Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
سورة المدثر: الآيات ١٨ -٢٩
يجالسُ النبيَّ:﴿، فنسبوه إلى أنَّه تعلم منه ذلك(١). وقيل: أراد أنَّه تلقَّنه من أهل بابل.
وقيل: عن مُسَيلِمة(٢). وقيل: عن عديّ الحضرميّ الكاهن. وقيل: إنَّما تلقَّنه ممن
ادَّعى النبوةَ من قبل، فنسجَ على منوالهم. قال أبو سعيد الضرير: إنْ هذا إلا أمرُ سحرٍ
يؤثر، أي: یورث.
قوله تعالى: ﴿سَأُعْلِيهِ سَقَرَ
لِلْبَشَرِ
٢٩
لَوَّاحَةٌ
وَمَا أَذْرَ مَا سَقَرُ (٨َ لَا نُبْقِى وَلَا نَذَرُ
قوله تعالى: ﴿مَأُعْلِهِ سَقَرَ﴾ أي: سأدخلُه سقر كي يَصْلَى حرَّها. وإنَّما سُمِّيت
سقر؛ من سَقَرَتْه الشمسُ: إذا أذابته ولوَّحته، وأحرقتْ جِلْدَة وجهه. ولا ينصرفُ
للتعريف والتأنيث. قال ابن عباس: هي الطبق السادسُ من جهنم(٣). وروى أبو هريرة
أنَّ رسول اللـه﴿ قال: «سألَ موسى ربَّه فقال: أيْ ربِّ، أيُّ عِبادك أفقر؟ قال
صاحبُ سَقَرَ)). ذكره الثعلبيّ(٤).
﴿وَمَآ أَذَرَكَ مَا سَقَرُ﴾ هذه مبالغة في وصفها، أي: وما أعلمَك أيُّ شيءٍ هي؟
وهي كلمة تعظيم، ثمَّ فسَّر حالَها فقال: ﴿لَا نُقِى وَلَا نَذَّرُ﴾ أي: لا تتركُ لهم عظماً ولا
لحماً ولا دماً إلَّا أحرقته. وكَرَّر اللفظَ تأكيداً. وقيل: لا تُبقي منهم شيئاً، ثمَّ يعادون
خلقاً جديداً، فلا تذر أن تعاود إحراقهم هكذا أبداً (٥). وقال مجاهد: لا تُبْقِي مَنْ فيها
حيًّا، ولا تَذرُه ميتاً، تُحرقُهم كلما جُدِّدُوا. وقال السُّدِّيّ: لا تُبقي لهم لحماً ولا تَذَرُ
لهم عظماً (٦)
(١) النكت والعيون ٦/ ١٤٣.
(٢) ينظر تفسير أبي الليث ٣/ ٤٢٢ .
(٣) تفسير الرازي ٢٠٢/٣٠ .
(٤) وأخرجه بهذا اللفظ ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٣٥/٦١-١٣٦ مطولاً، وأخرجه ابن حبان أيضاً في
صحيحه (٦٢١٧) بإسناد ابن عساكر، ولفظه عنده: صاحب منقوص بدل: صاحب سقر. ولعلَّ لفظة سقر
مُحرَّفة عن لفظة منقوص. والله أعلم. وفي إسناده دراج؛ أبو السمح المصري قال أحمد: أحاديثه
مناكير، وليَّنه، وقال أبو حاتم: ضعيف. ميزان الاعتدال ٢/ ٢٤ .
(٥) الكلام بنحوه في الوسيط للواحدي ٣٨٤/٤، وزاد المسير ٤٠٧/٨ .
(٦) تفسير البغوي ٤١٦/٤ .

٣٨٢
سورة المدثر: الآيات ٢٦ - ٢٩
﴿وَوََّّةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أي: مُغَيِّرة، من لاحه: إذا غيَّرَه(١).
وقراءةُ العامَّة: (لَوَّاحَةٌ)) بالرفع نعتٌ لـ ((سَقَرَ)) في قوله تعالى: ﴿وَمَّ أَذَرَكَ مَا سَقَرُ﴾.
وقرأ عطيةُ العوفيّ ونصرُ بن عاصم وعيسى بن عمر: (لَوَّاحَةً)) بالنصب على
الاختصاص، للتهويل(٢). وقال أبو رَزِين: تلفحُ وجوهَهم لَفْحةً؛ تدعُها أشدَّ سواداً
من الليل(٣)؛ وقاله مجاهد (٤).
والعربُ تقول: لاحَه البردُ والحرُّ، والسُّقم والحُزْن: إذا غيَّره؛ ومنه قول
الشاعر :
تَقولُ مالَاحَك يا مُسافِرُ يَا ابْنَةَ عَمِّي لاحَنِي الهَواجِرُ(٥)
وقال آخر:
وتَعجَبُ هِنْدٌ أَنْ رَأَتْنِي شاحِباً تقولُ لِشَيْءٍ لَوَّحَتْه السَّمائِمُ(٦)
وقال رُؤيةُ بن العجَّاجِ:
: تَلْويَحَكَ الضَّامِرَ يُظْوَى للسَّبَقْ(٧)
لوَّحَ منه بعدَ بُذْنٍ وَسَنَقْ
وقيل: إنَّ اللوح شدَّةُ العطش؛ يقال: لاحَهُ العطشُ ولوَّحه، أي: غيَّره.
والمعنى: أنَّها معطِّشةٌ للبشر، أي: لأهلها؛ قاله الأخفش، وأنشد:
(١) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٩٦ .
(٢) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٦٤، وقال: حكاه أبو معاذ. ونسبها ابن الجوزي في زاد
المسير ٤٠٧/٨ لابن مسعود وابن السميفع وابن أبي عبلة، ونسبها أبو حيان في البحر ٣٧٥/٨ للعوفي
وزيد بن علي والحسن وابن أبي عبلة. وينظر الكشاف للزمخشري ٤/ ١٨٣، والمحرر الوجيز ٣٩٦/٥.
(٣) النكت والعيون ١٤٣/٦ .
(٤) تفسير البغوي ٤١٦/٤ .
(٥) الرجز في الكشاف ١٨٣/٤، وذكر أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٧٥ البيت الثاني منه.
(٦) لم نقف عليه
(٧) ديوان رؤبة ص ١٠٤، قوله: لوح منه: يقال: لاحه السفر ولوَّحه: غيره وأضمره، والسَّنَّق؛ بفتحتين:
البشم، يقال: شرب الفصيل حتى سَيِق يسنَق، وهو كالتخمة، قال الأصمعي: والسنق: كراهة الطعام
من كثرته على الإنسان حتى لا يشتهيه، وقوله: يُطوى: أي: يجوَّع ويُضمَّر. خزانة الأدب ١/ ٨٧ .

٣٨٣
سورة المدثر: الآيات ٢٩ - ٣١
سَقتني على لَوْحٍ منَ الماءِ شَرْبَةً سقاها بها اللهُ الرِّهامَ الغَواديا
يعني باللَّوح شدَّةَ العطش(١) والْتَاحَ أي: عَطِش(٢). والرِّهامَ جمع رِهمة؛ بالكسر
وهي: المطرةُ الضعيفةُ [الدائمة]، وأرهمت السحابة: أتت بالرِّهام(٣).
وقال ابنُ عباس: ((لَوَّاحَةٌ)) أي: تلوح للبشر من مسيرة خمس مئة عام.
الحسنُ وابنُ كيسان: تَلوحُ لهم جهنّم حتى يروها عِياناً. نظيره: ﴿وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ
[الشعراء: ٩١] .
(٤)
لِلْغَاوِينَ﴾
وفي البَشَر وجهان:
أحدُهما: أنَّه الإنس من أهل النار؛ قالَه الأخفشُ والأكثرون.
الثاني: أنَّه جمعُ بَشرة، وهي جلدةُ الإنسان الظاهرة؛ قاله مجاهد وقتادة(٥).
وجمع البشر أبشار، وهذا على التفسير الأوَّل، وأمَّا على تفسير ابن عباس فلا
يستقيم فيه إلَّا الناس لا الجلود؛ لأنَّه من لاح الشيءُ يَلُوح: إذا لمع.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣) وَمَا جَعَلْنَاً أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّ مَلَكَةُ وَمَا جَعَلْنَا
عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْنَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَأْ وَلَا يَابَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُونٌ وَيَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَدَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلَّ
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَاءُ وَبَهْدِى مَنْ بَءُ وَمَا يَعْلَمُ جُدَ رَبِّكَ إِلَّ هُوَّ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى
﴾
٣١
لِلْبَشَرِ
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَثَرَ﴾ أي: على سَقَر تسعةً عشر من الملائكة يَلْقَون فيها
(١) النكت والعيون ١٤٣/٦.
(٢) الصحاح (لوح).
(٣) الصحاح (رهم).
(٤) تفسير البغوي ٤ /٤١٦ .
(٥) النكت والعيون ١٤٣/٦.

٣٨٤
سورة المدثر: الآيتان ٣٠ - ٣١
أهلها. ثم قيل: على جملة النار تسعةً عشر من الملائكة هم خَزَنتها؛ مالكٌ وثمانيةَ
عشَر ملكاً(١).
ويَحتمل أنْ تكون التسعة عشر نقيباً، ويحتمل أنْ يكون تسعة عشر ملكاً بأعيانهم
وعلى هذا أكثرُ المفسرين.
الثعلبيّ: ولا يُنكّر هذا، فإذا كان مَلَكٌ واحدٌ يَقبض أرواح جميع الخلائق؛ كان
أحرى أنْ يكونَ تسعة عشر على عذاب بعض الخلائق.
وقال ابنُ جريج: نعتَ النبيُّ خَزَنة جهنّم فقال: ((كأنَّ أعينَهم البَرْق، وكأنَّ
أفواههم الصياصي، يجرُّون أشعارَهم، لأحدهم من القوَّة مثلُ قوةِ الثقلين، يسوقُ
أحدهم الأُمَّةَ وعلى رقبته جبل، فيرميهم في النار، ويرمي فوقهم الجبل)»(٢).
قلت: وذكر ابنُ المبارك قال: حدَّثنا حمّاد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن
رجلٍ من بني تميم قال: كثَّا عندَ أبي العوَّام، فقرأ هذه الآية: ﴿وَمَآ أَذَرَكَ مَا سَقَرُ. لَا
تُبْقِى وَلَا نَذَرُ. لَوََّةٌ لِلْبَشَرِ. عَلَيْهَا نِسْعَةَ عَشَرَ﴾. فقال: ما تسعةً عَشَر؟ تسعةَ عشرَ ألفٍ
مَلَك، أو تسعةً عشر مَلكاً؟ قال: قلت: لا، بل تسعة عَشَرَ مَلكاً. قال: وأنَّى تعلمُ
ذلك؟ فقلت: لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: صدقتَ،
هم تسعة عشر مَلَكّاً، بِيَدِ كلِّ مَلَكِ منهم مِرْزَبَةٌ لها شُعْبتان، فيضربُ الضربةَ فيُهوى بها
في النار سبعين ألفاً(٣).
وعن عمرو بن دينار: كلُّ واحدٍ منهم يدفع بالدَّفعة الواحدة في جهنم أكثرَ من
ربيعة ومُضَرَ(٤).
(١) ينظر تفسير البغوي ٤/ ٤١٧ .
(٢) النكت والعيون ١٤٦/٦، والكشاف للزمخشري ١٨٤/٤، وذكره السيوطي في الدر المنثور٦/ ٢٨٥
وعزاه لابن مردويه، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الكافي الشاف ص ١٨٠ : لم أجده.
(٣) الزهد لابن المبارك (٣٤٠ - زوائد نعيم). وسلفت قطعة منه ٣٤٤/١٤ . والمرزبة: هي المطرقة الكبيرة
التي تكون للحداد. النهاية (رزب).
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٤١٧، والكشاف للزمخشري ١٨٤/٤.

٣٨٥
سورة المدثر: الآيتان ٣٠ - ٣١
وخرَّج الترمذيُّ عن جابر بن عبد الله(١) قال: قال ناسٌ من اليهود لأُناسٍ من
أصحاب النبيِّ﴾: هل يعلم نبيُّكم عددَ خَزَنة جهنّم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأل
نبينا (٢). فجاء رجلٌ إلى النبيِّ :﴿ فقال: يا محمد غُلِب أصحابُك اليوم؛ فقال:
((وماذا(٣) غُلِبوا))؟ قال: سألَهم يهود: هل يعلمُ نبيُّكُم عددَ خَزَنَة جهنم؟ قال: ((فماذا
قالوا))؟ قال: قالوا: لا ندري حتى نسأل نبيَّنا. قال: ((أفغُلِب(٤) قومٌ سُئِلوا عمَّا لا
يعلمون، فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبيّنا؟ لكنهم قد سألوا نبيَّهم، فقالوا: أرنا الله
جَهْرةً! عليَّ بأعداء الله؛ إني سائِلهم عن تُرْبة الجنَّة وهي الدَّرْمَك)). فلمَّا جاؤوا
قالوا: يا أبا القاسم، كم عدد خَزَنة جهنّم؟ قال: ((هكذا وهكذا)). في مرةٍ عشرة، وفي
مرة تسع(٥). قالوا: نعم. قال لهم النبيُّ :﴿: ((ما تُرْبَةُ الجنَّة)) قال: فسكتوا هنيهةً، ثمَّ
قالوا: أَخُبْزَةٌ يا أبا القاسم؟ فقال رسولُ اللـه ◌َ﴾: ((الخبزُ من الدَّرْمَك)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريب، إنَّما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد،
عن الشَّعْبِيّ، عن جابر (٦).
وذكر ابنُ وهب قال: حذَّثنا عبد الرحمن بن زيد، قال: قال رسول اللـه ﴿ في
خزنة جهنّم: ((مابين مَنكِبَيْ أحدِهم، كما بين المشرق والمغرب))(٧).
وقال ابنُ عباس: ما بين مَنكِبي الواحد منهم مسيرةُ سنة، وقوةُ الواحد منهم أنْ
يضربَ بالمِقْمَع فيدفع بتلك الضربة سبعينَ ألفَ إنسانٍ في قعر جهنّم(٨).
(١) في النسخ الخطية: عن عبد الله. والمثبت من (م) وسنن الترمذي.
(٢) في النسخ الخطية: نسأله.
(٣) في (ظ) و(ي): وبماذا، وفي نسخة كما في حاشية (م) وسنن الترمذي: وبم.
(٤) في سنن الترمذي: أيغلب.
(٥). في (د) و(م) و(ي): تسعة.
(٦) سنن الترمذي (٣٣٢٧)، وهو عند أحمد مختصرا (١٤٨٨٣). قال السندي - كما في حاشيته على
المسند -: الدرمك: هو الدقيق الخالص، والخبزة: هي العجين.
(٧) سلف ص ٩٥ من هذا الجزء.
(٨) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣١٣/٨، وسلف ص ٩٥ من هذا الجزء.

٣٨٦
سورة المدثر: الآيتان ٣٠ - ٣١
قلت: والصحيح إنْ شاء الله أنَّ هؤلاءِ التسعةَ عَشَرَ، هم الرؤساء والنقباء، وأمَّا
جملتُهم فالعبارة(١) عنها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَقْلَمُ جُدَ رَيِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]
وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﴾: ((يُؤتى بجهنّم
يومئذٍ لها سبعون ألفَ زِمام، مع كل زِمام سبعون ألفَ مَلَك يجرُّونها)»(٢). وقال ابنُ
عباس وقتادة والضَّحَّاك: لما نزل: ﴿عَّهَا نِسْعَةَ عَثَرَ﴾ قال أبو جهلٍ لقريش: نَكِلتكُم
أمهاتُكم! أسْمعُ ابن أبي كبشة يخبركم أنَّ خَزَنةً جهنّم تسعةَ عشر، وأنتم الدَّهْم(٣)
- أي: العَدد - والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أنْ يبطشوا بواحد منهم! (٤) قال
السُّدِّيّ: فقال أبو الأشد(٥) بن كَلَدة الجُمحيّ: لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع
بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنَّة.
يقولها مستهزئاً.
في رواية: أنَّ الحارث بن كَلَدة قال: أنا أكفيكُم سبعةَ عشر، واكفوني أنتم
اثنين(٦).
وقيل: إنَّ أبا جهل قال: أفيعجز كلُّ مئةٍ منكم أنْ يبطشوا بواحدٍ منهم، ثمَّ
(١) بعدها في (م): تعجز.
(٢) صحيح مسلم (٢٨٤٢).
(٣) في النسخ الخطية: الدهماء، والمثبت من (م).
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٤١٧، وأخرجه عن ابن عباس وقتادة الطبريُّ ٤٣٦/٢٣ .
(٥) في النسخ ما عدا (ي): الأسود. والمثبت من (ي)، وهو موافق للنكت والعيون ١٤٥/٦ - وعنه نقل
المصنف - ، وتفسير البغوي ٤١٧/٤ . وذكر الخبر الواحدي في الوسيط ٣٨٤/٤ ووقع فيه: أبو
الأشدین، و کذلك ابن الجوزي في زاد المسير ٤٠٨/٨ وقال: قال مقاتل اسمه: أسيد بن كلدة، وقال
غيره: كلدة بن خلف الجمحي.
(٦) لم نقف عليها من قول الحارث بن كلدة، والرواية في تفسير البغوي ٤/ ٤١٧، والقائل فيه: أبو الأشد
أسيد بن كلدة، وذكر الرواية الزمخشري في الكشاف ١٨٤/٤، والرازي في تفسيره ٢٠٤/٣٠،
وعندهما: أبو الأشد ابن أسيد بن كلدة الجمحي، وذكر الفراء في معاني القرآن ٢٠٣/٣-٢٠٤ أن
القائل رجل من بني جمح. كان يكنى: أبا الأشدين.

٣٨٧
سورة المدثر: الآيتان ٣٠ - ٣١
تخرجون من النار(١)؟ فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعْحَبَ النَّارِ إِلَّا مَلَئِكَةٌ﴾ أي: لم
نجعلهم رجالاً فتتعاطون مغالبتهم. وقيل: جعلهم ملائكةً؛ لأنَّھم خلافُ جنس
المعذَّبين من الجنّ والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذُ المجانِس من الرأفة والرقَّة، ولا
يستروِحون إليهم، ولأنَّهم أقوم خلق الله بحقِّ الله وبالغضب له، فتُؤمَن هوادتهم،
ولأنَّهم أشدُّ خلق الله بأساً، وأقواهم بطشاً (٢).
﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً﴾ أي: بليَّة. ورُوي عن ابن عباس من غير وجه قال:
ضلالة للذين كفروا، يريد أبا جهل وذويه. وقيل: إلَّا عذاباً، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ ثُمْ
عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ذُوقُواْ فِيْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٣-١٤]. أي: جعلنا ذلك سببَ كفرهم،
وسببَ العذاب.
وفي ((تِسْعَةَ عَشَرْ)) سبعُ قراءات: قراءة العامة: ((تِسْعَةَ عَشَرَ)). وقرأ أبو جعفر بن
القَعْقاع وطلحة بن سليمان: ((تِسْعَةَ عْشَرَ)) بإسكان العين. وعن ابن عباس: ((تِسْعَةُ
عَشَر)) بضم الهاء(٣). وعن أنس بن مالك: (تِسْعَةُ وعَشَرْ)) (٤). وعنه أيضاً: ((تِسْعَةُ
وعْشُر)). وعنه أيضاً: ((تِسْعَةَ أَغْشُرَ))(٥). ذكرها المهدويُّ وقال: من قرأ: ((تِسْعَةَ عشَر))
أسكنَ العين لتوالي الحركات. ومن قرأ: ((تِسْعَةُ وعَشَرْ))جاء به على الأصل قبل
التركيب، وعطفَ عشراً على تسعة، وحذف التنوين لكثرة الاستعمال، وأسكنَ الراء
من عشر على نيَّة السكوت عليها.
ومن قرأ: ((تِسْعَةُ عَشَر)) فكأنَّه من التداخل؛ كأنَّه أراد العطفَ، وترك التركيب،
فرفع هاء التأنيث، ثمَّ راجعَ البناء وأسكن.
وأما ((تسعةُ أَعْشُر)): فغير معروف، وقد أنكرها أبو حاتم. وكذلك ((تِسْعَةُ وَعْشُر))
(١) الوسيط للواحدي ٣٨٤/٤، وأخرجه الطبري ٤٣٦/٢٣ عن ابن عباس، وفيه: أفيعجز كل عشرة.
(٢) الكشاف للزمخشري ٤/ ١٨٤ .
(٣) المحتسب ٣٣٩/٢، وقراءة أبي جعفر - وهي من العشرة - في النشر ٢٧٩/٢ .
(٤) ذكرها السمين في الدر المصون ٥٤٨/١٠ نقلاً عن المهدوي دون نسبة، وذكر ابن جني في المحتسب
٣٣٩/٢ عن أنس أنه روي عنه: ((تسعةُ وَعْشَرَ))، برفع الهاء، وبعدها واو مفتوحة، وعين مجزومة.
(٥) المحتسب ٣٣٨/٢-٣٣٩.

٣٨٨
سورة المدثر: الآيتان ٣٠ - ٣١
لأنَّها محمولةٌ على ((تِسعَةُ أَعْشُر))، والواو بدلٌ من الهمزة، وليس لذلك وجه عند
النحويين(١).
الزمخشريّ: وقرِئ: ((تِسْعَةُ أَعْشُر)) جمع عَشِير، مثْل يَمِين وأَيْمُن(٢).
قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَّقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ أي: ليوقن الذين أُعطوا التوارةَ والإنجيل
أنَّ عِدَّة(٣) خَزَنة جهنم موافقة لما عندهم؛ قاله ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد
وغيرهم(٤).
ثم يَحتمل أنَّه يريدُ الذين آمنوا منهم، كعبدالله بن سلام. ويحتمل أنَّه يريد الكلّ.
﴿وَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِمَنْ﴾ بذلك؛ لأنَّهم كلَّما صدَّقوا بما في كتاب الله آمنوا، ثم
ازدادوا إيماناً لتصديقهم بعدد خَزَنة جهنّم .
﴿وَلَ يَرَبَ﴾ أي: ولا يشكّ ﴿الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ أي: أُعطوا الكتاب ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
أي: المصدِّقون من أصحاب محمدٍ ﴿ في أنَّ عدد(٥) خزنة جهنّم تسعةً عشر.
﴿وَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ تَهُ﴾ أي: في صدورهم شٌ ونفاق من منافقي أهلِ المدينة،
الذين ينجُمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة، ولم يكنْ بمكّة نفاقٌ، وإنَّما نَجَم
بالمدينة.
وقيل: المعنى، أي: وليقولَ المنافقون الذين يَنْجُمُون في مستقبل الزمان بعد
الهجرة(٦). ﴿وَالْكَفِرُونَ﴾ أي: اليهود والنصارى(٧).
﴿مَاذَآَ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ يعني بعدد خزنة جهنّم.
(١) الكلام بنحوه في المحتسب ٣٣٩/٢.
(٢) الكشاف للزمخشري ١٨٤/٤، وينظر الدر المصون ٥٤٨/١٠ .
(٣) في النسخ الخطية: عدد.
(٤) أخرج قولهم الطبري ٤٣٨/٢٣-٤٣٩ .
(٥) في (م): عدة.
(٦) الكشاف للزمخشري ٤/ ١٨٥ .
(٧) زاد المسير ٤٠٩/٨ .

٣٨٩
سورة المدثر: الآيتان ٣٠ -٣١
وقال الحسين بن الفضل: السورةُ مكِّيَّةٌ، ولم يكن بمكّة نفاق؛ فالمرض في هذه
الآية الخلاف، و((الكَافِرُونَ)) أي: مشركو العرب. وعلى القول الأوَّل أكثر المفسرين.
ويجوز أنْ يُراد بالمرض: الشكّ والارتياب؛ لأنَّ أهل مَّةَ كان أكثرهم شاكِّين،
وبعضُهم قاطعين بالكذب(١).
وقوله تعالى إخباراً عنهم: ((مَاذَا أَرَادَ اللهُ)) أي: ما أراد ((بِهَذَا)) العدد الذي ذكره
حديثاً، أي ما هذا من الحديث(٢). قال الليث: المَثَل الحديث؛ ومنه: ﴿مَّثَلُ اُلْجَنَّةِ
الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] أي: حديثُها والخبر عنها.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كإضلال الله أبا جهلٍ وأصحابَه المنكرين لخَزَنة جهنم؛ ﴿يُضِلُّ
اللَّهُ﴾ أي: يخزي ويعمي من يَشَاءُ ﴿وَيَهْدِى﴾ أي: ويُرْشِد ﴿مَن يَشَآءُ﴾ کارشادِ
أصحاب محمدٍ ﴾.
وقيل: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ عن الجنَّة من يَشَاءُ، ويَهْدي إليها من يَشَاء.
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُدَ رَيِّكَ إِلَّا هُوٌ﴾ أي: وما يدري عددَ ملائكة ربِّك الذين خلفَهم لتعذيب
أهل النار ((إِلَّ هُوَ))، أي: إِلَّ الله جلَّ ثناؤه. وهذا جوابٌ لأبي جهلٍ حين قال: أمَا
لمحمدٍ من الجنود إِلَّا تسعةَ عشر (٣)!
وعن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ◌َ# كان يَقْسِم غنائم حُنين، فأتاه جبريلُ فجلس عنده،
فأتى مَلَكٌ فقال: إنَّ ربك يأمرك بكذا وكذا، فخشيَ النبيُّ # أنْ يكون شيطاناً، فقال:
(يا جبريل أتعرفه))؟ فقال: هو مَلَك، وما كلُّ ملائكةِ ربِّك أعرف(٤).
وقال الأوزاعيُّ: قال موسى: يا ربّ! من في السماء؟ قال: ملائكتي. قال: كم
(١) الكشاف ٤/ ١٨٥ .
(٢) زاد المسير ٤٠٩/٨.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٤١٧ . ونسبه لمقاتل.
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٣٣٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٩/٦: وفيه حسين بن
الحسن الأشقر، وهو منكر الحديث، ورمي بالكذب، ووثقه ابن حبان . اهـ. وقال ابن عدي في
الكامل ٧٧٢/٢: وهذا حديث منكر بهذا الإسناد، وما أعلم رواه غير حسين الأشقر، عن حسين أبو
محذورة الوراق. والبلاء عندي من الحسين الأشقر؛ لأن أبا محذورة لا بأس به.

٣٩٠
سورة المدثر: الآيتان ٣٠ - ٤٨
عدَّتهم يا ربّ؟ قال: اثنا (١) عشر سِبْطاً. قال: كم عدَّةُ كلِّ سِبط؟ قال: عدد
التراب(٢). ذكرهما الثعلبيّ.
وفي الترمذيّ عن النبيّ ◌َ﴾: «أَّت السماءُ وحُقَّ لها أنْ تَبِطَّ، ما فيها موضعُ أربع
أصابع إلَّا ومَلَكٌ واضحٌ جبهتَه لله ساجداً»(٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ يعني الدلائلَ والحججَ والقرآن. وقيل:
(وَمَا هِيَّ) أي: وما هذه النارُ التي هي سقر ((إِلَّ ذِكْرَى)) أي: عِظَةٌ ((لِلْبَشَرِ)) أي:
للخلق (٤).
وقيل: نارُ الدنيا تذكرةٌ لنار الآخرة. قاله الزجاج(٥).
وقيل: أي: ما هذه العِدَّةُ ((إِلَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ))، أي: ليتذكَّروا ويعلموا كمالَ قدرة
الله تعالى، وأنَّه لا يحتاجُ إلى أعوانٍ وأنصارٍ؛ فالكنايةُ على هذا في قوله تعالى: ((وَمَا
هِيَ)) ترجعُ إلى الجنودِ؛ لأنَّه أقربُ مذكور.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ
﴿ إِنَّهَا لَإِحْدَى
وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ
وَالَّيْلِ إِذْ أَذْبَرٌ
٣٢
اَلْكُبرِ (٢٥ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شََّ مِنكُمْ أَنْ يَنَقَدَّمَ أَوْ يَخَّرَ (٧﴾ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ
رَهِنَةُ (٨َ إِلَّ أَصْحَبَ آلْنِينِ ﴿٣َ فِ جَنَّتٍ يَتَََّّلُونَ ﴿ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ﴿ مَا سَلَكَكُ
وَكُنَّا نَخُوضُ
٤٤
قَالُواْ لَ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
فِي سَقَرَ
مَعَ الْخَيِضِينَ
٤٥
وَكُنَا تُكَذِّبُ بِيَّوْمِ الدِّينِ
حَّ أَتَنْنَا أَلْيَقِينُ (49) فَمَا نَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ
٤٨
الشَِّفِعِينَ
قوله تعالى: ﴿كَلَّ وَالْقَرِ﴾ قال الفرَّاء: ((كَلَّا)) صلةٌ للقسم، التقدير: إي والقمر.
(١) في (خ) و(د) و(م) : اثني.
(٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٢٥)، وذكره الآلوسي في روح المعاني ١٢٨/٢٩، واللفظ فيهما: ((يا
رب: من معك في السماء)». قال الآلوسي: وفي صحة هذا نظر، وإن صح فصدره من المتشابه .
(٣) أخرجه أحمد (٢١٥١٦)، وسلف بتمامه ٤٢٨/٥-٤٢٩ .
(٤) الكلام بنحوه في تفسير أبي الليث ٤٢٣/٣ .
(٥) في معاني القرآن ٢٤٨/٥ .

٣٩١
سورة المدثر: الآيات ٣٢ - ٤٨
وقيل: المعنى حقّاً والقمر فلا يوقَفُ على هذين التقديرين على ((كَلَّا))، وأجاز الطّبريُّ
الوقف عليها، وجعلها ردًّا للذين زعموا أنَّهم يُقاومون خَزَنة جهنم، أي: ليس الأمرُ
كما يقول من زعم أنَّه يُقاوم خزنَة النَّار. ثم أقسمَ على ذلك جلَّ وعزَّ بالقمر وبما
بعده، فقال: ﴿وَّلِ إِذْ أَذْبَرَ﴾ أي: وَلَّى (١)، وكذلك ((دَبَرَ).
وقرأ نافعٌ وحمزةُ وحفص: ((إِذْ أَذْبَرَ))، الباقون: ((إِذَا)) بألف، و((دَبَرَ)) بغير
ألف(٢)، وهما لغتان بمعنىّ؛ يقال: دَبَرَ وأدبر، وكذلك قَبِل الليل وأقبل. وقد قالوا:
أمسٍ الدابرِ والمدبرِ؛ قال صخر بن عمرو بن الشَّريد السُّلَميّ:
وَلَقَدْ قَتَلْتُكُمُ (٣) ثُنَاءَ وَمَوْحَداً وَتَرَكْتُ مُرَّةَ مِثْلَ أَمْسِ الدَّابِرِ
ويُروَى: المدير (٤). وهذا قولُ الفرَّاء والأخفش(٥).
وقال بعض أهل اللغة: دَبَر الليل: إذا مضى، وأدبر: أخذ في الإدبار.
وقال مجاهد: سألتُ ابنَ عباس عن قوله تعالى: ﴿وَّلِ إِذَا دَبَر﴾ فسكت حتى إذا
دَبَرَ قال: يا مجاهد، هذا حينُ دبر الليل(٦).
وقرأ محمد بن السميفع: ((وَالْلَّيْلِ إِذَا أدْبَرَ)) بألفين، وكذلك في مصحف عبد الله
وَأُبَيّ بألفين(٧).
وقال قُطرب: من قرأ: ((دَبَرَ))، فيعني: أَقْبَلَ، من قول العرب: دَبَرَ فلانٌ: إذا جاء
(١) ينظر تفسير الطبري ٤٤١/٢٣-٤٤٢، وينظر ما سلف حول الوقوف على كلا عند تفسير قوله تعالى
﴿كلَّا سنكتب ما يقول ... ﴾ [مريم: ٧٩] ٥٠٨/١٣.
(٢) السبعة ص٦٥٩، والتيسير ص٢١٦ .
(٣) في (ظ) و(م): قتلناكم، وفي (ز) قبلتكم، والمثبت من (خ) و(د) و(ي). وهو الموافق للمصادر.
(٤) الصحاح (دبر)، والبيت في أدب الكاتب ص ٥٦٧ بلفظ الدابر، وفي الأغاني ٥/ ١٠٠، وخزانة الأدب
٤٤٨/٥ بلفظ : المدبر .
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٠٤/٣، ومعاني القرآن للأخفش ٧١٩/٢ .
(٦) تفسير أبي الليث ٤٢٣/٣. وينظر المحرر الوجيز ٣٩٧/٥ .
(٧) قراءة ابن مسعود وأُبيّ في المحرر الوجيز ٣٩٧/٥، وينظر معاني القرآن للفراء ٢٠٤/٣.

٣٩٢
سورة المدثر: الآيات ٣٢ - ٤٨
من خلفي. قال أبو عمرو: وهي لغةُ قريش(١).
وقال ابنُ عباس في روايةٍ عنه: الصواب: ((أَذْبَرَ))، إنَّما يَذْبَرُ ظهر البعير(٢).
واختار أبو عُبيد: ((إِذَا دَبَرَ (٣))، قال: لأنَّها أكثرُ موافقةً للحروف التي تليه؛ ألا تراه
يقول: ﴿وَلُّْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾، فكيف يكون أحدهما: ((إذ))، والآخر: ((إذا))، وليس في
القرآن قَسَمٌ تعقبُه ((إذ)، وإنَّما يتعقبه ((إذا))(٤).
ومعنى ((أَسْفَرَ)): ضاء. وقراءةُ العامَّة: ((أَسْفَرَ)) بالألف. وقرأ ابنُ السَّمَيْفَع:
(سَفَرَ))(٥). وهما لغتان. يقال: سَفَر وجهُ فلان وأسفر: إذا أضاء. وفي الحديث:
(أسْفِرُوا بالفجر، فإنه أعظمُ للأجر))(٦) أي: صَلُّوا صلاةَ الصبح مُسْفِرين، ويقال:
طَوِّلُوها إلى الإسفار، والإسفارُ: الإنارة، وأسفر وجهُه حسناً، أي: أشرق، وَسَفَرَتِ
المرأةُ: كشفتْ عن وجهها، فهي سافِر. ويجوز أنْ يكون: سَفَر الظلامَ، أي: كنسَه،
كما يُسفَر البيت؛ أي: يُكنَس، ومنه السَّفير: لِمَا سقطَ من ورق الشجر وتَحاتَّ؛
يقال: إنَّما سُمِّي سفيراً؛ لأنَّ الريح تَسفِره، أي: تكنُسه. والمِسْفَرَةُ: المِكْتَسة(٧).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ جوابُ القسم، أي: إنَّ هذه النار ((لَإِحْدَى
الكُبَرِ))، أي: لإحدى الدواهي.
وفي تفسير مقاتل: ((الكُبَر)): اسمٌ من أسماء النار.
(١) تفسير البغوي ٤١٨/٤. وينظر تفسير الطبري ٤٤٢/٢٣ .
(٢) ذكرها الرازي في تفسيره ٢٠٨/٣٠ . ودَبِرَ البعيرُ يَدْبَرُ (كفرح): جُرحَ وتقرَّح ظهرُه. معجم متن اللغة
(دبر).
(٣) في (ظ) و(م): أدبر. وهو خطأ.
(٤) ذكر نحو قول أبي عبيد النحاسُ في إعراب القرآن ٧١/٥ .
(٥) المحرر الوجيز ٣٩٧/٥، والبحر المحيط ٣٧٧/٨.
(٦) أخرجه الترمذي (١٥٤)، والنسائي في المجتبى ٣٧٢/١ عن رافع بن خديج، وهو بنحوه عند أحمد
برقم (١٥٨١٩).
(٧) الصحاح (سفر).

٣٩٣
سورة المدثر: الآيات ٣٢ - ٤٨
وروي عن ابن عباس: ((إنَّهَا)) أي: إنَّ تكذيبَهم بمحمدٍ ﴿ (لَإِحْدَى الْكُبْرِ))، أي:
لَكبيرةٌ من الكبائر.
وقيل: أي: إنَّ قيامَ الساعة لإحدى الكُبَر. والكُبَر: هي العظائمُ من العقوبات؛
قال الراجز:
ياابنّ المُعَلَّى نَزلتْ إحدى الكُبَرْ داهيةُ الدهْر وصَمَّاءُ الغَبَرْ(١)
وواحدة ((الكُبر)): كُبرى، مثل: الصُّغْرَى والصُّغَر، والعُظْمى والعُظَم(٢).
وقرأ العامة ((لَإِحْدَى))، وهو اسمٌ بني ابتداءً للتأنيث، وليس مبنياً على المذكَّر؛
نحو: عُقْبَى وأخرى، وألفُه ألفُ قطع، لا تذهب في الوصل.
ورَوى جرير بن حازم عن ابن كثير: ((إِنَّهَا لَحْدى الكُبَرِ)) بحذف الهمزة(٣).
﴿فَذِيرًا لِبَِّ﴾ يريد النَّار، أي: إنَّ هذه النار الموصوفة ((نَذِيْراً لِلْبَشَرِ))، فهو نصبٌ
على الحال من المضمر في ((إِنَّهَا)) قاله الزَّجَّاج(٤). وذُكِّر؛ لأنَّ معناه معنى العذاب،
أو أراد: ذاتَ إنذارٍ؛ على معنى النَّسب؛ كقولهم: امرأةٌ طالقٌ وطاهر.
وقال الخليل: النذير: مصدرٌ كالنكير، ولذلك يُوصف به المؤنث(٥).
وقال الحسن: والله ما أُنذر الخلائق بشيءٍ أدهى منها. وقيل: المرادُ بالنذير
(١) النكت والعيون ١٤٥/٦-١٤٦، ووقع في (خ) و(د) و(ز) و(ي): العبر، وفي (ظ): العرب، وفي (م)
والنكت والعيون: الغير. والمثبت من المصادر الآتية. والرجز لعبد الله بن الأعور الكذاب الحرمازي
كما في كتاب الحيوان للجاحظ ١٤٦/٤، والمعاني الكبير لابن قتيبة ٦٧١/٢، والمستقصى
للزمخشري ٤٢١/١ . وداهية الدهر: الحية لأنها ربما سكنت بقرب ماء، فتحمي ذلك الموضع، وربما
غبر [أي: بقي] ذلك الماء في المنقع حيناً وقد حمته، وفي القاموس (غبر): داهية الغَبّر: داهية
لا يُهتدى لمثلها .
(٢) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٩٧ .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٦٥ .
(٤) في معاني القرآن له ٢٤٩/٥، وما بعده منه.
(٥) تفسير البغوي ٤١٨/٤ .

٣٩٤
سورة المدثر: الآيات ٣٢ - ٤٨
محمدٌ*(١)، أي: قم نذيراً للبشر، أي: مُخَوِّفاً لهم، فـ ((نَذيراً)) حالٌ من ((قُمْ)) في
أوّل السورة حين قال: ﴿قُّ فَأَذِرْ﴾ قاله(٢) أبو علي الفارسيّ وابنُ زيد(٣)، ورُوي عن
ابن عباس(٤) وأنكره الفرَّاء(٥).
ابن الأنباري: وقال بعضُ المفسرين: معناه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر، قُمْ نَذِيراً لِلْبَشَر.
وهذا قبيح؛ لأنَّ الكلامَ قد طال فيما بينهما (٦).
وقيل: هو من صفة الله تعالى. رَوى أبو معاوية الضرير: حدَّثنا إسماعيلُ بن
سميع، عن أبي رَزين: ((نَذِيراً لِلْبَشَرِ)) قال: يقولُ الله عزَّ وجلَّ: أنا لكم منها نذيرٌ
فاتقوها(٧). و(نَذِيراً)) على هذا نصب على الحال، أي: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعْحَبَ النَّارِ إِلَّ
مَكَتِكَةٌ﴾ مُنْذِراً بذلك البشر(٨).
وقيل: هو حالٌ من ((هو)) في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَقْلَمُ جُدَ رَّكَ إِلََّّ هُوٌ﴾. وقيل: هو
في موضع المصدر، كأنَّه قال: إِنذاراً للبشر(٩). قال الفرَّاء: يجوزُ أنْ يكون النذير
بمعنى الإنذار، أي: أنذر إنذاراً، فهو كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [تبارك: ١٧] أي:
إنذاري (١٠). فعلى هذا يكون راجعاً إلى أوّل السورة، أي: ((قُمْ فَأَنْذِرْ))، أي: إنذاراً.
وقيل: هو منصوبٌ بإضمار فعل (١١). وقرأ ابن أبي عبْلة: (نَذِيرٌ)) بالرفع، على
(١) النكت والعيون ٦/ ١٤٧.
(٢) في (م): قال.
(٣) النكت والعيون ٦/ ١٤٧، وتفسير البغوي ٤١٨/٤ .
(٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٣٨٦/٤ .
(٥) في معاني القرآن له ٢٠٥/٣ .
(٦) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٥٥ .
(٧) أخرجه الطبري ٤٤٦/٢٣ .
(٨) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٤/ ٤١٨ .
(٩) ينظر مشكل إعراب القرآن ٧٧٤/٢ .
(١٠) معاني القرآن للفراء ٢٠٥/٣ .
(١١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٧٢/٥، ومشكل إعراب القرآن ٧٧٥/٢.
:

٣٩٥
سورة المدثر: الآيات ٣٢ - ٤٨
إضمار هو (١) وقيل: أي: إنَّ القرآنَ نذيرٌ للبشر، لِمَا تضمَّنه من الوعد والوعيد(٢).
قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَآءُ مِنْكُوْ أَنْ يَقَدَّمَ أَوْ يَّرَ﴾ اللام متعلقةٌ بـ ((نذيراً))، أي: نذيراً
لمن شاءَ منكم أنْ يتقدَّم إلى الخير والطاعة، أو يتأخّر إلى الشرِّ والمعصية؛ نظيره:
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾، أي: في الخير ﴿وَلَقَدْ عَلْنَا الْمُسْتَهِْينَ﴾ عنه.
قال الحسن: هذا وعيدٌ وتهديدٌ وإنْ خرج مخرجَ الخبر؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَّةَ
فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٣) [الكهف: ٢٩].
وقال بعضُ أهل التأويل: معناه لمنْ شاء اللهُ أنْ يتقدَّم أو يتأخّر؛ فالمشيئةُ متَّصلةٌ
بالله جلَّ ثناؤه، والتقديمُ الإِيمان، والتأخير الكفر.
وكان ابنُ عباس يقول: هذا تهديدٌ وإعلامٌ أنَّ من تقدَّم إلى الطاعة والإيمان
بمحمدٍ #؛ جُوزيَ بثوابٍ لا ينقطع، ومن تأخّر عن الطاعة وكذَّب محمداً ﴾؛ عُوقِب
عقاباً لا ينقطع.
وقال السُّديُّ: ﴿لِمَنْ شَآءُ مِنْكُوْ أَنْ يَقَدَّمَ﴾ إلى النَّار المتقدِّم ذكرها، ((أَوْ يَتَأْخَّرَ)) عنْها
إلى الجنة(٤).
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِنَّةُ﴾ أي: مرتهنةٌ بكسبها، مأخوذةٌ بعملها، إمَّا
خلَّصها، وإِمَّا أَوْبَقَها. وليست ((رَهِيْنَةٌ)) تأنيثَ رهين في قوله تعالى: ﴿كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ
رَمِينٌ﴾ [الطور: ٢١] لتأنيث النفس؛ لأنَّه لو قُصدت الصِّفةُ لقيل: رهين؛ لأنَّ فعيلاً
بمعنى مفعول يستوي فيه المذكَّر والمؤنث. وإنَّما هو اسم بمعنى الرهن، كالشتيمة
بمعنى الشتم، كأنَّ قيل: كلُّ نفسٍ بما كسبت رهن(٥)؛ ومنه بيتُ الحماسة:
(١) المحرر الوجيز ٣٩٨/٥، ونسبها الفراء في معاني القرآن ٢٠٥/٣، والزمخشري في الكشاف ١٨٦/٤
لأُبيّ.
(٢) النكت والعيون ٦/ ١٤٧ .
(٣) ذكره بنحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٩٨/٥ .
(٤) النكت والعيون ٦/ ١٤٧، وزاد المسير ٤١٠/٨.
(٥) في (ز) و(ظ) و(ي): رهين، وسقطت العبارة من (د)، والمثبت من (خ) والكشاف ١٨٦/٤ والكلام
منه.

٣٩٦
سورة المدثر: الآيات ٣٢ - ٤٨
أَبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفٍ كُوَيْكِبٍ رَهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلٍ(١)
كأنَّه قال: رَهْنِ رَمْسٍ. والمعنى: كلُّ نفسٍ رهنٌ بكسبها عند الله غير مفكوك(٢)
﴿إِلَّ أَعَْبَ آلْيَِّينِ﴾ فإنَّهم لا يُرْتَهنون بذنوبهم. واختُلِفَ في تعيينهم؛ فقال ابن عباس:
الملائكة(٣).
علي بن أبي طالب: أولادُ المسلمين لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم(٤).
الضَّخَّاك: الذين سبقت لهم من الله الحسنى(٥)، ونحوه عن ابن جريج؛ قال:
كلُّ نفسٍ بعملِها محاسبة إلَّا أصحابَ اليمين؛ وهم أهلُ الجنة، فإنَّهم لا يحاسبون(٦).
وكذا قال مقاتلٌ أيضاً: هم أصحابُ الجنَّة الذين كانوا عن يمين آدمَ يوم الميثاق،
حين قال الله لهم: هؤلاء في الجنَّة ولا أُبالي(٧) .
وقال الحسن وابنُ كَيْسان: هم المسلمونَ المخلصون ليسوا بمرتَهنين (٨)؛ لأنَّهم
أدّوا ما كان عليهم.
وعن أبي ظَبْيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون(٩).
وقيل: إلَّا أصحاب الحقِّ وأهل الإيمان. وقيل: هم الذين يُعطّون كتبهم
بأیمانھم.
(١) البيت لعبد الرحمن بن زيد العدوي، وهو في الحماسة البصرية ٢١٧/١، والبيان والتبيين ٢٥٨/٣،
والأغاني ١٠٤/٥ والنَّعْفُ: ما انحدر من حزونة الجبل، وارتفع من منحدر الوادي. القاموس (نعف).
والرّمْس: القبر، والجندل: الحجارة .
(٢) الكشاف ١٨٦/٤ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٣/ ٢٥٠.
(٤) أخرجه الطبري ٤٤٩/٢٣-٤٥٠، وينظر معاني القرآن للفراء ٢٠٥/٣.
(٥) المحرر الوجيز ٣٩٨/٥ .
(٦) النكت والعيون ١٤٨/٦ .
(٧) تفسير البغوي ٤١٨/٤ .
(٨) المحرر الوجيز ٣٩٨/٥ .
(٩) ذكره عن ابن عباس السيوطي في الدر المنثور ٢٨٥/٦ وعزاه لابن المنذر.

٣٩٧
سورة المدثر: الآيات ٣٢ - ٤٨
وقال أبو جعفر الباقر: نحن وشيعتُنا أصحابُ اليمين، وكلُّ من أبغَضنا أهلَ
البيت، فهم المرتهنون(١).
وقال الحكم: هم الذين اختارَهم الله لخدمته، فلم يَدخلوا في الرهن، لأنَّهم
خُدَّام الله وصفوتُه، وکسبُهم لم يضرّهم.
وقال القاسم: كلُّ نفسٍ مأخوذةٌ بكسبِها من خيرٍ أو شر، إلَّا من اعتمدَ على
الفضل والرحمة، دون الكسب والخدمة، فكلُّ من اعتمدَ على الكسب؛ فهو مرهونٌ،
وكلُّ من اعتمدَ على الفضل، فهو غيرُ مأخوذٍ به(٢).
﴿فِي جَنَّتِ﴾ أي: في بساتين ﴿ يَتََّلُونَ﴾ أي: يَسألون ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي:
المشركين ﴿مَا سَلَكَكُ﴾ أي: أدخَلُكُم ﴿فِ سَقَرَ﴾ كما تقول: سلكتُ الخيط في كذا،
أي: أدخلته فيه.
قال الكلبي: فيَسألُ الرجلُ مِنْ أهل الجنَّة الرجلَ مِنْ أهل النَّار باسمه، فيقول له:
يا فلان.
وفي قراءة عبد الله بن الزُّبير: ((يا فلانُ ما سَلَكَك في سَقَرَ))؟ وعنه قال: قرأ عمرُ
ابن الخطاب: ((يا فلانُ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ))(٣)، وهي قراءةٌ على التفسير، لا أنَّها
قرآنٌ كما زعم من طعن في القرآن؛ قاله أبو بكر بن الأنباري.
وقيل: إنَّ المؤمنين يَسألون الملائكةَ عن أقربائهم، فتسألُ الملائكةُ المشركين
فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَُ فِ سَقَّرَ﴾. قال الفرَّاء: في هذا ما يُقوِّي أنّ أصحاب اليمِينِ
(١) ذكره مختصراً الطبرسي في مجمع البيان ١١٨/٢٩ .
(٢) تفسير البغوي ٤١٨/٤ .
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٣٣١/٢، وفيه أن قراءة ابن الزبير ﴾: ((يا فلان ما سلككم في سقر))، بالجمع
كقراءة عمر ﴾، وكذا في الدر المنثور ٢٨٥/٦، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦٥
بالإفراد عن الصحابيين رضي الله عنهما. وذكرها النحاس في إعراب القرآن ٧٣/٥ عن الزبير فقط
بالافراد.

٣٩٨
سورة المدثر: الآيات ٣٢ - ٤٨
الولدان؛ لأنَّهم لا يعرفون الذنوب(١).
﴿قَالُوا﴾ يعني أهل النار: ﴿لَمَّ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ أي: المؤمنين الذين يُصلُّون.
﴿وَلَمْ نَكُ نُطِعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ أي: لم نكُ نتصدَّق.
﴿وَكُنَّا نَخُوُ مَعَ الْخَيْضِينَ﴾ أي: كنَّا نخالطُ أهلَ الباطل في باطلهم. وقال ابنُ
زيد: نخوضُ مع الخائضين في أمر محمد ﴿، وهو قولهم - لعنّهم الله - كاهنٌ،
مجنونٌ، شاعرٌ، ساحر.
وقال السُّدِّيُّ: أي: وكنَّا نُكَّذب مع المكذّبين. وقال قتادة: كلما غَوَى غاوٍ غَوَينا
معه. وقيل معناه: وكنّا أتباعاً ولم نكن متبوعين(٢).
﴿وَكُنَا تُكَذِّبُ بِيَّوْرِ الذِّينِ﴾ أي: لم نك نصدّق بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
قوله تعالى: ﴿َخََّ أَتَلَنَا الْيَقِينُ﴾ أي: جاءَنا وَنَزَل بنا الموت، ومنه قوله تعالى:
﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِيْنُ﴾ [الحجر: ٩٩].
قوله تعالى: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ﴾ هذا دليلٌ على صحّة الشفاعة للمذنبين؛
وذلك أنَّ قوماً من أهل التوحيد عُذِّبوا بذنوبهم، ثم شُفِعَ فيهم، فرحمَهم الله
بتوحيدهم والشفاعة، فأُخرجوا من النَّار(٣)، وليس للكفار شفيعٌ يَشفع فيهم.
وقال عبد الله بن مسعود﴾: يشفعُ نبِيُّكُمُ ﴿ رابعَ أربعة: جبريل، ثمَّ إبراهيم،
ثمَّ موسى أو عيسى، ثمَّ نبيُّكم ﴿، ثمَّ الملائكة، ثمّ النبيُّون، ثمَّ الصدِّيقون، ثمَّ
الشهداء، ويبقى قومٌ في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِ سَقَّرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُّصَلِينَ
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّينَ﴾ قال عبدُ الله بن مسعود:
فهؤلاء هم الذين يبقَون في جهنم. وقد ذكرنا إسنادَه في كتاب ((التذكرة))(٤).
(١) معاني القرآن للفراء ٢٠٥/٣ بنحوه.
(٢) النكت والعيون ١٤٨/٦ .
(٣) ينظر حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).
(٤) ص ٣٤٣، والحديث أخرجه مطولاً الطبراني في المعجم الكبير (٩٧٦١)، والحاكم في المستدرك =

٣٩٩
سورة المدثر: الآيات ٤٩ - ٥٣
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ @ فَرَّتْ مِن
٤٩
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذِكِرَةِ مُعْرِضِينَ
قَسْوَرَقِمِ
@ـ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ أَمْرِكٍ مِنْهُمْ أَن يُؤْثَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (فَ كَلَّ بَل لَّا يَخَافُونَ
الْآَخِرَةَ
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أي: فما لأهل مكَّة قد أعرضوا، وولَّوا
عما جئتهم به(١). وفي تفسير مقاتل: الإعراضُ عن القرآن من وجهين: أحدهما:
الجحودُ والإنكار، والوجه الآخر: ترك العمل بما فيه.
و (مُعْرِضِينَ)) نصب على الحال من الهاء والميم في (لَهُمْ))، وفي اللام معنى
الفعل؛ فانتصابُ الحال على معنى الفعل(٢).
﴿كَأَنَّهُمْ﴾ أي: كأنَّ هؤلاء الكفار في فرارهم من محمدٍ ﴾ ﴿حُمٌُ مُسْتَفِرَةٌ﴾ قال
ابن عباس: أراد الحمر الوحشية(٣).
وقرأ نافعٌ وابنُ عامر بفتح الفاء(٤)، أي: مُنَفَّرةٌ مذعورة، واختاره أبو عبيد وأبو
حاتم. الباقون بالكسر، أي: نافرة. يقال: نَفَرت واسْتَنفرت بمعنىّ؛ مثل عَجِبت
واسْتَعجبت، وسَخِرت واسْتَسخرت(٥)، وأنشد الفرَّاء:
أَمْسِكْ حِمَارَك إنَّه مُسْتَنْفِرٌ
في إِثْرٍ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبٍ (٦)
= ٤٩٨/٤، ٦٠٠ . وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال:
ما احتجا بأبي الزعراء. اهـ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٣٠/١٠: وهو موقوف مخالف للحديث
الصحيح، وقول النبي#: أنا أول شافع.
(١) في (د) و(م) : جئتم به.
(٢) قال الطبرسي في مجمع البيان ١٦٦/٢٩: والتقدير: أيُّ شيء ثبت لهم معرضين عن التذكرة.
(٣) ذكره بنحوه الواحدي في الوسيط ٣٨٨/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٤١٧/٨ .
(٤) السبعة ص٦٦١، والتيسير ص٢١٦ .
(٥) الكشف عن وجوه القراءات ٣٤٨/٢ .
(٦) معاني القرآن للفراء ٢٠٦/٣، وهو أيضاً في كتاب المعاني الكبير لابن قتيبة ٧٩٣/٢ ونسبه لنافع بن
لقيط الفقعسي. وفيه: اربط بدل: أمسك قال ابن قتيبة: يروى: أزجر حمارك. اهـ. وغرَّب: اسم جبل
دون الشام في ديار بين كلب. معجم البلدان ٤/ ١٩٢ .

٤٠٠
سورة المدثر: الآيات ٤٩ - ٥٣
قوله تعالى: ﴿فَرَّتْ﴾ أي: نفرتْ وهربت ﴿مِن قَسْوَرَقِ﴾ أي: من رُماة يرمونها.
وقال بعض أهل اللغة: إنَّ القَسْوَرَ الرامي، وجمعه القَسْوَرَةِ(١). وكذا قال سعيدُ بن
جبير وعكرمة ومجاهدٌ وقتادة والضَّحَّاكُ وابنُ كَيْسان: القَسْوَرة: هم الرُّماةُ
والصيّادون(٢)، ورواه عطاءٌ عن ابن عباس وأبو ظَبيان(٣) عن أبي موسى الأشعري.
وقيل: إنَّه الأسد؛ قاله أبو هريرة وابن عباس أيضاً(٤).
ابن عرفة: من القَسْر(٥)؛ بمعنى: القَهْر، أي: إنه يَقْهَرُ السِّباع، والحُمُر الوحشيّة
تهربُ من السباع.
وروى أبو حمزة(٦) عن ابن عباس قال: ما أعلم القسورةَ الأسَد في لغة أحدٍ من
العرب، ولكنها عُصَب الرجال: قال: فالقسورةُ جمعُ الرجال، وأنشد:
يا بنتُ كُونِي خَيْرةَ لِخيِّرة أخوالُها الجنُّ وأهلُ القَسْوَرَة
وعنه: رِكْزُ الناس، أي: حِسُّهم وأصواتهم(٧).
وعنه أيضاً: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةِ﴾ أي: من حبال الصيادين(٨).
وعنه أيضاً: القسورةُ بلسان العرب: الأسد، وبلسان الحبشة: الرماة (٩)، وبلسان
(١) في النسخ: القسورة الرامي، وجمعه: قسورة. وفي اللباب لابن عادل ٩/ ٥٣٧: القسورة الرامي،
وجمعه قساوره. والمثبت من فتح القدير ٣٣٣/٥، وهو قول الليث كما ذكره الأزهري في تهذيب اللغة
٨/ ٣٩٨ وخطَّه، وينظر تاج العروس (قسر).
(٢) تفسير الطبري ٤٥٧/٢٣-٤٥٨، وتفسير البغوي ٤١٩/٤، وزاد المسير ٤١٣/٨ .
(٣) في (د) و(ظ): حبان، وفي (خ) و(ز) و(ي): هبان. والمثبت من تفسير الطبري ٤٥٥/٢٣ . وقولهما
مخرج فيه.
(٤) أخرجه عنهما الطبري ٤٥٩/٢٣ -٤٦٠ .
(٥) تاج العروس (قسر).
(٦) في (م) و(ي): جمرة، والمثبت من (خ) و(د) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق لتفسير الطبري ٤٥٨/٢٣ .
(٧) أخرجه الطبري ٤٥٨/٢٣-٤٥٩ .
(٨) تفسير البغوي ٤١٩/٤ .
(٩) في تفسير الطبري ٢٣/ ٤٦٠: بلسان الحبشة: القسورة. وكذا ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢٨٦/٦
مختصراً وعزاه لابن أبي حاتم.