم العروض، له ((العَيْنِ)). توفي سنة ١٧٥. انظر: أخبار النحويين البصريين ٣٠؛ النزهة ٤٥؛ البغية ٥٥٧/١. ٢٦ - البسملة - وُردَّ قولُ الخليل بوجهين، أحدهما: أنه لو كانت الهمزةُ بدلاً من واو الجاز النطق بالأصلِ، ولم يَقُلْه أحد، ويقولون: إشاح ووشاح وإعاء ووعاء. والثاني: أنه لو كان كذلك لجُمع على أَوْلِهِة كأَوْعِية وأَوشِحَة فَتُرَدُّ الهمزة إلى أَصلها، ولم يُجْمع «إله)) إلا على آلهة. وللخليل أن ينفصِلَ عن هذين الاعتراضين بأنَّ البدلَ لزِم في هذا الاسمِ لأنه اختُّص بأحكامٍ لم يَشْرَكَهْ فيها غيرُه، كما ستقف عليه، ثم جاء الجمع على التزام البدل. وأمَّا الألفُ واللامُ فيترتَّب الكلامُ فيها على كونِه مشتقاً أو غيرَ مشتقٍّ، فإنْ قيل بالأول كانَتْ في الأصل مُعَرِّفَةً، وإنْ قيل بالثاني كانت زائدةً. وقد شَذَّ حذفُ الألفِ واللامِ من الجلالة في قولهم ((لاهِ أبوك))، والأصل: للهِ أبوك كما تقدم، قالوا: وحُذِفَت الألفُ التي قبل الهاء خَطَّأ لئلا يُشَبَّهَ بخط ((اللات)) اسم الصنم، لأن بعضهم يقلبُ هذه التاء في الوقف هاءً فيكتُبها هاءً تَبَعَأً للوقف فمِنْ ثمَّ جاء الاشتباه. وقيل: لئلا يُشَبَّه بخط ((اللاه)) اسمَ فاعل من لها يلهو، وهذا إنما يَتِمُّ على لغة مَنْ يحذف ياءَ المنقوص المعرَّف وقفاً لأن الخطّ يتبعه، وأمَّا مَنْ يُثْبِتُها وقفاً فيثبتها خطّاً فلا لَبْس حينئذ. وقيل: حَذْفُ الألف لغةٌ قليلة جاء الخط عليها، والتُزمَ ذلك لكثرة استعماله، قال الشاعر(١): ٢٨ - أقبلَ سَيْلٌ كان من أمر الله يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّة المُخِلَّةْ وحكمُ لامِه التفخيمُ تعظيماً ما لم يتقدَّمْه كسرٌ فترقٌَّ، وإن كان أبو القاسم(٢) الزمخشري قد أطلق التفخيمَ، ولكنه يريد ما قلته. ونقل (١) البيت في زيادات ديوان حسان ٥٢٢: وإصلاح المنطق ٤٧؛ واللسان: حرد؛ وتفسير ابن عطية ٩٦/١؛ وشواهد الكشاف ٥٠٦/٤. وحرد: قصد، والمغلة: لها دَخْلٌ وثمار. (٢) الكشاف ٤٠/١. ٢٧ - البسملة - أبو البقاء(١) أنَّ منهمِ مَنْ يُرَقِّقُها على كل حال. وهذا ليس بشيءٍ لأن العربَ على خِلافِهِ كابراً عن كابرٍ كما ذكره الزمخشري(٢). ونقل أهلُ القراءة خلافاً فيما إذا تقدَّمَه فتحةٌ ممالةً أي قريبة من الكسرة: فمنهم مَنْ يُرَقَّقها، ومنهمٍ مَنْ يُفَخِّمُها، وذلك كقراءة السوسي(٣) في أحدٍ وَجْهَيْه: ((حتى نِّرَىَ اللهَ جَهْرةً))(٤). ونقل السهيلي(٥) وابن العربي (٦) فيه قولاً غريباً وهو أنَّ الألف واللام فيه أصليةً غيرُ زائدةٍ، واعتذرا عن وَصْلِ الهمزةِ بكثرة الاستعمال، كما يقول الخليل(٧) في همزةِ التعريف، وقد رُدَّ قولهُما بأنه كان ينبغي أن يُنَّوَّن لفظُ الجَلالةِ لأنَّ وزنَه حينئذٍ فَعَّال نحو: لَأَلَ وسَأَّل، وليس فيه ما يمنعه من التنوينِ فدلَّ على أنَّ أل فيه زائدةً على ماهيةِ الكلمةِ. ومن غريبٍ ما نُقِل فيه أيضاً أنه ليس بعربي بل هو مُعَرَّب، وهو سُريانِيُّ الوَضْعِ وأصله: ((لاها) فَعَرَّبَتْه العربُ فقالوا: الله، واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر (٨): (١) الإِملاء ٥/١. (٢) الكشاف ٤٠/١. (٣) صالح بن زياد مقرىء ضابط، أخذ عن اليزيدي وقرأ على حفص، وروى عنه المعصوم، توفي ٢٦١. انظر: طبقات القراء ٣٣٣/١؛ تذكرة الحفاظ ٥٥٩. (٤) الآية ٥٥ من البقرة. وانظر: البحر ١٥/١. (٥) عبدالرحمن بن عبدالله، له: الروض الأنف والأمالي، توفي سنة ٥٨١. انظر: البغية ٠۵١/٢ (٦) محمد بن عبدالله القاضي المالكي، له: أحكام القرآن، والمحصول والعواصم، توفي سنة ٥٤٣. انظر: وفيات الأعيان ٤٨٩/١؛ الأعلام ١٠٦/٧. (٧) الكتاب ٦٣/٢، ٢٧٣. (٨) البيت للأعشى وهو في ديوانه ٢٨٣، واللسان: أله، وأمالي الشجري ١٥/٢، وابن يعيش ٣١/١؛ والهمع ١٧٨/١؛ والدرر ١٥٤/١. والكبار: مبالغة الكبير، والحلفة: القَسَم . ٢٨ - البسملة - يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبارُ ٢٩ - كحَلْفَةٍ من أبي رياحٍ فجاء به على الأصلِ قبل التعريبِ، ونقل ذلك أبو زيد البلخي(١). [ومِنْ غريب ما نُقل فيه أيضاً أنَّ الأصل فيه الهاءُ التي هي كنايةٌ عن الغائب](٢) قالوا: وذلك أنهم أثبتوه موجوداً في نظر عقولهم فأشاروا إليه بالضمير، ثم زِيدَتْ فيه لامُ المِلْك، إذ قد عَلِموا أنه خالقُ الأشياء ومالِكُها فصار اللفظ: ((لَهْ)) ثم زِيدت فيه الألف واللام تعظيماً وتفخيماً، وهذا لا يُشبه كلامَ أهل اللغة ولا النحَوْبين، وإنما يشبه كلامَ بعض المتصوفة. ومن غريب ما نُقل فيه أيضاً أنه صفةٌ وليس باسم، واعتلَّ هذا الذاهب إلى ذلك أنَّ الاسم يُعَرِّفَ المُسَمَّى والله تعالى لا يُدْرَكُ حِسَّاً ولا بديهةً فلا يُعَرِّفُه اسمه، إنما تُعَرِّفه صفاتُه، ولأن العَلَم قائمٌ مقامَ الإِشارة، واللهُ تعالى ممتنعٌ ذلك في حقه. وقد رَدَّ الزمخشري(٣) هذا القولَ بما معناه أنك تصفه ولا تَصِفُ به، فتقول: إله عظيم واحد، كما تقول: شيءٌ عظيم ورجلٌ كريم، ولا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل، ولو كان صفةٌ لوقع صفةً لغيره لا موصوفاً، وأيضاً فإنَّ صفاتِه الحسنى لا بُدَّ لها من موصوف تجري عليه، فلو جَعَلْتَها كلُّها صفاتٍ، بقيت غيرَ جاريةٍ على اسمٍ موصوفٍ بها، وليس فيما عدا الجلالة خلافٌ في كونِه صفةً فَتَعَيَّن أن تكونَ الجلالةُ اسماً لا صفةً. والقولُ في هذا الاسم الكريمِ يحتمل الإِطالةَ أكثرَ ممَّا ذكرْتُ لك، إنما اختصرْتُ ذلك خوفَ السآمة للناظر في هذا الكتاب. (١) أحمد بن سهل، له: نظم القرآن وتفسير الفاتحة وعصمة الأنبياء، توفي سنة ٣٢٢. انظر: معجم الأدباء ٦٤/٣؛ البغية ٣١١/١. : (٢) ما بين معقوفين لم يظهر في فيلم الأصل، وأثبتناه من ع. (٣) الكشاف ٣٨/١. ٢٩ - البسملة - الرحمن الرحيم: صفتان مشتقتان من الرحمة، وقيل: الرحمنُ لَيْس مشتقاً لأن العربَ لم تَعْرِفْه في قولهم: ((وما الرحمنُ؟)) (١) وأجاب ابن العربي عنه بأنهم إنما جَهِلوا الصفةَ دونَ الموصوفِ، ولذلك لم يقولوا: وَمَنْ [٥/أ] الرحمن؟ وقد تَّبِعا موصوفَهما في / الأربعةِ من العشرة المذكورة(٢). وذهب الأعلمُ الشنتمريُّ(٣) إلى أن ((الرحمن)) بدلٌ من اسمِ الله لا تعتُ له، وذلك مبنيّ على مذهبه من أنَّ الرحمن عنده عَلَمٌ بالغلّبة. واستدَلَّ على ذلك بأنه قد جاء غيرَ تابعٍ لموصوفٍ، كقوله تعالى: ((الرحمن. عَلَّم القرآن)) (٤) ((الرحمنُ على العرش استوى))(٥). وقد رَدَّ عليه السُّهيلي بأنه لو كان بدلاً لكان مبيّناً لِما قبله، وما قبله ــ وهو الجلالة - لا يفتقرُ إلى تبيين لأنها أعرفُ الأعلامِ، ألا تراهم قالوا: ((وما الرحمنُ))(٦) ولم يقولوا: وما اللهُ. انتهى. أمَّا قوله: ((جاء غيرَ تابع)) فذلك لا يمنعُ كونَه صفةً، لأنه إذا عُلم الموصوفُ جاز خَذْقُه وبقاءُ صفتِه، كقولِه تعالى: ((ومِن الناسِ والدوابِّ والأنعامِ مختلِفٌ ألوانُه))(٧) أي نوع مختلف، وكقول الشاعر(٨): ٣٠ - كناطحٍ صخرةً يوماً لِيُوْهِنَها فلم يَضِرْها وأَوْهَى قرنَه الوَعِلُ أي کوعلٍ ناطج، وهو کثیر. (١) الآية ٦٠ من الفرقان. (٢) انظر: الورقة ٣أ. (٣) يوسف بن سليمان، عالم بالعربية والشعر، أخذ عن الإِفليلي. له: شرح الجمل، وشرح أبيات الجمل، توفي سنة ٤٤٦، أو ٤٧٦. انظر: البلغة ٢٩٢؛ البغية ٢٥٦/٢. (٤) الآية ١ - ٢ من سورة الرحمن. (٥) الآية ٥ من سورة طه . (٦) الآية ٦٠ من سورة الفرقان. (٧) الآية ٢٨ من سورة فاطر. (٨) البيت للأعشى وهو في ديوانه ٦١؛ وشواهد الكشاف ٤٨٨/٤. ٣٠ - البسملة - والرحمة لغةً: (١) الرقةُ والانعطافُ، ومنه اشتقاق الرَّحِم، وهي البطنُ الانعطافِها على الجنين، فعلى هذا يكون وصفهُ تعالى بالرحمة مجازاً عن إنعامِه على عبادِه كالمَلِك إذا عَطَف على رعيَّته أصابَهم خيرُه. هذا معنى قول أبي القاسم الزمخشري(٢). ويكونُ على هذا التقدير صفةً فعلٍ لا صفةً ذاتٍ، وقيل: الرحمة إرادةُ الخيرِ لمَنْ أرادَ اللهُ به ذلك، ووَصْفُه بها على هذا القولِ حقيقةً، وهي حينئذ صفةُ ذاتٍ، وهذا القولُ هو الظاهرُ. وقيل: الرحمة رِقَّةً تقتضي الإِحسانَ إلى المرحومِ ، وقد تُستعملُ تارةً في الرقة المجردة وتارةً في الإِحسان المجرَّد، وإذا وُصِف به الباري تعالى فليس يُراد به إلا الإِحسانُ المجردُ دونَ الرقةِ، وعلى هذا رُوي: ((الرحمةُ من الله إنعامٌ وإفضالٌ، ومن الآدميين رقةٌ وتعطّف)). [وقال ابن عباس(٣) رضي الله عنهما: ((وهما اسمان رقيقان أحدهما أرقُّ من الآخر أي: أكثرُ رحمة)). قال الخطَّابي (٤): وهو مُشْكِلٌ؛ لأن الرقة](٥) لا مَدْخَلَ لها في صفاتهِ. وقال الحسين بن الفضل(٦): «هذا وَهْمٌ من الراوي، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أَرْفَقُ من الآخر والرفق من صفاته)» وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله رفيقٌ يحبُّ الرِفقَ، ويُعطي عليه ما لا يُعْطي (١) انظر: مفردات الراغب ١٩٦ . (٢) الكشاف ٤٥/١. (٣) عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبر الأمة توفي سنة ٦٨. انظر: طبقات ابن سعد ٣٦٥/٢؛ الإصابة: ٩٠/٤؛ طبقات القراء ٤٢٥/١. (٤) حمد بن محمد أخذ عن الشاشي وأبي عمر الزاهد وله: غريب الحديث وشرح البخاري، توفي سنة ٣٨٨. انظر: البغية ٥٤٦/١. (٥) لم يظهر في فيلم الأصل، وأثبتناه من بقية النسخ. (٦) الحسين بن الفضل البجلي الكوفي المفسر، نزيل نيسابور، كان آية في معاني القرآن، روى عن يزيد بن هارون، توفي سنة ٢٨٢. انظر: العبر للذهبي ٦٧/٢. ٣١ - البسملة = على العنف))(١)، ويؤيِّده الحديثُ الآخر، وأمَّا الرحيمُ فالرفيق بالمؤمنين خاصة . واختلف أهلُ العلمِ في (الرحمن الرحيم)) بالنسبة إلى كونهما بمعنىِّ واحدٍ أو مختلفین. فذهب بعضهم إلى أنهما بمعنی واحد گندمان ونَدِیم، ثم اختلف هؤلاء على قولين، فمنهم مَنْ قال: جُمِع بينهما تأكيداً، ومنهم مَنْ قال: لمَّا تَسَمَّى مُسَيْلمة - لعنه الله - بالرحمن قال الله لنفسه: الرحمنُ الرحيم، فالجمعُ بين هاتين الصفتين الله تعالى فقط. وهذا ضعيفٌ جداً، فإنَّ تسميته بذلك غيرُ مُعْتَدٍّ بها البتَة، وأيضاً فإن بسم الله الرحمن الرحيم قبلَ ظهورِ أمرٍ مُسَيْلَمَةَ. ومنهم مَنْ قال: لكلِّ واحد فائدةٌ غيرُ فائدةِ الآخر، وجَعَل ذلك بالنسبة إلى تغايُرِ متعلَّقِهما إذ يقال: ((رَحْمن الدنيا ورحيمُ الآخرة))، يُروى ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلم، وذلك لأنَّ رحمته في الدنيا تَعُمُّ المؤمن والكافرَ، وفي الآخرة تَخُصُ المؤمنين فقط، ويُروَى: رحيمُ الدنيا ورحمنُ الآخرة، وفي المغايرة بينهما بهذا القَدْر وحدَه نظرٌ لا يَخْفى. وذهب بعضُهم إلى أنهما مختلفان، ثم اختلف هؤلاء أيضاً: فمنهم مَنْ قال: الرحمن أبلغُ، ولذلك لا يُطلق على غيرِ الباري تعالى، واختاره الزمخشري(٢)، وجعله من باب غَضْبان وسَكْران للممتلىءٍ غَضَباً وسُكْراً، ولذلك يقال: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة فقط، قال الزمخشري (٣): ((فكان القياسُ الترقَّّ من الأدنى، إلى الأعلى، كما يُقال: شُجاع باسل (١) رواه البخاري ((فتح الباري)): الاستتابة ٢٨٠/١٢؛ مسلم: البر ٢٠٠٤/٤. (٢) الكشاف ٤١/١. (٣) الكشاف ٤٥/١. ٣٢ - البسملة - ولا يقال: باسِلَ شجاع. ثم أجاب بأنه أَرْدَفَ الرحمنَ الذي يتناول جلائلَ النّعَمِ وأصولَها بالرحيمِ ليكونَ كالتتمَّةِ والرديف ليتناولَ ما دَقَّ منها ولَطَف. ومنهم مَنْ عَكْس فجعلَ الرحيمَ أبلغَ، ويؤيده روايةُ مَنْ قال: ((رحيم الدنيا ورحمان الآخرة)» لأنه في الدنيا يَرْحم المؤمن والكافرَ، وفي الآخرة لا يَرْحم إلا المؤمن. لكن الصحيح أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وأمَّا هذه الروايةُ فليس فيها دليلٌ، بل هي دلَّةٌ على أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وذلك لأن القيامَة فيها الرحمةُ أكثرُ بأضعافٍ، وأثرُها فيها أظهرُ، على ما يُروى أنه خَبًّا لعباده تسعاً وتسعينَ رحمةً ليوم القيامة. والظاهر أن جهةَ المبالَغَةِ فيهما مختلفةٌ، فمبالغةُ ((فَعْلان)) من حيث الامتلاءُ والغَلَبَةُ ومبالغةُ ((فعيل» من حيث التكرارُ والوقوع بمَحَالٍّ الرحمة. وقال أبو عبيدة(١): ((وبناء فَعْلان ليس كبناءٍ فَعِيل، فإنَّ بناء فَعْلان لا يقع إلا على مبالغةِ الفِعْل، نحو: رجل غَضْبانُ للمتلىء غضباً، وفعيل يكون بمعنى الفاعلِ والمفعول، قال(٢): ٣١ - فأمَّا إذا عَضَّتْ بك الحربُ عَضَّةٌ فإنك مَعْطوفٌ عليك رحيمٌ فالرحمنُ خاصَّ الاسمِ عامُّ الفعل. والرحيمُ عامُّ الاسمِ خاصُّ الفعلِ، ولذلك لا يَتْعَدَّى فَعْلان ويتعدَّى فعيل. حكى ابنُ سِيده(٣): ((زيدٌ حفيظٌ علمَك وعلمَ غيرك)). والألفُ واللام في ((الرحمن)) للغلَبة كهي في ((الصَّعِقِ))(٤)، ولا يُطلق (١) انظر: المجاز ٢١/١ بعبارة قريبة. (٢) البيت لعملس بن عقيل وهو في الحماسة ١٥٨/٢ واللسان: رحم. (٣) علي بن إسماعيل قرأ على مجاهد بن عبدالله، من أهل مرسية له: المحكم والمخصص وشرح الحماسة، توفي سنة ٤٥٨. انظر: إنباه الرواة ٢٢٥/٢؛ البلغة ١٤٨؛ البغية ١٤٣/٢. وانظر قوله في: المحكم ٢١٢/٣. (٤) الصعق: اسم لكل مَنْ رُمي بصاعقة، ثم غلب على خويلد بن نفيل الذي أصيب بصاعقة لارتكابه إثماً. انظر: اللسان: صعق. ٣٣ البسملة :- على غير الباري تعالى عند أكثر العلماء، لقوله تعالى: ((قلٍ ادعُوا الله أو ادعوا الرحمن))(١)، فعادَلَ به ما لا شِرْكَةَ فيه، بخلاف ((رحيم)) فإنه يُطلق على غيره تعالى، قال [تعالى] في حَقَّه عليه السلام: ((بالمؤمنين رؤوف رحيم))(٢)، وأمَّا قول الشاعر(٣) في مُسَيْلَمَةَ الكذاب - لعنه الله تعالى -: وأنتَ غَيْثُ الوَرى لا زلتَ رَحْمانا ٣٢ - فلا يُلتفت إلى قوله لَفْرِطَ تَعَنّتهم، ولا يُستعمل إلَّ مُعَرَّفاً بالألفِ واللامِ أو مضافاً، ولا يُلتفت لقوله: ((لا زِلْتَ رَحْمانا» لشذوذه. ومن غريب ما نُقِل فيه أنه مُعَرَّب، ليس بعربيِّ الأصل، وأنه بالخاء المعجمة قاله ثعلب [والمبرد وأنشد](٤): (٥) بِالخَزُّ أَو تَجْعلُوا الیَنْبُوتَ ضَمْرَانا ٣٣ - لن تُدْرِكوا المَجْدَ أَو تَشْرُوا عَباءَكُمُ ومَسْحكم صُلْبَهم رَخْمانَ قُرْبانا أو تَتْرُكونَ إلی القَسَّيْنِ هِجْرَتَكُمْ وفي وصل الرحيم بالحمد ثلاثة أوجهٍ، الذي عليه الجمهور: الرحيم. بكسر الميم موصولةً بالحمد. وفي هذه الكسرة احتمالان: أحدهما - وهو الأصحُّ - أنها حركةُ إغرابٍ، وقيل: يُحتمل أنَّ الميم سَكَنَت على نية الوقف، فلمَّا وقع بعدها ساكن حُرِّكت بالكسر. والثاني من وَجْهَي الوصلِ: سكونُ الميمِ والوقفُ عليها، والابتداءُ بقطع ألف ((الحمد))، رَوَتْ ذلك أم سلمة عنه (١) الآية ١١٠ الإسراء .. (٢) الآية ١٢٨ من التوبة. (٣) لم أهتد إلى قائله وصدره: سَمَوْتَ بالمجد يابن الأكرمين أباً. وهو في شواهد الكشاف ٤ /٥٤٥. والورى: الناس. (٤) لم يظهر في فيلم الأصل. (٥) البيتان لجرير، وهما في ديوانه ٥٩٨ بالتقديم والتأخير واختلافٍ في الرواية؛ وتفسير القرطبي ١٠٤/١؛ واللسان ((رحم)). والينبوت: ضرب من الشجر. ٣٤ - البسملة - عليه السلام. الثالث: حكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ(١): ((الرحيم الحمدُ)) بفتح الميم ووصل ألف الحمد، كأنها سكنَّت وقطعَتِ الألفَ، ثم أَجْرت الوقف مُجرى الوصل، فألقَتْ حركة همزة الوصل على الميم الساكنة . قال ابن عطية(٢): ((ولم تُرْوَ هذه قراءةً عن أحد [فيما علمت، ((وهذا فيه نظرٌ يجيء في: ((ألم الله))(٣)، قلت: يأتي تحقيقه في آل عمران إن شاء الله تعالى، ويحتمل هذا وجهاً آخر وهو أن تكونَ الحركةُ للنصبِ بفعل محذوفٍ على القطع](٤)، وهو أَوْلى من هذا التكلُّف. (١) البحر ١٨/١. (٢) البحر ١٨/١، ولم أجد هذا القول في تفسير ابن عطية. (٣) الآية ١ - ٢ من آل عمران. (٤) ما بين معقوفين غير واضح في الأصل، وأثبتناه من بقية النسخ. ٣٥ سورة الفاتحة آ. (١) قوله تعالى: ﴿الحمدُ لله ربِّ العالمين﴾: الحمدُ (١): الثناءُ على الجميل سواءً كان نعمةً مُسْداً إلى أحدٍ أم لا، يقال: حَمِدْتُ الرجلَ على ما أنعم به عليَّ وحَمِدْته على شجاعته، ويكون باللسان وحدَه دونَ عملٍ. الجوارحِ، إذ لا يقال: حَمِدْت زيداً أي عَمِلْتُ له بيديّ عملاً حسناً، بخلافٍ الشكر فإنه لا يكونُ إلَّ نعمةً مُسْدَاةً إلى الغيرِ، يقال: شكرتُه على ما أعطاني، ولا يقال: شكرتُه على شجاعته، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، قال تعالى: ((اعمَلُوا آلَ داودَ شُكْراً)(٢)، وقال الشاعر(٣): ٣٤ - أفادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مني ثلاثةً يدي ولسانِي والضميرَ المُحَجّبا فيكونُ بين الحمد والشكر عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ. وقيل: الحمدُ [٥/ب] هو الشكرُ بدليل قولهم: ((الحمدُ لله شكراً». وقيل: بينهما عمومٌ (٤)/ وخصوص مطلقٌ والحمدُ أعمُّ من الشكرِ، وقيل: الحمدُ الثناءُ عليه تعالى بأوصافِهِ، (١) انظر: مفردات الراغب ١٣٠. (٢) الآية ١٣ من سورة سبأ. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكشاف ٤٧/١؛ وشواهده ٣٢٤/٤، أي: أنا أشكر نعماءكم بالقلب واللسان . (٤) تغيَّر الخط في نسخة الأصل في ورقة واحدة وقد أشرنا إلى الاختلافات الجوهرية بين النسخ وهي محدودة. ٣٦ - الفاتحة - والشكرُ الثناءُ عليه بأفعالِهِ، فالحامدُ قسمان: شاكرٌ ومُثْنِ بالصفاتِ الجميلة. وقيل: الحمدُ مقلوبٌ من المدحِ، وليس بسديدٍ وإن كان منقولاً عن ثعلب، لأن المقلوبَ أقلَّ استعمالاً من المقلوب منه، وهذان مستويان في الاستعمال، فليس ادِّعاءُ قلبِ أحدِهما من الآخر أَوْلَى من العكس، فكانا مادتين مستقلتين، وأيضاً فإنه يَمْتنع إطلاقُ المدحِ حيث يجوزُ إطلاقُ الحمدِ، فإنه يقال: (حَمِدْتُ الله)) ولا يقال مَدَحْته، ولو كان مقلوباً لَما امتنع ذلك. ولقائلٍ أن يقول: مَنَعَ من ذلك مانعٌ، وهو عَدَمُ الإِذْنِ في ذلك. وقال الراغب(١): ((الحمدُ لله الثناء [عليه] بالفضيلة، وهو أخصُّ من المدحِ وأعمُّ من الشكر، يقال(٢) فيما يكونُ من الإِنسان باختياره وبما يكونُ منه وفيه بالتسخير، فقد يُمْدَحُ الإِنسان بطولِ قامتِهِ وصَباحةِ وجههِ كما يُمْدَح ببذلِ مالِه وشجاعتهِ وعلمهِ، والحمدُ يكون في الثاني دونَ الأول، والشكرُ لا يُقال إلا في مقابلةِ نعمة، فكلُّ شكرٍ حَمْدٌ وليس كل حمدٍ شكراً، وكلُّ حَمْدٍ مَدْحٌ وليس كلُّ مَدْحِ حمداً، ويقال: فلان محمود إذا حُمِد، ومُحْمَدٌ [ُوُجد محموداً](٣) ومُحَمَّد كَثُرت خصالُه المحمودة، وأحْمَدُ أي: إنه يفوق غيرَه في الحمد)». والألفَ واللامُ في (الحَمْد)) قيل: للاستغراقِ وقيل: لتعريفِ الجنسِ، واختاره الزمخشري (٤)، قال الشاعر(٥): إلى الماجِدِ القَرْمِ الجَوادِ المُحَمَّدِ ٣٥ - (١) المفردات ١٣٠. (٢) أي: إن المدح يقال كما في المفردات. (٣) ما بين معقوفين زيادة من نسخة عارف حكمت. (٤) الكشاف ٥٠/١. (٥) البيت للأعشى وهو في ديوانه ١٨٩، وصدره: إليك أَبَيْتُ اللعن كان كلالها وهو في اللسان: حمد. والقرم: الرجل العظيم. والبيت في الحقيقة شاهد على لفظ (((المحمد)) لأن أل فيه للعهد وليست للجنس. ٣٧ - الفاتحة- وقيل: للعَهْدِ. وَمَنع الزمخشري(١) كونَها للاستغراق، ولم يبَيِّنْ وجهَ ذلك، ويُشْبِه أن يقال: إنَّ المطلوبَ من العبد إنشاء الحمد لا الإخبارُ به وحينئذ يستحيلُ كونُها للاستغراقِ، إذ لا يُمْكنُ العبدَ أن يُنْشِىءَ جميعَ المحامدِ منه ومن غيرِه بخلافِ كونِها للجنسِ . والأصلُ فيه المصدريةُ فلذلك لا يُثَنَّى ولا يُجْمع، وحكى ابنُ الأعرابي (٢) جمعَه على أَفْعُل وأنشد(٣): ٣٦ - وَأَبْلَجَ محمودِ الثناء خَصَصْتُه بأفضلِ أقوالي وأفضلٍ أَحْمُدي وقرأ الجمهور: (الحمدُ لِلَّه))(٤) برفع الدال وكسر لام الجر، ورفعُه على الابتداء، والخبرُ الجار والمجرور بعده فيتعلَّقُ بمحذوف هو الخبرُ في الحقيقة. ثم ذلك المحذوفُ إن شئتَ قدَّرْتَه اسماً وهو المختار، وإنْ شئتَ قدَّرْتَه فِعْلًا، أي: الحمدُ مستقرَّ لله أو استقرَّ لله. والدليلُ على اختيار القول الأولِ أنَّ ذلك يتعيَّن في بعض الصور فلا أدلُّ من ترجيحه في غيرها(٥)، وذلك أنك إذا قلت: ((خرجت فإذا في الدار زيدٌ))، و((أمَّا في الدار فزيدٌ))، يتعيَّن في هاتين الصورتين تقديرُ الاسم، لأن إذا الفجائية وأمَّا التفصيلية لا يليهما إلا المبتدأ(٦). وقد عورض هذا اللفظُ بأنه يتعيّن تقديرُ الفعلِ في (١) الكشاف ٥٠/١. (٢) محمد بن زياد، إمام في اللغة والأنساب، قرأ على المفضل والكسائي، وروى عنه ابن السكيت وثعلب، توفي سنة ٢٣١، له: النوادر والأنواء. انظر: البلغة ٢٢١، البغية ٠١٠٥/١ : (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في تفسير القرطبي ١٣٣/١. (٤) انظر في قراءاتها: الشواذ!، البحر ١٨/١؛ الكشاف ٥٠/١؛ القرطبي ١٣٥/١. (٥) أي إن تقدير المحذوف اسمًا يتعين في بعض الصور، وليس شيء أدل على ترجيح تقدير المحذوف اسمًا من تعين ذلك في بعض الصور. (٦) الذي منع من تقدير الفعل دفع احتمال كون ((زيد)» في المثالين فاعلاً للفعل المحذوف استقر، على حين أن إذا وأمّا يليهما المبتدأ فقط، أمّا إذا أعربت زيداً مبتدأ فالمسألة تبقى على جواز تقدير المحذوف فعلاً أو اسمًا. ٣٨ - الفاتحة - بعضِ الصور، وهو ما إذا وقع الجارُّ والمجرورُ صلةً لموصولٍ، نحو: ((الذي في الدار)» فليكنْ راجحاً في غيره. والجوابُ أن ما رَجُّحْنا به هو من باب المبتدأ والخبر وليس أجنبياً فكان اعتباره أولى، بخلاف وقوعه صلةً، والأولُ غيرُ أجنبي(١). ولا بُد من ذِكْر قاعدةٍ ههنا لعموم فائدتها، وهي أنَّ الجارِّ والمجرورَ والظرفَ إذا وَقَعا صلة أو صفة أو حالاً أو خبراً تعلقا بمحذوفٍ، وذلك المحذوفُ لا يجوز ظهورهُ إذا كان كوناً مطلقاً، فأمَّا قول الشاعر(٢): ٣٧ - لكَ العِزُّ إِنْ مَوْلاَكَ عَزَّ وإنْ يَهُنْ فأنت لدىْ بُخْبوحَةِ الھُونِ کائِنُ فشاذُّ لا يُلتَفَتُ إليه. وأَمَّا قوله تعالى: ((فلما رآه مستقِرَّاً عنده))(٣) فلم يَقْصِدْ جَعْلَ الظرفِ ثابتاً(٤) فلذلك ذكرَ المتعلَّقَ به. ثم ذلك المحذوفُ يجوز تقديرُه باسم أو فعل إلا في الصلة فإنه يتعيّن أن يكون فعلاً، وإلّ في الصورتين المذكورتين فإنه يتعيَّنُ أَنْ يكونَ اسماً. واختلفوا: أيُّ التقديرين أولى فيما عدا الصورَ المستثناةَ؟ فقوم رجَّحوا تقديرَ الاسمِ، وقومٌ رَجَّحوا تقديرَ الفعلِ ، وقد تقدَّم دليلُ الفريقين. وقرىء شاذاً بنصب الدال من ((الحمد))(٥)، وفيه وجهان: أظهرهُما أنه (١) لعله يعني أن قوله: ((الذي في الدار) ليس من مسألة المبتدأ وخبره الجار والمجرور، لأن (في الداره صلة وليس خبراً، ويعني بالأجبني ما هو غير المبتدأ والخبر وهو هنا الصلة. وقوله ((والأول غير أجنبي)) وردت في نسخة حكمت ((فإنه آخر أجنبي)). (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في ابن عقيل ١٨٣/١؛ والهمع ٩٨/١؛ والدرر ٧٥/١؛ وبحبوحة الشيء: وسطه . (٣) الآية ٤٠ من سورة النمل. (٤) لعله يعني أنه ليس عاماً وإنما هو خاص ولذلك ذكره. ولعل قوله ((ثابتاً) محرف عن ((كائناً» واضطربت النسخ في رسمها وكلها محرفة. (٥) وهي قراءة هارون العتكي ورؤية وسفيان بن عيينة، انظر: البحر ١٨/١؛ تفسير ابن عطية ١ /١٠٢. ٣٩ ـا الفاتحة - منصوبٌ على المصدرية، ثم حُذِف العاملُ، وناب المصدرُ مَنَابَه، كقولهم في الإِخبار: ((حمداً وشكراً لا كُفْراً))، والتقدير: أَحْمَدُ الله حَمْداً فهو مصدرٌ نَبَ عن جملة خبرية. وقال الطبري(١): إن في ضمنه أمرَ عبادِه أن يُئنوا به علیه، فكأنه قال: قولوا الحمدَ لله، وعلى هذا يجيء («قولوا إياك)) فعلى هذه العبارة يكون(٢) من المصادر النائبة عن الطلب لا الخبر، وهو محتملٌ للوجهين، ولكنَّ كونَه خبرياً أَوْلَىْ من كونه طلباً؛ ولا يجوز إظهارُ هذا الناصب لِئْلَا يُجْمَع بين البدلِ والمُبْدلِ منه. والثاني: أَنه منصوبٌ على المفعول به أي اقرؤوا الحمدَ، أو اتلوا الحمدَ، كقولهم: ((اللهم ضَبُعاً وذْباً))، أي اجمَعْ ضبعاً، والأولُ أحسن للدلالة اللفظية وقراءةُ الرفع أَمْكَنُ وأَبْلَغُ من قراءة النصب، لأنَّ الرفعَ في بابِ المصادر التي أصلُها النيابةُ عن أفعالها يَدُلُّ على الثبوتِ والاستقرارِ بخلافِ النصب فإنه يَدُلُّ على التجدُّدِ والحدوثِ، ولذلك قال العلماء: إن جوابَ خليل الرحمن عليه السلام في قوله تعالى حكايةً عنه: ((قال سلامٌ))(٣) أحسنُ مِنْ قُول الملائكة ((قالوا سلاماً))، امتثالاً لقوله تعالى: ((فَحَيُّوا بأحْسَنَ منها))(٤). و(الله)) على قراءة النصب يتعلَّق بمحذوفٍ لا بالمصدرِ لأنها للبيان تقديره: أَعْنِي الله، كقولهم: سُقْياً له وَرَعْياً لك، تقديرهُ: أعني له ولك، ويدلَّ (١) محمد بن جرير صاحب التفسير والتاريخ، أخذ عن سليمان بن عبدالرحمن، وأخذ عنه الداجوني، توفي سنة ٣١٠. انظر: تذكرة الحفاظ ٧١٠؛ طبقات القراء : ١٠٦/٢. وانظر: تفسيره ١٣٩/١. (٢) أي الحمد على قراءة النصب. (٣) الآية ٦٩ من هود، ووجه تفضيل ((سلام)) أن المحذوف اسم أي: سلامي سلام وهذا يفيد الثبوت، أما ((سلاماً)) فالمحذوف فعل أي: أسلم سلاماً، وهذا يفيد التجدد والانقطاع . (٤) الآية ٨٦ من سورة النساء.