Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة الحاقة: الآيات ١٥ - ١٧
﴿وَلْمَلَّكُ﴾ يعني الملائكة؛ اسمٌ للجنس. ﴿عَلَى أَرْبَّيِهَاً﴾ أي: على أطرافها حين
تنشقّ؛ لأن السماء مكانُهم؛ عن ابن عباس. الماورديّ(١): ولعله قولُ مجاهدٍ وقتادة.
وحكاه الثعلبيُّ عن الضخَّاك، قال: على أطرافها ممَّا لم ينشقَّ منها (٢). يريد أنَّ السماء
مكانُ الملائكة، فإذا انشقَّت صاروا في أطرافها.
وقال سعيد بن جُبَير: المعنى: والمَلَكُ على حافَّات الدنيا، أي: يَنزلون إلى
الأرض ويحرُسون أطرافها. وقيل: إذا صارت السماء قِطَعًا؛ تقف الملائكةُ على تلك
القطعِ التي ليست مُتَشقِّقة في أنفسها. وقيل: إنَّ الناس إذا رأَوا جهنمَ هالتهم؛ فَينِدُّوا
كما تَنِدُّ الإبل، فلا يأتون قُطْرًا من أقطار الأرض إلَّا رأوا ملائكة، فيرجعون من حيث
جاؤوا.
وقيل: ((على أَرْجَائِهَا)) ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النارِ من السَّوق إليها، وفي
أهل الجنة من التَّحيَّة والكرامة.
وهذا كلُّه راجعٌ إلى معنى قولِ ابنِ جُبَير. ويَدُلُّ عليه: ﴿وَزِلَ المَلَتِكَةُ تَزِيلًا﴾
[الفرقان: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ لَلِنِّ وَالْإِنسِ إِن أَسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن: ٣٣] على ما بيَّنَّاه هناك.
والأرجاء: النواحي والأقطارُ؛ بلغة هذيل، واحدها: رَجاً، مقصور، وتثنيته:
رَجَوان؛ مِثْل عَصاً وعَصَوان. قال الشاعر:
أقلُّ القومِ مَن يُغْنِي مكاني (٣)
فلا يُرْمَى بِيَ الرَّجَوَانِ إِنِّي
ويقال ذلك لحرف البئرِ والقبر.
(١) في النكت والعيون ٦/ ٨١ .
(٢) أخرج أقوالهم الطبري ٢٢٦/٢٣، دون قوله: لأن السماء مكانهم.
(٣) أدب الكاتب ص٢٥٧، ومجمع الأمثال ٢١٣/١، وشرح المفصل لابن يعيش ١٤٧/٤، واللسان
(رجو) دون نسبة . وفي الاقتضاب للبطليوسي ص ٣٦٦ أنه لعبد الرحمن بن الحكم من شعر يقوله في
أخيه مروان .

٢٠٢
سورة الحاقة: الآيات ١٥ - ١٧
قوله تعالى: ﴿وَيَحِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ نَنِيَةٌ﴾ قال ابن عباس: ثمانية صفوفٍ
من الملائكة لا يعلم عددهم إلَّا الله. وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك(١). وعن
الحسن: الله أعلم كم هم، ثمانيةٌ أم ثمانيةُ آلاف(٢). وعن النبيِّ ◌َ﴾ ((أنَّ حملة العرش
اليوم أربعة، فإذا كان يومُ القيامة، أيَّدهم اللهُ تعالى بأربعةٍ آخَرين، فكانوا ثمانية)).
ذكره الثعلبيّ(٣). وخَرَّجه الماورديُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((يحمله
اليومَ أربعة، وهم يومَ القيامة ثمانية))(٤).
وقال العباس بن عبد المطلب(٥): هم ثمانيةُ أملاكٍ على صورة الأوعال(٦).
ورواه عن النبيِّ ◌َ﴾(٧). وفي الحديث: ((إنَّ لكلِّ مَلَكِ منهم أربعةً أوجه: وجه رجل،
ووجه أسد، ووجه ثَوْر، ووجه نَسْر، وكلُّ وجهٍ منها يسأل اللهَ الرزقَ لذلك
الجنس»(٨). ولما أُنشد بين يدي النبيِّ ◌َ﴾ قولُ أميَّة بنِ أبي الصَّلْت:
والنَّسرُ للأُخرى ولَيثُ مُرْصَدُ
رَجُلٌ وثَوْرٌ تحت رِجلٍ يمينهِ
حمراءَ يصبح لونُها يَتورَّدُ
والشمس تطلعُ كلَّ آخِرٍ ليلةٍ
(١) أخرجهما الطبري ٢٢٨/٢٣ - ٢٢٩ .
(٢) الكشاف ٤/ ١٥٢ .
(٣) وأخرجه الطبري ٢٢٩/٢٣ عن ابن إسحاق قال: بلغنا أن رسول الله # قال : ... ثم ذكره ؛ وهو مرسل.
(٤) النكت والعیون ٦/ ٨٢ دون سند .
(٥) في النسخ : عبد الملك ، وهو خطأ .
(٦) خبر ضعيف أخرجه أبو يعلى (٦٧١٢)، والحاكم ٢/ ٥٠٠ من طريق شريك بن عبد الله، عن سماك
: ابن حرب ، عن عبد الله بن عميرة ، عن الأحنف بن قيس ، عن العباس . وشريك صدوق يخطئ
كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة ، وسماك تغيّر بأخّرَة، كما في تقريب التهذيب . وعبد الله
ابن عميرة مجهول، وقال فيه البخاري في التاريخ الكبير ١٥٩/٥: لا نعلم له سماعاً من الأحنف.
(٧) سيذكره المصنف قريباً ، وهو ضعيف .
(٨) لم نقف عليه مرفوعاً. وأخرجه عبد الرزاق ٣١٤/٢ عن وهب بن منبه والبيهقي في الأسماء والصفات
٢/ ٢٩٥ عن أبي مالك مطولاً. وليس فيهما: وكل وجه منها يسأل ... إلخ. قال أبو حيان في البحر
٨/ ٣٢٤: ذكروا في صفات هؤلاء الثمانية أشكالاً متكاذبة؛ ضربنا عن ذكرها صفحاً.

٢٠٣
سورة الحاقة: الآيات ١٥ - ١٧
ليست بطالعة لهم في رِسْلِها(١) إِلَّا مُعذَّبَةً وإلَّا تُجْلَدُ
قال النبيُّ﴾: ((صَدَق)(٢).
وفي الخبر: ((أنَّ فوق السماء السابعةِ ثمانيةً أوعال، بين أظلافهنَّ ورُكَبهنَّ مثْلُ ما
بين سماءٍ إلى سماء، وفوق ظُهورهنَّ العرشُ)). ذكره القشيريّ، وخرَّجه الترمذيُّ(٣) من
حديث العباس بن عبد المطلب. وقد مضى في سورة البقرة بكماله(٤). وذكر نحوه
الثعلبيُّ وَفْظَه.
وفي حديثٍ مرفوع: ((أنَّ حملة العرش ثمانيةُ أملاكٍ على صورة الأوعال، ما بين
أظلافِها إلى رُكَبها مسيرةُ سبعين عاماً للطائر المسرع)).
وفي تفسير الكلبيّ: ثمانيةُ أجزاءٍ من تسعة أجزاءٍ من الملائكة. وعنه: ثمانيةٌ
أجزاءٍ من عشْرة أجزاءٍ من الملائكة. ثم ذكر عِدَّة الملائكة بما يطول ذِكْرُه. حكى
الأوَّلَ عنه الثعلبيُّ والثانيَ القشيريّ. وقال الماورديُّ عن ابن عباس: ثمانيةُ أجزاءٍ من
تسعة، وهم الكُرُوبِيُّون(٥). والمعنى ينزل بالعرش(٦).
ثم إضافةُ العرش إلى الله تعالى كإضافة البيت، وليس البيتُ للسُّكنى، فكذلك
العرش. ومعنى: ((فَوْقَهُمْ))، أي: فوقَ رؤوسِهم (٧). قال السُّدِّي: العرش تَحمِله
(١) في المصادر : تأبى فلا تبدو لنا في رسلها . والرَّسْل : التُّؤَدة.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣١٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وإسناده ضعيف، فيه محمد بن إسحاق،
ولم يصرح بالتحديث. وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: ولو ثبت تصريح ابن
إسحاق؛ فلا يعتدُّ به في مثل هذا المطلب. اهـ. والأبيات في الديوان ص٥٠ .
(٣) برقم (٣٣٢٠) وهو ضعيف، إسناده بنحو إسناد حديث العباس السالف عنه موقوفاً .
(٤) ٣٨٨/١ - ٣٨٩ وليس فيه ذكر لحملة العرش.
(٥) النكت والعيون ٦/ ٨٢ . وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش ص ٦٥ - ٦٦ بنحوه.
والكروبيون : الملائكة المقربون . النهاية (کرب).
(٦) ينظر ما سلف ٣٩٩/١٥ - ٤٠٠ .
(٧) أي : رؤوس الحملة كما في النكت والعيون ٦/ ٨٢، والوسيط للواحدي ٤/ ٣٤٥، وتفسير البغوي
٦٨٧/٤، وزاد المسير ٣٥٠/٨، ونسبه لمقاتل .

٢٠٤
سورة الحاقة: الآيات ١٥ - ١٨
الملائكةُ الحَمَلَةُ فوقهم، ولا يَحمِلُ حَمَلَة العرشِ إلَّ اللـه. وقيل: ((فَوْقَهُمْ)) أي: إنَّ
حملة العرش فوق الملائكةِ الذين في السماء على أرجائها. وقيل: ((فَوْقَهُمْ)) أي: فوق
أهلِ القيامة(١).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُرْ خَافِيَةٌ
قوله تعالى: ﴿يَوْمَذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أي: على الله؛ دليلُه: ﴿وَعُرِضُواْ عَى رَبِّكَ صَفَّا﴾
[الكهف: ٤٨]، وليس ذلك عرضًا يَعلَمُ به ما لم يكن عالمًا به، بل معناه الحسابُ وتقريرُ
الأعمال عليهم للمجازاة. وروى الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله %:
((يُعْرَض الناسُ يومَ القيامة ثلاثَ عَرَضات: فأمَّا عَرْضتان، فجدالٌ ومعاذير، وأما
الثالثة، فعند ذلك تطير الصُّحُف في الأيدي، فآخِذٌ بيمينه وآخِذٌ بِشِماله)). خرَّجه
الترمذيُّ وقال: ولا يَصحُ مِن قِبَلِ أنَّ الحسن لم يسمع من أبي هريرة(٢).
﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ أي: هو عالمٌ بكل شيءٍ من أعمالكم. فـ((خَافِيَةٌ)) على هذا
بمعنى خَفِيَّة، كانوا يُخفونها من أعمالهم؛ قاله ابن شجرة(٣). وقيل: لا يخفى عليه
إنسان، أي: لا يبقى إنسانٌ لا يُحاسَب. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لا يخفى
المؤمنُ من الكافر ولا البَرُّ من الفاجر. وقيل: لا تَستَتِر منكم عَورةٌ؛ كما قال النبيُّ ﴾:
((يُحْشَر الناسُ حُفَاةً عُراةً))(٤).
وقرأ الكوفيون إلَّ عاصمًا: ((لَا يَخْفَى)) بالياء؛ لأن تأنيث الخافيةِ غيرُ حقيقي؛
(١) النكت والعيون ٦/ ٨٢ .
(٢) سنن الترمذي (٢٤٢٥). وقال أيضاً: وقد رواه بعضهم عن علي الرفاعي عن الحسن ، عن أبي موسى ،
عن النبي ﴾. قال أبو عيسى: ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي موسى . اهـ.
وهذه الرواية التي أشار إليها عند أحمد (١٩٧١٥)، وابن ماجه (٤٢٧٧).
وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٩٥ زيادات نعيم) موقوفاً على أبي موسى ﴾. قال الدارقطني في
العلل ٢٥١/٧ : والموقوف هو الصحيح.
(٣) النكت والعيون ٦/ ٨٢ .
(٤) النكت والعيون ٨٢/٦، وفيه كلام ابن عمرو رضي الله عنهما. وسلف الحديث ٤/ ١٢ - ١٣.

٢٠٥
سورة الحاقة: الآيات ١٨ - ٣٤
نحوُ قولِه تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] واختاره أبو عبيد؛ لأنه قد
حال بين الفعلِ وبين الاسم المؤنَّثِ الجارُّ والمجرور. الباقون بالتاء (١). واختاره أبو
حاتم لتأنيث الخافية.
﴿ إِ نَنَنْتُ
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتَِ كِنَبَهُ بِيَعِينِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَءُوا كِنَبِيَهْ
أَنِى مُكَقٍ حِسَائَِةِ ﴿ فَهُوَ فِي عِشَةٍ رََّضِيَةِ ® فِ جَنَّةٍ عَلِيَةِ (٣) قُطُوفُهَا دَاِيَّةٌ
كُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِ اْأَيَّامِ الْخَلِيَةِ (١٨) وَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِنَبَهُ بِشَِالِهِ.
فَيَقُولُ يَيْنَنِى لَمْ أُوْتَ كِنَبِيَة (٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَاِيَة (٨)
مَآ
◌َلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ
﴿٠ خُذُوهُ فَقُلُوهُن ◌َ زَّ لْبَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ ثُمَّ فِ
أَغْنَى عَنِّ مَالِيَّهٌ ٨َ هَلَكَ عَنِّى سُلْطَيِيَةْ
وَلَا يَحُّ
إِنَُّ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٠)
سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُُومُ
٣٤
عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
قوله تعالى: ﴿فَأَّمَا مَنْ أُوتِ كِنَهُ بِيَمِنِهِ﴾ إعطاءُ الكتاب باليمين دليلٌ على
النجاة(٢). وقال ابن عباس: أوَّلُ مَن يُعطَى كتابه بيمينه من هذه الأمةِ عمر بنُ
الخطاب، وله شعاعٌ كشعاع الشمس. قيل له: فأين أبو بكر؟ فقال: هيهات هيهات !!
زَقَّته الملائكةُ إلى الجنة. ذكره الثعلبي. وقد ذكرناه مرفوعًا من حديث زيد بن ثابتٍ
بلفظه ومعناه في كتاب ((التذكرة». والحمد لله(٣).
﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُواْ كِنَبِيَهُ﴾ أي: يقول ذلك ثقةً بالإسلام وسرورًا بنجاته؛ لأن اليمين
عند العرب من دلائل الفرح، والشّمال من دلائل الغَمّ. قال الشاعر:
(١) السبعة ص ٦٤٨، والتيسير ص ٢١٣. وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٢/٥.
(٢) النكت والعيون ٦/ ٨٣ .
(٣) لم نقف عليه في التذكرة، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٥٤/٣٠ من طريق عاصم الأحول، عن زيد
ابن ثابت ﴾ مرفوعاً. ولم يُذکر لعاصم الأحول رواية عن زید.
ثم إن في إسناده إسحاق بن إبراهيم بن سُنين الخُتَّلي، وهو ضعيف، وعمر بن إبراهيم بن خالد
الكردي؛ قال الدارقطني: كذاب. الميزان ١/ ١٨٠، و١٧٩/٣- ١٨٠. وفيه أيضاً: مرحوم بن أرطان،
ولم نعرفه.

٢٠٦
سورة الحاقة: الآيات ١٩ - ٣٤
فأَفرحَ أم صيَّرتِنِي في شمالكِ(١)
أَبِيني أفي يُمْنَى يَدَيكِ جعلتِني
ومعنى ((هَاؤُمُ)): تعالَوا؛ قاله ابن زيد(٢). وقال مقاتل: هَلُمَّ. وقيل: أي: خذوا؛
ومنه الخبر في الرِّبا: ((إلا هَاءَ وهَاءَ))(٣) أي: يقول كلُّ واحدٍ لصاحبه: خذ. قال ابن
السِّكِيت والكِسائي: العرب تقول: هاءَ يا رجلُ اقرأ، وللاثنين: هائما يا رجلان،
وهاؤم يا رجال، وللمرأة هاءٍ - بكسر الهمزة - وهاؤما وهاؤُنَّ(٤). والأصل: هاكُم،
فأُبدلت الهمزةُ من الكاف؛ قاله القُتَبِي(٥).
وقيل: إنَّ (هاؤم)) كلمةٌ وضعت لإجابة الداعي عند النشاطِ والفرح. روي أنَّ
رسول الله﴿ ناده أعرابيٌّ بصوت عالٍ، فأجابه النبيُّ ﴾: ((هاؤم))؛ يطوِّل صوته (٦).
((وَكِتَابِيَة)) منصوب بـ ((هاؤم)) عند الكوفيين. وعند البصريين بـ ((اقرؤوا))؛ لأنه
أقربُ العاملَيْن(٧). والأصل: ((كتابي))، فأُدخلت الهاءُ لِتَبينَ فَتحةُ الياء، وكانت الهاء
للوقف، وكذلك في أخواته: ((حِسَابِيَة)) و((ماليه)) و((سلطانيه)) وفي القارعة: ((ماهيه)).
وقراءة العامة بالهاء فيهنَّ في الوقف والوصل معًا؛ لأنهنَّ وقعن في المصحف
بالهاء، فلا تترك. واختار أبو عبيد أن يُتعمَّدَ الوقفُ عليها ليوافِقَ اللغةً في إلحاق الهاء
في السَّكْتِ ويوافقَ الخَطّ. وقرأ ابن مُحَيْصن ومجاهدٌ وحميدٌ ويعقوب بحذف الهاء في
(١) النكت والعيون ٨٣/٦. والبيت لعبد الله بن دُمَيْنة، وهو في دلائل الإعجاز ص ٩٠، ودرة الغوّاص
ص٦٢ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٣١/٢٣.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٢)، والبخاري (٢١٣٤)، ومسلم (١٥٨٦) من حديث عمر ﴾.
(٤) في (م): هاؤمن. وكلام ابن السكيت في الوسيط ٣٤٦/٤، وكلام الكسائي في النكت والعيون
٨٣/٦. وينظر معاني القرآن للزجاج ٢١٧/٥.
(٥) في تفسير غريب القرآن ص ٤٨٤ .
(٦) النكت والعيون ٨٣/٦. والحديث أخرجه أحمد (١٨٠٩٥)، والترمذي (٣٥٣٥)، والنسائي في
الكبرى (١١١١٤) من حديث صفوان بن عسال ، ولفظه: هاءُ، بدل: هاؤم.
(٧) الكشاف ١٥٢/٤ .

٢٠٧
سورة الحاقة: الآيات ١٩ - ٣٤
الوصل وإثباتِها في الوقف فيهنَّ أَجْمَع(١). ووافقهم حمزة في ((مالیه)) و((سلطانیه))،
و((ماهيه)) في القارعة(٢). وجملة هذه الحروفِ سبعة. واختار أبو حاتم قراءةً يعقوبَ
ومَن معه اتِّباعًا للَّغة(٣). ومَن قرأهنَّ في الوصل بالهاء فهو على نيَّة الوقف.
﴿إِنّ ◌َنْتُ﴾ أي: أيقنت وعلمت، عن ابن عباسٍ وغيرِه(٤). وقيل: أي: إني
ظننت إنْ يؤاخذْني اللهُ بسيئاتي عذَّبني، فقد تفضَّل عليَّ بعفوه ولم يؤاخذني بها. قال
الضخَّاك: كلُّ ظَنٍّ في القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شكّ. وقال
مجاهد: ظَنُّ الآخرة يقين، وظَنُّ الدنيا شكّ. وقال الحسن في هذه الآية: إنَّ المؤمن
أَحسنَ الظنَّ بربِّه فأحسن العمل، وإنَّ المنافق أساء الظنَّ بربّه فأساء العمل(٥). ﴿أَنِى
مُلَقٍ حِسَلِيَةٍ﴾ أي: في الآخرة ولم أُنكر البعث؛ يعني أنه ما نجا إلّا بخوفه من يوم
الحساب، لأنه تيقَّن أنَّ الله يحاسبه، فعَمِلَ للآخرة.
﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ زََّضِيَةٍ﴾ أي: في عَيشٍ يرضاه لا مكروهَ فيه. وقال أبو عبيدة
والفرَّاء(٦): ((رَاضِيَةٍ)) أي: مرضية؛ كقولك: ماءٌ دافق، أي: مدفوق. وقيل: ذاتُ
رِضًا، أي: يرضى بها صاحبُها (٧). مثل: لابِن وتامِر؛ أي: صاحب اللبن والتمر.
وفي الصحيح عن النبيِّ #: ((أنهم يعيشون فلا يموتون أبدًا، ويَصِحُّون فلا
يَمْرَضون أبدًا، ويَنْعَمون فلا يَرْون بؤسًا أبدًا، ويَشِبُّون فلا يَهْرَمُون أبدًا))(٨).
(١) قراءة ابن محيصن في المحرر الوجيز ٣٦٠/٥، وقراءة يعقوب في النشر ١٤٢/٢، وهو من العشرة.
(٢) التيسير ص ٢١٤، ٢٢٥ .
(٣) كلام أبي حاتم في المحرر الوجيز ٣٦٠/٥.
(٤) أخرجه الطبري ٢٣٢/٢٣ - ٢٣٣.
(٥) النكت والعيون ٦/ ٨٣.
(٦) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٦٨/٢، ومعاني القرآن للفراء ١٨٢/٣.
(٧) ذكر هذا المعنى النحاس في إعراب القرآن ٢٢/٥، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦٠/٥.
(٨) النكت والعيون ٨٣/٦ - ٨٤، وأخرجه بنحوه أحمد (٨٢٥٨)، ومسلم (٣٨٣٧) من حديث أبي سعيد
الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما .

٢٠٨
سورة الحاقة: الآيات ٢٢ - ٣٤
﴿فِي جَنَّةٍ عَلِيَةٍ﴾ أي: عظيمة في النفوس(١). ﴿قُطُوفُهَا دَاِيَةٌ﴾ أي: قريبةُ
التناول، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع، على ما يأتي بيانُه في سورة الإنسان(٢).
والقُطُوف جمع قِطف، بكسر القاف، وهو ما يُقطف من الثمار. والقَظْف، بالفتح:
المصدر. والقِطَاف - بالفتح والكسر - وقت القطف.
﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ أي: يقال لهم ذلك. ﴿هَنِيْئًا﴾ لا تكديرَ فيه ولا تنغيص. ﴿يِماً
أَسْلَفْتُمْ﴾: قدَّمتم من الأعمال الصالحة. ﴿فِي الْأَّمِ الَْلِيَةِ﴾ أي: في الدنيا. وقال:
(كُلُوا)) بعد قوله: ((فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ))؛ لقوله: ((فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ))، و((مَن)) يتضمن
معنى الجمع.
وذَكَرَ الضحَّاك أنَّ هذه الآيةَ نزلت في أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد
المخزوميّ؛ وقاله مقاتل(٣). والآيةُ التي تليها في أخيه الأسودِ بنِ عبد الأسد؛ في
قول ابنِ عباسٍ والضحاكِ أيضًا (٤)؛ قاله الثعلبيّ. ويكون هذا الرجلُ وأخوه سببَ
نزول هذه الآيات. ويَعُمُّ المعنى جميعَ أهلِ الشقاوةِ وأهلِ السعادة؛ يدُلُّ عليه قولُه
تعالى: ((كُلُوا وَاشْرَبُوا)).
وقد قيل: إنَّ المراد بذلك كلُّ مَن كان متبوعًا في الخير والشرّ. فإذا كان الرجل
رأسًا في الخير؛ يدعو إليه ويأمر به ويكثر تَبَعُه عليه، دُعي باسمه واسم أبيه فيتقدَّم،
حتى إذا دنا؛ أُخرج له كتابٌ أبيضُ بخطّ أبيض، في باطنه السيئاتُ وفي ظاهره
الحسنات؛ فيبدأ بالسيئات فيقرؤها، فيُشْفِقِ ويصفرُّ وجهه ويتغيَّر لونه؛ فإذا بلغ آخرَ
الكتاب وجد فيه: «هذه سيئاتك وقد غفرت لك))، فيفرح عند ذلك فرحًا شديدًا، ثم
يَقْلِب كتابَه فيقرأ حسناتِه، فلا يزداد إلا فرحاً؛ حتى إذا بلغ آخرَ الكتاب وجد فيه :
(١) المصدر السابق .
(٢) ص ٤٧٢ من هذا الجزء.
(٣) كلام الضحاك في النكت والعيون ٨٣/٦، وكلام مقاتل في زاد المسير ٣٥٢/٨.
(٤) نسبه لابن عباس أبو الليث في تفسيره ٣٩٩/٣، وللضحاك الماوردي في النكت والعيون ٨٥/٦ .

٢٠٩
سورة الحاقة: الآيات ٢٤ - ٣٤
((هذه حسناتك قد ضُوعفت لك))، فيبيضُّ وجهه، ويُؤْتى بتاج فيوضع على رأسه،
ويُكْسَى حُلَّتين، ويُحلَّى كلُّ مَفْصِلٍ منه، ويطول سِتِّين ذراعاً، وهي قامة آدمَ عليه
السلام؛ ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم وبشِّرهم أنَّ لكل إنسانٍ منهم مِثْلَ
هذا. فإذا أدبر قال: ((هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ)). قال الله
تعالى: ((فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)) أي: مرضيَّة قد رضيها. ((في جَنَّةٍ عَالِيَةٍ)) في السماء.
((قُطُوفُهَا)): ثمارها وعناقيدها. ((دَانِيَةٌ)): أدنيت منهم. قال: فيقول لأصحابه: هل
تعرفوني؟ فيقولون: قد غمَرتك كرامةُ الله، مَن أنت؟ فيقول: أنا فلان بنُ فلان، أُبشّر
كلَّ رجلٍ منكم بمثل هذا. ((كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) أي:
قدَّمتم في أيام الدنيا. وإذا كان الرجل رأسًا في الشّرّ، يدعو إليه ويأمر به فيكثر تَبَعُه
عليه، نودي باسمه واسم أبيه، فيتقدَّم إلى حسابه، فيُخرَج له كتابٌ أسودُ بخطّ أسود،
في باطنه الحسناتُ وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرؤُها ويظنُّ أنه سينجو،
فإذا بلغ آخرَ الكتاب وجد فيه: ((هذه حسناتك وقد رُدَّت عليك)) فيسودُّ وجهه ويعلوه
الحزنُ ويَقْنَط من الخير، ثم يَقْلِب كتابه فيقرأ سيئاته، فلا يزداد إلا حزنًا، ولا يزداد
وجهه إلّا سوادًا، فإذا بلغ آخرَ الكتاب وجد فيه: ((هذه سيئاتك وقد ضوعفت عليك.
أي: يضاعف عليه العذاب، ليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل. قال: فيعظم للنار
وتزرقُّ عيناه ويسودُّ وجهه، ويُكسَى سرابيلَ القَطِران ويقال له: انطلق إلى أصحابك
وأخبرهم أنَّ لكل إنسانٍ منهم مثلَ هذا؛ فينطلق وهو يقول: ((يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كتَابِيَهُ،
وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كانتِ الْقَاضِيَةَ)) يتمنَّى الموت.
((هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ)) تفسيرُ ابنِ عباس: هلكتْ عني حُجَّتي. وهو قول مجاهدٍ
وعِكرمةَ والسُّدِّيِّ والضحاك. وقال ابن زيد: يعني: ((سلطانيه)) في الدنيا الذي هو
المُلْك (١). وكان هذا الرجلُ مطاعًا في أصحابه.
قال الله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَقُوهُ﴾ قيل: يبتدره مئةٌ(٢) ألفِ مَلَك، ثم تُجمع يدُه إلى
(١) أخرج هذه الأقوال الطبري ٢٣٦/٢٣ - ٢٣٧ عدا قول السدي، وهو في النكت والعيون ٨٥/٦.
(٢) لفظة: مئة ، ليست في (ظ) ..

٢١٠
سورة الحاقة: الآيات ٣٠ - ٣٤
عنقه، وهو قولُه عزَّ وجلّ: ((فَغُلُّوهُ)) أي: شُدُّوه بالأغلال ﴿ثّ لْبَحِيمَ صَلُّهُ﴾ أي:
اجعلوہ یَضْلَی الجحيم.
﴿تُرَ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ زِرَاءًا﴾ الله أعلم بأيِّ ذراع، قاله الحسن(١). وقال ابن
عباس: سبعون ذراعا بذراع المَلَّك. وقال نَوْف: كلُّ ذراعٍ سبعون باعًا، وكلُّ باع أَبعدُ
ما بينك وبين مكة. وكان في رحبة الكوفة(٢). وقال مقاتل: لو أنَّ حَلْقةً منها وُضعت
على ذُرْوة جبل، لذاب كما يذوب الرَّصاص(٣). وقال كعب: إنَّ حَلْقة من السلسلة
التي قال الله تعالى فيها: ذَرْعُها سبعون ذراعًا؛ إنَّ حلقة منها مِثْلُ جميعٍ حديدٍ
الدنيا(٤).
﴿فَاسْلُكُوُ﴾ قال سفيان: بلغَنا أنها تدخل في دُبُره حتى تخرجَ من فيه(٥). وقاله
مقاتل. والمعنى: ثم اسلُكوا فيه سِلسِلةً. وقيل: تُدخَلُ عنقُه فيها ثم يُجَرُّ بها. وجاء في
الخبر: أنها تدخل مِن دُبُره وتخرج من مَنْخِرَيه(٦). وفي خبرٍ آخَر: تدخل مِن فيه
وتخرج من دبره، فينادي أصحابَه: هل تعرفوني؟ فيقولون: لا، ولكن قد نرى ما بك
من الخزي، فمن أنت؟ فينادي أصحابه: أنا فلان بنُ فلان، لكل إنسانٍ منكم مثلُ
هذا.
قلت: وهذا التفسير أصحُّ ما قيل في هذه الآية، يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ
نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]. وفي الباب حديثُ أبي هريرة بمعناه، خَرَّجه
الترمذيّ (٧). وقد ذكرناه في سورة سبحان؛ فتأمَّله هناك(٨).
(١) الوسيط للواحدي ٣٤٧/٤، وتفسير البغوي ٣٨٩، والمحرر الوجيز ٣٦١/٥.
(٢) أخرجهما الطبري ٢٣٧/٢٣ - ٢٣٨ .
(٣) نسبه في المحرر الوجيز ٣٦١/٥ لابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٨٩ زوائد نعيم).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣١٥/٢ .
(٦) أخرجه الطبري ٢٣٨/٢٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٧) في سننه (٣١٣٦).
(٨) ١٢٩/١٣ .

٢١١
سورة الحاقة: الآيات ٣٣ - ٣٧
﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِلَلَّهِ الْعَظِيمِ . وَلَا يَحُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي: على الإطعام، كما
يوضع العطاءُ موضِعَ الإعطاء. قال الشاعر(١):
أكُفْرًا بعد رَدِّ الموتِ عنِّي وبعد عطائك المئةَ الرِّتَاعا
أراد: بعد إعطائك. فبيَّن أنه عُذِّب على ترك الإطعام، وعلى الأمر بالبخل، كما
عُذِّب بسبب الكفر. والحَضُّ: التحريض والحَثّ. وأصل ((طعام)) أن يكونَ منصوباً
بالمصدر المقدَّر(٢). والطعام عبارةٌ عن العين، وأضيف للمسكين؛ للملابسة التي
بينهما. ومَن أَعملَ الطعام كما يُعمِلُ الإطعام، فموضع ((المسكين)) نصب. والتقدير:
على إطعام المظْعِم المسكينَ؛ فحُذف الفاعل، وأضيف المصدرُ إلى المفعول.
لَا يَأْكُلُ إِلَّا
(٤٥َ وَلَا طَعَامُ إلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ أَلْيَوْمَ هَهُنَا حَمِيمٌ
(٣٧)
اَلْتَطِئُونَ
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اَلْيَوْمَ هَهُنَا حِيمٌ﴾ خبرُ ((ليس)) قولُه: ((له))، ولا يكون الخبرُ
قولَه: ((هَا هُنَا)) لأن المعنى يصير: ليس ها هنا طعامٌ إلَّا من غِسْلِين، ولا يصِحُ ذلك؛
لأن ثَمَّ طعامًا غيره. و((هَا مُنَا)) متعلِّقٌ بما في ((له)) من معنى الفعل. والحميم ها هنا
القريب. أي: ليس له قريبٌ يَرِقُّ له ويدفع عنه. وهو مأخوذٌ من الحمِيم، وهو الماءُ
الحارّ؛ كأنه الصَّدِيقُ الذي یرِقُّ ویحترق قلبُه له.
والغِسْلِين: فِعْلِين، مِن الغَسْل؛ فكأنه ينغسل من أبدانهم، وهو صَدِيدُ أهلِ النارِ
السائلُ من جروحهم وفروجهم؛ عن ابن عباس(٣). وقال الضخَّاك والربيع بن أنس:
هو شجرٌ يأكله أهلُ النار(٤). والغِسْل ـ بالكسر -: ما يُغسل به الرأسُ من خِظْمِيٍّ
وغيره. الأخفش: ومنه الغِسلين، وهو ما انغسل من لحوم أهل النار ودمائهم. وزيد
(١) هو القطامي. وقد سلف البيت ١٠٥/٥ .
(٢) قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦١/٥: المراد به: ولا يحضُّ على إطعام طعام المسكين.
(٣) أخرجه الطبري ٢٣/ ٢٤٠ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٦١/٥ .

٢١٢
سورة الحاقة: الآيات ٣٥ - ٤٠
فيه الياءُ والنونُ كما زيد في عِفرِّين(١). وقال قتادة: هو شرُّ الطعام وأبشعُه. ابن زيد:
لا يُعلم ما هو ولا الزَّقُّوم(٢). وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِنْ ضَرِيعِ﴾
[الغاشية: ٦] يجوز أن يكونَ الضَّريعُ من الغِسْلين. وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخير؛
والمعنى: فليس له اليوم ها هنا حميمٌ إلَّا من غِسْلِين؛ ويكون الماءَ الحارّ ..
طعام﴾ أي: وليس لهم طعام ينتفعون به.
﴿لَّا يَأْكُ: إِلَّ الْخَطُِّونَ﴾ أي: المذنبون. وقال ابن عباس: يعني المشركين.
وقُرئ: ((الخاطِيون)) بإبدال الهمزة ياءً، و((الخاطُون)) بطرحها. وعن ابن عباس:
ما الخاطون! كلُّنا نخطو. وروى عنه أبو الأسود الدُّؤَليّ: ما الخاطون؟ إنما هو
الخاطئون. ما الصابون! إنما هو الصابئون. ويجوز أن يراد: الذين يتخطَّوْن الحقَّ إلى
الباطل، ويتعذَّوْن حدودَ اللهِ عزَّ وجلّ (٣).
قوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِمَا نُصِرُونَ
كَرِيمٍ ﴾
وَمَا لَا نُصِرُونَ
إِنَّهُ لَقَّوْلُ رَسُولٍ
٣٩
قوله تعالى: ﴿فَلَّ ◌ُقِيمُ بِمَا نُصِرُونَ. وَمَا لَا يُصِرُونَ﴾ المعنى: أُقسم بالأشياء كلِّها، ما
ترَون منها وما لا ترون(٤). و((لا)) صِلَة. وقيل: هو رَدِّ لكلام سبق، أي: ليس الأمرُ
كما يقوله المشركون. وقال مقاتل: سببُ ذلك أنَّ الوليد بن المغيرة قال: إنَّ محمدًا
ساحر. وقال أبو جهل: شاعر. وقال عقبة: كاهن؛ فقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَّ
أُقْسِمُ﴾ أي: أُقسم (٥).
(١) الصحاح (غسل). وعِفِرِّين: مأسدة ، ودويَّة مأواها التراب السهل في أصول الحيطان ، أو دابة
كالحرباء يتعرض للراكب ويضرب بذنبه ، والرجل الكامل الضابط القوي. القاموس (عفر).
(٢) أخرجه الطبري ٢٤١/٢٣، وكلام قتادة في المحرر الوجيز ٣٦١/٥ .
(٣) الكشاف ١٥٤/٤. وقراءة ((الخاطيون)) نسبها ابن جني في المحتسب ٣٢٩/٢ الزهري والحسن وموسى
ابن طلحة. وقراءة ((الخاطون)) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٦١ لابن مسعود وابن عباس ﴾
(٤) أخرج هذا القول الطبري ٢٣/ ٢٤١ - ٢٤٢ عن ابن عباس وابن زيد.
(٥) النكت والعيون ٨٥/٦ - ٨٦. وعقبة هو ابن أبي معيط .

٢١٣
سورة الحاقة: الآيات ٣٨ - ٤٢
وقيل: ((لا)) هاهنا نفيٌ للقَسَم (١)، أي: لا يُحتاج في هذا إلى قسم؛ لوضوح
الحقِّ في ذلك، وعلى هذا فجوابُه كجواب القسم.
﴿إِنُّ﴾ يعني القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يريد جبريل، قاله الحسن والكلبيُّ
ومقاتل(٢). دليلُه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيرٍ. ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَشِ﴾ [التكوير: ١٩-٢٠]. وقال
الكلبيُّ أيضًا والقُتَبِيّ: الرسول هنا محمدٌ ﴿؛ لقوله: ((وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ)). وليس
القرآن قولَ الرسول ﴿، إنما هو مِن قول اللهِ عزَّ وجلَّ(٣)؛ ونُسب القولُ إلى الرسول
لأنه تاليه ومبلِّغُه والعاملُ به، كقولنا: هذا قولُ مالِكٍ.
وَلَا بِقَوْلِ كَِهِنَّ قَلِلًا مَّا
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ
نَذَّكَّرُونَ
٤
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعٍِّ﴾ لأنه مبايِنٌ لصنوف الشعر كلِّها. ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاِرٍ﴾
لأنه ورد بسبِّ الشياطين وشتمِهم؛ فلا يُنْزِلون شيئًا على مَن يسبُّهم(٤).
و((ما)) زائدة في قوله: ((قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ)) و(«قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ))؛ والمعنى: قليلًا
تؤمنون، وقَليلًا تَذَكَّرُونَ(٥). وذلك القليلُ من إيمانهم هو أنهم إذا سئلوا: مَن خلقهم
قالوا: الله. ولا يجوز أن تكونَ ((ما)) مع الفعل مصدرًا وتَنصِبَ ((قليلًا)) بما بعد (ما))؛
لما فيه من تقديم الصِّلَة على الموصول؛ لأن ما عمل فيه المصدرُ مِن صلة
المصدر (٦).
وقرأ ابن مُحَيْصن وابن كثير وابن عامر ويعقوب: ((مَا يُؤْمِنُونَ))، و((يذَّكَّرون))
(١) تفسير الرازي ١١٦/٣٠ .
(٢) كلام الكلبي ومقاتل في النكت والعيون ٨٦/٦، وزاد المسير ٣٥٤/٨.
(٣) تفسير غريب القرآن ص ٤٨٤ بنحوه .
(٤) تفسير الرازي ١١٧/٣٠ - ١١٨ بنحوه .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢١٨/٥ .
(٦) مشكل إعراب القرآن ٧٥٥/٢ .

٢١٤
سورة الحاقة: الآيات ٤٢ - ٤٦
بالياء(١). الباقون بالتاء؛ لأن الخطاب قبله وبعده(٢). أما قبله فقوله: ((تُبْصِرُونَ))، وأما
بعده: ((فَمَا مِنْكُمْ)) الآية.
قوله تعالى: ﴿نَزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
(٤٣)
قوله تعالى: ﴿نَنِيلٌ﴾ أي: هو تنزيل من ربِّ العالمين(٣)، وهو عطفٌ على قوله:
(إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ))، أي: إِنه لَقولُ رسولٍ كريم، وهو تنزيلٌ من ربِّ العالمين.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَّ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَقَاوِيلِ
٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِأَلْيَمِينِ
33
٤٦
مِنْهُ أَلْوَتِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَّ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَقَاوِيلِ﴾ ((تقوَّل)) أي: تكلّف وأتى بقول من قِبَل
نفسه. وقُرئ: ((وَلَوْ تُقُوِّلَ)) على البناء للمفعول (٤).
﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي: بالقوّة والقدرة(٥)، أي: لأخذناه بالقوَّة. و((مِنْ)) صِلَةٌ
زائدة. وعبَّر عن القوَّة والقدرة باليمين؛ لأن قوَّةَ كلِّ شيءٍ في ميامنه، قاله القُتَبيّ(٦).
وهو معنى قولِ ابنِ عباس ومجاهد. ومنه قولُ الشَّمَّاخ (٧):
تلقَّاها عَرَابةُ باليمينِ
إذا ما رايةٌ رُفعتْ لِمَجْدٍ
أي: بالقوّة. عرابة: اسمُ رجلٍ من الأنصار من الأوس، وقال آخر:
ولمَّا رأيتُ الشمسَ أشرق نُورها تناولتُ منها حاجتي بيميني (٨)
(١) السبعة ص ٦٤٨، والتيسير ص ٢١٤، والنشر ٣٩٠/٢. وقراءة ابن عامر هي من رواية ابن ذكوان
بخلف عنه .
(٢) وقرأ نافع وأبو عمرو وشعبة وأبو جعفر بتشديد الذال، وهو الوجه الثاني لابن ذكوان .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢١٨/٥ .
(٤) الكشاف ٤/ ١٥٥، وهي قراءة شاذة .
(٥) ذكره البغوي في تفسيره ٤/ ٣٩٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٦) في تأويل مشكل القرآن ص ١١٧ .
(٧) ديوانه ص ٣٣٦. وسلف ٣٨/٦ .
(٨) لم نقف عليه .

٢١٥
سورة الحاقة: الآيات ٤٤ - ٤٦
وقال السُّدِّيُّ والحَكّم: ((باليمين)): بالحقّ. قال:
تلقَّاها عَرَابةُ باليمينِ
أي: بالاستحقاق .
وقال الحسن: لَقطعنا يدَه اليمين(١). وقيل: المعنى: لَقبضنا بيمينه عن التصرُّف؛
قاله نفطویه.
وقال أبو جعفر الطبري(٢): إنَّ هذا الكلام خَرَجَ مَخرجَ الإذلالِ؛ على عادة
الناس في الأخذ بيدٍ منَ يعاقَب. كما يقول السلطان لمن يريد هَوَانَه: خذوا بيديه(٣).
أي: لَأَمرنا بالأخذ بيده وبَالَغْنَا في عقابه.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَِّينَ﴾ يعني: نِيَاط القلب، أي: لأهلكناه. وهو عِرْقُ يتعلَّق به
القلبُ؛ إذا انقطع مات صاحبه(٤)؛ قاله ابن عباس وأكثرُ الناس(٥). قال:
إذا بَلَّغْتِنِي وحَمَلْتٍ رَخلي
عَرَابةَ فِاشْرَقي بدَم الوتينِ(٦)
وقال مجاهد(٧): هو حبل القلب الذي في الظّهر، وهو النخاع؛ فإذا انقطع بطلت
القوى ومات صاحبه . والمَوْتون: الذي قُطع وَتِينُه. وقال محمد بن كعب: إنه القلب
ومَرَاقُه وما يليه. قال الكلبيّ: إنه عِرْقٌ بين العِلْباء والحلقوم(٨). والعِلْباء: عَصَبُ
العنق. وهما عِلْباوان، بينهما ينبت العِرْق(٩). وقال عكرمة: إنَّ الوتين إذا قُطع؛ لا إن
(١) النكت والعيون ٨٦/٦ .
(٢) في تفسيره ٢٤٣/٢٣ . ونقله عنه الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٨٧ .
(٣) المثبت من (ظ) و(ق)، وفي غيرهما: يديه.
(٤) تفسير غريب القرآن ص ٤٨٤ .
(٥) أخرجه الطبري ٢٤٣/٢٣ - ٢٤٥ عن ابن عباس وغيره .
(٦) قائله الشماخ ، وهو في ديوانه ص ٣٢٣. وروايته: وحططتٍ رحلي. وهو خطاب لناقته كما في
الخزانة ٣٤٩/٤ . وعرابة: هو ممدوحه ، وقد سلف قريباً ذكره . وقوله : فاشرقي، أي : فغُصِّي .
(٧) أخرج قوله الطبري ٢٣/ ٢٤٤ .
(٨) النكت والعيون ٨٧/٦ .
(٩) الصحاح (علب) .

٢١٦
سورة الحاقة: الآيات ٤٤ - ٥٢
جاع عرف (١)، ولا إن شَبع عرف.
٤٨
قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُرٌ مِّنْ أَحَدٍ عَنّهُ حَجِزِينَ () وَإِنَّهُ لَذَّكِرَةٌ لِلْمُنَّقِينَ
قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُرُ مِنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِزِينَ﴾ ((ما)) نفي، و((أَحدٍ)) في معنى الجمع،
فلذلك نَعَتَهُ بالجمع، أي: فما منكم قومٌ يَحجُزون عنه، كقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِّنْ زُسُلِهِ ﴾ [البقرة: ٢٨٥] هذا جمع، لأن ((بين)) لا تقع إلَّا على اثنين فما زاد(٢).
قال النبيُّ ﴿: (لم تَحِلَّ الغنائمُ لأحد سُودِ الرؤوس قبلكم))(٣). لفظه واحدٌ، ومعناه
الجمع. و((مِن)) زائدة. والحجز: المنع. و((حَاجِزِينَ)) يجوز أن يكونَ صفةً لـ((أَحدٍ)) على
المعنى كما ذكرنا؛ فيكونُ في موضع جَرّ، والخبر ((مِنْكُمْ)). ويجوز أن يكونَ منصوباً
على أنه خبر، و((مِنْكُمْ) مُلْغَى، ويكون متعلِّقًا بـ(حَاجِزِينَ)). ولا يمنع الفصلُ به مِن
انتصاب الخبر في هذا؛ كما لم يمتنع الفصلُ به في : إنَّ فيك زيدًا راغب.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني القرآن (٤) ﴿لَذُكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: للخائفين الذي يخشَون
الله. ونظيرُه: ﴿فِهِ هُدِّى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] على ما بيَّنَّاه أوَّلَ سورة البقرة(٥).
وقيل: المراد محمدٌ ﴾(٦)، أي: هو تذكرةٌ ورحمةٌ ونجاة.
﴿ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةُ عَلَى الْكَفِرِينَ ® وَإِنَّهُ
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُر ◌ُكَذِّبِيِنَ
لَحَقُّ أَلْيَقِينِ ﴾ فَسَيِحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ @
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُر ◌ُكَذِّبِينَ﴾ قال الربيع: بالقرآن. ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةُ﴾ يعني
(١) في (ظ): عرق، وقول عكرمة في النكت والعيون ٨٧/٦، ونسبه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٦٣
لعبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) معاني القرآن للفراء ١٨٣/٣.
(٣) سلف ٤ / ٤٩٧ .
(٤) أخرجه الطبري ٢٤٦/٢٣ عن قتادة .
(٥) ٢٤٨/١ .
(٦) المحرر الوجيز ٣٦٣/٥ .

٢١٧
سورة الحاقة: الآيات ٥٠ - ٥٢
التكذيب. والحسرة: الندامة. وقيل: أي: وإنَّ القرآن لَحسرةٌ على الكافرين يوم القيامة
إذا رأَوا ثوابَ مَن آمن به. وقيل: هي حسرتهم في الدنيا حين لم يقدروا على معارضته
عند تَحَدِّيهم أن يأتوا بسورةٍ مثلِه(١). ﴿وَإِنَّهُ لَحَّقُّ أَلْقِينِ﴾ يعني أنَّ القرآن العظيم تنزيلٌ
من الله عزَّ وجلَّ، فهو لحق(٢) اليقين. وقيل: أي: حَقًّا يقينًا لَيكوننَّ ذلك حسرةً
عليهم يومَ القيامة(٣). فعلى هذا ((وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ)) أي: لَتَحَسُّر؛ فهو مصدرٌ بمعنى
التحسر، فيجوز تذكيرُه. وقال ابن عباس: إنما هو كقولك: لَعيْن اليقين ومحض
اليقين. ولو كان اليقين نعتاً لم يجز أن يضافَ إليه؛ كما لا تقول: هذا رجلُ الطّرِيف.
وقيل: أضافه إلى نفسه لاختلاف اللفظين(٤) .
﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ﴾ أي فصَلِّ لربِّكَ؛ قاله ابن عباس(٥). وقيل: أي: نزِّه
اللهَ عن السُّوء والنقائص(٦).
خُتمت السورة والحمدُ لله.
(١) النكت والعيون ٨٧/٦. وكلام الربيع فيه .
(٢) في (ظ) : بحق .
(٣) النكت والعيون ٨٨/٦ عن الكلبي.
(٤) تفسير البغوي ٣٩١/٤ .
(٥) النكت والعيون ٨٨/٦ .
(٦) المصدر السابق، ومعاني القرآن للزجاج ٢١٨/٥، وإعراب القرآن للنحاس ٢٦/٥ بنحوه.

سورة المعارج
وهي مَكِّيةٌ باتفاق(١)، وهي أربعٌ وأربعون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّغْنِ الرَّحَيَمِ
قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) لِلْكَفِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴿ مِّنَ اللَّهِ
ذِى الْمَعَارِجِ ﴾ تَمْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيَّهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ
سنِّ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ قرأ نافعٌ وابنُ عامر: ((سال سائل)) بغير
همزة، الباقون بالهمز(٢). فَمَن هَمَزَ فهو من السؤال. والباءُ يجوز أنْ تكونَ زائدة،
ويجوز أن تكون بمعنى عن. والسؤال بمعنى الدعاء، أي: دعا داعٍ بعذاب؛ عن ابن
عباس(٣) وغيره. يقال: دعا على فلان بالويل، ودعا عليه بالعذاب. ويقال: دعوتُ
زيدًا، أي: التمست إحضارَه. أي: التَّمَسَ مُلتمِسٌ عذاباً للكافرين؛ وهو واقعٌ بهم لا
محالةَ يوم القيامة. وعلى هذا فالباء زائدة؛ كقوله تعالى: ﴿تَثْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾
[المؤمنون: ٢٠]، وقوله: ﴿وَهُزِّ إِلَيْكِ يِدْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] فهي تأكيد. أي: سأل
سائلٌ عذابًا واقعًا (٤).
﴿لِلْكَفِرِينَ﴾ أي: على الكافرين. وهو النضرُ بن الحارث حيث قال: ﴿اَللَّهُمَّ إِن
كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ﴾
[الأنفال: ٣٢] فنزل سؤالُه، وقُتل يومَ بدرٍ صبرًا هو وعقبةُ بن أبي مُعَيط؛ لم يُقْتل صَبْرًا
(١) المحرر الوجيز ٣٦٤/٥، وزاد المسير ٣٥٧/٨.
(٢) السبعة ص ٦٥٠، والتيسير ص٢١٤ .
(٣) أخرج قول ابن عباس بنحوه الطبريُّ ٢٤٨/٢٣ .
(٤) الكلام بنحوه في الوسيط ٤/ ٣٥٠ .

٢١٩
سورة المعارج: الآيات ١ - ٤
غيرُهما؛ قاله ابن عباس ومجاهد(١).
وقيل: إنَّ السائلَ هنا هو الحارثُ بن النعمانِ الفِهريّ. وذلك أنَّه لمَّا بلغَه قول
النبيِّ# في عليٍّ ﴾: ((مَنْ كنتُ مولاه فعليٍّ مولاه)) ركبَ ناقته، فجاء حتى أناخ
راحلته بالأبطح (٢)، ثم قال: يا محمد، أَمرتنا عن الله أنْ نشهد أنْ لا إله إلّا اللـه
وأنَّك رسولُ الله، فقبلناه منك، وأنْ نصلِّي خمساً، فقبلناه منك، ونُزكِّي أموالنا،
فقبلناه منك، وأنْ نصومَ شهر رمضان في كلِّ عام، فقبلناه منك، وأنْ نَحُجَّ، فقبلناه
منك، ثمَّ لم ترضَ بهذا حتى فَضَّلْتَ ابنَ عمِّك علينا! أفهذا شيءٌ منك أم من الله؟!
فقال النبيُّ﴾: ((والله الذي لا إله إلَّا هو، ما هو إلَّا من الله)) فولَّى الحارثُ وهو
يقول: اللهم إنْ كان ما يقول محمدٌ حقًّا، فأمطرْ علينا حجارةً من السماء، أو ائتنا
بعذاب أليم. فوالله ما وصلَ إلى ناقته حتى رماه الله بحجر، فوقع على دماغه فخرج
من دبره فقتله؛ فنزلت: ﴿سَأَلَ سَآِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ الآية(٣) .
وقيل: إنَّ السائلَ هنا أبو جهل، وهو القائلُ لذلك، قاله الربيع. وقيل: إنَّه قولُ
جماعةٍ من كفار قريش(٤). وقيل: هو نوحٌ عليه السلام سأل العذابَ على الكافرين.
وقيل: هو رسولُ الله﴾ أي: دعا عليه الصلاة والسلام بالعقاب، وطلب أنْ
(١) معاني القرآن للفراء ١٨٢/٣ دون نسبة، وأخرجه الحاكم في مستدركه ٥٠٢/٢ عن سعيد بن جبير.
ونسبه لابن عباس ومجاهد الماورديُّ في النكت والعيون ٨٩/٦، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٥٧/٨ .
(٢) الأبطح : يضاف إلى مكة وإلى منى، لأن المسافة بينه وبينهما واحدة ، وربما كان إلى منى أقرب .
وهو المحصب ، وهو خيفَ بني كنانة. معجم البلدان ١/ ٧٤ .
(٣) النكارة في الخبر ظاهرة، و أخرجه الطبرسي في مجمع البيان ٥٣/٢٩ - ٥٤ ، وفي إسناده انقطاع،
ومن لم نعرفهم، وذكره المناوي في فيض القدير ٣١٨/٦ وعزاه للثعلبي؛ قال ابن تيمية في مقدمة
أصول التفسير ٧٦: الثعلبي في نفسه كان فيه خير ودين، ولكنه كان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب
التفسير من صحيح وضعيف وموضوع. اهـ. وقال الآلوسي في روح المعاني ٥٥/٢٩ : وأنت تعلم أن
ذلك القول منه عليه الصلاة والسلام في أمير المؤمنين كرم الله وجهه كان في غدير خم وذلك في أواخر
سني الهجرة فلا يكون ما نزل مكياً على المشهور في تفسيره ، وقد سمعت ما قيل في مكية هذه
السورة. اهـ.
وقوله: ((من كنت مولاه فعليٍّ مولاه)) سلف ٣٩٨/١.
(٤) النكت والعيون ٦ / ٩٠ .

٢٢٠
سورة المعارج: الآيات ١ - ٤
يُؤْقِعه اللهُ بالكفَّار(١)؛ وهو واقعٌ بهم لا محالة. وامتدَّ الكلامُ إلى قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ
صَبْراً جَمِيلًا﴾ أي: لا تستعجل فإنَّه قريب.
وإذا كانت الباء بمعنى عن - وهو قول قتادة(٢) - فكأنَّ سائلًا سألَ عن العذاب
بمن يقع، أو متى يقع. قال الله تعالى: ﴿فَسَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أي: سلْ
عنه. وقال علقمة(٣):
فإنْ تسألوني بالنِّساء فإنَّني بصيرٌ بأدواء النِّساء طبيبُ
أي: عن النساء. ويقال: خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. فالمعنى: سألوا بمن يقع
العذاب ولمن يكون، فقال الله: ((لِلْكَافِرِينَ))(٤).
قال أبو علي وغيره: وإذا كان من السؤال، فأصلُه أنْ يتعدَّى إلى مفعولين،
ويجوز الاقتصارُ على أحدهما. وإذا اقتصر على أحدهما جاز أنْ يتعدّى إليه بحرف
جَرِّ؛ فيكونُ التقديرُ: سأل سائلٌ النبيَّ # أو المسلمينَ بعذابٍ أو عن عذاب(٥).
ومن قرأ بغير همزٍ فله وجهان: أحدهما: أنَّه لغةٌ في السؤال، وهي لغةُ قريش؛
تقول العرب: سال يسال؛ مثل نال ينال وخاف يخاف. والثاني: أنْ يكون من
السيلان؛ ويؤيده قراءةُ ابن عباس ((سال سَيْل))(٦). قال عبد الرحمن بن زيد: سال وادٍ
من أودية جهنم يقال له: سائل(٧)؛ وهو قول زيد بن ثابت(٨). قال الثعلبي: والأوَّل
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف ١٥٦/٤ بنحوه .
(٢) أخرجه الطبري ٢٤٩/٢٣ .
(٣) في ديوانه ص٣٥، وسلف ٢/ ٢٦١ .
(٤) ينظر تفسير الرازي ١٢١/٣٠.
(٥) مشكل إعراب القرآن ٧٥٦/٢ .
(٦) الكشاف ١٥٦/٤، وزاد المسير ٣٥٨/٨. وذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦١.
(٧) أخرجه الطبري ٢٤٩/٢٣ - ٢٥٠، وذكره ابن كثير في تفسيره ٢٢٠/٨، وقال: وهذا القول ضعيف،
بعید عن المراد .
(٨) المحرر الوجيز ٣٦٤/٥، وزاد المسير ٣٥٨/٨ .