Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ سورة الإخلاص: الآيات ١ - ٤ وقُرِئَ: (كُفُوا)) بضمِّ الفاء وسكونها(١). وقد تقدَّم في ((البقرة))(٢) أنَّ كلَّ اسم على ثلاثة أحرف أوّلُه مضموم، فإنه يجوز في عينه الضمُّ والإسكان؛ إلَّا قولَه تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] لِعِلَّة تقدَّمت. وقرأ حفص: ((كُفُواً)) مضمومَ الفاء غيرَ مهموز. وكلُّها لغاتٌ فصيحة. القولُ في الأحاديث الواردة في فضل هذه السورة، وفيه ثلاث مسائل: الأولى: ثبت في ((صحيح)) البخاريِّ عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ ﴾ أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: ((قُلْ هو الله أحد)» يردِّدها، فلمَّا أصبح جاء إلى النبيِّ ﴾، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يَتَقالُّها، فقال رسول اللـه ﴾: ((والذي نفسي بيده، إنَّها لتعدل ثُلُثَ القُرْآن))(٣). وعنه قال: قال النبيُّ ◌َ﴾ لأصحابه: ((أَيعجِز أحدُكم أن يقرأ ثُلُث القرآن في ليلة)) فشَقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أيُّنا يُطِيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: ((اللهُ الواحدُ الصَّمد ثُلُث القرآن)»(٤). خرَّجه مسلم من حديث أبي الدرداء ﴾ بمعناه(٥). وخرَّج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((اخْشِدوا، فإني سأقرأ عليكُم ثلثَ القُرْآن)). فحشدَ مَنْ حَشَد، ثم خرج نبيُّ اللـه ﴿ فقرأ: ((قُلْ هُوَ الله أحد)» ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: إني أرى هذا خبراً جاءه من السماء، فذاك الذي أَدخله. ثم خرج فقال: ((إني قلت لكم: سأقرأ عليكم ثُلُث القرآن، أَلَا إنَّها تَعْدِل ثُلُثَ القرآن))(٦). (١) قرأ حفص: ((كُفُوا)) بضم الفاء وفتح الواء من غير همز، وسيذكرها المصنف قريباً. وقرأ حمزة بإسكان الفاء مع الهمز في الوصل، فإذا وقف أبدل الهمزة واواً مفتوحة اتباعاً للخط. وقرأ الباقون بضم الفاء مع الهمزة. التيسير ص ٢٢٦ ، وينظر السبعة ص ٧٠١ - ٧٠٢ . (٢) ٢ / ١٨٠. (٣) صحيح البخاري (٥٠١٣)، وهو عند أحمد (١١٣٠٦). وقوله: يتقالَّها: أصله يتقاللها، أي: يعتقد أنها قليلة، والمراد استقلال العمل لا التنقيص. فتح الباري ٩/ ٦٠. (٤) صحيح البخاري (٥٠١٥)، وهو عند أحمد (١١٠٥٣). (٥) صحيح مسلم (٨١١): (٢٥٩)، وهو عند أحمد (٢١٧٠٥). (٦) صحيح مسلم (٨١٢): (٢٦١)، وهو عند أحمد (٩٥٣٥). ٥٦٢ سورة الإخلاص: الآيات ١ - ٤ قال بعض العلماء: إنها عَدَلَتْ ثُلُثَ القرآن لأجل هذا الاسم، الذي هو ((الصَّمَد))، فإنه لا يوجد في غيرها من السُّور. وكذلك ((أَحَدٌ)). وقيل: إنَّ القرآن أُنزِل أثلاثاً، ثُلُئاً منه أحكام، وتُلُثاً منه وعدٌ ووعيد، وثلثاً منه أسماءٌ وصفات، وقد جَمَعتْ ((قُل هو الله أحد)) الثُّلُثَ(١)، وهو الأسماء والصِّفات. ودلَّ على هذا التأويل ما في ((صحيح)) مسلم من حديث أبي الدَّرداء ﴾، عن النبيِّ:﴿ قال: ((إنَّ الله جلَّ وعزَّ جزّأ القرآن ثلاثةَ أجزاء، فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ جزءاً من أجزاء القرآن)»(٢). وهذا نَصِّ، وبهذا المعنى سُمِّيت سورةَ الإخلاص، والله أعلم. الثانية: روى مسلم عن عائشةَ رضي الله عنها: أن رسول الله ﴾ بعث رجلاً على سَرِية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ ((قل هو الله أحد))، فلمَّا رجعوا، ذكروا ذلك للنبيِّ# فقال: ((سَلُوهُ لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك؟)) فسألوه، فقال: لأنها صفةٌ الرَّحمن، فأنا أحِبُّ أَنْ أقرأ بها. فقال رسول الله ﴾: «أخبروه أنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ یُحِبُّم)»(٣). وروى الترمذيُّ عن أنس بن مالك قال: كان رجل من الأنصار يؤمُّهم في مسجد قُباء، وكان كلَّما افتتح سورة يقرؤها لهم في الصلاة فقرأ بها (٤)، افتتح بـ((قل هو الله أحد)»، حتى يفرغ منها، ثم قرأ سورة(٥) أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كلِّ ركعة؛ فكلَّمه أصحابه، فقالوا: إنَّك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تُجزئُك حتى تقرأ بسُورة أخرى، فإمَّا أن تقرأ بها، وإمَّا أن تدعَها وتقرأَ بسورة أخرى؟ قال: ما أنا بتاركها، إِنْ أحببتم أن أَؤُمَّكم بها فعلتُ، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يَرَوْنَه أفضلَهم، (١) في النسخ عدا (ز): الأثلاث، والمثبت من (ز). (٢) صحيح مسلم (٨١١): (٢٦٠)، وهو عند أحمد (٢٧٤٩٨). (٣) صحيح (٨١٣)، وهو عند البخاري (٧٣٧٥). (٤) قال المباركفوري في تحفة الأحوذي ٢١٢/٨ - ٢١٣ : الظاهر أن في قوله: يقرأ بها (كذا وقعت عنده) تكراراً فتفكّر. (٥) في (م) وسنن الترمذي: ثم يقرأ بسورة. ٥٦٣ سورة الإخلاص: الآيات ١ - ٤ وكرهوا أن يَؤُمَّهم غيره؛ فلمَّا أتاهم النبيُّ# أخبروه الخبر، فقال: ((يا فلان ما يمنُعك ما يأمرك به (١) أصحابك؟ وما يحملُك أن تقرأ هذه السورة في كلِّ ركعة))؟ فقال: يا رسول الله، إنِّي أحبُّها، فقال رسول الله﴿: ((إنَّ حُبَّها أدْخَلَكَ الجَنَّة)). قال: حديث حسنٌ غريب صحيح(٢). قال ابن العربيّ(٣): فكان هذا دليلاً على أنه يجوز تكرار سورة في كلِّ ركعة. وقد رأيتُ على باب الأسباط(٤) فيما يَقْرُب منه، إماماً - من جملة الثمانيةِ والعشرينَ إماماً - كان يصلِّي فيه التراويح في رمضان بالأتراك، فيقرأ في كلِّ ركعة ((الحمد للَّه))، و((قل هو الله أحد)) حتى يتمَّ التراويح، تخفيفاً عليه، ورغبةً في فضلها، وليس من السنة خَتْمُ القرآن في رمضان. قلت: هذا نصُّ قولٍ مالك، قال مالك: وليس خَتْمُ القرآن في المساجد بسنة (٥). الثالثة: روى الترمذيُّ عن أنس بن مالك قال: أقبلتُ مع النبيِّ /# فسمع رجلاً يقرأ: ((قل هو الله أحد))، فقال رسول الله﴾: ((وجبت). قلت: وما وجبت؟ قال: (الجنة)). قال: هذا حديث حسن صحيح(٦). قال الترمذيُّ: حدَّثنا محمد بنُ مرزوق البصريُّ، قال: حدَّثنا حاتم بنُ ميمون أبو سهلٍ، عن ثابتِ البُنانيِّ، عن أنس بن مالك، عن النبيِّ﴾ قال: ((مَن قرأ كلَّ يوم مئتي مرَّةٍ: ((قل هو الله أحد))، مُحيَ عنه ذنوبُ خمسينَ سنةً، إلَّا أن يكون عليه دَين)). (١) في (م) وسنن الترمذي: مما يأمر به. (٢) سنن الترمذي (٢٩٠١)، وأورده البخاري تعليقاً قبل حديث (٧٧٥). (٣) في أحكام القرآن ١٩٨٣/٤. (٤) باب الأسباط أحد أبواب المسجد الأقصى. ينظر معجم البلدان ٥/ ١٧٠ . (٥) المدونة ٢٢٣/١ . (٦) سنن الترمذي (٢٨٩٧) من حديث أبي هريرة لا من حديث أنس كما ذكر المصنف، وأخرجه من حديث أبي هريرة أيضاً أحمد (٨٠١١)، والنسائي ١٧١/٢ . ووقع في سنن الترمذي وعارضة الأحوذي ٢٥/١١ : حديث حسن غريب، بدل: حديث حسن صحيح. وفي تحفة الأحوذي ٢٠٩/٨، وتفسير ابن كثير ٨/ ٥٢٣ نقلاً عن الترمذي: حسن صحيح غريب. ٥٦٤ سورة الإخلاص: الآيات ١ - ٤ وبهذا الإسناد عن النبيِّ# قال: ((مَن أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ: قُل هُوَ اللهُ أحد، مئةَ مرَّةٍ، فإذا كان يومُ القيامة يقول له الربُّ: يا عبدي، ادخلْ على يمينك الجنة)). قال: هذا حديث غريبٌ من حديث ثابت عن أنس(١). وفي مسند أبي محمدٍ الدارميِّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﴾: ((مَن قرأ: ((قل هو الله أحد)) خمسين مرَّةً، غفرتُ له ذنوب خمسينَ سنة))(٢). قال: وحدَّثنا عبد الله بن يزيد قال: حدَّثنا حَيْوة قال: أخبرني أبو عَقيل: أنه سمع سعيدَ بنَ المسيَّب يقول: إنَّ نبيَّ اللـه ﴾ قال: ((مَن قرأ: ((قل هو الله أحد)) عَشْرَ مرَّاتٍ بني له قصرٌ في الجنة. ومَن قرأها عشرين مرَّةً، بُني له بها قصران في الجنة. ومَن قرأها ثلاثين مرَّةً، بُني له بها ثلاثةُ قصور في الجنة)). فقال عمر بن الخطاب: واللهِ يا رسولَ الله إذَا لَتُكْثِرَنَّ قصورنا، فقال رسول الله ﴾: ((الله أوسع من ذلك)). قال أبو محمد: أبو عقيل زُهْرة بن مَعْبَد، وزعموا أنه كان من الأبدال(٣). وذكر أبو نُعِيم الحافظ من حديث أبي العلاء يزيد بنِ عبد الله بنِ الشِّخِّير، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﴾: ((مَنْ قَرَأَ: ((قل هو الله أحد)» في مرضه الذي يموت فيه، لم يُفتَن في قَبره. وأَمِن من ضغطةِ القبر. وحملته الملائكة يومَ القيامة بأَكُفِّها، حتى تُجيزَه من الصراط إلى الجنة)). قال: هذا حديث غريب من حديث يزيد، تفرَّد به نصر بن حمادِ البَجَليّ(٤). (١) أخرج هذين الحديثين الترمذي (٢٨٩٨)، وهما ضعيفان لضعف حاتم بن ميمون، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، وقال ابن عدي: يروي عن ثابت ما لا يتابع عليه. ينظر ميزان الاعتدال ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩، وتقريب التهذيب. (٢) مسند الدارمي (٣٤٣٨)، قال ابن كثير في تفسيره ٥٢٤/٨: إسناده ضعيف. (٣) مسند الدارمي (٣٤٢٩) وهو مرسل. (٤) حلية الأولياء ٢١٣/٢ دون قوله: هذا حديث غريب ... ، وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (٥٧٨١). قال الهيثمي في المجمع ١٤٥/٧: رواه الطبراني في الأوسط، وقال: لا يروى عن النبي ﴾ إلا بهذا الإسناد، وفيه نصر بن حماد الورّاق، وهو متروك. اهـ. ونصر بن حماد هذا قال عنه مسلم: ذاهب الحديث، وقال ابن معين: كذاب. ميزان الاعتدال ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١ . ٥٦٥ سورة الإخلاص: الآيات ١ - ٤ وذكر أبو بكر أحمدُ بن عليّ بن ثابتِ الحافظُ، عن عيسى بنِ أبي فاطمةَ الرازي قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إذا نُقِس بالناقوس اشتدَّ غضب الرحمن، فتنزلُ الملائكة، فيأخذون بأقطار الأرض، فلا يزالون يقرؤون: ((قل هو الله أحد)) حتى يسكُنَ غضبُه جلَّ وعزَّ(١). وخَرَّج من حديث محمد خالدِ الجَنَدِيِّ، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمرَ، قال: قال رسول الله﴾: ((مَن دخل يومَ الجمعة المسجد، فصلَّى أربع رَكَعات، يقرأ في كلِّ ركعة بفاتحة الكتاب و(قل هو الله أحد)) خمسينَ مرَّةً، فذلك مئتا مرَّةٍ في أربع رَكَعات، لم يَمُتْ حتى يَرى منزله في الجنة أو يُرَى له))(٢). وقال أبو عُمر مولى جرير بن عبد الله البَجَليِّ، عن جرير قال: قال رسول الله ﴾: ((مَن قرأ: ((قل هو الله أحد)) حين يدخل منزله، نَفَت الفَقْر عن أهل ذلك المنزلِ وعن الجيران»(٣). وعن أنس قال: قال رسول اللـه ﴾: ((مَن قرأ: ((قل هو الله أحد)) مرَّةٌ، بُورِك عليه، وَمن قرأها مرَّتين، بُورِك عليه وعلى أهله، ومَن قرأها ثلاثَ مرات، بُورِك عليه وعلى جميع جيرانه، ومَن قرأها اثنتي عَشْرة بنى الله له اثني عَشَرَ قصراً في الجنة، وتقول الحفظة: انطلقوا بنا ننظر إلى قصر أخينا، فإن قرأها مئة مرَّةٍ، كفَّر الله عنه ذنوب خمسينَ سنة، ما خلا الدِّماءَ والأموال، فإن قرأها أربعَ مئةِ مرَّةٍ، كفَّر الله عنه (١) أورده السيوطي في الدر المنثور ٤١٣/٦ وعزاه للطبراني من طريق أبي بكر البرذعي عن أبي زرعة وأبي حاتم عن عيسى بن أبي فاطمة، به. ولم نقف عليه عند الطبراني. (٢) أخرجه الدار قطني في غرائب مالك من طريق عبد الله بن وصيف الجندي عن علي بن زياد اللخمي عن محمد بن خالد الجندي، به. وقال: لا يصح هذا، وعبد الله بن وصيف مجهول. وذكره الخطيب في الرواة عن مالك من غير هذا الوجه، وقال: غريب جداً، لا أعلم له وجهاً إلا هذا. لسان الميزان ٣٧٤/٣ . (٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤١٩) من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير مرفوعاً. قال ابن كثير عند تفسير هذه السورة: إسناده ضعيف. اهـ. ووقع في (ز) و(ظ) و(ي): أبو عمرو مولى جرير. ٥٦٦ سورة الإخلاص: الآيات ١ - ٤ ذنوب مئة سنةٍ، فإن قرأها ألف مرَّةٍ، لم يمت حتى يَرَى مكانه في الجنة أو يُرى له))(١). وعن سهل بن سعد الساعديِّ قال: شكا رجل إلى رسول اللـه ﴾ الفَقْر وضيقَ المعيشة؛ فقال له رسول الله﴾﴾: ((إذا دخلتَ البيت، فسلِّمْ إن كان فيه أحد، وإن لم يكن به أحد فسلم عليَّ، واقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ مرَّةً واحدة)). ففعل الرجل، فأدرَّ الله عليه الرِّزق، حتى أفاض على جيرانه(٢). وقال أنس: كنّا مع رسول الله ﴿ بتَبُوكَ، فطلعتْ الشَّمس بيضاءَ لها شعاعٌ ونور، لم أَرَها فيما مضى طلعتْ قظُ كذلك، فأتى جبريلُ، فقال له رسول الله ﴾: ((یا جبريلُ، مالي أرى الشَّمس طلعتْ بيضاءَ بشعاع لم أرها طلعتْ كذلك فيما مضى قطّ؟)) فقال: «ذلك لأن معاويةَ بنَ معاويةَ اللَّيثي توفي بالمدينة اليوم، فبعث الله سبعين ألفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عليه)). قال: ((ومِمَّ ذلك؟)) قال: ((كان يكثر قراءة: ((قل هو الله أحد)) آناء الليل وآناء النهار، وفي ممشاه وقيامِه وقعودِه، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض، فتصلِّي عليه؟)). قال: ((نعم)). فصلَّى عليه، ثم رجع(٣). ذكره الثعلبيُّ، والله أعلم. (١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٥/ ١٩٠ بنحوه، وفيه أبان بن أبي عيَّاش، وهو متروك، كما قال ابن حجر في التقريب. (٢) أورده الرازي في تفسيره ١٧٤/٣٢ وفيه: وإن لم يكن فيه أحد فسلم على نفسك، بدل ... فسلم عليَّ. ولم نقف عليه في مصادر التخريج. (٣) أخرجه أبو يعلى (٤٢٦٧)، والبيهقي في دلائل النبوة ٢٤٥/٥، وابن عبد البر في الاستيعاب بهامش الإصابة ١٥٣/١٠ - ١٥٤. وفيه العلاء بن زيد، وقيل: ابن زَيْدَل، قال ابن حجر في الإصابة ٢٣٨/٩ - ٢٣٩ بعد أن أورده من طريقه: والعلاء أبو محمد هو ابن زيد الثقفي واٍ. وقال الذهبي في الميزان ٩٩/٣ : تالف، قال ابن المديني: كان يضع الحديث، وقال ابن حبان: روى عن أنس نسخة موضوعة، منها: الصلاة بتبوك صلاة الغائب على معاوية بن معاوية الليثي. اهـ. ووقع في مسند أبي يعلى: فبعث الله ألف ملك، بدل: فبعث الله سبعين ألف ملك. تفسير سورة ((الفلق)) وهي مكية؛ في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. ومدنية؛ في أحد قولي ابن عباس وقتادة. وهي خمس آيات. وهذه السورة وسورة ((الناس)) و((الإخلاص)) تعوَّذ بهنَّ رسول اللـه 8# حين سَحَرته اليهود؛ على ما يأتي. وقيل: إن المُعَوِّذتين كان يقال لهما: المُقشقِشتان، أي: تُبْرئان من النِّفاق. وقد تقدَّم(١). وزعم ابن مسعود أنهما دعاءٌ تعوَّذ به، وليستا من القرآن؛ خالف به الإجماعَ من الصحابة وأهل البيت(٢). قال ابن قتيبة: لم يَكتب عبد الله بن مسعود في مصحفه المعوِّذتين؛ لأنه كان يسمع رسولَ الله ﴿ يُعوِّذ الحسن والحسين رضي الله عنهما بهما، فقدَّر أنهما بمنزلة: ((أُعيذُكما بكلماتِ الله التامَّةِ، من كلِّ شيطانٍ وهامَّة، ومن كلِّ عين لامَّة))(٣). قال أبو بكر الأنباريّ: وهذا مردودٌ على ابن قتيبة؛ لأن المعوِّذتين من كلام رب العالمين المُعجز لجميع المخلوقين، و((أُعيذكما بكلماتِ اللـه التامَّة)) من قول البشريين(٤). وكلامُ الخالق الذي هو آيةٌ لمحمد ﴿ خاتم النبيين، وحُجَّةٌ له باقية على جميع الكافرين، لا يلتبس بكلام الآدميين، على مثل عبد الله بن مسعود الفصيح اللسان، العالم باللغة، العارف بأجناسِ الكلام، وأفانين القول. وقال بعض الناس: لم يكتب عبدُ الله المعوِّذتين لأنه أَمِنَ عليهما من النسيان، (١) ص٥٣٣ من هذا الجزء. (٢) النكت والعيون ٣٧٣/٦. وقول ابن مسعود * أخرجه البزار في مسنده (١٥٨٦) ولفظه: كان عبد الله يحكُ المعوذتين من المصحف، ويقول: إنما أمر النبي # أن يتعوَّذ بهما، وكان عبد الله لا يقرأ بهما. وأخرجه بمعناه أحمد (٢١١٨١) والبخاري (٤٩٧٧) وينظر ما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٨/ ٧٤١ - ٧٤٣ في هذه المسألة. (٣) أخرجه أحمد (٢١١٢)، والبخاري (٣٣٧١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٤) في (م) البشر بيّنٌ. ٥٦٨ سورة الفلق: الآيات ١ - ٥ فأَسقطهما وهو يحفظهما؛ كما أسقط فاتحةَ الكتاب من مصحفه، وما يُشَكُّ في حفظه وإتقانه لها. فردّ هذا القول على قائله، واحتجَّ عليه بأنه قد كتب: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ وهن يجرين مجرى المعوّذتين في أنهن غير طوال، والحفظ إليهن أسرعُ، ونسيانُهن مأمون، وكلهنَّ يُخالف فاتحة الكتاب؛ إذ الصلاة لا تتم إلا بقراءتها. وسبيل كل ركعة أن تكون المقدَّمة فيها قبل ما يُقْرأ من بعدها، فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف، على معنى الثقة ببقاء حفظها، والأمن من نسيانها، صحيح، وليس من السور ما يجري في هذا المعنى مجراها، ولا يُسْلك به طريقها. وقد مضى هذا المعنى في سورة ((الفاتحة))(١) والحمد لله. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ @ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴿﴿ وَمِن شَرِّ التََّّشَتِ فِى الْعُقَدِ ﴾ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ فيه تسعة مسائل : الأولى: روى النسائيّ عن عقبة بن عامر، قال: أتيتُ النبي8َّ# وهو راكب، فوضعتُ يدي على قدمه، فقلت: أَقرئني سورةَ يوسف. فقال لي: ((ولَنْ تَقرأ شيئاً أبلغَ عند الله من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾))(٢). وعنه قال: بينا أنا أَسير مع النبيّ # بين الجُحْفَةِ والأَبْواءِ، إذ غَشِيَتْنَا ريح مُظلمة شديدة، فجعل رسول الله # يتعوَّذ بـ ((أعوذ برب الفلق))، و((أعوذ برب الناس))، ويقول: ((يا عقبة، تعوَّذ بهما، فما تعوّذ مُتعوِّذ (١) ١/ ١٧٦ - ١٧٧ . (٢) سنن النسائي (المجتبى) ٢٥٤/٨، وأخرجه أحمد (١٧٣٤١). ٥٦٩ سورة الفلق: الآيات ١ - ٥ بمثلهما)). قال: وسمعتُه يقرأ بهما في الصلاة(١). وروى النَّسائي عن عبد الله قال: أصابنا طَشِّ وظُلْمة، فانتظرنا رسول الله ﴾. يخرج (٢)، ثم ذكر كلاماً معناه: فخرج رسولُ الله # [ليصلِّي بنا]، فقال: ((قُلْ)). فقلت: ما أقول؟ قال: ((قل هو الله أحد والمعوذتين، حين تمسي وحين تُصبح ثلاثاً، يكفِك كل شيء))(٣). وعن عقبة بن عامر الجُهَنِي قال: قال لي رسول اللـه ﴾: ((قُلْ)). قلت: ما أقول؟ قال: ((قل: قل هو الله أحد. قل أعوذ برب الفلق. قل أعوذ برب الناس)) فقرأهُنَّ رسولُ اللهِ ﴾، ثم قال: ((لم يتعوَّذ الناسُ بمثلهنَّ)) أو ((لا يتعوَّذ الناس بمثلهنَّ))(٤). وفي حديث ابن عابس(٥): ((قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، هاتين السورتين)). وفي ((صحيح)) البخاري ومسلم عن عائشة أن النبيّ # كان إذا اشتكى قرأ على نَفْسه بالمُعوِّذتَيْنِ ويَنْفِثُ، فلما اشتدَّ وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده، رجاءً بركتها(٦). النّفْث: النفخ ليس معه ريق. الثانية: ثبت في ((الصحيحين)) (٧) من حديث عائشة أن النبيّ #: سَحَره يهوديٌّ من يهود بني زُرَيْق، يقال له لَبِيدُ بن الأَعْصم، حتى يخيلُ إليه أنه كان يفعل الشيء ولا (١) أخرجه أبو داود (١٤٦٣). (٢) لفظ: يخرج، من (د) و(م)، وفي سنن النسائي: ليصلِّي بنا. (٣) سنن النسائي (المجتبى) ٨/ ٢٥٠ - وما بين حاصرتين منه - وأخرجه أحمد (٢٢٦٦٤)، وعبد الله: هو ابن خُبيب ، وقوله: طشقّ، أي: مطر خفيف. قاله السندي كما في حاشية المسند. (٤) أخرجه النسائي ٨/ ٢٥١ . (٥) في النسخ: ابن عباس، وهو خطأ، والحديث أخرجه أحمد (١٧٢٩٧)، والنسائي ٨/ ٢٥١ - ٢٥٢ . (٦) صحيح البخاري (٥٧٣٥)، وصحيح مسلم (٢١٩٢)، وأخرجه أحمد (٢٤٨٣١)، وسلف قسم منه ٢٧٦/٢. (٧) صحيح البخاري (٥٧٦٣)، وصحيح مسلم (٢١٨٩)، وهو في مسند أحمد (٢٤٣٠٠). ٥٧٠ سورة الفلق: الآيات ١ - ٥ يفعله، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث ـ في غير الصحيح: سنة(١) - ثم قال: ((يا عائشة، أَشعرتِ أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه. أتاني ملكان، فجلس أحدُهما عند رأسي، والآخر عند رِجلي، فقال [أحدهما لصاحبه] (٢): ما شأن الرجل؟ قال: مظبوب(٣). قال: ومَنْ طَبَّهُ؟ قال: لَبِيدُ بن الأعصم. قال: في ماذا؟ قال: في مُشْط ومُشاطة وجُفِّ طلعةٍ ذكر (٤)، تحت راعوفة في بئر ذي أَرْوَان)). فجاء البئر واستخرجه. انتهى الصحيح. وقال ابن عباس: ((أما شَعَرْتِ يا عائشة أن الله تعالى أخبرني بدائي)). ثم بعث عَلِيًّا والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماءَ تلك البئر كأنه نُقاعة الحِثَّاء، ثم رفعوا الصخرة وهي الراعوفة - صخرة تُترَكُ أسفلَ البئر يقوم عليها المائح(٥) - وأخرجوا الجُفَّ، فإذا مُشَاطة رأس إنسان، وأسنان من مُشْط، وإذا وتر معقودٌ فيه إحدى عشرةً عقدةً مغرزةً بالإبر، فأنزل الله تعالى هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية على عدد تلك العُقَد، وأُمر أن يَتَعَوَّذُ بهما؛ فجعل كلما قرأ آيةً انحلَّت عقدة، ووجد النبيُّ ﴾ خِفَّةٌ، حتى انحلَّت العقدةُ الأخيرة، فكأنما أُنْشِطَ من عِقال، وقال: ليس به بأس. وجعل جبريل يَرْقي رسول اللـه﴾ فيقول: ((بسم الله أَرْقِيك، من كل شيء يُؤذيك، من شرِّ حاسدٍ وعَيْن، والله يَشْفِيك)). فقالوا: يا رسول الله، ألا نقتلُ الخبيثَ. فقال: (١) قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢٢٦/١٠: قال السهيلي: لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث النبي # فيها في السحر حتى ظَفِرتُ به في جامع معمر عن الزهري أنه لبث ستة أشهر، كذا قال، وقد وجدناه موصولاً بإسناد الصحيح، فهو المعتمد. اهـ. (٢) ما بين حاصرتين من صحيح البخاري. (٣) أي: مسحور. فتح الباري ٢٢٦/١٠ . (٤) قال السندي كما في حاشية المسند: قوله: ◌ُفّ طلعة ذكر: هو الغشاء الذي على طلع النخل، ويطلق النخل على الذكر والأنثى، ولذا قيَّده بالذكر. (٥) المائح: الذي يكون في أسفل البئر يملأ الدلو. أما الماتح: فهو المستقي من البئر بالدلو من أعلى البئر. النهاية (متح). ٥٧١ سورة الفلق: الآيات ١ - ٥ ((أمّا أنا فقد شفانِي الله، وأكره أن أُثيرَ على الناس شَرًّا))(١). وذكر القشيري في ((تفسيره)) أنه ورد في الصِّحاح: أن غلاماً من اليهود كان يخدمُ النبيّ *، فدسَّتْ إليه اليهود، ولم يزالوا به حتى أَخَذَ مُشاطة رأس النبيّ ﴾. - والمُشاطة، بضم الميم: ما يسقُط من الشعر عند المَشْط(٢) - وأخذ عدّةً من أسنان مُشْطه، فأعطاها اليهود، فسحروه فيها، وكان الذي يتولى ذلك لَبيدُ بن الأَعْصم اليهوديّ. وذكر نحو ما تقدّم عن ابن عباس. الثالثة: تقدّم في البقرة القول في السحر وحقيقته، وما ينشأ عنه من الآلام والمفاسد، وحكم الساحر(٣)؛ فلا معنى لإعادته. الرابعة: قوله تعالى: ﴿اَلْفَلَقِ﴾ اختلف فيه؛ فقيل: سجن في جهنم؛ قاله ابن عباس. وقال أُبَيُّ بن كعب: بيت في جهنم إذا فُتح صاح أهلُ النار من حره. وقال الحُبُليّ أبو عبد الرحمن: هو اسمٌ من أسماء جهنم. وقال الكلبي: وادٍ في جهنم. وقال عبد الله بن عمر: شجرة في النار. سعيد بن جُبير: جُبٌّ في النار. النحاس: يقال لما اطمأنَّ من الأرض: فَلَق؛ فعلى هذا يَصِحُّ هذا القول. وقال جابر بن عبد الله والحسن وسعيد بن جبير أيضاً ومجاهد وقتادة والقُرَظيّ وابن زيد: الفَلَق: الصُّبْح. وقاله ابن عباس (٤). تقول العرب: هو أبينُ من فَلَقِ الصُّبْح، وفَرَق (١) ذكره الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس وعائشة ، كما في تفسير ابن كثير ٥٣٨/٨ . قال الحافظ ابن كثير: هكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة، وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم. وقوله منه: ((بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر حاسد وعين اللهُ يشفيك)) وأن جبريل رقى بهذه الكلمات النبي # أخرجه أحمد (١١٢٢٥) و(٢٥٢٧٢)، ومسلم (٢١٨٦) و(٢١٨٥) من حديث أبي سعيد الخدري وعائشة رضي الله عنهما. (٢) المفهم ٥/ ٥٧٢ . (٣) ٢/ ٢٧٢ وما بعدها. (٤) أخرج هذه الأقوال الطبري ٢٤/ ٧٤١ - ٧٤٤. ٥٧٢ سورة الفلق: الآيات ١ - ٥ الصبح(١). وقال الشاعر: يا ليلةً لم أَنَمْهَا بِتُّ مُرْتَفِقاً أَرْعَى النجومَ إلى أَنْ نَوَّرَ الفلَقُ(٢) وقيل: الفلق: الجبال والصخور تنفلق بالمياه، أي: تتشقق. وقيل: هو التفليق بين الجبال والصخور؛ لأنها تتشقق من خوف الله عز وجل. قال زهير: ما زِلْتُ أَرْمُقُهُمْ حتى إذا ھَبَطَتْ أيدِي الرِّكابِ بِهِمْ مِن راكِسٍ فَلَقَا(٣) الراكس: بطن الوادي. وكذلك هو في قول النابغة: أَتاني ودُوني راكِسٌ فالضَّواجِعُ(٤) والراكس أيضاً: الهادي، وهو الثور وسط البَيْدَر، تدور عليه الثّيران في الدِّياسة(٥). وقيل: الرحم تنفق بالحيوان. وقيل: إنه كلُّ ما انفلق عن جميع ما خَلَق من الحيوان والصبحِ والحَبّ والنَّوَى، وكل شيء من نبات وغيره؛ قاله الحسن وغيره. قال الضحاك: الفَلَقُ الخَلْقِ كُلُّه(٦)؛ قال: وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقْ سِرًّا وقدْ أَوَّنَ تَأُوِينَ العُقُقْ(٧) قلت: هذا القول يشهد له الاشتقاق؛ فإن الفَلْقِ الشَّق، فَلَقْت الشيء فَلْقاً، أي: (١) إعراب القرآن للنحاس ٣١٣/٥. (٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٧٤ . وما بعده منه. (٣) دیوان زهير ص ٣٥ . (٤) ديوان النابغة ص ٧٩ ، وصدره: وعيدُ أبي قابوس في غير كنهه. والضواجع: منحنى الوادي. القاموس (ضجع) (٥) الصحاح (ركس). (٦) النكت والعيون ٣٧٤/٦. (٧) الرجز لرؤية، وهو في ديوانه ص ١٠٨ . والتأوين: امتلاء البطن، والعُقُق: جمع عَقوق، وهي الحامل. والراجز يصف أُتْناً وردت الماء فشربت حتى امتلأت خواصرها. اللسان (أون). ٥٧٣ سورة الفلق: الآيات ١ - ٥ شققته. والتفليق مثله. يقال: فَلَقْته فانفلق وتَفَلَّق. فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونَوَى وماء فهو فَلَق؛ قال الله تعالى: ﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] قال: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَّ﴾ [الأنعام: ٩٥]. وقال ذو الرُّمّة يصف الثورَ الوَحْشِيّ: حَتَّى إِذَا ما انجَلَى عن وجهِه فَلَقٌ هادِيهِ فِي أُخْرَيَاتِ اللَّيْلِ مُنْتَصِبُ(١) يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه. والفلق أيضاً: المطمئنُّ من الأرض بين الرَّبوتين، وجمعه: فُلْقان، مثل خَلَق وخُلْقان. وربما قالوا: كان ذلك بفالق كذا وكذا، يريدون المكانَ المنحدر بين الربوتين. والفَلَق أيضًا مِقطرة(٢) السَّجان. فأما الفِلْق - بالكسر -: فالداهية والأمر العجب؛ تقول منه: أفلق الرجلُ وافتلق. وشاعر مُفْلِقٍ، وقد جاء بالفِلْق. والفِلْق أيضاً: القضيب يُشَقُّ باثنين، فيعمل منه قَوْسان؛ يقال لكل واحدة منهما: فِلْق. وقولهم: جاء بعُلَقَ فُلَقَ - وهي الداهية - لا تُجْرى(٣). يقال منه: أعلقت وأفلقت، أي: جئت بعُلَق فُلَقَ. ومرَّ يفتلق في عَدْوِهِ، أي: يأتي بالعجب من شدَّتِهِ (٤). وقوله تعالى: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ قيل: هو إبليس وذُرِّيته. وقيل: جهنم. وقيل: هو عامٌ، أي: من شرِّ كلِّ ذي شرِّ خلقه الله عزَّ وجلَّ(٥). الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ اختلف فيه؛ فقيل: هو الليل. والغَسَق: أولُ ظُلمةِ الليل؛ يقال منه: غَسَقَ الليلُ يَغْسِقِ، أي: أظلم(٦). قال ابن قيس الرقيات : إِنَّ هذا الليلَ قد غَسَقا واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأَرَقا(٧) (١) ديوان ذي الرمة ١/ ٩٢، وفيه: حتى إذا ما جلا .. وهي الرواية الصحيحة فيما قاله ابن بري، كما في اللسان (فلق). وقوله: هاديه، أي: أوله. شرح الديوان لأبي نصر الباهلي. (٢) المِقْطرة: خشبة فيها خروق تُدخّل فيها أرجل المحبوسين. الصحاح (قطر). (٣) أي: لا تنصرف. (٤) الصحاح (فلق). (٥) النكت والعيون ٦/ ٣٧٤ . (٦) الصحاح (غسق). (٧) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيَّات ص ١٨٧ . ٥٧٤ سورة الفلق: الآيات ١ - ٥ وقال آخر: إِذْ جِئْتَنا طارِقًا والليلُ قَدْ غَسَقًا(١) يا طيفَ هندٍ لقد أَبْقَيت لي أَرَقاً هذا قول ابن عباس والضحاك وقتادة والسُّدّي وغيرِهم. و((وَقَبَ)) على هذا التفسير: أظلم؛ قاله ابن عباس. والضحاك: دَخَلَ. قتادة: ذَهَبَ. يَمانُ بن رِئاب: سَكَن. وقيل: نزل؛ يقال: وَقَب العذابُ على الكافرين: نَزَلَ؛ قال الشاعر: وَقَبَ العذابُ عليهمُ فِكَأَنَّهُمْ لَحِقَتْهُمُ نارُ السَّمُومِ فأُحْصِدُوا(٢) وقال الزجاج(٣): قيل: الليل غاسق لأنه أبردُ من النهار. والغاسق: البارد. والغَسَق: البرد؛ ولأن في الليل تخرج السِّباع من آجامها، والهوامُّ من أماكنها، وينبعث أهلُ الشّرِّ على العيث والفساد. وقيل: الغاسق: الثُّريًّا؛ وذلك أنها إذا سقطت كَثُرتِ الأسقامُ والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك؛ قاله عبد الرحمن بن زيد. وقيل: هو الشمس إذا غربت؛ قاله ابن شهاب . وقيل: هو القمر(٤). قال القُتَبِيّ(٥): ((إذا وقب)) القمر: إذا دخل في ساهوره، وهو كالغلاف له، وذلك إذا خُسِفَ به. وكلُّ شيء أسودُ فهو غَسَق. وقال قتادة: ((إذا وقَبَ)): إذا غابَ. وهو أصحُّ؛ لأن في الترمذيّ عن عائشة: أن النبيّ # نظر إلى القمر، فقال: ((يا عائشة، استعيذي بالله من شرِّ هذا، فإن هذا هو الغاسقُ إذا وقَبَ)). قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(٦). وقال أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي في تأويل هذا الحديث: وذلك أن (١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٧٥، والأقوال التي بعده منه. (٢) ذكره السمين في الدر المصون ١٥٩/١١ . (٣) في معاني القرآن ٣٧٩/٥ . (٤) النكت والعيون ٣٧٥/٦ . (٥) في تفسير غريب القرآن ص ٥٤٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٨/٥ . (٦) سنن الترمذي (٣٣٦٦)، وأخرجه أحمد (٢٥٨٠٢). ٥٧٥ سورة الفلق: الآيات ١ - ٥ أهل الرَّيب يتَحيَّنون وَجبة القمر، وأنشد: منها العجوزُ ومنها الكلبُ والقمرُ أراحني اللهُ مِن أشياءَ أَكرهُها وهذه ضِمْرِزْ قَوَّامَةُ السَّحَرِ (١) هذا يبوحُ وهذا يستضاءُ به وقيل: الغاسق: الحية إذا لدغت. وكأن الغاسق نابُها؛ لأن السمَّ يغسق منه، أي: يُسيل. ووقب نابها: إذا دخل في اللَِّيغ. وقيل: الغاسق: كل هاجم يضرّ، كائناً ما كان؛ من قولهم: غسقت القرحة: إذا جرى صديدُها. السادسة: قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ﴾ يعني الساحرات اللائي ينفُثْن في عُقَد الخيط حين يَرْقِينَ عليها، شبه النفخ كما يعمل مَن يرقي. قال الشاعر : تِ في عِضَهِ العاضِهِ المُعْضِه(٢) أُعُوذُ بِربِّي مِنَ النَّافِئَا وقال مُتَمِّم بن نُوَيْرة: مِن خشية الجِنَّة والحاسِدِ(٣) نَفَشْت في الخيطِ شَبِيهَ الرُّقَى وقال عنترة : وإِنْ يُفْقَدْ فَحُقَّ له الفُقُودُ(٤) فإنْ يَبْرَأُ فَلَمْ أَنْفُثْ عَلَيهِ السابعة: روى النَّسائي عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللـه لَ﴾: ((من عَقَدَ عُقدة ثم نَفَثَ فيها، فقد سَحَر، ومَن سَحَرَ فقد أَشْرَكَ، ومَنْ تَعَلَّق شيئاً وُكِل إليه))(٥). (١) ذكرهما الجاحظ في المحاسن والأضداد ص ١٧٢، وابن الجوزي في أخبار النساء ص ١٤٩، مع اختلاف في بعض الألفاظ. (٢) ذكره الماوردي النكت والعيون ٦/ ٣٧٥، والعِضَّه: السِّحر، والعاضه: الساحر. اللسان (عضه) والبيت فیه. (٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٧٥ . (٤) ديوان عنترة ص ٤٢. وسلف ١٣/ ١٥٩. (٥) سنن النسائي ١١٢/٨. وفي إسناده عبّاد بن ميسرة، ضعّفه أحمد ويحيى، قال الذهبي في الميزان ٣٧٨/٢: هذا الحديث لا يصح للينِ عبّاد وانقطاعه. اهـ. وقوله: ((تعلَّق شيئاً)) أي: من علَّق على نفسه شيئاً من التعاويذ والتمائم معتقداً أنها تجلب إليه نفعاً أو تدفع ضرًّا. النهاية (علق). ٥٧٦ سورة الفلق: الآيات ١ - ٥ واختلِف في النفْث عند الرُّقَى، فمنعه قوم، وأجازه آخرون. قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفُث، ولا يمسح ولا يعقِد. قال إبراهيم: كانوا يكرهون النَّفث في الرُّقَى. وقال بعضهم: دخلت على الضحاك وهو وَجِعٌ، فقلت: ألا أُعَوِّذكَ يا أبا محمد؟ قال: بلى، ولكن لا تنفث؛ فعوَّذتُه بالمعوذتين. وقال ابنُ جريج: قلت لعطاء: القرآن يُنْفَخ به أو يُنْفَثُ؟ قال: لا شيء من ذلك، ولكن تقرؤه هكذا. ثم قال بعد: انفُث إن شئت. وسُئل محمد بن سِيرين عن الرُّقية يُنْفث فيها، فقال: لا أَعلم بها بأساً(١). وإذا اختلفوا فالحاكم بينهم السُّنة؛ روت عائشة أن النبيّ ﴿ كان ينفث في الرُّقية؛ رواه الأئمة، وقد ذكرناه أوّل السورة وفي ((سُبْحان))(٢). وعن محمد بن حاطب أن يده احترقت فأتَتْ به أُمُّه النبيَّ لَ﴾، فجعل ينفُث عليها ويتكلّم بكلام؛ زعم أنه لم يحفظه(٣). وقال محمد بن الأشعث: ذُهِب بي إلى عائشة رضي الله عنها وفي عيني سوء، فرقَتْنِي وَنَفَشَتْ(٤). وأما ما رُوي عن عكرمة من قوله: لا ينبغي للراقي أن ينفُث؛ فكأنه ذهب فيه إلى أن الله تعالى جعل النفْث في العُقَد مما يُستعاذ به، فلا يكون بنفسه عُوذة. وليس هذا هكذا؛ لأن النفث في العُقَد إذا كان مذموماً لم يجب أن يكون النفث بلا عُقد مذموماً. ولأن النفث في العُقَد إنما أُريد به السحر المُضِرّ بالأرواح، وهذا النفث لاستصلاح الأبدان، فلا يُقاس ما ينفع بما يضر(٥). وأما كراهة عكرمة المسحَ فخلاف السنة. قال علي ﴾: اشتكيت، فدخل عليَّ النبيُّل:﴿ وأنا أقول: اللهمَّ إنْ كان أجلي قد حَضَر فأرٍحني، وإن كان متأخّراً فاشفني وعافني، وإن كان بلاءً فصبِّرني. فقال النبيّ ﴾: (١) الاستذكار ٣٠/٢٧ - ٣١، ما عدا قول ابن جريج. (٢) ١٥٨/١٣ - ١٥٩ . (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٣/٧ . (٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٤٤/٧ وفيه: قيس بن محمد بن الأشعث بدل: محمد بن الأشعث. (٥) التمهيد ١٣٣/٨ بنحوه. ٥٧٧ سورة الفلق: الآيات ١ - ٥ (كيف قلت))؟ فقلت له. فَمَسحني بيده، ثم قال: ((اللهم اشْفِه)) فما عاد ذلك الوجع بعد(١). وقرأ عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر ورُويس عن يعقوب: ((ومِن شرِّ النافثاتِ)) في وزن فاعلات. ورُوِيت عن عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما(٢). ورُوي أن نساءً سَحَرْنَ النبيَّ :﴿ في إحدى عشرة عقدةً؛ فأنزل الله المعوِّذتين إحدى عشرة آية. قال ابن زيد: كُنَّ من اليهود؛ يعني السواحر المذكورات. وقيل: هنّ بنات لَبِيد بن الأعصم(٣). الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ قد تقدم في سورة (النساء)) معنى الحسد (٤)، وأنه تمنِّي زوالِ نعمة المحسود وإن لم يَصِرْ للحاسد مثلُها. والمنافسة هي تمني مثلَها وإن لم تزل. فالحسدُ شرِّ مذموم. والمنافسة مباحةٌ، وهي الغِبطة. وقد روي أن النبيَّ ﴿ قال: ((المؤمن يَغْبِطُ، والمنافق يَحْسُد))(٥). وفي ((الصحيحين)): ((لا حَسَدَ إلا في اثنتين))(٦) يريد: لا غِبْطَةَ. وقد مضى في سورة ((النساء))(٧) والحمد لله. قلت: قال العلماء: الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسدُه بفعل أو قول، وذلك بأن يحمله الحسدُ على إيقاع الشرِّ بالمحسود، فيَتْبع مساوئه ويطلب عَثَراته. قال ﴾: ((إذا (١) أخرجه أحمد (١٠٥٧). (٢) القراءات الشاذة ص ١٨٧، والمحرر الوجيز ٥٣٩/٥، وهي غير المشهورة عن رويس. (٣) تفسير البغوي ٥/ ٥٤٧، وزاد المسير ٩/ ٢٧٥ . (٤) ٦ / ٤١٥ وما بعدها، وتقدم أيضاً في البقرة ٣١٣/٢ وما بعدها. (٥) النكت والعيون ٣٧٦/٦ - ٣٧٧، والحديث ذكره ملا علي القاري في المصنوع (٢٦٨) من كلام الفضيل بن عياض. : (٦) صحيح البخاري (٧٣)، وصحيح مسلم (٨١٦)، وأخرجه أحمد (٣٦٥١)، وفي الباب عن عدد من الصحابة تنظر في مسند أحمد. (٧) سلف في سورة النساء الكلام عن الحسد - كما ذكر المصنف قريباً - دون ذكر الحديث. ٥٧٨ سورة الفلق: الآيات ١ - ٥ حَسَدت فلا تَّبْغِ)) الحديث. وقد تقدم(١). والحسد أوّلُ ذنب عُصِي الله به في السماء، وأولُ ذنب عُصِي به في الأرض، فحسَدَ إبليس آدمَ، وحسد قابيلُ هابيلَ. والحاسدُ ممقوتٌ مَبْغوض مطرود ملعون. ولقد أحسن من قال: قل للحسود إذا تَنَفَّسَ طَعْنةً يا ظالمًا وكأنهُ مَظْلُومُ (٢) التاسعة: هذه سورة دالَّةٌ على أن الله سبحانه خالقُ كلِّ شرٍّ، وأمر نبيَّه ◌ُ﴾ أن يتعوَّذ من جميع الشرور. فقال: ((مِنْ شرِّ ما خَلَقَ)). وجعل خاتمة ذلك الحسد، تنبيهاً على عِظمه، وكثرة ضرره. والحاسد عدوُّ نعمة الله. قال بعض الحكماء: بارزَ الحاسد ربه من خمسة أوجه: أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. وثانيها: أنه ساخٌ لِقسمة ربِّه، كأنه يقول: لِمَ قسمتَ هذه القسمة. وثالثها: أنه ضادّ فعلَ الله، أي: إنَّ فضلَ الله يُؤتِيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله. ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خِذلانهم وزوال النعمة عنهم. وخامسها: أنه أعان عدوّه إبليس . وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامةً، ولا ينال عند الملائكة إلا لَعنةً وبَغْضاء، ولا ينال في الخَلْوة إلا جَزَعاً وغمًّا، ولا ينال في الآخرة إلا حُزْناً واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بُعداً ومَقْتاً. ورُوي أن النبيَّ ﴾ قال: ((ثلاثةٌ لا يُستجاب دعاؤهم: آكلُ الحرام، ومُكثِرُ الغِيبة، ومن كان في قلبه غِلٌّ أو حَسَدٌ للمسلمين)) (٣). والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) ٣٩٨/١٩، والحديث ضعيف، وينظر تخريجه فيما سلف. (٢) قائله ابن المعتز، وهو في ديوانه ص ٣٦٤، وفيه: صعدة، بدل: طعنة. (٣) لم نقف عليه. سورة ((الناس)) مِثل ((الفلق)) لأنها إحدى المعوِّذتين. وروى الترمذيّ عن عقبة بن عامر الجُهنيّ عن النبيّ ﴿ قال: ((لقد أنزل اللهُ عليَّ آيَاتٍ لم يُرَ مِثْلُهُنَّ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ إلى آخر السورة، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إلى آخر السورة». قال: هذا حديثٌ حسن صحيح(١). ورواه مسلم(٢). بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿ مَلِكِ النَّاسِ ﴿ إِلَهِ النَّاسِ قوله تعالى: ﴿قُلّ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أي: مالكهم ومُصْلِح أُمورِهم. وإنما ذكر أنه ربُّ الناس، وإن كان ربَّاً لجميع الخَلْق لأمرين : أحدهما: لأن الناس مُعَظَّمون، فَأَعْلَمَ بذكرهم أنه ربُّ لهم وإن عُظّموا . الثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرِّهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يُعيذ منهم. وإنما قال: ﴿مَلِكِ النَّاسِ. إِلَهِ النَّاسِ﴾ لأن في الناس ملوكاً فذكر أنه مَلِكُهُم، وفي الناس من يعبد غيرَه، فذكر أنه إلههم ومعبودُهم(٣)، وأنه الذي يجب أن يُستعاذ به، ويُلْجأ إليه، دون الملوك والعظماء. قوله تعالى: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ يعني: مِن شرِّ الشيطان - والمعنى: من شرِّ ذي الوسواس؛ فحذف المضاف - قاله الفرّاء(٤). وهو بفتح الواو بمعنى الاسم، أي: المُوسوس. ويكسر الواو (١) سنن الترمذي (٢٩٠٢)، وهو في مسند أحمد (١٧٣٠٣). (٢) في صحيحه (٨١٤). (٣) النكت والعيون ٦/ ٣٧٨ . (٤) في معاني القرآن ٣/ ٣٠٢ . ٥٨٠ سورة الناس: الآية ٤ المصدر، يعني الوسوسة. وكذا الزَّلزال والزِّلزال. والوسوسة: حديث النَّفْس. يقال: وَسْوَسَتْ إليه نَفْسُه وَسْوَسةً ووِسَوسَة، بكسر الواو. ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحُليّ: وَسْواس(١). قال ذو الرُّمة: فباتَ يُشِئِزه ثَادٌ ويُسْهِرُهُ وقال الأعشى : تَذَؤُبُ الريحِ وَالوَسْواسُ والهِضَب(٢) تسمع للحَلْي وَسْواساً إذا انصرفَتْ كما استعانَ بريح عِشْرِقٌ زَجِلُ(٣) وقيل: إن الوسواسَ الخَّاس ابنٌ لإبليس، جاء به إلى حواء، ووضعه بين يديها وقال: اكْفُلِيه. فجاء آدم فقال: ما هذا؟ قالت: جاء عدوُّنا بهذا وقال لي: اكْفُليه. فقال: ألم أَقُلْ لكِ: لا تُطيعيه في شيء، هو الذي غرَّنا حتى وقعنا في المعصية؟ وعمد إلى الولد فقطعه أربعةَ أرباع، وعلَّق كلَّ ربع على شجرة، غيظاً له. فجاء إبليس فقال: يا حواء، أين ابني؟ فأخبرته بما صنع به آدم، فقال: يا خَنَّاس، فحيِيَ فأجابه. فجاء به إلى حواء وقال: اكفُليه، فجاء آدم فحرَّقه بالنار، وذَرَّ رمادَه في البحر. فجاء إبليس فقال: يا حوّاء، أين ابني؟ فأخبرته بفعل آدمَ إيَّاه، فذهب إلى البحر، فقال: يا خَنَّاس، فحيي فأجابه. فجاء به إلى حواء الثالثة، وقال: اكفُليه. فنظر إليه آدم، فذبحه وشواه، وأكلاه جميعاً. فجاء إبليس فسألها فأخبرَتْه. فقال: يا خَنَّاس، فحيي فأجابه من جوف آدم وحوّاء. فقال إبليس: هذا الذي أردتُ، وهذا مسكنُك في صدر ولد آدم. فهو مُلتقِمٌّ قلبَ ابن آدم ما دام غافلاً يُوسوس، فإذا ذكرَ الله لفظ قلبه وانخنس. ذکر هذا الخبر الترمذيّ الحكيم في نوادر الأصول بإسناد عن وهب بن منبه(٤). وما أظنه يصح، والله تعالى أعلم. (١) الصحاح (وسوس). (٢) ديوان ذي الرمة ١/ ٩٠، وفيه: تذاؤب، بدل: تذؤُّب. قال شارحه أبو نصر الباهلي: يريد: بات الثور. يُشئزه: يُقلقه. والثّأد: الندى، تذاؤب الريح: هو أن تأتيه الريح من كل وجه. والهضب: المطر. (٣) ديوان الأعشى ص ١٠٥ ، وسلف ٩/ ١٧٥ وينظر شرحه ثمة. (٤) نوادر الأصول ص ٣٥٣ - ٣٥٤، ولا يخفى على القارئ بطلانه.