Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة التحريم: الآية ٨
فقد سقط الذنب عنه. وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه
۔ عرفه بعينه أو لم يعرفه ۔ فذلك صحيحٌ.
وإن أساء رجلٌ إلى رجل بأن فزَّعه بغير حقٍّ، أو غمَّه أو لَظَمَه، أو صفعَه بغير
حقِّ، أو ضرَبه بسوط فآلمه، ثم جاءه مستعفِياً نادماً على ما كان منه، عازماً على ألَّا
يعود، فلم يزل يتذلَّل له حتى طابت نفسه فعفا عنه، سقط عنه ذلك الذنب. وهكذا إن
كان شانَه بشتمٍ لا حدَّ فيه(١).
قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبِّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ((عَسَى)) من الله واجبةٌ (٢).وهو
معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((التائبُ من الذنب كَمَنْ لا ذنْبَ له))(٣). و((أن)) في
موضع [نصب] (٤).
قوله تعالى: ﴿ويدخلَكم﴾ معطوف على ((يُكَفِّرَ)). وقرأ ابن أبي عَبْلة: ((وَيُدْخِلْكُمْ))
مجزوماً، عطفاً على محل عسى أن يكفِّر. كأنه قيل: تُوبُوا يوجب تكفيرَ سيئاتكم
ويدخلْكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ(٥). ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىِّ﴾ العامل في
(يَوْمَ)): ((يُدخلكم))(٦) أو فعلٌ مضمر. ومعنى ((يُخْزي)) هنا يعذِّب، أي: لا يعذِّبه ولا
يعذِّب الذين آمنوا معه. ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ﴾ تقدم في سورة الحديد(٧) .
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَاَ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَّأَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال ابن عباس
(١) المنهاج للحليمي ١٢١/٣ - ١٢٣ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٩٥/٥.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود ، وسلف ١٣٦/١٥.
(٤) ما بين حاصرتين لضرورة السياق، ولم يرد في النسخ غير (ظ)، فقد جاء فيها: ((في موضع رفع اسم
عسى)). وهو خطأ. وينظر اللباب لابن عادل الحنبلي ٢١٢/١٩.
(٥) الكشاف ٤/ ١٣٠ .
(٦) المحرر الوجيز ٣٣٤/٥.
(٧) ٢٤٥/٢٠ .

١٠٢
سورة التحريم: الآيات ٨ - ١٠
ومجاهد(١) وغيرهما: هذا دعاء المؤمنين حين أطفأ اللهُ نورَ المنافقين؛ حسب ما
تقدَّم بيانُه في سورة الحديد(٢).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنِهُمْ
جَهَنَّةٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْظُ عَلَيْهِمْ﴾ فيه مسألة
واحدة: وهو التشديد في دين الله(٣). فأمره أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ
الحسنة والدعاء إلى اللهِ، والمنافقين بالغِلْظةِ وإقامة الحجة، وأن يعرِّفهم أحوالَهم في
الآخرة، وأنهم لا نورَ لهم يَجُوزون به الصراط مع المؤمنين.
وقال الحسن: أي جاهدهم بإقامة الحدود عليهم(٤)؛ فإنهم كانوا يرتكبون
موجبات الحدود. وكانت الحدود تُقامُ عليهم. ﴿وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ﴾ يرجع إلى الصِّنفين.
﴿وَبِشَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع(٥).
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا
تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ
أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّارِينَ
ضرَبِ اللهُ تعالى هذا المَثَل تنبيهاً على أنه لا يُغْني أحدٌ في الآخرة عن قريبٍ ولا
نسيب إذا فرَّق بينهما الدِّينُ. وكان اسم امرأة نوحٍ والهة (٦). واسم امرأة لوط والعة(٧)؛
(١) تفسير مجاهد ٦٨٤/٢، وأخرجه الطبري ١٠٩/٢٣.
(٢) ٢٤٧/٢٠.
(٣) أحكام القرآن للكيا ٤٢٦/٤.
(٤) النكت والعيون ٤٦/٦، وينظر تفسير الرازي ٤٨/٣٠
(٥) تفسير أبي الليث السمر قندي ٣٨٣/٣ .
(٦) في (خ) و(ظ): والغة.
(٧) في (خ) و(ف) والغة، وفي (ظ) بالغة.

١٠٣
سورة التحريم: الآية ١٠
قاله مقاتل(١). وقال الضحاك عن عائشة رضي الله عنها: إن جبريل نزل على النبيّ #
فأخبره أن اسم امرأة نوح واعلة (٢) واسم امرأة لوط والهة. ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال عكرمة
والضحاك: بالكفر (٣).
وقال سليمان بن قَتَّة (٤) عن ابن عباس: كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه
مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه. وعنه: ما بَغَت امرأة نبيٍّ قط(٥). وهذا
إجماعٌ من المفسرين فيما ذكر القُشيريُّ؛ إنما كانت خيانتهما في الدِّين، وكانتا
مشرکتین.
وقيل: كانتا منافقتين.
وقيل: خيانتهما النميمة إذا أوحى [الله] إليهما شيئاً أفشتاه إلى المشركين؛ قاله
الضحاك.
وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخّنت لتُعْلِم قومها أنه قد نزل به ضيف؛
لما كانوا عليه من إتيان الرجال.
﴿فَ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما على الله
تعالى عن زوجتيهما - لمَّا عَصتًا - شيئاً من عذابِ الله؛ تنبيهاً بذلك على أن العذاب
يُدفع بالطاعة لا بالوسيلة(٦).
ويقال: إن كفار مكة استهزؤوا وقالوا: إن محمداً -* - يشفع لنا؛ فبيَّن اللهُ
(١) النكت والعيون ٤٧/٦، وزاد المسير ٣١٥/٨. والتعريف والإعلام ص٧٨.
(٢) في (م) و(خ) و(ف) و(ق) واغلة. والمثبت من (د) و(ظ) والنكت والعيون ٦/ ٤٧ والكلام منه.
(٣) أخرجه عنهما الطبري في تفسيره ١١٣/٢٣ .
(٤) في النسخ عدا (خ) سليمان بن رقية. والخبر في (خ) وتفسير عبد الرزاق ٣١٠/١، والطبري ٤٣٠/١٢
و١١١/٢٣ - ١١٢، والحاكم ٤٩٦/٢ .
(٥) أخرجه عنه الطبري ١٢/ ٤٣٠ و١١٢/٢٣ .
(٦) النكت والعيون ٤٦/٦ - ٤٧، وما سلف بين حاصرتين منه.

١٠٤
سورة التحريم: الآيتان ١٠ - ١١
تعالى أن شفاعتَه لا تنفع كفّارَ مكة وإن كانوا أقرباء، كما لا تنفع شفاعةُ نوح لامرأته
وشفاعةُ لوط لامرأته، مع قربهما لهما؛ لكفرهما. وقيل لهما: ((ادْخُلَا النَّارَ مَعَ
الدَّاخِينَ)) في الآخرة؛ كما يقال لكفار مكة وغيرهم(١).
ثم قيل: يجوز أن تكون ((امرأة نوح)) بدلاً من قوله: ((مَثَلاً)) على تقدير حذف
المضاف(٢)، أي: ضرب الله مثلاً مثلَ امرأةٍ نوحٍ. ويجوز أن يكونا مفعولين(٣).
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ أَبْنِ
لِ عِندََ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَتَجِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجْنِى مِنَ الْقَوْمِ اٌلََّلِمِينَ (١)
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ واسمها آسية بنت
مزاحم. قال يحيى بن سلام: قوله: ((ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)) مَثَلٌ ضربه الله
يحذّر به عائشة وحَفْصة في المخالفة حين تظاهرتا على رسول الله {8*، ثم ضرب لهما
مَثلاً بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران؛ ترغيباً في التمسك بالطاعة والثبات على
الدِّين(٤).
وقيل: هذا حَتٍّ للمؤمنين على الصبر في الشدة، أي: لا تكونوا في الصبر عند
الشِّدة أضعفَ من امرأة فرعون حين صَبّرت على أذى فرعون(٥). وكانت آسية آمنت
بموسى(٦). وقيل: هي عمةُ موسى آمنت به (٧). قال أبو العالية: اطّلع فرعون على
إيمان امرأته، فخرج على الملأ فقال لهم: ما تعلمون من آسية بنتِ مزاحم؟ فأثْنَوْا
عليها. فقال لهم: إنها تعبدُ رَبّاً غيري. فقالوا له: اقتلها. فأوْتَدَ لها أوتاداً وشدَّ يديها
(١) تفسير أبي الليث السمر قندي ٣٨٣/٣ .
(٢) البيان لابن الأنباري ٤٤٩/٢ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٦٥ .
(٤) النكت والعيون ٤٧/٦، وزاد المسير ٣١٥/٨.
(٥) تفسير أبي الليث السمر قندي ٣٨٣/٣ .
(٦) الوسيط ٣٢٣/٤، وزاد المسير ٣١٥/٨.
(٧) الكشاف ٤/ ١٣١ .

١٠٥
سورة التحريم: الآية ١١
ورجليها، فقالت: ﴿رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ﴾ ووافَقَ ذلك حضور فرعون،
فضحكت حين رأت بيتها في الجنة. فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها! إنَّا نعذبُها
وهي تضحك؛ فَقُبض روحُها(١).
وقال سَلْمان الفارسي فيما روى عنه أبو (٢) عثمان النَّهْديُّ: كانت تعذَّبُ
بالشمس، فإذا آذَاها حَرُّ الشمس أظلَّتها الملائكةُ بأجنحتها(٣). وقيل: سمَّر يديها
ورجليها في الشمس ووضع على ظهرها رَحِىّ؛ فأطلعها اللهُ حتى رأت مكانَها في
الجنة (٤).
وقيل: لما قالت: ﴿رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ بَيْنًا فِى الْجَنَّةِ﴾ أُرِيَت بيتها في الجنة يُبْنَى.
وقيل: إنه من دُرَّةٍ (٥)؛ وعن الحسن: ولمَّا قالت: ﴿وَجِ﴾ نجَّاها الله أكرم نجاة،
فرفعها إلى الجنة، فهي تأكل وتشرب وتتنقَّمُ(٦). ومعنى ﴿مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ تعني
بالعمل الكفر (٧). وقيل: من عمله مِن عذابه وظلمِه وشماتته(٨). وقال ابن عباس:
الجِماع(٩). ﴿وَنَجِِّ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي: هم أهل مصر. مقاتل:
القبط(١٠). قال الحسن وابن كَيْسان: نجَّاها اللهُ أكرمَ نجاةٍ، ورفعها إلى الجنة؛ فهي
(١) النكت والعيون ٦/ ٤٧ - ٤٨ .
(٢) لفظة: أبو، من (ظ) والمصادر الآتية الذكر.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٣١/١٣، والطبري ١١٥/٢٣، والحاكم ٤٩٦/٢، والأصبهاني في الحلية
٢٠٥/١ - ٢٠٦، ، والبيهقي في شعب الإيمان (١٦٣٧).
(٤) أخرجه بنحوه الطبري ٢٣/ ١١٥ عن القاسم بن أبي بزة، والبيهقي في شعب الإيمان (١٦٣٨) عن أبي
رافع. والذي في ((الشعب)) على بطنها، بدل: ظهرها.
(٥) في (ظ): لما قالت ذلك بني من درة.
(٦) الكشاف ١٣١/٤، وتفسير الرازي ٥٠/٣٠ .
(٧) تفسير الطبري ١١٦/٢٣، والمحرر الوجيز ٣٣٥/٥ .
(٨) تفسير أبي الليث السمر قندي ٣٨٣/٣.
(٩) النكت والعيون ٤٨/٦، والوسيط ٣٢٣/٤، وتفسير البغوي ٣٦٨/٤. وضعف هذا القول ابنُ عطية
في المحرر الوجيز ٣٣٥/٥ .
(١٠) النكت والعيون ٤٨/٦ .

١٠٦
سورة التحريم: الآيتان ١١ - ١٢
فيها تأكل وتشرب(١).
قوله تعالى: ﴿وَمََّمَ أَبْنَتَ عِمْزَنَ اُلَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا
وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ (١)
قوله تعالى: ﴿وَمََّ أَبْنَتَ عِمْرَنَ﴾ أي: واذكر مريمَ. وقيل: هو معطوفٌ على امرأة
فرعون(٢). والمعنى: وضرَب اللهُ مَثَلاً مريم ابنة عمران وصبرها على أذى اليهود.
﴿أَّيِّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي: عن الفواحش. وقال المفسرون: إنه أراد بالفرْج هنا
الجيبَ؛ لأنه قال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ وجبريل عليه السلام إنما نفَخ في جيبْها
ولم ينفُخ في فرجها (٣). وهي في قراءة أُبَيِّ: ((فنفخنا في جَيْبها من رُوحِنا))(٤). وكلُّ
خَرْقٍ في الثوب يسمى جَيْباً؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَا مِن فُرُوجِ﴾(٥) [ق: ٦]. ويحتمل
أن تكون أحصنَت فرجَها ونفخ الروح في جَيبها(٦). ومعنى ﴿فَنَفَخْنَا﴾ أرسلنا جبريلَ
فنفخ في جيبها ﴿مِن رُوحِنَا﴾ أي: روحاً من أرواحنا، وهي روح عيسى(٧). وقد
مضى في آخر سورة النساء بيانُه مستوفىّ والحمد لله(٨). ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا﴾
قراءة العامة ((وَصَدَّقَتْ)) بالتشديد. وقرأ حُميد والأموي ((وَصَدَقَتْ)) بالتخفيف(٩).
﴿بِكَلِّمَتِ رَبِهَا﴾ قول جبريل لها: ﴿إِنَّمَا أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ الآية [مريم: ١٩]. وقال
مقاتل: يعني بالكلمات عيسى وأنه نبيٌّ وعيسى كلمةُ الله. وقد تقدم(١٠). وقرأ الحسن
(١) تفسير البغوي ٣٦٨/٤.
(٢) البيان لا بن الأنباري ٤٤٩/٢ .
(٣) تفسير أبي الليث السمر قندي ٣/ ٣٨٤.
(٤) ذكرها في تفسير السمعاني ٤٧٩/٥ .
(٥) معاني القرآن للفراء ١٦٩/٣، وتفسير الطبري ١١٦/٢٣.
(٦) النكت والعيون ٤٨/٦ .
(٧) تفسير أبي الليث ٣٨٤/٣ .
(٨) ٢٣٠/٧ وما بعد ..
(٩) ذكرها أبو حيان في البحر ٢٩٥/٨ ، من قراءة يعقوب وقتادة وأبي مجلز وعاصم في رواية، وذكرها
الرازي ٥٠/٣٠ دون نسبة وهي قراءة شاذة.
(١٠) النكت والعيون ٤٨/٦، وتقدم ١٢٨/٥.

١٠٧
سورة التحريم: الآية ١٢
وأبو العالية: ((بِكَلِمَةِ رَبِّهَا وكِتَابِهِ))(١). وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم: ((وكُتُبِه))
جمعاً (٢). وعن أبي رجاء: ((وكُتْبِهِ) مخفف التاء(٣). والباقون: ((بِكِتَابِه)) على التوحيد.
والكتاب يُراد به الجنس، فيكون في معنى كلِّ كتابٍ أنزل اللهُ تعالى(٤). ﴿وَكَانَتْ مِنَ
اٌلْفَئِنَ﴾ أي: من المطيعين، وقيل: من المصلِّين بين المغرب والعشاء(٥). وإنما لم
يقل: من القانتات؛ لأنه أراد: وكانت من القوم القانِتين. ويجوز أن يرجعَ هذا إلى
أهل بيتها، فإنهم كانوا مطيعين لله (٦).
وعن معاذ بن جبل أن النبيَّ # قال لخديجة وهي تجود بنفسها: ((أتكرهين ما
قد نَزَل بكِ ولقد جعل الله في الكره خيراً، فإذا قدمت على ضَرَّاتك فأقرئيهن مني
السلام: مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكليمة(٧) - أو قال حكيمة(٨) - بنت
عمران أخت موسى بن عمران)). فقالت: بالرفاء والبنينَ يا رسول الله(٩).
وروى قتادة عن أنس، عن رسول الله 8 قال: «حسبك من نساء العالمين أربع:
مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خُوَيلْد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون بنت
مزاحم))(١٠). وقد مضى في ((آل عمران)). الكلام في هذا مستوفّى والحمد لله (١١).
(١) زاد المسير ٢١٦/٨، وتفسير الرازي ٥٠/٣٠ .
(٢) السبعة ص٦٤١، والتيسير ص٢١٢ .
(٣) المحتسب ٢/ ٣٢٤، والمحرر الوجيز ٣٣٦/٥.
(٤) زاد المسير ٣١٧/٨، وبنحوه في المحتسب ٣٢٤/٢.
(٥) الوسيط ٣٢٤/٤.
(٦) تفسير البغوي ٣٦٨/٤، وبنحوه في الكشاف ١٣٢/٤.
(٧) في (ظ) حليمة.
(٨) في (د) و(ظ) و(ف): حليمة. والذي في المصادر الآتية الذكر: كُلْتُم أخت موسى.
(٩) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢٢/ ٤٥١ - ٤٥٢ (١١٠٠)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق
١١٩/٧٠ عن ابن أبي رَوَّاد. قال الهيثمي في المجمع ٢١٨/٩: منقطع الإسناد، وفيه محمد بن الحسن
ابن زبالة، وهو ضعيف.
(١٠) أخرجه الإمام أحمد (١٢٣٩١)، والترمذي (٣٨٧٨).
(١١) ١٢٧/٥.

سورة الملك
مكيَّةٌ في قول الجميع. وتُسَمَّى: الواقية والمُنْجِيَة. وهي ثلاثون آية(١) روى
الترمذيُّ عن ابن عباس قال: ضَرَب رجلٌ من أصحاب رسول الله {# خِباءَه على قبر،
وهو لا يحسب أنَّه قبر، فإذا قبرُ إنسانٍ يقرأ سورةَ المُلْك حتى خَتَمَها، فأتى النبيَّ ◌ِ﴾.
فقال: يا رسولَ الله، ضربتُ خبائي على قبر، وأنا لا أحسب أنَّه قبر، فإذا قبرُ إنسانٍ
يقرأ سورة المُلْك حتى ختمها! فقال رسولُ اللـه :﴿: («هي المانعةُ، هي المُنْجِيةُ؛
تُنْجيه من عذاب القبر)). قال: حديثٌ حسن غريب(٢).
وعنه قال: قال رسول اللـه ﴾: ((وَدِدْتُ أنَّ ((تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ)) في قلب كلِّ
مؤمن)). ذكره الثعلبي(٣).
وعن أبي هريرة قال: قال النبيُّ ﴾: ((إنَّ سورةً من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون
آية، شفعت لرجلٍ حتى أخرجته من النار يوم القيامة، وأدخلته الجنَّة وهي سورة
تبارك)). خَرَّجه الترمذيُّ بمعناه، وقال فيه: حديث حسن(٤).
وقال ابن مسعود: إذا وُضع الميِّت في قبره فيؤتَى من قِبلَ رجليه، فيُقال: ليس
(١) الكشاف ٤/ ١٣٣ .
(٢) سنن الترمذي (٢٨٩٠)، وكلامه بتمامه: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي
هريرة. اهـ. وفيه يحيى بن عمرو النكري وهو ضعيف. وذكر الحديث الذهبيُّ في ميزان الاعتدال
٣٩٩/٤ وعدّه من مناکیر یحیی.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٦١٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢٧/٧: وفيه إبراهيم بن
الحكم بن أبان، وهو ضعيف. وأخرجه الحاكم في مستدركه ١/ ٥٦٥ من طريق حفص بن عمر المدني
وقال: هذا إسناد عند اليمانيين صحيح، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: حفص واه.
(٤) سنن الترمذي (٢٨٩١)، وأخرجه أيضاً بمثل لفظ الترمذي: أحمد (٧٩٧٥)، وأبو داود
(١٤٠٠)، والنسائي في الكبرى (١١٦١٢)، وابن ماجه (٣٧٨٦). وهو بلفظ المصنف عند الحاكم في
مستدركه ٤٩/٢ .

١٠٩
سورة الملك: الآية ١
لكم عليه سبيل، فإنَّه كان يقومُ بسورة الملك على قدميه. ثم يُؤتَى من قِبل رأسه،
فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل، إنَّه كان يقرأُ بي (١) سورةَ الملك، ثمَّ قال: هي
المانعةُ من عذاب القبر(٢)، وهي في التوراة سورةُ الملك؛ من قرأها في ليلةٍ فقد أكثر
وأطيب(٣). ورُوي أنَّ من قرأها كلَّ ليلةٍ لم يضرّه الفتان.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ﴾﴾
﴿تَبَارَكَ﴾ تفاعل؛ من البركة. وقد تقدَّم(٤). وقال الحسن: تقدَّس. وقيل: دام. فهو
الدائمُ الذي لا أوَّل لوجوده، ولا آخر لدوامه.
﴿الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ أي: ملكُ السماوات والأرض في الدنيا والآخرة(٥). وقال
ابن عباس: بيده الملك؛ يُعِزُّ من يشاء، ويُذِلُّ من يشاء، ويُحيي ويُميت، ويُغني
ويُفقِر، ويُعطي ويمنع(٦). وقال محمدُ بن إسحاق: له ملك النبوّة التي أعزَّ بها من
اتبعه، وذلَّ بها من خالفه. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ من إنعام وانتقام(٧).
(١) في (ف) في، وليست في (د) و(ظ) و(ف). والمثبت من (خ) و(ز) و(م).
(٢) في النسخ عدا (ظ): عذاب الله.
(٣) في (د) والمستدرك وشعب الإيمان: أطنب. والمثبت من بقية النسخ والمصادر الآتية، وقول ابن
مسعود أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦٠٢٥)، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٨٦٥١)،
وأخرجه الحاكم في مستدركه ٤٩٨/٢، وعنه البيهقي في شعب الإيمان (٢٥٠٩). قال الحاكم: هذا
حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي وقال: الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢٨/٧: وفيه
عاصم بن بهدلة، وهو ثقة. وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٤) ٩ / ٢٤٤ و٣٦٤/١٥ - ٣٦٥.
(٥) النكت والعيون ٤٩/٦ .
(٦) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣١٩/٨ مختصراً.
(٧) النكت والعيون ٤٩/٦ . وكلام محمد بن إسحاق منه.

١١٠
سورة الملك: الآية ٢
قوله تعالى: ﴿الَّذِىِ خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَوَةَ لِيَبْلُوَّكُمْ أَيُّكُمْ لَحْسَنُ عَمَلَاً وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْغَفُورُ ﴾﴾
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿اَلَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَوَةَ﴾ قيل: المعنى خلقكم للموت
والحياة؛ يعني: للموت في الدنيا، والحياة في الآخرة(١).
وقدَّم الموتَ على الحياة؛ لأنَّ الموتّ إلى القهر أقرب؛ كما قدَّم البناتِ على
البنين فقال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَثًا﴾ [الشورى: ٤٩].
وقيل: قدَّمه لأنَّه أقدم؛ لأنَّ الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت؛ كالنُّطْفَة
والتراب ونحوه(٢).
وقال قتادة: كانَ رسول اللـه ﴾ يقول: ((إنَّ الله تعالى أذلَّ بني آدم بالموت،
وجعلَ الدنيا دارَ حياةٍ ثمَّ دارَ مَوْت، وجعل الآخرةَ دار جزاءٍ ثم دار بقاء»(٣).
وعن أبي الدَّرْدَاء أنَّ النبيَّ ﴾ قال: «لولا ثلاثٌ ما طأطأً ابنُ آدم رأسَه: الفقر،
والمرض، والموت، وإِنَّه مع ذلك لَوَثَّب))(٤).
المسألة الثانية: ﴿الْمَوْتَ وَالَوَةَ﴾ قُدِّمَ الموتُ على الحياة، لأنَّ أقوى الناس داعياً
إلى العمل مَن نَصَب موتَّه بين عينيه؛ فَقُدِّم لأنَّه فيما يرجع إلى الغرضِ المسوق له
الآيةُ أهمّ(٥).
(١) النكت والعيون ٦/ ٥٠ .
(٢) مجمع البيان ٦/٢٩، وينظر تفسير البغوي ٣٦٩/٤.
(٣) النكت والعيون ٦/ ٥٠. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢٩١/٢، والطبري مختصراً ٦٣٦/٢٢
و ١١٨/٢٣، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ١٧٦/٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور
٦/ ٢٤٧ : لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وهو مرسل.
(٤) لم نقف عليه عن أبي الدرداء، وذكره أبو نعيم في حلية الأولياء ٧/ ٢٧٧ من قول سفيان بن عيينة.
(٥) الكشاف ٤/ ١٣٤ .

١١١
سورة الملك: الآية ٢
قال العلماء: الموتُ ليسَ بعدم مَحْضٍ، ولا فَناءٍ صِرْف، وإنَّما هو انقطاعُ تعلُّقٍ
الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولةٌ بينهما، وتبدُّلُ حالٍ، وانتقالٌ من دار إلى دار.
والحياةُ عكس ذلك(١). وحُكي عن ابن عباس والكَلْبِي ومُقاتل: أنَّ الموتَ والحياة
جسمان، فجعل الموت في هيئة كبشٍ لا يمرُّ بشيءٍ ولا يجدُ ريحَه إلا مات، وخلق
الحياة على صورة فرسٍ أنثى بلقاء - وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم السلام
يركبونها - خطوها(٢) مدُّ البصر، فوقَ الحمار ودون البغل، لا تمرُّ بشيءٍ يجدُ ريحها
إلا حَيِيَ، ولا تطأُ على شيء إلا حَيِيَ. وهي التي أخذ السَّامِرِيُّ من أثرها فألقاه على
العجل فَحَيِيَ (٣). حكاه الثعلبيّ والقُشَيري عن ابن عباس(٤). وحكى المَاوَرْدِي(٥) معناه
عن مقاتل والكلبيّ.
قلت: وفي التنزيل ﴿قُلْ يَنَوَقَّكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، ﴿وَلَوْ
تَرَىّ إِذْ يَتَوَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠]، ثمَّ ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا﴾
[الأنعام: ٦١]، ثمَّ قال: ﴿ اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. فالوسائطُ
ملائكةٌ مكرَّمون صلوات الله عليهم. وهو سبحانه المميت على الحقيقة، وإنَّما يُمَثَّل
الموت بالكبش في الآخرة (٦) ويذبح على الصراط؛ حسب ما ورد به الخبر
الصحيح(٧). وما ذُكِر عن ابن عباس يحتاجُ إلى خبرٍ صحيح يقطع العذر. والله أعلم.
وعن مقاتل أيضاً: خلق الموت؛ يعني: النُّطْفَة والعَلَقَة والمُضْغَة، وخلق الحياة؛
(١) ينظر المفهم ٧/ ١٤٥ .
(٢) في (ق) و(م) خطوتها.
(٣) سلف الخبر ١٤/ ١٢٧ .
(٤) وذكره البغوي ٤/ ٣٦٩ .
(٥) في النكت والعيون ٦/ ٥٠ ، ولفظة: حكى. من (ظ).
(٦) وقعت العبارة في (خ) و(ز) و(ف) و(ق): أما إنه يمثل الموت بالكبش في الآخرة، وفي (ظ): أما إنه
جاء بمثل الموت من الآخرة بكبش. والمثبت من (د) و(م).
(٧) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٨٤٩).

١١٢
سورة الملك: الآية ٢
يعني: خَلَق إنساناً ونَفَخ فيه الروح فصار إنساناً(١).
قلت: وهذا قولٌ حسن؛ يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿يَبْلُوَكُمْ أَبُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وتقدَّم
الكلام فيه في سورة الكهف(٢).
وقال السُّدِّيّ في قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ أْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي:
أكثركُم للموت ذكراً، وأحسنُ استعداداً، ومنه أشدُّ خوفاً وحذراً (٣).
وقال ابن عمر: تلا النبيُّ ◌َ#: ﴿تَرَكَ الَّذِى بِبَدِهِ الْمُلُْ﴾ حتى بلغ: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
عَمَلًا﴾، فقال: ((أَوْرَعُ عن محارم الله، وأسرعُ في طاعة الله))(٤).
وقيل: معنى (لِيَبْلُوَكُمْ)): ليعاملكم معاملةَ المختبر، أي: ليبلُوَ العبدَ بموت من
يَعِزُّ عليه؛ ليُبيِّن صبره، وبالحياة؛ ليُبيِّن(٥) شكره. وقيل: خَلَق الله الموتَ للبعث
والجزاء، وخَلَق الحياةَ للابتلاء. فاللام في ((لِيَبْلُوَكُمْ)) تتعلق بخلق الحياة لا بخلق
الموت؛ ذكره الزَّجَّاج(٦). وقال الفَرَّاء والزَّجَّاج أيضاً (٧): لم تقع البَلْوَى على ((أيّ))؛
لأنَّ فيما بين البلوى و((أيّ)) إضمارُ فعل؛ كما تقول: بلوتُكم لأنظرَ أيُّكم أطوع. ومثلُه
قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم ◌ِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أي: سَلْهم، ثمَّ انظرْ أيُّهم.
فـ((أيُّكم)) (٨) رُفِع بالابتداء، و((أَحْسَنُ)) خبره(٩). والمعنى: ليبلوكم فيعلم أو فينظر
(١) تفسير أبي الليث ٣٨٦/٣، وتفسير الرازي ٥٥/٣٠ .
(٢) ٢٠٨/١٣ - ٢٠٩ .
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٠٧٨٨)، وذكره الماوردي في تفسيره ٦/ ٥٠.
(٤) هو حديث ضعيف وسلف ٧٦/١١ .
(٥) في (ظ): ليتبين. في الموضعين.
(٦) في معاني القرآن ٥/ ١٩٧ .
(٧) معاني القرآن للفراء ١٦٩/٣، ومعاني القرآن للزجاج ١٩٧/٥.
(٨) في (خ) و(ظ) و(ف) و(ق): فأيهم، وسقطت اللفظة من (د)، والمثبت من (م).
(٩) تفسير البغوي ٣٦٩/٤ وكلام الفراء السالف منه.

١١٣
سورة الملك: الآيتان ٢ - ٣
أيُّكم(١) أحسنُ عملاً.
﴿وَهُوَ اُلْعَزِيزُ﴾ في انتقامه ممن عصاه. ﴿ اٌلْغَفُورُ﴾ لمن تاب إليه(٢).
قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُّتٍ
فَأَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَانًا﴾ أي: بعضُها فوق بعض. والملتزقُ منها
أطرافها؛ كذا رُوي عن ابن عباس. و((طِبَاقاً)) نعتٌ لـ ((سَبْع))؛ فهو وصفٌ بالمصدر.
وقيل: مصدرٌ بمعنى المطابقة، أي: خَلَق سبعَ سماواتٍ، وطبَّقها تطبيقاً أو مطابقة.
أو على: طُوبقت طِباقاً(٣).
وقال سيبويه: نصب ((طباقاً)) لأنَّه مفعولٌ ثان.
قلت: فيكون ((خَلَقَ» بمعنى جعل وصَيَّر.
وطِباق جمع طَبَق؛ مثل جَمَل وجِمال. وقيل: جمع طبقة. وقال أبَان بن تَغْلِب:
سمعتُ بعضَ الأعراب يذمُّ رجلاً فقال: شَرُّهُ طِباق، وخيرُه غير باق (٤).
ويجوز في غير القرآن سبعَ سماوات طباقٍ؛ بالخفض على النعت لسماوات(٥).
ونظيره ﴿وَسَبْعَ سُتْبُكَتٍ خُضْرٍ﴾ [يوسف: ٤٣].
﴿مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَوْتٍ﴾ قراءةُ حمزةَ والكسائيّ: ((مِن تَفَوُّتٍ)) بغير ألف
مشدّدة. وهي قراءةُ ابن مسعود وأصحابه(٦). الباقون: ((منْ تَفَاوُتٍ)) بألف. وهما
(١) لفظة: أيكم. من (ظ) وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٤٧٦/٤ والكلام منه.
(٢) لفظة: إليه. ليست في (د) و(م). والمثبت موافق لتفسير البغوي ٣٦٩/٤.
(٣) ينظر الكشاف ١٣٤/٤ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٣٨/٥ .
(٥) معاني القرآن للفراء ١٨٨/٣ .
(٦) المحرر الوجيز ٣٣٨/٥، وقراءة حمزة والكسائي في السبعة ص ٦٤٤، والتيسير ص٢١٢ .

١١٤
سورة الملك: الآية ٣
لغتان(١)؛ مثل التعاهد والتعهُّد، والتحمُّل والتحامل، والتظهُّر والتظاهر، وتصاغر
وتصغّر وتضاعف وتضعّف، وتباعد وتبعّد؛ كلُّه بمعنّی.
واختار أبو عبيد ((من تَفَّوُّت))، واحتجَّ بحديث عبد الرحمن بن أبي بكر: ((أمِثْلِي
يُتَفَوَّتُ عليه في بَنَاتِهِ))(٢)!
النَّخَّاس (٣): وهذا أمرٌ مردودٌ على أبي عبيد؛ لأنَّ يُتفوّت: يُفتات بهم. ((وتفاوت))
في الآية أشبه. كما يقال: تباين يقال: تفاوتَ الأمرُ: إذا تباين وتباعد، أي: فات
بعضُها بعضاً. ألا ترى أنَّ قبلَه قولَه: تعالى: ﴿الَّذِى خَقَ سَيْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا﴾. والمعنى:
ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاجٍ ولا تناقضٍ ولا تباين - بل هي (٤) مستقيمةٌ
مستويةٌ دالَّة على خالقها - وإن اختلفت صُوَره وصفاته.
وقيل: المرادُ بذلك السماوات خاصة، أي: ما ترى في خلق السماوات من
عَيْب(٥).
وأصله من الفَوْت؛ وهو أن يفوتَ شيءٌ شيئاً، فيقع الخلل لقلَّة استوائها(٦)؛ يدلُّ
(١) هو قول الفراء في معاني القرآن له ٣/ ١٧٠، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٦٨/٤.
(٢) قطعة من خبر تزويج عائشة رضي الله عنها لحفصة بنت عبد الرحمن من المنذر بن الزبير، وعبد
الرحمن غائب بالشام؛ أخرجه مالك ٢/ ٥٥٥، وعبد الرزاق (١١٩٤٧)، وسعيد بن منصور (١٦٦٦٢)،
وابن أبي شيبة ١٣٤/٤ بلفظ يُفتات. بدل يتفوت. وهما بمعنى. قال ابن الأثير في النهاية (فوت): يقال
تفَوّت فلان على فلان في كذا، وافتات عليه إذا انفرد برأيه دونه في التصرف فيه . اهـ.
غير أن الحديث الذي احتج به أبو عبيد في غريب الحديث ٢٢٨/٢ ونقله عنه الرازي في تفسيره
٥٧/٣٠ هو حديث عائشة: قالت: تفوت رجل بمال نفسه على أبيه ... أخرجه ابن أبي حاتم في العلل
١/ ٤٧٠، وابن عدي في الكامل ٢/ ٦١١ .
(٣) لم نقف على كلامه، ولعله في معانيه، وهو بنحوه في إعراب القرآن له ٤٦٨/٤، وذكر فيه اختيار أبي
عبيد السالف.
(٤) في (ظ): كل شيء من سماء وغيرها. بدل: بل هي.
(٥) المحرر الوجيز ٣٣٨/٥.
(٦) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٧٤ .

١١٥
سورة الملك: الآية ٣
عليه قول ابن عباس: من تَفَرُّق(١). وقال أبو عبيدة(٢): يقال: تفوَّت الشيءُ، أي:
فات.
ثم أَمَر بأن ينظروا في خلقه، ليعتبروا به، فيتفكروا في قدرته فقال: ﴿فَرْجِعِ الْبَصَرَ
هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ﴾ أي: أُردُد طَرْفَك إلى السماء. ويقال: قلِّب البصر في السماء.
ويقال: إِجْهَدْ بالنظر إلى السماء. والمعنى متقارب. وإنما قال: ((فَارْجِعِ)) بالفاء،
وليس قبلَه فعلٌ مذكور؛ لأنَّه قال: ((ما تَرَى)).
والمعنى: انظر ثمَّ ارجع البصر؛ هل ترى من فُطور؟ قاله قتادة(٣).
والفُطور: الشّقوق، عن مجاهد والضحاك. وقال قتادة: من خَلَل. السُّدِّيّ: من
خُروق. ابن عباس: من وَهْن(٤). وأصلُه من التّفظُّر والانفطار، وهو الانشقاق. قال
الشاعر :
بَنَى لكُمُ بِلا عَمَدٍ سماءً وَزِيَّنَها فِما فيها فُطورُ(٥)
وقال آخر:
هَواكٍ فَلِيم فالتَّامَ الفُطُورُ
شَققْتِ القلبَ ثمَّ ذَرَرْتٍ فيه
ولا سَكَرٌ ولم يبلُغْ سرور(٦)
تَغلغل حيثُ لم يبلغْ شرابٌ
(١) النكت والعيون ٦/ ٥١ .
(٢) في (ظ) أبو عبيد.
(٣) النكت والعيون ٥١/٦ ولفظه فيه: معناه فانظر إلى السماء.
(٤) النكت والعيون ٦/ ٥١ .
(٥) هو في البحر ٢٩٨/٨ بلفظ: وسواها. بدل: وزينها.
(٦) البيتان لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كما في مجالس ثعلب ص٢٣٦، وشرح ديوان
الحماسة المرزوقي ١٣٥٤/٣، والأغاني ١٥١/٩، باختلاف يسير وتقديم وتأخير. قال الخطيب
التبريزي في شرح الحماسة ١٦٧/٣: فليم يحتمل وجهين: أحدهما - وهو الأشبه -: أن يريد لئم من
الالتئام ... والآخر: أن يكون ليم من اللأم، أي: لما عوتب كتم ما به فالتأم فطوره .

١١٦
سورة الملك: الآية ٤
٤
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْجِعِ الْصَرَ كََّنِ يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْجِعِ اٌلْصَرَ كَرََّنٍ﴾ «کرتینٍ)» في موضع المصدر؛ لأن معناه
رجعتين، أي: مَرَّةٌ بعد أخرى. وإنَّما أَمَر بالنظر مرتين؛ لأنَّ الإنسان إذا نظر في
الشيء مرةً لا يرى عَيْبَه ما لم ينظر إليه مرةً أُخرى. فأخبر تعالى أنَّه - وإنْ نظر في
السماء مرتين - لا يرى فيها عيباً، بل يتَحيَّ بالنظر إليها؛ فذلك قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ
إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِفًا﴾ أي: خاشعاً صاغراً متباعداً عن أنْ يَرى شيئاً من ذلك.
يقال: خسأتُ الكلبَ، أي: أبعدته وطردته. وخساً الكلبُ بنفسه؛ يتعدَّى ولا
يتعدَّى. وانخسأ الكلبُ أيضاً. وحَسَأ بصرُه حَسْأً وخُسوءاً، أي: سَدِر (١)، ومنه قوله
تعالى: ﴿يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُّ خَاسِتًا﴾(٢). وقال ابن عباس: الخاسئ الذي لم ير ما
یھوی(٣).
﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: قد بلغ الغايةً في الإعياء. فهو فعيل(٤) بمعنى فاعل؛ من
الحُسور الذي هو الإعياء. ويجوز أنْ يكون مفعولاً من حسره بُعْدُ الشيء(٥)، وهو
معنی قول ابن عباس. ومنه قول الشاعر:
مَن مَدَّ طَرْفاً إلى ما فوقَ غایتِهِ
ارْتدّ خَسْآنَ منه الطَّرْفُ قد حَسَرا(٦)
يقال: قد حَسَر بَصَرُهُ يَحْسِر حُسوراً، أي: كَلَّ وانقطعَ نظُرُه من طول مَدّى، وما
أشبه ذلك، فهو حَسيرٌ ومحسورٌ أيضاً(٧). قال:
(١) أي: لم يكد يبصر. اللسان (سدر).
(٢) الصحاح (خسأ).
(٣) ذكره الرازي في تفسيره ٥٨/٣٠ .
(٤) قوله: فعيل، من (ظ).
(٥) ذكر الاحتمالين الأخيرين الرازي في تفسيره ٥٩/٣٠ وعزاهما للواحدي.
٠٤
(٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٥٢ .
(٧) الصحاح (حسر).

١١٧
سورة الملك: الآيات ٤ - ٦
فعادَ إليَّ الظَّرْفُ وهو حسيرُ(١)
نظرتُ إليها بالمْحُصَّبِ من مِنّى
وقال آخر يصف ناقة :
فشَظْرَهَا نَظَرُ العينين محسورُ
نصب ((شطرها)) على الظرف، أي: نحوَها(٢).
وقال آخر:
والخيلُ شُعْتٌ ما تزال جيادُها حَسْرَى تغادرُ بالطَّريقِ سِخالَها(٣)
وقيل: إنَّه النادم. ومنه قول الشاعر:
يا ابنة القين تَوَلَّى بِحَسِرْ 3
ما أنا اليومَ على شيءٍ خَلَا
والمرادُ بـ ((كَرَّتَيْنِ)) هاهنا التكثير. والدليلُ على ذلك: ﴿يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُّ خَاسِئًا وَهُوَ
حَسِيرٌ﴾ وذلك دليلٌ على كثرة النظر(٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَّةَ الذُّنْيَا بِمَصِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِّ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ
﴾
وَلَِّذِنَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمٌّ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
عَذَابَ السَّعِيرِ @)
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَّةُ الذُّنْيَا بِمَصَبِيحَ﴾ جمع مصباح، وهو السراج. وتُسَمَّى
الكواكبُ مصابيحَ لإضاءتها(٦).
(١) لم نقف عليه.
(٢) الصحاح (حسر)، وشطر البيت المذكور هو لقيس بن خويلد الهذلي، وصدره: إن الحسير بها داً
مخامرها. وذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٦٢ .
(٣) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص٨١ وفيه: بالخيل شعئاً، بدل: والخيل شعث، و: رُجْعًا، بدل:
حسرى. وهو برواية المصنف عند الماوردي في النكت والعيون ٦/ ٥٢ .
(٤) البيت للمَرَّار بن منقذ كما في المفضليات ص٨٢ . وفيه: مضى، بدل: خلا، و: القوم، بدل: القين،
وهو برواية المصنف في النكت والعيون ٦/ ٥٢ .
(٥) الكلام بنحوه في الكشاف ٤/ ١٣٥، ومجمع البيان ٢٩/ ٧ .
(٦) الوسيط للواحدي ٣٢٧/٤، وتفسير البغوي ٤/ ٣٧٠ .

١١٨
سورة الملك: الآيتان ٥ - ٦
﴿وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا﴾ أي: جَعَلنا شُهُبَهَا؛ فحذف المضاف. دليلُه ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْتَطْفَةَ
فَأَنْعَدُرْ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. وعلى هذا فالمصابيحُ لا تزول ولا يُرجم بها.
وقيل: إنَّ الضميرَ راجعٌ إلى المصابيح على أنَّ الرجم من أنفُس الكواكب، ولا يسقطُ
الكوكب نفسُه، إنَّما ينفصلُ منه شيءٌ يُرْجَم به من غير أن ينقص ضوءه ولا صورته؛
قاله أبو عليّ (١) جواباً لمن قال: كيف تكون زينةً وهي رجوٌ لا تبقى؟
قال المهدَوِيّ: وهذا على أنْ يكون الاستراقُ من موضع الكواكب، والتقديرُ
الأوّل على أنْ يكون الاستراقُ من الهوى(٢) الذي هو دونَ موضع الكواكب.
القُشَيْري: وأمثلُ من قول أبي عليّ أنْ نقول: هي زينةٌ قبل أنْ يُرجَم بها
الشياطين. والرُّجوم: جمعُ رَجْم، وهو مصدرٌ سُمِّيَ به ما يرجم به(٣).
قال قتادة: خَلَقِ اللَّه تعالى النجومَ لثلاث: زينةً للسماء، ورجوماً للشياطين،
وعلاماتٍ يُهتدَى بها في البرِّ والبحر والأوقات. فمن تأوَّل فيها غيرَ ذلك فقد تكلّف ما
لا علم له به، وتعدَّی وظلم (٤).
وقال محمدُ بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنَّهم
يَتَّخذونَ الكهانةَ سبيلاً (٥)، ويتَّخذون النُّجومَ عِلَّةٌ(٦).
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ أي: أعتدنا للشياطين أشدَّ الحريق؛ يقال: سَعَرْتُ
النار؛ فهي مسعورةٌ وسعير؛ مثل: مقتولة وقتيل. ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمٌّ وَيْسَ
المَصِيرُ﴾.
(١) هو الجبائي. وذكر معنى كلامه الطبرسي في مجمع البيان ٧/٢٩ . وينظر الكشاف ١٣٥/٤.
(٢) كذا في النسخ، ولعلها: الهواء، ويعني به الفراغ.
(٣) تفسير الرازي ٥٩/٣٠ .
(٤) أخرجه الطبري ١٢٣/٢٣، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٢٩١٣/٩ (١٦٥٣٦)، وأبو الشيخ في العظمة
(٧٠٦) مطولاً.
(٥) لفظة: سبيلاً. من (د) و(م) وليست في باقي النسخ والمصادر.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٨٣١/٩ (١٦٠٤٧)، وأبو الشيخ في العظمة (٧١٠)، وفيهما وفي الدر المنثور
٣٥/٣: يتبعون الكهنة.

١١٩
سورة الملك: الآيات ٧ - ١١
قوله تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَمَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ
قوله تعالى: ﴿إِذَا أُنْقُواْ فِيهَا﴾ يعني الكفَّار. ﴿سَمِعُواْ لَمَا شَهِيقًا﴾ أي: صَوْتاً. قال ابن
عباس: الشهيق لجهنم عندَ إلقاء الكفَّار فيها؛ تَشْهَق إليهم شهقةً البغلة للشعير، ثم
تَزْفِرُ زفرةً لا يبقى أحدٌ إلَّا خاف. وقيل: الشَّهِيقُ من الكفّار عند إلقائهم في النار(١)؛
قاله عطاء(٢). والشَّهيق في الصَّدر، والزَّفِير في الحَلْق. وقد مضى في سورة هود(٣).
﴿وَهَىَ تَفُورُ﴾ أي: تَغْلِي، ومنه قولُ حسان(٤):
تركتُم قِدْرَكُم لا شيءَ فيها وقِذْرُ القوم حاميةٌ تفورُ
قال مجاهد: تفورُ بهم كما يَفور الحَبُّ القليلُ في الماء الكثير(٥). وقال ابن
عباس: تَغْلي بهم غليَ المِرْجَل(٦)؛ وهذا من شدَّة لَهَب النار من شدَّة الغضب؛ كما
تقول: فلانٌ يفور غَيْظاً.
قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَّزُ مِنَ الْفَيْظِ كُلَّمَّا أُلْفِىَ فِيهَا فَوٌْ سَأَُمْ خَتُهَاَ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَذِيرٌ
قَالُواْ بَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلٍ
كَبِيرٍ (١) وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَتْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ أَسْخَبِ السَّعِيرِ ﴿ فَأَعْتَفُواْ بِذَتْبِهِمْ
فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ
قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَّزُ مِنَ الْفّظِ﴾ يعني: تتقطَّع ويَنْفصِلُ بعضُها من بعض؛ قاله
سعيد بن جُبير (٧). وقال ابنُ عباس والضَّحَّاك وابنُ زيد: تتفرَّق. ((مِنَ الْغَيْظِ)): من شدَّة
(١) النكت والعيون ٦/ ٥٣ .
(٢) وقول عطاء - كما ذكره الرازي في تفسيره ٦٣/٣٠ -: سمعوا لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها شهيقاً.
(٣) ٢١١/١١ - ٢١٢.
(٤) بل هو من قول جبل بن جوال الثعلبي يخاطب به حسان بن ثابت ﴾. ينظر سيرة ابن هشام ٢٧٣/٢ ،
وديوان حسان ص ١١٠، وسلف ١١٦/١١.
(٥) ذكره الواحدي ٣٢٧/٤، والبغوي ٤/ ٣٧٠ .
(٦) ذكره الرازي في تفسيره ٦٣/٣٠ .
(٧) النكت والعيون ٦/ ٥٣.

١٢٠
سورة الملك: الآيات ٨ - ١١
الغيظ على أعداء الله تعالى. وقيل: ((مِنَ الْغِيظِ)): من الغليان(١). وأصل ((تميّزُ)): تتميز
﴿كُلَّمَآ أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ أي: جماعةٌ من الكفار. ﴿سَأَمْ خَيَهْآَ﴾ على جهة التوبيخ
والتقريع: ﴿أَلَمَّ يَأْتِكُوْ نَذِيرٌ﴾ أي: رسولٌ في الدنيا ينذركم هذا اليوم حتى تحذروا.
﴿قَالُواْ بَلَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ﴾ أَنْذرنا وخَوَّفنا. ﴿فَكَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اَللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ أي: على
ألسنتكم. ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ يا معشرَ الرسل ﴿إِلَّا فِ ضَلَلِ كَبِيرٍ﴾ اعترفوا بتكذيب الرُّسل. ثمَّ
اعترفوا بجهلهم(٢)؛ فَقالوا وهم في النَّار: ﴿لَوَ گًُا نشمُ﴾ من النذر - یعني الرسل - ما
جاؤوا به ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ عنهم. قال ابن عباس: لو كنَّا نسمعُ الهدى أو نَعقله(٣)، أو: لو
كَّا نَسمع سماعَ من يَعِي ويفكّر، أو نعقلُ عِقْلَ من يُميِّز وينظر (٤). ودلَّ هذا على أنَّ
الكافر لم يُعْطَ من العقل شيئاً. وقد مضى في ((الطُّور)) بيانه(٥) والحمد لله.
﴿مَا كَا فِ أَعَْبِ السَّعِيرِ﴾ يعني ما كنَّا من أهل النَّار. وعن أبي سعيدِ الخُدرِيّ عن
رسول الله ﴾ أنه قال: (لقد نَدِم الفاجرُ يومَ القيامة قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَتْمَعُ أَوَ نَعْقِلُ مَا كُنَاً
فِي أَصْخَبِ السَّعِيرِ﴾ فقال الله تعالى: ﴿فَأَعْتَرَفُواْ يِذَئِهِمْ﴾))(٦). أي: بتكذيبهم الرسل.
والذنبُ هاهنا بمعنى الجمع؛ لأنَّ فيه معنى الفعل. يقال: خَرَج عطاءُ النَّاس، أي:
أَعْطِيَتَهم(٧).
﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ أي: فَبُعْداً لهم من رحمة الله. وقال سعيدُ بن جُبير وأبو
(١) النكت والعيون ٥٣/٦. وتفسير الطبري ١٢٤/٢٣ - ١٢٥.
(٢) الوجيز للواحدي (بحاشية مراح لبيد) ٣٨٩/٢ - ٣٩٠.
(٣) ذكره البغوي في تفسيره ٣٧١/٤ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ١٩٩/٥ .
(٥) ٥٣٤/١٩ .
(٦) أخرجه الحارث في مسنده (زوائد الهيثمي) (٨٤٠) من طريق داود بن المحبر. قال الحافظ ابن حجر في
المطالب العالية ١٣/٣: [أحاديث] كتاب العقل لداود بن المحبر أودعها الحارث بن أبي أسامة في
مسنده، وهي موضوعة كلها، لا يثبت منها شيء.
(٧) في (ظ): أعطياتهم، والكلام بنحوه في تفسير الطبري ١٢٦/٢٣ .