Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة التغابن: الآيات ١٥ - ١٧
المفسّرين. وفي الصحيحين(١) - واللفظ للبخاريّ - عن أبي سعيد الخُذري قال: قال
رسول الله﴾: ((إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لَبَّيْكَ رَبَّنَا
وسَعْدَيْك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ومالَنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً
من خلقك، فيقول: ألّا أعطيكم أفضلَ من ذلك؟ قالوا: يا ربِّ، وأيُّ شيء أفضلُ من
ذلك، فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضواني، فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبداً)(٢). وقد تقدَّم .
ولا شك في أن الرّضًا غايةُ الآمال. وأنشد الصوفية في تحقيق ذلك:
فالنارُ والجنة في قبضته
امتحن الله به خلقهُ
ووَضْلُه أظْيَبُ من جَنَّتِهْ (٣)
فهجرُه أعظمُ مِن نارِهِ
قوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ
وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (4)
إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًّا
يُضَعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُرُ حَلِيِهُ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿فَنَُّواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾
فيه خمس مسائل :
الأولى: ذهب جماعة من أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخةٌ لقوله تعالى:
﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، منهم قتادةُ والربيع بن أنس والسُّدِّيُّ وابن
زيد(٤). ذكر الطبري(٥): وحدَّثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال:
قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ قال: جاء أمر
(١) في أحكام القرآن لابن العربي ١٨٠٨/٤ - والكلام منه - : وعندي ما هو أعظم منها وهو ما ثبت في
الصحيح ...
(٢) صحيح البخاري (٦٥٤٩)، وصحيح مسلم (٢٨٢٩)، وسلف ٥٨/٥ مختصراً.
(٣) أوردهما أحمد بن محمد المقري التلمساني في نفخ الطيب ٣٩/٢ .
(٤) أخرج قولهم الطبري ٥/ ٦٤٢ - ٦٤٣ .
(٥) في تفسيره ٦٤٣/٥ .

٢٢
سورة التغابن: الآيتان ١٦ - ١٧
شديد، قال(١): ومَن يعرفُ قدر هذا أو يبلغه؟ فلمَّا عَرَف الله أنه قد اشتدَّ ذلك
عليهم، نسخها عنهم وجاء بهذه الآية الأخرى فقال: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُ﴾.
وقيل: هي محكمة لا نسخ فيها. وقال ابن عباس: قوله تعالى: ﴿أَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَائِهِ.﴾ إنها لم تنسخ، ولكن حقّ تقاته أن يجاهد لله حَقَّ جهاده، ولا يأخذهم في الله
لومةُ لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وقد تقدم(٢).
الثانية: فإن قيل: فإذا كانت هذه الآيةُ محكمةً غيرَ منسوخة، فما وجهُ قوله في
سورة التغابن: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾، وكيف يجوز اجتماع الأمر باتِّقاء الله حقَّ
تُقاته، والأمرٍ باتِّقائه ما استطعنا، والأمرُ باتِّقائه حقَّ تُقاته إيجابُ القرآن بغير
خصوص ولا وصلٍ بشرط، والأمرُ باتِّقائه ما استطعنا أمرٌ باتِّقائه موصولاً بشرط؟
قيل له: قوله: ((فاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) بمعزِل ممَّا دلَّ عليه قوله تعالى: ((اتَّقُوا
اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)). وإنما عنى بقوله: ((فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) فاتقوا الله أيها الناس
وراقبوه فيما جُعل فتنةً لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم فتنتُهم، وتصدَّكم عن
الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام، فتتركوا الهجرة ما
استطعتم، بمعنى وأنتم للهجرة مستطيعين. وذلك أن الله جلَّ ثناؤه قد كان عَذَر مَن لم
يقدِر على الهجرة بتركها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى
قوله: ﴿فَأُوْلَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٧-٩٩]. فأخبر أنه قد عفا عمَّن لا
يستطيع حيلةً ولا يهتدي سبيلاً بالإقامة في دار الشرك، فكذلك معنى قوله: ((فاتَّقُوا
اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) في الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام أن تتركوها بفتنة أموالكم
وأولادكم. وممَّا يدلُّ على صحة هذا أنَّ قوله: ((فاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) عقيبُ قوله:
(١) في (م): قالوا.
(٢) ٢٣٨/٥، وقد رجح المصنف هناك أن هذه الآية: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَمْتُمْ﴾ هي بيان للتي في آل عمران،
والمعنى: فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع، والجمع ممكن فهو
أولى .اهـ. وهذا ما ذهب إليه النحاس في الناسخ والمنسوخ ١٢٩/٢، ومكي في ناسخ القرآن ومنسوخه
ص٢٠٣ - ٢٠٤.

٢٣
سورة التغابن: الآيتان ١٦ - ١٧
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ ولا خلاف
بين السلف من أهل العلم بتأويل القرآن أنَّ هذه الآياتِ نزلت بسبب قوم (١) تأخّروا
عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إيَّاهم عن ذلك، حسب ما
تقدم(٢). وهذا كلُّه اختيار الظَّبري(٣).
وقيل: ((فاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) فيما تُطُوِّع به من نافلة أو صدقة، فإنه لمّا نزل
قوله تعالى: ﴿ أَثَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾، اشتدَّ على القوم فقاموا حتى وَرِمت عراقيبهم (٤)
وتقرَّحت جباههم، فأنزل الله تعالى تخفيفاً عنهم: ﴿فَنَُّواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ فنسخت
الأولى. قاله ابن جُبير. قال الماورديُّ(٥): ويحتمل إن لم يثبت هذا النقل أن المُكْرَهَ
على المعصية غيرُ مؤاخذ بها؛ لأنه لا يستطيع اتِّقاءها.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾ أي: اسمعوا ما تُوعظون به، وأطيعوا
فيما تؤمرون به وتُنْهَوْن عنه. وقال مقاتل: ((اسْمَعُوا)) أي: أصغوا إلى ما ينزل عليكم
من كتاب الله، وهو الأصلُ في السماع. ((وَأَطيعُوا)) لرسوله فيما أمركم أو نهاكم.
وقال قتادة: عليهما بُويع النبيُّ على السمع والطاعة (٦). وقيل: ((وَاسْمَعُوا)) أي:
اقبلوا ما تسمعون، وعبَّر عنه بالسماع لأنه فائدته(٧).
قلت: وقد تغلغل في هذه الآية الحجاجُ حين تلاها وقَصَرها على عبد الملك بن
مروان فقال: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُوا﴾ هي لعبد الملك بن مروان أمينٍ
(١) بعدها في (خ) و(ز) و(ظ) و(ف) و(ق) و(م): كفار، والتصويب من (د)، ويؤيده ما جاء في اللباب
لابن عادل الحنبلي ١٣٩/١٩، والكلام فيه قال .. نزلت بسبب قوم كانوا تأخروا ..
(٢) في الآية (١٤).
(٣) في تفسيره ١٤/٢٣ .
(٤) العراقيب جمع عرقوب: وهو عصب غليظ فوق عقب الإنسان. القاموس (عرقب).
(٥) في النكت والعيون ٢٦/٦ وما قبله منه.
(٦) النكت والعيون ٢٦/٦.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨١٠.
٠٫٠٠

٢٤
سورة التغابن: الآيتان ١٦ - ١٧
الله وخليفتِه، ليس فيها مَثْنَوِيَّة، واللهِ لو أمرت رجلاً أن يخرج من باب المسجد،
فخرج من غيره لحلَّ لي دمُهُ(١). وَكَذب في تأويلها! بل هي للنبيِّ # أوّلًا، ثم لأُولي
الأمر من بعده. دليلُه: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ﴾ قيل: هو الزكاة. قاله ابن عباس. وقيل: هو
النفقة في النفْل(٢). وقال الضحاك: هو النفقة في الجهاد. وقال الحسن: هو نفقةُ
الرجل لنفسه(٣). قال ابن العربي(٤): وإنما أوقع قائلَ هذا قولُه: ((لِأَنْفُسِكُمْ))، وخِفَيَ
عليه أن نفقة النفل والفرض في الصدقة هي نفقةُ الرجل على نفسه، قال الله تعالى:
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَاً﴾ [الإسراء: ٧]. وكلُّ ما يفعله الرجل من
خير، فإنما هو لنفسه. والصحيحُ أنها عامة. ورُويَ عن النبيِّ:﴿ أنه قال له رجل :
عندي دينار؟ قال: ((أنفِقْهُ على نفسك)) قال: عندي آخر؟ قال: ((أنفِقْهُ على عيالك))
قال: عندي آخر؟ قال: ((أنفِقْهُ على ولدك)) قال: عندي آخر: قال: ((تصدَّقْ به))(٥).
فبدأ بالنفس والأهل والولد وجعل الصدقة بعد ذلك. وهو الأصلُ في الشرع.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿غَيْرَاً لِأَفُسِكُمُ﴾ ((خَيْراً)) نصب بفعل مضمر عند
سيبويه (٦)؛ دلَّ عليه: ((وَأَنْفِقُوا)). كأنه قال: ايتُوا في الإنفاق خيراً لأنفسكم، أو قدِّموا
خيراً لأنفسكم من أموالكم. وهو عند الكسائي والفَرَّاء نعتٌ لمصدر محذوف، أي:
أنفقوا إنفاقاً خيراً لأنفسكم. وهو عند أبي عبيدة(٧) خَبرُ كان مضمرة، أي: يكن خيراً
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٤٣).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨١٠ دون أن ينسب القول الأول.
(٣) النكت والعيون ٢٦/٦، وزاد المسير ٢٨٦/٨.
(٤) في أحكام القرآن ٤/ ١٨١٠ .
(٥) أخرجه أحمد (٧٤١٩)، وأبو داود (١٦٩١) من حديث أبي هريرة ﴾ بنحوه، وجاء عند أبي داود تقديم
الولد على الزوجة.
(٦) ينظر الكتاب ٢٨٢/١ - ٢٨٣.
(٧) ينظر مجاز القرآن له ١٤٣/١.

٢٥
سورة التغابن: الآيات ١٦ - ١٨
لكم. ومَن جعل الخير المال فهو منصوبُ بـ ((أنفِقوا))(١).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تقدَّم الكلام فيه(٢).
وكذا ﴿إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضَهَا حَسَنًا يُضَنِفْهُ لَكُمْ﴾ تقدَّم الكلام فيه أيضاً في ((البقرة))
وسورةِ الحديد(٣). ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُرُ حَلِيمٌ﴾ تقدَّم معنى الشكر في ((البقرة))(٤).
والحليمُ: الذي لا يَعْجَل.
قوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
قوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: ما غاب وحضر. وهو ﴿اَلْعَزِيزُ﴾ أي:
الغالب القاهر، فهو من صفات الأفعال، ومنه قوله عزّ وجلّ: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ
اٌلْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، أي: من الله القاهر المُحكِم خالقِ الأشياء. وقال
الخطّابي: وقد يكون بمعنى نفاسة القَدْر، يقال منه: عَزَّ يَعِزُّ - بكسر العين - فيتأوَّل(٥)
معنى العزيز على هذا أنه لا يعادله شيء، وأنه لا مِثل له، والله أعلم. ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في
تدبير خلقه. وقال ابن الأنباري: ((الْحَكِيمُ)): هو المُحكِم لخلق الأشياء، صُرِف عن
مُفْعِل إلى فَعِيل، ومنه قوله عز وجل: ﴿الَرَّ ◌ِلْكَ مَايَتُ اَلْكِتَبِ الْحَكِيمِ﴾ معناه المُخْكُم،
فصُرَف عن مُفْعَل إلى فَعِيل. والله أعلم.
(١) ينظر مشكل إعراب القرآن ٧٣٩/٢ .
(٢) ٣٦٩/٢٠.
(٣) ٢١٩/٤ وما بعدها، و٢٤٣/٢٠ - ٢٤٤.
(٤) ٢ / ١٠٤ - ١٠٦.
(٥) في (خ) و(ز) و(ف) و(ق) و(م): فيتناول.

سورة الطلاق
مَدِنِيَّةٌ في قول الجميع(١). وهي إحدى عشرةً آية، أو اثنتا عشرة آية(٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّْنِ الرَّحِيَةِ
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ أَلْمِدَّةٌ وَأَّقُواْ
اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مَُّ
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُمْ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ
بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾﴾
فيه أربعَ عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَُّّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾ الخطابُ للنبيِّ ﴾، خُوطب
بلفظ الجماعةِ تعظيماً وتفخيماً (٣).
وفي سنن ابن ماجه(٤): عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن عمر بنٍ
الخطاب: أنَّ رسول الله ﴾ طلَّق حفصةَ رضي الله عنها، ثم راجعها.
وروى قتادة عن أنس قال: طلَّق رسولُ الله # حفصة رضي الله عنها، فأتت
أهلها، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾. وقيل:
له: راجعها؛ فإنها صَوَّامةٌ قَوَّامة، وهي من أزواجك في الجنة. ذكره الماورديُّ(6)
(١) المحرر الوجيز ٣٢٢/٥، وزاد المسير ٢٨٧/٨.
(٢) زاد في الكشاف ١١٧/٤: أو ثلاث عشرة آية.
(٣) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٨١١/٤، والمحرر الوجيز ٣٢٢/٥.
(٤) برقم (٢٠١٦)، وسلف ٤/ ٥٥ .
(٥) في النكت والعيون ٢٨/٦ . وأخرجه ابن أبي حاتم ٣٣٥٩/١٠ (١٨٩٠٧). وأخرجه الطبري ٣٠/٢٣
عن قتادة مرسلاً. وقد سلف الحديث دون ذكر نزول الآية ١٧/ ١٢٠.

٢٧
سورة الطلاق: الآية ١
والقُشَيريُّ والثَّعْلِيُّ. زاد القُشيري: ونزل في خروجها إلى أهلها قولُه تعالى: ﴿لَا
تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾.
وقال الكَلْبِيّ (١): سبب نزول هذه الآيةِ غضبُ رسولِ الله﴾ على حفصة لمَّا أسرَّ
إليها حديثاً فأظهرته لعائشة، فطلَّقها تطليقةً، فنزلت الآية.
وقال السُّدِّيّ: نزلت في عبد الله بن عمر، طلَّق امرأته حائضاً تطليقةً واحدة،
فأمره رسولُ اللـه﴾ أن يراجعَها، ثم يُمسِكّها حتى تطهرَ وتحيضَ ثم تطهر، فإذا أراد
أن يطلِّقَها فليطلِّقها حين تطهر مِن قَبْل أنْ يجامعَها. فتلك العدَّةُ التي أمر اللهُ تعالى أن
يُطلَّقَ لها النساء(٢).
وقد قيل: إنَّ رجالاً فعلوا مثلَ ما فعل عبد الله بنُ عمر، منهم عبد الله بنُ عمرو
ابنِ العاص، وعمرو بن سعيد بنِ العاص، وعُتْبة بنُ غَزْوان، فنزلت الآية فيهم (٣).
قال ابن العربي: وهذا كلُّه وإن لم يكن صحيحاً، فالقولُ الأوَّلُ أمثل. والأصحُ
فيه أنه بيانٌ لشَرْعِ مبتدَأ. وقد قيل: إنه خطابٌ للنبيِّ # والمرادُ أمَّته. وغايَرَ بين اللفظين
مِن حاضرٍ وغائب، وذلك لغةٌ فصيحة، كما قال: ﴿حََّ إِذَا كُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم
بِيج طَنِبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. تقديره: يا أيها النبيُّ قل لهم: إذا طلَّقتم النساءَ فطلقوهنَّ
لعدَّتهنّ. وهذا هو قولُهم: إنَّ الخطاب له وحده، والمعنى له وللمؤمنين. وإذا أراد اللهُ
بالخطاب المؤمنين، لاطفه بقوله: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)). فإذا كان الخطابُ باللفظ والمعنى
جميعاً له، قال: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ))(٤).
(١) كلامه في تفسير أبي الليث ٣٧٣/٣ .
(٢) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٤٦٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٢٨٧/٦ - ٢٨٨ . وحديث
ابن عمر رضي الله عنهما سلف ٤/ ٤٠ ، وسيرد في المسألة السادسة، - وهو في الصحيحين - وليس فيه
سبب نزول الآية.
(٣) أخرجه هذا القول ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٢٩/٦ عن مقاتل، وفيه: طفيل بن الحارث،
بدل: عتبة بن غزوان. وذكره عن مقاتل أيضاً الرازي في تفسيره ٢٩/٣٠ ولم يذكر عبد الله بن عمرو.
(٤) أحكام القرآن ٤/ ١٨١١ - ١٨١٢.

٢٨
سورة الطلاق: الآية ١
قلت: ويدلُّ على صحة هذا القولِ نزولُ العِدَّةِ في أسماء بنتِ يزيد بنِ السَّكّن
الأنصارية(١). ففي كتاب أبي داود عنها: أنها ◌ُلِّقت على عهد النبيِّ ﴾، ولم يكن
للمطلَّقة عِدَّة، فأنزل الله تعالى حين طُلِّقت أسماءُ بالعِدَّة للطلاق، فكانت أوَّلَ مَن
أُنزل فيها العِدَّةُ للطلاق(٢).
وقيل: المراد به نداءُ النبيِّ :﴿ تعظيماً، ثم ابتدأ فقال: ((إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ))؛ كقوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]. فذكر
المؤمنين على معنى تقديمِهم وتكريمهم، ثم افتتح فقال: ﴿إِنَّمَا الْخَتُرُ وَالْمَّيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ
وَالْأَزْلَمُ﴾ الآية(٣).
الثانية: روى الثّعلبيُّ من حديث ابنِ عمر قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّ مِن أبغض
الحلالِ إلى الله تعالى الطلاق))(٤). وعن عليٍّ، عن النبيِّ# قال: «تزوَّجوا ولا
تطلِّقوا؛ فإنَّ الطلاق يهتزُّ منه العرش))(٥). وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﴾:
((لا تطلّقوا النساء إلَّا من رِيبة؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يحب الذوَّاقين ولا الذوَّاقات))(٦).
وعن أنس قال: قال رسول الله ﴾: ((ما حلف بالطلاق ولا استَحلف به إلا منافق))(٧).
(١) الأشهلية، أم عامر، وأم سلمة. بنت عمة معاذ بن جبل. من المبايعات المجاهدات. قَتلتْ يوم اليرموك
تسعةً. عاشت إلى دولة يزيد بن معاوية. السير ٢٩٦/٢ .
(٢) سنن أبي داود (٢٢٨١). قال المنذري في مختصره ٣/ ٨٧ : في إسناده إسماعيل بن عياش، وقد تكلم
فيه غير واحد.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٨١٢/٤.
(٤) وأخرجه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨) عن محارب بن دثار، عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وأخرجه أبو داود (٢١٧٧) عن محارب، مرسلاً. قال المنذري في مختصره ٩٢/٣ : المشهور فيه
المرسل، وهو غريب.
(٥) أخرجه ابن عدي في الكامل ١٧٦٤/٥، والخطيب في تاريخه ١٢/ ١٩١ ، ومن طريقه ابن الجوزي
في الموضوعات ١٨١/٢. وفيه عمرو بن جميع، قال الخطيب: يروي المناكير عن المشاهير
والموضوعات عن الأثبات.
(٦) أخرجه البزار (٣٠٦٤) و(٣٠٦٥) و(٣٠٦٦)، والطبراني في الأوسط (٧٨٤٤). قال عبد الحق: وليس
لهذا الحديث إسناد قوي. قال ابن القطان: صدق، بل هو مع ذلك منقطع. فيض القدير ٦/ ٤١١ .
(٧) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٣٩٣/٥٧ وقال: غريب جداً، وأورده السيوطي في الجامع الصغير =

٢٩
سورة الطلاق: الآية ١
أسند جمیعَه الثّعلميُّ رحمه الله في كتابه.
وروى الدَّارَقُظْنيُّ قال: حدّثنا أبو العباس محمد بنُ موسى بنٍ علي الدُّولابي
ويعقوبُ بنُ إبراهيم، قالا: حدَّثنا الحسن بنُ عرفة قال: حدَّثنا إسماعيل بنُ
عَيَّاش، عن حُميد بن مالك اللَّخْمِيّ، عن مَكْحول، عن معاذ بن جبل قال: قال لي
رسول الله: ((يا معاذ، ما خلق اللهُ شيئاً على وجه الأرض أحبَّ إليه من العِتاق،
ولا خلق اللهُ شيئاً [على وجه الأرض] أبغضَ من الطلاق. فإذا قال الرجل لمملوكه:
أنت حرٌّ إن شاء الله، فهو حرٌّ ولا استثناء له. وإذا قال الرجل لا مرأته: أنتِ طالقٌ [إن
شاء الله]، فله استثناؤه ولا طلاق عليه)). حدَّثنا محمد بن موسى بن عليٍّ قال: حدَّثنا
حميد بن الربيع قال: حدَّثنا يزيد بن هارون: حدَّثنا إسماعيل بن عَيَّاش؛ بإسناده
نحوَه. قال حميد: قال لي يزيد بن هارون، وأيُّ حديث لو كان حميد بنُّ مالك
معروفاً! قلت: هو جَدِّي. قال يزيد: سَرَرْتَنِي سَرَرْتَني! الآن صار حديثاً(١).
حذَّثنا عثمان بنُ أحمد الدَّقاق قال: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم بنِ سُنَين، حدثنا
عمر بن إبراهيم بن خالد، حدَّثنا حميد بن مالك اللَّخْميُّ، حدَّثنا مَكْحُول، عن مالك
ابن يَخامِر، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللـه ◌ِ﴾: «ما أحلَّ اللهُ شيئاً أبغضَ إليه
من الطلاق، فمن طلَّق واستثنى فله ثُنّياه))(٢).
قال ابن المنذر (٣): اختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعِثْق؛ فقالت طائفة: ذلك
جائز. وروينا هذا القول عن طاوس. وبه قال حمادٌ الكوفيُّ والشافعيُّ وأبو ثَوْر
وأصحابُ الرأي. ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالكٍ والأوزاعي. وهذا
= ٤٤٣/٥ (فيض القدير) ورمز لضعفه.
(١) سنن الدارقطني (٣٩٨٤) (٣٩٨٥). وما سلف بين حاصرتين منه. وحميد بن مالك اللخمي ضعَّفه
يحيى، وأبو زرعة، وغيرهما، وقال النسائي: لا أعلم روى عنه غير إسماعيل بن عياش. ميزان الاعتدال
٦١٦/١، ومكحول لم يسمع من أحد من أصحاب رسول الله ﴾ إلا من أنس ، كما في المراسيل
لابن أبي حاتم ص١٦٥ . وقد سلف جميعه ٥٦/٤ .
.(٢) سنن الدارقطني (٣٩٨٦)، وحميد بن مالك اللخمي ضعيف، كما سلف ذكره.
(٣) في الإشراف ١٨٦/٤، وقد سلف كلامه ٥٦/٤ - ٥٧ .

٣٠
سورة الطلاق: الآية ١
قول قتادةَ في الطلاق خاصَّة. قال ابن المنذر: وبالقول الأوَّلِ أَقول.
الثالثة: روى الدَّارَقُظْنيُّ(١) من حديث عبد الرزَّاق: أخبرني عَمِّي وَهْب بنُ نافع
قال: سمعت عكرمة يحدِّث عن ابن عباس يقول: الطلاق على أربعة وجوه: وجهان
حلالان، ووجهان حرامان؛ فأمَّا الحلال: فأَنْ يطلِّقَها طاهراً عن غير جماع، وأنْ
يطلِّقها حاملاً مُستبيناً حَمْلُها. وأما الحرام: فأنْ يطلِّقَها وهي حائض، أو يطلِّقَها حين
يجامعُها، لا يدري؛ أشتمل الرَّحِمُ على وَلَدٍ أم لا.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ في كتاب أبي داود: عن أسماء بنتِ
يزيد بنِ السَّكّن الأنصارية: أنَّها طُلِّقت على عهد النبيِّ ﴾ ولم يكن للمطلَّقة عِدَّة،
فأنزل اللهُ سبحانه حين طلِّقت أسماءُ بالعِدَّة للطلاق؛ فكانت أوَّلَ مَن أُنزل فيها العِدَّةُ
للطلاق. وقد تقدَّم(٢).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿لِعِدَّتِنَّ﴾ يقتضي أنهن اللاتي دُخل بهنَّ من الأزواج؛
لأن غيرَ المدخول بهن خرجن بقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُرَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَذُونَهَا﴾(٣) [الأحزاب: ٤٩].
السادسة: مَن طلَّق في طُهْر لم يجامع فيه، نَفَذ طلاقُه وأصاب السُّنَّة. وإن طلَّقها
حائضاً، نفذ طلاقه وأخطأ السُّنة. وقال سعيد بن المسيّب في آخرين(٤): لا يقع
الطلاق في الحيض لأنه خلافُ السنة. وإليه ذهبت الشّيعة.
وفي الصحيحين - واللفظ للدَّارَقُظْنيّ(٥) - عن عبد الله بن عمر قال: طلَّقتُ
امرأتي وهي حائض؛ فذكر ذلك عمرُ لرسول اللـه ﴾، فتغيَّظ رسولُ اللـه ◌ُ﴾، فقال:
(١) في سننه (٣٨٩٠).
(٢) في المسألة الأولى.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٨١٢/٤.
(٤) في (د) و(م): أخرى.
(٥) صحيح البخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١). وسنن الدارقطني (٢٨٩٦)، وسلف ٤/ ٤٠ بنحوه.

٣١
سورة الطلاق: الآية ١
((ليراجعْها، ثم لْيُمسكُها حتى تحيضَ حيضةً مستقبلةً سوى حيضتها التي طلَّقها فيها،
فإن بدًا له أن يطلِّقَها، فليطلقها طاهراً من حيضتها قبل أن يَمَسَّها؛ فذلك الطلاقُ
والعِدة كما أمر الله)). وكان عبد الله بن عمر طلَّقها تطليقة، فحُسبت من طلاقها،
وراجعها عبد الله بنُ عمر كما أمره رسولُ الله ﴾.
في رواية (١) عن ابن عمر: أنَّ رسول الله:﴿ قال: ((هي واحدة)). وهذا نصٌّ. وهو
يردُّ على الشّيعة قولَهم.
السابعة: عن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السُّنَّة أن يطلِّقَها في كل طهرٍ
تطليقة؛ فإذا كان آخرُ ذلك، فتلك العِدَّةُ التي أمر اللهُ تعالى بها. رواه الدَّارَ قُطْنيُ(٢)
عن الأعْمَش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله.
قال علماؤنا: طلاق السنة ما جمع شروطاً سبعة: وهو أن يطلِّقها واحدة، وهي
ممن تحيض، طاهراً، لم يَمَسَّها في ذلك الطهر، ولا تقدَّمه طلاقٌ في حيض، ولا
تَبِعه طلاق في طُهْر يتلوه، وخلا عن العِوَض. وهذه الشروط السبعة من حديث ابنِ
عمر المتقدِّم.
وقال الشافعي: طلاق السنة أن يطلقها في كل ◌ُهْرٍ خاصَّةً، ولو طلقها ثلاثاً في
ظُهْر لم يكن بِدْعة.
وقال أبو حنيفة: طلاق السنة أن يطلِّقَها في كل طهرٍ طلقة.
وقال الشعبي: يجوز أن يطلِّقها في طهر جامعها فيه.
فعلماؤنا قالوا: يطلِّقها واحدةً في طُهْر لم يَمَسَّ فيه، ولا تبعه طلاقٌ في عِدَّة،
ولا يكون الظهر تالياً لحيض وقع فيه الطلاق؛ لقول النبيِّ ﴾: ((مُرْهُ فليراجعها، ثم
ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق. فتلك
العِدَّةُ التي أمر الله أن يطلّق لها النساء)). وتعلَّق الإمام الشافعيُّ بظاهر قولِه تعالى:
(١) عند الدار قطني (٣٩١٥).
(٢) في سننه (٣٨٩١).

٣٢
سورة الطلاق: الآية ١
﴿فَطَلْقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. وهذا عامٌّ في كل طلاق، كان واحدةً أو اثنتين أو أكثر، وإنما
راعى اللهُ سبحانه الزمانَ في هذه الآية ولم یعتبر العدد. وكذلك حديث ابنِ عمر؛ لأن
النبيَّ :﴿ علَّمه الوقت لا العدد.
قال ابن العربي(١): وهذه غفلةٌ عن الحديث الصحيح؛ فإنه قال: ((مُرْهُ
فليراجعها)). وهذا يدفع الثلاث. وفي الحديث أنه قال: أرأيتَ لو طلَّقها ثلاثاً؟ قال:
حَرُمت عليك، وبانت منك بمعصية(٢).
وقال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدلُّ على أنَّ الطلاق الثلاث والواحدةَ سواء - وهو
مذهب الشافعيِّ - لولا قولُه بعد ذلك: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. وهذا
يُبطل دخولَ الثلاث تحت الآية. وکذلك قال أکثر العلماء؛ وهو بدیعٌ لهم.
وأما مالكٌ فلم يَخْفَ عليه إطلاقُ الآية كما قالوا، ولكنَّ الحديث فسَّرها كما
قلنا. وأما قول الشعبيّ: إنه يجوز طلاقٌ في ظُهر جامعها فيه، فيردُّه حديثُ ابن عمر
بنصِّه ومعناه. أمَّا نَصُّه فقد قدمناه، وأمَّا معناه؛ فلأنه إذا منع من طلاق الحائض لعدم
الاعتداد به، فالطهر المجامَع فيه أولى بالمنع؛ لأنه يسقط الاعتداد به؛ مَخافةً شغل
الرَّحِم، وبالحيض التالي له.
قلت: وقد احتجَّ الشافعيُّ في طلاق الثلاث بكلمة واحدة بما رواه الدَّارَ قُطنيُّ عن
سلمة بن أبي سلمة بنِ عبد الرحمن، عن أبيه: أنَّ عبد الرحمن بنَ عَوف طلَّق امرأته
تُماضِر بنتَ الأصبغ الكلبية - وهي أمُّ أبي سلمة - ثلاثَ تطليقات في كلمة واحدة؛
فلم يبلغنا أنَّ أحداً من أصحابه عاب ذلك. قال: وحدَّثنا سَلمة بنُ أبي سلمة، عن
أبيه: أنَّ حفص بن المُغِيرة(٣) طلَّق امرأته فاطمة بنت قيس على عهد رسولِ الله ﴾
(١) في أحكام القرآن ١٨١٤/٤، وما قبله منه.
(٢) هو قطعة من حديث ابن عمر أخرجه الدارقطني (٣٩٦٧) و(٣٩٧٤)، وأخرجه بنحوه أيضاً (٣٩٢٧) من
قول ابن عباس ، وقد ساق المصنف لفظ الحديث من أحكام القرآن .
(٣) هو أبو عمرو بن حفص بن المغيرة، القرشي المخزومي، وقيل: أبو حفص بن عمرو بن المغيرة.
واختلف في اسمه، فقيل: أحمد، وقيل: عبد الحميد، وقيل: اسمه كنيته. الإصابة ٢٦٦/١١ . وسيأتي
ذكره في المسألة الثانية عشرة.

٣٣
سورة الطلاق: الآية ١
ثلاث تطليقات في كلمة؛ فأبانها منه رسولُ الله ﴾، ولم يبلغنا أنَّ النبيَّ # عاب ذلك
عليه(١).
واحتجَّ أيضاً بحديث عُوَيْمِرِ العَجْلانِيِّ(٢) لَمَّا لاعن، قال: يا رسول الله، هي
طالق ثلاثاً، فلم ينكر عليه النبيُّ﴾. وقد انفصل علماؤنا عن هذا أحسنَ انفصال. بيانُه
في غير هذا الموضع. وقد ذكرناه في كتاب ((المقتبس من شرح مُوَّأ مالك بن أنس)).
وعن سعيد بن المسيب وجماعةٍ من التابعين أنَّ من خالف السنة في الطلاق،
فأوقعه في حيض أو ثلاث، لم يقع؛ وشبَّهوه بمن وكِّل بطلاق السُّنة فخالف(٣).
الثامنة: قال الجُرْجَانيّ: اللام في قوله تعالى: ((لِعِدّتِهِنّ)) بمعنى في؛ كقوله
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ مِن دِيَِّهِمْ لِأَوَّلِ الْخَشْرِ ﴾ [الحشر: ٢].
أي: في أوَّل الحشر. فقوله: ((لِعِدَّتِهِنَّ)) أي: في عِدَّتهن؛ أي: في الزمان الذي يصلح
لعدَّتهن. وحصل الإجماع على أنَّ الطلاق في الحيض ممنوع، وفي الطهر مأذونٌ فيه.
ففيه دليلٌ على أنَّ القَرْء هو الظهر. وقد مضى القولُ فيه في ((البقرة))(٤).
فإن قيل: معنى ((فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ) أي: في قُبُل عدتهن، أو لِقُبُل عدَّتهن. وهي
قراءةُ النبيِّ ﴾؛ كما قال ابن عمر في صحيح مسلم(٥) وغيره. فقُبُل العِدَّة آخرُ الظُّهر،
حتى يكونَ القَرءُ الحيض. قيل له: هذا هو الدليلُ الواضح لمالك ومَن قال بقوله؛
على أنَّ الأقراء هي الأطهار. ولو كان كما قال الحنفيُّ ومَن تبعه، لَوجب أنْ يقال: إنَّ
مَن طلَّق في أوَّل الظُهر لا يكون مطلقاً لقُبُل الحيض، لأن الحيض لم يُقبِل بعد.
وأيضاً إقبالُ الحيض يكون بدخول الحيض، وبانقضاء الظُهر لا يتحقق إقبالُ الحيض.
(١) سنن الدارقطني (٣٩٢١) (٣٩٢٢).
(٢) سلف ١٥/ ١٥٧.
(٣) الكشاف ١١٨/٤.
(٤) ٣٧/٤ فما بعد.
(٥) برقم (١٤٧١): (١٤). وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٥٨، وابن جني في المحتسب
٣٢٣/٢.

٣٤
سورة الطلاق: الآية ١
ولو كان إقبال الشيءٍ إدبارَ ضدِّه، لَكان الصائمُ مفطِراً قبل مغيب الشمس؛ إذ الليلُ
يكون مقبلاً في إدبار النهار قبل انقضاء النهار. ثم إذا طلَّق في آخر الظُّهر، فبقيّةُ الظهر
قَرْء، ولأن بعض القَرْء يسمَّى قَرءاً، كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَنٌ﴾
[البقرة: ١٩٧] يعني شوَّالاً وذا القَعدة وبعضَ ذي الحِجَّة؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى
يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وهو يَنْفِر في بعض اليوم الثاني. وقد مضى هذا كلُّه
في ((البقرة)) مستوفّی.
التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَأَحْصُواْ الْعِدَّةً﴾ يعني: في المدخول بها؛ لأنَّ غير
المدخول بها لا عِدَّة عليها، وله أن يراجعَها فيما دون الثلاثِ قبل انقضاء العِدَّة،
ويكونُ بعدها كأحد الخُطَّاب. ولا تحلُّ له في الثلاث إلَّا بعد زوج (١).
العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَحْصُواْ الْمِذَّةٌ﴾ معناه: احفظوها؛ أي: احفظوا الوقتَ
الذي وقع فيه الطلاق، حتى إذا انفصل المشروطُ منه - وهو الثلاثةُ قروءٍ في قوله
تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] - حَلَّت للأزواج. وهذا
يدلُّ على أنَّ العِدَّة هي بالأطهار، وليست بالحيض. ويؤكّده ويفسِّره قراءةُ النبيِّ ﴾:
(لقُبُل عِدّتهن))؛ وقُبُل الشيء بعضُه، لغةً وحقيقةً، بخلاف استقباله، فإنه يكون غيرَه(٢).
الحادية عشرة: مَن المخاطَبُ بأمر الإحصاء؟ وفيه ثلاثةُ أقوال: أحدها: أنهم
الأزواج. الثاني: أنهم الزوجات. الثالث: أنهم المسلمون. ابنُ العربيّ(٣): والصحيح
أنَّ المخاطَب بهذا اللفظِ الأزواج؛ لأنَّ الضمائر كلَّها مِن ((طَلّقتم)) و((أَخْصُوا)) و((لَا
تُخْرِجُوهُنَّ) على نظام واحدٍ يرجع إلى الأزواج، ولكنَّ الزوجاتِ داخلٌ فيه بالإلحاق
بالزوج؛ لأن الزوج يُخْصِي ليراجع، ويُنفقَ أو يقطعَ، وليُسكِنَ أو يُخْرِج، وليُلْحِقَ
نَسَبَه أو يقطع. وهذه كلَّها أمورٌ مشتركة بينه وبين المرأة، وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك.
(١) النكت والعيون ٢٩/٦ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨١٤ .
(٣) في أحكام القرآن ١٨١٤/٤ - ١٨١٥، وما قبله منه.

٣٥
سورة الطلاق: الآية ١
وكذلك الحاكمُ يفتقر إلى الإحصاء للعدَّة؛ للفتوى عليها، وفصل الخصومة عند
المنازعة فيها. وهذه فوائدُ الإحصاء المأمور به.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ أي: لا تَعصوه. ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ
مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ أي: ليس للزوج أن يُخرِجَها من مسكن النكاحِ ما دامت في العِدَّة، ولا
يجوز لها الخروجُ أيضاً؛ لحقِّ الزوج، إلَّا لضرورةٍ ظاهرة، فإنْ خرجت أَثِمت(١)،
ولا تنقطع العِدَّة. والرجعيةُ والمَبْتُوتة في هذا سواء. وهذا لصيانة ماءِ الرجل. وهذا
معنى إضافةِ البيوتِ إليهنّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ
وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، فهو
إضافةُ إسكان، وليس إضافةً تمليك. وقولُه: ((لَا تُخْرِ جُوهُنَّ» يقتضي أن يكونَ حقًّا
على الأزواج. ويقتضي قولُه: ((وَلَا يَخْرُجْنَ)) أنه حقٌّ على الزوجات(٢).
وفي صحيح الحديثِ عن جابر بن عبد الله قال: طُلِّقت خالتي، فأرادت أن تَجُدَّ
نخلَها، فزَجرَها رجل أن تخرج؛ فأتت النبيَّ ﴾، فقال: ((بلى فَجُدِّي نخلكِ؛ فإنكِ
عسى أنْ تَصَدَّقي أو تفعلي معروفاً)). خرَّجه مسلم(٣).
ففي هذا الحديثِ دليلٌ لمالك والشافعيِّ وابنٍ حنبل واللَّيثِ على قولهم: إنَّ
المعتدَّة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تَلزم منزلَها بالليل. وسواءٌ عند مالك كانت
رجعِيَّة أو بائنة.
وقال الشافعيُّ في الرجعية: لا تخرج ليلاً ولا نهاراً، وإنما تخرج نهاراً المَبْتُوتَةُ.
وقال أبو حنيفة: ذلك في المُتَوَفَّى عنها زوجُها، وأما المطلّقة فلا تخرج لا ليلاً
ولا نهاراً (٤). والحديث يردُّ عليه.
(١) الوسيط للواحدي ٤/ ٣١٢ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨١٧ .
(٣) صحيح مسلم (١٤٨٣)، وهو عند أحمد (١٤٤٤٤).
(٤) المفهم ٢٧٩/٤ .

٣٦
سورة الطلاق: الآية ١
وفي الصحيحين أنَّ أبا حفص بنَ عمرٍو خرج مع عليٍّ بن أبي طالب إلى اليمن،
فأرسل إلى امرأته فاطمةَ بنتِ قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارثَ
ابنَ هشام وعَيَّاش بنَ أبي ربيعة بنفقةٍ؛ فقالا لها: واللهِ ما لَك مِن نفقة إلّا أن تكوني
حاملاً. فأتتِ النبيَّ ﴾، فذكرت له قولَهما. فقال: ((لا نفقةً لكِ))، فاستأذنته في
الانتقال، فأَذِن لها؛ فقالت: أين يا رسولَ الله؟ فقال: ((إلى ابن أمِّ مَكْتُوم))، وكان
أعمى، تضع ثيابَها عنده ولا يراها. فلما مضت عِدَّتُها أَنكحها النبيُّ # أسامة بن زيد.
فأرسل إليها مروانُ قَبيصةَ بن ذُؤَيب يسألها عن الحديث، فحدَّثته. فقال مَرْوان: لم
نسمع هذا الحديثَ إلَّا من امرأة، سنأخذ بالعِضْمة التي وَجَدْنا الناسَ عليها. فقالت
فاطمة حين بلَغها قولُ مروان: فبيني وبينكم القرآن، قال الله عزَّ وجلَّ: ((لَا
تُخْرِجُوهُنّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ)) الآية، قالت: هذا لمن كانت له رجعة؛ فأيُّ أمرٍ يَحْدُث بعد
الثلاث؟ فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً، فعلامَ تحبسونها؟ لفظُ
مسلم(١).
فبيّن أنَّ الآية في تحريم الإخراج والخروجِ إنما هو في الرجعية(٢). وكذلك
استدلَّت فاطمة بأنَّ الآية التي تليها إنما تضمَّنت النَّهيَ عن خروج المطلّقةِ الرجعية؛
لأنها بصدد أن يحدُثَ لمطلِّقها رأيٌ في ارتجاعها ما دامت في عِدَّتها؛ فكأنها تحت
تصرف الزوجِ في كل وقت. وأما البائن، فليس له شيءٌ من ذلك؛ فيجوز لها أن تَخرُجَ
إذا دعتها إلى ذلك حاجة، أو خافت عورةً منزلها؛ كما أباح لها النبيُّ # ذلك(٣).
وفي مسلم(٤): قالت فاطمة: يا رسول الله، زَوْجي طلَّقني ثلاثاً، وأخاف أن
يُقْتَحمَ عليّ. قال: فأمرها فتحوَّلت.
(١) صحيح مسلم (١٤٨٠): (٤١)، وهو عند أحمد (٢٧٣٣٧). ولم نقف عليه عند البخاري.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٨١٨/٤.
(٣) المفهم ٤/ ٢٧٧ .
(٤) صحيح مسلم (١٤٨٢).

٣٧
سورة الطلاق: الآية ١
وفي البخاريِّ(١) عن عائشة: أنها كانت في مكانٍ وَحْش، فخيف على ناحيتها؛
فلذلك أرخص النبيُّ # لها.
وهذا كلُّه يردُّ على الكوفيِّ قولَه. وفي حديث فاطمة: أنَّ زوجها أرسل إليها
بتطليقة كانت بقيت من طلاقها؛ فهو حُجَّةٌ لمالك، وحجة على الشافعيّ(٢)، وهو
أصحُّ من حديث سلمة بنِ أبي سلمة، عن أبيه: أنَّ حفص بنَ المغيرة طلَّق امرأته
ثلاثَ تطليقات في كلمة؛ على ما تقدَّم(٣).
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِلََّ أَن يَأْتِيَنَ بِفَحِشَةٍ مَُّهِنَةٍ﴾ قال ابن عباس وابن
عمر والحسنُ والشَّغْبيُّ ومجاهد: هو الزِّنَى؛ فتُخرج ويُقام عليها الحدّ(٤).
وعن ابن عباس أيضاً والشافعيّ: أنه البذاءُ على أحمائها؛ فَيَحِلُّ لهم
إخراجُها(٥). وروي عن سعيد بن المسيّب أنه قال في فاطمة: تلك امرأةٌ استطالت
على أحمائها بلسانها؛ فأمرها عليه الصلاة والسلام أن تنتقل(٦). وفي كتاب أبي
داود(٧): قال سعيد: تلك امرأة فَتنت الناس، إنها كانت لَسِنَةً؛ فوُضِعَتْ على يدي
ابنِ أمِّ مكتومٍ الأعمى.
قال عكرمة: في مصحف أُبَيّ: ((إِلَّا أَنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكُمْ))(٨). ويقوِّي هذا أنَّ محمد
ابنَ إبراهيم بنِ الحارث روى أنَّ عائشة قالت لفاطمة بنت قيس: اتقِّ اللهَ؛ فإنكِ
(١) صحيح البخاري (٥٣٢٦).
(٢) في (د): وحجة للشافعي.
(٣) في المسألة السابعة.
(٤) أخرجه الطبري ٣٢/٢٣ - ٣٣ عن الحسن والشعبي ومجاهد. وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن
ابن عباس كما في الدر المنثور ٢٣١/٦. ونسبه لابن عمر صاحب المفهم ٤/ ٢٧٠ .
(٥) النكت والعيون ٢٩/٦، وأخرجه عن ابن عباس الطبري ٣٤/٢٣.
(٦) أخرجه الشافعي في الأم ٢١٧/٥ - ٢١٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٦٩/٣ .
(٧) برقم (٢٢٩٦).
(٨) ذكره ابن عطية ٣٢٣/٥، دون نسبة.

٣٨
سورة الطلاق: الآية ١
تعلمين لِمَ أُخرجتٍ؟(١).
وعن ابن عباس أيضاً: الفاحشة كلُّ معصية، كالزِّنى والسرقةِ والبذاء على الأهل.
وهو اختيار الطَّبَري(٢).
وعن ابن عمر أيضاً والسُّدِّيّ: الفاحشة خروجُها من بيتها في العِدَّةَ(٣). وتقدير
الآية: إلَّا أنْ يأتين بفاحشة مبيِّنة بخروجهنَّ من بيوتهنَّ بغير حقّ؛ أي: لو خرجت
كانت عاصية(٤).
وقال قتادة: الفاحشة النُّشوز، وذلك أن يطلِّقها على النشوز، فتتحوَّلَ عن بيته(٥).
قال ابن العربي: أمَّا من قال: إنه الخروجُ للزِّنى، فلا وجهَ له؛ لأن ذلك الخروجَ
هو خروجُ القتل والإعدام، وليس ذلك بمستثنّى في حلال ولا حرام. وأما مَن قال:
إنه البذاء؛ فهو مفسَّر (٦) في حديث فاطمة بنتٍ قيس. وأما من قال: إنه كلٌّ معصية،
فوهم؛ لأن الغِيبة ونحوَها من المعاصي لا تُبيح الإخراجَ ولا الخروج. وأما مَن قال:
إنه الخروج بغير حقّ؛ فهو صحيح، وتقدير الكلام: لا تُخرجوهنَّ من بيوتهن ولا
يَخرجن شرعاً إلَّا أنْ يخرجن تعدِّياً.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الَّهِ﴾ أي: هذه الأحكامُ التي بيَّنها
أحكامُ الله على العباد، وقد منع التجاوزَ عنها، فمن تجاوز فقد ظلم نفسه وأوردها
مورد الهلاك.
﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ الأمر الذي يُحدِثه اللهُ أن يقلِّب قلبه من
(١) أخرجه الشافعي في الأم ٢١٧/٥، ومن طريقه البيهقي ٧/ ٤٣٣ .
(٢) في تفسيره ٣٦/٢٣، وأخرج أثر ابن عباس ص٣٤ .
(٣) أخرجه عن ابن عمر عبد الرزاق في المصنف (١١٠١٩)، وعن السدي الطبري ٣٥/٢٣.
(٤) ينظر النكت والعيون ٢٩/٦ .
(٥) أخرجه الطبري ٣٥/٢٣ .
(٦) في أحكام القرآن ١٨١٩/٤: معتبر.

--
٣٩
سورة الطلاق: الآيات ١ - ٣
بُغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم
عليه؛ فيراجعها(١).
وقال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبةَ في الرجعة. ومعنى القول التحريضُ
على طلاق الواحدةِ والنهيُ عن الثلاث؛ فإنه إذا طلَّق ثلاثاً، أضرَّ بنفسه عند الندم
على الفراق، والرغبةِ في الارتجاع، فلا يجدُ عند [إرادة] الرجعة سبيلاً(٢). وقال
مقاتل: ((بَعْدَ ذَلِكَ)) أي: بعد طلقة أو طلقتين، ((أَمْراً)) أي: المراجعة من غير خلاف.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍّ وَأَشْهِدُواْ
ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِلَهِ
وَلْيَّوْمِ الْآَخِرِّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ نَخْرَجًا * وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَنْ
يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهٍ قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربنَ انقضاءَ العِدَّةِ(٣)؛ كقوله تعالى:
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْتِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ◌َأَمْسِكُهُنَ﴾ [البقرة: ٢٣١] أي: قَرُبن من انقضاء الأجل.
﴿َنِكُنَ يِمِعْرُوفٍ﴾ يعني المراجعة بالمعروف؛ أي: بالرغبةِ من غير قصد المضارَّةِ
في الرجعة تطويلاً لعِذَّتها. كما تقدَّم في ((البقرة)) (٤). ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي:
اتركوهنَّ حتى تنقضيَ عِدَّتُهنَّ فيَملِكْنَ أنفسَهنّ.
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ما يوجب أن يكونَ القولُ قولَ المرأة في
انقضاء العِدَّةِ إذا ادَّعت ذلك(٥)، على ما بيَّناه في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَلَا
يَحِلُ لَنَ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَزْحَامِهِنَ﴾ (٦) [البقرة: ٢٢٨] الآية.
(١) الكشاف ١١٩/٤ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٢٠، وما بين حاصرتين منه.
(٣) الوسيط ٣١٢/٤، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٢٠.
(٤) ٤ / ١٠١ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٢١.
(٦) ٤/ ٤٤ .

٤٠
سورة الطلاق: الآيتان ٢ - ٣
قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدٍ مِنگ۴﴾ فیه ◌ِتُّ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوّا﴾ أمْرٌ بالإشهاد على الطلاق. وقيل: على
الرجعة. والظاهر رجوعُه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. فإنْ راجع من غير إشهاد، ففي
صحة الرجعةِ قولان للفقهاء(١). وقيل: المعنى: وأشهِدوا عند الرجعة والفُرْقة جميعاً.
وهذا الإشهاد مندوبٌ إليه عند أبي حنيفة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُرَّ﴾
[البقرة: ٢٨٢]. وعند الشافعيِّ واجبٌ في الرجعة، مندوبٌ إليه في الفُرقة. وفائدة
الإشهاد ألَّ يقعَ بينهما التجاحد، وألّا يُتَّهَم في إمساكها، ولئلا يموتَ أحدُهما فيدَّعيَّ
الباقي ثبوتَ الزوجية لِيرِث(٢).
الثانية: الإشهاد عند أكثر العلماء على الرَّجْعة نَذْب، وإذا جامع أو قَبَّل أو باشر
يريد بذلك الرجعة، وتكلّم بالرجعة يريد به الرجعة، فهو مراجعٌ عند مالك، وإن لم
يُرد بذلك الرجعةَ فليس بمراجع.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قَبَّل أو باشر أو لمسَ(٣) بشهوة، فهو رجعة. قالوا:
والنظرُ إلى الفَرْج رجعة.
وقال الشافعيُّ وأبو ثَوْر: إذا تكلّم بالرجعة فهو رجعة.
وقد قيل: وَظْؤُه مراجعةٌ على كل حال، نواها أو لم ينوِها. وروي ذلك عن طائفة
من أصحاب مالك. وإليه ذهب اللَّيث. وكان مالك يقول: إذا وَطِئ ولم ينوِ الرجعة،
فهو وَطءٌ فاسد؛ ولا يعودُ لوطئها حتى يستبرئَها من مائه الفاسد، وله الرجعةُ في بقية
العِدَّةِ الأولى، وليس له رجعةٌ في هذا الاستبراء.
الثالثة: أَوجبَ الإشهادَ في الرجعة أحمد بن حنبل في أحد قوليه، والشافعيُّ
(١) النكت والعيون ٣٠٠/٦.
(٢) الكشاف ١١٩/٤، وتفسير الرازي ٣٤/٣٠، وسيأتي مزيد كلام عليه في المسألة الثالثة.
(٣) في (خ) و(م): لامس، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الإشراف ٣٠٣/٤،
والاستذكار ٦٢/١٨. وقد سلف الكلام على هذه المسألة ٤/ ٤٧ - ٤٩ .