Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
سورة الفيل: الآية ١
حاجتي أن يردّ عليَّ الملك مئتي بعيرٍ أصابها لي. فلمَّا قال له ذلك، قال أبرهة
لتُرْجُمانه: قل له: لقد كنتَ أعجبتني حين رأيتُك، ثم قد زهِدْتُ فيك حين كلَّمتني،
أَتكلِّمني في مئتي بعيرٍ أَصَبْتُها لك، وتتركُ بيتاً هو دينُك ودينُ آبائك، قد جئتُ لهدمه،
لا تكلِّمُني فيه؟! فقال له عبد المطلب: إنّي أنا ربُّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعُه.
قال: ما كان لِيمتنعَ مِنِّي! قال: أنت وذاك. فردّ عليه إبلَه.
وانصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة
والتحرُّرِ في شَعَف الجبال والشِّعاب؛ تخوُّفاً عليهم مَعَرَّةَ الجيش(١). ثم قام عبد
المطلب فأخذ بحلقةِ بابِ الكعبة، وقام معه نَفَرٌ من قريش يدعون الله ويستنصرونه
على أبرهةَ وجندِه، فقال عبد المطلب وهو آخذٌ بحلقةِ بابِ الكعبة:
ـنعُ رَحْلُه فامنعْ حِلالكْ
لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْـ
ومِحالُهُمْ عَدْوًا مِحالَكْ
لا يَغْلِبَنَّ صَليبُهُمْ
ـدتنا(٢) فأمرٌ ما بدالك(٣)
إنْ كنتَ تارِكهم وبلـ
يقول: أي شيء ما بدا لك لم تكن تفعلُه بنا(٤). والحِلال: جمع حِلّ(٥).
والمِحال: القوَّة. وقيل: إنَّ عبد المطلب لمَّا أخذ بحلقةِ بابِ الكعبةِ قال:
(١) أي: شدته. وقوله: وشعف الجبال، أي: رؤوسها، والشعاب: المواضع الخفية بين الجبال. الإملاء
المختصر ٨٨/١ .
(٢) في النسخ عدا (د): إن يدخلوا البلد الحرام، والمثبت من (د). وجاء في سيرة ابن هشام: إن كنت
تاركهم وقبلتنا. وفي السير والمغازي لابن إسحاق ص ٦٢ :
غداً فأمر ما بدالك
إن يدخلوا البلد الحرام
(٣) قال ابن هشام: هذا ما صح له منها. ووقع في (د) زيادة: جروا جميع جيوشهم والفيل كي يسبوا عيالك
قصدوا حماك بكيدهم عدواً وما رقبوا جلالك. وهذه الزيادة ذكرها ابن الجوزي ٩/ ٢٣٤ باختلاف يسير.
(٤) السير والمغازي ص ٦٢، ودلائل النبوة للبيهقي ١١٩/١.
(٥) وذكر أبو ذر الخشني في الإملاء المختصر ٨٨/١ أن الحلال - بكسر الحاء - جمع حِلَّة، وهي جماعة
البيوت. وقال السهيلي في الروض الأنف ٧٠/١ : الحلال في هذا البيت: القوم الحلول في المكان،
والحلال أيضاً: متاع البيت، وجائز أن يستعيره ههنا.

٤٨٢
سورة الفيل: الآية ١
يا ربِّ فامنعْ منهمُ حِماکا
يا رَبِّ لا أرْجُولَهِمْ سِواكا
إِنَّهِمُ لن يَقْهَروا قُوَاكا(١)
إنَّ عدوَّ البيتِ مَن عاداكا
وقال عكرمةُ بن عامر بنِ هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي :
الآخِذَ الهَجْمَةَ فيها التَّقْلِيذْ
لاهُمَّ أخْزِ الأسودَ بن مقصود
يحبسها وهي أولاتُ التَّطْريدْ
بين حراءٍ وثَبِيرٍ فالبِيذْ
قَدْ أَجْمَعُوا أَلَّا يكون مَعْبُودْ
فضَمَّها إلى طَماطِمِ سُودْ
والمرْوَتَينِ والْمَشَاعِرَ السُّودْ
ويهدموا البيتَ الحرامَ المَعمُودْ
أَخْفِرْه يا ربِّ وأنت محمودُ (٢)
قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حَلْقةَ بابِ الكعبة، ثم انطلق هو ومَن
معه من قريش إلى شَعَف الجبال، فتحرَّزوا فيها ينتظرون ما أبرهةٌ فاعلٌ بمكةً إذا
دخلها. فلمَّا أصبح أبرهةُ تهيَّأ لدخول مكةً، وهيَّأ فيلَه، وعبَّأ جيشه، وكان اسم الفيل
محموداً، وأبرهةُ مُجْمِعٌ لهدم البيت، ثم الانصرافِ إلى اليمن. فلمَّا وجَّهوا الفيلَ إلى
مكة، أقبل نُفَيْل بن حبيب، حتى قام إلى جَنْبِ الفيل، ثم أخذ بأُذنه فقال له: ابْرُكْ
محمودُ، وارجع راشداً من حيث جئتَ، فإنَّك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أُذُنَه،
فبرك الفيل(٣). وخرج نُفيل بن حبيب يشتدُّ، حتى أَصْعدَ في الجبل. وضربوا الفيلَ
(١) السير والمغازي لابن إسحاق ص ٦٤، وتفسير الطبري ٢٤/ ٦٤١، والبيت الأخير فيه برواية: امنعهم
أن يخربوا قراکا.
(٢) النكت والعيون ٣٣٩/٦، وهي في سيرة ابن هشام ١/ ٥١ دون قوله: قد أجمعوا ... السود.
الهجمة: القطعة من الإبل، قيل: ما بين الخمسين إلى الستين. وقوله: فيها التقليد، أي: في أعناقها
قلائد. وحراء وثبير جبلان بمكة. والبيد جمع بيداء، وهي القفر. والطماطم: الأعاجم، واحدهم:
طُمْطُمان. وقوله: أخفره، أي: انقض عهده، فلا تؤمِّنه. ينظر الروض الأنف ٧١/١ ، والإملاء
المختصر ٨٩/١ .
(٣) قال السهيلي في الروض الأنف ١/ ٧١: قوله: فبرك الفيل، فيه نظر؛ لأن الفيل لا يبرك، فيحتمل أن
يكون بروكه: سقوطه إلى الأرض لمَا جاءه من أمر الله سبحانه، ويحتمل أن يكون فَعَلَ فِعْلَ البارك
الذي يلزم موضعه ولا يبرح، فعبَّر بالبروك عن ذلك.

٤٨٣
سورة الفيل: الآية ١
ليقومَ فأبى، فضربوا في رأسه بالطَّبرزِين(١) ليقوم فأَبى؛ فأدخلوا محاجِنَ (٢) لهم في
مرَاقٌه فَبَزَغوه بها(٣) ليقوم، فأبى، فوجَّهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يُهَروِلُ، ووجَّهوه
إلى الشام ففَعَلَ مثل ذلك، ووجَّهوه إلى المَشْرِق ففعل مثل ذلك، ووجَّهوه إلى مكة
فبرك. وأرسل الله عليهم طيراً من البحر، أمثالَ الخطاطيفِ والبَلَسان(٤)، مع كلِّ طائرٍ
منها ثلاثةُ أحجارٍ يحملها: حجرٌ في مِنقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحِمَّصِ
والعَدَس، لا تصيبُ منهم أحداً إلَّا هلك، وليس كلَّهم أصابتْ. وخرجوا هاربين
يبتدرون الطريقَ التي جاؤوا منها، ويسألون عن نُفيل بن حبيب ليدلَّهم على الطريق إلى
اليمن، فقال نفيل بنُ حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نِقْمَتِه :
والأَشْرَمُ المغلوبُ ليس الغالبُ
أين المَفَرُّ والإلهُ الطَّالبُ
وقال أيضاً :
وخِفْتُ حِجارَةً تُلْقَى علينا
حَمِدْتُ الله إذ أَبْصَرْتُ طَيْراً
كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشان دَيْنا
فكلُّ القومِ يسألُ عن نُفَيلٍ
فخرجوا يتساقطون بكلِّ طريق، ويهلِكون على كلِّ سَهْل(٥)، وأُصيب أَبرهةُ في
جسده، وخرجوا به معهم يسقطُ أنملةً أنملةً، كلَّما سقطت منه أنملةٌ أَتْبَعتْها منه مِدَّةً
تمثُّ قيحاً ودمًا (٦)؛ حتى قدموا به صنعاءَ وهو مثلُ فرخ الطائر، فما مات حتى انْصَدَع
(١) آلةٌّ مُعَقَّفةٌ من حديد. الإملاء المختصر ٨٩/١ .
(٢) جمع مِحْجَن، وهي عصاً معوجَّةٌ، وقد يجعل في طرفها حديد. الإملاء المختصر ٨٩/١ .
(٣) أي: شرطوه بالحديد الذي في تلك المحاجن. وقوله: في مراقِّه، يعني في أسفل بطنه. الإملاء
المختصر ٨٩/١ .
(٤) ضَرْبان من الطير. الإملاء المختصر ١ /٨٩ - ٩٠.
(٥) في سيرة ابن هشام وتفسير الطبري: منهل، ووقع في السيرة: ويهلكون بكل مهلك على كل منهل. قال
أبو ذر الخشني في الإملاء المختصر ص ٩٠ : المنهل موضع ورود الماء، وجمعه مناهل.
(٦) قوله: تمث، أي: تسيل، وقيل: ترشح. الإملاء المختصر ٩٠/١ . وقال السهيلي في الروض الأنف
٧٣/١: تمُث وتمِث بالضم والكسر، فعلى رواية الضم يكون الفعل متعدياً، ونصب قيحاً على
المفعول. وعلى رواية الكسر يكون غير متعدٍّ، ونصب قيحاً على التمييز في قول أكثرهم.

٤٨٤
سورة الفيل: الآية ١
صدرُه عن قلبه، فيما يزعمون.
وقال الكلبيُّ ومقاتل بنُ سليمان - يزيدُ أحدُهما وينقص -: سببُ الفيلِ ما رُوي أنَّ
فِتْيَةً من قريش خرجوا تجاراً إلى أرض النجاشيِّ، فنزلوا على ساحل البحر إلى بِيعةٍ
للنصارى، تسمِّيها النصارى الهَيْكل، فأَوْقَدوا ناراً لطعامهم وتركوها وارْتَحَلوا، فهَبَّتْ
ريحٌ غاصفٌ على النار فأضرمت(١) البِيعةَ ناراً فاخْتَرقتْ، فأتى الصَّرِيخُ إلى النجاشيِّ
فأخبره، فاستشاط غضباً. فأتاه أبرهةُ بنُ الصَّبَّاح وحُجْر بن شراحيل(٢) وأبو يَكْسوم
الكِنْديون؛ وضَمِنوا له إحراقَ الكعبةِ وسَبْيَ مكة. وكان النجاشيُّ هو الملك، وأبرهةٌ
صاحبُ الجيش، وأبو يكسوم نديمُ الملك، وقيل: وزيره(٣)، وحُجْر بن شراحيل من
قوَّاده. وقال مجاهد: أبو يكسوم هو أبرهةُ بن الصباح. فساروا ومعهم الفيل. قال
الأكثرون: هو فيلٌ واحد. وقال الضحاك: هي ثمانيةُ فِيَلَة. ونزلوا بذي المَجاز(٤)،
واستاقوا سَرْحَ مكةً، وفيها إبلُ عبدِ المطلب. وأتى الراعي نذيراً، فصعد الصفا
وصاح: واصباحاه! ثم أخبر الناس بمجيء الجيشِ والفيل. فخرج عبد المطلب،
وتوجّه إلى أبرهة، وسأله في إبله.
واختُلِف في النجاشيِّ، هل كان معهم؟ فقال قوم: كان معهم. وقال الأكثرون:
لم یکن معهم.
وبصُر(٥) أهلُ مكةَ بالطير قد أقبلت من ناحية البحر، فقال عبد المطلب: إنَّ هذه
الطيرَ غريبةٌ بأرضنا، وما هي بنَجْديةٍ ولا تِهاميةٍ ولا حجازية، وإنَّها أشباهُ
(١) في (ظ): فاضطرمت.
(٢) في (م): شرحبيل، وفي (د): سرجيل، في الموضعين.
(٣) في النسخ: وزير، والمثبت من النكت والعيون ٦/ ٣٤٠، والكلام منه.
(٤) موضع سوق على ناحية كبكب، على فرسخ من عرفة، كانت تقوم في الجاهلية ثمانية أيام. معجم
البلدان ٥/ ٥٥ .
(٥) في (د) و(م): ونظر.

٤٨٥
سورة الفيل: الآية ١
اليَعاسيب(١). وكان في مناقيرها وأرجلها حجارةٌ، فلمَّا أطلَّت(٢) على القوم ألقتها
عليهم، حتى هلكوا. قال عطاء بن أبي رباح: جاءت الطير عشيةً، فباتت، ثم
صبَّحَتْهم بالغَداةِ فرمَتْهم(٣).
وقال الكلبيُّ: في مناقيرها حصّى كحصى الخَذْفِ، أمامَ كلِّ فرقةٍ طائرٌ يقودُها،
أحمرُ المِنقار، أسودُ الرأس، طويلُ العنق. فلمَّا جاءت عَسْكَرَ القومِ وتَوافَتْ، أَهالَتْ
ما في مناقيرها على مَن تحتَها، مكتوبٌ على كلِّ حجرٍ اسمُ صاحبِهِ المقتولِ به. وقيل :
كان على كلِّ حجر مكتوبٌ: مَن أطاع الله نجا، ومَن عصاه غَوَى. ثم انصاعت راجعةً
من حیث جاءت.
وقال العَوفيُّ: سألتُ عنها أبا سعيد الخُدْرِيَّ، فقال: حمامُ مكةَ منها(٤).
وقيل: كان يقع الحجرُ على بيضة أحدِهم فيخرقها ويقع في دماغه، ويخرقُ الفيلَ
والدابَّة. ويغيب الحجر في الأرض من شذّة وَقْعِه.
وكان أصحابُ الفيل ستِّين ألفاً، لم يرجع منهم أحدٌ إلَّا أميرُهم، رجع ومعه
شِرذمةٌ لطيفة. فلمَّا أَخَبَروا بما رَأَوْا هَلَكوا.
وقال الواقديُّ: أبرهةُ جدُّ النجاشيّ الذي كان في زمان رسولِ الله ◌ِ﴾(٥).
وأبرهةُ هو الأشرمُ، سمِّي بذلك لأنَّه تَفَاتَنَ مع أرياط، حتى تَزاحَفًا، ثم اتَّفقا
على أن يلتقيا بشَخْصَيْهما، فَمَن غَلَب فله الأمرُ. فتبارزا، وكان أَرْياطُ جسيماً عظيماً،
في يده حربةٌ، وأبرهةُ قصيراً حادِراً (٦)، حليماً ذا دينٍ في النصرانية، ومع أبرهةَ وزيرٌ
(١) اليعسوب: أمير النحل. القاموس (عسب).
(٢) في (د): أقبلت.
(٣) النكت والعيون ٦/ ٣٤٠ - ٣٤١.
(٤) النكت والعيون ٣٤١/٦، والكشاف ٢٨٦/٤.
(٥) النكت والعيون ٣٤١/٦، وذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص ٤٤٩ وزاد: وآمن به.
(٦) الحادر: السمين. اللسان (حدر).

٤٨٦
سورة الفيل: الآية ١
له يقال له: عتودة، فلمَّا دَنَوْا ضرب أرياط بحربته رأسَ أبرهة، فوقعت على جبينه،
فَشَرمَتْ عينَه وأنفه وجبِينه وشفته؛ فلذلك سُمِّي الأشرم. وحمل عتودةٌ على أرياط
فقتله. فاجتمعت الحبشةُ لأبرهة، فغضب النجاشيُّ، وحلف ليَجُزَّنَّ ناصيةَ أبرهةَ،
ويَطَأنَّ بلادَه. فجزَّ أبرهةُ ناصيته، وملأ مِزودًا من تراب أرضه، وبعث بهما إلى
النجاشيِّ، وقال: إنَّما كان عبدَك، وأنا عبدُك، وأنا أَقْوَمُ بأمر الحبشة، وقد جززتُ
ناصيتي، وبعثتُ إليك بترابٍ أرضي لتطأه وتبرَّ في يمينك، فرضي عنه النجاشيّ(١). ثم
بنى أبرهةُ كنيسةً بصنعاء لَيَصْرِفَ إليها حجَّ العرب؛ على ما تقدَّم.
الرابعة: قال مقاتل: كان عامُ الفيلِ قبلَ مولدِ النبيِّ# بأربعين سنةً. وقال
الكلبيُّ وعُبيد بن عمير: كان قبل مولدِ النبيِّ ﴾ بثلاثٍ وعشرين سنة(٢). والصحيحُ ما
روي عن النبيِّ أنَّه قال: ((وُلدتُ عامَ الفِيلِ)). وروي عنه أنه قال: ((يومَ الفِيل)).
حكاه الما وَرْدِيُّ في التفسير له(٣). وقال في كتاب «أعلام النبوّة (٤)): ولِد رسولُ الله ◌ِ﴾
يومَ الاثنين الثاني عَشَر من ربيع الأوّل، وكان بعد الفيلِ بخمسين يومًا. ووافق من
شهورِ الروم العشرين من أشباط(٥)، في السنة الثانية عَشْرَة من ملكِ هُرْمُز بن
أنوشروان. قال: وحكى أبو جعفر الطبريُّ(٦) أنَّ مولد النبيِّ﴾ كان لاثنتين وأربعين
(١) سيرة ابن هشام ١ / ٤١ - ٤٢، وعرائس المجالس ص ٤٤٣ - ٤٤٤ .
(٢) عرائس المجالس ص ٤٤٩، والنكت والعيون ٣٣٨/٦ .
(٣) النكت والعيون ٣٣٨/٦، وأخرج الرواية الأولى البيهقي في دلائل النبوة ١/ ٧٥ عن ابن عباس
رضي الله عنهما بلفظ: ولد النبي # عام الفيل. وكذا أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٠١/١ إلا أن فيه:
يوم الفيل، وهي الرواية الثانية، وزاد ابن سعد: يعني عام الفيل. وقد ثبتت ولادة النبي # في عام
الفيل عن غير واحد من الصحابة وغيرهم، ينظر طبقات ابن سعد ١/ ١٠٠ - ١٠١، ودلائل النبوة للبيهقي
٧٥/١ - ٧٩. وقال ابن عبد البر في الاستذكار ٢٢٥/٢٦: لا خلاف بين العلماء بالسير والآثار أن
رسول الله # ولد عام الفيل.
(٤) ص ٢٧٠ - ٢٧١ .
(٥) في أعلام النبوة: شباط، وكلاهما صواب، وكذلك سُباط بالسين. ينظر التاج (سبط)، وصبح الأعشى
٣٩٢/٢.
(٦) في تاريخه ٢/ ١٥٤.

٤٨٧
سورة الفيل: الآية ١
سنةً من ملك أنوشروان.
وقد قيل: إنَّه عليه الصلاة والسلام حملتْ به أمُّه آمنةُ في يوم عاشوراءَ من
المحرَّم، وولد يومَ الاثنين لاثنتي عَشْرةَ ليلةٌ خَلَتْ من شهر رمضان(١)، فكانت مدَّةٌ
حملِهِ ثمانيةً أشهرٍ كَمَلاً ويومين من التاسع.
وقيل: إنَّه ولد يومَ عاشوراءَ من شهر المحرم؛ حكاه ابن شاهين أبو حفص (٢)،
في ((فضائلِ يومٍ عاشوراءَ)، له.
ابن العربيّ(٣): قال ابن وهب عن مالك: وُلد رسولُ اللـهِ ﴾ عامَ الفيل، وقال
قيس بن مَخْرَمَةَ: ولدتُ أنا ورسولُ اللـه :﴿ عامَ الفيل(٤). وقد روى الناس عن مالك
أنه قال: من مروءة الرجل ألَّا يُخْبِر بسنِّه؛ لأنَّه إنْ كان صغيرًا استَحْقَروه وإنْ كان
كبيراً استَهْرَموه. وهذا قولٌ ضعيف؛ لأنَّ مالكاً لا يُخبِرُ بسنِّ رسولِ الله ◌ِ﴾ ويكتم
سِنَّه، وهو من أعظم العلماءِ قدوةً به. فلا بأسَ بأن يخبر الرجلُ بسنِّه كان كبيراً أو
صغيراً.
وقال عبد الملك بن مروان لقَبَاث بنٍ أَشْيَم(٥): أنت أكبرُ أم النبيُّ﴾؟ فقال:
النبيُّ # أكبرُ مِنِّي، وأنا أسنُّ منه؛ وُلد النبيُّ﴾ عامَ الفيل، وأنا أدركتُ سائسَه وقائدَه
أَعْمَيَيْن مُفْعَدين يستطعمان الناس(٦).
وقيل لبعض القضاة: كم سنُّك؟ قال: سنُّ عَتَّاب بنٍ أَسيد حين ولَّاه النبيُّ *
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٦٦/٣ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(٢) هو عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي الواعظ، صاحب التفسير الكبير، توفي سنة (٣٨٥هـ). السير
١٦/ ٤٣١ .
(٣) في أحكام القرآن ١٩٦٨/٤.
(٤) أخرجه أحمد (١٧٨٩١)، والترمذي (٣٦١٩) وقال: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث
محمد بن إسحاق.
(٥) في النسخ: لعتاب بن أسيد، والمثبت من المصادر - على ما يأتي - وهو الصواب.
(٦) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والثاني (٩٢٧)، والطبراني في الكبير ١٩/ (٧٥)، وأبو نعيم في دلائل
النبوة (٨٤)، والبيهقي في الدلائل ٧٨/١، ووقع في هذه المصادر: وتنبئ على رأس أربعين من الفيل،
بدل قوله: وأنا أدركت سائسه ... ، وقد روي هذا عن عائشة رضي الله عنها كما سيرد.

٤٨٨
سورة الفيل: الآيتان ١ - ٢
مكةَ. وكان ستُّه يومئذٍ دون العشرين(١).
الخامسة: قال علماؤنا: كانت قصةُ الفيلِ فيما بعدُ من معجزات النبيِّ ﴾، وإن
كانت قبلَه وقبل التحدِّي؛ لأنَّها كانت توكيداً لأمره، وتمهيداً لشأنه. ولمَّا تلا عليهم
رسول اللـه* هذه السورة، كان بمكةَ عددٌ كثيرٌ ممن شهد تلك الوَقْعةَ؛ ولهذا قال:
((ألم تر))، ولم يكن بمكةً أحدٌ إلَّا وقد رأى قائدَ الفيلِ وسائقَه أعميين يتكفَّفان الناس.
وقالت عائشةُ رضي الله عنها مع حَداثةِ سنِّها: لقد رأيتُ قائدَ الفيلِ وسائقَه أعميَيْن
يستطعمان الناس(٢).
وقال أبو صالح: رأيتُ في بيتِ أمِّ هانئ بنتِ أبي طالب نحوًا من قفيزين من تلك
الحجارة، سوداً مخططةً بحُمْرةٍ(٣).
قوله تعالى: ﴿أَلَّمْ بَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِلٍ
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ بَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ أي: في إبطالٍ وتضييع؛ لأنَّهم أرادوا
أن يكيدوا قُريشاً بالقتل والسبي، والبيتَ بالتخريبِ والهَدْم. فحُكي عن عبد المطلب
أنَّه بعث ابنَه عبدَ الله على فرسٍ له، ينظر ما لَقُوا من تلك الطير، فإذا القومُ
مُشَدَّخون(٤) جميعاً، فرجع يركضُ فرسه، كاشفاً عن فخذه، فلمَّا رأى ذلك أبوه
قال: إنَّ ابني هذا أفرسُ العرب، وما كَشَفَ عن فخذه إلَّا بشيراً أو نذيراً. فلمَّا دنا من
ناديهم بحيث يُسْمِعُهم الصوتَ، قالوا: ما وراءك؟ قال: هَلَكوا جميعاً. فخرج
عبد المطلب وأصحابُه، فأخذوا أموالهم. وكانت أموالُ بني عبدِ المطّلبِ منها، وبها
تَكامَلَتْ رياسةُ عبدِ المطّلب؛ لأنَّهِ احْتَمَل ما شاء من صفراءَ وبيضاء، ثم خرج أهلُ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤ /١٩٦٨ .
(٢) أخرجه ابن إسحاق في السير والمغازي ص ٦٥ ، والبزار (١١٧٦ - كشف). وهو في سيرة ابن هشام
٥٧/١ . ووقع في هذه المصادر: وسائسه، بدل: وسائقه.
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٤٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣٩٦/٦ لابن مردويه
وأبي نعيم.
(٤) في النسخ: مشدخين، والمثبت من المصادر، على ما يأتي.

٤٨٩
سورة الفيل: الآيتان ٢ - ٣
مكة بعده ونهبوا (١).
وقيل: إنَّ عبد المطلب حَفَر حفرتين فملأهما من الذهب والجوهر، ثم قال لأبي
مسعودٍ الثقفيِّ - وكان خليلاً لعبد المطلب ــ: اختَرْ أيَّهما شئت. ثم أصاب الناسُ من
أموالهم حتى ضاقوا ذرعاً (٢)، فقال عبد المطلب عند ذلك:
وقد رَعَوا بمكةَ الأَجْبالا
أنتَ مَنَعْتَ الحُبْشَ والأَقْيالا
وكلَّ أمرٍ لهمُ مِعضَالَا
وقد خَشِينا منهمُ القتالا
شُكْرًا وحَمْدًا لك ذا الجلالا(٣)
قال ابن إسحاق: ولمَّا ردَّ الله الحَبَشةَ عن مكةَ عَظّمت العرب قريشاً، وقالوا:
[هم] أهلُ الله، قاتَلَ عنهم، وكفاهم مؤونةَ عدوّهم(٤). وقال عبد الله بن عمرو بن
مخزوم في قصة أصحاب الفيل:
أنت حَبَسْتَ الفيلَ بالمُغَمَّسِ
أنت الجليلُ ربَّنا لم تُدْنِسٍ
حَبَسْتَه في هيئة المُكَرْكَسِ
من بعد ما هَمَّ بشرٌّ مُبْلِس
وما لهم من فَرَجٍ ومنفسٍ(٥)
والمكَرْكَس: المنكوس المطروح.
قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَبْرًّا أَبَابِيلَ
٣
قال سعيد بن جبير: كانت طيراً من السماء لم يُرَ قبلها ولا بعدها مثلُها(٦).
(١) النكت والعيون ٦/ ٣٤١، وهو قطعة من خبر طويل في قصة الفيل أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة
(٨٦) عن عثمان بن المغيرة.
(٢) ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص ٤٤٨، والبغوي ٤ /٥٢٨ عن مقاتل مطولاً .
(٣) دلائل النبوة لأبي نعيم (٨٦)، والنكت والعيون ٦/ ٣٤٢. ووقع في (د) و(ز) و(ظ) والدلائل:
الجيش، بدل: الحبش.
(٤) سيرة ابن هشام ١ / ٧٥، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٥) النكت والعيون ٦/ ٣٤٠ .
(٦) النكت والعيون ٦/ ٣٤٢.

٤٩٠
سورة الفيل: الآية ٣
وروى جويبِر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول:
((إنَّها طيّرٌ بين السماءِ والأرضِ تُعَشِّشُ وتُفَرِّخ))(١).
وعن ابن عباس: كان لها خراطيمُ كخراطيم الطير، وأَكُفِّ كَأَكُفُ الكلاب(٢).
وقال عِكرمةُ: كانت طيراً خُضْرًا، خرجت من البحر، لها رؤوسٌ کرؤوسٍ
السِّباع، ولم تُرَ قبلَ ذلك ولا بعده(٣). وقالت عائشةُ رضي الله عنها: هي أَشْبهُ شيءٍ
بالخطاطيف(٤). وقيل: بل كانت أشباه الوطاويط، حمراءَ وسوداء(٥).
وعن سعيد بن جبير أيضًا: هي طيرٌ خُضْرٌ لها مَناقيرُ صُفْرٌ(٦). وقيل: كانت بِيضًا.
وقال محمد بن كعب: هي طيرٌ سودٌ بَخْريَّةٌ، في مناقيرها وأظفارِها الحجارة(٧).
وقيل: إنَّها العنقاءُ المُغْرِبُ التي تُضْرَبُ بها الأمثالُ؛ قاله عِكرمة(٨).
((أبابِيل)) أي: مجتمعة. وقيل: مُتتابعة، بعضُها في إثْرِ بعضٍ؛ قاله ابن عباس
ومجاهد. وقيل: مختلفة متفرِّقة، تَجيءُ من كلِّ ناحيةٍ، من هاهنا وهاهنا؛ قاله ابن
مسعود وابن زيد والأخفش(٩).
قال النحاس: وهذه الأقوالُ مُتَّفِقةٌ، وحقيقةُ المعنى: أنَّها جماعاتٌ عِظامٌ؛
(١) المصدر السابق، وجويبر ضعيف جدًّا، كما ذكر الحافظ في التقريب.
(٢) أخرجه ابن إسحاق في السير والمغازي ص ٦٥، والطبري ٢٤/ ٦٣٠ و٦٣١.
(٣) أخرجه البيهقي في الدلائل ١٢٣/١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور لسعيد بن منصور وعبد بن حميد
وابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري ٦٣١/٢٤ دون قوله: لم تر قبل ذلك ولا بعده.
(٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٤٢ .
(٥) قطعة من خبر طويل في قصة الفيل أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (٨٦).
(٦) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٣٢ ..
(٧) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٣١ عن عبيد بن عمير.
(٨) النكت والعيون ٣٤٢/٦، وهو بنحوه عن عكرمة في تفسير مجاهد ٧٨٤/٢. والعنقاء المغرب: طائر
عظيم معروفُ الاسم مجهول الجسم لم يره أحد. النهاية (عنق).
(٩) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٣٤٢، وأخرجها عدا قول الأخفش الطبري
٦٢٨/٢٤ - ٦٣٠ ٠

٤٩١
سورة الفيل: الآية ٣
يقال: فلانٌ يؤبِّلُ على فلان، أي: يعظمُ عليه ويُكْثِر، وهو مشتقٌّ من الإبل.
واختلف في واحدِ ((أبابيل))؛ فقال الجوهريُّ: قال الأخفش: يقال: جاءت إبلُكَ
أبابيل، أي: فِرقًا، وطيرٌ أبابيل. قال: وهذا يجيءُ في معنى التكثير، وهو من الجمع
الذي لا واحدَ له. وقال بعضُهم: واحدُه إيَّوْل، مثل: عِجَّوْل. وقال بعضهم(١): إِّيل
مثل ◌ِكِين. قال: ولم أَجِدِ العربَ تعرِفُ له واحدًا.
في غير ((الصحاح)): وقيل في واحدِه: إيَّال. وقال رؤيةُ بن العجَّاج في الجمع:
فصُيِّروا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأُكُولْ(٢)
ولعبتْ طيرٌ بِهِمْ أَبابيلْ
وقال الأعشى :
طَرِيقٌ وجَبَّارٌ رِواءٌ أُصولُهُ عليه أبابيلٌ مِن الطَّيْرِ تَنْعَبُ (٣)
وقال آخر :
إذ سالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأَبابيل(٤)
كادت تُهَدُّ من الأصواتِ راحلتي
وقال آخر :
أبابيلُ طَيرٍ تَحْتَ دَجْنٍ مُسَجَّنٍ(٥)
تَراهُمْ إلى الدَّاعي سِرَاعًا كأنَّهُمْ
قال الفرَّاء: لا واحدَ له مِن لَفْظِه، وزعم الرُّؤاسيُّ [لي](٦) - وكان ثقةً - أنه سمع
(١) بعدها في (م): وهو المبرد، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في الصحاح (أبل)، وذكره
عن المبرد النحاس في إعراب القرآن ٢٩٢/٥.
(٢) سيأتي قريباً.
(٣) ديوان الأعشى ص ٢٥١ . قوله: وجبار، الجبار هو النخلة الطويلة الفتية، وتضم. القاموس (جبر).
وقال شارح الديوان: ونخلك الطويل المرتفع الضخمُ الجذوعِ، تحط عليه من الطيور أسراب، تتجاوب
أصواتها بالتنعاب.
(٤) سلف ٥/ ٤٢٠ .
(٥) في (د) و(ي) و(م): مسخن، والمثبت من (د) و(ظ) وفتح القدير ٤٩٦/٥ . وهو في مجمع البيان
٢٣٨/٣٠ برواية: تحت داجن مدَجَّن، ونسبه الطبرسي لامرئ القيس، ولم نقف عليه في ديوانه.
قوله: دجن، الدَّجْن هو إلباس الغيم السماء، والمطرُ الكثير. الصحاح (دجن).
(٦) ما بين حاصرتين زيادة في معاني القرآن للفراء ٢٩٢/٣، والرؤاسي هو أبو جعفر الكوفي النحوي
أستاذ الكسائي. إنباه الرواة ٤ / ٩٩ .

٤٩٢
سورة الفيل: الآيتان ٣ - ٤
في واحدها ((إيَّالة)) مشدّدة. وحكى الفرَّاء: ((إبَالة)) مخفَّفًا. قال: وسمعتُ بعضَ العرب
يقول: ضِغْتٌ علَى إِيَّالة. يريد: خِصْباً على خِصْبٍ(١). قال: ولو قال قائل: إيبالة،
کان صواباً، مثل: دینار ودنانیر.
وقال إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل: الأبابيل: مأخوذٌ من الإبل
المؤبَّلة، وهي الأقاطيع(٢).
قوله تعالى: ﴿تَرْمِیهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِيلٍ
في ((الصحاح)): ((حجارة من سِجِّيل)) قالوا: حجارة من طين، طُبِخَتْ بنارِ جهنّمَ،
مكتوب فيها أسماءُ القوم؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِن طِينٍ﴾
[الذاريات: ٣٣](٣).
وقال عبد الرحمن ابن أَبْزَى: ((مِن سِجِّيل)): من السماء، وهي الحجارةُ التي
نزلت على قومٍ لوط (٤).
وقيل: من الجحيم، وهي ((سِجِّين)) ثم أُبْدِلت اللامُ نونًا، كما قالوا في أصَيْلان:
أُصیلال. قال ابن مقبل:
ضَرْباً تَواصَتْ به الأبطالُ سِجِّينَا (٥)
(١) كذا شرحه الفراء. وذكر أبو عبيد في الأمثال ص ٢٦٤ عن الأصمعي قال: الإتّالة: الحزمة من
الحطب، والضغث: الجرزة التي فوقها، يقول: هي بلية على أخرى كانت قبلها. ومثله في مجمع
الأمثال للميداني ٤١٩/١، وقال الميداني: وبعضهم يقول: إيّالة مخففاً. وفي جمهرة الأمثال ٦/٢ ،
والمستقصى ١٤٨/٢: يضرب لمن حمَّلك مكروهاً، ثم زادك عليه.
(٢) النكت والعيون ٣٤٣/٦، وأخرجه بنحوه الطبري ٦٢٩/٢٤ . والأقاطيع جمع على غير قياس للقطيع،
وهو الطائفة من الغنم والنعم. القاموس (قطع).
(٣) الصحاح (سجل).
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٣٥ إلا أنه فيه عن عبد الرحمن بن زيد، وزاد فيه: والسماء الدنيا اسمها سجيل.
قال الطبري: وهذا القول لا نعرف لصحته وجهاً في خبر ولا نقل ولا لغة.
(٥) وصدره: ورجلة يضربون البَيْضَ عن عُرُضٍ. وهو في ديوان ابن مقبل ص ٣٣٣، وسلف ١٨٨/١١.

٤٩٣
سورة الفيل: الآيتان ٤- ٥
وإنَّما هو: سِجِيلاً. وقال الزجاج: ((مِن سِجِّيل)) أي: مما كُتب عليهم أن يُعَذَّبوا
به، مشتقٌّ من السِّجِلِّ (١). وقد مضى القولُ في سِجِّيل في ((هود)) مستوفَى(٢).
قال ◌ِكرمةُ: كانت ترميهم بحجارةٍ معها، فإذا أصاب أحدَهم حجرٌ منها خرج به
الجُدَرِيُّ، لم يُر قبلَ ذلك اليوم(٣). وكان الحجر كالحِمِّصة وفوق العدسة.
وقال ابن عباس: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نَفِط جِلْدُه، فكان ذلك أوَّلَ
.(٤)
الجُدرِيّ(٤).
وقراءةُ العامَّةِ: ((تَرْمِيهِمْ)) بالتاء؛ لتأنيثِ جماعةِ الطير. وقرأ الأعرج وطلحة:
(يَرْمِيهم)» بالياء(٥)، أي: يرميهم الله، دليلُه قولُه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَّ﴾
[الأنفال: ١٧]. ويجوزُ أن يكون راجعًا إلى الطير؛ لخلوِّها من علامات التأنيث، ولأنَّ
تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ.
قوله تعالى: ﴿فَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ
أي: جعل الله أصحابَ الفيلِ كورقِ الزرعِ إذا أَكَلَتْه الدوابُّ فَرَمَتْ به من أسفل.
شبَّه تَقَطُعَ أوصالِهِم بتَفرُقِ أجزائه. رُوي معناه عن ابن زيد وغيرِه (٦). وقد مضى القولُ
في العَصْف في سورة الرحمن (٧). وممَّا يدلُّ على أنَّه ورقُ الزَّرعِ قولُ علقمةَ:
حُدورُها من أَتيِّ الماءِ مَظْمُومُ (٨)
تَسْقِي مَذانِبَ قدْ مالتْ عَصِيفَتُها
(١) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٧١/٣. وقال الزجاج ٣٦٤/٥ عند شرح هذه الآية: من سجيل، أي:
من شديدٍ عذابه، والعرب إذا وصفت المكروه بالسجيل كأنها تعني به الشدة.
(٢) ١٨٦/١١ - ١٨٧.
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٣٣، وأبو نعيم في الحلية ٣٣٣/٣، والبيهقي في الدلائل ١٢٣/١.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٣٩٦/٢ .
(٥) القراءات الشاذة ص ١٨٠.
(٦) تفسير الطبري ٢٤/ ٦٤٤ - ٦٤٥ .
(٧) عند تفسير الآية (١٢) منها.
(٨) ديوان علقمة ص ٥٥ . وفيه: قد زالت عصيفتها ... ، قال الأعلم الشنتمري شارح الديوان: قوله : =

٤٩٤
سورة الفيل: الآية ٥
وقال رؤبة بن العجاج:
تَرْمِيهِمُ حِجارةٌ مِنْ سِجِّيلْ
ومَسَّهُمْ ما مَسَّ أصْحابَ الفيلْ
فَصُيِّروا مِثلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ(١)
ولَعِبتْ طَيرٌ بِهِمْ أَبابيلْ
العَصْف: جمع، واحدتُه: عَصْفة وعُصافة وعَصِيفة. وأَدخل الكافَ في (كَعَصْف))
للتشبيه مع مثل، نحو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١](٢).
ومعنى ((مأكول)»: مأكولٌ حَبُّه. كما يقال: فلان حسن، أي: حَسَنٌ وجهُه.
وقال ابن عباس: ((فجعلهم كعَصْفٍ مأكول)) إنَّ المراد به قشرُ البرِّ، يعني الغِلافَ
الذي تكون فيه حبةُ القمح(٣). ويُروى أن الحجر كان يقع على أحدهم فيُخرِجُ كلَّ ما
في جوفه، فيبقى كقِشْرِ الحنطةِ إذا خرجت منه الحبة.
وقال ابن مسعود: لمَّا رمت الطيرُ بالحجارة، بعث الله ريحاً فضربت الحجارةَ
فزادتها شدّة، فكانت لا تقع على أحدٍ إلَّ هلك، ولم يسلم منهم إلَّا رجلٌ من كِندة،
فقال :
لدى(٥) جنبِ المُغَمّسِ ما لَقِينا
فَإِنَّكِ لَوْ رأيتٍ ولم تَرِيهِ(٤).
خَشِيتُ الله إذْ قد بَثَّ طيراً
وظِلَّ سحابةٍ مَرَّتْ علينا
= قد زالت عصيفتها، أي: تفرق ورقُها، وانفتحت وتباينت من الريِّ. والعصيفة: الورق. والمذانب:
مسايل الماء. وحدورها: ما انحدر منها واطمأن. والأَتَيُّ: الجدول. والمطموم: المملوء بالماء.
(١) سيرة ابن هشام ٥٥/١، والخزانة ١٨٩/١٠، والأبيات في ملحقات ديوان رؤبة ص ١٨١، والبيت
الأخير نسبه سيبويه في الكتاب ٤٠٨/١ لحميد الأرقط، وهو بلا نسبة في المقتضب ١٤١/٤، وسر
صناعة الإعراب ٢٩٦/١ .
(٢) أي: أنه أكد الشَّبَه بزيادة الكاف، إلا أنه في الآية أدخل الحرف على الاسم، وفي البيت أدخل الاسم
وهو ((مثل)) على الحرف وهو الكاف، والتقدير: فصُيِّروا مثلَ مثلٍ عصفٍ مأكول. ينظر سر صناعة
الإعراب ٣٩٦/١، وشرح شواهد الكتاب للشنتمري ص ٢٣٧ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٤٥ بنحوه.
(٤) في النسخ: ولو ترانا، بدل: ولم تريه، والمثبت من النكت والعيون ٣٤٣/٦، والكلام منه.
(٥) في النسخ الخطية: لذي، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في النكت والعيون.

٤٩٥
سورة قريش: الآية ١
كأنَّ لها على الحُبْشانِ دَيْنَا
وباتتْ كلُّها تدعو بِحَقٌّ
ويُروى أنَّها لم تُصِبْهم كلَّهم، لكنَّها أصابت مَن شاء اللهُ منهم. وقد تقدَّم أنَّ
أميرهم رجع وشِرْذمةً لطيفةً معه، فلمَّا أَخبروا بما رَأَوْا هلكوا. فالله أعلم.
وقال ابن إسحاق(١): لمَّا ردَّ الله الحبشةَ عن مكة، عَّمت العربُ قريشاً وقالوا:
أَهلُ اللهِ، قاتَلَ عنهم، وكفاهم مؤونةَ عدوّهم؛ فكان ذلك نعمةً من الله عليهم.
تفسير سورة ((قريش»
مكيةٌ في قولِ الجمهور. ومدنِيةٌ في قولِ الضحاكِ والكلبيّ (٢)، وهي أربعُ آيات.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿لِإِیلَفِ قُرَيْشٍ
قيل: إنَّ هذه السورةَ مثَّصلةٌ بالتي قبلها في المعنى؛ يقول: أهلكتُ أصحابَ
الفيلِ لإيلاف قريش؛ أي: لتأتَلفَ قريش، أو لتتَّفقَ قريش، أو لكي تأمَن قريشٌ
فَتُؤْلِف(٣) رحلتيها. وممن عدَّ السورتين واحدةً أبيّ بن كعب، ولا فَصْلَ بينهما في
مُصْحَفِهِ(٤). وقال سفيان بن عيينة: كان لنا إمامٌ لا يَفْصِلُ بينهما، ويقرؤهما معا.
وقال عمرو بن ميمون الأَوْدِيُّ: صلَّينا المغربَ خَلْفَ عمرَ بنِ الخطاب ﴾؛ فقرأ
في الأولى: ﴿وَلِنِ وَالزُّنِ﴾ وفي الثانية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيَّفَ﴾ و﴿لِإِلَفِ قُرَيْشٍ﴾ (٥).
(١) سلف قوله ص٤٨٩ من هذا الجزء.
(٢) زاد المسير ٢٣٨/٩.
(٣) يعني تَأْلفَ؛ يقال: أَلِفَ يَأْلَفُ، وآلَفَ يُؤْلِف، وسيأتي.
(٤) الكشاف ٢٨٧/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٥٢٩ .
(٥) سلف ص٣٦٧ من هذا الجزء. قال الرازي ١٠٤/٣٢: أما قراءة عمر فإنها لا تدل على أنهما سورة
واحدة لأن الإمام قد يقرأ سورتين. وأما القول أن أبيًّا لم يفصل بينهما فهو معارَضٌ بإطباق الكل على
الفصل بينهما.

٤٩٦
سورة قريش: الآية ١
وقال الفرَّاء: هذه السورةُ متّصلةٌ بالسورة الأولى؛ لأنه ذكَّر أهل مكةَ عظيمَ نعمتِه
عليهم فيما فَعَلَ بالحبشة، ثم قال: ((لإيلاف قُريش)) أي: فعلنا ذلك بأصحاب الفيل
نعمةً منَّا على قريش(١).
وذلك أنَّ قريشًا كانت تخرج في تجارتها، فلا يُغارُ عليها ولا تُقْرَبُ في الجاهلية.
يقولون: هم أهلُ بيتِ اللهِ جلَّ وعزَّ، حتى جاء صاحبُ الفيلِ ليهدمَ الكعبة، ويأخذَ
حجارتها فيبني بها بيتاً في اليمن يَحُجُّ الناس إليه، فأهلكهم الله عزَّ وجلَّ، فذكَّرهم
نِعْمتَه، أي: فجعل الله ذلك لإيلاف قريش، أي: ليأَلَفوا الخروجَ ولا يُجْتَرأ عليهم،
وهو معنى قولِ مجاهدٍ، وابنِ عباس في رواية سعيد بن جبير عنه؛ ذكره النحاس:
حدَّثنا أحمد بن شُعيب، قال: أخبرني عمرو بن عليٍّ، قال: حدَّثني عامر بنُ إبراهيم
- وكان ثقةً من خيار الناس - قال: حذَّثني خطاب بنُ جعفر بن أبي المغيرة، قال:
حدَّثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: (لإيلافِ قريشٍ))
قال: نعمتي على قريشٍ إيلافُهُمْ رحلةَ الشتاءِ والصيف. قال: كانوا يَشْتون بمكة،
ويَصِيفون بالطائف(٢). وعلى هذا القولِ يجوزُ الوقفُ على رؤوس الآي وإنْ لم يكن
الكلام تامًّا، على ما نبيِّنه أثناء السورة.
وقيل: ليست بمثَّصلةٍ؛ لأنَّ بين السورتين: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وذلك
دليلٌ على انقضاء السورةِ وافتتاح الأخرى، وأنَّ اللامَ متعلِّقةٌ بقوله تعالى:
((فليعبدوا))، أي: فليعبدوا هؤلاء ربَّ هذا البيت، لإيلافهم رحلةَ الشتاء والصيف
للامتيار.(٣) وكذا قال الخليل: ليست متَّصلةً، كأنه قال: آلَف الله قريشًا إيلافًا
فليعبدوا ربّ هذا البيت(٤). وعَمِل ما بعدَ الفاء فيما قَبْلَها لأنَّها زائدةٌ غيرُ عاطفةٍ،
(١) بنحوه في معاني القرآن للفراء ٢٩٢/٣ .
(٢) السنن الكبرى للنسائي (١١٦٣٥)، وأخرجه الطبري ٦٤٨/٢٤ مختصراً عن عمرو بن علي به.
(٣) أي: لجلب الطعام. القاموس (مير). والكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٣٦٥/٥ .
(٤) مشكل إعراب القرآن ٨٤٥/٢، وينظر الكتاب ١٢٧/٣.

٤٩٧
سورة قريش: الآية ١
كقولك: زيداً فاضْرِبْ.
وقيل: اللامُ في قوله تعالى: ((لإيلافِ قريش)) لامُ التعجُّبِ، أي: اعْجَبوا لإيلافِ
قريش [رحلةَ الشتاء والصيف، وتَرْكِهم عبادةَ ربِّ هذا البيت]؛ قاله الكسائيُّ
والأخفش(١). وقيل: بمعنى إلى(٢).
وقرأ ابن عامر: (لإلافِ قريشٍ)) مهموزاً مختلَساً بلا ياء(٣). وقرأ أبو جعفر
والأعرج: ((لِيْلَافِ))(٤) بلا همزٍ طَلَباً للخفَّة. الباقون: ((لإيلاف)) بالياء مهموزاً مُشْبَعاً،
من آلَفْتُ أُولِفُ إيلافاً؛ قال الشاعر:
المُنْعِمِين إذا النجومُ تغيَّرتْ والطّاعنِينَ لرحلةِ الإِيلافِ(٥)
ويقال: أَلِفْتُه إلْفاً وإلافاً. وقرأ أبو جعفر أيضاً: ((لإِلْفِ قُرَيشٍ)) (٦) وقد جمعهما مَن
قال :
زَعَمْتُمْ أنَّ إِخوتَكُمْ قُرَيشٌ لهم إِلْفٌ وليس لكم إلافُ(٧)
قال الجوهريُّ(٨): وفلانٌ قد أَلِفَ هذا الموضعَ - بالكسر - يَأْلَفُهُ إِلْفًا، وآلَفَه إياه
(١) تفسير البغوي ٥٢٩/٤، وما بين حاصرتين منه، وذكر هذا القول ابن الجوزي في زاد المسير ٢٣٩/٩
عن الكسائي والأعمش، وهو دون نسبة في إعراب القرآن للنحاس ٢٩٣/٥، ومشكل إعراب القرآن
٨٤٥/٢، والمحرر الوجيز ٥٢٦/٥ .
(٢) والمعنى: ففَعَلْنا بأصحاب الفيل هذا الفعلَ نعمةً منا على أهل هذا البيت، إلى نعمتنا عليهم في رحلة
الشتاء والصيف. ينظر معاني القرآن للفراء ٢٩٣/٣، وتفسير الطبري ٢٤/ ٦٤٧ .
(٣) السبعة ص ٦٩٨، والتيسير ص ٢٢٥ .
(٤) النشر ٤٠٣/٢ .
(٥) البيت لمطرود بن كعب الخزاعي، كما في سيرة ابن هشام ٥٦/١ و١٧٨.
(٦) الكشاف ٢٨٧/٤، وتفسير الرازي ١٠٥/٣٢.
(٧) البيت لمسَاوِر بن هند، كما في شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٤/ ١٢، والخزانة ٤١٩/١١، ودون
نسبة في دلائل الإعجاز للجرجاني ص ٢٣٦، وثمار القلوب للثعالبي ص ١١٧، والكشاف ٤/ ٢٨٧ ،
والكلام منه. والشعر في هجاء بني أسد، قال التبريزي: يقول: زعمتم أنكم مثل قريش، وكيف تكونون
مثلهم ولهم تجارة اليمن والشام ولیس لكم ذلك.
(٨) في الصحاح (ألف).

٤٩٨
سورة قريش: الآية ١
غيرُه. ويقال أيضاً: الفَتُ الموضعَ أُوْلِفِه إيلافًا. وكذلك: آلَفْتُ الموضعَ أؤالفُه مُؤالفةً
وإلافًا، فصار صورةُ أَفْعَلَ وفاعَلَ في الماضي واحدةٌ.
وقرأ ◌ِكرمةُ: (لَيَأْلَفْ)) بفتح اللام على الأمر - وكذلك هو في مصحفٍ ابن مسعود -
وفتحُ لامِ الأمرِ لغةٌ حكاها ابنُ مجاهدٍ وغيره(١). وكان عكرمةُ يَعيبُ على مَن يقرأ:
(لإيلاف قريش)(٢).
وقرأ بعضُ أهلِ مكة: ((إلاف قريش)) واسْتَشْهَد بقولِ أبي طالبٍ يوصي أخاه أبا
لهب برسول الله ﴾:
وكنْ رجلاً ذا نَجْدةٍ وعَفافٍ
فَلا تُتْرِكَنْه ما حَبِيْتَ لِمُعْظَمٍ
إلَافُهم في الناس خيرُ إلَافٍ(٣)
تَذودُ العِدا عن عُضْبةٍ هاشميةٍ
وأمَّا قريشٌ فهم بنو النَّصْرِ بنِ كنانَة بنِ خزيمةَ بنِ مدرِكَة بن إلیاسَ بنِ مُضَر. فكلُّ
مَن كان مِن وَلدِ النضرِ فهو قرشيٍّ، دون بني كِنانَة ومَن فوقه. وربَّما قالوا: قُرَيْشِيّ،
وهو القياسُ؛ قال الشاعر:
بكلِّ قُرَيْشِيٍّ عليه مَهابةٌ(٤)
فإنْ أردتَ بقريشِ الحيَّ صَرَفْتَه، وإنْ أردتَ به القبيلةَ لم تَصْرِفْه؛ قال الشاعر:
وكَفَى قُرَيشَ المُعْضِلاتِ وسادَها (٥)
(١) القراءات الشاذة ص ١٨٠، دون قوله: وكذلك هو في مصحف ابن مسعود.
(٢) النكت والعيون ٣٤٦/٦ .
(٣) النكت والعيون ٣٤٦/٦، وسلفت القراءة عن ابن عامر، والبيتان ذكرهما ابن إسحاق في السير
والمغازي ص ٢٠٨ ، وفيه أن أبا طالب قالهما في مدح عتبة بن ربيعة حين رد على أبي جهل فقال: ما
تنکِرُ أن یکون محمد نبيًّا.
(٤) وعجزه: سريع إلى داعي الندى والتكرُّم. وهو في الكتاب ٣٣٧/٣، والصحاح (قرش) والكلام منه،
والحلل في شَرَّح أبيات الجمل للبطليوسي ص ٣٣٨، والإنصاف لابن الأنباري ٣٥٠/١، وشرح
المفصل ١١/٦. ووقع في الكتاب: بكل قريشي إذا ما لقيته ... ، وقال البطليوسي: لا أعلم قائله.
(٥) وصدره: غلب المساميحَ الوليدُ سماحة، كما في الصحاح (قرش)، والكلام منه، والبيت لعدي بن
الرقاع، كما في الكامل للمبرد ١٠٤٦/٢، وشرح شواهد الكتاب للشنتمري ص ٤٦٠، والخزانة
٢٠٣/١، ودون نسبة في الكتاب ٢٥٠/٣ . والبيت في: مدح الوليد بن عبد الملك كما ذكر الشنتمري
وقال: والمساميح جمع سَمْح على غير قياس.

٤٩٩
سورة قريش: الآية ١
والتَّقْريش: الاكتساب، وتَقَرَّشوا، أي: تَجمَّعوا. وقد كانوا متفرِّقين في غير
الحرم، فجمعهم قُصَيّ بنُ كلاب في الحرم، حتى اتَّخذوه مَسْكناً؛ قال الشاعر:
به جَمَعَ الله القبائلَ من فِهرٍ(١)
أبونا قُصَيٌّ كان يُدْعَى مَجَمِّعًا
وقد قيل: إنَّ قريشاً بنو فِهْر بنِ مالك بن النَّضر. فكلُّ مَن لم يَلِدْه فِهْرٌ فليس
بقرشيٍّ. والأوّلُ أصحُ وأَثْبتُ. وقد روي عن النبيِّ :﴿ أنَّه قال: ((إِنَّا ولدُ النضرِ بنِ كنانَة
لا نَقْفو أُمَّنا، ولا نَنْتفي من أبِينا)»(٢). وقال واثلةُ بنُ الأسْفَع: قال النبيُّ ◌َ﴾: ((إنَّ اللهَ
اصْطَفَى كِنَانَةَ مِن وَلَدِ إسماعيلَ، واصْطَفَى من بني كنانةَ قريشاً، واصْطَفَى من قريش
بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)). صحيحٌ ثابتٌ، خرَّجه البخاريُّ ومسلمٌ
وغيرُهما(٣).
واختُلِف في تَسْمِيتهم قريشاً على أقوال: أحدها: لتَجَمُّعِهم بعد التفرُّقِ،
والتقرُّش: التجمُّع والالتئام. قال أبو جِلْدَ الْيَشْكُريُّ:
إخوةٌ قَرَّشُوا الذنوبَ علينا في حديثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقديمِ(٤)
الثاني: لأنَّهم كانوا تجاراً يأكلون من مكاسبهم. والتَّقرُّش: التكسُّب(٥). وقد
قَرَشَ يَقْرِشُ قَرْشاً، إذا كسب وجمع. قال الفرَّاء: وبه سمِّيت قُريش(٦).
الثالث: لأنَّهم كانوا يفتِّشون الحاجَّ عن (٧) ذي الخَلَّةِ، فيسدُّون خَلَّته. والقَرْش:
التفتيش. قال الشاعر:
(١) نسب لمطرود بن كعب الخزاعي، كما في زهر الآداب للقيرواني ١/ ٢٥٠، والأوائل للعسكري ١٣/١.
ونسبه محمد بن حبيب في المنمق ص ٨٤ لحذافة بن غانم. ونسبه صاحب الخزانة ٢٠٣/١ للفضل بن
العباس بن عتبة بن أبي لهب. وهو دون نسبة في سيرة ابن هشام ١/ ١٢٦، والاشتقاق ص ١٥٥، ووقع
في بعض المصادر: أبوكم قصي، وفي أخرى: قصي أبوكم، وفي السيرة: قصي لعمري.
(٢) أخرجه أحمد (٢١٨٣٩)، وابن ماجه (٢٦١٢) من حديث الأشعث بن قيس ، وسلف ١٣/ ٧٨ .
(٣) صحيح مسلم (٢٢٧٦)، وهو عند أحمد (١٦٩٨٦)، وليس في صحيح البخاري، وسلف ١٠/ ٤٤٠.
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٩٤، والنكت والعيون ٣٤٦/٦.
(٥) النكت والعيون ٣٤٦/٦.
(٦) الصحاح (قرش).
(٧) في (م): من، والمثبت من النسخ الخطية، والنكت والعيون ٣٤٦/٦، والكلام منه.

٥٠٠
سورة قريش: الآيتان ١ - ٢
أَيُّها الشامتُ المقرِّشُ عنا عند عمرو فهلْ له إبقاءُ(١)
الرابع: ما روي: أنَّ معاوية سأل ابن عباس: لم سُمِّيتْ قريشٌ قريشاً؟ فقال:
لدابَّةٍ في البحر من أقوى دوابِّه، يقال لها: القِرش، تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تُعْلَى.
وأنشد قولَ تُبَّع:
ـرَ بها سمِّيتْ قريشٌ قريشا
وقريشٌ هي التي تسكنُ البحـ
ـرك فيها لذي جناحين رِيشا
تأكلُ الغَثَّ(٢) والسمِينَ ولا تتـ
يأكلون البلادَ أكلاً كمِيشا
هكذا في البلاد حيُّ قُرَيشٍ
يُكْثِرُ القتلَ فيهم والخُموشا(٣)
ولهم آخرَ الزمانِ نبيٌّ
قوله تعالى: ﴿إِلَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِنَاءِ وَالصَّيْفِ
قرأ مجاهدٌ وحميد: ((إِلْفِهم)) ساكنةَ اللامِ بغيرِ ياءٍ. وروي نحوُه عن ابن كثير (٤).
وكذلك روتُ أسماءُ أنَّها سمعتْ رسولَ الله # يقرأ: ((إلفِهم))(٥). وروي عن ابن
عباس وغيره.
(١) النكت والعيون ٣٤٦/٦، والبيت من معلقة الحارث بن حلِّزة اليشكري، وهو في المعاني الكبير لابن
قتيبة ٢/ ٨٧٢، وتهذيب اللغة ٣٢٢/٨، وشرح المعلقات للنحاس ٦٣/٢، وللتبريزي ص ٢٩٩،
وللزوزني ص ١٥٨، وروايته في هذه المصادر: أيها الناطق ... وهل لذاك بقاء، ووقع في شروح
المعلقات والمعاني الكبير: المرقَّش، والمقرِّش رواية أبي عمرو كما ذكر ابن قتيبة، وقال: هو
المحرش. وقال التبريزي: المرقِّش: المزيِّن القولَ بالباطل، ويقال: إنه يخاطب بها عمرو بن كلثوم،
ومعنى وهل لذاك بقاء: أن الباطل لا يبقى.
(٢) في النسخ: الرث، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٥٨٩)، والواحدي في الوسيط ٥٥٦/٤، وذكره الماوردي في النكت
والعيون ٦/ ٣٠٠ - ٣٠١، ونسب المرزباني الشعر في معجم الشعراء ص ٤٣٦ للمُشَمْرج بن عمرو
الحميري، قال: وقد روي لغيره. وذكر ياقوت في معجم البلدان ٣٣٦/٤ - ٣٣٧ هذا الخبر مختصراً
وقال: وهذا الوجه عندي بارد، والشعر مصنوع جامد.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٨٠ .
(٥) أخرجه حفص الدوري في قراءات النبي 8# (١٣٣)، والطبري ٢٤/ ٦٤٧، وذكره ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص ١٨٠ ، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وشهر بن حوشب وهما ضعيفان.