Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
سورة الجمعة: الآية ١١
عليهم الجمعة. ومال أحمد وإسحاق إلى هذا القول ولم يشترطا هذه الشروط(١).
وقال مالك: إذا كانت قرية فيها سوق ومسجد، فعليهم الجمعة من غير اعتبار عدد(٢).
وكتب عمر بن عبد العزيز: أيُّ قرية اجتمع فيها ثلاثون بيتاً، فعليهم الجمعة.
وقال أبو حنيفة: لا تجب الجمعة على أهل السَّواد والقرى، لا يجوز لهم إقامتها
فيها. واشترط في وجوب الجمعة وانعقادها: المِصر الجامع والسلطان القاهر
والسوق القائمة والنهر الجاري. واحتجَّ بحديث عليٍّ: لا جمعة ولا تشريق إلا في
مصر جامع، ورفقة تعينهم (٣).
وهذا يردُّه حديث ابن عباس، قال: إنَّ أوَّل جمعة جُمِّعت بعد جمعة في مسجد
رسول الله # بقرية يقال لها: جُوَاثى، من قرى البحرين(٤). وحجّة الإمام الشافعيِّ في
الأربعين حديث جابر المذكور الذي خرَّجه الدَّارَقُظْنيُّ(٥).
وفي ((سنن ابن ماجه)) والدَّارَقُظْنيّ أيضاً و ((دلائل النبوَّة)) للبَيْهَقيِّ عن عبد الرحمن
ابن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصرُه، فإذا خرجتُ به إلى
الجمعة، فسمع الأذان، صلَّى على أبي أمامة واستغفرَ له، قال: فمكث كذلك حيناً
لا يسمعُ الأذان بالجمعة إلا فعل ذلك، فقلت له: يا أبةٍ، استغفارُك لأبي أمامة كلَّما
سمعتَ أذان الجمعة، ما هو؟ قال: أي بُنَيَّ، هو أوَّلُ من جَمَّع بالمدينة في هَزْم من
(١) الأوسط لابن المنذر ٢٨/٤، وقول أحمد في مسائله برواية ابن هانئ ٨٨/١.
(٢) النوادر والزيادات للقيرواني ٤٥١/١-٤٥٢ .
(٣) المسألة في بدائع الصنائع ١٨٨/٢ -١٩٠، والمبسوط ١٢٠/٢-١٢١، وقول علي أخرجه عبد الرزاق
في المصنف ١٦٧/٣، وابن أبي شيبة ١٠١/٢ دون قوله: ورفقة تعينهم. قال ابن حجر في الكافي
الشاف ص١٧١ : وإسناده ضعيف.
(٤) سلف ص٤٦٣ من هذا الجزء.
(٥) برقم (١٥٧٩) وأخرجه أيضاً البيهقي في السنن الكبرى ١٧٧/٣، وقال: تفرَّد به عبد العزيز القرشي،
وهو ضعيف، ولفظه: مضت السُّنَّة أن في كل ثلاثة إماماً، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة
وأضحى وفطراً، وذلك أنهم جماعة. وينظر المجموع للنووي ٣٧١/٤ .

٤٨٢
سورة الجمعة: الآية ١١
حَرَّة بني بَيَاضة، يقال له: نَقيع الخَضِمات. قال: قلت: كم أنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون
رجلاً(١).
وقال جابر بن عبد الله: مضت السُّنة أنَّ في كلِّ ثلاثة إماماً، وفي كلِّ أربعين فما
فوق ذلك جمعة وأَضْحَى وفِطرًا، وذلك أنَّهم جماعة. خرَّجه الدَّارَ قُطْنيُّ(٢).
وروى أبو بكر أحمد بن سليمان النَّجَّاد: قرئ على عبد الملك بن محمد الرّقاشي
وأنا أسمع، حدَّثني رجاء بن سلمة، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا رَوْح بن غُطيف
الثَّقفيُّ، قال: حدَّثني الزُّهرِيُّ، عن أبي سلمة قال: قلت لأبي هريرة: على كم تجب
الجمعة من رجل؟ قال: لما بلغ أصحاب رسول الله # خمسين رجلاً جمَّع بهم
رسول الله ﴾. قُرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع، قال: حدَّثنا رجاء بن
سلمة، قال: حدَّثنا عَبَّاد بن عَبَّاد المُهَلَّبيُّ، عن جعفر بنِ الزبير، عن القاسم، عن أبي
أمامة، قال: قال رسول الله#: ((تجب الجمعة على خمسين رجلاً، ولا تجب على
من دون ذلك))(٣).
قال ابن المنذر(٤): وكتب عمر بن عبد العزيز: أيّما قريةٍ اجتمع فيها خمسون
رجلاً، فليصلُّوا الجمعة.
وروى الزّهريُّ عن أمِّ عبد الله الدَّوسِيَّة قالت: قال رسول الله ﴾: ((الجمعة
واجبة على كلِّ قرية، وإن لم يكن فيها إلا أربعة)). يعني: بالقُرَى: المدائن. لا يصحُّ
(١) ابن ماجه (١٠٨٢)، والدار قطني (١٥٨٥)، ودلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٤٤١، وأخرجه أيضاً أبو داود
(١٠٦٩). وحسَّن إسناده ابن حجر في التلخيص الحبير ٥٦/٢ وقال: حرة بني بياضة: قرية على ميل من
المدينة، ونقيع الخضمات: موضع معروف.
(٢) سلف تخريجه قريباً.
(٣) أوردهما هكذا ابن قدامة في المغني ٣/ ٢٠٤ عن أبي بكر النَّجاد بإسناده عنهما، وأخرج الثاني أيضاً
الدار قطني في السنن (١٥٨٠) من طريق خالد بن الهيَّاج، عن أبيه، عن جعفر بن الزبير، به. وقال بعده:
جعفر بن الزبير متروك. اهـ. وأورده أيضاً الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب ٢/ ٦٥ .
(٤) في الأوسط له ٢٨/٤، وأورده أيضاً مالك في المدونة ١/ ١٥٣، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى
١٧٨/٣ ٠

٤٨٣
سورة الجمعة: الآية ١١
هذا عن الزهريِّ. في رواية: ((الجمعة واجبة على أهل كلِّ قرية، وإن لم يكونوا إلا
ثلاثة رابعهم إمامهم)). [الزهري] لا يصحُّ سماعه من الدَّوسية. والحكم [هذا]
متروك(١).
الثالثة: وتصحّ الجمعة بغير إذن الإمام وحضوره. وقال أبو حنيفة: من شرطها
الإِمام أو خليفته(٢). ودليلنا أنَّ الوليد بن عُقْبة والي الكوفة أبطأ يومًا، فصلَّى ابن
مسعود بالناس من غير إذنه (٣). ورُوِيَ أنَّ عليًّا صلَّى الجمعة يوم حصِر عثمان ولم يُنقل
أنَّه استأذنه(٤). وروي أنَّ سعيد بن العاصي والي المدينة لما خرج من المدينة، صلَّى
أبو موسى بالناس الجمعة من غير استئذان(٥). وقال مالك(٦): إنَّ للهِ فرائض في أرضه
(١) سنن الدارقطني (١٥٩٢) و(١٥٩٤)، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً من طريقه البيهقي في السنن
الكبرى ١٧٩/٣ .
(٢) بدائع الصنائع ٢/ ١٩٢ .
(٣) أخرجه أحمد (٤٢٩٨)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٢٤/٣، وفي الدلائل ٣٩٧/٦ من طريق القاسم
ابن عبد الرحمن، عن أبيه: أن الوليد بن عقبة أخَّر الصلاة مرَّة، فقام عبد الله بن مسعود فثوَّب
بالصلاة، فصلى بالناس ... الخبر.
وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في المصنف (٣٧٩٠)، والطبراني في الكبير (٩٥٠٠) من طريق القاسم بن
عبد الرحمن أنه قال: أخَّر الوليد بن عقبة الصلاة مرَّة .... الخبر مرسلاً، ولم يذكر فيه: عبد الرحمن بنّ
عبد الله بن مسعود. قال الهيثمي في مجمع الزوائد١/ ٣٢٤: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله
ثقات. اهـ. ولم يذكر أنه عند الطبراني مرسل.
(٤) أورده ابن قدامة في المغني ٢٠٦/٣-٢٠٧، لكن جاء عن ابن عبد البر في التمهيد ٢٩٢/١٠،
والاستذكار ٧/ ٣٥ أنه قال: وقد صلَّى بالناس - في حين حصار عثمان - جماعة من الفضلاء الجِلَّة
منهم: أبو أيوب الأنصاري، وطلحة، وسهل بن حنيف، وأبو أمامة بن سهل وغيرهم، وصلَّى بهم علي
ابن أبي طالب ﴾ صلاة العيد فقط. اهـ وعزا صلاة علي العيدَ إلى ابن المبارك، وأخرجها مالك في
الموطأ ١٧٩/١، وابن شبة في تاريخ المدينة المنورة ١٢١٦/٤ عن أبي عبيد مولى ابن أزهر. وأما صلاة
سهل بن حنيف الجمعة بهم فأخرجها ابن شبة في تاريخ المدينة المنورة ١١١٢/٣، قال ابن حجر في
فتح الباري ١٨٩/٢: وإسناده قوي. اهـ وينظر تتمة كلام ابن حجر حول المسألة ثمَّة، وفي التلخيص
الحبیر ٥٨/٢ .
(٥) أورده ابن المنذر في الأوسط ١١٣/٤ بنحوه.
(٦) في المدونة ١/ ١٥٣ .

٤٨٤
سورة الجمعة: الآية ١١
لا يضيِّعها، وَلِيَها والٍ أو لم يَلِها.
الرابعة: قال علماؤنا: من شرط أدائها المسجد المسقَّف. قال ابن العربيّ(١):
ولا أعلم وجهه.
قلت: وجهه قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلِطَّآَيِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ
أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]. وحقيقة البيت أن يكون ذا حيطان وسقف. هذا العُرْف،
والله أعلم.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَتَرَّكُوَ قَيِمًا﴾ شرط في قيام الخطيب على المنبر إذا
خطب. قال عَلقَمة: سئل عبد الله أكان النبيُّ # يخطب قائماً أو قاعداً؟ فقال: أما
تقرأ: ((وَتَرَكُوكَ قَائِمًا))(٢)؟! وفي ((صحيح مسلم)) عن كعب بن عُجْرَة أنَّه دخل المسجد
وعبد الرحمن بن أمِّ الحكم يخطب قاعداً فقال: انظروا إلى هذا الخبيث، يخطب
قاعداً! وقال الله تعالى: ((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوَا انْفَضُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا))(٣).
وخرَّج عن جابر أنَّ رسول اللـه :﴿ كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب
[قائمًا]، فمن نبَّكَ أنَّه كان يخطب جالساً، فقد كذب، فقد واللهِ صلَّيتُ معه أكثر من
ألفي صلاة(٤). وعلى هذا جمهور الفقهاء، وأئمة العلماء.
وقال أبو حنيفة: ليس القيام بشرط فيها(٥). ويروى أنَّ أوَّ ل من خطب قاعداً
معاوية(٦). وخطب عثمان قائمًا حتى رقَّ، فخطب قاعداً(٧). وقيل: إنَّ معاوية إنَّما
(١) في أحكام القرآن له ٤/ ١٧٩١ .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١١٢/٢-١١٣.
(٣) مسلم (٨٦٤).
(٤) مسلم (٨٦٢): (٣٥)، وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٢٠٨٤٢).
(٥) بدائع الصنائع ١٩٧/٢.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٩٧/٤-١٧٩٨، وما بعده منه أيضاً، وخبر معاوية أخرجه عبد الرزاق في
المصنف (٥٢٥٩)، وابن أبي شيبة ١١٢/٢ عن طاوس مرسلاً. ورواه سعيد بن منصور كما في فتح
الباري ٢/ ٤٠١ عن الحسن ﴾.
(٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٢٥٨) عن قتادة مرسلاً.

٤٨٥
سورة الجمعة: الآية ١١
خطب قاعداً لسِنَّه(١). وقد كان النبيُّ ◌َ# يخطب قائماً، ثم يقعد، ثم يقوم، ولا يتكلّم
في قعدته. رواه جابر بن سمرة. ورواه ابن عمر في كتاب البخاري(٢).
السادسة: والخطبة شرط في انعقاد الجمعة لا تصحُّ إلا بها، وهو قول جمهور
العلماء. وقال الحسن: هي مستحبَّة (٣). وكذا قال ابن الماجِشُون: إنها سُنَّة، وليست
بفرض (٤). وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر، فإذا تركها
وصلَّى الجمعة، فقد ترك الركعتين من صلاة الظهر(٥). والدليل على وجوبها قوله
تعالى: ((وَتَرَكُوكَ قَائماً)). وهذا ذمّ، والواجب هو الذي يُذَمُّ تاركه شرعاً (٦)، ثم إنَّ
النبيَّ ﴾ لم يصلُّها إلا بخطبة.
السابعة: ويخطب متوكِّئاً على قوس أو عَصاً. وفي ((سنن ابن ماجه)) قال: حدَّثنا
هشام بن عمار، حدَّثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد، قال: حدَّثني أبي،
عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسول اللـه ﴿ كان إذا خطب في الحرب خطب على قَوْس،
وإذا خطب في الجمعة خطب على عصاً(٧).
الثامنة: ويسلِّم إذا صَعِد المِنبر على الناس عند الشافعيِّ(٨) وغيره. ولم يره
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٢٦٤) عن جعفر بن محمد، عن أبيه أنه قال: فلما كان معاوية
استأذنَ الناسّ في إحدى الخطبتين، وقال: إني قد كبرت ... الخبر. وابن أبي شيبة ١١٣/٢ عن الشعبي
أنه قال: إنما خطب معاوية قاعداً حيث كثر شحم بطنه ولحمه.
(٢) رواية جابر بن سمرة عند مسلم (٨٦٢): (٣٥) وسلفت قريباً، لكن دون قوله: ولا يتكلم في قعدته.
ورواية ابن عمر عند البخاري (٩٢٠)، ومسلم (٨٦١).
(٣) حلية العلماء ٢/ ٢٣٤، والأوسط لابن المنذر ٥٩/٤ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٩٨ .
(٥) الأوسط لابن المنذر ٦٠/٤، والسنن الكبرى للبيهقي ١٩٦/٣.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٩٨ .
(٧) ابن ماجه (١١٠٧)، قال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف أولاد سعد وأبيه عبد الرحمن. اهـ وفي
الباب عن الحكم بن حزن الكُلَفي عند أبي داود (١٠٩٦)، وفيه: فأقمنا بها أياماً شهدنا فيها الجمعة مع
رسول الله ﴿ فقام متكئاً على عصاً أو قوس، ... الخبر.
(٨) الأم ١/ ١٧٧.
:

٤٨٦
سورة الجمعة: الآية ١١
مالك(١). وقد روى ابن ماجه(٢) من حديث جابر بن عبد الله أنَّ النبيَّ # كان إذا صعد
المنبر سلَّم.
التاسعة: فإن خطب على غير طهارة الخطبةَ كلَّها أو بعضها، أساء عند مالك(٣)،
ولا إعادةَ عليه إذا صلَّى طاهراً. وللشافعيِّ قولان في إيجاب الطهارة، فَشرطها في
الجديد، ولم يشترطها في القديم(٤). وهو قول أبي حنيفة(٥).
العاشرة: وأقلُّ ما يجزىء في الخطبة أن يحمد الله ويصلِّ على نبيّه﴾، ويوصي
بتقوى الله، ويقرأ آيةً من القرآن. ويجب في الثانية أربع كالأولى، إلا أن الواجب
بدلاً من قراءة الآية في الأولى الدعاء، قاله أكثر الفقهاء. وقال أبو حنيفة: لو اقتصر
على التحميد أو التسبيح أو التكبير، أجزأه(٦). وعن عثمان ﴾ أنَّه صعد المنبر فقال:
الحمد لله، وأُرْتِجَ عليه فقال: إنَّ أبا بكر وعمر كانا يُعِدَّان لهذا المقام مقالاً، وإنَّكم
إلى إمام فَعَّال أحوج منكم إلى إمام قوَّال، وستأتيكم الخُطبة، ثم نزل فصلَّى(٧). وكان
ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد. وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب ما
تناوله اسم خطبة (٨). وهو قول الشافعيّ(٩). قال أبو عمر بن عبد البرِّ(١٠): وهو أصحُ
(١) النوادر والزيادات القيرواني ٤٧١/١ .
(٢) في سننه برقم (١١٠٩)، قال في الزوائد: في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف .
(٣) النوادر والزيادات ٤٧٦/١ .
(٤) المجموع للنووي ٣٨٧/٤ .
(٥) بدائع الصنائع ٢/ ١٩٧ .
(٦) الأوسط لابن المنذر ٦١/٤-٦٢، وقول أبي حنيفة في بدائع الصنائع ١٩٥/٢ .
(٧) أخرجه العسكري في الأوائل ٢٦٣/١ عن أبي العالية، وأورده السرقسطي في غريب الحديث ٥٢٣/٢
وقال: أُرْتج على فلان: إذا أراد قولاً فلم يَصِلْ إلى تمامه، وهو مأخوذ من الرِّتاج، وهو الباب المغلق.
اهـ. وقال الزيلعي في نصب الراية ١٩٧/٢: غريب واشتهر في الكتب ... اهـ. وقال ابن كثير في البداية
والنهاية ٢١٦/١٠ عن الخبر: فهو شيء يذكره صاحب العِقْد الفريد [٦٦/٤] وغيره، ممَّن يذكر طرف
الفوائد، ولكن لم أَرَ هذا بإسناد تسكن النفس إليه، والله أعلم. اهـ
(٨) بدائع الصنائع ١٩٥/٢ .
(٩) في الأم ١٧٨/١ .
(١٠) في الكافي له ٢٥١/١ .

٤٨٧
سورة الجمعة: الآية ١١
ما قيل في ذلك.
الحادية عشرة: في ((صحيح مسلم))(١) عن يَعْلَى بن أُميَّة أنَّه سمع النبيَّ # يقرأ
على المنبر: ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]. وفيه: عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن، عن
أختٍ لِعَمْرَة قالت: ما أخذتُ ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ إلا من في رسول الله ﴾ يوم
الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كلِّ جمعة(٢). وقد مضى في أوَّل ((قَ))(٣).
وفي ((مراسيل أبي داود)) عن الزهريِّ قال: كان صَدْرُ خطبة النبيِّ﴾: (الحمد لله
نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، من يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له،
ومن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهد أنْ لا إله إلاَّ اللهُ، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، أَرسله
بالحقِّ بشيراً ونذيراً بين يَدَي الساعة، من يطِع الله ورسوله فقد رَشَد، ومن يعصِهما
فقد غَوَى)). نسأل اللهَ ربَّنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه ويجتنب
سخطه، فإنَّما نحن به وله(٤).
وعنه(٥) قال: بلغنا عن رسول الله ﴾ أنَّه كان يقول إذا خطب: ((كلُّ ما هو آتٍ
قريبٌ، لا بُعْدَ لما هو آتٍ. لا يُعجِّل اللهُ لعَجَلةِ أحدٍ، ولا يَخِفُّ لأمر الناس، ما شاء
الله لا ما شاء الناس، يريد الله أمراً ويريد الناسُ أمراً، ما شاءَ الله كان ولو کرِه
الناس، ولا مُبْعِدَ لما قرَّب الله، ولا مقرِّب لما بعَّد اللهُ، لا يكون شيءٌ إلا بإذن الله
جلَّ وعزَّ».
وقال جابر: كان النبيُّ# يوم الجمعة يخطب فيقول بعد أن يَحْمّد الله ويصلِّي
على أنبيائه: ((أيُّها الناس إنَّ لكم معالم، فانتهُوا إلى معالمكم، وإنَّ لكم نهاية،
(١) برقم (٨٧١)، وهو عند البخاري (٣٢٣٠)، وأحمد (١٧٩٦١).
(٢) مسلم (٨٧٢)، وفيه: أخذت: ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ مِن في رسول الله # يوم الجمعة، ... الخبر.
(٣) ٤٢٤/١٩، وسلف هناك من حديث أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها.
(٤) مراسيل أبي داود (٥٦).
(٥) أي: عن الزهري، والخبر في مراسيل أبي داود (٥٨).

٤٨٨
سورة الجمعة: الآية ١١
فانتهوا إلى نهايتكم، إنَّ العبد المؤمن بين مخافتين؛ بين أجلٍ قد مَضَى لا يدري ما
اللهُ قاضٍ فيه، وبين أَجَلٍ قد بَقِيَ لا يدري ما اللهُ صانع فيه، فلْيَأُخذ العبد من نفسه
لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشَّبِيبة قبل الكِبَر، ومن الحياة قبل الممات، والذي
نفسي بيده ما بعد الموت من مُسْتَعْتَبٍ، وما بعد الدنيا من دارٍ إلا الجنّة أو النار، أقول
قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم))(١). وقد تقدَّم ما خطب به عليه الصلاة والسلام
أوَّل جمعة عند قدومه المدينة(٢).
الثانية عشرة: السكوت للخطبة واجب على من سمعها وجوبَ سُنَّة. والسُّنَّة أن
يسكت لها من يسمع ومَن لم يسمع، وهما - إن شاء الله - في الأجر سواء(٣). ومن
تكلّم حينئذٍ، لَغَا، ولا تفسد صلاته بذلك. وفي الصحيح عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ لَ﴾
قال: ((إذا قلتَ لصاحبك: أنْصِت. يومَ الجمعة، والإِمامُ يخطب، فقد لَغَوْتَ))(٤).
الزَّمَخَشرِيُّ(٥): وإذا قال المُنْصِت لصاحبه: صَهْ، فقد لغا، أَفلا يكون الخطيب
الغالي في ذلك لاغياً؟ نعوذ بالله من غُرْبة الإِسلام ونكد الأيام.
الثالثة عشرة: ويستقبلُ الناس الإِمام إذا صَعِد المنبر؛ لما رواه أبو داود
مُرْسَلاً عن أبان بن عبد الله، قال: كنتُ مع عَدِيٍّ بن ثابت، يوم الجمعة، فلما خرج
الإمام - أو قال: صعد المنبر - استقبله، وقال: هكذا أصحابُ رسولِ الله 8# يفعلون
برسول الله﴾(٦). خرَّجه ابن ماجه عن عديٍّ بن ثابت، عن أبيه، فزاد في الإِسناد:
(١) ذكرها الجاحظ في البيان والتبيين ٣٠٢/١-٣٠٣، وابن قتيبة في عيون الأخبار ٢٣١/٢، والمبرِّد في
الكامل ١/ ٢٧٠-٢٧١، ولم ينسبوها.
(٢) ص٤٦١ - ٤٦٣ من هذا الجزء.
(٣) الأوسط لابن المنذر ٦٩/٤ - ٧٠ .
(٤) سلف ٤/ ١٧ .
(٥) الكشاف ١٠٦/٤ .
(٦) مراسيل أبي داود (٥٤)، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ١١٧/٢، من طريق وكيع، عن أبان، به، وأبان
ابن عبد الله، في حفظه لين، وباقي رجال الإسناد ثقات.

٤٨٩
سورة الجمعة: الآية ١١
عن أبيه، قال: كان رسول الله ﴿ إذا قام على المنبر، استقبله أصحابه بوجوههم. قال
ابن ماجه: أرجو أن يكون مثَّصلاً(١).
قلت: وخرَّج أبو نعيم الحافظ قال: حدَّثنا محمد بن مَعْمر، قال: حدَّثنا عبد الله
ابن محمد بن ناجية، قال: حدَّثنا عبَّاد بن يعقوب، قال: حدَّثنا محمد بن الفضل
الخُرَاسانيُّ، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: كان النبيُّ ﴾
إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا. تفرَّد به محمد بن الفضل بن عطيَّة، عن
(٢)
منصور (٢).
الرابعة عشرة: ولا يركع من دخل المسجد والإِمام يخطب، عند مالك رحمه
الله. وهو قول ابن شهاب رحمه الله وغيره(٣)، وفي ((المُوَظَّأ)) عنه(٤): فخروج الإِمام
يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. وهذا مرسل. وفي ((صحيح مسلم)(٥) من حديث
جابر عن النبيِّ#: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين،
وليتجوَّز فيهما)). وهذا نصٌّ في الركوع. وبه يقول الشافعيُّ وغيره(٦).
الخامسة عشرة: ابن عَوْن، عن ابن سيرين، قال: كانوا يكرهون النَّوم والإمام
يخطب، ويقولون فيه قولاً شديداً. قال ابن عَوْن: ثم لَقِيَني بعد ذلك فقال: تدري ما
(١) ابن ماجه (١١٣٦)، قال البوصيري في الزوائد: رجال إسناده ثقات، إلا أنه مرسل.
(٢) حلية الأولياء ٤٤/٥، و٢٣٦/٣، وأخرجه أيضاً الترمذي (٥٠٩) عن عباد بن يعقوب، به. وقال:
وحديث منصور لا نعرفه إلا من حديث محمد بن الفضل بن عطية، ومحمد بن الفضل بن عطية ضعيف
ذاهب الحديث عند أصحابنا، ... ولا يصح في هذا الباب عن النبي # شيء.
(٣) الاستذكار ٤٩/٥-٥٠.
(٤) أي: عن ابن شهاب الزهري، وكلامه في الموطأ ١٠٣/١، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة ١٢٥/٢ عن
هشيم، عن أشعث، عن الزهري، به. والشافعي في الأم ١/ ١٧٥ عن ابن شهاب، عن ثعلبة بن أبي
مالك: أن قعود الإمام يقطع السبحة، وأن كلامه يقطع الكلام.
(٥) برقم (٨٧٥): (٥٩)، وهو عند أحمد (١٤٤٠٥).
(٦) منهم الإمام أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبري. الاستذكار ٥٢/٥، وكلام الشافعي في
الأم ١٧٥/١، وكلام أحمد في المغني ١٩٢/٣.

٤٩٠
سورة الجمعة: الآية ١١
يقولون؟ قال: يقولون: مَثَلُهم كَمَثل سَرِيَّة أخفقوا، ثم قال: هل تدري ما أَخفقوا؟ لم
تَغْنَمِ شَيْئاً. وعن سَمُرة بن جُنْدب أنَّ النبيَّ ◌َ # قال: ((إذا نَعَس أحدكم، فليتحوَّل إلى
مقعد صاحبه، وليتحوَّل صاحبُه إلى مقعده)) (١).
السادسة عشرة: نذكر فيها من فضل الجمعة وفرضيَّتها ما لم نذكره. روى الأئمة
عن أبي هريرة أنَّ رسول اللـهـ # ذكر يوم الجمعة، فقال: ((فيه ساعة لا يوافقها عبد
مسلم وهو يصلِّي يسأل الله عزَّ وجلَّ شيئاً إلا أعطاه إِيَّاه)) وأشار بيده يُقَللها(٢). وفي
((صحيح مسلم))(٣) من حديث أبي موسى قال: سمعتُ رسولَ الله # يقول: ((هي ما
بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة)).
وروي من حديث أنس أنَّ النبيَّ # أَبطأ علينا ذات يوم، فلما خرج قلنا:
احتبستَ! قال: ((ذاك أنَّ جبريل أتاني بكهيئة المرآة البيضاء فيها نُكْتَة سَوْداء، فقلتُ:
ما هذه يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة، فيها خير لك ولأمَّتك، وقد أَرادها اليهود
والنصارى فأخطؤها، وهداكم الله لها، قلت: يا جبريل ما هذه النكتة السوداء؟ قال:
هذه الساعة التي في يوم الجمعة، لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه
إِيَّاه، أو اذَّخر له مثله يوم القيامة، أو صرف عنه من السوء مثله، وإنَّه خير الأيام عند
الله، وإنَّ أهل الجنة يسمُّونه يوم المزيد)). وذكر الحديث(٤).
(١) أخرجه البزار (٦٣٦ و٦٣٧ كشف الأستار)، والطبراني في الكبير (٦٩٥٦) و(٧٠٠٣) و(٧٠٠٤)، قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٨٠: رواه البزار والطبراني، وفيه: إسماعيل المكي، وهو ضعيف.
وفي الباب عن ابن عمر عند أبي داود (١١١٩)، والترمذي (٥٢٦)، وأحمد (٤٧٤١) ولفظه: إذا نعس
أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحوَّل إلى غيره. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال
البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٢٣٧: ولا يثبت رفع هذا الحديث، والمشهور عن ابن عمر من قوله.
وقال في معرفة السنن والآثار ٤٠٧/٤: والموقوف أصحُّ. وقال النووي في المجموع ٤/ ٤٢٢ :
والصواب أنه موقوف كما قال البيهقي، وأما تصحيح الترمذي والحاكم فغير مقبول.
(٢) البخاري (٩٣٥)، ومسلم (٨٥٢)، والنسائي في المجتبى ١١٦/٣، وابن ماجه (١١٣٧)، وأحمد
(٧١٥١).
(٣) برقم (٨٥٣).
(٤) أخرجه بهذا اللفظ البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق ٢٩٤/٢-٢٩٦، وهو عند ابن أبي =

٤٩١
سورة الجمعة: الآية ١١
وذكر ابن المبارك ويحيى بن سلام قالا: حدَّثنا المسعوديُّ، عن المِنهال بن
عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود قال: تسارعوا إلى
الجمعة، فإنَّ الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنَّة كلَّ يوم جمعة في كَثِيب من كافور
أبيض، فيكونون منه في القُرْب - قال ابن المبارك -: على قدر تسارعهم إلى الجمعة
في الدنيا. وقال يحيى بن سلام: كمسارعتهم إلى الجمعة في الدنيا. وزاد: فُيُحْدِث
لهم من الكرامة شيئاً لم يكونوا رأوه قبل ذلك. قال يحيى: وسمعتُ غيرَ المسعوديِّ
يزيد فيه: وهو قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾(١) [ق: ٣٠].
قلت: قوله ((في كَثيب)) يريد أهل الجنَّة. أي: وهم على كثيب، كما روى الحسن
قال: قال رسول اللـه﴾: ((إنَّ أهل الجنَّة ينظرون إلى رَبِّهم في كلِّ جمعة على كثيب
من كافور لا يُرَى طرفاه، وفيه نهرٌ جارٍ حافتاه المسك، عليه جوارٍ يَقْرأنَ القرآنَ
بأحسن أصواتٍ سمعها الأوَّلون والآخرون، فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كلُّ رجلٍ
بيد ما شاء منهنَّ، ثم يمرُّون على قناطر من لؤلؤ إلى منازلهم، فلولا أنَّ الله يهديهم
إلى منازلهم ما اهتدوا إليها لما يحدث الله لهم في كلِّ جمعة)) ذكره يحيى بن سلام(٢).
وعن أنس قال: قال النبيُّ#: «ليلة أُسْرِيّ بي رأيت تحت العرش سبعين مدينة،
كلُّ مدينة مثل مدائنكم هذه سبعين مرَّة، مملوءة من الملائكة يسبحون الله ويقدِّسونه
ويقولون في تسبيحهم: اللهمَّ اغفر لمن شهد الجمعة، اللهمَّ اغفر لمن اغتسل يوم
= شيبة ١٥٠/٢-١٥١، والبزار (٣٥١٩ كشف الأستار)، وأبي يعلى (٤٢٢٨)، والطبراني في
الأحاديث الطوال (٣٥) وفي الأوسط (٦٧١٣) من طرق، عن أنس ﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد
٤٢١/١٠: رواه البزار والطبراني في الأوسط بنحوه، وأبو يعلى باختصار، ورجال أبي يعلى رجال
الصحيح، وأحد إسنادي الطبراني رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وقد وثّقه غير
واحد، وضعَّفه غيرهم، وإسناد البزار فيه خلاف.
(١) سلف ٤٥٦/١٩ .
(٢) سلف ١٩ /٤٥٧.

٤٩٢
سورة الجمعة: الآية ١١
الجمعة)) ذكره الثَّعلبيُّ(١).
وخرَّج القاضي الشريف أبو الحسن عليٍّ بن عبد الله بن إبراهيم الهاشميُّ
العِيسَوِيُّ - من ولد عيسى بن عليٍّ بن عبد الله بن عباس - ه بإسناد صحيح عن أبي
موسى الأشعريِّ أنَّ رسولَ اللـه﴾ قال: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ يبعث الأيام يوم القيامة
على هيئتها، ويبعث الجمعة زهراءَ منيرةً، أهلها يحقُّون بها كالعروس تُهْدَى إلى
كريمها، تضيء لهم، يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضاً، وريحهم يسطع
كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثَّقَلان، ما يطرقون تعجّباً،
يدخلون الجنَّة لا يخالطهم أحد إلا المؤذِّنون المحتسبون))(٢).
وفي ((سُنن ابن ماجه)) عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله ﴾ قال: ((الجمعة إلى الجمعة
كفَّارة ما بينهما، مالم تُغْشَ الكبائر)) خرَّجه مسلم بمعناه(٣).
وعن أوس بن أوس الثَّقَفيِّ قال: سمعتُ رسولَ اللـه# يقول: ((من غسَّل يوم
الجمعة واغتسل، وبَكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يَلْغُ،
(١) لم نقف عليه.
(٢) وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٠٤١) عن أبي الحسن علي بن عبد الله الهاشمي، عن محمد بن
عمرو، عن عبد الكريم بن الهيثم، عن الربيع بن نافع، عن الهيثم بن حميد، عن حفص بن غيلان، عن
طاوس، عن أبي موسى الأشعري، به.
وأخرجه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه (١٧٣٠)، والطبراني في مسند الشاميين (١٥٥٧)، وابن عدي في
الكامل ١٥٢١/٤-١٥٢٢، والحاكم في المستدرك ٢٧٧/١ ، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان
(٣٠٤١) من طرق، عن الهيثم بن حميد، عن حفص بن غيلان، عن طاوس، عن أبي موسى الأشعري،
به. قال الحاكم: هذا حديث شاذ صحيح الإسناد، فإن أبا معبد من ثقات الشاميين الذين يجمع
حديثهم، والهيثم بن حميد من أعيان أهل الشام، غير أن الشيخان لم يخرجاه عنهما. وقال الذهبي: خبر
شاذ صحيح السند، والهيثم وحفص ثقتان. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٦٤ -١٦٥: رواه
الطبراني في الكبير، عن الهيثم بن حميد، عن حفص بن غيلان، وقد وثقهما قوم، وضعفهما آخرون،
وهما محتج بهما.
(٣) ابن ماجه (١٠٨٦)، ومسلم (٢٣٣).

٤٩٣
سورة الجمعة: الآية ١١
كان له بكلِّ خطوة عمل سَنَةٍ، أَجْرُ صيامها وقيامها))(١). وعن جابر بن عبد الله قال:
خَطَبنا رسول اللـه ﴾ فقال: ((يا أيُّها الناس، توبوا إلى الله قبل أن تموتوا. وبادروا
بالأعمال الصالحة قبل أن تُشغلوا، وصِلُوا الذي بينكم وبين ربكم؛ بكثرةِ ذِكْرکم له،
وكثرة الصَّدقة في السرِّ والعلانية، تُرزقوا وتُنصروا وتُؤجروا. واعلموا أنَّ الله قد
فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا، إلى يوم
القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي، وله إمام عادل أو جائر، استخفافاً بها
أو جحوداً لها، فلا جَمَعَ اللهُ شَمْلَه، ولا باركَ له في أَمره، أَلَا ولا صلاةً له، ولا
زكاةً له، ولا حَجَّ له، ألَّا ولا صومَ له، ولا بِرَّ له، حتى يتوبَ، فمن تاب، تاب الله
عليه، ألَا لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلاً، ولا يؤمَّ أعرابيُّ مهاجراً، ولا يؤمَّ فاجرٌ مؤمناً، إلا أن
يقهره سلطان يخاف سيفَه أو سَوْطه))(٢).
وقال مَيْمون بن أبي شبيب(٣): أردت الجمعة مع الحجّاج فتهيَّأت للذهاب، ثم
قلتُ: أين أذهب أصلِّي خلف هذا الفاجر؟ فقلت مرَّة: أذهب، ومرَّة: لا أذهب، ثم
أُجَمَع رأيي على الذهاب، فناداني منادٍ من جانب البيت: ((يا أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا إِذَا
نُودِيَ للصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)) (٤).
السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ الَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَزَوْ﴾ فيه
(١) أخرجه أبو داود (٣٤٥)، والترمذي (٤٩٦)، والنسائي في المجتبى ٩٥/٣-٩٦، وابن ماجه (١٠٨٧)،
وأحمد (١٦١٧٣). ومعنى قوله ﴿: غسَّل: أراد المجامعة قبل الخروج إلى الصلاة، وقيل: أراد غسَّل
غيره واغتسل هو، وقيل: أراد بغسَّل: غَسْلَ أعضائه للوضوء، ثم يغتسل للجمعة، وقيل: هما بمعنى
واحد، وكرَّره للتأكيد. ومعنى قوله #: بكّر: أي أتى الصلاة في أول وقتها. وابتكر: أي أدرك أوَّل
الخطبة. وقيل: معنى اللفظتين واحد، وكرِّر للتأكيد. النهاية (غسل) و(بكر).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٠٨١)، وفيه: وتجبروا، بدل: وتؤجروا. قال البوصيري في الزوائد: إسناده
ضعيف، لضعف علي بن زيد بن جدعان وعبد الله بن محمد العدوي.
(٣) في (م): شيبة. وهو أبو نصر ميمون بن أبي شبيب الرَّبَعي، مات سنة ثلاث وثمانين. تهذيب التهذيب
٤/ ١٩٧-١٩٨.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣٦/٢، وابن أبي الدنيا في الصمت (٥٣٩)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٣٧٥ .

٤٩٤
سورة المنافقون: الآية ١
وجهان: أحدهما: ما عند اللهِ من ثواب صلاتكم خير من لذّة لهوكم، وفائدة
تجارتكم. الثاني: ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خيرٌ مما أصبتموه من لهوكم
وتجارتكم(١). وقرأ أبو رجاء العُطارِدِيُّ: ((قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ
للذين آمنوا))(٢). ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الزَِّقِينَ﴾ أي: خير من رزق وأعطى(٣)، فمنه فاطلبوا،
واستعينوا بطاعته على نَّيْل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة.
سورة المنافقون
مدنيّةٌ في قول الجميع، وهي إحدى عَشْرة آيةً(٤)
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنََّكَ
لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ روى البخاريُّ عن
زيد بن أَرْقم قال: كنت مع عَمِّي فسمعتُ عبدَ الله بنَ أُبَيِّ ابن سلول يقول: لَا تُنْفِقُوا
عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا. وقال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِ جَنَّ الْأَعَزُّ
مِنْهَا الأَذَلَّ. فذكرتُ ذلك لعمِّي، فذكر عمِّي لرسول اللـه ﴾، فأرسل رسولُ الله ﴾ إلى
عبد الله بنٍ أُبَيِّ وأصحابِهِ، فحلفوا ما قالوا، فصدَّقهم رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم وكَذَّبني، فأصابني همّ لم يصبني مثلُه، فجلستُ في بيتي، فأنزل الله عزَّ وجلّ:
(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ)) إلى قوله: ((هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ))
إلى قوله: ((لَيُخْرِ جَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)) فأرسل إليَّ رسولُ اللـه ﴾، [فقرأها عليَّ] ثم
(١) النكت والعيون ١٢/٦.
(٢) لم نقف عليها.
(٣) النكت والعيون ١٢/٦.
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٣٤٧ .

٤٩٥
سورة المنافقون: الآية ١
قال: ((إنَّ الله قد صدقك)). خرَّجه الترمذيُّ، وقال: هذا حديث حسن صحيح(١).
وفي الترمذيِّ(٢) عن زيد بنٍ أَرقم قال: غَزَوْنَا مع رسول الله ﴾، وكان معنا أناس
من الأعراب، فكنّا نبدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه، فيسبق الأعرابيُّ أصحابَه
فيملأ الحوض، ويجعل حوله حجارة، ويجعل النِّطْع عليه حتى تجيء أصحابه. قال:
فأتى رجل من الأنصار أعرابيًّا، فأرْخَى زمامَ ناقته لتشربَ، فأَبَى أن يَدَعَه، فانتزع
حجراً فغاض الماء، فرفع الأعرابيُّ خشبةً، فضرب بها رأس الأنصاريِّ فشَجَّه، فأتى
عبدَ الله بنَ أَبَيِّ - رأس المنافقين - فأخبره - وكان من أصحابه - فغضب عبدُ الله بنُ
أَبَيِّ ثم قال: لا تُنْفِقُوا على مَن عند رسول الله حتى ينفضُّوا مِن حوله - يعني:
الأعراب - وكانوا يحضرون رسولَ الله ﴿ عند الطعام، فقال عبد الله: إذا انفضُّوا من
عند محمد فَأُتوا محمَّداً بالطعام، فليأكل هو ومَن عنده. ثم قال لأصحابه: لئن رجعتم
إلى المدينة لَيُخْرِجَنّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. قال زيد: وأنا رِذْف عمِّي، فسمعتُ عبدَ الله
ابنَ أُبَيِّ، فأخبرت عمِّي، فانْطَلَق فأخبر رسولَ الله ﴾، فأرسل إليه رسولُ الله ◌ِ﴾
فَحَلَفَ وجَحَد. قال: فصدَّقه رسولُ اللـه ﴾ وكَذَّبني. قال: فجاء عمِّي إليَّ فقال: ما
أردتَ إلَّا أن مَقَتَك رسول الله ﴾ وكَذَّبك والمنافقون. قال: فوقع عليَّ من جرأتهم ما
لم يقع على أحد. قال: فبينما أنا أَسير مع رسول اللـه* في سفرٍ قد خفَّقْتُ برأسي من
الهَمِّ، إذ أتاني رسولُ الله﴿ فَعَرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يَسُرُّني أنَّ لي
بها الخُلْد في الدنيا. ثم إنَّ أبا بكر لحقني فقال: ما قال لكَ رسولُ اللـه ﴾؟ قلت: ما
قال شيئاً، إلا أنَّه عَرَك أذني، وضحك في وجهي، فقال: أَبْشِرْ! ثم لحقني عمرُ،
فقلتُ له مثلَ قولي لأبي بكر. فلما أصبحنا، قرأ رسول الله # سورةَ المنافقين. قال
أبو عیسی: هذا حديث حسن صحيح.
(١) البخاري (٤٩٠١) وما بين حاصرتين منه، والترمذي (٣٣١٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٩٣٣٣)، وهو
عند مسلم (٢٧٧٢) بنحوه.
(٢) برقم (٣٣١٣) بنحوه، والخبر نقله المصنف عن الواحدي في أسباب النزول ص٤٥٧ -٤٥٨ واللفظ منه.

٤٩٦
سورة المنافقون: الآية ١
وسئل حُذيفة بن اليَمَان عن المنافق فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به.
وهم اليومَ شرٌّ منهم على عهد رسول اللـه *؛ لأنَّهم كانوا يكتمونه، وهم اليوم
يظهرونه(١)
وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث
كذب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا اؤْتُمِنَ خان))(٢). وعن عبد الله بن عمرو أنَّ النبيَّ ﴾
قال: ((أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كان فيه خصلة
من النفاق حتى يدعَها: إذا اؤْتُمِنَ خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا
خاصم فَجَر))(٣). أخبر عليه الصلاة والسلام أنَّ من جمع هذه الخصال كان منافقاً،
وخبره صدق. وروي عن الحسن أنَّه ذكر له هذا الحديث فقال: إنَّ بني يعقوب حدَّثوا
فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وأُتُمِنوا فخانوا(٤). إنَّما هذا القول من النبيِّ# على سبيل
الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال؛ شَفَقًّا أن تُفْضِيَ بهم إلى
النفاق. وليس المعنى: أنَّ من بدرت منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد، أنَّه
منافق. وقد مضى في سورة ((براءة))(٥) القول في هذا مستوفّى، والحمد لله. وقال
(١) النكت والعيون ١٣/٦، وقول حذيفة أخرجه وكيع في الزهد (٤٧١)، ومن طريقه عبد الله بن أحمد
في السنة (٨٠٦)، وابن أبي شيبة ١١٥/١٥، والفريابي في صفة المنافق (٧٠)، وأبو نعيم في الحلية
٢٨١/١-٢٨٢ . وفي إسناده: أبو يحيى، وهو: عبيد بن كرب، ذكره البخاري في التاريخ الكبير ٣/٦ ،
وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٤١٣/٥ ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.
(٢) البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩)، وهو عند أحمد (٨٦٨٥).
(٣) سلف ٣١٢/١٠.
(٤) أخرج العقيلي في الضعفاء الكبير ٣/ ٧ عن عبد العزيز بن أبي رؤَّاد قال: أخبر عطاء عن الحسن أنه كان
يقول: ثلاث من كن فيه فهو منافق. فقال عطاء: أبا سعيد، قد حدَّث إخوة يوسف فكذبوا، ووعدوا
فأخلفوا، واؤتمنوا فخانوا، فمنافقين كانوا؟! قال: فصحت بهم صيحة. قال: قلت: أنت سمعت هذا
من عطاء؟ قال: فاصفرَّ لونه. وهو عند الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٤٠ عن
محمد المحرم، عن عطاء بنحوه، وفي آخره قال الحسن: صدق عطاء هكذا الحديث، وهذا في
المنافقين. وينظر فيض القدير ١/ ٦٣ .
(٥) ٣١٢/١٠.

٤٩٧
سورة المنافقون: الآية ١
رسول اللـه *: ((المؤمن إذا حدَّث صدق، وإذا وعد أَنجز، وإذا اؤتمنَ وَفَّى))(١).
والمعنى: المؤمن الكامل إذا حدَّث صدق، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ قيل: معنى ((نَشْهَدُ)) نحلف. فعبَّر عن
الحَلِف بالشهادة؛ لأنَّ كلَّ واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر مُغَيَّب، ومنه قول
قیس بن ذَرِیح :
وأشهد عند الله أني أحِبُّها فهذا لها عندي فما عندها لِيَا(٢)
ويحتمل أن يكون ذلك محمولاً على ظاهره أنَّهم يشهدون أنَّ محمداً رسول الله ێ﴾؛
اعترافاً بالإيمان، ونفياً للنفاق عن أنفسهم، وهو الأشبه (٣). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾
كما قالوه بألسنتهم. ﴿وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ أي: فيما أظهروا من شهادتهم
وحَلِفهم بألسنتهم. وقال الفرَّاء(٤): ((وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَگاذِبُونَ)» بضمائرهم،
فالتكذيب راجع إلى الضمائر. وهذا يدلُّ على أنَّ الإيمان تصديق القلب، وعلى أنَّ
الكلام الحقيقيَّ كلام القلب. ومن قال شيئاً واعتقد خلافه، فهو كاذب(٥). وقد مضى
هذا المعنى في أول ((البقرة))(٦) مستوفى. وقيل: أَكذبهم الله في أيمانهم(٧)، وهو قوله
تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٢٠٠) ومن طريقه إسحاق بن راهويه كما في إتحاف الخيرة المهرة
للبوصيري ١٥٧/١ عن الزبير بزيادة. ونقل البوصيري عن ابن حجر قوله: هكذا رواه إسحاق في
مسند الزبير بن العوام، وهكذا رواه أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرزاق، ورواه زهير بن معاوية
وغير واحد عن أبي إسحاق، عن الزبير بن عدي، ورواه غيرهم عن أبي إسحاق، عن الزبير غير
منسوب، فإن كان معمر حفظه فهو صحيح الإسناد لكنه منقطع، وإن كان زهير حفظه فهو معضل.
(٢) النكت والعيون ١٣/٦، والبيت في ديوان مجنون ليلى قيس بن الملوّح ص٢٩٤ و٣٠٠ ، ولم نقف
عليه من قول قيس بن ذريح صاحب لبنى. وأخباره في معجم الشعراء ٦٢٨/٢ .
(٣) النكت والعيون ١٣/٦.
(٤) في معاني القرآن له ١٥٨/٣.
(٥) الوسيط ٣٠٢/٤ .
(٦) عند الآية (٨).
(٧) النكت والعيون ١٤/٦ .

٤٩٨
سورة المنافقون: الآية ٢
قوله تعالى: ﴿اَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ إِنَّهُمْ سَآَ مَا كَانُوا
٢
يَعْمَلُونَ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَّخَذُوَاْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ﴾ أي: سُترةٍ(١). وليس يرجع إلى قوله:
(نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ))، وإنَّما يرجع إلى سبب الآية التي نزلت عليه، حسب ما ذكره
البخاريُّ والترمذيُّ عن ابن أُبَيِّ أنَّه حَلَفَ ما قال، وقد قال(٢). وقال الضَّحَّاك: يعني
حلفهم بالله: ((إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ))(٣). وقيل: يعني بأيمانهم ما أَخبر الرَّبُّ عنهم في سورة
((براءة)) إذا قال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ﴾ [الآية: ٧٤].
الثانية: من قال: أُقْسِم بالله، أو: أَشْهد بالله، أو: أَغْزِم بالله، أو: أَحلف
بالله، أو: أَقسمتُ بالله، أو: أَشهدت بالله، أو: أَعزمت بالله، أو: أَحلفتُ بالله،
فقال في ذلك كلِّه: (بالله)) فلا خلاف أنَّها يمِين(٤). وكذلك عند مالك وأصحابه إن
قال: أُقْسِم، أو: أَشْهد، أو أَغْزِم، أو: أَحلف، ولم يقل: ((بالله))، إذا أراد ((بالله)).
وإن لم يرد ((بالله)) فليس بيمين. وحكاه الكِيًا(٥) عن الشافعيّ، قال الشافعيُّ(٦): إذا
قال: أَشهد بالله. ونوى اليمينَ، كان يميناً. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لو قال: أَشهد
بالله لقد كان كذا. كان يميناً (٧)، ولو قال: أَشهد لقد كان كذا. دون النِّيَّة، كان يميناً
لهذه الآية؛ لأنَّ الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال: ((اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً)). وعند
الشافعيِّ (٨) لا يكون ذلك يمينًا وإن نوى اليمين؛ لأنَّ قوله تعالى: ((اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ
(١) معاني القرآن للزجاج ٥/ ١٧٥ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٠٠، والحديث سلف قريباً.
(٣) الوسيط ١٢٣/٤، وأخرجه عنه الطبري ٦٥١/٢٢ ..
(٤) الكافي لابن عبد البر ٤٤٨/١، وما بعده منه أيضاً.
(٥) في أحكام القرآن له ٤/ ٤١٧ .
(٦) في الأم ٥٦/٧ .
(٧) بدائع الصنائع ١٣/٤-١٤ .
(٨) في الأم ٧/ ٥٥ .

٤٩٩
سورة المنافقون: الآيات ٢ - ٤
جُنَّةً)) ليس يرجع إلى قوله: ((قَالُوا نَشْهَدُ))، وإنَّما يرجع إلى ما في ((براءة)) من قوله
تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ﴾ [الآية: ٧٤].
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: أعرضوا، وهو من الصدود. أو
صرفوا المؤمنين عن إقامة حكم الله عليهم من القتل، والسَّبي، وأخذ الأموال، فهو
من الصدِّ، أو منعوا الناسَ عن الجهاد بأن يتخلَّفوا، ويقتدي بهم غيرهم. وقيل :
فصدُّوا اليهود والمشرکین عن الدخول في الإسلام، بأن يقولوا: هانحن کافرون بهم،
لو كان محمد حقًّا لعرف هذا منَّا، ولجعلنا نكالًا. فبيَّن الله أنَّ حالهم لا يخفى عليه،
ولكن حكمه أنَّ من أظهر الإيمان أَجرى عليه في الظاهر حكم الإيمان. ﴿إِنَّهُمْ سَلَّ مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئست أعمالهم الخبيثة - من نفاقهم، وأيمانهم الكاذبة،
وصدِّهم عن سبيل الله - أعمالاً.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْيَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ
هذا إعلام من الله تعالى بأنَّ المنافق كافر، أي: أقرُّوا باللسان، ثم كفروا
بالقلب(١). وقيل: نزلت الآية في قوم آمنوا، ثم ارتدوا ﴿فَطُبعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: خُتم
عليها بالكفر ﴿فَهُمْ لَا يَفْفَهُونَ﴾ الإيمان ولا الخير. وقرأ زيد بن عليٍّ: ((فَطَبَعَ اللَّهُ
عَلَى قُلُوبِهِمْ)) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمّ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمْ كَهُمْ خُشُبٌ
◌ََُّهُ بََّبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُ الْعَدُّ فَأَحْذَرْهُمْ فَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (١)﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُّكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ أي: هيئاتهم ومناظرهم. ﴿وَإِن
يَقُولُوا تَسْمَعَ لِقَوْلِمْ﴾ يعني عبدَ الله بنَ أُبَيّ. قال ابن عباس: كان عبد الله بن أُبَيِّ
وسِيمًا جسيمًا صحيحًا صبِيحًا ذَلِقِ اللسان، فإذا قال سمع النبيُّ # مقالته(٣).
(١) الوسيط ٣٠٢/٤ .
(٢) الكشاف ١٠٩/٤، والبحر المحيط ٢٧٢/٨، وأوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٥٦
ونسبها إلى الأعمش.
(٣) تفسير البغوي ٣٤٨/٤، وفيه: فصيحاً، بدل صبيحاً. ووردت العبارتان معاً عند الزمخشري في =

٥٠٠
سورة المنافقون: الآية ٤
وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة(١). وقال الكلبيُّ: المراد ابن أُبَيِّ، وجَدّ بن
قيس، ومُعَثِّب بن قُشير، كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة(٢). وفي ((صحيح
مسلم))(٣): وقوله: ((كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ)) قال: كانوا رجالًا أجملَ شيء، كأنَّهم
خشب مسندةٌ. شبَّههم بخُشب مستَّدة إلى الحائط لا يسمعون ولا يعقلون، أشباح بلا
أرواح، وأجسام بلا أحلام(٤). وقيل: شبَّههم بالخُشُب التي قد تآكلت، فهي مسندة
بغيرها، لا يعلم ما في بطنها(٥).
وقرأ قنْبُل وأبو عمرو والكسائيُّ: ((خُشْبٌ)) بإسكان الشين(٦). وهي قراءة البَرَاء بن
عازب، واختيار أبي عبيد(٧)؛ لأنَّ واحدتها خَشَبة. كما تقول: بَدَنة وبُدْن، وليس في
اللغة فَعَلَة يجمع على فُعُل(٨). ويلزم من ثقلها أن تقول: البُدُن، فتقرأ: ((والبُدُن))(٩)
[الحج: ٣٦]. وذكر اليزيديُّ أنَّه جماع الخشباء(١٠)، كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَحَدَأَبِقَ غُلًَ﴾
[عبس: ٣٠] واحدتها: حديقة غلباء. وقرأ الباقون بالتثقيل، وهي رواية البَزِّيِّ عن ابن
كَثِير، وعيَّاش عن أبي عمرو، وأكثر الروايات عن عاصم. واختاره أبو حاتم، كأنَّه
جمع خِشاب وخُشُب، نحو ثَمرة وثِمار وثُمُر. وإن شئت جمعت خشبة على خُشب
كما قالوا: بَدَنَة وبُدْن وبُدُن. وقد رُوي عن ابن المسيّب فتح الخاء والشين في
((خُشُب)). قال سِيبويه: خَشَبة وخُشُب، مثل بَدَنة وبدن. قال: ومثله بغير هاء: أُسَد
وأُسْد، ووَثَن ووُثْن. وتقرأ: خُشُب، وهو جمع الجمع، خشبة وخِشاب وخُشُب، مثل
= الكشاف ١٠٩/٤، وذَلَقُ اللسان: حِدَّته. اللسان (ذلق).
(١) معاني القرآن للزجاج ١٧٦/٥ .
(٢) تفسير الرزاي ١٤/٣٠ ولم يعزه للكلبي.
(٣) برقم (٢٧٧٢)، وهو عند البخاري (٤٩٠٣)، وأحمد (١٩٣٣٤) عن زيد بن أرقم
(٤) تفسير البغوي ٣٤٨/٤ .
(٥) المحرر الوجيز ٣١٢/٥ بنحوه.
(٦) السبعة ص٦٣٦، والتيسير ص٢١١.
(٧) المحرر الوجيز ٣١٢/٥ .
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٣٣.
(٩) وهي قراءة الحسن وعيسى. القراءات الشاذة ص ٩٥ .
(١٠) الكشاف ١٠٩/٤.