Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ سورة الممتحنة: الآية ١١ الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِن فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ﴾ في الخبر: أنَّ المسلمين قالوا: رضينا بما حكم الله، وكتبوا إلى المشركين، فامتنعوا، فنزلت: ((وإنْ فَاتَكُم شيءٌ من أزواجِكم إلى الكفَّار فعاقَبْتُم فآتُوا الَّذِينَ ذهبتْ أزواجُهم مثلَ ما أَنفقوا))(١). وروى الزهريُّ، عن عُروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: حكم الله عزَّ وجلَّ بينكم فقال جلَّ ثناؤه: ((واسْأَلُوا ما أَنفقتُم ولْيَسْأَلوا ما أَنفقوا)) فكتب إليهم المسلمون: قد حكم الله عزَّ وجلَّ بيننا بأنَّه إن جاءتكم امرأة منَّا أن توجّهوا إلينا بصداقها، وإن جاءتنا امرأة منكم وجَّهنا إليكم بصداقها. فكتبوا إليهم: أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئاً، فإن كان لنا عندكم شيء فوجِّهوا به، فأنزل الله عزَّ وجلّ: ((وإنْ فَاتَكُم شيءٌ من أزواجِكم إلى الكفّار فعاقبتُم فآتُوا الذين ذهبتْ أزواجُهم مثلَ ما أَنفقوا))(٢). وقال ابن عباس في قوله تعالی: ((ذلکم حُكم الله يحكم بينكم)) أي: بين المسلمين والكفَّار من أهل العهد من أهل مكّة، يردُّ بعضهم إلى بعض. قال الزهريُّ: ولولا العهد لأمسك النساء ولم يردَّ إليهم صداقًا(٣). وقال قتادة ومجاهد: إنَّما أمروا أن يُعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثلَ ما أنفقوا من الْفيء والغَنِيمة. وقالا: هي فيمن بيننا وبينه عهد، وليس بيننا وبينه عهد. وقالا: ومعنى ((فعاقبتم)) فاقتصصتم. ﴿فَاتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنَقُواْ﴾ يعني الصدقات. فهي عامَّة في جميع الكفّار. وقال قتادة أيضًا: وإن فاتكم شيء من أزوجكم إلى الكفّار الذين بينكم وبينهم عهد، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا. ثم نسخ هذا في سورة ((براءة))(٤). وقال الزهريُّ: انقطع هذا عامَ الفتح. وقال سفيان الثوريُّ: لا يعمل به اليوم(٥). وقال قوم: هو ثابت (١) الكشاف ٤/ ٩٤ بنحوه. (٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١١٩/٣. (٣) تفسير البغوي ٣٣٣/٤، وأخرجه عنه الطبري ٥٨٧/٢٢ . (٤) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١١٩/٣ - ١٢٠، وقول مجاهد في تفسيره ٦٦٩/٢، وأخرجه عنه الطبري ٥٨٨/٢٢ - ٥٨٩. وقول قتادة أخرجه عنه الطبري ٥٨٩/٢٢ دون ذكر النسخ. (٥) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١١٩/٣. ٤٢٢ سورة الممتحنة: الآية ١١ الحكم الآن أيضاً. حكاه القشيريُّ. الثانية: قوله تعالى: ﴿فَعَاقّبْتُمْ﴾ قراءة العامة: ((فَعَاقَبْتُمْ))، وقرأ عَلْقمة والنَّخَعِيُّ وحُميد والأعرج: ((فعقَّبتم)) مشدّدة. وقرأ مجاهد: ((فأعقبتم))، وقال: صنعتم كما صنعوا بكم. وقرأ الزهريُّ: ((فَعَقَبْتُم)) خفيفة بغير ألف. وقرأ مسروق وشَقيق بن سلمة: ((فعقِبتم)) بكسر القاف خفيفة(١)، وقال: غنمتم. وكلها لغات بمعنى واحد. يقال: عاقب وعَقَب وعَقَّب، وأعقب وتعقّب واعتقب وتعاقب: إذا غنم(٢). وقال القُتَبيُّ(٣): ((فعاقبتم)): فغزوتم، معاقبين غزوًا بعد غَزْو. وقال ابن بحر: أي: فعاقبتم المرتدَّة بالقتل، فلزوجها مهرها من غنائم المسلمين (٤). الثالثة: قوله تعالى: ﴿قَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم مِّثْلَ مَّا أَنْفَقُواْ﴾ قال ابن عباس: يقول: إن لحقت امرأة مؤمنة بكفَّار أهل مكّة، وليس بينكم وبينهم عهد، ولها زوج مسلم قِيَلَكم، فغنمتم، فأعطوا هذا الزوجَ المسلمَ مهرَه من الغنيمة قبل أن تُخَمَّس(٥). وقال الزهريُّ: يُغْطَى من مال الفيء(٦). وعنه: يُعْطَى من صداق من لَحِق بنا(٧). وقيل: أي: إن امتنعوا من أن يَغْرَمُوا مهرَ هذه المرأة التي ذهبت إليهم، فانبذوا العهدَ إليهم حتى إذا ظفرتم، فخذوا ذلك منهم. قال الأعمش: هي منسوخة. وقال عطاء: بل حکمها ثابت. وقد تقدَّم جميع هذا. القُشيريُّ: والآية نزلت في أمِّ الحكم بنت أبي سفيان، ارتدَّت وتركت زوجها (١) القراءات الشاذة ص ١٥٥، والمحتسب ٣١٩/٢ - ٣٢٠، وإعراب القرآن للنحاس ٤١٦/٤. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٣٣٤ . (٣) في غريب القرآن له ص ٤٦٢ . (٤) النكت والعيون ٥٢٣/٥ . (٥) أخرجه عنه الطبري ٢٢/ ٥٩١ بنحوه. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٧٨/٤، وأخرجه عنه الطبري ٥٩٣/٢٢ بنحوه. (٧) الكشاف ٤/ ٩٤، وأورده النحاس في إعراب القرآن ٤١٦/٤ بنحوه. ٤٢٣ سورة الممتحنة: الآيتان ١١ - ١٢ عِيَاض بن غَنْم القرشيَّ، ولم ترتدَّ امرأة من قريش غيرها، ثم عادت إلى الإسلام(١). وحكى الثعلبيُّ عن ابن عباس: هنَّ ستُّ نسوة رجعن عن الإسلام ولحِقن بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين: أمُّ الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن أبي شدَّاد الفهريِّ. وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أمِّ سلمة، وكانت تحت عمر بن الخطاب، فلما هاجر عمر أبَتْ وارتدَّت. وبَرْوَع بنت عقبة، كانت تحت شَمَّاس بن عثمان. وعبدة بنت عبد العُزَّى، كانت تحت هشام بن العاص. وأم كلثوم بنت جَرْوَل كانت تحت عمر بن الخطاب. وشهبة بنت غَيْلان. فأعطاهم النبيُّ ◌َ# مهورَ نسائهم من الغنيمة(٢). ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ﴾ احذروا أن تتعدَّوْا ما أمرتم به. قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَشْرِقْنَ وَلَ يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَ يَأْتِينَ بِبُهْتٍَ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيَدِيِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ تَّحِيمٌ ﴾﴾ فيه ثماني مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ بُبَايِعْنَكَ﴾ لما فتح رسول الله ﴾ مكّة، جاء نساء أهل مكّة يبايعنه، فأُمِر أن يأخذ عليهنَّ أَلَّا يُشْرِكن(٣). وفي ((صحيح مسلم)) عن عائشة زوج النبيِّ # قالت: كان المؤمنات إذا هاجرنَ إلى رسول الله ﴾. يُمْتَحَنَّ بقولِ الله تعالى: ((يا أيُّها النبيُّ إذا جاءَكَ المؤمناتُ يُبايعْنَكَ على ألَّا يُشْرِكْنَ بالله شيئاً ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِيْنَ)) إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقرَّ بهذا من (١) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ٢٤٣/٨ - ٢٤٤، ولم يعزه. (٢) تفسير البغوي ٣٣٤/٤، والكشاف ٩٤/٤، ولم يرد فيهما ذكر: شهبة بنت غيلان، بل ورد فيهما: بدلاً عنها: هند بنت أبي جهل وكانت تحت هشام بن العاص. وورد أيضاً أن عبدة بنت عبد العزى كانت تحت عمرو بن عبد ودٌّ، لا تحت هشام بن العاص. (٣) المحرر الوجيز ٢٨٦/٥ . ٤٢٤ سورة الممتحنة: الآية ١٢ المؤمنات، فقد أقرَّ بالمِحنة، وكان رسول الله ﴿ إذا أقْررن بذلك من قولهنَّ، قال لهن رسول الله ﴾: ((انطلقْنَ فقد بايَعْتُكنَّ)) ولا واللهِ ما مَسَّت يدُ رسول اللـه :# يدَ امرأة قطّ، غيرَ أنَّه بايعهنَّ بالكلام. قالت عائشة: واللهِ، ما أخذ رسول الله ﴾ على النساء قطُ إلا بما أمره الله عزَّ وجلَّ، وما مسَّتْ كَفُّ رسولِ الله ﴾ كفَّ امرأةٍ قظُ، وكان يقول لهنَّ إذا أخذ عليهنَّ: ((قد بايَعْتُكُنَّ كلامًا))(١). وروي أنَّه عليه الصلاة والسلام بايع النساء وبين يديه وأيديهنَّ ثوب، وكان يشترط عليهنَّ (٢). وقيل: لما فرغ من بيعة الرجال، جلس على الصَّفَا ومعه عمر أسفل منه، فجعل يشترط على النساء البَيْعة، وعمر يصافحهنَّ(٣). ورُوِيَ أنَّه كلَّف امرأةً وقفت على الصَّفَا فبايعتهنَّ(٤). ابن العربيّ: وذلك ضعيف، وإنَّما ينبغي التعويل على ما في الصحيح. وقالت أمُّ عَطِيَّة: لما قدم رسول الله 8# المدينة جمعَ نساء الأنصار في بیت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلّم فردَدْنَ عليه السلام، فقال: أنا رسولُ رسولِ الله # إليكنَّ، ألَّا تشرِكَن بالله شيئاً. فقلنَ: نعم. فمدَّ يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللَّهُمَّ اشهد (٥). (١) مسلم (١٨٦٨)، وهو عند البخاري (٥٢٨٨). (٢) معاني القرآن للزجاج ١٦١/٥ بنحوه، والخبر أخرجه الطبراني في الكبير ٢٠١/٢٥ (٤٥٤)، وفي الأوسط (٢٨٧٦) عن معقل بن يسار ﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٩/٦: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه: عتاب بن حرب، وهو ضعيف. اهـ وأورده الماوردي في النكت والعيون ٥٢٤/٥ وعزاه للشعبي، وأخرجه عنه أبو داود في المراسيل (٣٧٣). (٣) معاني القرآن للزجاج ١٦١/٥ بنحوه، والنكت والعيون ٥٢٤/٥ وعزاه لمقاتل، وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٥٠/١٠ (١٨٨٧٠). (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٧٩/٤ وما بعده منه، وذكر الماوردي في النكت والعيون ٥٢٤/٥ أنه أَمَرَ أميمة بنت رقيقة - أخت خديجة خالة فاطمة بنت رسول الله # - بعد أن بايعته، أن تبايع النساء عنه. والخبر أخرجه الترمذي (١٥٩٧)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٥٢، وابن ماجه (٢٨٧٤)، وأحمد (٢٧٠٠٦). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر. (٥) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢٠٧٩٧)، وأبو يعلى (٢٢٦)، وابن حبان في صحيحه (٣٠٤١)، والطبراني = ٤٢٥ سورة الممتحنة: الآية ١٢ وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ # كان إذا بايع النساء دَعَا بقدح من ماء، فغمس يده فيه، ثم أمر النساء فغمسنَ أيديهنَّ فيه(١). الثانية: رُوي أنَّ النبيَّ ﴾﴾ لما قال: ((على ألّا يُشْرِكُنَ بالله شيئًا)» قالت هند بنت عُثْبة وهي مُنْتَقِية؛ خوفاً من النبيِّ # أن يعرفها لِمَا صنعته بِحَمْزَة يوم أُحُد: واللهِ إنَّك لتأخذ علينا أمرًا ما رأيتك أخذته على الرجال - وكان بايع الرجال يومئذٍ على الإسلام والجهاد فقط - فقال النبيُّ ﴾: ((ولا يَسْرِقن)). فقالت هند: إنَّ أبا سفيان رجل شَحِيح، وإنِّي أُصيب من ماله قُوتَنَا. فقال أبو سفيان: هو لكِ حلال. فضحك النبيُّ :﴿ وعَرفَها، وقال: ((أنت هند))؟ فقالت: عفا الله عمَّا سلف. ثم قال: ((ولا يزنينَ)). فقالت هند: أَوَتَزْنِي الحرَّة! ثم قال: ((ولا يقتلنَ أولا دهنَّ)). أي: لا يَئِذْنَ الموؤدَات، ولا يُسقطن الأچِنَّة. فقالت هند: رَبَّیناهم صِغارًا، وقتلتھم کبارًا يوم بدر، فأنتم وهم أبصر. وروى مقاتل أنَّها قالت: ربَّيناهم صغارًا، وقتلتموهم كبارًا، وأَنتم وهم أعلم. فضحك عمر ابن الخطاب حتى استلقى(٢). وكان حنظلة بن أبي سفيان - وهو بِكْرُها - قُتِل يوم بَدْر(٣). ثم قال: ((ولا يَأْتِيْنَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِيْنَهُ بينَ أيديهنَّ وأرجلهنَّ ولا يَعْصِيْنَكَ في = في الكبير ٤٥/٢٥ (٨٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أبو داود [١١٣٩] باختصار كثير، ورواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجاله ثقات. اهـ. (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١١/٨ من طريق محمد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف. وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير ١٤٩/١٧ (٣٧٦) عن عروة بن مسعود الثقفي . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٩/٦: رواه الطبراني، وفيه: عبد الله بن عكيم، أبو بكر الداهري، وهو ضعيف. (٢) النكت والعيون ٥٢٤/٥ - ٥٢٥، والبغوي ٣٣٤/٤ - ٣٣٥، وأخرجه الطبري ٥٩٦/٢٢ عن ابن عباس ، دون ذكر قول مقاتل، وأخرجه عنه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٥١/١٠ (١٨٨٧٢)، وأورد الخبر ابن كثير في التفسير ٩٨/٨ - ٩٩ من طريق الطبري وقال: وهذا أثر غريب، وفي بعضه نكارة، والله أعلم. اهـ وخبر نفقة هند مع زوجها أبي سفيان عند البخاري (٢٢١١)، ومسلم (١٧١٤) عن عائشة رضي الله عنها. (٣) تفسير البغوي ٣٣٥/٤، والخبر في السيرة النبوية لابن هشام ٧٠٨/١ والذي قتله هو: زيد بن حارثة مولى رسول الله#، ويقال: اشترك فيه حمزة وعلي وزید. ٤٢٦ سورة الممتحنة: الآية ١٢ معروفٍ)). قيل: معنى (بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ)) ألسنتهنَّ بالنَّمِيمة. ومعنى بين ((أَرْجُلِهِنَّ)» فروجهنَّ. وقيل: ما كان بين أيديهنَّ: من قُبْلة، أو جَسَّة. وبين أرجلهنَّ: الجماع. وقيل: المعنى لا يُلْحِقن برجالهنَّ ولدًا من غيرهم. وهذا قول الجمهور(١). وكانت المرأة تلتقط ولدًا فَتُلْحقه بزوجها وتقول: هذا ولدي منكَ. فكان هذا من البهتان والافتراء. وقيل: ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد؛ لأنَّ بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها(٢). وهذا عامٌّ في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج، وإن سبق النهي عن الزِّنى. وروي أنَّ هند لما سمعت ذلك قالت: واللهِ إنَّ البهتان لأمر قبيح؛ ما تأمرُ إلا بالأرشد ومكارم الأخلاق(٣) !. ثم قال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ﴾ قال قتادة: لا يَنُحْنَ. ولا تخلُو امرأة منهنّ إلا بذي مَحْرَم. وقال سعيد بن المسيّب ومحمد بن السائب وزيد بن أسلم: هو ألَّا يَخْمِشْنَ وجهًا، ولا يَشْقُقْنَ جَيْبَاً، ولا يَدْعُونَ وَيْلًا، ولا يَنْشُرْن شعرًا، ولا يحدِّثن الرجال إلا ذا مَحْرَم(٤). وروت أمُّ عطيّة عن النبيِّ # أنَّ ذلك في النَّوْح(٥). وهو قول ابن عباس(٦). وروى شَهْر بن حَوْشَب عن أمِّ سلمة عن النبيِّ ﴾: ((وَلَا يَعْصِيَنكَ في مَعْرُوفٍ)) فقال: ((هو النَّوْحِ))(٧). وقال مصعب بن نوح: أدركتُ عجوزًا ممن بايع النبيَّ ﴾، فحدَّثتني عنه عليه الصلاة والسلام في قوله: ((وَلَا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ)) فقال: ((النوح))(٨). (١) النكت والعيون ٥٢٥/٥ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٧٨٠ . (٣) تفسير البغوي ٣٣٥/٤، والمحرر الوجيز ٢٨٧/٥ . (٤) تفسير البغوي ٣٣٥/٤ عن ابن المسيب ومحمد بن السائب، وزاد المسير ٢٤٧/٨ عن زيد بن أسلم. (٥) أخرجه البخاري (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦)، وأحمد (٢٠٧٩١). (٦) زاد المسير ٢٤٧/٨، وأخرجه البخاري (٤٨٩٣) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء. (٧) النكت والعيون ٥٢٥/٥، والحديث أخرجه الترمذي (٣٣٠٧)، وابن ماجه (١٥٧٩)، وأحمد (٢٦٧٢٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن. (٨) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/٨، وأحمد (١٦٥٥٦)، والطبري ٥٩٨/٢٢ - ٥٩٩، وفي إسناده: مصعب بن نوح، وهو مجهول. تعجيل المنفعة ٢٦٤/٢ - ٢٦٥ . ٤٢٧ سورة الممتحنة: الآية ١٢ وفي ((صحيح مسلم)) عن أمِّ عطية لما نزلت هذه الآية: ((يُبَايعْنَكَ على ألَّا يُشْرِكْنَ بالله شيئًا)) إلى قوله: ((ولا يَعْصِيْنَكَ في معروفٍ)) قال: ((كان منه النياحة)) قالت: فقلت: يا رسول الله إلا آل فلان؛ فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بُدَّ لي من أن أسعدهم. فقال رسول الله﴾: ((إلَّا آل فلان))(١). وعنها قالت: أخذ علينا رسول الله * مع البيعة ألَّ نَنُوح، فما وَفَتْ منَّ امرأةٌ إلا خمسٌ: أمُّ سُليم، وأمُّ العلاء، وابنةُ أبي سَبْرة امرأة معاذ أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ(٢). وقيل: إنَّ المعروف ها هنا الطاعة لله ولرسوله، قاله ميمون بن مهران(٣). وقال بكر بن عبد الله المُزَنِيُّ: لا يعصِينك في كلِّ أمر فيه رشدهنَّ. الكلبيُّ: هو عامٌّ في كلِّ معروف أمر الله عزَّ وجلَّ ورسولُه به (٤). فروي أنَّ هندًا قالت عند ذلك: ما جلسنا في مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصِيك في شيءٍ (٥). الثالثة: ذَكَرَ الله عزَّ وجلَّ ورسولُه عليه الصلاة والسلام في صفة البيعة خصالًا شَتَّى، صُرِّح فيهنَّ بأركان النهي في الدِّين، ولم يذكر أركان الأمر. وهي ستّة أيضًا: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة. وذلك لأنَّ النهي دائم في كلِّ الأزمان، وكلِّ الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد. وقيل: إنَّ هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها ولا يحجزهنَّ عنها شرف النسب، فَخُصَّت بالذِّكْر لهذا. ونحوٌ منه قوله عليه الصلاة والسلام لوَفْد عبد القيس: ((وأنهاكم عن الدُّباء والحَنْتَم والنَّقِير والمُزَقَّت)). فنبَّههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي؛ لأنَّها كانت شهوتهم وعادتهم، وإذا ترك المرء شهوته من (١) مسلم (٩٣٦): (٣٦)، وهو عند أحمد (٢٠٧٩٦). (٢) أخرجه البخاري (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦)، وأحمد (٢٧٣٠٥). (٣) النكت والعيون ٥٢٥/٥ . (٤) النكت والعيون ٥٢٦/٥ . (٥) الوسيط ٣٥٥/٤، والبغوي ٣٣٥/٤، والكشاف ٩٥/٤ ، ضمن خبر طويل، وسلف قريبًا. ٤٢٨ سورة الممتحنة: الآية ١٢ المعاصي، هان عليه ترك سائرها مما لا شهوةً له فيها (١). الرابعة: لما قال النبيُّ # في البيعة: ((ولا يَسْرِقن)) قالت هند: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سفيان رجل مَسِيك فهل عليَّ حرج أن آخذ ما يكفيني وولدي؟ قال: ((لا، إلَّا بالمعروف)» فخشِيتْ هند أن تقتصر على ما يعطيها، فتضيع، أو تأخذ أكثرَ من ذلك، فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة. فقال لها النبيُّ﴾: ((لا)) أي: لا حرجَ عليكِ فيما أَخذتِ بالمعروف. يعني: من غير استطالة إلى أكثر من الحاجة. قال ابن العربيّ(٢): وهذا إنَّما هو فيما لا يَخْزُنه عنها في حجاب، ولا يَضبِطُ عليه بقُفْل، فإنَّه إذا هتكته الزوجة وأخذت منه، كانت سارقةً تعصي به، وتُقطّع يدها. الخامسة: قال عُبادة بن الصَّامت: أخذ علينا رسول اللـه # كما أَخذ على النساء: ((ألَّا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا يَعْضَهْ بعضكم بعضًا، ولا تَعْصُوا في معروف آمركم به)»(٣). معنى «يَعْضَه)): يسحر. والعَضْه: السِّحر. ولهذا قال ابن بحر وغيره في قوله تعالى: ((ولا يأتين ببهتان)) إنَّه. السحر(٤). وقال الضَّحَّاك: هذا نهي عن البهتان، أي: لا يَعْضَهْنَ رجلًا ولا امرأة. (بِبُهْتَانٍ)) أي: بسحر. والله أعلم. ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبْدِيِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ والجمهور على أنَّ معنى (بِبُهْتَانٍ)) بولد يفترينه بين أيديهنَّ ما أخذَتْه لقيطًا. ((وَأَرْجُلِهِنَّ)) ما ولدته من زنّى. وقد تقدَّم. (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٨٢/٤ - ١٧٨٣، والحديث أخرجه البخاري (١٣٩٨)، ومسلم (١٧)، والدُّبَّاء: القَرْع. والحنتم: جِرار مدهونة خضر كانت تُحمل الخمر فيها إلى المدينة. والمزقَّت: الإناء الذي طلي بالزّفْت. وهذه كلها أوعية ينتبذون فيها فتسرع الشِّدَّة في الشراب. النهاية (دبب) و(حنتم) و(زفت). (٢) في أحكام القرآن له ١٧٨٣/٤، وما قبله منه أيضًا. والحديث سلف قريبًا. (٣) أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في السنن المأثورة ٢٦٨/٢، وهو عند مسلم (١٧٠٩): (٤٣)، وأحمد (٢٢٧٣٢). (٤) النكت والعیون ٥/ ٥٢٥ ٤٢٩ سورة الممتحنة: الآية ١٢ السادسة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَتصِينَكَ في معروفٍ﴾ في البخاري(١) عن ابن عباس في قوله تعالى: ((ولا يعصينك في معروف)) قال: إنَّما هو شرط شرطه الله للنساء. واختلف في معناه على ما ذكرنا. والصحيح أنَّه عامٌّ في جميع ما يأمر به النبيُّ ﴾ وينهى عنه؛ فيدخل فيه النَّوْحِ، وتخريق الثياب، وجَزُّ الشعر، والخَلْوة بغير مَحْرَم إلى غير ذلك. وهذه كلُّها كبائر ومن أفعال الجاهلية. وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي مالك الأشعريِّ أنَّ النبيَّ# قال: ((أربع في أمَّتي من أمر الجاهلية)) فذكر منها النياحة(٢). وروى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله﴾: ((هذه النوائح يُجعلنَ يوم القيامة صفَّين، صفًّا عن اليمين، وصفًّا عن اليسار، ينبحن كما تنبح الكلاب في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يُؤمَر بهنَّ إلى النار)). وعنه قال: قال رسول الله ﴾: ((لا تصلِّ الملائكة على نائحة ولا مُرِنّة)). وروي عن عمر بن الخطاب ﴾ أنَّه سمع نائحةً، فأتاها فضربها بالدرَّة حتى وقع خِمارها عن رأسها. فقيل: يا أمير المؤمنين، المرأةَ المرأةً! قد وقع خمارها. فقال: إنَّها لا حُرْمَة لها. أسند جميعَه الثعلبيُّ رحمه الله(٣). أما تخصيص قوله: ((في مَعْرُوفٍ)) مع قوَّة قوله: ((وَلَا يَعْصِينَكَ)) ففيه قولان: (١) برقم (٤٨٩٣). (٢) مسلم (٩٣٤)، وسلف ص٢٢٨ من هذا الجزء. (٣) والحديث الأول أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٢٢٥) من طريق سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى ابن أبي كثير، به، إلا أنه لم يرد فيه قوله #: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يؤمر بهنَّ إلى النار. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٤/٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف. اهـ والحديث الثاني أخرجه الطيالسي (٢٤٥٧)، ومن طريقه أحمد (٨٧٤٦)، وأبو يعلى (٦١٣٧). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣/٣: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه: أبو مُرّاية [وتصحَّفت في مطبوع المجمع إلى: مرانة. قال ابن حجر في تبصير المنتبه ١٢٧١/٤: مُرَاية، بالضم والتخفيف، وبعد الألف ياء تحتانية. أبو مراية العجلي اسمه: عبد الله بن عمرو. اهـ وذكره ابن حبان في الثقات ٣١/٥]، ولم أجد من وثقه ولا جرحه، وبقية رجاله ثقات. اهـ وخبر عمر بن الخطاب ذكره الذهبي في الكبائر في الكبيرة التاسعة والأربعين. ٤٣٠ سورة الممتحنة: الآية ١٢ أحدهما: أنَّه تفسير للمعنى على التأكيد، كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ أَمْكُ بِآلْمَنِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] لأنَّه لو قال: احكم، لكفى. الثاني: إنَّما شرط المعروف في بَيْعة النبيِّ #؛ حتى يكون تنبيهاً على أنَّ غيره أولى بذلك، وألزم له، وأنفى للإشكال. السابعة: روى البخاريُّ عن عبادة بن الصامت قال: كنّا عند النبيِّ # فقال: ((أتبايعوني على ألَّا تشركوا بالله شيئًا. ولا تزنوا، ولا تسرقوا)) قرأ آيةَ النساء. وأكثر لفظ سفيان: قرأ في الآية: ((فمن وَفَى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب، فهو كفَّارة له، ومن أصابَ من ذلك شيئًا فستره الله، فهو إلى الله إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له منها))(١). وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: شهدتُ الصلاةَ يوم الفطر مع رسول الله 8* وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلُّهم يصلِّيها قبل الخطبة، ثم يخطب، فنزل نبيُّ الله ﴾ فكأنِّي أَنظرُ إليه حين يُجلِّس الرجال بيده، ثم أَقبل يَشُقُّهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَشْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتٍَ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ حتى فرغ من الآية كلِّها، ثم قال حين فرغ: ((أنتنَّ على ذلك))؟ فقالت امرأة واحدة لم يُجبْه غيرُها: نعم، يا رسول الله. لا يَذْرِي الحسن من ھي. قال: ((فَتَصَدَّقْنَ)» وبسط بلال ثوبَه، فجعلن يُلقِيْنَ الفَتَخَ والخواتيم في ثوب بلال. لفظ البخاريِّ(٢). الثامنة: قال المَهدَوِيُّ: أجمع المسلمون على أنَّه ليس للإمام أن يشترط عليهنَّ هذا، والأمر بذلك ندب لا إلزام. وقال بعض أهل النظر: إذا احتيج إلى المحنة من أجل تباعد الدار، كان على إمام المسلمين إقامة المحنة. (١) البخاري (٤٨٩٤)، وهو عند مسلم (١٧٠٩): (٤٢). (٢) برقم (٤٨٩٥)، وهو عند مسلم (٨٨٤)، وأحمد (٣٠٦٣). قال عبد الرزاق إثر رواية البخاري (٩٧٨): الفَتَخ: الخواتيم العظام كانت في الجاهلية. ٤٣١ سورة الممتحنة: الآية ١٣ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ ٢١٣ اُلْآَخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُرِ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَّلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: اليهود(١). وذلك أنَّ ناساً من فقراء المسلمين كانوا يُخْبِرون اليهود بأخبار المؤمنين ويواصلونهم، فيصيبون بذلك من ثمارهم فنُهُوا عن ذلك(٢). ﴿قَدْ يَيِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ يعني: اليهود، قاله ابن زيد(٣). وقيل: هم المنافقون. وقال الحسن: هم اليهود والنصارى. قال ابن مسعود: معناه أنَّهم تركوا العمل للآخرة، وآثروا الدنيا. وقيل: المعنى يئسوا من ثواب الآخرة، قاله مجاهد(٤). ومعنى ﴿ كَمَا بَيِسَ الْكُفَّارُ﴾ أي: الأحياء من الكفَّار . ﴿مِنْ أَصْخَبِ الْقُبُورِ﴾ أن يرجعوا إليهم، قاله الحسن وقتادة(٥). قال ابن عرفة: وهم الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُاَ إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. وقال مجاهد: المعنى: كما يئس الكفّار الذين في القبور أن يرجعوا إلى الدنيا(٦). وقيل: إنَّ الله تعالى ختم السورة بما بدأها من ترك موالاة الكفّار، وهي خطاب لحاطب بن أبي بَلْتَعَة وغيره. قال ابن عباس: ((يا أيُّها الذين آمنوا لا تَتَولَّوا)) أي: لا توالوهم ولا تناصحوهم، رجع تعالى بطَوْله وفَضْله على حاطب بن أبي بَلْتَعَة .. يريد أنَّ كفَّار قريش قد يئسوا من خير الآخرة، كما يئس الكفّار المقبورون من حظّ يكون لهم في الآخرة من رحمة الله تعالى. وقال القاسم بن أبي بَزَّة في قوله تعالى: ((قد يَئِسُوا من الآخرةِ كما يَئِسَ الكفَّارُ من أصحابِ القبورِ)) قال: من مات من الكفّار، يئس من الخير. والله أعلم. (١) النكت والعيون ٥٢٦/٥ وعزاه لمقاتل. (٢) تفسير أبي الليث ٣٥٦/٣ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤١٧ . (٤) النكت والعيون ٥٢٦/٥، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٧٠، وأخرجه عنه الطبري ٢٢/ ٦٠٤. (٥) وأخرجه عنهما الطبري ٦٠٢/٢٢ - ٦٠٣، وقول قتادة أخرجه أيضاً عبد الرزاق في التفسير ٢٨٩/٢ . (٦) أخرجه عنه الطبري ٢٢/ ٦٠٤ . سورة الصَّفّ مَدَنِيَّةٌ في قول الجميع، فيما ذكر الماورديُّ(١). وقيل: إنَّها مكِّيَّة، ، ذكره النخَّاس(٢) عن ابن عباس. وهي أربع عشرة آية. بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْكِيمُ (١) تقدَّم (٣). قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ٣ فيه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ روى الدَّارِمِيُّ أبو محمد في ((مسنده)): أخبرنا محمد بنُ كثير، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سَلاَم قال: قَعَدنَا نَفَرٌ من أصحابٍ رسول الله ﴾ فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أيّ الأعمال أحبّ إلى الله تعالى لعملناه، فأنزل الله تعالى ﴿َسَبَّحَ لِلَِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ حتى ختمها. قال عبد الله: فقرأها علينا رسولُ اللـه﴾ حتى ختمها. قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سَلام. قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة، وقرأها علينا يحيى، وقرأها علينا (١) في النكت والعيون ٥٢٧/٥ . (٢) في الناسخ والمنسوخ ١٢٢/٣. (٣) ص ٢٣٥ من هذا الجزء. ٤٣٣ سورة الصف: الآيتان ٢ - ٣ الأوزاعيُّ، وقرأها علينا محمد (١). وقال ابن عباس: قال عبد الله بن رَوَاحة: لو علمنا أحبّ الأعمال إلى الله لعملناه، فلما نزل الجهاد كرهوه(٢). وقال الكلبيُّ: قال المؤمنون: يا رسولَ الله، لو نعلم أحبَّ الأعمال إلى الله، لسارعنا إليها، فنزلت: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَذْكُمْ عَلَى نِزَقْ تُحِكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فمكثوا زماناً يقولون: لو نعلم ما هي لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين، فدلَّهم الله تعالى عليها بقوله: ﴿نُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَرَسُولِ وَتَُّهِدُونَ فِي سَمِلِ اَللَّهِ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية. فابْتُلُوا يوم أُحُد، ففرُّوا، فنزلت تعيِّرهم بترك الوفاء(٣). وقال محمد بن كعب: لما أخبر الله تعالى نبيَّه # بثواب شهداء بدر، قالت الصحابة: اللَّهمَّ اشهد! لئن لقِينا قتالاً لَنُفْرِغَنَّ فيه وُسْعَنا،، ففرُّوا يوم أُحُد فعيّرهم الله بذلك. وقال قتادة والضحَّاك: نزلت في قوم كانوا يقولون: نحن جاهدنا وأَبْلَيْنَا، ولم يفعلوا(٤) . وقال صُهيب: كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر وأَنكاهم، فَقَتَلْتُه. فقال رجل: (١) سنن الدارمي (٢٣٩٠)، وأخرجه أيضاً الترمذي (٣٣٠٩)، والواحدي في أسباب النزول ص٤٥٣ من طريقين، عن محمد بن كثير، به. إلا أنه ورد في أسباب النزول مختصراً. قال الترمذي: وقد خولف محمد بن كثير في إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي. وروى ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن عبدالله بن سلام، أو عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام. اهـ قلنا: هو عند أحمد (٢٣٧٨٩) من طريق يعمر، عن ابن المبارك، به. وأخرجه ايضاً الحاكم ٤٨٦/٢-٤٨٧ من طريق الوليد بن مزيد وأبي إسحاق الفزاري، كلاهما عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سلام، بنحوه. وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر في فتح الباري ٤١٩/٨: وقد وقع لنا سماع هذه السورة [يعني الصف] مسلسلاً في حديث ذكر في أوله سبب نزولها، وإسناده صحيح قلَّ أن وقع في المسلسلات مثله مع مزيد علوه. (٢) لم نقف عليه. (٣) أسباب النزول للواحدي ص٤٥٤ دون عزوٍ، وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٥٤/١٠ (١٨٨٨٥) عن مقاتل. (٤) تفسير البغوي ٣٣٧/٤، وقول قتادة والضحاك أخرجه عنهما الطبري ٦٠٨/٢٢- ٦٠٩ . ٤٣٤ سورة الصف: الآيتان ٢ - ٣ يا نبيَّ الله، إنِّي قتلت فلاناً، ففرح النبيُّ﴾ بذلك. فقال عمر بن الخطاب وعبدالرحمن بن عَوْف: يا صُهيب، أما أخبرتَ رسولَ اللهِ ﴾﴿ أَنَّك قتلتَ فلاناً! فإنَّ فلاناً انْتَحَل قَتْلَه، فأخبره فقال: ((أكذلك يا أبا يحيى))؟ قال: نعم، واللهِ يارسول الله، فنزلت الآية في المنتحِل(١). وقال ابن زيد: نزلت في المنافقين، كانوا يقولون للنبيّ # وأصحابه: إن خرجتم وقاتلتم، خرجنا معكم وقاتلنا، فلما خرجوا، نكصوا عنهم وتخلفوا(٢). الثانية: هذه الآية توجب على كلِّ من ألزم نفسه عملاً فيه طاعة، أن يفيَ بها(٣). وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي موسى(٤) أنَّه بعث إلى قرَّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثُ مئةٍ رجلٍ قد قرؤوا القرآن، فقال: أنتم خيارُ أهل البصرة وقرَّاؤهم، فاتْلُوه ولا يَطُولَنَّ عليكم الأَمَدُ فتَفْسُوَ قلوبكم، كما قستْ قلوب من كان قَبلكم. وإنَّا كُنَّا نقرأ سورةً، كنَّا نُشبِّهها في الُول والشِّذَّة بـ ((براءة)) فأُنْسيتها، غيرَ أنَّي قد حِفِظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال، لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يَملأُ جوفَ ابنِ آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة كنّا نشبهها بإحدى المسُبِّحات فأُنسيتها، غير أنّي حفظتُ منها: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فَتُكْتَب شهادةً في أعناقكم فُتُسألون عنها يوم القيامة. قال ابن العربيّ(٥): وهذا كلُّه ثابت في الدِّين. أما قوله تعالى: (١) الكشاف ٩٦/٤، وأورده أيضاً ابن الجوزي في زاد المسير ٨/ ٢٥٠ بنحوه، وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص١٦٩ للثعلبي، ومعنى قوله: وأنكاهم. أي: أصاب منهم. اللسان (نكي). (٢) تفسير البغوي ٣٣٧/٤، وأخرجه عنه الطبري ٦٠٩/٢٢ . (٣) أحكام القرآن للجصاص ٤٤٢/٣ . (٤) برقم (١٠٥٠)، إلا أنه لم يرد فيه: عن أبي موسى، بل ورد فيه: عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه [وهو: ظالم بن عمرو الدِّيْلي]، قال: بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة، ... الخبر. (٥) في أحكام القرآن له ١٧٨٧/٤، وما بين حاصرتين منه، والكلام الآتي كلَّه منه إلى قوله: والصحيح عندي أن الوفاء به على كل حال إلا لعذر. ٤٣٥ سورة الصف: الآيتان ٢ - ٣ ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فثابت في الدِّين لفظاً ومعنّى في هذه السورة. وأما قوله: ((شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة)) فمعنى ثابتٌ في الدِّين؛ فإنَّ من التزم شيئاً، لزمه شرعاً. والملتَزَم على قسمين: أحدهما: النذر، وهو على قسمين، نذر تقرُّبٍ مبتدأ كقوله : للهِ عليَّ صلاة وصوم وصدقة، ونحوه من القُرَب. فهذا يلزم الوفاء به إجماعاً. ونذرُ مباحٍ: وهو ما علِّق بشرطٍ رغبةً، كقوله: إن قَدِمَ غائبي، فعليَّ صدقة، أو عُلِّق بشرط رهبةً، كقوله: إن كفاني الله شرَّ كذا، فعليَّ صدقة. فاختلف العلماء فيه، فقال مالك وأبو حنيفة: يلزمه الوفاء به(١). وقال الشافعيُّ في أحد أقواله: إنَّهُ لا يلزمه الوفاء به(٢). وعموم الآية حجّة لنا ؛ لأنَّها بمطلقها تتناول ذمَّ من قال مالا يفعله على أيِّ وجه كان من مطلق أو مقيّد بشرط. وقد قال أصحابه: إِنَّ النذر إنَّما يكون بما القصد منه القُرْبة مما هو من جنس القربة. وهذا وإن كان من جنس القربة، لكنه لم يُقصَد به القربة، وإنَّما قصد مَنْع نفسه عن فعل، أو الإقدام على فعل. قلنا: القُرب الشرعية مَشَفَّات(٣) وكُلَف، وإن كانت قربات. وهذا تكلُّف [في] التزام هذه القربة بمشقّة، لجَلبْ نفع أو دفع ضرِّ، فلم يخرج عن سنن التكليف، ولازال عن قصد التقرُّب. قال ابن العربيّ: فإن كان المقول منه وعداً، فلا يخلو أن يكون منوطاً بسببٍ، كقوله: إن تزوَّجتَ، أعنتُك بدينار، أو ابتعتَ حاجةَ كذا، أَعطيتك [كذا]. فهذا لازم إجماعاً من الفقهاء. وإن كان وعداً مجرَّداً، فقيل: يلزم بتعلُّقه(٤). وتعلَّقوا بسبب الآية، فإنَّه روي أنَّهم كانوا يقولون: لو نعلم أيَّ الأعمال أفضل أو أحبّ إلى الله، لعملناه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وهو حديث لا بأس به. (١) النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني ١٨/٤، وبدائع الصنائع ٣٥٥/٦. (٢) الأم ٧/ ٦١ . (٣) في أحكام القرآن لابن العربي: مقتضيات. (٤) في أحكام القرآن لابن العربي: بمطلقه. ٤٣٦ سورة الصف: الآيتان ٢ - ٣ وقد روي عن مجاهد أنَّ عبد الله بن رَوَاحة لما سمعها قال: لا أزال حبيساً في سبيل الله حتى أُقتل(١). والصحيح عندي: أنَّ الوعد يجب الوفاء به على كلِّ حال إلا لعذر. قلت: قال مالك: فأما العِدَة مثل أن يسأل الرجلُ الرجلَ أن يَهَب له الهبة، فيقولَ له: نعم. ثم يبدو له ألَّا يفعل، فما أرى ذلك يلزمه. وقال ابن القاسم: إذا وعَد الغرماءَ فقال: أُشهدكم أنِّي قد وهبت له من أين يؤدِّي إليكم (٢)، فإنَّ هذا يلزمه. وأما أن يقول: نعم أنا أفعل. ثم يبدو له، فلا أَرى عليه ذلك. قلت: أي: لا يقضى عليه بذلك، فأمَّا في مكارم الأخلاق وحسن المروءة، فَنَعَم. وقد أثنى الله تعالى على من صَدقَ وعده ووَفَى بنذره فقال: ﴿وَأَلْمُقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِىِ الْكِنَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَُّ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مریم: ٥٤] وقد تقدَّم بيانه. الثالثة: قال النَّخَعِيُّ: ثلاث آيات منعتني أن أقصَّ على الناس: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَدُكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]. وخرَّج أبو نُعيم الحافظ من حديث مالك بن دينار، عن ثُمَامة، أنَّ أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﴾: ((أتيتُ ليلة أُسْرِيَ بي على قوم تُقرَض شفاههم بمقاريضَ من نار، كلَّما قُرضتِ، وَفَت. قلت: مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمَّتك الذين يقولون ولا يفعلون، ويقرؤون كتابَ الله ولا يَعملون))(٣). وعن بعض السلف أنَّه قيل له: حدِّثْنَا. فسكت. ثم قيل له: حدِّثْنَا. فقال: أتأمرونني أن أقول ما لا أفعل، (١) تفسير مجاهد ٢/ ٦٧١، وأخرجه عنه عبد الله بن المبارك في الجهاد (٣)، والطبري ٢٢ / ٦٠٧ - ٦٠٨. (٢) في (خ) و(د) و(م): من أن يؤدي إليكم. والمثبت من (ف) و(ز) والتمهيد ٢٠٨/٣ والكلام منه. (٣) حلية الأولياء ٣٨٦/٢-٣٨٧، وأخرجه أيضاً البيهقي في شعب الإيمان (١٧٧٣) من طريق صدقة بن موسى والحسن بن جعفر، عن مالك بن دينار ، به. وصدقة بن موسى ضعيف. ومعنى: وفت، أي: تمَّت وطالت. النهاية(وفا). وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٤٠٦٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٩٦٥)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٧٢ من طريقين، عن سليمان التيمي، عن أنس بنحوه والإسنادان صحيحان. ٤٣٧ سورة الصف: الآيات ٢ - ٤ فأَستَعْجِلَ مَفْتَ الله(١) !. الرابعة: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ، على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير مالا يفعله؛ أما في الماضي فيكون كذباً، وأما في المستقبل فيكون خُلْفاً، وكلاهما مذموم. وتأوَّل سفيان بن غُيَينة قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ أي: لِمَ تقولون ما ليس الأمر فيه إليكم، فلا تدرونَ هل تفعلون أو لا تفعلون. فعلى هذا يكون الكلام محمولاً على ظاهره في إنكار القول. الخامسة: قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قد يحتجُ به في وجوب الوفاء في اللجاج والغضب على أحد قولي الشافعي(٢). و ((أَنْ)) رفع بالابتداء، وما قبلها الخبر، وكأنَّه قال: قولكم ما لا تفعلون مذمومٌ، ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف(٣). الكسائي: ((أن)) في موضع رفع؛ لأنَّ (كَبُرَ)) فعلٌ بمنزلة: بئسَ رجلاً أخوكَ(٤). و((مَقْتاً)) نصب بالتمييز، المعنى: كبر قولهم مالا يفعلونَ مقتاً(٥). وقيل: هو حال. والمقت والمَقَاتة مصدران، يقال: رجل مقيت وممقوت: إذا لم يحبّه الناس(٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ. صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُلْيَنٌ مَرْصُوص فيه ثلاث مسائل : (١) الكشاف ٤ / ٩٧ . (٢) أحكام القرآن للهراسي ٤١٣/٤، ونذر اللجاج والغضب: هو أن يمنع نفسه من فعل، أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو بالترك. ويقال فيه: يمين اللجاج والغضب، ويقال له أيضاً: يمين الغَلَق، ونذر الغَلَق. المجموع ٣٧٦/٨ . (٣) المشكل لمكي ٧٣٠/٢ . (٤) معاني القرآن للفراء ١٥٣/٣. (٥) معاني القرآن للزجاج ٥/ ١٦٣ . (٦) الصحاح (مقت) . ٤٣٨ سورة الصف: الآية ٤ الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا﴾ أي: يصفُّون صفًّا (١): والمفعول مضمر، أي: يصفُّون أنفسهم صفًّا. ﴿كَنَّهُم بُلْيَئِنٌ مَرْصُوصٌ﴾ قال الفرَّاء(٢): مرصوص بالرَّصاص. وقال المبرِّد: هو من رصصت البناء إذا لا أَمْتَ بينه وقاربتَ حتى يصيرَ كقطعة واحدة(٣). وقيل: هو من الرصيص، وهو انضمام الأسنان بعضها إلى بعض . والتراصُ: التلاصق. ومنه: وتراصُّوا في الصف(٤). ومعنى الآية: يحبُّ مَن يثبت في الجهاد في سبيل الله، ويلزم مكانه كثبوت البناء(٥). وقال سعيد بن جبير: هذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوّهم. الثانية: وقد استدلَّ بعض أهل التأويل بهذا على أنَّ قتال الراجل أفضل من قتال الفارس؛ لأنَّ الفرسان لا يصطفُّون على هذه الصفة(٦). المهدَوِيُّ: وذلك غير مستقيم؛ لما جاء في فضل الفارس فِي الأجر والغنيمة. ولا يخرج الفرسان من معنى الآية؛ لأنَّ معناه الثبات. الثالثة: لا يجوز الخروج عن الصف إلا لحاجة تعرض للإنسان، أو في رسالة يرسلها الإمام، أو في منفعة تظهر في المقام، كفرصة تنتهز، ولا خلاف فيها(٧). وفي الخروج عن الصفِّ للمبارزة، خلاف على قولين: أحدهما: أنَّه لا بأسَ بذلك، إرهاباً للعدوِّ، وطلباً للشهادة، وتحريضاً على القتال. وقال أصحابنا: لا يبرز أحد طالباً لذلك؛ لأنَّ فيه رياءً وخروجاً إلى ما نهى الله عنه من لقاء العدوِّ. وإنما تكون (١) تفسير البغوي ٤/ ٣٣٧ . (٢) في معاني القرآن له ٣/ ١٥٣ . (٣) تفسير الرازي ٣١٢/٢٩ ولم يعزه. (٤) لسان العرب (رصص) بنحوه. (٥) معاني القرآن للزجاج ١٦٤/٥ . (٦) الكشاف ٩٧/٤ ، وذكره الطبري في التفسير ٦١١/٢٢ بنحوه. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٧٨٩/٤، وما بعده منه أيضاً. ٤٣٩ سورة الصف: الآيتان ٤ - ٥ المبارزة إذا طلبها الكافر، كما كانت في حروب النبيِّ # يوم بَدْر، وفي غَزْوة خَيْبر، وعليه دَرَج السلف. وقد مضى القول مستوفى في هذا في ((البقرة)) عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى التَّلْكَةِ﴾ (١) [الآية: ١٩٥]. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ (@) قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ لما ذكر أمر الجهاد بيَّن أنَّ موسى وعيسى أَمرا بالتوحيد وجاهدا في سبيل الله، وحلَّ العقاب بمن خالفهما، أي: واذكر لقومك يا محمد هذه القصّة(٢). قوله تعالى: ﴿يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِ﴾ وذلك حين رَمَوْه بالأُدْرَة، حسب ما تقدَّم في آخر سورة((الأحزاب)»(٣). ومن الأذى ما ذكر في قصَّة قارون: أَنَّه دسَّ إلى امرأة تَذَّعي على موسى الفجور (٤). ومن الأذى قولهم: ﴿أَجْعَل لََّ إِلَهَا كَمَا لَّمْ ءَالِهَةٌ ﴾ (٥) [الأعراف: ١٣٨]. وقولهم: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا﴾ (٦) [المائدة: ٢٤]. وقولهم: إِنَّك قتلتَ هارونَ. وقد تقدَّم هذا(٧). ﴿وَقَدْ تَّعْلَمُونَ أَنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ والرسول يُحترم ويعظّم(٨). ودخلت ((قد)) على ((تعلمون)) للتأكيد؛ كأنَّه قال: وتعلمون علماً يقيناً لا شبهةً لكم فيه. (١) ٢٦٠/٣. (٢) زاد المسير ٨/ ٢٥٣ . (٣) عند الآية (٦٩). (٤) عرائس المجالس ص٢١٨ . (٥) سلفت ٣١٧/٩ . (٦) سلفت ٣٩٩/٧ . (٧) ٣٤٨/٩ . (٨) تفسير البغوي ٤/ ٣٣٧ . ٤٤٠ سورة الصف: الآيتان ٥ - ٦ ﴿فَلَمَا زَاغُواْ﴾ أي: مالوًا عن الحقِّ ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: أمالها عن الهُدَى(١). وقيل: ((فَلَمَّا زَاغُوا)) عن الطاعة ((أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ)) عن الهداية(٢). وقيل: ((فَلَمَّا زَاغُوا)) عن الإيمان(أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ)) عن الثواب. وقيل: أي: لما تركوا ما أمِّرُوا به من احترام الرسول عليه الصلاة والسلام وطاعة الربِّ، خَلَقَ اللهُ الضلالةَ في قلوبهم؛ عقوبةً لهم على فعلهم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَنِيّ إِسْرَّهِيَلَ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُرْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَقَّ مِنَ النَّوْرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ: أَخَذٌّ فَمَّا جَاءَهُم بِلْبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَّرْبَ﴾ أي: واذكر لهم هذه القصّة أيضاً. وقال: (يَا بِنِي إسرائيل)) ولم يقل: ((ياقوم)) كما قال موسى؛ لأنَّه لا نسبَ له فيهم، فيكونون قومه. ﴿إِ رَسُولُ اَلَهِ إِلَيْكُ﴾ أي: بالإنجيل. ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَنَّ مِنَ النَّرَّةِ﴾ لأنَّ في التوراة صفتي، وأنَّي لم آتكم بشيء يُخالِفُ التوراة، فتنفروا عني. ﴿وَمُبَشِرًا بِرَسُولٍ﴾ مصدِّقاً. ((وَمُبَشِّراً)) نصب على الحال(٣)، والعامل فيها معنى الإرسال. و((إِليكم)) صلة الرسول. ﴿يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ، أَخَذٌ﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: «مِنْ بَعْدِي» بفتح الياء (٤). وهي قراءة السُّلَمِيِّ وزرِّ بن حُبيش وأبي بكر، عن عاصم. واختاره أبو حاتم؛ (١) زاد المسير ٨/ ٢٥٣ . (٢) النكت والعيون ٥٢٨/٥، وما بعده منه أيضاً. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٢٠ . (٤) السبعة ص ٦٣٥، والنشر ٢/ ٣٨٧.