Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة الفجر: الآيات ٢١ - ٢٣
سورة الأعرافِ والحاقَّةِ القولُ في هذا(١). ويقولون: دُكَّ الشيءُ، أي: هُدِمَ. قال:
هل غيرُ غارٍ دَكَّ غاراً فانْهِدَمْ(٢)
﴿ذَكَا ذَكَُّ﴾ أي: مرةً بعد مرةٍ، زُلْزِلتْ فكسَّر بعضُها بعضًا، فتكسَّر كلُّ شيءٍ على
ظَهْرِها. وقيل: دُكَّتْ جبالُها وأَنْشَازُها (٣) حتى اسْتَوَتْ. وقيل: ((دُكَّتْ)) أي: استَوَتْ
في الانْفِراش، فذهب دُورُها وقُصورُها وجبالُها وسائرُ أبنيتها. ومنه سمِّي الدُّكَّان(٤)؛
لاستوائه في الانفراش. والدٌّ: حَظُ المرتفع من الأرض بالبَسْطِ؛ وهو معنى قولِ ابنِ
مسعودٍ وابنِ عباس: تُمدُّ الأرضُ مَدَّ الأديم(٥).
وَجِأْىَّهَ يَوْمَيِمٍ بِجَهَنَّمٌ يَوْمَهِدٍ
قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
يَذَكَّرُ الْإِنْسَنُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى
قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ أي أمرُه وقضاؤُه؛ قاله الحسن(٦). وهو من باب حَذْفٍ
المضافِ.
وقيل: أي: جاءهم الربُّ بالآياتِ العظيمة، وهو كقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ
الَّهُ فِ ظُكَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، أي: بظُللٍ.
وقيل: جُعل مجيءُ الآياتِ مجيئاً له؛ تفخيماً لشأن تلك الآياتِ، ومنه قولُه(٧)
تعالى في الحديث: ((يا ابنَ آدمَ، مَرِضْتُ فلم تَعُذْني، واسْتَسقَيتُك فلم تَسْقِني،
واستطعمتُكَ فلم تُطْعِمْني))(٨).
(١) ٣٢٥/٩، وتفسير الآية (١٤) من سورة الحاقة.
(٢) سلف عند تفسير الآية (٩٨) من سورة الكهف.
(٣) جمع نَشَز، وهو المكان المرتفع. الصحاح (نشز).
(٤) الدكان: المِصْطَبة. المعجم الوسيط (دكن).
(٥) أخرجه عن ابن عباس مطولاً الطبري ٣٨٤/٢٤-٣٨٦، وسلف ١٦٨/١٢ و٢٧٠/١٩.
(٦) الوسيط ٤ / ٤٨٤ .
(٧) في (ظ): وهي كقوله.
(٨) أخرجه مطولاً مسلم (٢٥٦٩).

٢٨٢
سورة الفجر: الآيتان ٢٢ -٢٣
وقيل: ((وجاءَ رَبُّك)) أي: زالتِ الشُّبَهُ ذلك اليومَ، وصارتِ المعارفُ ضروريةً،
كما تزولُ الشُّبَه والشكُّ عند مجيءٍ الشيءِ الذي كان يُشَكُّ فيه.
وقال أهلُ الإشارةِ: ظَهَرتْ قدرتُه واسْتَوْلِتْ(١)، والله جلَّ ثناؤه لا يُؤْصَفُ
بالتحوُّلِ من مكانٍ إلى مكان، وأنَّى له التحوُّلُ والانتقالُ، ولا مكانَ له ولا أَوان، ولا
يجري عليه وقتٌ ولازمان؛ لأنَّ في جَرَيانِ الوقتِ على الشيء فَوْتُ الأوقات، ومَن
فاته شيءٌ فهو عاجز.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ أي: الملائكةُ ﴿صَفَّا صَفًا﴾ أي: صفوفا ﴿وَسِاْعََّ يَوْمَيلِم
ـنَّمَ﴾: قال ابن مسعود ومقاتل: تقادُ جهنَّمُ بسبعين ألفَ زمامٍ، كلُّ زمامٍ بيدِ سبعين
ألفَ مَلَكِ، لها تغيُّظُ وزفير، حتى تنصبَّ عن يسار العرش(٢). وفي ((صحيح)) مسلم
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﴾: ((يُؤْتَى بجهنّم يومئذٍ، لها سبعون
ألفَ زمامٍ، مع كلِّ زمامٍ سبعون ألفَ مَلَكٍ يَجرُّونها))(٣).
وقال أبو سعيد الخُدرِيُّ: لمَّا نزلت: ﴿وَسِّهَ يَوْمَيْ بِجَهَنَّمْ﴾ تَغَيَّر لونُ رسولِ الله لِ﴾،
وعُرِفَ في وجهه، حتى اشتدَّ على أصحابه، ثم قال: ((أقرأني جبريلُ: ﴿كَلََّّ إِذَا
دُكَّتِ اَلْأَرْضُ دَكّا دَكَّا. وَجَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَغَّاً صَفَّا. وَبِأْىَّ يَوْمَيِذٍ بِجَهَنَّمٌ﴾. قال عليٍّ ﴾:
قلتُ: يا رسول الله، كيف يُجاءُ بها؟ قال: ((يؤتَى بها تقادُ بسبعين ألفَ زمامٍ، يقودُ
بكلِّ زمامٍ سبعون ألفَ مَلَك، فَتَشْرُدُ شَرْدَةً لو تُرِكَتْ لأَخْرقَتْ أهلَ الجمعِ، ثم تَعْرِضُ
لي جهنّم فتقول: مالي ولك يا مُحمد، إنَّ الله قد حرَّم لحمك عَلَيَّ)) فلا يَبْقَى أحدٌ إلَّا
قال: نَفْسي نَفْسي! إلَّا محمدٌ ﴿ فإنه يقول: ربِّ أمتي! ربِّ آمتي!(٤)
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ﴾ أي: يتَّعِظُ ويتوبُ. وهو الكافرُ، أو مَن
(١) في النسخ الخطية: واستوت.
(٢) تفسير البغوي ٤ / ٤٨٦ .
(٣) صحيح مسلم (٢٨٤٢)، سلف ٣٨٦/٢١ .
(٤) خبر علي وخبر أبي سعيد أخرجهما الواحدي في الوسيط ٤٥٨/٤-٤٥٩ في خبر واحد.

٢٨٣
سورة الفجر: الآيات ٢٢ - ٢٦
هِمَّتُه معظَم الدنيا. ﴿وَأَنَّ لَهُ الذِّكْرَى﴾ أي: ومِن أين له الاتِّعاظُ والتوبةُ وقد فرَّطَ فيها
في الدنيا.
ويقال: أي: ومِن أين له مَنْفَعةُ الذِّكرى. فلا بدَّ من تقديرٍ حَذْفِ المضافِ، وإلَّا
فَبَيْنَ ((يَوْمَئِذٍ يتذكَّرُ)) وبينَ ((وأنَّى له الذكرى)) تَنَافٍ؛ قاله الزمخشريّ(١).
قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَلَيْتَنِ فَدَّمْتُ ◌ِيَاتِ
(٢٤)
أي: في حياتي. فاللامُ بمعنى في. وقيل: أي: قدَّمتُ عملاً صالحاً لحياتي،
أي: لحياةٍ لا موتَ فيها. وقيل: حياةُ أهلِ النارِ ليست هنيئةً، فكأنهم لا حياةً لهم،
فالمعنى: ياليتني قدَّمتُ من الخير لنجاتي من النار، فأكون فيمَن له حياةٌ هنيئةٌ.
وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ: أَحَدٌ
قوله تعالى: ﴿فَوَمَيِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابُ- أَحَدٌ (٥)
قوله تعالى: ﴿فَوَمَيِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يعذِّبُ كعذابِ الله أَحَدٌ، ولا
يُؤْثِقُ كوَثاقِه أحدٌ. والكنايةُ ترجعُ إلى الله تعالى. وهو قولُ ابنِ عباسٍ والحسن(٢).
وقرأ الكسائيُّ: ((لا يُعَذَّبُ)) ((ولا يُوثَقُ)) بفتح الذَّالِ والثاءِ(٣)، أي: لا يعذَّب أحدٌ في
الدنيا كعذابِ اللهِ الكافرَ يَوْمَئذٍ، ولا يوثَقُ كما يوثَق الكافر (٤). والمرادُ إبليسُ؛ لأنَّ
الدليل قام على أنه أشدُّ الناسِ عذاباً؛ لأَجْلِ إجرامِه، فأطلق الكلام لأَجْلِ ما صَحِبَه
من التفسير.
وقيل: إنه أميةُ بنُ خلف؛ حكاه الفرَّاء(٥). يعني أنه لا يعذَّبُ كعذاب هذا الكافرِ
(١) في الكشاف ٤/ ٢٥٣ .
(٢) أخرجه عن ابن عباس ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٥٠ .
(٣) السبعة ص ٦٨٥، والتيسير ص٢٢٢ .
(٤) تفسير الطبري ٢٤/ ٣٩٣، وذكر ابن الجوزي ١٢٢/٩ أن هذه القراءة تختص بالآخرة، وأن القراءة
الأولى تختص بالدنيا. ومثله قال الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٧٢ .
(٥) كذا ذكر المصنف، والذي في معاني القرآن للفراء ٢٦٢/٣: وقد وجهه بعضهم على أنه رجل مسمّى
لا يعذَّبُ كعذابه أحد. فلم يعيّنَّه الفراء، وقال البغوي ٤/ ٤٨٦: هو أمية بن خلف.

٢٨٤
سورة الفجر: الآيات ٢٦ - ٣٠
المعيّنِ أحدٌ، ولا يوَقُ بالسلاسلِ والأغلالِ كَوثاقه أحدٌ؛ لِتَناهيه في كُفْرِهِ وعنادِه.
وقيل: أي: لا يعذَّبُ مَكانَه أحدٌ، فلا يؤخَذُ منه فِداءٌ.
والعذابُ بمعنى التعذيبِ، والوَثاقُ بمعنى الإيثاقِ. ومنه قولُ الشاعر:
وبَعْدَ عَطائِكَ المئةَ الرِّتاعا (١).
وقيل: لا يعذَّبُ أحدٌ ليس بكافرٍ عذابَ الكافرِ.
واختار أبو عبيد وأبو حاتم فتحّ الذَّالِ والثاء. وتكونُ الهاء ضميرَ الكافر؛ لأنَّ
ذلك معروفٌ: أنه لا يعذِّب أحدٌ كعذاب الله. وقد روى أبو قلابةً عن النبيِّ ﴿ أنه قرأ
بفتح الذَّال والثاء(٢). وروي أنَّ أبا عمرو رجع إلى قراءة النبيِّ ﴾(٣).
وقال أبو عليّ(٤): يجوزُ أن يكون الضميرُ للكافر على قراءة الجماعة، أي: لا
يعذِّبُ أحدٌ أحداً مثلَ تعذيبٍ هذا الكافر؛ فتكونُ الهاءُ للكافر. والمرادُ بـ ((أحدٌ))
الملائكةُ الذين يتولَّوْن تعذيبَ أهلِ النار.
قوله تعالى: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ ( أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَضِيَةٌ تَرْضِيَّةُ (٨َ فَادْخُلِ
وَأَدْخُلِ جَنَِّی
٣٠
فِی عِبَدِی
قوله تعالى: ﴿يَّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ لمَّا ذَكَر حالَ مَن كانت هِمَّتُه الدنيا، فاتَّهم
اللهَ في إغنائه وإفقاره، ذَكَر حالَ مَن اطمأنَّتْ نفسُه إلى الله تعالى، فسلَّم لأمره،
واتَّكَلَ عليه. وقيل: هو من قولِ الملائكةِ لأولياء الله عزَّ وجلَّ. والنفسُ المطمئنةُ:
الساكنةُ المُؤْقِنةُ؛ أيقنتْ أنَّ الله ربُّها، فأَخْبتَتْ لذلك؛ قاله مجاهدٌ وغيره.
(١) وصدره: أكُفراً بعد ردِّ الموت عني، والبيت للقطامي، وهو في ديوانه ص٣٧، وسلف ١٠٥/٥ ،
والكلام من تفسير الرزاي ١٧٧/٣١ .
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٦٩١)، وأبو داود (٣٩٩٦) و(٣٩٩٧).
(٣) الكشاف ٤/ ٢٥٣ .
(٤) في الحجة ٦/ ٤١٢ .

٢٨٥
سورة الفجر: الآيات ٢٧ - ٣٠
وقال ابن عباس: أي: المطمئنةُ بثوابِ اللـه. وعنه: المؤمنةُ. وقال الحسن:
المؤمنةُ الموقتةُ.
وعن مجاهد أيضاً: الراضيةُ بقضاء الله، التي علمت أنَّ ما أخطأها لم يكن
لِيُصيبَها، وأنَّ ما أصابها لم يكن ليُخْطِئَها. وقال مقاتل: الآمنةُ من عذاب الله(١). وفي
حرفٍ أُبيّ بن كعب: ((يا أيتها النفسُ الآمنةُ المطمئنةُ)) (٢).
وقيل: التي عمِلت على يقينٍ بما وَعَدَ الله في كتابه.
وقال ابن كَيسان: المطمئنةُ هنا : المُخْلِصُ.
وقال ابن عطاء: العارفةُ التي لا تصبرُ عنه طرفةَ عينٍ.
وقيل: المطمئنةُ بذِكْرِ الله تعالى، بيانُه: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَبِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾
[الرعد: ٣٨].
وقيل: المطمئنةُ بالإيمان، المُصدِّقةُ بالبعث والثواب.
وقال ابن زيد: المطمئنةُ لأنها بشِّرت بالجنة عند الموتِ، وعند البعثِ، ويومَ
الجمع(٣).
وروى عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه قال: يعني نفسَ حمزةً(٤). والصحيحُ أنَّها عامةٌ
في کلِّ نفسٍ مؤمنٍ مخلصٍ طائع.
قال الحسن البصريُّ: إنَّ الله تعالى إذا أراد أن يقبضَ رُوحَ عَبْدِه المؤمِن،
اطمأنّت النفسُ إلى الله تعالى، واطمأنَّ الله إليها(٥).
(١) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ٣٩٣/٢٤-٣٩٥، والوسيط ٤٨٧/٤، والنكت والعيون ٦/ ٢٧٢،
وتفسير البغوي ٤ /٤٨٦ .
(٢) القراءات الشاذة ص ١٧٣ .
(٣) أخرجه الطبري ٣٩٦/٢٤.
(٤) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٥٠.
(٥) النكت والعيون ٦/ ٢٧٢ .

٢٨٦
سورة الفجر: الآيات ٢٧ - ٣٠
وقال عمرو بن العاص: إذا تُوُفِّيَ المؤمنُ أرسلَ الله إليه مَلَكين، وأرسل معهما
تُحْفةً من الجنة، فيقولان لها: اخرجي أيتها النفس المطمئنةُ راضيةً مَرْضِيَّةً ومَرْضيًّا
عنكِ، اخرُجي إلى رَوْحِ وريَحْاٍ وربِّ راضٍ غيرِ غضبان، فتخرجُ كأطيبٍ ريحٍ
المسكِ وَجَدَ أحدٌ من أَنْفِه على ظَهْرِ الأرض. وذَكَر الحديث(١).
وقال سعيد بن جبير(٢): قرأ رجلٌ عند النبيِّ ◌َ﴾ ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُعْمَيِنَّةُ﴾، فقال أبو
بكر: ما أَحْسنَ هذا يا رسولَ الله! فقال النبيُّ ◌َ﴾: ((إنَّ المَلَكَ سيقولُها لك يا أبا بكر
[عند الموت](٣)).
وقال سعيد بن جبير: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائرٌ لم يُرَ على خِلْقَتِهِ طائرٌ
قٌّ، فدخل نَعْشَه، ثم لم يُرَ خارجًا منه، فلمَّا دُفِنَ تُلِيَتْ هذه الآيةُ على شَفِيرِ القبر - لا
يُذْرَى مَن تَّلَاها - : ﴿يَُّهَا النَّفْسُ الْمُعْمَيِنَّةُ. أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةٌ تَرْضِيَّةٌ﴾(٤).
وروى الضحاك أنها نزلت في عثمان بنِ عفان حين وقف بئرَ رُومَةَ(٥).
وقيل : نزلت في خُبَيب بن عديٌّ الذي صَلَبه أهلُ مكةً، وجعلوا وَجْهَه إلى
المدينة، فحوَّل الله وجهَه نحو القِبلة(٦). والله أعلم.
ومعنى ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: إلى صاحبك وجسدِك؛ قاله ابنُ عباس وعِكرمةُ وعطاء.
(١) ذكره الواحدي في الوسيط ٤٨٧/٤، والبغوي ٤٨٦/٤ عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -
وفيهما : ... فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه. وأخرج نحوه مطولاً أحمد (٨٧٦٩) من
حديث أبي هريرة ، و (١٨٥٣٤) من حديث البراء ﴾.
(٢) في (م): زايد، وفي النسخ الخطية: زيد، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٣) أخرجه الطبري ٣٩٦/٢٤، وأبو نعيم في الحلية ٢٨٣/٤، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير
عند هذه الآية، وما بين حاصرتين من هذه المصادر. قال ابن كثير: وهذا مرسل حسن.
(٤) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٨٧٩)، والطبراني في الكبير (١٠٥٨١)، والذهبي في السير
٣٥٨/٣ وقال: هذه قضية متواترة.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٦ / ٣٥٠ من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس.
(٦) الكشاف ٤/ ٢٥٤ .

٢٨٧
سورة الفجر: الآيات ٢٨ - ٣٠
واختاره الطَّبَريُّ(١)، ودليلُه قراءةُ ابنِ عباسٍ: ((فادْخُلي في عَبْدي)) على التوحيد(٢)،
فيأمرُ الله تعالى الأرواحَ غداً أنْ ترجع إلى الأجساد. وقرأ ابن مسعود: ((في جَسَدِ
عبدي))(٣).
وقال الحسن: ارجعي إلى ثوابِ ربِّكِ وكرامته (٤).
وقال أبو صالح: المعنى: ارجعي إلى الله. وهذا عند الموت(٥).
﴿فَدْخُلِ فِى عِبَدِى﴾ أي: في أجسادِ عبادي، دليلهُ قراءةُ ابنِ عباسٍ وابن مسعود.
قال ابن عباس: هذا يومَ القيامة. وقاله الضخَّاكِ(٦).
والجمهورُ على أنَّ الجنةَ هي دارُ الخلودِ التي هي مَسْكَنُ الأبرارِ، ودارُ
الصالحين والأخيار. ومعنى ((في عبادي)) أي: في الصالحين من عبادي، كما قال:
﴿لَنُدْ سِنَّهُمْ فِ الصَّلِينَ﴾ [العنكبوت: ٩] وقال الأخفش: ((في عبادي)) أي: في حزبي.
والمعنى واحدٌ، أي: انْتَظِمي في سِلْكِهم ﴿وَآَدْخُلِ جَنَِّ﴾ معهم.
(١) تفسير الطبري ٢٤/ ٣٩٧.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٧٣، والمحتسب ٣٦٠/٢.
(٣) الكشاف ٤/ ٢٥٤ .
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٤٨٧، وزاد المسير ١٢٤/٩.
(٥) أخرجه الطبري ٢٤/ ٣٩٧ .
(٦) أخرج قولهما الطبري ٢٤/ ٣٩٧ .

سورة ((البلد))
مكية باتفاق . وهي عشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿لََّ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ
يجوزُ أن تكونَ ((لا)) زائدةً، كما تقدَّم في ﴿لَا أُقِْمُ بِّوْمِ الْقِيَمَةِ﴾؛ قاله الأخفش.
أي: أُقسم؛ لأنه قال: ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، وقد أَقْسَم به في قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾
[التين: ٣] فكيف يَجْحَد القسم به وقد أَقْسَم به. قال الشاعر:
تَذَكَّرْتُ ليلَى فاعْتَرَتْني صَبابةٌ وكاد صمِيمُ القلبِ لا يَتقطّعُ(١)
أي: يتقطّعُ، ودخل حرفُ ((لا)) صلةً، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ
◌َمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] بدليل قوله تعالى في ((صّ)): ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [الآية: ٧٥].
وقرأ الحسنُ والأعمشُ وابنُ كثير: (لَأُقْسِم)) من غيرِ ألفٍ بعد اللام إثباتاً(٢).
وأجاز الأخفشُ أيضاً أن تكون بمعنى ((أَلَا))(٣).
وقيل: ليستْ بنفي القَسَم، وإنَّما هو كقولِ العربِ: لا واللهِ لا فعلتُ كذا، ولا
واللهِ ما كان كذا، ولا واللهِ لَأَ فْعَلنَّ كذا.
وقيل: هي نفيٌ صحيحٌ، والمعنى: لا أقسمُ بهذا البلدِ إذا لم تكن فيه، بعد
خروجك منه. حكاه مكِّيٍّ. ورواه ابنُ أبي نَجِيحِ عن مجاهد قال: ((لا)» ردٌّ عليهم(٤)،
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٢١/٤ وفيه: ضمير، بدل: صميم، وسلف ٢١/ ٤٠٤ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٢١/٤، وذكرها عن الحسن ابن جني في المحتسب ٣٦١/٢،
والمشهور عن ابن كثير في هذه الآية كقراءة الجماعة، وينظر ما سلف ٤٠٤/٢١ - ٤٠٥ .
(٣) ذكره عن الأخفش النحاس في إعراب القرآن ٢٢٧/٥ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٧/٥ .

٢٨٩
سورة البلد: الآيتان ١ - ٢
وهذا اختيارُ ابنِ العربيِّ؛ لأنه قال: وأمَّا مَن قال: إنها رَدِّ، فهو قولٌ ليس له ردٌّ؛ لأنه
يصحُّ به المعنى، ويتمكَّن اللفظُ والمراد. فهو ردِّ لكلام مَن أَنْكَر البعثَ ثم ابتدأ
القسم(١).
وقال القشيرِيُّ: قولهُ ((لا)): ردٌّ لمَا تَوهَّم الإنسانُ المذكورُ في هذه السورة،
المغرورُ بالدنيا. أي: ليس الأمرُ كما يَحْسَبُه، مِن أنَّه لن يقدرَ عليه أحدٌ، ثم ابتدأ
القسم.
و((البلد)»: هي مكة، أجمعوا عليه. أي: أُقْسِمُ بالبلد الحرام الذي أنت فيه،
لكرامتك عليَّ وحبِّ لك. وقال الواسطيُّ: أي: نحلفُ لك بهذا البلد الذي شَرَّفْتَه
بمكانكَ فيه حيًّا، وببركتِكَ ميتاً، يعني المدينة. والأوّلُ أصح؛ لأنَّ السورةَ نزلت بمكةً
باتفاق.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَاَ اَلْبَِّ
يعني في المستقبل، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَسِّتٌ وَإِنَّهُمْ قَبْتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. ومثلُه
واسعٌ في كلام العِبَاد(٢)؛ تقولُ لمَن تَعِدُه الإكرامَ والحِباءَ: أنت مُكرمٌ مَحْبُوٌّ. وهو
في كلام اللهِ أوسَعُ(٣)، لأنَّ الأحوال المستقبَلَةَ عنده كالحاضرة المشاهَدَة؛ وكفاك
دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحالِ مُحالٌ: أنَّ السورة بالاتّفاق مكيةٌ
قبلَ الفتح. فروى منصورٌ عن مجاهد: ((وأَنتَ حِلٌّ)) قال: ما صنعت فيه من شيءٍ فأنت
في حِلِّ. وكذا قال ابن عباس: أُحِلَّ له يومَ دخل مكةَ أن يقتل مَن شاء، فقتل ابنَ
خَطَلٍ ومِقْيس بنَ صبَابةَ وغيرَهما. ولم يَحِلَّ لأحدٍ من الناس أن يقتلَ بها أحداً بعد
رسول اللـه ﴾(٤). وروى السُّديُّ قال: أنت في حِلِّ ممن قاتلك أن تقتله . وروى أبو
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩٢١ و١٩٢٢.
(٢) في (د) و(م): العرب، والمثبت من باقي النسخ والكشاف ٢٥٥/٤ ، والكلام منه.
(٣) في النسخ: واسع، والمثبت من الكشاف.
(٤) أخرج قول ابن عباس ومجاهد الطبري ٢٤/ ٤٠٣ -٤٠٤ .

٢٩٠
سورة البلد: الآية ٢
صالح عن ابن عباس قال: أُحِلَّتْ له ساعةً من نهار، ثم أُطبقتْ وحرِّمتْ إلى يوم
القيامة، وذلك يومَ فتحِ مكةً.
وثبت عن النبيِّ ﴾ أنه قال: ((إنَّ الله حرَّم مكةَ يومَ خَلَق السماواتِ والأرضَ،
فهي حَرامٌ إلى أن تقومَ الساعةُ، فلمْ تَحِلَّ لأحدٍ قَبْلي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدي، ولم
تَحِلَّ لي إلَّا ساعةً من نهار)) الحديث(١). وقد تقدَّم في سورة ((المائدة))(٢).
ابن زيد: لم يكن بها أحدٌ حَلالاً غير النبيِّ ﴾(٣).
وقيل: وأنت مُقِيمٌ فيه وهو مَحلُّك. وقيل: وأنت فيه مُحْسِنٌّ، وأنا عنك فيه راضٍ.
وذَكرَ أهلُ اللغةِ أنه يقال: رجلٌ حِلٌّ وحَلالٌ ومُحِلٌّ، ورجلٌ حَرَامٌ ومُخْرِمٌ وحِرْمٌ(٤).
وقال قتادةُ: أنت ◌ِلٌّ به لَستَ بآئم(٥).
وقيل: هو ثناءٌ على النبيِّ #، أي: إنك غيرُ مرتكبٍ في هذا البلدِ ما يَحرُمُ عليك
ارتكابُه؛ معرفةٌ منك بحقِّ هذا البيتِ، لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه.
أي: أُقسِمُ بهذا البيتِ المعظّم الذي قد عَرَفْتَ حُرْمتَه، فأنتَ مقيمٌ فيه معظّمُ له، غير
مرتکِبٍ فیه ما یحرُمُ عليك.
وقال شُرَحْيِيل بن سعد: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ ◌ِهَذَا الْبَدِ﴾ أي: حلالٌ، أي: هم يحرِّمون مكةً
أن يقتلوا بها صيداً أو يَعضِدوا بها شجرةً، ثم هم مع هذا يَسْتحلُّون إخراجَك
وقتلَك(٦).
(١) أخرجه أحمد (٢٣٥٣)، والبخاري (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرجه أحمد (٧٢٤٢)، والبخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) سلف في سورة البقرة ٣٨٣/٢-٣٨٤، وينظر ٢٢١/٨.
(٣) أخرجه مطولاً الطبري ٢٤/ ٤٠٥ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣٢٧/٥ .
(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٧٣، والطبري ٢٤/ ٤٠٤-٤٠٥ .
(٦) الكشاف ٢٥٥/٤، وتفسير البغوي ٤٨٨/٤، وأخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر، كما في الدر
المنثور ٦/ ٣٥٢ .

٢٩١
سورة البلد: الآية ٣
قوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ
قال مجاهدٌ وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالح: ((وَوَالدٍ)): آدم عليه السلام.
((وما وَلَدَ)) أي: وما نَسَلَ مِن وَلَدِه(١). أَقْسَم بهم لأنهم أعْجَبُ ما خَلَقَ اللهُ تعالى على
وَجْهِ الأرض؛ لمَا فيهم من التِبيان(٢) والنُّطْقِ والتدبير، وفيهم الأنبياءُ والدُّعاةُ إلى الله
تعالی.
وقيل: هو إقسامٌ بآدم والصالحين من ذريته، وأمَّا غيرُ الصالحين فكأنهم بهائم.
وقيل: الوالدُ إبراهيم. وما وَلَد: ذرِّيتُه؛ قاله أبو عمران الجونيُّ(٣)، ثم يحتملُ أنه
يريد جميعَ ذرِّيتِه، ويحتملُ أنه يريدُ المسلمين من ذريته.
قال الفرَّاء: وصَلحَتْ ((ما)) للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وكقوله:
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَ﴾ [الليل: ٣] وهو الخالقُ للذَّكرِ والأنثى.
وقيل: ((ما)) مع ما بعدَها في موضع المصدر؛ أي: ووالدٍ وولادته، كقوله تعالى:
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا﴾ [الشمس: ٥](٤).
وقال عكرمة وسعيد بن جُبير: ((ووالدٍ)) يعني الذي يُؤْلَّدُ له، ((وما ولد)) يعني العاقرَ
الذي لا يُولدُ له - وقاله ابن عباس(٥). و((ما)) على هذا نفيٌ. وهو بعيدٌ، ولا يصحُّ إلَّا
بإضمارِ الموصول، أي: ووالدٍ والذي ما وَلَد، وذلك لا يجوزُ عند البصريين(٦).
وقيل: هو عمومٌ في كلِّ والدٍ وكلِّ مولودٍ؛ قاله عطيةُ العَوفيُّ. ورُوِي معناه عن ابن
عباس أيضاً (٧). وهو اختيارُ الطبريِّ(٨) .
(١) أخرج قولهم الطبري ٢٤ / ٤٠٦ -٤٠٧ .
(٢) في (ظ) و(ي): البيان.
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٠٨ .
(٤) معاني القرآن للفراء ٢٦٤/٣ .
(٥) تفسير الطبري ٤٠٦/٢٤ عن ابن عباس وعكرمة.
(٦) تفسير الرازي ١٨٢/٣١.
(٧) أخرجه الطبري ٢٤ / ٤٠٦ من طريق عطية عن ابن عباس.
(٨) في التفسير ٤٠٨/٢٤ .

٢٩٢
سورة البلد: الآيتان ٣ - ٤
قال الماوَزْديُّ(١): ويحتملُ أنَّ الوالد النبيُّ ◌َ﴿؛ لتقدُّم ذِكْرِهِ. وما وَلَد أمَّتُه؛ لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((إنَّما أنا لكم بمنزلةِ الوالدِ أُعلِّمكم))(٢). فأقسم به وبأمَّته بعد أن
أَقْسَم ببلده؛ مبالغةً في تشريفه عليه الصلاة والسلام.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِىِ كَبَدٍ ﴾﴾
إلى هنا انتهى القَسَم، وهذا جوابُه. ولله أن يُقسِمَ بما يشاء من مخلوقاته
لتعظيمها، كما تقدَّم. والإنسانُ هنا ابنُ آدم. ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أي: في شدَّةٍ وعناءٍ من
مُكابدة الدنيا. وأصلُ الكَبَدِ: الشدَّةُ. ومنه: تَكَبَّد اللَّبَنُ: غَلُظَ وخَتُر واشتدَّ. ومنه
الكَبِد؛ لأنَّه دمٌ تَغَلَّظ واشتدّ(٣). ويقال: كابَدْتُ هذا الأمر: قاسَيْتُ شدَّته، قال لَبيد:
يا عينُ هلَّا بَكَيْتٍ أرْبَدَ إذْ قُمْنا وقام الخصومُ فِي كَبَدٍ(٤)
قال ابن عباس والحسن: ((في كَبَد)) أي: في شدَّةٍ ونَصَب. وعن ابن عباس أيضاً :
في شدَّةٍ من حَمْلِه ووِلَادَتِه ورضاعِه ونَبْتِ أسنانِه، وغير ذلك من أحواله(٥). وروى
عكرمةُ عنه قال: منتصباً في بَظْنِ أمِّه (٦). والكَبَدُ: الاستواءُ والاستقامةُ. فهذا امتنانٌ
عليه في الخِلْقة. ولم يَخْلقِ الله جلَّ ثناؤه دابةً في بطن أمِّها إلَّا مُنْكَبَّةً على وجهها إلا
ابنَ آدم، فإنه منتصبٌ انتصاباً. وهو قولُ النخَعِيِّ ومجاهدٍ وغيرِهما.
ابنُ كيسان: منتصباً رأسُه في بطن أمِّه، فإذا أذِنَ الله أن يخرجَ من بطن أمِّه قَلَبَ
رأسَه إلى رجلَيْ أمِّه(٧).
(١) في النكت والعيون ٦/ ٢٧٥ .
(٢) سلف ١٧ / ٦٦ .
(٣) تفسير الرازي ١٨٢/٣١.
(٤) ديوان لبيد ص ١٦٠، وأربد هو أخو لبيد، وقد سلفت قصته مع البيت ٣٦/١٢-٣٧ .
(٥) تفسير الطبري ٢٤/ ٤٠٨- ٤١٠، وتفسير البغوي ٤ / ٤٨٨ .
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٥٣/٦. وذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٢٧٥ عن
عكرمة وابن عباس بلفظ: في انتصاب في بطن أمه وبعد ولادته، ولم يخلق غيره من الحيوان منتصباً.
(٧) تفسير البغوي ٤٨٨/٤ .

٢٩٣
سورة البلد: الآية ٤
وقال الحسن: يُكابِد مصائب الدنيا وشدائدَ الآخرة(١).
وعنه أيضاً: يكابدُ الشُّكْرَ على السَّرَّاءِ، ويكابدُ الصَّبرَ على الضَّرَّاء؛ لأنه لا يخلو
من أحدهما. ورواه ابن عمر(٢).
وقال يَمانٌ: لم يَخْلُقِ الله خَلْقاً يكابِدُ ما يكابِدُ ابنُ آدَمَ؛ وهو مع ذلك أضعفُ
الخَلْقِ(٣).
قال عُلماؤنا: أولُ ما يكابدُ قَطْعَ سُرَّته، ثم إذا قُمِطَ قِماطاً، وشدَّ رِباطاً، يكابدُ
الضِّيقَ والثَّعبَ، ثم يكابدُ الارْتِضاعَ، ولو فاته لضاع، ثم يكابدُ نَبْتَ أسنانِهِ، وتحرُّكَ
لسانِه، ثم يكابدُ الفِطامَ الذي هو أشدُّ من اللِّطام، ثم يكابدُ الختانَ، والأوجاعَ
والأحزانَ، ثم يكابدُ المُعَلِّم وصَوْلَتَه، والمؤدِّبَ وسياستَه، والأستاذَ وهَيبتَه، ثم
يكابدُ شُغْلَ التَّزْويج والتعجيل فيه (٤)، ثم يكابدُ شُغْلَ الأولادِ، والخدم والأجناد، ثم
يكابدُ شغلَ الدُّورِ وبناءَ القصور. ثم الكِبرَ والهَرَمَ وضَعْفَ الرُّكْبةِ والقدم، في مصائبَ
يكثرُ تعدادُها، ونوائبَ يطولُ إيرادُها، من صُداعِ الرأس، ووجع الأضْراسِ، ورَمَدٍ
العين، وغَمِّ الدَّين، ووجع السِّنِّ، وأَلَمِ الأُذُنِ. ويكابِدُ مِحَناً في المالِ والنَّفْس، مثل
الضَّربِ والحَبْس، ولا يمضي عليه يومٌ إلَّا يُقاسي فيه شدَّةٌ، ولا يكابدُ إلَّا مَشَقَّةً، ثم
الموتُ بعد ذلك كلِّه، ثم مُساءلةُ المَلَكِ، وضَغطةُ القبرِ وظلمتهُ، ثم البعثُ والعَرْضُ
على الله، إلى أنْ يستقرَّ به القرارُ، إمَّا في الجنة وإمَّا في النار؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ
خَلَقْنَا أَلْإِنسَنَ فِ كَبَدٍ﴾، فلو كان الأمرُ إليه لَمَا اختار هذه الشدائد. ودلَّ هذا على أنَّ له
خالقاً دَبَّره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فلْيَمْتَثِلْ أمرَه.
وقال ابن زيد: الإنسانُ هنا: آدمُ، وقولُه: ((في كَبَدٍ)) أي: في وَسَطِ السماءِ(٥).
(١) تفسير البغوي ٤٨٨/٤، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٣١)، والطبري ٢٤/ ٤٠٩.
(٢) تفسير الرازي ١٨٣/٣١ عن الحسن، والنكت والعيون ٢٧٦/٦ عن ابن عمر.
(٣) تفسير البغوي ٤ / ٤٨٨ .
(٤) بعده في النسخ الخطية: والتزويج.
(٥) النكت والعيون ٢٧٦/٦، وأخرجه بنحوه الطبري ٤١٢/٢٤ .

٢٩٤
سورة البلد: الآيات ٤ - ٩
وقال الكَلْبِيُّ: إنَّ هذا نزل في رجلٍ من بني جُمَحَ، كان يقال له: أَبُو الأشدّين،
وكان يأخذُ الأديمَ العُكاظِيَّ فيجعلُه تحت قدميه، ويقولُ: مَن أزالني عنه فله كذا.
فيجذبهُ عشرةٌ حتى يتمزَّق ولا تزولُ قدماه، وكان من أعداء النبيِّ /#، وفيه نزل:
﴿أَيَخْسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ يعني: لقوَّته (١). وروي عن ابن عباس. ومعنى ((في كَبَدٍ))
أي: شديداً، يعني شديدَ الخَلْقِ، وكان مِن أشدِّ رجالٍ قريش. وكذلك رُكانةُ بنُ هاشم
ابنِ عبد المطلب، وكانا مَثَلاً في البأس والشدَّة.
وقيل: ((في كَبَدٍ)) أي: جريء القلب، غليظ الكَبِد، مع ضَعْفِ خِلْقِهِ، ومهانةٍ
مادَّته. ابن عطاء: في ظلمةٍ وجهلٍ. الترمذيُّ: مُضِيعاً ما يَعْنيه، مُشْتِغِلاً بما لا يَعْنيه.
قوله تعالى: ﴿أَخَّسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (@) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا
٦
أَيَخْسَبُ أَنْ لَّمْ يَهُّرُ أَحَدُّ ﴿ أَلَ بَجْعَل لَّهُ عَيَّنَيْنِ ﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ
قوله تعالى: ﴿أَيْسَبُ أَنْ أَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ أي: أَيَظُنُّ ابنُ آدَمَ أنْ لن يُعاقِبَه الله
عزَّ وجلَّ . ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ﴾ أي: أَنْفقتُ ﴿مَالَا ◌ُبُّدًا﴾ أي: كثيراً مجتمعاً ﴿أَحْسَبُ﴾
أي: أيظنُّ ﴿أَنْ لَمْ يَهُ﴾ أي: أنْ لم يُعايِنْه ﴿أَحَدٌ﴾. بل عَلِمَ الله عزَّ وجلَّ ذلك منه،
فكان كاذباً في قوله: أهْلَكتُ، ولم يكن أَنفقه.
وروى أبو هريرةً قال: يوقفُ العبدُ، فيقال: ماذا عَمِلْتَ في المال الذي رزقتُك؟
فيقول: أنفقتُه وزَكّيتُه. فيقال: كأنك إنَّما فعلتَ ذلك ليقال سَخِيٍّ، فقد قيل ذلك. ثم
يؤمرُ به إلى النار(٢).
وعن سعيد عن قتادة: إنَّك مسؤولٌ عن مالِكَ من أينَ جمعتَ؟ وكيف أنفقت(٣)؟
وعن ابن عباس قال: كان أبو الأشدّين يقول: أنفقتُ في عداوة محمدٍ مالاً
(١) معاني القرآن للفراء ٢٦٤/٣، والوسيط ٤٨٩/٤، وتفسير البغوي ٤٨٨/٤-٤٨٩.
(٢) أخرجه أحمد (٨٢٧٧)، ومسلم (١٩٠٥) مطولاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وسلف ٣٣/١.
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٣٧٣/٢، والطبري ٤١٤/٢٤ .

٢٩٥
سورة البلد: الآيات ٥ - ٩
كثيراً، وهو في ذلك كاذب(١).
وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، أَذْنبَ فاستَفْتَى النبيَّ ﴾،
فَأَمَره أن يُكَفِّر. فقال: لقد ذهب مالي في الكفَّارات والنفقات منذ دخلتُ في دِين
محمدٍ (٢). وهذا القولُ منه يحتملُ أن يكونَ استطالةً بما أَنفقَ، فيكونُ طغياناً منه. أو
أسفاً عليه، فيكونُ ندماً منه.
وقرأ أبو جعفر: ((مالاً لُبَّداً)) بتشديد الباءِ مفتوحةٌ(٣)، على جمع: لابِدٍ، مثل:
راكعٍ ورُگَع، وساجدٍ وسُجَّد، وشاهد وشُهَّد، ونحوه.
وقرأ مجاهد وحُمَيد بضمِّ الباءِ واللام مخفَّفاً، جمع لَبُود(٤). الباقون بضمِّ اللام
وكَسْرِها وفتح الباءِ مخفَّفاً، جمع لُبْدَةٍ ولِبْدَةٍ، وهو ما تَلَبَّد، يريدُ الكَثْرة(٥). وقد مضى
في سورة الجن القولُ فيه (٦).
وروي عن النبيِّ ﴿ أنه كان يقرأ: (أَيَحسب)) بضم السين في الموضعين(٧).
وقال الحسن: يقولُ: أتلفتُ مالاً كثيراً، فَمَن يحاسبني به، دعني أحسبه. أَلَمْ
يعلم أنَّ الله قادر على مُحاسبته، وأنَّ الله عزَّ وجلَّ يرى صنيعه(٨).
(١) الوسيط ٤٨٩/٤-٤٩٠ عن الكلبي ومقاتل، وذكره الفراء في معاني القرآن ٢٦٤/٣ دون نسبة.
(٢) المحرر الوجيز ٤٨٤/٥، وزاد المسير ١٢٩/٩.
(٣) النشر ٤٠١/٢ .
(٤) القراءات الشاذة ص١٧٤، والمحرر الوجيز ٤٨٤/٥ .
(٥) الكشاف ٢٥٦/٤، وقراءة الجمهور (لُبَدأ) بضم اللام وفتح الباء.
(٦) عند تفسير الآية (١٩) منها.
(٧) لم نقف على هذه الرواية بضم السين، وأخرج أبو عمر الدوري في جزء قراءات النبي 8# (١٢٨) من
طريق رجل من بني عامر عن أبيه قال: صليت خلف النبي # فقرأ: ((أيحسب أن لن يقدر عليه أحد))
مكسورة السين. وأخرجه أبو يعلى شاهداً على القراءة بفتح السين كما ذكر الحافظ في المطالب العالية
٣٩٦/٣، والسيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٧. وقد قرأ بكسر السين نافع وابن عامر والكسائي،
والباقون بفتحها. السبعة ص١٩١ - ١٩٢، والتيسير ص ٨٤ .
(٨) ذكره بنحوه الرازي ١٨٤/٣١ .

٢٩٦
سورة البلد: الآيات ٨ - ١٠
ثم عَدَّد عليه نعمَه فقال: ﴿أَلَمْ تَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ يُبْصِرُ بهما ﴿وَلِسَانًا﴾ يَنْطِقُ به.
﴿وَشَفَيْنِ﴾ يستُر بهما ثغرَه. والمعنى: نحن فَعَلنا ذلك، ونحن نقدرُ على أنْ نبعثَه
ونُحصِيَ عليه ما عَمِلَه.
وقال أبو حازم: قال النبيُّ﴾: ((إنَّ الله تعالى قال: يا ابنَ آدمَ، إنْ نازَعَكَ
لسانُكَ فيما حرَّمْتُ عليك، فقد أعنتُكَ عليه بطِبْقَينٍ فَأَظْبِقْ، وإنْ نازَعَكَ بَصَرُكَ فيما
حرَّمتُ عليك، فقد أعنتُكَ عليه بطِبْقَينٍ فَأَظْبِقْ، وإن نازعَكَ فَرْجُكَ إلى ما حرَّمتُ
عليك، فقد أعنتُكَ عليه بطِبْقَينٍ، فَأَظْبِقْ))(١).
والشَّفَةُ: أصلُها شَفَهةٌ، حُذفت منها الهاء، وتصغيرُها: شُفَيهة، والجمع: شِفاهٌ.
ويقال: شَفَهات وشَفَوات، والهاء أقْيَسُ، والواوُ أعمُّ، تشبيهاً بالسَّنوات. وقال
الأزهريُّ(٢): يقال: هذه شَفَةٌ - في الوصل - وشَفَهٌ، بالتاء والهاء.
وقال قتادة: نِعَمُ الله ظاهرةٌ، يقرِّرك بها حتى تشكر(٣).
١٠
قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَیْنِ
يعني الطريقين: طريق الخير وطريق الشرِّ. أي: بيَّناهما له بما أرسلنا من الرسُل.
والنَّجْدُ: الطريقُ في ارتفاع. وهذا قولُ ابنِ عباسٍ وابنٍ مسعودٍ وغيرهما (٤). وروى
قتادةُ قال: ذُكِر لنا أنَّ النبيََّ﴾ كان يقول: ((يا أيُّها الناسُ، إنَّما هما النَّجْدان: نجدُ
الخيرِ، ونجدُ الشرِّ، فلِمَ تجعلُ نَجْدَ الشرِّ أحبَّ إليكَ من نَجْدِ الخير؟!))(٥).
(١) الوسيط ٤٩٠/٤، وتفسير البغوي ٤٨٩/٤، وأخرجه بنحوه ابن عساكر في تاريخه ٢٢٩/٦٦ من
طريق مكحول عن النبي #.
(٢) في تهذيب اللغة ٨٦/٦، وما قبله منه.
(٣) أخرجه الطبري ٤١٥/٢٤ .
(٤) تفسير الطبري ٤١٥/٢٤-٤١٨، وأخرجه عن ابن مسعود أيضاً عبد الرزاق ٢/ ٣٧٤ .
(٥) أخرجه الطبري ٤١٨/٢٤، وأخرجه عبد الرزاق ٣٧٤/٢، والطبري ٤١٧/٢٤-٤١٨ من طريق الحسن
عن النبي %.

٢٩٧
سورة البلد: الآيتان ١٠ - ١١
ورُوي عن عكرمةَ قال: النَّجْدان: الثَّذْيان. وهو قولُ سعيد بنِ المسيِّب
والضخَّاك، ورُوِي عن ابن عباس وعليٍّ رضي الله عنهما (١)؛ لأنهما كالطريقين لحياةٍ
الولدِ ورِزْقِه. فالنَّجْدُ: العُلُوُّ، وجَمْعُه: نُجُود؛ ومنه سُمِّيَتْ ((نجد))؛ لارتفاعها عن
انخفاض تِهامةَ. فالنَّجْدان: الطّريقان العاليان. قال امرؤ القيس:
وآخَرُ منهم قاطِعٌ نَجْدَ كَبْکَبٍ(٢)
فريقان منهم جازعٌ بَظْنَ نخلةٍ
قوله تعالى: ﴿فَلَ أَقْنَحَمَ اٌلْعَقَبَةَ
أي: فهلَا أنفق مالَه الذي يزعمُ أنه أنفقه في عداوة محمدٍ، هلَا أَنفقه لاقتحامٍ
العَقَبةِ فيأمنَ! والاقتحامُ: الرَّمْيُ بالنفس في شيءٍ من غيرِ رَوِيَّةٍ؛ يقال منه: فَحَمَ في
الأمر قُحوماً، أي: رَمَى بنفسه فيه من غير رَوِيَّةٍ. وقَحَّم الفَرَسُ فارسَه تَقْحيماً على
وجهه: إذا رمَاه. وتَقْحيمُ النفسِ في الشيء: إدخالُها فيه من غير رَوِيةٍ. والقُحْمةُ
بالضمِّ: المَهْلكةُ، والسنةُ الشديدة. يقال: أصابت الأعرابَ القُحْمةُ: إذا أصابهم
قَحٌْ، فدخلوا الرِّيف. والقُحَم: صِعابُ الطريق(٣).
وقال الفرَّاء والزَّجَّاج: وذكر (لا)) مرةً واحدةً، والعربُ لا تكاد تُفْرِدُ ((لا)) مع
الفعلِ الماضي في مثل هذا الموضع، حتى يُعيدوها في كلام آخَرَ، كقوله تعالى: ﴿فَلَ
صَلَّفَ وَلَ صَلَى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. وإنَّما
(١) تفسير الطبري ٤١٩/٢٤، وتفسير البغوي ٤٨٩/٤ عن ابن عباس والضحاك وسعيد بن المسيب. ولم
نقف عليه عن علي ، وأخرج عنه الفراء في معاني القرآن ٢٦٤/٣، أن النجدين هما الخير والشر.
وكذا أخرج الفريابي وعبد بن حميد عنه أنه قيل له: إن ناساً يقولون: إن النجدين الثديان، قال: الخير
والشر. الدر المنثور ٣٥٣/٦.
(٢) ديوان امرئ القيس ص٤٣. قوله: جازع بطن نخلة، يعني بستانَ ابن معمر، وهو مجتمعٌ لواديين؛
نخلةِ الشامية، ونخلةِ اليمانية، وكبكب: اسم جبل. يعني: افترق الحيان بعد انقضاء المرتبع الذي كان
يجمعهم، ورجع كل حيٍّ إلى مائه وموضع إقامته، فكانوا فرقتين، فمنهم آخذٌ سُفْلاً، ومنهم آخِذٌ عُلُوًّا.
ينظر شرح الديوان، ومعجم البلدان ١/ ٤١٤ و٢٧٧/٥ .
(٣) الصحاح (قحم).

٢٩٨
سورة البلد: الآية ١١
أَفْرَدوها لدلالةِ آخِرٍ الكلام على معناه؛ فيجوزُ أن يكون قوله: «ثم كان من الذين
آمنوا)» قائماً مقامَ التكرير، كأنه قال: فلا اقتحَمَ العقبةَ ولا آمَن(١). وقيل: هو جارٍ
مجرى الدعاء، كقوله: لا نَجا ولا سَلِم.
﴿وَمَا أَدْرَئِكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ قال سفيان بن عُيينة: كلُّ شيءٍ قال فيه: ((وما أدراك)) فإنه
أخْبَر به، وكلُّ شيءٍ قال فيه: ((وما يدريك)) فإنه لم يُخْبِر به(٢). وقال: معنى ((فلا
اقتحم العقبة))، أي: فلم يقتحم العقبةَ، کقول زُمَیر:
وكان طَوَى كَشْحاً على مُسْتكِنَّةٍ
فلا هو أبداها ولَمْ يَتَقَدَّم(٣)
أي: فَلَمْ يُبْدِها ولم يتقدَّم. وكذا قال المبرِّد وأبو عليٍّ(٤): ((لا)) بمعنى لم. وذكره
البخاريُّ(٥) عن مجاهد. أي: فلم يقتحم العقبةَ في الدنيا، فلا يحتاجُ إلى التكرير. ثم
فَسَّر العقبةَ وركوبَها فقال: (فَكُّ رَقَبَةٍ)) وكذا وكذا، فبيَّن وجوهاً من القُرَبِ المالية.
وقال ابن زيد وجماعةٌ من المفسِّرين: معنى الكلام الاستفهامُ الذي معناه
الإنكار، تقديره: أفَلا اقْتَحَم العقبة، أو هلا اقتحمَ العقبة. يقول: هلَّا أنفق مالَه في
فكِّ الرقاب، وإطعام السَّغْبان؛ ليُجاوِزَ به العقبةَ، فيكون خيراً له من إنفاقه في عداوةٍ
محمدٍ﴾(٦).
ثم قيل: اقتحامُ العقبةِ هاهنا ضربُ مَثَلٍ، أي: هلَّا(٧) تَحَمَّلَ عِظامَ الأمورِ في
(١) معاني القرآن للفراء ٢٦٤/٣-٢٦٥، وللزجاج ٣٢٩/٥، وتفسير الطبري ٢٤/ ٤٢١ .
(٢) تفسير البغوي ٤٩٠/٤، وسلف ١٨٩/٢١ وص٢٠٤ من هذا الجزء.
(٣) ديوان زهير ص ٢٢ . قال الشارح: الكشح: الخاصرة. على مستكنة: على أمر أكْثَّه في نفسه، يقال:
طوى كشحه على كذا، أي: لم يُظْهِره.
(٤) هو الفارسي، وقوله في تفسير الرازي ١٨٥/٣١ .
(٥) في صحيحه، قبل الحديث (٤٩٤٢).
(٦) تفسير البغوي ٤٨٩/٤، وأخرجه بنحوه عن ابن زيد الطبري ٤٢١/٢٤ . والسغبان: الجائع. القاموس
(سغب).
(٧) في (م): هل.

٢٩٩
سورة البلد: الآية ١١
إنفاقِ مالِه في طاعةِ ربِّه، والإيمانِ به. وهذا إنَّما يليقُ بقولِ مَن حَمَلَ ((فلا اقتحَمَ
العَقَّبَةَ)) على الدعاء، أي: فلا نَجَا ولا سَلِمَ مَن لم يُنَفِقْ مالَه في كذا وكذا.
وقيل: شبَّه عِظَمَ الذنوبِ وثِقِلَها وشدَّتَها بعقبةٍ، فإذا أعتق رقبةً وعَمِلَ صالحاً،
كان مَثَلُه كَمَثلِ مَن اقتحم العقبةَ، وهي الذنوبُ التي تَضِرُّه وتُؤذيه وتُثْقِلُه.
وقال ابن عمر: هذه العقبةُ جبلٌ في جهنّم(١).
وعن أبي رجاءٍ قال: بَلَغنا أنَّ العقبةَ مَضْعَدُها سبعةُ آلافٍ سنةٍ، ومَهْبِطُها سبعةٌ
آلافٍ سنةٍ (٢).
وقال الحسن وقتادةُ: هي عقبةٌ شديدٌ في النار دونَ الجِسْرِ، فاقْتَحِمُوها بطاعةٍ
الله(٣).
وقال مجاهدٌ والضخَّاك والكلبيُّ: هي الصِّراطُ يُضرَبُ على جهَّم كحدِّ السيف،
مسيرة ثلاثةِ آلافٍ سنةٍ، سَهْلاً وصُعوداً وهُبوطاً(٤). واقتحامُه على المؤمن كما بَيْنَ
صلاةِ العصرِ إلى العشاء. وقيل: اقتحامُه عليه قدر ما يصلِّي صلاةَ المكتوبة(٥).
وروي عن أبي الدَّرْداءِ أنه قال: إنَّ وراءَنا عقبةٌ، أَنْجَى الناسِ منها أخفّهم
حِمْلاً(٦).
وقيل: النارُ نفسُها هي العقبةُ؛ فروى أبو رجاءٍ عن الحسن قال: بلغنا أنه ما من
مسلم يُعتقُ رقبةً إلَّا كانت فداءَه من النار(٧). وعن عبد الله بن عمر قال: مَن أعْتقَ رقبةً
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٢٦/٣ بلفظ: جبلٌ زلالٌ في جهنم، وينحوه في تفسير الطبري ٤٢٠/٢٤ .
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، كما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٥٤ .
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٤٩٠، وأخرجه عنهما بنحوه الطبري ٢٤/ ٤٢٠ .
(٤) ذكره عنهم البغوي ٤٨٩/٤ - ٤٩٠ مطولاً.
(٥) ينظر ما سلف ١٣/ ٤٩٤ .
(٦) أخرجه ابن مردويه بنحوه من حديث أبي الدرداء ﴾ مرفوعا، كما في الدر المنثور ٣٤٥/٦ .
(٧) أخرجه الطبري ٢٤/ ٤٢٢ .

٣٠٠
سورة البلد: الآيتان ١١ - ١٢
أُعْتقَ الله عزَّ وجلَّ بكلِّ عضوٍ منها عضواً منه.
وفي ((صحيح)) مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله :﴿، قال: ((مَن أعْتقَ رقبةٌ
أَعْتَقَ الله بكلِّ عضوٍ منها عضواً من أعضائه من النار، حتى فَرْجَه بفَرْجِه)»(١).
وفي الترمذيِّ عن أبي أمامةَ وغيرهِ من أصحاب النبيِّ ﴿ قال: ((أيُّما امرِئ مُسْلِم
أعتقَ امرَأْ مُسْلِماً، كان فَكَاكَهُ من النار، يَجزي كلُّ عضوٍ منه عضواً منه، وأيُّما امرأةٍ
مسلمةٍ أعتقتِ امرأةً مُسلمةً، كانت فَكاكَها من النار، يَجزي كلُّ عضوٍ منها عضواً
منها)). قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب(٢).
وقيل: العقبةُ: خلاصُه من هَوْلِ العَرْض. وقال قتادةُ وكعب: هي نارٌ دون
الجسر(٣).
وقال الحسن: هي واللهِ عقبةٌ شديدةٌ: مجاهدةُ الإنسانِ نفسَه وهواه وعدوّه
الشيطان (٤). وأنشد بعضهم:
بالنَّبْلِ قد نَصَبوا عَليَّ شِرَاكا
إنِّي بُلِيتُ بأربع يَرْمينَني
من أين أرجو بينهنَّ فَكَاكا
إبليسُ والدنيا ونفسي والهوى
أصبحتُ لا أرجو لهنَّ سِواكا
يا ربِّ ساعِدْني بعفوٍ إِنَّني
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْعَقَبَةُ
فيه حذفٌ، أي: وما أدراك ما اقتحامُ العقبة. وهذا تعظيمٌ لالتزامِ أمرِ الدِّين،
والخطابُ للنبيِّ ﴾، ليعلِّمه اقتحامَ العقبة. قال القشيرِيُّ: وحَمْلُ العقبةِ على عَقَبةِ
جهنّم بعيدٌ؛ إذ أحدٌ في الدنيا لم يقتحم عقبةَ جهنّم، إلّا أنْ يُحملَ على أنَّ المرادَ:
(١) صحيح مسلم (١٥٠٩)، وهو عند أحمد (٩٤٤١)، والبخاري (٦٧١٥).
(٢) سنن الترمذي (١٥٤٧).
(٣) أخرجه عن قتادة الطبري ٢٤/ ٤٢٠، وسلف عنه بنحوه قريباً.
(٤) الكشاف ٢٥٦/٤، وأحكام القرآن لابن العربي ١٩٢٦/٤.