Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
سورة الفجر: الآيات ٣ - ٥
وقرأ ابن مسعود وأصحابُه والكسائيُّ وحمزةٌ وخلف: ((والوِترِ)) بكسر الواو.
والباقون بفتح الواو(١)، وهما لغتان بمعنّى واحدٍ. وفي ((الصحاح)) (٢): الوتر بالكسر:
الفرد، والوَتْر بفتح الواو: الذَّحْلِ(٣). هذه لغةُ أهلِ العالية. فَأَمَّا لغة أهلِ الحجاز
فبالضِّدِّ منهم. فأمَّا تميمٌ فبالكسرِ فيهما.
قوله تعالى: ﴿وَأَِّلِ إِذَا يَسْرِ ﴿﴿ هَلْ فِ ذَلِكَ قَسَمٌ لَّذِى ◌ِجْرٍ
٥
٠
قوله تعالى: ﴿وَلَّلِ إِذَا يَسْرٍ﴾ وهذا قَسَمٌ خامسٌ. وبعدَ ما أَقْسَم بالليالي العَشْرِ على
الخصوص، أَقْسَم بالليل على العموم. ومعنى (يسري)) أي: يُسْرَى فيه، كما يقال:
ليلٌ نائمٌ، ونهارٌ صائمٌ؛ قال:
لَقَدْ لُمْتِنا يا أمَّ غَيلانَ في السُّرَى ونِمْتِ وما ليلُ المِطِيِّ بنائم(٤)
ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ
المعاني، وهو قولُ القُتَبِيِّ والأخفش(٥).
وقال أكثرُ المفسِّرين: معنى (يَسْرِي)): سار فذهب(٦).
وقال قتادةُ وأبو العاليةِ: جاء وأَقْبَل(٧).
ورُوِي عن إبراهيم: ((والليلِ إِذا يَسْرِ)) قال: إذا استوى.
وقال عكرمةُ والكلبيُّ ومجاهدٌ ومحمد بن كعب في قوله ((والليلٍ)): هي ليلةٌ
(١) السبعة ص ٦٨٣، والتيسير ص٢٢٢، والنشر ٤٠٠/٢.
(٢) مادة (وتر).
(٣) النحل: الحقد والعداوة. الصحاح (ذحل).
(٤) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٩٩٣/٢، وسلف ٢٠/١١.
(٥) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٥٢٦ ، وسيأتي عن الأخفش.
(٦) أخرجه الطبري ٣٥٦/٢٤-٣٥٧ عن ابن الزبير وابن عباس ومجاهد وقتادة وأبي العالية وابن زيد.
(٧) ذكره عن قتادة البغوي ٤/ ٤٨٢، وابن الجوزي ١٠٨/٩ .

٢٦٢
سورة الفجر: الآيتان ٤-٥
المزدلفةِ خاصةً؛ لاختصاصها باجتماع الناسِ فيها لطاعة الله(١).
وقيل: ليلة القَدْر؛ لسِرايةِ الرحمةِ فيها، واختصاصِها بزيادةِ الثوابِ فيها(٢).
وقيل : إنه أراد عمومَ الليلِ كلِّه.
قلت: وهو الأظهرُ كما تقدَّم. والله أعلم.
وقرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ محُيصنٍ ويعقوبُ: ((يسري)) بإثباتِ الياءِ في الحالين، على
الأصل؛ لأنها ليست بمجزومةٍ، فتَثْبتُ فيها الياء. وقرأ نافعٌ وأبو عمرو بإثباتها في
الوصل، وبحذفها في الوقف(٣)، وروي عن الكسائيّ. قال أبو عبيد: كان الكسائيُّ
يقول مرةً بإثبات الياء في الوصل، وبحذفها في الوقف؛ اتِّباعاً للمصحف، ثم رجع
إلى حَذْفِ الياءِ في الحالين جميعاً (٤)؛ لأنَّه رأسُ آيةٍ، وهي قراءةُ أهلِ الشَّامِ والكوفةِ،
واختيارُ أبي عُبيد، اتِّباعًا للخطّ؛ لأنَّها وقعت في المصحفِ بغيرِ ياءِ. قال الخليل:
تسقطُ الياءُ منها اتِّفاقًا لرؤوسِ الآي.
قال الفرَّاء: قد تحذفُ العربُ الياءَ وتكتفي بكَسْرِ ما قَبْلَها، وأنشد بعضُهم:
جُوداً وأخرى تُعْطِ بالسَّيف الدَّمَا(٥)
كفَّاكَ كَفِّ ما تُلِيقُ دِرِهَمًا
يقال: فلانٌ ما يُلِيقُ درهماً من جُودِهِ، أي: ما يُمُسِكُه، ولا يلصقُ به .
وقال المؤرِّج: سألتُ الأخفشَ عن العِلَّة في إسقاطِ الياءِ من ((يَسْرٍ))، فقال: لا
أُجِيبُكَ حتى تَبِيتَ على بابٍ داري سنةً، فبِتُّ على بابٍ دارِهِ سنةٌ(٦)، فقال: الليلُ لا
(١) النكت والعيون ٢٦٦/٦، وتفسير البغوي ٤/ ٤٨٢، والمحرر الوجيز ٤٧٨/٥، وأخرجه عن عكرمة
الطبري ٢٤/ ٣٥٧-٣٥٨ .
(٢) النكت والعيون ٢٦٦/٦ .
(٣) وهي قراءة أبي جعفر أيضاً. السبعة ص ٦٨٣، والتيسير ص٢٢٢، والنشر ٤٠٠/٢ .
(٤) وهذا هو المشهور عنه: حذف الياء في الحالين، وذكر قول أبي عبيد ابن مجاهد في السبعة ص ٦٨٣ .
(٥) معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٦٠. وسلف البيت ٢٠٩/١١.
(٦) كذا في النسخ، ولعل الصواب في الموضعين: ليلة، كما في البرهان للزركشي ١٠٧/٣، وذكر القصة
أيضاً صاحب كتاب الوافي بالوفيات ٢٦٠/١٥ وفيه: حتى تبيت على باب داري، دون تعيين.

٢٦٣
سورة الفجر: الآيتان ٤ - ٥
يَسْري وإنَّما يُسْرَى فيه، فهو مصروفٌ، وكلُّ ما صَرَفْتَه عن جِهَتِهِ بَخَسْتَه من إعرابه،
ألَا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، ولم يَقُلْ: بغيَّةً، لأنه
صَرَفَها عن باغية (١).
الزمخشريُّ: وياءُ ((يسري)) تُحذفُ في الدَّرْجِ اكتفاءً عنها بالكسرة، وأمَّا في
الوقف فتُحذَفُ مع الكسرة. وهذه الأسماءُ كلُّها مجرورةٌ بالقَسَم، والجوابُ محذوفٌ،
وهو: لَيُعَذَّبُنَّ، يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبِّكَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَصَبَّ
عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾(٢).
وقال ابن الأنباريِّ: هو: ((إِنَّ رَبَّكَ لِالمِرْصادٍ))(٣).
وقال مقاتلٌ: ((هل)) هنا في موضع إنَّ؛ تقديرهُ: إنَّ في ذلك قَسَماً لذي حِجْر.
فـ((هل)) على هذا في موضع جوابِ القَسَم(٤). وقيل: هل(٥) على بابها من الاستفهام
الذي معناه التقدير، كقولك: أَلَمْ أُنْعِمْ عليك؟ إذا كنتَ قد أَنْعَمْتَ.
وقيل: المرادُ بذلك التأكيدُ لِمَا أَقْسَم به وأَقْسَم عليه. والمعنى: بل في ذلك مَقْنَعٌ
الذي حِجْرٍ. والجوابُ على هذا: ((إِنَّ رَبَّكَ لِالمِرْصادِ)). أو مُضْمَرٌ محذوفٌ.
ومعنى ﴿لَّذِى حِمْرٍ﴾ أي: لذي لُبِّ وعقلٍ، قال الشاعر:
يُرَجَّى من الفِتيانِ مَن كان ذا حِجْرِ (٦)
وكيف يُرجَّى أَنْ تَتوبَ وإنَّما
(١) ذكر قول الأخفش دون ذكر القصة البغوي ٤/ ٤٨٢ .
(٢) الكشاف ٢٤٩/٤ و٢٥٠.
(٣) إيضاح الوقف والابتداء ٩٧٦/٢.
(٤) قال أبو حيان في البحر ٤٦٩/٨: هذا قولٌ لم يَصْدُرْ عن تأمُّل؛ لأن المقسَمَ عليه - على تقدير أن يكون
التركيب: إن في ذلك قسماً لذي حجر - لم يُذْكَر، فيبقى قسم بلا مُقْسمٍ عليه؛ لأن الذي قدَّره لا يصح
أن يكون مُقْسَماً عليه . اهـ. وذكر قول مقاتل الماوردي في النكت والعيون ٢٦٧/٦ دون قوله: فـ ((هل))
على هذا ...
(٥) في (م): هي.
(٦) البيت الحارث بن مُنَبِّهِ الجنبي، كما روى ابن الأنباري عن السدي في إيضاح الوقف والابتداء ٧٥/١ ،
وفيه: وكيف رجائي أن تثوب وإنما ...

٢٦٤
سورة الفجر: الآيات ٥ - ٧
كذا قال عامَّةُ المفسّرين(١)، إلَّا أنَّ أبا مالكِ قال: (لِذِي حِجْرٍ)) الذي سِتْرٍ من
الناس(٢). وقال الحسن: لذي حِلْم (٣). قال الفرَّاء: الكلُّ يرجعُ إلى معنّى واحدٍ: لذي
حجر، ولذي عقلٍ، ولذي حِلْمٍ، ولذي سِتْرٍ؛ الكلُّ بمعنى العقل (٤).
وأصلُ الحِجر: المنعُ. يقال لِمَن مَلَكَ نفسَه ومَنَعها: إنه لذو حِجْر، ومنه سمِّي
الحَجَر؛ لامتناعه بصلابته، ومنه: حَجر الحاكمُ على فلان، أي: مَنَعه وضَبَطَه عن
التصرُّف؛ ولذلك سمِّيتِ الحُجْرةُ حجرةً؛ لامتناع ما فيها بها. وقال الفرَّاء(٥): العربُ
تقول : إنه لذو حِجْر: إذا كان قاهراً لنفسِه، ضابطاً لها كأنه أُخِذَ من: حَجَرتُ على
الرجل.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿﴿ إَِمَ ذَاتِ اٌلْعِمَادِ
٧
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ أي: مالِكُكَ وخالِقُكَ. ﴿بِمَادٍ * إِرَمَ﴾ قراءةُ
العامَّةِ: ((بعادٍ)) منوَّناً. وقرأ الحسن وأبو العالية: ((بِعادِ إِرَمَ)) مضافاً (٦). فَمَن لم يُضِفْ
جعل ((إِرَمَ)) اسمَه، ولم يَصْرِفْه؛ لأنه جعل عادًا اسمَ أبيهم، وإرمَ اسَمَ القَبِيلة، وجعله
بدلاً منه أو عَظْفَ بيانٍ. ومَن قَرَأه بالإضافة ولم يَصْرِفه جعله اسمَ أمُّهم(٧)، أو اسمَ
بلدتهم.
وتقديرُه(٨): بعادٍ أهلِ إرمَ، كقوله: ﴿وَسْئَلِ الْفَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. ولم تنصرفْ -
(١) تنظر أقوالهم في تفسير الطبري ٣٥٨/٢٤-٣٦٠ .
(٢) النكت والعيون ٦/ ٢٦٧ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٣٦٠ .
(٤) معاني القرآن للفراء ٣/ ٢٦٠ بنحوه.
(٥) في معاني القرآن ٢٦٠/٣ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٠/٥ عن الحسن، وذكرها الزمخشري في الكشاف ٢٥٠/٤ عن ابن الزبير
رضي الله عنهما.
(٧) في (ظ): أبيهم، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الصحاح (أرم) والكلام منه.
(٨) يعني على قراءة العامة وليس على قراءة الإضافة، وذلك على القول بأن ((إرم)) هو اسم البلدة أو
المدينة. ينظر الكشاف ٤/ ٢٥٠، وتفسير الرازي ١٦٧/٣١، والدر المصون ٧٨٢/١٠، واللباب
٣١٥/٢٠.

٢٦٥
سورة الفجر: الآيتان ٦ - ٧
قبيلةً كانت أو أرضًا - للتعريفِ والتأنيث(١).
وقراءةُ العامةِ: ((إِرَمَ)) بكَسْرِ الهمزة. وعن الحسن أيضاً: ((بعادَ إرَمَ)) مفتوحتين(٢).
وقرِئ: ((بعادٍ أَزْمَ)) بسكونِ الراء، على التخفيف، كما قرئ: ((بوَرْقِكم)»(٣).
وقرئ: ((بِعادِ إِرَمِ ذاتِ العِمادِ)) بإضافة ((إِرَمِ)) إلى ((ذاتِ العِمادِ)). والإرَمُ: العَلَم.
أي: بعادٍ أهلِ أعلامِ ذاتِ العماد(٤).
وقرئ: ((بِعادٍ أَرَمَّ ذاتَ العِمادِ)) أي: جعل الله ذاتَ العمادِ رميمًا(٥).
وقرأ مجاهدٌ والضحاكُ وقتادةُ: ((أَرم)) بفتح الهمزة(٦). قال مجاهد: مَن قرأ بفتح
الهمزة شبَّههم بالآرام، التي هي الأعلام، واحدُها: أَرِمِ(٧).
وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: والفجرِ وكذا وكذا إنَّ ربَّك لبالمِرصاد ((أَمْ تَرَ))
أي: أَلَم يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى ما فعل ربُّك بعاد. وهذه الرؤيةُ رؤيةُ القلب، والخطابُ
للنبيِّ ﴾، والمرادُ عامٌّ. وكان أمرُ عادٍ وثمودَ عندهم مشهوراً؛ إذ كانوا في بلادٍ
(١) الكشاف ٤/ ٢٥٠.
(٢) القراءات الشاذة ص١٧٣، والمحرر الوجيز ٤٧٨/٥، والكشاف ٢٥٠/٤، و((عادَ)) على هذه القراءة
غير مصروفة كما ذكر ابن خالويه وابن عطية.
(٣) الكشاف ٢٥٠/٤، وهي بفتح الهمزة من ((أرم))، كذا ذكرها ابن جني في المحتسب ٣٥٩/٢، وأبو
حيان في البحر ٤٦٩/٨ عن الضحاك. قال السمين في الدر المصون ٧٨٣/١٠: هي تخفيف (أرِم))
بكسر الراء، وهي لغة في اسم المدينة . اهـ. و((عاد» على هذه القراءة رويت مصروفة وغير مصروفة،
كما ذكر أبو حيان.
(٤) في النسخ: أي بعاد أهل ذات العلم، والمثبت من الكشاف ٢٥٠/٤ والكلام منه. وهي أعلام كان قوم
عاد يبنونها على هيئة المنارة وعلى هيئة القبور، كما ذكر الرازي ١٦٧/٣١ .
(٥) الكشاف ٤/ ٢٥٠. وهي بدل من: ((فَعَل ربك)) كما ذكر الزمخشري، أو دعاء عليهم، كما ذكر السمين
في الدر المصون ٧٨٣/١٠. والقراءة ذكرها ابن جني في المحتسب ٣٥٩/٢ وستأتي.
(٦) القراءة بفتح الهمزة ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٧٨/٥ عن الضحاك وقيدها بفتح الراء، وعن
ابن الزبير وقيدها بكسر الراء، وقرئت أيضاً: ((أَزْم)) بسكون الراء كما سلف .
(٧) مثل كَتِف، وكذلك إرَم، مثل: عِنب. القاموس (أرم).

٢٦٦
سورة الفجر: الآيتان ٦ - ٧
العرب، وحِجْرُ ثمودَ موجودٌ اليوم. وأمرُ فرعونَ كانوا يسمعونه من جيرانهم من أهل
الكتاب، واستفاضتْ به الأخبار، وبلادُ فرعونَ متَّصلةٌ بأرض العرب. وقد تقدَّم هذا
المعنى في سورة البروج(١) وغيرها.
﴿ِمَادٍ﴾ أي: بقوم عاد. فروى شَهْر بن حَوْشَب عن أبي هريرة قال: إنْ كان
الرجلُ من قوم عادٍ لَيتَّخذُ المِصْراعَ من حجارة، ولو اجتمع عليه خمسُ مئةٍ من هذه
الأمةِ لم يستطيعوا أن يُقِلُّوه، وإنْ كان أحدُهم ليُدخِلُ قدمه في الأرض فتدخلُ فيها(٢).
و((إِرَم))، قيل: هو سام بنُ نوح؛ قاله ابنُ إسحاق(٣). وروى عطاء عن ابن عباس -
وحكي عن ابن إسحاق أيضاً - قال: عاد بن إرَم. فإرَمُ على هذا أبو عاد، وعاد بن إرَم
ابن عوص بن سام بن نوح (٤). وعلى القول الأوّل: هو اسمُ جدِّ عاد. قال ابن
إسحاق: كان سام بنُ نوح له أولاد، منهم إرم بنُ سام، وأَرْفَخْشَذ بن سام. فَمِن ولد
إرم بنِ سام العمالقةُ والفراعنةُ والجبابرةُ والملوكُ الطغاةُ والعصاة.
وقال مجاهد: ((إِرَم)) أمّةٌ من الأمم. وعنه أيضاً: أنَّ معنى إرَمَ: القديمة، ورواه
ابن أبي نَجِيح(٥). وعن مجاهدٍ أيضاً أنَّ معناها: القوية.
وقال قتادة: هي قبيلةٌ من عاد(٦). وقيل: هما عادان. فالأولى هي إرَم؛ قال الله
عز وجل: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُوْلَى﴾ [النجم: ٥٠]. فقيل لعقِب عاد بن عَوْص بن إرَمَ بن
سام بن نوح: عاد، كما يقال لنبي هاشم: هاشم. ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى
(١) ص١٩٨ من هذا الجزء.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٨ (١٥٨٣٧).
(٣) الذي قال إن إرم هو سام بن نوح، الكلبي كما في تهذيب اللغة ١٥/ ٣٠١، وقول ابن إسحاق الذي
ذكره ابن هشام في السيرة ١/ ٧ : أن إرم هو ابن سام بن نوح. وسيأتي.
(٤) ذكر هذه الرواية عن ابن إسحاق الطبري ٣٦٣/٢٤، والماوردي ٢٦٨/٦.
(٥) أخرج القولين عن مجاهد الطبري ٢٤/ ٣٦٢ .
(٦) أخرجه الطبري ٣٦٢/٢٤-٣٦٣.

٢٦٧
سورة الفجر: الآيتان ٦ - ٧
- وإِرَم: تسميةٌ لهم باسمٍ جَدِّهم - ولمَن بعدهم: عادٌ الأخيرة(١). قال ابن الرُّقَيّات:
مَجْدًا تلِيداً بناهُ أوَّلُهم أَدْرَكَ عاداً وقبلهُ إِرَمَا(٢)
وقال مَعْمر: ((إرم)): إليه مجمعُ عاد وثمود، وكان يقال: عادُ إرَمَ، وعادُ ثَمُودَ(٣).
وكانت القبائلُ تنتسب (٤) إلى إرم.
﴿ذَاتِ الْعِمَادِ، أَِّي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِىِ الْبِلَدِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: كان
الرجلُ منهم طولُه خمسُ مئةٍ ذراع، والقصيرُ منهم طولُه ثلاثُ مئةِ ذراعٍ بذراع نفسه.
ورُوي عن ابن عباس أيضاً أنَّ طولَ الرجلِ منهم كان سبعين ذراعاً. ابن العربيّ(٥):
وهو باطلٌ؛ لأنَّ في الصحيح: ((إنَّ الله خَلَقَ آدَمَ طولُه ستُّونَ ذراعاً في الهواء، فلم
يَزَل الخَلْقُ يَنقُصُ إلى الآن)) (٦). وزعم قتادة: أنَّ طولَ الرجلِ منهم اثنا عَشَرَ
ذراعاً(٧).
قال أبو عبيدة(٨): ((ذاتِ العِمادِ)): ذات الُول. يقال: رجلٌ مُعَمَّدٌ: إذا كان
طويلاً. ونحوه عن ابن عباس ومجاهد(٩).
وعن قتادة أيضاً: كانوا عِمادًا لقومهم؛ يقال: فلانٌ عميدُ القوم وعَمودُهم، أي:
سيدُهم وعنه أيضاً: قيل لهم ذلك؛ لأنهم كانوا ينتقلون بأبياتهم للانتجاع، وكانوا
(١) تفسير الرازي ١٦٧/٣١، وذكر هذا القول مختصراً أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٩٧، والزجاج في
معاني القرآن ٣٢٢/٥ .
(٢) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات ص ١٥٥ .
(٣) ذكره البغوي ٤/ ٤٨٢ عن الكلبي، وفيه: عاد إرم وثمود إرم، وهو أشبه.
(٤) في (د) و(ظ): تنسب.
(٥) في أحكام القرآن ١٩١٨/٤ .
(٦) أخرجه مطولاً أحمد (٨١٧١)، والبخاري (٣٣٢٦)، ومسلم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة﴾.
(٧) أخرجه الطبري ٢٤/ ٣٦٧ .
(٨) في مجاز القرآن ٢/ ٢٩٧ .
(٩) أخرج قولهما الطبري ٢٤/ ٣٦٥ .

٢٦٨
سورة الفجر: الآيتان ٦ - ٧
أهلَ خيامٍ وأعمدة، ينتجعون الغيوثَ، ويطلبون الكلأ، ثم يرجعون إلى منازلهم (١).
وقيل: ((ذاتِ العِمادِ)) أي: ذاتِ الأبنيةِ المرفوعةِ على العَمَد. وكانوا ينصبون
الأعمدةَ، فيبنون عليها القصور. قال ابن زيد: ((ذاتِ العِمادِ)): يعني إحكامَ البُنيانِ
بالعَمَد(٢). وفي ((الصحاح)): والعماد: الأبنيةُ الرفيعةُ، تُذكَّر وتؤنَّث، قال عمرو بن
كلثوم :
ونحن إِذا عِمادُ الحيِّ خَرَّتْ على الأَخْفاضِ نَمْنعُ مَن يَلِنا
والواحدةُ عِمادة. وفلانٌ طويلُ العِماد: إذا كان منزِلُه مَعْلَماً لزائرِهِ(٣).
والأحفاض: جمعُ حَفَضٍ بالتحريك، وهو متاعُ البيتِ إذا هُيِّء ليُحْمَلَ، أي: خَرَّتْ
على المتاع. ويروى: عن الأحفاض، أي: خرَّت عن الإبل التي تحملُ خُرْئيَّ
البيت (٤).
وقال الضحاك: ((ذاتِ العِمادِ)) ذات القوَّةِ والشدّة، مأخوذٌ من قوَّةِ الأعمدة(٥)،
دليلُه قولُه تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ﴾ [فصلت: ١٥].
وروى عوفٌ عن خالد الرَّبعيِّ: ((إِرم ذاتِ العِمادِ)) قال: هي دمشق. وهو قولُ
عكرمةَ وسعيدِ المَقْبُرِيِّ. ورواه ابنُ وهبٍ وأشهبُ عن مالك(٦). وقال محمد بن كعب
القُرظيُّ: هي الإسكندرية(٧).
(١) تفسير الطبري ٢٤/ ٣٦٥-٣٦٦ .
(٢) النكت والعيون ٢٦٨/٦، وزاد المسير ١١٢/٩.
(٣) الصحاح (عمد)، وبيت عمرو بن كلثوم في شرح المعلقات للنحاس ٢/ ١٠١ .
(٤) الصحاح (حفض). والخُرْثي: أثاث البيت، أو أردأ المتاع والغنائم. القاموس (خرث).
(٥) النكت والعيون ٢٦٨/٦، وأخرجه الطبري ٣٦٦/٢٤، دون قوله: مأخوذ ...
(٦) تفسير الطبري ٣٦٢/٢٤ عن المقبري، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٠/٥-٢٢١، وأحكام القرآن لابن
العربي ١٩١٩/٤ عن مالك، وأخرجه عن عكرمة وخالد الربعي عبد بن حميد، كما في الدر المنثور
٣٤٧/٦.
(٧) أخرجه الطبري ٢٤/ ٣٦١. قال النحاس في إعراب القرآن ٢٢١/٥: فأما أن يكون إرم الإسكندرية =

٢٦٩
سورة الفجر: الآية ٨
قوله تعالى: ﴿اَلَِّى لَمْ يُخْلَقّ مِثْلُهَا فِىِ اَلْبِلَدِ
الضمير في (مِثْلِها)) يرجعُ إلى القبيلة. أي: لم يُخْلَقْ مثلُ القبيلةِ في البلاد: قوةً
وشدةً، وعِظَمَ أجسادٍ، وطولَ قامةٍ؛ عن الحسن(١) وغيرهٍ. وفي حرف عبدِ الله: ((التي
لم يُخْلَقْ مِثْلُهُم في البلاد))(٢). وقيل: يرجع للمدينة. والأوّلُ أَظْهَرُ، وعليه الأكثرُ،
حَسْبَ ما ذكرنا.
ومَن جعل ((إِرم)) مدينةً قدَّر حَذْفًا، المعنى: كيف فَعَلَ ربُّك بمدينةِ عادٍ إرم، أو
بعادٍ صاحبةِ إرم. وإرمُ على هذا: مؤنََّةٌ معرفة [فلذلك لم تنصرف] (٣).
واختار ابن العربيِّ أنها دمشق؛ لأنه ليس في البلاد مثلُها. ثم أخذ يَنْعتُها بكَثْرةٍ
مياهِها وخيراتها. ثم قال: وإنَّ في الإسكندرية لعجائبُ، لو لم يَكُنْ إلَّ المنارةُ، فإنَّها
مَبْنيةُ الظاهرِ والباطنِ على العَمَد، ولكنْ لها أمثالٌ، فأمَّا دِمشقُ فلا مِثلَ لها. وقد روى
مَعْنٌ عن مالكِ: أنَّ كتاباً وُجِد بالإسكندرية، فلم يُدْرَ ما هو؟ فإذا فيه: أنا شدّاد بن
عاد، الذي رفع العماد، بنيتُها حين لا شَيْبَ ولا مَوْت. قال مالك: إنْ كان لتمرُّ بهم
مئةُ سنةٍ لا يَرَوْنَ فيها جنازةً(٤).
وذُكر عن ثور بن زيد أنه قال: أنا شدَّاد بن عاد، وأنا الذي رفعتُ العماد، وأنا
الذي شَدَدْتُ بذراعي بطنَ الوادي، وأنا الذي كنزتُ كنزاً على سبعةٍ أَذْرُعِ، لا يُخْرِجه
إلَّا أمّهُ محمدٍ ﴾ (٥).
ورُوِي أنه كان لعاد ابنان: شدَّاد وشديد، فَمَلَكا وقَهَرا، ثم مات شديدٌ وخلصَ
= أو دمشق فبعيد؛ لقول الله تعالى: ﴿واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف﴾ والحقف ما التوى من
الرمل، وليس كذا دمشق ولا الإسكندرية. وردّ هذا القول أيضاً ابن كثير عند تفسير هذه الآية.
(١) النكت والعيون ٢٦٨/٦.
(٢) لم نقف على هذه القراءة عند غير المصنف.
(٣) مشكل إعراب القرآن ٨١٧/٢، وما بين حاصرتين منه.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٩١٩ .
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية، وفتح الباري ٧٠٢/٨ ، وذكره الماوردي
في النكت والعيون ٢٦٨/٦، وابن العربي في أحكام القرآن ١٩٢٠/٤.

٢٧٠
سورة الفجر: الآية ٨
الأمرُ لشدَّاد، فملك الدنيا ودانَتْ له ملوكُها؛ فسمع بذِكْرِ الجنة، فقال: أبني مِثْلَها.
فبنَى إرَمَ في بعض صحارى عَدَن في ثلاثٍ مئةٍ سنةٍ، وكان عمرُه تسعَ مئةٍ سنةٍ. وهي
مدينةٌ عظيمةٌ، قصورُها من الذهب والفضة، وأساطينُها من الزَّبَرْجد والياقوت، وفيها
أصنافُ الأشجار والأنهارِ المُطَرِدة. ولمَّا تمَّ بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلمّا كان
منها على مسيرة يومٍ وليلة، بعث الله عليهم صحيةً من السماء فهلكوا(١).
وعن عبد الله بن قِلابة: أنه خرج في طلب إبلٍ له، فوقع عليها، فحمل ما قدرَ
عليه مما ثَمَّ، وبلغ خبرُه معاويةَ فاستحضره، فقصَّ عليه، فبعث إلى کعبٍ فسأله،
فقال هي إرَمُ ذاتُ العماد، وسيدخلها رجلٌ من المسلمين في زمانك، أحمرُ أشقرُ
قصير، على حاجبه خالٌ، وعلى عَقِبه خال، يخرج في طلب إبلٍ له، ثم التَفتَ فأَبْصرَ
ابنَ قِلابة، وقال: هذا واللهِ ذلك الرجل(٢).
وقيل: أي: لم يُخْلق مثلُ أبنيةِ عاد المعروفةِ بالعَمَد. فالكنايةُ للعماد. والعمادُ
على هذا: جمع عَمَد(٣).
وقيل: الإرَم: الهلاكُ؛ يقال: أَرِمَ بنو فلان، أي: هلكوا. وقاله ابن عباس(٤).
وقرأ الضحاك: ((أَرَمَّ ذاتَ العِمادِ)(٥)، أي: أهْلَكَهم، فجعلهم رَمِيماً.
(١) الكشاف ٢٥٠/٤ . والأساطين: جمع أسطوانة، وهي السارية. القاموس (سطن).
(٢) الكشاف ٤/ ٢٥٠، وأخرجه مطولاً جدًّا أبو الشيخ في العظمة (٩٩٥)، وفيه: وعلى عنقه خال، بدل:
وعلى عقبه خال. قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٨٤ : آثار الوضع عليه لائحة .. وقال
ابن كثير: هذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي (يعني عبد الله بن قلابة) فقد
يكون اختلق ذلك، أو أنه أصابه نوع من الهوس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، وليس
كذلك، وهذا مما يُقطع بعدم صحته.
(٣) تفسير الرازي ١٦٨/٣١. وأخرج الطبري ٣٦٨/٢٤ هذا القول عن ابن زيد. قال ابن كثير: قول ابن زيد
ومن ذهب مذهبه ضعيف؛ لأنه لو كان أراد ذلك لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد، وإنما قال:
يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَدِ﴾.
(٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٣٦٣ .
(٥) المحتسب ٣٥٩/٢- ٣٦٠ عن ابن عباس والضحاك. وقد سلفت.

٢٧١
سورة الفجر: الآية ٩
٩
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِأَلْوَادِ
ثمود: هم قومُ صالح. و((جابوا)): قَطَعوا. ومنه: فلانٌ يجوب البلادَ، أي:
يقطعُها. وإنَّما سمِّي جيبُ القميصِ لأنه جِيبَ، أي: قطع. قال الشاعرُ وكان قد نَزَلَ
على ابنِ الزبيرِ بمكةَ، فكتب له بستِّين وسْقًا يأخذُها بالكوفة، فقال:
آلَ الزُّبَيرِ ولم تَعْدِلْ بهم أَحدَا
راحَتْ رَوَاحًا قَلُوصِي وهي حامدةٌ
ما حمِّلتْ حِمْلَها الأدنى ولا السَّددا
راحتْ بستّينَ وَسْقًا في حَقِيبتها
◌ِتِّينِ وَسْقًا ولا جابَتْ به بلدا(١)
ما إنْ رأيتُ قَلُوصًا قَبْلَها حَمَلتْ
أي: قَطَعتْ. قال المفسِّرون: أوّلُ مَن نَحَتَ الجبالَ والصخورَ والرخامَ: ثمود.
فبنَوْا من المدائن ألفاً وسبعَ مئةِ مدينةٍ كلُّها من الحجارة. ومن الدُّورِ والمنازلِ ألفَيْ
ألفٍ وسبعَ مئةِ ألف، كلُّها من الحجارة. وقد قال تعالى: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِنُونَ مِنَ الِْبَالِ بُيُوتًا
ءَامِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. وكانوا لقوَّتهم يُخرجون الصخورَ، وينقبون الجبال،
ويجعلونها بيوتاً لأنفسهم.
﴿بِالوادي﴾(٢) أي: بوادي القُرَى؛ قاله محمد بنُ إسحاق(٣). وروى أبو الأشهب
عن أبي نَضْرةً قال: أَتَّى رسولُ اللـه :﴿ في غَزاةٍ تَبوك على وادي ثمود، وهو على فَرَسٍ
أَشْقَرَ، فقال: ((أَسْرِعوا السيرَ، فإنَّكم في وادٍ ملعون))(٤).
(١) الأبيات لأبي وجزة السعدي، والخبر مع الأبيات في الكامل للمبرد ٢٤٣/١، والأغاني ٢٤٤/١٢ ،
ووقع فيهما في أول الخبر: آل الزبير، بدل: ابن الزبير.
(٢) بإثبات الياء وصلاً: ورش، وفي الحالين: البزي ويعقوب، وأما قنبل فأثبتها وصلاً، واختلف عنه وقفاً،
فروي عنه إثباتها وروي عنه حذفها، وحَذفها الباقون في الحالين. ينظر السبعة ص ٦٨٣ ، والتيسير
ص٢٢٢- ٢٢٣، والنشر ٢/ ٤٠٠ .
(٣) النكت والعيون ٢٦٩/٦، ووادي القرى: واد بين الشام والمدينة، وهو بين تيماء وخيبر، من أعمال
المدينة كثير القرى. معجم البلدان ٣٣٨/٤ و٣٤٥/٥ .
(٤) النكت والعيون ٢٦٩/٦، وأخرجه البغوي في الجعديات (٣١٧٧)، والذهبي في السير ٢٨١/٧ وقال:
هذا مرسل جيد. وأبو الأشهب هو جعفر بن حيان العطاري البصري، وأبو نضرة هو المنذر بن مالك بن
قُطَعة العبدي البصري، توفي سنة (١٠٨ هـ). التهذيب ٤ / ١٥٤ .

٢٧٢
سورة الفجر: الآيات ٩ - ١٣
وقيل: الوادي بين جبالٍ، وكانوا ينقُبون في تلك الجبال بيوتاً ودُوراً وأحواضاً.
وكلٌّ مُنْفَرَجٍ بين جبالٍ أو تلالٍ يكون مسلكاً للسيل ومنفذاً فهو وادٍ.
قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى اُلْأَوْنَادِ
أي: الجنودِ والعساكرِ والجموعِ والجيوشِ التي تشدُّ مُلْكَه؛ قاله ابن عباس(١).
وقيل: كان يعذِّب الناس بالأوتاد، ويشدُّهم بها إلى أن يموتوا، تجبُّراً منه وعُتُوًّا.
وهكذا فعل بامرأته آسيةً وماشطةِ ابنته، حَسْبَ ما تقدَّم في آخر سورة التحريم(٢).
وقال عبد الرحمن بن زيد: كانت له صخرةٌ تُرفع بالبكرات، ثم يؤخذُ الإنسان
فتُوتَدُ له أوتادُ الحديد، ثم يرسلُ تلك الصخرة عليه فتشدخُه. وقد مضى في سورة
((ص))(٣) مِن ذِكْرٍ أوتادِهِ ما فيه كفايةٌ. والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْاْ فِى الْبِلَدِ
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ
) فَأَكْثَرُواْ فِيَهَا الْفَسَادَ
رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاپٍ
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْاْ فِى الْبِلَدِ﴾ يعني عادًا وثمودًا (٤) وفرعونَ، ((طَغَوْا)) أي:
تمرَّدوا وعَتَوْا وتَجاوَزوا القَدْرَ في الظُّلْم والعُدوان. ﴿فَأَكْثَرُواْ فِيَهَا الْفَسَادَ﴾ أي: الجَوْرَ
والأذى.
و ((الذين طَغَوْا)) أَحْسنُ الوجوهِ فيه أن يكون في محلِّ النَّصْبِ على الذَّمِّ. ويجوزُ أنْ
يكونَ مرفوعاً على: هم الذين طَغَوْا، أو مجروراً على وصفِ المذكورِينَ: عادٍ،
وثمودَ، وفرعونَ(٥).
(١) أخرجه الطبري ٢٤/ ٣٧١ .
(٢) ٢١ /١٠٤ - ١٠٥.
(٣) عند تفسير الآية (١٢).
(٤) مَن صَرَفه ذهب به إلى الحي؛ لأنه اسم عربي مذكّر سمي بمذكَّر، ومَن لم يَصْرِفه ذهب به إلى القبيلة،
وهي مؤنثة. اللسان (ثمد).
(٥) تفسير الرازي ١٦٩/٣١.

٢٧٣
سورة الفجر: الآيات ١١ - ١٣
﴿فَصَبَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: أَفْرِغَ عليهم وأَلْقَى؛ يقال: صبَّ على فلان
خِلْعةً، أي: ألقاها عليه وقال النابغة:
وكان له بينَ البَرِيَّة ناصِرا(١)
فَصْبَّ عليه اللهُ أَحْسَنَ صُنْعِه
﴿سَوّطَ عَذَابٍ﴾ أي: نَصِيبَ عذابٍ. ويقال: شِدَّته؛ لأنَّ السوطَ كان عندهم نهايةَ
ما يُعَذَّب به، قال الشاعر :
أَلَمْ تَرَ أنَّ الله أظهرَ دِينه
وصبَّ على الكفّار سَوْطَ عَذابٍ (٢)
وقال الفرَّاء(٣): هي كلمةٌ تقولُها العربُ لكلِّ نوع من أنواع العذاب. وأصلُ
ذلك: أنَّ السَّوْطَ هو عذابُهم الذي يُعذّبون به، فجرى لكلِّ عذابٍ؛ إذ كان فيه عندهم
غايةُ العذاب.
وقيل: معناه: عذاب يخالطُ اللَّحمَ والدَّمَ، مِن قولهم: ساطَه يَسُوطُه سَوْطاً،
أي: خَلَطَه، فهو سائٌ. فالسَّوْطُ: خَلْطُ الشيءِ بعضِه ببعضٍ؛ ومنه سمِّي المِسْواط(٤).
وسَوَّطَهُ، أي: خَلَطه(٥) وأَكْثَرَ ذلك؛ يقال: سَوَّط فلانٌ أمورَه، قال:
فلَسْتَ على تَسْوِيطِها بمُعَانٍ(٦)
فَسُظْها ذَمِيمَ الرأْىِ غيرَ مُوَفَّقٍ
قال أبو زيد: يقال: أموالهُم سَوِيطةٌ بينهم؛ أي: مختلطةٌ. حكاه عنه يعقوب(٧).
وقال الزجَّاج: أي: جَعَلَ سَوْطَهم(٨) الذي ضَرَبهم به العذابَ. يقال: ساط دابَّته
(١) ديوان النابغة الذبياني ص ٦٥ برواية: ورَبَّ عليه الله ...
(٢) ذكره الحافظ في الإصابة ١/ ١٨٧ عن أوس بن بجير الطائي برواية:
يصب على الكفار سوط عذاب
ألم تر أن الله لا ربَّ غيره
(٣) في معاني القرآن ٢٦١/٣ .
(٤) المِسْوَط والمِسْواط: ما يخلط به من عصاً ونحوِها. القاموس (سوط).
(٥) بعدها في (د) و(م): فهو سائط، والمثبت من باقي النسخ والصحاح (سوط)، والكلام منه.
(٦) العين ٢٧٨/٧، والصحاح (سوط) والكلام منه، وتهذيب اللغة ٢٤/١٣، وأساس البلاغة (سوط).
(٧) الصحاح (سوط)، ويعقوب هو ابن السكيت، وكلامه في إصلاح المنطق ص٣٩٠.
(٨) في معاني القرآن للزجاج ٣٢٢/٥: سوطه.

٢٧٤
سورة الفجر: الآيتان ١٣ - ١٤
يَسُوطُها، أي: ضربها بسَوْطه.
وعن عمرو بن عُبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآيةِ قال: إنَّ عندَ الله
أسواطاً كثيرةً، فَأَخَذَهم بسوطِ منها(١). وقال قتادةُ: كلُّ شيءٍ عذَّب الله تعالى به فهو
سوطُ عذابٍ (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ
١٤
أي: يَرْصُدُ عملَ كلِّ إنسانٍ حتى يُجازِيَه به؛ قاله الحسن وعكرمةُ(٣). وقيل: أي:
عليه طريقُ العبادِ لا يفوتُه أحد(٤). والمَرْصَد والمِرصاد: الطريق. وقد مضى في سورة
براءة(٥)، والحمد لله.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: إنَّ على جهتَّمَ سبعَ قَناطِرَ، يُسأل الإنسان
عند أوَّلٍ قنطرةٍ عن الإيمان، فإن جاء به تامًّا جازَ إلى القنطرةِ الثانية، ثم يُسألُ عن
الصلاة، فإن جاء بها جاز إلى الثالثة، ثم يُسأل عن الزكاة، فإن جاء بها جاز إلى
الرابعة، ثم يُسأل عن صيام شهرِ رمضانَ، فإن جاء به جاز إلى الخامسة، ثم يُسأل عن
الحجّ والعُمْرة، فإن جاء بهما جاز إلى السادسة، ثم يسأل عن صلةِ الرَّحِم، فإن جاء
بها جاز إلى السابعة. ثم يُسأل عن المظالم، وينادِي منادٍ: أَلَا مَن كانت له مَظْلِمةٌ
فلْيأْتِ؛ فيُقتصُّ للناس منه، ويُقتصُّ له من الناس؛ فذلك قولُ عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ
لَبِ لْمِرْصَارِ﴾ (٦).
(١) الكشاف ٢٥١/٤ .
(٢) النكت والعيون ٦/ ٢٧٠، وأخرجه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٣٤٨/٦.
(٣) ذكره عنهما بنحوه الواحدي في الوسيط ٤/ ٤٨٢، وأخرجه عن الحسن عبد الرزاق ٣٧١/٢، والطبري
٣٧٦/٢٤ .
(٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٤/ ٤٨٢، والبغوي ٤/ ٤٨٤ عن الكلبي. قال الواحدي: والمعنى لا يفوته
شيء من أعمال العباد كما لا يفوت مَن بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن وعكرمة.
(٥) ١٠/ ٠١١١
(٦) ذكره بنحوه السمعاني في تفسيره ٢٢١/٦، والواحدي في الوسيط ٤٨٣/٤. وأخرجه بنحوه أيضاً
البيهقي من الأسماء والصفات (٩١٥) عن مقاتل بن سليمان قوله .

٢٧٥
سورة الفجر: الآيات ١٤ - ١٦
وقال الثورِيُّ: ((لبِالمِرصادٍ)) يعني جهنّمَ؛ عليها ثلاثُ قناطرَ: قنطرةٌ فيها الرَّحِمُ،
وقنطرةٌ فيها الأمانةٌ، وقنطرةٌ فيها الربُّ تبارك وتعالى(١).
قلت: أي: حُكْمُه(٢) وإرادتُه وأمرُه. والله أعلم.
وعن ابن عباس أيضاً: (لبالمِرصادٍ))، أي: يَسْمعُ ويَرى(٣).
قلت: هذا قولٌ حسن، يَسْمعُ أقوالَهم ونجواهم، ويَرَى، أي: يعلمُ أعمالَهم
وأسرارَهم، فيجازِي كلَّ بعمله. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربُّك؟ فقال:
بالمرصاد.
وعن عمرو بن عُبيد أنه قرأ هذه السورةَ عند المنصور حتى بلغ هذه الآيةَ، فقال:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِلْمِرْصَادِ﴾ يا أبا جفعر(٤)! قال الزمخشِريُّ(٥): عَرَّض له في هذا النداء، بأنه
بعضُ من تُؤُعِّد بذلك من الجبابرة، فِللهِ دَرُّه، أيُّ أَسَدٍ فِراصٍ(٦) كان بين يديه(٧)؟
يَدُقُّ الظّلمةَ بإنكاره، ويَقْصَعُ(٨) أهلَ الأهواءِ والبدعِ باحتجاجه!
قوله تعالى: ﴿فَمَّا أَلْإِنسَانُ إِذَا مَا أَبْتَنْهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَلُ فَيَقُولُ رَقَِّ أَكْرَمَنِ
١٥
١٦
وَأَمَّ إِذَا مَا أَبَْلَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنِّ
قوله تعالى: ﴿فَمَّا الْإِنسَنُ﴾ يعني الكافر. قال ابن عباس: يريد عُتبةَ بنَ ربيعةً وأبا
(١) أخرجه الطبري ٣٧٥/٢٤-٣٧٦.
(٢) في (ظ) و(م): حكمته.
(٣) أخرجه الطبري ٣٧٥/٢٤ .
(٤) أخرجه مطولاً الخطيب في تاريخ بغداد ١٢/ ١٦٧ - ١٦٨ .
(٥) في الكشاف ٤/ ٢٥١ .
(٦) في (م) والكشاف: فراس. المثبت من النسخ الخطية. والفِرَاص: الشديد. والفَرَّاس: الأسد. القاموس
(فرس) و(فرص).
(٧) في (ي): ثدييه، وفي الكشاف: ثوبيه.
(٨) في (ظ): ويقنع، وفي (د) و(م): ويقمع، والمثبت من (ي) والكشاف، ومعنى قصع: صغّر وحقّر.
القاموس (قصع).

٢٧٦
سورة الفجر: الآيتان ١٥ - ١٦
حذيفةَ بنَ المغيرة. وقيل: أمية بن خلف. وقيل: أبيّ بن خلف(١).
﴿إِذَا مَا أَبْتَهُ رَبُُّ﴾ أي: امْتَحَنه واخْتَبَره بالنعمة. و((ما)): زائدةٌ صِلَةٌ. ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾
بِالمال ﴿وَنَعَّمَهُ﴾ بما أَوْسَع عليه. ﴿فَيَقُولُ رََّ أَكْرَمَنٍ﴾ فيفرحُ بذلك ولا يحمَدُه.
و﴿وَأَمَّ إِذَا مَا أَبْتَلَئُهُ﴾ أي: امْتَحَنه بالفقر واخْتَبَره. ﴿فَقَدَرَ﴾ أي: ضيَّقَ ﴿عَلَّهِ
رِزْقُهُ﴾ على مقدارِ البُلْغة. ﴿فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنِ﴾ أي: أَوْلاني هَواناً. وهذه صفةُ الكافِر
الذي لا يؤمنُ بالبعث، إنما الكرامةُ عنده والهوانُ بكثرةِ الحظّ في الدنيا وقِلَّتِهِ. فأمّا
المؤمنُ فالكرامةُ عنده أنْ يُكْرِمَه الله بطاعته وتوفيقِه المؤدِّي إلى حظّ الآخرة (٢)، وإنْ
وسَّع عليه في الدنيا حَمِدَه وشَكَره.
قلت: الآيتان صفةُ كلِّ كافٍ. وكثيرٌ من المسلمين يظنُّ أنَّ ما أعطاه الله لكرامته
وفضيلته عند الله، وربَّما يقولُ بجهله: ولو لم أَسْتَحقَّ هذا لم يُعْطِنِه الله. وكذا إنْ قَتَّر
عليه يظنُّ أنَّ ذلك لهوانه على الله.
وقراءةُ العامَّةِ: ((فَقَدر)) مخفَّفةَ الدال. وقرأ ابنُ عامرٍ مشدَّداً(٣)، وهما لغتان.
والاختيارُ التخفيفُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]. قال أبو عمرو:
و((قَدَر)) أي: قَتَر. و((قدَّر)) مشدّدا: هو أنْ يعطيه ما يَكْفِيه. ولو فعل به ذلك ما قال:
((ربِّي أهانَن)).
وقرأ أهلُ الحَرَمين وأبو عمرو: ((ربِّيَ)) بفتح الياء في الموضعين. وأَسْكَن
الباقون (٤).
وأَثْبتَ البَزِّيُّ وابنُ مُحَيْصِنٍ ويعقوبُ الياءَ من ((أكرمنٍ))، و((أهاننٍ)) في الحالين(٥)؛
(١) ذكر هذه الأقوال الواحدي في الوسيط ٤/ ٤٨٣، وابن الجوزي في زاد المسير ١١٨/٩.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٣٢٣/٥ .
(٣) ذكرها أبو عمرو الداني في جامع البيان ٢/ ٤٨٢ وقال: ولم يذكر ابن مجاهد هذا الحرف في كتابه.
ولم ترد هذه القراءة في مطبوع التيسير. وهي في النشر ٢/ ٤٠٠ عن ابن عامر وأبي جعفر.
(٤) وهم الکوفیون وابن عامر. التيسير ص٢٢٢ .
(٥) السبعة ص٦٨٤، والتيسر ص٢٢٢، والنشر ٢/ ٤٠٠.

٢٧٧
سورة الفجر: الآيات ١٦ - ٢٠
لأنها اسمٌ فلا تُحذَف. وأَثبتها المدنيُّون في الوصل دون الوقف، اتِباعاً للمصحف (١).
وخَيَّر أبو عمرو في إثباتها في الوصل أو حَذْفِها؛ لأنَّها رأسُ آيةٍ، وحَذَفها في الوقف
لخطِّ المصحف. الباقون بحَذْفِها لأنَّها وقعت في الموضعين بغير ياءٍ، والسُّنةُ ألَّا
يُخالَفَ خطُ المصحف؛ لأنه إجماعُ الصحابة.
قوله تعالى: ﴿كَلَّ بَل لَّا تُكْرِمُونَ أَلْيَتِيِمَ ﴿ وَلَا تَحَُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبَّا جَمًّا (٥)﴾
وَتَأْكُلُونَ الثَُّاثَ أَكْلًا لَّمَّا (٨)
قوله تعالى: ﴿كَلَّ﴾ ردٌّ، أي: ليس الأمرُ كما يُظَنُّ، فليس الغِنَى لفَضْلِه، ولا
الفقرُ لهوانه، وإنَّما الفقرُ والغنى من تقديري وقضائي. وقال الفرَّاء(٢): ((كَلَّا)) في هذا
الموضع بمعنى: لم يكن ينبغي للعبد أن يكون هكذا، ولكنْ يحمدُ الله عزَّ وجلَّ على
الغنى والفقر. وفي الحديث: ((يقولُ الله عزَّ وجلَّ: كلَّا إنِّي لا أُكْرمَ مَن أَكْرمتُ بِكَثْرةٍ
الدنيا، ولا أُهيِنُ مَن أَهَنْتُ بقلَّتها، إنَّما أُكْرِمُ مَن أَكْرمتُ بطاعتي، وأُهينُ مَن أَهَنْتُ
بمعصيتي))(٣).
قوله تعالى: ﴿بَل لَّا تُكْرِمُونَ أَلِّْيِمَ﴾ إخبارٌ عن ما كانوا يصنعونه من مَنْعِ اليتيمِ
الميراثَ، وأَكْلِ مالِه إسْرافاً وبِدَارًا أَنْ يَكْبَروا. وقرأ أبو عمرو ويعقوبُ: (يُكْرِمون))،
و(يَحُضُّون)) و(يأكلون))، و(يُحِبُّونَ)) بالياء(٤)؛ لأنَّه تقدَّم ذِكْرُ الإنسانِ، والمرادُ به
الجنسُ، فعبّر عنه بلفظِ الجمع. الباقون بالتاء في الأربعة، على الخطاب والمواجهة،
كأنه قال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً.
وتركُ إكرامِ اليتيمِ بدَفْعِه عن حقِّه وأَكْلِ ماله، كما ذَكَرْنا. قال مقاتل: نزلت في
قُدامةَ بنِ مظعون، وكان يتيماً في حِجْرٍ أُميةَ بنِ خَلَف (٥).
(١) أثبتها في الوصل من العشرة نافع وأبو جعفر.
(٢) في معاني القرآن ٢٦١/٣ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٤/ ٣٧٧ عن قتادة قوله.
(٤) السبعة ص ٦٨٥، والتيسير ص ٢٢٢، والنشر ٢/ ٤٠٠ .
(٥) الوسيط ٤٨٤/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٨٥، وتفسير الرازي ١٧٢/٣١ .

٢٧٨
سورة الفجر: الآيات ١٧ - ٢٠
﴿ولا يَحُضُونَ(١) على طعام المسكينِ﴾ أي: لا يأمرون أهليهم بإطعام مسكينٍ
يَجيتُهم. وقرأ الكوفيون: ﴿وَلَا تَُّونَ﴾ بفتح التاءِ والحاءِ والألف(٢)، أي: يَحُضُّ
بعضُهم بعضًا، وأصلُه تتحاضُّون، فحذف إحدى التاءينِ لدلالةِ الكلامِ عليها. وهو
اختیارُ أبي عُبید.
ورُوِي عن إبراهيمَ، والشَّيْزَرِيِّ عن الكسائي، والسُّلَمِيِّ: ((تُحَاضُّون)) بضمِّ
التاء(٣)، وهو تُفاعِلون من الحضِّ، وهو الحثُّ.
﴿وَيَأْكُلُون التّراثَ﴾ أي: ميراثَ اليتامى. وأصلُه: الوُرَاث من وَرِثْتُ، فَأَبْدَلوا
الواوَ تاءً، كما قالوا في تُجاه وتُخَمة وتُكَأَة وتُؤَدة ونحوِ ذلك(٤). وقد تقدَّم(٥).
﴿أَكْلًا لَّمَّا﴾ أي: شديداً؛ قاله السُّدِّيّ(٦). وقيل (لَمَّ)): جمعاً، من قولهم:
لَمَمْتُ الطعامَ لمِّا: إذا أكلته جمعًا؛ قاله الحسنُ وأبو عبيدة(٧). وأصلُ اللَّمِّ في كلام
العرب: الجمع؛ يقال: لَمَمْتُ الشيءَ أَلُمُّه لَمَّا: جمعته، ومنه يقال: لمَّ الله شَعَثَه،
أَي: جَمع ما تفرَّقَ من أموره، قال النابغة:
ولَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أخاً لا تَلُمُّه عَلَى شَعَثٍ أيُّ الرَجِّالِ المُهَذَّبُ (٨)
ومنه قولُهم: إنَّ دارك لَمُومَةٌ، أي: تَلُمُّ الناسَ وتَرُبُّهم وتَجمعُهم. وقال المِرناقُ
(١) في (م): تحضون، وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر من السبعة.
(٢) وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم من السبعة. السبعة ص ٦٨٥، والتيسير ص٢٢٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٨٠/٥، والبحر ٤٧١/٨ . والشيزري هو عيسى بن سليمان.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣٢٣/٥ .
(٥) ينظر ٨٨/٥، وكذلك تفسر الآية (٣١) من سورة الكهف.
(٦) النكت والعيون ٦/ ٢٧٠، وأخرجه الطبري ٢٤/ ٣٨٠ عن ابن عباس وقتادة والضحاك.
(٧) النكت والعيون ٦/ ٢٧٠ عن الحسن، وقول أبي عبيدة بنحوه في مجاز القرآن ٢٩٨/٢ .
(٨) ديوان النابعة ص١٨، والخزانة ٤٦٧/٩، وجمهرة الأمثال للعسكري ١٨٨/١. قال البغدادي:
يقول: أي الرجال يكون مبرَّأْ من العيوب؟ فإن قَطَعْتَ إخوانك بذنب لم يبق لك أخ. وقوله: أي الرجال
المهذب، قال العسكري: يضرب مثلاً للرجل يُعرف بالإصابة في الأمور، وتكون منه السَّقْطة.

٢٧٩
سورة الفجر: الآيات ١٧ - ٢٠
الطائيُّ يمدحُ علقمةَ بنَ سيف:
لأَحبَّني حُبَّ الصبيِّ ولمَّني لَمَّ الهَدِيِّ إلى الكريمِ الماجِدِ(١)
وقال الليث: اللُّ: الجمعُ الشديد، ومنه: حَجَرٌ مَلْمومٌ، وكتِيبةٌ مَلْمومةٌ. والآِلُ
يَلُمُّ الثَّريدَ، فيجمعهُ لُقَماً ثم يأكلُه(٢).
وقال مجاهد: يَسفُّه سَفًّا. وقال الحسن: يأكلُ نصيبَه ونصيبَ غيرِه(٣)؛ قال
الحُطيئةُ :
إذا كانَ لَمَّا يُتْبِعُ الذمَّ ربَّه فلا قدَّسَ الرحمنُ تلك الطواحِنا
يعني أنَّهم يجمعون في أَكْلِهم بين نَصِيبِهم [من الميراث] ونصيبٍ غيرِهم (٤).
وقال ابن زيد: هو أنَّه إذا أكل مالَه أَلَمَّ بمالٍ غيرِهِ فَأَكَلَه، ولا يفكِّر فيما أَكَلَ من
خبيثٍ وطيِّبٍ(٥). قال: وكان أهلُ الشِّركِ لا يورِّثون النساءَ ولا الصبيان، بل يأكلون
ميراثَهم مع مِيراثِهم، وتُراثَهم مع تُراثِهم(٦).
وقيل: يأكلون ما جَمَعه الميتُ من الظّلَمةِ (٧) وهو عالمٌ بذلك، فَيَلُمُّ في الأكل بين
(١) الصحاح (لمم) والكلام منه، والحيوان ٤٦٨/٣، ومعجم الشعراء للمرزباني ص ٤٤٦ ، وشرح ديوان
الحماسة للمرزوقي ١٥٩١/٤، وللتبريزي ٧٠/٤ . ووقع في المصادر عدا الصحاح: ورمَّني رمَّ
الهديِّ، قال التبريزي: رمَّني: أصلح حالي. رمَّ الهديِّ، الهديُّ: العروس. وقال المرزوقي: أي: أحبني
كما يُحَبُّ الصبي، وأصلح من أموري ما يُصْلَح من شأن العروس إذا زفت إلى الموسر الغني. والمرناق
هو فدكي بن أعبد كما ذكر الجوهري، وكان قد سرقت إبل له، فردها عليه علقمة بن سيف. وعلقمة بن
سيف من تغلب، وكان شريفاً رئيساً في الجاهلية، ذكره عمرو بن كلثوم في معلقته، ويقال: إنه هو
الذي أنزل بني تغلب الجزيرة. الاشتقاق ص٣٣٧ ، وشرح المعلقات للتبريزي ص٢٧٦ ، وشرح ديوان
الحماسة للتبريزي ٤ /٧١-٧٢ .
(٢) تهذيب اللغة ٣٤٣/١٥-٣٤٤ .
(٣) أخرج القولين الطبري ٢٤/ ٣٨٠.
(٤) الكشاف ٢٥٣/٤، وما سلف بين حاصرتين منه، ولم نقف على البيت في ديوان الحطيئة.
(٥) في (م): ولا يفكر أكل من خبيث أو طيب.
(٦) أخرجه بنحوه الطبري ٢٤/ ٣٨١ .
(٧) في (م) الظلم، والمثبت من النسخ الخطية والكشاف ٢٥٣/٤، والكلام منه.

٢٨٠
سورة الفجر: الآيات ١٧ - ٢١
حَرامِه وحَلاله.
ويجوزُ أنْ يذَّ الوارثَ الذي ظَفِرِ بالمال سَهْلاً مَهْلاً، مِن غيرِ أنْ يَعرَقَ فيه جبينُه،
فَيُسْرِفُ في إنفاقه، ويأكلُه أكلاً واسعاً، جامعاً بين المُشتَهَيات(١) من الأطعمة
والأشربة والفواكه، كما يفعل الوُرَّاثُ البطّالون.
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُجَّا جَمًّا﴾ أي: كثيرًا، حلالَه وحرامَه. والجُمُّ: الكثير. يقال:
جمَّ الشيءُ يُجُمُّ جُموماً، فهو جَمٌّ وجاٌّ. ومنه جَمَّ الماءُ في الحوض: إذا اجتمع
وكَثُر؛ وقال الشاعر:
وأَيُّ عبْدٍ لِكَ لا أَلَمّا (٢)
إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جِمّا
والجَمَّةُ: المكانُ الذي يجتمعُ فيه ماؤه. والجَمومُ: البئرُ الكثيرةُ الماءِ. والجُمومُ
بالضمِّ المصدرُ؛ يقال: جَمَّ الماءُ يجم (٣) جموماً: إذا كثُر في البئر واجتمع، بعد ما
استُقي ما فيها.
قوله تعالى: ﴿كَلََّّ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ ذَكَّا كَهُ
قوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ أي: ما هكذا ينبغي أن يكونَ الأمر. فهو ردٌّ لانْكِبابِهم على
الدنيا، وجَمْعِهم لها؛ فإنَّ مَن فَعَل ذلك يندمُ يومَ تُدَكُّ الأرضُ، ولا ينفعُه النَّدمُ.
والدَّكُّ: الكَسْرُ والدقُّ، وقد تقدَّم(٤). أي: زُلْزِلتِ الأرضُ، وحُرِّكتْ تحريكاً بعدَ
تحريكٍ.
وقال الزجَّاج(٥): أي: زُلزلتْ فَدََّ بعضُها بعضاً. وقال المبرِّد: أي: أُلِصقَتْ
وذَهبَ ارتفاعُها؛ يقال ناقةٌ: دَكَاءُ، أي: لا سنامَ لها، والجمعُ دٌُ. وقد مضى في
(١) في النسخ الخطية: المشتبهات، والمثبت من (م) والكشاف.
(٢) البيت لأمية بن أبي الصلت أو لأبي خراش، وقد سلف عند تفسر الآية (٣٢) من سورة النجم.
(٣) بالكسر والضم في الجيم. مختار الصحاح (جمم)، والكلام من الصحاح (جمم).
(٤) ينظر ٩/ ٣٢٥، وتفسير الآية (٩٨) من سورة الكهف، والآية (١٤) من سورة الحاقة.
(٥) في معاني القرآن ٣٢٣/٥ .