Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
سورة النصر: الآية ٣
(سبحانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك، اللهمَّ اغفِرْ لي))(١).
وعنها قالت: كان رسولُ الله ◌َ﴾ يُكْثِرُ أن يقولَ في ركوعه وسجوده: ((سُبحانكَ
اللهمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللهمَّ اغفِرْ لِي)»، يتأوّل القرآن(٢).
وفي غير الصحيح: وقالت أُمُّ سَلَمة: كان النبيّ ◌َ﴾ آخرَ أمرِه لا يقوم ولا يقعد،
ولا يجيء ولا يذهب إلا قال: ((سبحان اللهِ وبحمِدِهِ، أَسْتغفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إليه، قال:
((فإنّي أُمِرت بها))، ثم قرأ: ((إِذا جاءَ نصرُ اللهِ والفتحُ)) إلى آخرها(٣).
وقال أبو هريرة: اجتهدَ النبيّ ◌َ﴿ بعد نزولها، حتى تَوَرَّمَت قدماه. ونَحَل جسمه،
وقلَّ تَبَسُّمه، وكَثُرَ بكاؤه. وقال عكرمة: لم يكن النبيّ ﴾ قَطُ أشدَّ اجتهاداً في أمور
الآخرة ما كان منه عند نزولها.
وقال مقاتل: لما نزلت قرأها النبيّ 18 على أصحابه، ومنهم أبو بكر وعمر وسعد
ابن أبي وقاص، ففرِحوا واستبشروا، وبكى العباس، فقال له النبيّ ﴾: ((ما يُبْكِيكَ
يا عَمّ؟)) قال: نُعِيَتْ إليكَ نَفْسُك. قال: ((إنه لكما تقول))؛ فعاش بعدها ستين يوماً، ما
رُئِي فيها ضاحكاً مستبشراً (٤).
وقيل: نزلت في مِنّى بعد أيام التشريق، في حجَّة الوداع(٥)، فبكى عُمر
والعباس، فقيل لهما: إنَّ هذا يومُ فرح، فقالا: بل فيه نَعْيُ النبيِّ ﴾. فقال النبيّ ﴾:
((صَدَقتما، نُعِيت إليّ نفسي)).
وفي البخاريّ وغيره عن ابن عباس قال: كان عمرُ بن الخطاب يَأْذَن لأهل بدر،
ويأذن لي معهم. قال: فَوجَدَ بعضُهم من ذلك، فقالوا: يأذن لهذا الفتى معنا ومن
أبنائنا من هو مِثْله! فقال لهم عمر: إنه مَنْ قد علمتم. قال: فَأَذِنَ لهم ذاتَ يوم، وأَزِنَ
(١) صحيح البخاري (٤٩٦٧)، وأخرجه أحمد (٢٥٩٢٨).
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٦٨)، ومسلم (٤٨٤).
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٧١١ بنحوه، وأورده ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية، وقال: غريب.
(٤) الكشاف ٢٩٥/٤، والنكت والعيون ٣٦١/٥ - ٣٦٢، قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث
الكشاف ص ١٨٩ : ذكره الثعلبي عن مقاتل، وسنده إليه دون الكتاب.
(٥) المحرر الوجيز ٥٣٣/٥ عن ابن عمر رضي الله عنهما.

٥٤٢
سورة النصر: الآية ٣
لي معهم، فسألهم عن هذه السورة ((إذا جاء نصرُ اللهِ والفتح)) فقالوا: أمر الله جلّ
وعزّ نبيَّه ﴿ إذا فُتِحَ عليه أن يستغفره، وأن يتوب إليه. فقال: ما تقول يا ابن عباس؟
قلت: ليس كذلك، ولكن أَخبر اللهُ نبيَّه ◌ِ* حضورَ أجله، فقال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الَّهِ
وَالْفَتْحُ﴾ فذلك علامةُ موتك ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا﴾. فقال
عمر: تلومونني عليه؟! وفي البخاريّ: فقال عمر: ما أعلمُ منها إلا ما تقول(١).
ورواه الترمذيّ، قال: كان عمرُ يسألني مع أصحاب النبيّ 8#، فقال له عبد الرحمن
ابن عوف: أتسألُه ولنا بنون مِثْلُه؟ فقال له عمر: إنه مِنْ حيثُ نعلم. فسأله عن هذه
الآية: ((إذا جاء نصر اللهِ والفتح)). فقلت: إنما هو أجلُ رسولِ الله ◌ِ﴾، أَعْلمَه إِيَّاه،
وقرأ السورةَ إلى آخرها. فقال له عمر: والله، ما أعلمُ منها إلا ما تعلم. قال: هذا
حديثٌ حسنٌ صحيح(٢).
فإن قيل: فماذا يغفر للنبيِّ# حتى يُؤمر بالاستغفار؟ قيل له: كان النبيّ 8# يقول
في دعائه: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطيئَتِي وجَهْلِي، وإِسْرافي في أَمْرِي كُلِّه، وما أنت أعلمُ به
مني. اللهم اغفِرْ لي خَطَئي وعَمْدِي، وجَهْلِي وهَزْلي، وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي
ما قدَّمتُ وما أخرتُ، وما أَعلَنْت وما أسْرَرْت، أنت المُقدِّم وأنت المُؤَخِّر، إنكَ على
كلِّ شيءٍ قَدِير))(٣). فكان ﴿ يستقصر نَفْسَه لعظم ما أنعم الله به عليه، ويرى قُصوره
عن القيام بحق ذلك ذُنُوباً (٤).
ويَحتمِلُ أن يكون بمعنى: كُنْ مُتعلِّقًا به، سائلاً راغباً، متضرعاً على رؤية
التقصير في أداء الحقوق؛ لئلا ينقطع إلى رؤية الأعمال. وقيل: الاستغفار تَعَبُّدٌ،
يجب إتيانُه، لا للمغفرة، بل تعبداً. وقيل: ذلك تنبيهً لأمته، لكيلا يأمنوا ويتركوا
(١) صحيح البخاري (٤٩٧٠)، وأخرجه أحمد (٣١٢٨).
(٢) سنن الترمذي (٣٣٦٢)، وهو عند البخاري (٣٦٢٧).
(٣) أخرجه أحمد (١٩٤٨٩) و(١٩٧٣٨)، والبخاري (٦٣٩٨)، ومسلم (٢٧١٩) من حديث أبي موسى
الأشعري ﴾.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٩٨٠.

٥٤٣
سورة النصر: الآية ٣
الاستغفار. وقيل: ((واستغفره)) أي: استغْفِر لأُمتك.
﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾: أي: على المسبحين والمستغفرين، يتوبُ عليهم
ويرحمهم، ويقبل توبتَهم. وإذا كان عليه الصلاة والسلام وهو معصومٌ يؤمر
بالاستغفار، فما الظنّ بغيره؟ روى مسلم عن عائشة قالت: كان رسولُ الله ◌َ﴿ يُكثر
من قول: ((سبحان الله وَبِحَمْدِهِ، أَستغفِرُ اللهَ وأَتُوبُ إليهِ)). قالت: فقلت: يا رسولَ
الله، أراك تُكثِرُ من قول: ((سبحان اللهِ وبِحَمْدِهِ، أَستغفر الله وأتوبُ إليه؟)) فقال:
(خَبَّرني ربي أني سأرى علامةً في أمتي، فإذا رأيتها أكثرتُ من قول سُبْحان اللهِ
وبِحَمْدِهِ، أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه، فقد رأيتُها: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح
مكة ﴿وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى رِيْنِ اَللَّهِ أَفْوَجًا فَسَيِحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرَةُ إِنَّهُ كَانَ
تَوَّابًا﴾))(١).
وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة بِمِنَّى في حِجَّة الوداع، ثم نزلت ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْهُمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣] فعاش بعدهما النبي ﴿ ثمانين يوماً. ثم
نزلت آية الكَلالة [النساء: ١٧٦]، فعاش بعدها خمسين يوماً. ثم نزلت ﴿لَقَدْ جَكُمْ
رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً. ثم نزلت
﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فعاش بعدها أحداً وعشرين يوماً (٢).
وقال مقاتل: سبعة أيام. وقيل غير هذا مما تقدَّم في ((البقرة)) بيانُهُ(٣)، والحمد لله.
(١) صحيح مسلم (٤٨٤)، وهو في مسند أحمد (٢٤٠٦٥).
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٥/ ٣٦٢ دون ذكر آية الكلالة، ولم ينسبه وقول مقاتل الذي بعده
منه.
(٣) ٤ /٤٢١ .

سورة ((تبت))
وهي مكية بإجماع، وهي خمس آيات
قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ وَتَبَّ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ﴾ في ((الصحيحين)) وغيرهما - واللفظ
لمسلم - عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
ورَهْطَكَ مِنْهُمُ المُخلَصين (١)، خرج رسولُ الله ◌َ﴾ حتى صَعِد الصَّفَا، فهتَفَ:
يا صَباحاه، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فقال: ((يا بني
فُلان، يا بني فلان، يا بني فُلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطَّلِب)) فاجتمعوا
إليه، فقال: ((أَرَأَيْتَكُمْ لو أَخبرتُكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مُصَدِّقيَّ؟»
قالوا: ما جرَّبنا عليك كذباً. قال: ((فإِنِّي نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد)). فقال أبو
لهب: تَبَّا لَكَ، أما جمعتنا إلَّ لهذا، ثم قام، فنزلت هذه السورة ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ
وقَدْ تب)) كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة (٢).
زاد الحُميدي وغيره: فلما سمعت امرأتُه ما نزل في زوجها وفيها من القرآن،
أَتَتْ رسولَ اللـه ﴾ وهو جالسٌ في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر ﴾، وفي يدها
فِهْر (٣) من حجارة، فلما وقفتْ عليه أخذ الله بصرَها عن رسول اللـه ﴾، فلا ترى إلا
أبا بكر. فقالت: يا أبا بكر، إنَّ صاحبك قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدتُه
لَضربتُ بهذا الفِهْر فاه، والله إني لشاعرة:
وأمرَهُ أَبَيْنَا
مُذَمَّماً عَصَيْنَا
وَدِينَه قَلَيْنا
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم ٨٢/٣: ظاهر هذه العبارة أن قوله: ورَهْطك منهم المخلصين كان
قرآناً أُنزل، ثم نُسخت تلاوته.
:
:
(٢) صحيح البخاري (٤٩٧١)، وصحيح مسلم (٢٠٨)، وهو في مسند أحمد (٢٥٤٤). وسلف ٣٣٠/١٧ .
(٣) الفِهْر: الحجر ملء الكف، وقيل: الحجر مطلقاً. النهاية (فهر).

٥٤٥
سورة المسد: الآية ١
ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأَتْك؟ قال: ((ما رأتني، لقد
أخذ اللهُ بصرَها عني)) (١). وكانت قريش إنما تُسمِّي رسولَ اللـه # مُذَمَّماً؛ يسبُّونه،
وكان يقول: ((ألا تعجبون لِما صرفَ الله عني من أذى قريش، يَسُبّون ويهجون مُذمَّماً
وأنا محمد)».
وقيل: إن سببَ نزولها ما حكاه عبد الرحمن بن زيد: أن أبا لهب أتى النبيَّ #
فقال: ماذا أُعْطَى إن آمنتُ بك يا محمد؟ فقال: ((كما يُعْطَى المسلمون)) قال: ما لي
عليهم فضل؟ !. قال: ((وأيُّ شيءٍ تَبْغِي؟)) قال: تَبًّا لهذا من دين، أن أكون أنا وهؤلاء
سواء! فأنزل الله تعالى فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٢).
وقول ثالث حكاه عبد الرحمن بن كيسان قال: كان إذا وفد على النبيِّ # وفدٌ
انطلق إليهم أبو لهب، فيسألونه عن رسول الله ﴾. ويقولون له: أنت أعلمُ به منا.
فيقول لهم أبو لهب: إنه كَذَّاب ساحر. فيرجعون عنه ولا يَلْقَوْنه. فأتى وفد، فَفَعَل
معهم مثل ذلك، فقالوا: لا ننصرف حتى نراه، ونسمعَ كلامه. فقال لهم أبو لهب: إنا
لم نَزَلْ نُعالجه فتَبًّا له وتَعْسًا. فأُخبِر بذلك رسول الله ﴾، فاكتأب لذلك؛ فأنزل الله
تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ)) السورة(٣).
وقيل: إن أبا لهب أراد أن يرميَ النبي :﴿ بحجر، فمنعه الله من ذلك، وأنزل الله
تعالى: ((تبت يدا أبي لهب وتبَّ)) للمنع الذي وقع به.
ومعنى: (تَبَّتْ)): خَسِرَتْ؛ قاله قتادة. وقيل: خابت؛ قاله ابن عباس. وقيل:
ضلَّت؛ قاله عطاء. وقيل: هلكت؛ قاله ابن جُبير. وقال يمان بن رِئاب: صَفِرتْ من
کلی خیر.
حكى الأصمعيّ عن أبي عمرو بن العلاء: أنه لما قُتل عثمان رحمه الله سمع
(١) مسند الحميدي (٣٢٣) بنحوه، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن العربي في أحكام القرآن ١٩٨١/٤ وما
بعده منه، وينظر السيرة النبوية ٣٥٦/١ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٤/ ٧١٤ .
(٣) النكت والعيون ٣٦٤/٥ .

٥٤٦
سورة المسد: الآية ١
الناسُ هاتفاً يقول:
فما آبُوا ولا رَجَعُوا
لقد خَلَّوْكَ وانْصَرَفُوا
فياتَبَّا لِمَا صَنَعُوا(١)
ولم يُوقُوا بنَذْرِهِمُ
وخصَّ اليدين بالتَّباب؛ لأن العمل أكثرُ ما يكون بهما، أي: خَسِرتا وخَسِرَ هو.
وقيل: المراد باليدين نَفْسه. وقد يُعبّر عن النَّفس باليد، كما قال الله تعالى: ﴿بِمَا
قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] أي: نفسك(٢). وهذا مَهْيَع(٣) كلام العرب؛ تُعبِّر ببعض
الشيء عن كلِّه؛ تقول: أصابته يد الدهر، ويدُ الرزايا والمنايا، أي: أصابه كلُّ ذلك.
قال الشاعر:
لَمَّا أَكَبَّتْ يَدُ الرَّزايا عليهِ نادَى ألا مُجِيرُ (٤)
﴿وَتَبَّ﴾ قال الفرّاء(٥): التبُّ الأول: دعاء، والثاني خبر؛ كما يقال: أهلكه اللهُ
وقد هلك. وفي قراءة عبد الله وأبيّ: ((وَقَدْ تَبَّ))(٦).
وأبو لهب اسمه عبد العُزَّى، وهو ابن عبد المطلب، عُّ النبيّ ﴾. وامرأتُه العوراء
أُّ جميل، أخت أبي سفيان بن حرب(٧)، وكلاهما كان شديدَ العداوة للنبيّ ﴾.
قال طارق بن عبد الله المحاربيّ: إني بسوق ذي المَجاز، إذ أنا بإنسان يقول:
((يا أيها الناس، قولوا: لا إلهَ إلّا اللهُ، تُفْلِحُوا»، وإذا رجلٌ خلفه یرمیه، قد أَدمی
ساقيه وعُرقوبيه ويقول: يا أيها الناس، إنه كذابٌ، فلا تُصدقوه. فقلت: مَن هذا؟
(١) النكت والعيون ٥/ ٣٦٤.
(٢) النكت والعيون ٢٦٤/٥ .
(٣) طريق مهيع: واضح واسع بيِّن. اللسان (هيع).
(٤) لم نهتد إلى قائله.
(٥) في معاني القرآن ٢٩٨/٣ .
(٦) سلفت في أول السورة من قراءة الأعمش.
(٧) التعريف والإعلام ص ١٨٨ .

٥٤٧
سورة المسد: الآية ١
فقالوا: محمد، زعم أنه نبيٌّ. وهذا عمُّه أبو لهب يزعُم أنه كذاب(١).
وروى عطاء عن ابن عباس قال: قال أبو لهب: سَحَركم محمد، إن أحدنا ليأكل
الجَذَّعة، ويشرب العُسَّ من اللبن فلا يشبع، وإن محمداً قد أشبعكم من فَخِذ شاة،
وأَرواكم من عُسِّ لبن(٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿أَبِىِ لَهَبٍ﴾ قيل: سُمِّي باللَّهب لحسنه، وإشراق وجهه. وقد
ظنَّ قوم أن في هذا دليلاً على تكنِية المشرك؛ وهو باطل، وإنما كَنَاه الله بأبي لهب
- عند العلماء - لمعانٍ أربعة:
الأول: أنه كان اسمه عبدَ العُزَّى، والعُزَّى: صنم، ولم يُضف الله في كتابه
العبودية إلى صنم.
الثاني: أنه كان بكنيته أشهرَ منه باسمه؛ فصرَّح بها.
الثالث: أن الاسم أشرفُ من الكنية، فحظّه الله عز وجل عن الأشرف إلى
الأنقص؛ إذا لم يكن بُدُّ من الإخبار عنه، ولذلك دعا الله تعالى الأنبياء بأسمائهم،
ولم يَكْنِ عن أحدٍ منهم. ويدلَّك على شرف الاسم على الكنية: أن الله تعالى يُسَمَّى
ولا يُكنى، وإن كان ذلك لظهوره وبيانه؛ واستحالة نسبة الكُنية إليه، لتقدُّسه عنها.
الرابع: أن الله تعالى أراد أن يُحقق نسبته، بأن يدخله النار، فيكون أباً لها؛
تحقيقاً للنسب، وإمضاء للفأل والطَّرة التي اختارها لنفسه. وقد قيل: اسمه كُنيته.
فكان أهله يُسمُّونه أبا لهب، لِتَلُّب وجهه وحسنه؛ فصرفهم الله عن أن يقولوا: أبو
النُّور، وأبو الضياء، الذي هو المشترك بين المحبوب والمكروه، وأجرى على
ألسنتهم أن يُضيفوه إلى لَهَب الذي هو مخصوص بالمكروه المذموم، وهو النار، ثم
حقَّق ذلك بأن يجعلها مَقَرَّه(٣).
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٦١٢، وله شاهد من حديث ربيعة بن عِبَاد الدِّيلي عند أحمد
(١٦٠٢٣).
(٢) أخرج نحوه ابن سعد في طبقاته ١/ ١٨٧ من حديث علي ﴾. والعُسُّ: القدح الكبير. القاموس
(عسس).
(٣) الكلام من أول المسألة إلى هذا الموضع من أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٨٢ .

٥٤٨
سورة المسد: الآية ١
وقرأ مجاهد وحُميد وابن كثير وابن مُخَيْصِن: ((أَبِي لَهْبٍ)) بإسكان الهاء(١). ولم
يختلفوا في (ذَاتَ لَهَبٍ)) أنه مفتوحة؛ لأنهم راعَوْا فيها رؤوس الآي.
الثالثة: قال ابن عباس: لمَّا خلق اللهُ عزَّ وجلَّ القلم قال له: اكتُبْ ما هو كائن،
وكان فيما كتب ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ﴾(٢). وقال منصور: سُئِلَ الحسنُ عن قوله تعالى:
﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾ هل كان في أم الكتاب؟ وهل كان أبو لهب يستطيع ألَّ يصلَى
النار؟ فقال: والله ما كان يستطيع ألّا يصلاها، وإنها لفي كتاب الله من قبل أن يُخْلَق
أبو لهب وأبواه .
ويُؤيِّده قولُ موسى لآدم: أنت الذي خلقَكَ اللهُ بيده، ونفخَ فیك من رُوحه،
وأسكنك جَتَّته، وأَسْجَدَ لك ملائكته، خَيَّيْتَ الناس، وأخْرَجتهم من الجنة. قال آدم:
وأنت موسى الذي اصطفاك بكلامه، وأعطاك التوراة، تَلُومني على أمر كتبه الله عليَّ
قبل أن يخلقَ الله السماواتِ والأرضَ. قال النبيّ ﴾: ((فحجَّ آدمُ مُوسَى))، وقد تقدّم
هذا (٣).
وفي حديث هَمَّام عن أبي هريرة أن آدم قال لموسى: ((بِكُمْ وجدتَ اللهَ كَتَبَ
التوراةَ قبلَ أنْ يَخْلُقَني)»؟ قال: ((بألفي عام)) قال: فهل وجدتَ فيها: ﴿وَعَصَّ عَادَمُ رَبَّهُ
فَغَوَ﴾ قال: ((نعم)) قال: ((أَفتلومني على أمر كتب اللهُ عليَّ أن أفعله من قبل أن أُخلق
بألفي عام)). فحَجَّ آدمُ موسى (٤). وفي حديث طاووس وابن هُرْمز والأعرج عن أبي
هريرة: ((بأربعين عاماً))(٥).
(١) قراءة ابن كثير في السبعة ص ٧٠٠، والتيسير ص ٢٢٥، وقراءة ابن محيصن في المحرر الوجيز
٠٥٣٤/٥
(٢) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٢٠٥/١٤ .
(٣) أخرجه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢)، بنحوه، وسلف ١٤/ ١٥٣، وينظر ما بعده.
(٤) لم نقف على قوله: ((بألفي عام)) من حديث أبي هريرة ، وقد أخرجه ابن النجار في تاريخه - كما في
الدر المنثور ٥٥/١ - من حديث ابن عمر رضي الله عنهما - والذي في صحيح مسلم (٢٦٥٢):
((أربعين سنة)) كما سيأتي بعده.
(٥) حديث طاووس عند أحمد (٧٣٨٧)، والبخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢): (١٣)، وحديث ابن هرمز
والأعرج عند مسلم (٢٦٥٢): (١٥). وسلف ٣٧٥/٥.

٥٤٩
سورة المسد: الآيتان ٢ - ٣
قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ
أي: ما دَفعَ عنه عذابَ الله ما جمع من المال، ولا ما كسب من جاه. وقال
مجاهد: من الولد(١)؛ ووَلد الرجل مِن كَسْبه. وقرأ الأعمش: ((وَمَا اكْتَسَبَ)) ورواه
عن ابن مسعود(٢).
وقال أبو الُفَيل: جاء بنو أبي لهب يختصمون عند ابن عباس، فاقتتلوا، فقام
لِيحجُزَ بينهم، فدفعه بعضهم، فوقع على الفراش، فغضب ابن عباس، وقال:
أَخرجوا عني الكَسْبَ الخبيثَ(٣)؛ يعني ولدَه.
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسولَ اللهِ ﴾ قال: «إنَّ أطيبَ ما أكلَ الرجلُ مِن
كَسْبه، وإنَّ ولدَه من كَسْبه)). خرّجه أبو داود(٤).
وقال ابن عباس: لمَّا أنذر رسولُ اللـه ﴾ عشيرتَه بالنار، قال أبو لهب: إن كان ما
يقول ابنُ أخي حقًّا فإني أفدي نفسي بمالي وولدي، فنزل: ﴿مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا
كَسَبَ﴾(٥).
و((ما)) في قوله: ((مَا أَغْنَى)): يجوز أن تكون نفيًا، ويجوز أن تكون استفهامًا؛
أي: أيُّ شيء أغنى؟ و((ما)) الثانية: يجوز أن تكون بمعنى الذي، ويجوز أن تكون مع
الفعل مصدراً، أي: ما أغنى عنه مالُه وكَسْبه(٦).
قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لٍَ
٣
أي: ذات اشتعال وتلهُّب. وقد مضى في سورة ((المرسلات)) القولُ فيه (٧).
(١) تفسير مجاهد ٢/ ٧٩٣.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٨٧ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٧١٧ .
(٤) في سننه (٣٥٢٨)، وأخرجه أحمد (٢٤٠٣٢).
(٥) ذكره البغوي في تفسيره ٥٤٣/٤ عن ابن مسعود ﴾.
(٦) مشكل إعراب القرآن ٨٥١/٢ .
(٧) ٥٠٨/٢١ .

٥٥٠
سورة المسد: الآيتان ٣ - ٤
وقراءة العامة: ((سَيَضْلَى)) بفتح الياء. وقرأ أبو رجاء والأعمش: بضم الياء.
ورواها محبوب عن إسماعيل عن ابن كثير، وحسين عن أبي بكر عن عاصم(١)،
ورُويت عن الحسن. وقرأ أشهب العُقَيلي وأبو سَمَّال العَدَويّ ومحمد بن السَّمَيْفع:
((سَيُصَلَّى)) بضم الياء، وفتح الصاد، وتشديد اللام(٢)؛ ومعناها: سَيُصَلِّيه الله؛ من
قوله: ﴿وَتَصْلَةُ بَِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤]. والثانية من الإصلاء؛ أي: يُصليه الله؛ من قوله:
فَوْفَ تُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٣٠]. والأُولَى هي الاختيار؛ لإجماع الناس عليها؛
وهي من قوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣].
قوله تعالى: ﴿وَأَمْرَأَتُمُ حَمَّالَةَ اُلْحَطَبِ
قوله تعالى: ﴿وَأَمْرَتُهُ﴾ أم جميل. وقال ابن العربيّ(٣): العوراء أم قبيح، وكانت
عَوْراء . ﴿حَمَّالَةَ اُلْخَطَبِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسُّدّي: كانت تمشي
بالنميمة بين الناس(٤)؛ تقول العرب: فلان يَخْطِب على فلان: إذا وَرَّشَ عليه(٥). قال
الشاعر :
إن بني الأَذْرَمِ حَمَّالو الحَطَبْ هم الوُشاةُ في الرِّضَا وفي الغَضَبْ
عَليهِمُ اللَّعنَةُ تَثْرَى والحَرَبْ(٦)
وقال آخر:
مِنَ البِيض لم تُصْطَدْ على ظَهْرٍ لَأُمةٍ ولم تَمْشِ بين الحيّ بالحَطَبِ الرَّطْبِ(٧)
(١) وهي غير المشهورة عن ابن كثير وعاصم.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٨٧ .
(٣) في أحكام القرآن ٤/ ١٩٨٢ .
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٧٢٠ عن عكرمة ومجاهد وقتادة.
(٥) التوريش: التحريش، وهو الإغراء بين القوم. وتهييج بعضهم على بعض. ينظر اللسان (ورش)
و(حرش).
(٦) النكت والعيون ٦/ ٣٦٧ .
(٧) النكت والعيون ٣٦٧/٦، والكشاف ٤/ ٢٩٧ .

٥٥١
سورة المسد: الآية ٤
يعني: لم تمشٍ بالنمائم، وجعل الحطب رَظْباً لِيدلَّ على التدخين، الذي هو
زيادة في الشرّ. وقال أكثم بن صَيْفِي لِبنيه: إِيَّاكُمْ والنَّميمةَ، فإنها نارٌ مُحْرِقَة، وإنّ
النّمَّام ليَعْمل في ساعة ما لا يَعْمَلُ الساحر في شهر (١). أخذه بعضُ الشعراء فقال:
إنَّ النميمةَ نارٌ وَيْك مُحْرِقَةٌ فَفِرَّ عنها وجانبْ مَنْ تَعاطاها(٢)
ولذلك قيل: نارُ الحقد لا تخبو. وثَبَتَ عن النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم: ((لا
يَدْخُلُ الجنةَ نَمَّامٍ))(٣). وقال: ((ذُو الوَجْهَين لا يكون عند الله وجيهاً))(٤). وقال عليه
الصلاة والسلام: ((مِنْ شَرِّ الناسِ ذُو الوَجْهَين: الذي يَأتِي هؤلاءِ بوَجْهٍ، وهؤلاءٍ
بوَجْهٍ))(٥) .
وقال كعب الأحبار: أصاب بني إسرائيل قحطٌ، فخرج بهم موسى عليه السلام
ثلاثَ مرات يَسْتَسْقُون فلم يُسْقَوا. فقال موسى: ((إلهي عبادُكَ)) فأوحى الله إليه: ((إني
لا أَستجيب لك ولا لمن معك، لأن فيهم رجلاً نمَّاماً، قد أَصَرَّ على النميمة)). فقال
موسى: ((يا رَبِّ مَن هو حتى نُخرجه من بيننا)»؟ فقال: ((يا موسى، أَنهاكَ عن النميمةِ
وأكون نمَّاماً)) قال: فتابوا بأجمعهم، فَسُقوا (٦).
والنميمة من الكبائر، لا خلاف في ذلك؛ حتى قال الفُضَيل بن عياض: ثلاثٌ
تهدُّ العملَ الصالح، ويفطرن الصائم، وَينقُضْن الوضوء: الغِيبة، والنميمة، والكذب.
وقال عطاء بن السائب: ذكرت للشعبيّ قولَ النبيّ ◌َ﴾: ((لا يسكنُ مكةَ(٧) سافكُ
دم، ولا مشَّاء بنميمة، ولا تاجرٌ يُرْبي)) فقلت: يا أبا عمرو، قَرَن النمَّام بالقاتل وآكلٍ
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٧٠، والبيهقي في الشعب (١١١١٤) من قول يحيى بن أبي كثير بلفظ:
يفسد النمام في ساعة ما لا يفسد الساحر في شهر.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٣٢٥)، ومسلم (١٠٥) من حديث حذيفة بن اليمان عه، وسلف ١٨/ ٣٣٢.
(٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وينظر الحديث التالي.
(٥) أخرجه أحمد (٩٩٩٧)، والبخاري (٧١٧٩)، ومسلم (٢٥٢٦) ص ٢٠١١ من حديث أبي هريرة .
(٦) لم نقف عليه.
(٧) في (د) و(م): لا يدخل الجنة.

٥٥٢
سورة المسد: الآية ٤
الربا؟ فقال: وهل تُسفك الدماء، وتُنتَهَبُ الأموال، وتهيج الأمور العِظام، إلا من
أجل النميمة (١).
وقال قتادة وغيره: كانت تُعَيِّر رسولَ الله :﴿ بالفقر. ثم كانت مع كَثْرة مالها تحمل
الحطب على ظهرها؛ لِشدَّة بُخلها، فُعيِّرَتْ بالبخل(٢). وقال ابن زيد والضحاك:
كانت تحمل العِضاه والشوك، فتطرحه بالليل على طريق النبيِّ # وأصحابه؛ وقاله
ابن عباس. قال الربيع: فكان النبيِّ# يَطَؤُه كما يطأُ الحرير.
وقال مُرَّة الهَمْدَانيّ: كانت أمُّ جميل تأتي كل يوم بإبالة من الحَسَك(٣)، فتطرحها
على طريق المسلمين، فبينما هي حاملة ذاتَ يوم حُزْمةً أَعْيَتْ، فقعدت على حجر
لِتستريح، فجذبها المَلَكَ من خلفها فأهلكها. وقال سعيد بن جُبير: حمالة الخطايا
والذنوب، من قولهم: فلان يحتطب على ظهره؛ دليله قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ
أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ (٤).
وقيل: المعنى: حمالة الحطب في النار؛ وفيه بُعْد.
وقراءة العامة: ((حَمَّالَهُ)) بالرفع، على أن يكون خبراً ((وامرأتُه)) مبتدأ. ويكون ((في
جِيدِها حبلٌ من مَسَد)) جملةً في موضع الحال من المضمر في ((حَمالة)). أو خبراً ثانياً.
أو يكون ((حمالة الحطب)) نعتاً لامرأته. والخبر «في جيدِها حبْلٌ مِنْ مَسَد)»، فيوقف
على هذا على ((ذات لهبٍ)). ويجوز أن يكون ((وامرأَتُهُ)) معطوفة على المضمر في
((سيصلى)) فلا يُوقف على ذات لهب ويُوقف على ((وامرأته)) وتكون ((حَمَّالة الحَطَبِ)»
خبر ابتداء محذوف(٥).
(١) أخرج المرفوع منه هناد في الزهد (١٢١٠) وعبد الرزاق في المصنف (٩٢٢٤) عن عبد الرحمن بن
سابط مرسلاً، وأخرج قصة عطاء والشعبي هناد (١٢١١).
(٢) النكت والعيون ٦/ ٣٦٧ بنحوه.
(٣) الإبالة: الحزمة. اللسان (أبل)، والحسك: جمع حسكة، وهي شوكة صلبة. النهاية (حسك).
(٤) هذه الأقوال في تفسير البغوي ٥٤٣/٤ - ٥٤٤ بنحوها ما عدا قول الربيع، وقول مرة الهمداني نسبه
للضحاك.
(٥) الكلام بنحوه في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٩٠، وإعراب القرآن للنحاس ٣٠٦/٥.

٥٥٣
سورة المسد: الآيتان ٤ - ٥
وقرأ عاصم: ((حمالةَ الحَطَب)) بالنصب على الذم(١)، كأنها اشتَهَرَتْ بذلك،
فجاءت الصِّفة للذم لا للتخصيص، كقوله تعالى: ﴿مَّلْعُونِنْ أَيْنَمَا تُقِفُواْ﴾. وقرأ أبو
قِلابة: ﴿حامِلة الخَطَب﴾(٢).
قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَلٍ
۵
قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا﴾ أي: عُنُقِها. وقال امرؤُ القيس:
إذا هي نَصَّتهُ ولَا بِمُعَظَّلٍ (٣)
وجِيدٍ كجيدِ الرِّيمِ ليس بفاحشٍ
﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ أي: من لِيف؛ قال النابغة:
له صَرِيفٌ صَرِيفَ القَعْرِ بِالمَسَدِ (٤)
مُقْذُوفَةٍ بدَخِيس النَّخض بازِلُها
وقال آخر :
يا مَسَدَ الخُوصِ تَعَوَّذْ مِنِّي إِنْ كُنْتُ لَدْناً لَيِّناً فإِنِّي
ما شِئْتَ مِنْ أَشْمَطَ مُقْسَئِنّ(٥)
وقد يكون من جلود الإبل، أو من أوبارها؛ قال الشاعر:
ومَسَدٍ أُمِرَّ مِنْ أَيانِقِ
ليس بِأَنْيَابٍ ولا حَقَائِقِ(٦)
(١) السبعة ص ٧٠٠، والتيسير ص٢٢٥ .
(٢) القراءات الشاذة ص ١٨٧ .
(٣) ديوان امرئ القيس ص ١٦. وسلف صدره ١٤/٣، والبيت من معلقته المشهورة، وقال شارح
الديوان: قوله: نصَّته: مدَّته وأبرزته. والمعطّل: الذي لا حلي عليه.
(٤) ديوان النابغة ص ٣١، قال النحاس في شرح المعلقات ٢/ ١٦١: المقذوفة: المَرْميّة، يصف شدَّتها
واكتنازها، أي: هي مرميَّة باللحم، والدخيس: الذي قد دخل بعضه في بعض من كثرته واكتنازه،
والنحض: اللحم، والبازل: الكبير، والصريف: الصياح، والقَعْو: ما يَضُمُّ البكرة إذا كان خشباً.
(٥) الرجز في إصلاح النطق ص ٥٩ ، والصحاح (مسد). المقسئن: الكهل الشديد الذي لم تَنْقُض السنّ
منه شيئاً. شرح أبيات إصلاح المنطق للسيرافي ص ١٥٥ و١٥٧ .
(٦) الرجز في الصحاح (مسد)، واللسان (مسد). وفيه: ومسد فُتل من أيانق: جمع أَيْثُق، وأَيْنُق جمع ناقة،
والأنياب، جمع ناب، وهي الهرمة، والحقائق جمع حُقَّة، وهي التي دخلت في السنة الرابعة. والرجز
أنشده الأصمعي لعمارة بن طارق، وقال أبو عُبيد: هو لعقبة الهُجيمي، كما في اللسان.

٥٥٤
سورة المسد: الآية ٥
وجمع الجيد أجياد، والمسد أمساد. أبو عبيدة: هو حَبْل يكون من ضروب(١).
قال الحسن: هي حبال من شجر تَنبتُ باليمن تُسمَّى المَسَد، وكانت تُفْتل. قال
الضحاك وغيره: هذا في الدنيا؛ فكانت تُعَيِّرُ النبيَّ :﴿ بالفقر وهي تحتطب في حبل
تجعله في جيدها من ليف، فخنقها اللهُ جلّ وعزَّ به فأهلكها، وهو في الآخرة حَبْل
من نار(٢) .
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: ((في جِيدِهَا حَبْلٌ مِن مَسَدٍ)) قال: سِلسلة
ذَرْعُها سبعون ذراعاً؛ وقاله مجاهد وعروة بن الزبير: تَدْخُل مِنْ فيها، وتَخْرُج من
أسفلها، ويُلْوَى سائرُها على عُنقها. وقال قتادة: ((حَبْلٌ مِن مَسَدٍ)) قال: قِلادة من
وَدَعْ (٣). الوَدَعِ: خرز بيضٌ تخرج من البحر، تتفاوت في الصِّغَرِ والكِبَر. قال الشاعر:
والحِلم حِلْمُ صَبِيِّ يَمْرِث الوَدَعَهْ(٤)
والجمع: وَدَعات: الحسن: إنما كان خَرَزاً في عُنقها. سعيد بن المسيَّب: كانت
لها قِلادة فاخرةٌ من جوهر، فقالت: واللَّاتِ والعُزَّى لأُنفِقَّها في عداوة محمد،
ويكون ذلك عذاباً في جيدها يومَ القيامة. وقيل: إن ذلك إشارةٌ إلى الخِذْلان، يعني
أنها مربوطةٌ عن الإيمان بما سبق لها من الشَّقاء، كالمربوط في جيده بحبل من
(٥)
مسد (٥).
والمَسْد: الفَتْل. يقال: مَسَد حَبْلَه يَمْسُده مَسْدًا، أي: أجاد فَتْلَه. قال:
يَمْسُد أَعْلَى لحمِهِ ويأرِمُهْ
يقول: إن البقل يُقوِّي ظهرَ هذا الحمار ويشده(٦).
(١) في (م): صوف، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في مجاز القرآن ٣١٥/٢.
(٢) تفسير البغوي ٤ / ٥٤٤ بنحوه، وقول الحسن نسبه لابن زيد.
(٣) هذه الأقوال في تفسير الطبري ٢٤/ ٧٢٣ - ٧٢٥، وتفسير البغوي ٤/ ٥٤٤ .
(٤) الصحاح (ودع).
(٥) النكت والعيون ٣٦٨/٦، وتفسير البغوي ٥٤٤/٤ .
(٦) الصحاح (مسد)، والرجز لرؤبة، وهو في ديوانه ص ١٨٦ .

٥٥٥
سورة المسد: الآية ٥
ودابة مَمْسودة الخَلْقِ: إذا كانت شديدةَ الأَسْر. قال الشاعر:
ومَسَدٍ أُمِرَّ مِنْ أَيَانِقِ صُهْبٍ عِتَاقٍ ذاتٍ مُخِّ زاهِقٍ
لَسْنَ بأنيابٍ ولا حَقَائِق(١)
ویروی :
ولا ضعافٍ مُخُّهُنَّ زاهِق(٢)
قال الفراء: هو مرفوع والشعر مُكْفأ(٣). يقول: بل مُخُّهُنَّ مُكتنز؛ رفعه على
الابتداء. قال: ولا يجوز أن يريد: ولا ضعافٍ زاهقٍ مخهنّ. كما لا يجوز أن تقول:
مررتُ برجل أبوه قائم؛ بالخفض. وقال غيره: الزاهق هنا: بمعنى الذاهب؛ كأنه
قال: ولا ضعافٍ مُثُّهُنَّ، ثم ردَّ الزاهق على الضُّعاف.
ورجل ممسود: أي: مجدول الخَلْق. وجارية حسنة المَسْد والعَصْبِ والجَدْلِ
والأَرْم؛ وهي ممسودةٌ ومعصوبةً ومجدولة ومأرومة. والمِساد على فِعال: لغة في
المِسَاب، وهي نِحْيُ السَّمن، وسِقاءُ العسل. قال جميعه الجوهريّ ("
.
وقد اغْتُرِض فقيل: إن كان ذلك حبلَها الذي تحتطب به، فكيفَ يبقى في النار؟
وأُجيب عنه بأن الله عزَّ وجلَّ قادرٌ على تجديده كلما احترق.
والحكم ببقاء أبي لهب وامرأته في النار مشروطٌ ببقائهما على الكفر إلى
الموافاة، فلما ماتا على الكفر صدق الإخبارُ عنهما. ففيه معجزةٌ للنبي #. فامرأته
خنقها الله بحبلها، وأبو لهب رماه الله بالعَدَسة(٥) بعد وقعة بدر بسبع ليال، بعد أن
(١) سلف الرجز قريباً.
(٢) ذكرها الجوهري في الصحاح (زهق)، وما بعده منه.
(٣) الإكفاء في الشعر: هو اختلاف حرف الرَّوي في قصيدة واحدة، وأكثر ما يقع ذلك في الحروف
المتقاربة المخارج. الكافي في العروض والقوافي للتبريزي ص ١٦١ .
(٤) في الصحاح (مسد).
(٥) العدسة: هي بثرة تشبه العدسة، تخرج في مواضع من الجسد، من جنس الطاعون. النهاية (عدس).

٥٥٦
سورة المسد: الآية ٥
شَجَّتْه أمُّ الفضل(١). وذلك أنه لما قَدِمَ الحَيْسُمَانُ مكةَ يُخبر خبرَ بدر، قال له أبو
لهب: أَخْبرني خبرَ الناس. قال: نعم، والله ما هو إلا أَن لَقِينا القومَ، فمنحناهم
أكتافَنا، يضعون السلاح منا حيث شاؤوا، ومع ذلك ما لَمَسْتُ الناس. لقِينا رجالاً
بِيضًا على خيل بُلْق، لا والله ما تُبقي منا؛ يقول: ما تُبقي شيئاً. قال أبو رافع: وكنتُ
غلاماً للعباس أَنحِت الأقداح في صُفَّةِ زمزم، وعندي أمّ الفضل جالسة، وقد سرَّنا ما
جاءنا من الخبر، فرفعتُ طُنُبَ الحُجرة، فقلت: تلك والله الملائكة. قال: فرفع أبو
لهب يده، فضرب وجهي ضَرْبةً مُنْكرة، وثَاوَرْتُهُ، وكنت رجلاً ضعيفاً، فاحتملني،
فضرب بي الأرض، وبَرَك على صدري يَضْربني. وتقدَّمت أمُّ الفضل إلى عمود من
عُمُد الحُجْرة، فتأخذه وتقول: استضعَفتَه أن غاب عنه سيده؟ وتضربه بالعمود على
رأسه فتَفلِقُه شَجَّة مُنْكَرة. فقام يجرُّ رجليه ذليلاً، ورماه الله بالعَدَسة، فمات، وأقام
ثلاثة أيام لم يُدفن حتى أنتن؛ ثم إن ولده غَسَّلُوه بالماء، قَذْفاً من بعيد، مخافَة عَدْوَى
العَدَسة. وكانت قريشٌ تَنَّقيها كما يُتَّقَى الطاعون. ثم احتملوه إلى أعلى مكة. فأسندوه
إلى جدار، ثم رضَموا عليه الحجارة(٢).
(١) هي امرأة العباس رضي الله عنهما، واسمها لبابة بنت الحارث الهلالية، وهي لبابة الكبرى. الإصابة
٢٦٥/١٣.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٩١٢)، والحاكم في المستدرك ٣٢١/٣ - ٣٢٢، وعندهما أن الذي جاء
بخبر المشركين أبو سفيان بن الحارث.

سورة الإخلاص
مكِّيَّةٌ في قول ابن مسعود والحسنٍ وعطاءٍ وعكرمةَ وجابر. ومدنيةٌ في أحد قولي
ابن عباس وقتادةَ والضَّحَّاك والسُّدِّي(١). وهي أربعُ آيَات.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ◌َ اللَّهُ الصََّمَدُ ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ
يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوا أَحَدٌّ @)
قوله تعالى: ﴿قُلُّ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ﴾ أي: الواحدُ الوِتِرُ، الذي لا شبيهَ له، ولا نظيرَ
ولا صاحبة، ولا ولدَ ولا شريك. وأصل «أَحَدٌ)): وَحَدٌ، قُلِبت الواو همزة. ومنه قولُ
النابغة :
بِذي الجَليلِ عَلَى مُسْتَأْنِسٍ وَحَدٍ(٢)
وقد تقدَّم في سورة البقرة الفرقُ بين واحِد وأَحَدٍ، وفي كتاب ((الأَسْنَى في شرح
أسماء الله الحسنى)) (٣) أيضاً مُسْتَوقّى. والحمدُ لله.
و ((أَحَدٌ)) مرفوع، على معنى: هو أَحَدٌ. وقيل: المعنى: قل: الأمرُ والشأن اللـهُ
أَحَد. وقيل: ((أَحَد)) بدلٌ من قوله: ((الله))(٤).
وقرأ جماعة: ((أَحدُ اللهُ)) بلا تنوين(٥)، طلباً للخِفَّة، وفراراً من التقاء الساكنين،
(١) النكت والعيون ٣٦٩/٦، وزاد المسير ٢٦٤/٩.
(٢) ديوان النابغة الذبياني ص ٣١، وهذا عجز البيت، وصدره: كأن رحلي وقد زال النهار بنا. وذو
الجَليل: واد قرب مكة. معجم البلدان ١٥٨/٢ . والمستأنس هو الناظر بعينيه.
(٣) ص ١٦٤ و١٩٥ - ١٩٦ .
(٤) ذكر هذا الوجه ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٦/٥.
(٥) ذكر ابن مجاهد في السبعة ص ٧٠١ أنها قراءة أبي عمرو في رواية هارون عنه، وهي غير المشهورة عنه.

٥٥٨
سورة الإخلاص: الآيات ١ - ٤
ومنه قولُ الشاعر :
ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلاً(١)
﴿اَللَّهُ الصََّمَدُ﴾ أي: الذي يُصْمَد إليه في الحاجات. كذا رَوَى الضَّحاك عن ابن
عباس، قال: الذي يُصْمَد إليه في الحاجات(٢)، كما قال عز وجل: ﴿ثُمَّ إِذَا مَتَكُمُ
الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]. قال أهل اللغة: الصَّمد: السَّيد الذي يُضْمد إليه في
النوازل والحوائج(٣). قال:
أَلَا بَكَّر الناعِي بِخيرٍ بني أَسَدْ
بعمرِو بن مَسْعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ(٤)
وقال قوم: الصَّمَدُ: الدائم الباقي، الذي لم يَزَل ولا يزال(٥).
وقيل: تفسيره ما بعده: ((لمْ يلِدْ ولم يُؤْلَدْ)). قال أُبَيُّ بنُ كَعْب: الصَّمَدُ: الذي لا
يلِدُ ولا يُولَد؛ لأنه ليس شيء يولد(٦) إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا يُورث(٧).
وقال عليٍّ وابنُ عباس أيضاً وأبو وائل شقِيقُ بنُّ سَلَمةَ وسفيان: الصَّمَد: هو
السَّيِّد الذي قد انتهى سُؤدَدُه في أنواع الشَّرف والسُّؤدَد(٨)، ومنه قول الشاعر:
(١) سلف ٣/ ١٥، وصدره: فألفيته غير مُسْتَعْتِب.
(٢) تفسير أبي الليث ٥٢٥/٣، والنكت والعيون ٣٧١/٦، وزاد المسير ٢٦٧/٩ .
(٣) الصحاح (صمد).
(٤) أورده برواية المصنف أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣١٦/٢ ونسبه للأسدي، وابن السكيت في إصلاح
المنطق ص٥٨ ، وابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٦/٥ ولم ينسباه. وذكره برواية: بخيري، بدل:
بخير، الطبري ٢٤/ ٧٣٧، والزجاج في معاني القرآن ٣٧٨/٥ ، والماوردي في النكت والعيون
٣٧١/٦ ولم ينسبوه، والبغدادي في الخزانة ٢٦٩/١١ ونسبه لبنت معبد بن نضلة.
(٥) أورده الماوردي في النكت والعيون ٣٧١/٦ ونسبه للحسن.
(٦) لفظة: يولد، ليست في (م).
(٧) سيأتي تخريجه قريباً عند ذكر المصنف له مطولاً.
(٨) أخرجه عن ابن عباس وأبي وائل الطبري ٧٣٥/٢٤ ، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٨) و(٩٩).
وقول سفيان في النكت والعيون ٦/ ٣٧١ .

٥٥٩
سورة الإخلاص: الآيات ١ - ٤
عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ خُذْهَا حُذَيفَ فأنتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ (١)
وقال أبو هريرة: إنه المستغني عن كلِّ أحد(٢)، والمحتاجُ إليه كلُّ أحد.
وقال السدِّيُّ: إنه المقصودُ في الرغائب، والمستعانُ به في المصائب.
وقال الحسين بن الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
وقال مقاتل: إنه الكاملُ الذي لا عيبَ فيه(٣)، ومنه قول الزِّبرِقان:
سِيروا جميعاً بِنِصفِ الليلِ واعتمِدُوا ولا رَهِينَةَ إِلَّا سَيِّدٌ صَمَدُ(٤)
وقال الحسن وعكرمة والضحاك وابن جُبير: الصَّمَد: المُصْمَتُ الذي لا جَوْف
له(٥)، قال الشاعر:
شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُه عَوَابِسَ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ المُصَمَّدا(٦)
قلت: قد أتينا على هذه الأقوال مُبيَّنةً في الصَّمَد، في كتاب ((الأَسنَى)) وأنَّ
الصحيح منها ما شهد له الاشتقاق، وهو القول الأوّل، ذكره الخَطَّابي.
وقد أسقط مِن هذه السورة مَن أبعده الله وأخزاه، وجَعَل النار مَقامه ومثواه،
وقرأ: (اللهُ الواحدُ الصَّمَدُ)) في الصلاة، والناس يستمعون، فَأَسْقَطَ: ((قُلْ هو))،
وزعم أنه ليس من القرآن. وغيَّر لفظَ ((أَحَدٍ))، وادَّعى أنَّ هذا هو الصواب، والذي عليه
(١) أورده أبو علي القالي في أماليه ٢٨٨/٢، والجوهري في الصحاح (صمد)، وابن فارس في مجمل
اللغة ٥٤١/٢، والماوردي في النكت والعيون ٣٧١/٦ ولم ينسبوه.
(٢) النكت والعيون ٣٧٢/٦، وتفسير الرازي ١٨١/٣٢ .
(٣) قول السُّدِّي والحسين بن الفضل ومقاتل في النكت والعيون ٦/ ٣٧٢، وتفسير الرازي ١٨١/٣٢.
(٤) النكت والعيون ٣٧١/٦ وفيه: ساروا، بدل: سيروا. وألَّا، بدل: ولا. والسيد الصمد، بدل: سيد
صمد. وأورد الشطر الثاني براوية المصنف أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣١٦/٢، والطبري ٢٤/ ٧٣٧ .
(٥) أخرج قولهم الطبري ٢٤/ ٧٣٢ . قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٦/٥ : وفي هذا التفسير نظر؛
لأن الجسم في غاية البعد عن صفات الله تعالى.
(٦) أورده الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٧١، والشَّكيم جمع شكيمة: وهو الحديدة المعترضة في فم
الفرس. القاموس (شكم).

٥٦٠
سورة الإخلاص: الآيات ١ - ٤
الناسُ هو الباطل والمحال، فأبطل معنى الآية؛ لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية
جواباً لأهل الشِّرك لمَّا قالوا لرسول اللـه ﴾: صِفْ لَنَا رَبَّك، أمِن ذهب هو أم مِن
نحاس أم مِن صُفْر؟ فقال الله عزَّ وجلَّ ردًّا عليهم: ((قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ))(١). ففي ((هُوَ))
دلالةٌ على موضع الردِّ، ومكانِ الجواب، فإذا سقط بَطَلَ معنى الآية، وصحَّ الافتراء
على الله عزَّ وجلَّ، والتكذيبِ لرسوله ﴾(٢).
وروى الترمذيُّ عن أُبيِّ بن كعب أنَّ المشركين قالوا لرسول الله ﴾: انْسُبْ لنا
ربَّك، فأنزل الله عز وجل: ((قل هُوَ الله أحد. الله الصمد)). والصَّمَد: الذي لم يلد
ولم يُولَد؛ لأنه ليس شيءٌ يُولَد إلَّا سيموت، وليس شيءٌ يموت إلا سيورَث، وإنَّ الله
تعالى لا يموت ولا يورث. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَّا أَحَدٌ﴾(٣) قال: لم يكن له شبيهٌ
ولا عِدْل، وليس كمثله شيء (٤).
ورُويَ عن أبي العالية أنَّ النبيَّ # ذكر آلهتهم فقالوا: انْسُب لنا رَبَّك. قال: فأتاه
جبريل بهذه السورة ((قُلْ هُوَ الله أحد))، فذكره نحوه، ولم يذكر فيه عن أُبيِّ بن كعب،
وهذا أصحُ. قاله الترمذيّ(٥).
قلت: ففي هذا الحديث إثباتُ لفظ ((قل هو الله أحد)) وتفسيرُ الصَّمَد، وقد تقدَّم.
وعن عكرمةَ نحوه. وقال ابن عباس: (لَمْ يَلِدْ)) كما وَلَدَتْ مَرْيَم، ولم يُولد كما وُلِدَ
عيسى وعُزَيْرٌ. وهو ردٌّ على النصارى، وعلى مَن قال: عُزَيْرٌ ابن الله.
((ولم يكن له كفواً أحد)) أي: لم يكن له مِثْلاً أحد. وفيه تقديمٌ وتأخير، تقديره: ولم
يكن له كُفُواً أحد (٦)، فقدَّم خبر كان على اسمها، لِينساقَ أواخرُ الآي على نظم واحد.
(١) سلف ١/ ١٣٣.
(٢) ذكر المصنف هذا الكلام في سورة البقرة ١٢٨/١ و١٣٣.
(٣) وقع في (ظ): كفؤاً، بالهمز. وسنذكر قريباً الأوجه فيها وصاحب كل وجه.
(٤) سنن الترمذي (٣٣٦٤)، وأخرجه أحمد أيضاً (٢١٢١٩) مختصراً، وفي إسنادهما أبو سعد محمد بن
مُيَسَّر الصاغاني، وأبو جعفر الرازي وهو عيسى بن عبد الله بن ماهان، وهما ضعيفان. كما في التقريب.
(٥) أخرجه الترمذي (٣٣٦٥) وفيه أيضاً أبو جعفر الرازي وهو ضعيف كما بينا.
(٦) كذا في النسخ، والصواب أن يقول: تقديره: ولم يكن له أحدٌ كفواً. وينظر تفسير البغوي ٥٤٥/٤ .