Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة الواقعة: الآيات ٤٠ - ٥٦
وقال الواحديُّ(١): أصحاب الجنَّة نصفان، نصف من الأمم الماضية، ونصف
من هذه الأمَّة. وهذا يردُّه ما رواه ابن ماجه في ((سننه)) والترمذيُّ في ((جامعه)) عن بريدة
ابن حصيب قال: قال رسول اللـه﴾: «أهل الجنّة عشرون ومئة صفٍّ، ثمانون
منها من هذه الأمَّة، وأربعون من سائر الأمم)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن(٢).
و (ثُلَّةٌ)) رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب
اليمين ثلتان: ثلَّة من هؤلاء، وثلَّة من هؤلاء(٣). والأوَّلون: الأمم الماضية،
والآخرون: هذه الأمَّة، على القول الثاني(٤).
وَظِلٍ
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ جَ فِ سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (49)
وَكَانُواْ
إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ
مِّنْ يَحْمُومٍ ﴿﴿ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (@)
يُصِرُونَ عَلَى الْحِثِ الْعَظِيمِ (٨ وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَبِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَِنَّا لَمَبْعُونُونَ
لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ
٤٩)
قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ
أَوَ ءَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (@)
لَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّنْ زَقُومٍ (٢@
يَوْم ◌َعْلُومٍ (®) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ (@)
هَذَا نُزُهُمْ
فَشَرِبُونَ شُرْبَ الغِيمِ (@)
٥٤
فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ
(٥٣)
فَالِثُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
٥٦
يَوْمَ الِيْنِ
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَآ أَضْحَبُ الشِّمَالِ﴾ ذكَر منازل أهل النار وسمَّاهم
أصحاب الشمال؛ لأنَّهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، ثم عظّم ذِكْرهم في البلاء
والعذاب فقال: ﴿مَّ أَضْحَبُ الشِمَالِ . فِ سَمُومٍ﴾ والسموم: الريح الحارَّة التي تدخل في
= وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٨/٧- ١١٩ عن أبي بكرة مرفوعاً، وقال: رواه الطبراني
بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح غير علي بن زيد وهو ثقة سيئ الحفظ. اهــ. ولم نقف عليه في
معاجم الطبراني الثلاثة.
(١) في الوسيط ٢٣٥/٤ بنحوه.
(٢) ابن ماجه (٤٢٨٩)، والترمذي (٢٥٤٦).
(٣) معاني القرآن للفراء ١٢٦/٣ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٤٥/٥ .

٢٠٢
سورة الواقعة: الآيات ٤٢ - ٥٦
مسامِّ البدن(١). والمراد هنا حرُّ النار ولفحها(٢). ﴿وَجَمِيرٍ﴾ أي: ماء حارِّ قد انتهى
حرُّه(٣)، إذا أحرقت النارُ أكبادَهم وأجسادهم فزعوا إلى الحميم، كالذي يفزع من
النار إلى الماء ليطفئ به الحرَّ، فيجده حميماً حاراً في نهاية الحرارة والغليان. وقد
مضى في ((القتال)) (٤): ﴿وَسُقُواْ مَآءَ حِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَلَهُمْ﴾ [الآية: ١٥].
﴿وَظِلٍ مِّنْ يَحْهُورٍ﴾ أي: يفزعون من السَّموم إلى الظُّلِّ كما يفزع أهل الدنيا فيجدونه
ظلاً من يَخْموم، أي: من دخان جهنّم أسود شديد السواد. عن ابن عباس ومجاهد
وغيرهما(٥). وكذلك اليَحْموم في اللغة: الشديد السواد، وهو يَفْعول من الحَمِّ، وهو
الشحم المسودُّ باحتراق النار. وقيل: هو مأخوذ من الحُمَّم وهو الفحم (٦). وقال
الضخَّاك: النار سوداء، وأهلها سود، وكلُّ شيء فيها أسود(٧). وعن ابن عباس
أيضاً: النار سوداء(٨). وقال ابن زيد: اليَحْموم: جبل في جهنّم يستغيث إلى ظلِّه أهل
النار(٩).
﴿لَّا بَارِبٍ﴾ بل حارٌّ؛ لأنَّه من دخان شفير جهنم. ﴿وَلَا كَرِيرٍ﴾ عذب، عن
الضحَّاك (١٠)، وقال سعيد بن المسيّب: ولا حسن منظره(١١). وكلُّ ما لا خير فيه
فليس بكريم. وقيل: ((وَظِلٌّ مِّن يَحْمُومِ)) أي: من النار يُعذَّبون بها، كقوله: ﴿لَهُم مِّن
(١) الكشاف ٤/ ٥٥ .
(٢) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٤٩ .
(٣) الكشاف ٤/ ٥٥ .
(٤) ١٩/ ٢٦١ .
(٥) المحرر الوجيز ٢٤٦/٥، وأخرجه عنهما الطبري ٣٣٥/٢٢.
(٦) الصحاح (حمم)، وتهذيب اللغة ١٨/٤-١٩ .
(٧) تفسير البغوي ٢٨٦/٤ .
(٨) النكت والعيون ٤٥٦/٥ .
(٩) المحرر الوجيز ٢٤٦/٥ .
(١٠) أخرجه الطبري ٣٣٧/٢٢.
(١١) تفسير البغوي ٢٨٦/٤.

٢٠٣
سورة الواقعة: الآيات ٤٥ - ٥٦
فَوْقِهِمْ نُظْلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن ◌َّحِهِمْ تُظَلٌ﴾ (١) [الزمر: ١٦].
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أي: إنَّما استحقُّوا هذه العقوبة؛ لأنَّهم كانوا في
الدنيا متنعِّمين بالحرام. والمتَرف: المنعَّم، عن ابن عباس وغيره. وقال السديُّ:
(مُتْرَفِينَ)) أي: مشركين(٢).
﴿وَكَانُوْ يُصِرُونَ عَلَى الْحِثِ الْعَظِيمِ﴾ أي: يقيمون على الشِّرك، عن الحسن والضخَّاك
وابن زيد (٣). وقال قتادة ومجاهد: الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه (٤). الشعبيُّ: هو
اليمين الغَمُوس(٥). وهي من الكبائر. يقال: حَنِث في يمينه، أي: لم يَبرَّها ورجع
فيها(٦). وكانوا يقسمون أنْ لا بعثَ، وأنَّ الأصنام أنداد الله، فذلك حنثهم، قال الله
تعالى مخبراً عنهم: ﴿وَأَفْسَمُواْ بِاَللَّهِ جَهْدَ أَئِمَنِهِمْ لَا يَبَعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوثٌ﴾(٧)
[النحل: ٣٨]. وفي الخبر: كان يَتحنَّث في حِرَاء، أي: يفعل ما يُسقِط عن نفسه
الحِنث، وهو الذَّنْب(٨).
﴿وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَبِذَا مِنْنَا﴾ هذا استبعاد منهم لأمر البعث وتكذيب له، فقال الله
تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد: ﴿إِنَّ الْأَوَّلِينَ﴾ من آبائكم ﴿وَلْآَخِرِينَ﴾ منكم ﴿لَمَجْمُوعُونَ
إِلَى مِيقَتِ يَوْمٍ مَعْلُومٌ﴾ يريد يوم القيامة. ومعنى الكلام القَسَم، ودخول اللام في قوله
تعالى: (لَمَجْمُوعُونَ)) هو دليل القَسَم في المعنى، أي: إنَّكم لمجموعون قسَماً حقّاً،
(١) معاني القرآن للزجاج ١١٣/٥.
(٢) النكت والعيون ٥/ ٤٥٧ .
(٣) النكت والعيون ٤٥٧/٥، وأخرجه الطبري ٣٣٩/٢٢ عن الضحاك وابن زيد، وابن أبي حاتم في
التفسير ٣٣٣٣/١٠ (١٨٧٩٦) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) النكت والعيون ٥/ ٤٥٧، وأخرجه عنهما الطبري ٣٣٩/٢٢-٣٤٠.
(٥) النكت والعيون ٥/ ٤٥٧ .
(٦) الصحاح (حنث).
(٧) معاني القرآن للزجاج ١١٣/٥.
(٨) الصحاح (حنث)، وتهذيب اللغة ٤٨٠/٤ .

٢٠٤
سورة الواقعة: الآيات ٥٠ - ٥٦
خلافَ قَسَمكم الباطل.
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الشََّلُونَ﴾ عن الهدى ﴿اٌلْمُّكَذِّبُونَ﴾ بالبعث(١). ﴿لَكُونَ مِنْ شَجَرٍ مِّنْ زَقُومٍ﴾
وهو شجر كريه المنظر، كريه الطّعم، وهي التي ذكرت في سورة ((والصافات))(٢).
﴿فَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة(٣)؛ لأنَّ المقصود من الشجرة شجرة. ويجوز أن
تكون ((من)) الأولى زائدة، ويجوز أن يكون المفعول محذوفاً كأنَّه قال: ((لَآ كِلُونَ مِن
شَجَرٍ مِّن زَقُومِ)) طعاماً. وقوله ((مِنْ زَقُوم)) صفة لشجر، والصفة إذا قدَّرت الجارّ زائداً،
نصبت على المعنى، أو جررتَ على اللفظ، فإن قدَّرت المفعول محذوفاً، لم تكن
الصفة إلا في موضع جرِّ.
قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي: على الزقوم، أو على الأكل، أو على
الشجر(٤)؛ لأنَّه يذكَّر ويؤنَّث. ﴿مِنَ الْمَسِيمِ﴾ وهو الماء المغليُّ الذي قد اشتدَّ غليانه،
وهو صديد أهل النار(٥). أي: يورثهم حَرّ ما يأكلون من الزقوم مع الجوع الشديد
عطشاً، فيشربون ماء يظنُّون أنَّه يزيل العطش، فيجدونه حميماً مُغْلَى.
قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُونَ شُرْبَ اَلْظِيمِ﴾ قراءة نافع وعاصم وحمزة: ((شُرْبَ)) بضمِ
الشين، الباقون بفتحها(٦)، لغتان جيِّدتان، تقول العرب: شَرِبت شُرْباً وشَرْباً وشِرْباً
وشُرُباً بضمَّتين (٧). قال أبو زيد: سمعت العربَ تقول بضمِّ الشين وفتحها وكسرها،
والفتح هو المصدر الصحيح؛ لأنَّ كلَّ مصدر من ذوات الثلاث فأصله فَعْل، ألا ترى
أنَّك تردّه إلى المرَّة الواحدة، فتقول: فَعْلة، نحو شَرْبة، وبالضمِّ الاسم. وقيل: إنَّ
(١) الكشاف ٤/ ٥٥ .
(٢) بقوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ﴾ وسلف ٤١/١٨ .
(٣) معاني القرآن للأخفش ٧٠٢/٢ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٤٧/٥ .
(٥) تفسير الطبري ٣٤٢/٢٢ .
(٦) السبعة ص ٦٢٣، والتيسير ص٢٠٧ .
(٧) الصحاح (شرب) دون ذكر: وشُرُباً بضمتين.
:

٢٠٥
سورة الواقعة: الآيات ٥٥ - ٥٦
الفتح والاسم مصدران، فالشَّرْب كالأكل، والشُّرب کالذُّكْر، والشِّرب ـ بالكسر -
المشروب، كالطّحن المطحون(١).
والهِيم: الإبل العِطاش التي لا تَرْوى لدَاءٍ يصيبها، عن ابن عباس وعِكرمة وقتَادة
والسُّديِّ وغيرهم (٢)، وقال عكرمة أيضاً: هي الإبل المِراض(٣). الضخّاك: الهيم:
الإبل يصيبها داء تعطش منه عطشاً شديداً، واحدها: أهْيَم، والأنثى: هَيْماء(٤).
ويقال لذلك: الداء الهُيَام، قال قيس بن الملوّح:
يقال بِه داء الهُيَّامِ أصابه وقد علِمت نفسي مكانَ شِفائِها(٥)
وقوم هِيم أيضاً، أي: عِطاش، وقد هاموا هُيّاماً. ومن العرب من يقول في
الإبل: هائم وهائمة، والجمع هيم(٦)، قال لَبِید:
أَجَزْتُ إلى معارِفِها بِشُغْفٍ
وأطلَاحِ مِن العِيدِيِّ هِيم(٧)
وقال الضخَّاك والأخفش وابن عيينة وابن كيسان: الهيم: الأرض السهلة ذات
الرمل(٨). وروي أيضاً عن ابن عباس: فيشربون شرب الرمال التي لا تَرْوى بالماء(٩).
المهدويُّ: ويقال لكلِّ ما لا يروى من الإبل والرمل: أهيم وهيماء.
(١) الحجة للفارسي ٢٦٠/٦، والبيان ٤١٧/٢-٤١٨ .
(٢) النكت والعيون ٤٥٧/٥، وتفسير البغوي ٢٨٦/٤، والمحرر الوجيز ٢٤٧/٥، وأخرجه الطبري
٣٤٣/٢٢ عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد، وقول مجاهد في تفسيره ٦٤٩/٢ .
(٣) أخرجه الطبري ٣٤٣/٢٢.
(٤) زاد المسير ١٤٥/٨.
(٥) النكت والعيون ٥/ ٤٥٧ ، ولم نقف عليه في ديوان قيس.
(٦) تهذيب اللغة ٦ / ٤٦٨ .
(٧) شرح ديوان لبيد ص١٠٣، قال شارحه: شعث: رجال سيئة حالهم من الجهد والسفر. وأطلاح: إبل
رزايا مهازيل. والعيدي: إبل منسوبة إلى فحل أو إلى قوم.
(٨) تفسير البغوي ٢٨٦/٤ عن الضحاك وابن عيينة، والصحاح (هيم) عن الأخفش.
(٩) المحرر الوجيز ٢٤٧/٥ .

٢٠٦
سورة الواقعة: الآيات ٥٦ - ٦٢
وفي ((الصحاح)) (١): والهُيَام بالضمِّ: أشدُّ العطش. والهُيّام كالجنون من العشق.
والهُيَام: داء يأخذ الإبل فتَهيم في الأرض لا ترعى. يقال: ناقة هَيْماء. والهيماء
أيضاً: المفازة لا ماءَ بها. والهَيَام بالفتح: الرمل الذي لا يتماسك أن يسيل من اليد
لِلِينِهِ، والجمع هُيُم مثل قَذَال وقُذُلٍ. والهِيَام بالكسر: الإبل العطاش، الواحد هَيْمان،
وناقة ھَیْمَی مثل عطشان وعطشی.
قوله تعالى: ﴿هَذَا تُلُمْ يَوْمَ الّذِينِ﴾ أي: رزقهم الذي يُعَدُّ لهم، كالنُّزُل الذي يعدُّ
للأضياف؛ تكرمةً لهم، وفيه تهكُّم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[آل عمران: ٢١] وكقول أبي الشعر(٢) الضَّبيِّ:
وكنّا إذا الجَبَّارُ بالجيشِ ضَافَنَا جعلنا القَنَا والمرهفاتِ له نُزْلَا
وقرأ يونس بن حبيب وعباس عن أبي عمرو: ((هَذَا نُزْلُهُمْ)) بإسكان الزاي(٣)، وقد
مضى في آخر ((آل عمران)»(٤) القول فيه. ((يَوْمَ الدِّينِ)» يوم الجزاء، يعني في جهنّم.
ءَأَنْتُمُ
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْتَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٢٧) أَفَهَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (@)
عَلَى
تَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ ﴿٨ تَحْنُ قَدَرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
أَنْ تُبَدِّلَ أَمْشَلَكُمْ وَنُنِشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَلَقَدْ عَلْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلًا
(٦٢)
تَذَكَّرُونَ
قوله تعالى: ﴿فَحْنُ خَلَقْتَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ أي: فهلّا تصدِّقون بالبعث(٥)؟ لأنَّ
(١) مادة: (هيم).
.(٢) في (م) و(د): السعد، والمثبت من (ظ) والكشاف ٥٦/٤، وأورده أيضاً الزمخشري في الكشاف
٤٩١/١ وسمَّاه: أبو الشعراء الضبي.
(٣) قراءة أبي عمرو في السبعة ص٦٢٣، وأوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٥١ وقال: هذا
نزلهم، بالإسكان، هارون عن أبي عمرو وعیاش.
(٤) ٥/ ٤٨٣ .
(٥) تفسير البغوي ٤/ ٢٨٧ .

٢٠٧
سورة الواقعة: الآيات ٥٧ - ٦٢
الإعادة كالابتداء. وقيل: المعنى: نحن خلقنا رزقكم، فهلا تصدِّقون أنَّ هذا
طعامكم(١) إن لم تؤمنوا؟.
قوله تعالى: ﴿أَفََّيْتُ مَّا تُعْنُونَ﴾ أي: ما تصبُّونه من المَنِيِّ في أرحام النساء(٢).
﴿وَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: ما تصوَّرون منه الإنسان ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ﴾ المقدِّرون
المصوِّرون(٣). وهذا احتجاج عليهم وبيان للآية الأولى، أي: إذا أقررتم بأنَّا خالقوه
لا غيرنا، فاعترفوا بالبعث. وقرأ أبو السَّمَّال ومحمد بن السميفع وأشهب العقيليُّ:
(«تَمْنُونَ)) بفتح التاء(٤)، وهما لغتان أمْنى ومَنى، وأمذَى ومَذَى، يُمني ويَمنِي، يُمذِي
(٥)
ويَمذِي(٥).
الماورديُّ(٦): ويحتمل أن يختلف معناهما عندي، فيكون أمنى: إذا أنزل عن
جماع. ومَنَى: إذا أنزل عن الاحتلام. وفي تسمية المنيِّ مَنِيًّا وجهان: أحدهما:
الإمنائه وهو إراقته. الثاني: لتقديره، ومنه المَنَا الذي يُوزَن به(٧)؛ لأنَّه مقدار لذلك،
كذلك المنيُّ مقدار صحيح لتصوير الخلقة.
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَذَرْنَا بَيْتَكُمُ الْمَوْتَ﴾ احتجاج أيضاً، أي: الذي يَقدِر على الإماتة
يَقدِر على الخَلْق، وإذا قدر على الخَلْق قدر على البعث.
(١) النكت والعيون ٤٥٨/٥ .
(٢) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٥٠.
(٣) الكشاف ٤/ ٥٦ .
(٤) القراءات الشاذة ص١٥١، والكشاف ٥٦/٤ عن أبي السمَّال، والمحرر الوجيز ٢٤٨/٥ عن ابن عباس
وأبي السمَّال.
(٥) معاني القرآن للفراء ١٢٨/٣.
(٦) في النكت والعيون ٤٥٨/٥ .
(٧) المّنَا، والمنُّ بلغة تميم، والمنا أفصح: كيل يكال به السمن، أو ميزان يوزن به، ويقدَّر بنصف كيلو
غرام تقريباً في زماننا، أو يزيد أو ينقص قليلاً حسب نوعه، فمنه المنا المصري وهو ٤١٢/٣٤٧ غرام،
والرومي وهو ٦٤٣ /٥٤١ غرام، والطبي وهو ٦١٨/٥٦٣ غرام. معجم متن اللغة ٨٦/١، ومادة (منن)
و(مني).

٢٠٨
سورة الواقعة: الآيات ٦٠ - ٦٢
وقرأ مجاهد وحُميد وابن مُحَيْصن وابن كثير: ((قَدَرْنا)» بتخفيف الدال، الباقون
بالتشديد(١).
قال الضخَّاك: أي: سوَّينا بين أهل السماء وأهل الأرض (٢). وقيل: قضينا.
وقيل: كتبنا(٣). والمعنى متقارب، فلا أحد يبقى غيره عزَّ وجلَّ.
﴿وَمَا تَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ أَمْتَلَكُمْ﴾ أي: إن أردنا أن نبدِّل أمثالكم لم يسبقنا
أحد(٤)، أي: لم يغلبنا. ((وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)) معناه: بمغلوبين(٥). وقال الطبريُّ(٦):
المعنى: نحن قدَّرنا بينكم الموت على أن نبدّل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من
جنسكم، وما نحن بمسبوقين في آجالكم، أي: لا يتقدَّم متأخِّر، ولا يتأخّر متقدِّم.
﴿وَنُنِشِتَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من الصور والهيئات(٧). قال الحسن: أي: نجعلكم
قردةً وخنازيرَ كما فعلنا بأقوام قبلكم(٨). وقيل: المعنى: ننشئكم في البعث على غير
صوركم في الدنيا، فيجمَّل المؤمنُ ببياض وجهه، ويُقبَّح الكافرُ بسواد وجهه (٩). سعيد
ابن المسيب(١٠): قوله تعالى: ((فِيمَا لَا تَعْلَمُونَ)) يعني في حواصل طير سود تكون
بَيَرَهُوت، كأنَّها الخطاطيف، وبَرَهُوت: وادٍ في اليمن. وقال مجاهد: ((فِيمَا لَا تَعْلَمُونَ))
(١) قراءة ابن كثير في السبعة ص ٦٢٣، والتيسير ص٢٠٧ .
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٨٧ .
(٣) النكت والعيون ٤٥٨/٥ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ١١٤/٥.
(٥) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٥٠ .
(٦) في التفسير ٣٤٧/٢٢-٣٤٨ .
(٧) تفسير أبي الليث ٣١٨/٣.
(٨) تفسير البغوي ٤/ ٢٨٧ .
(٩) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٩/٤ بنحوه.
(١٠) في النسخ عدا (ظ): جبير، والمثبت (ظ) وتفسير البغوي ٢٨٧/٤ والكلام منه.

٢٠٩
سورة الواقعة: الآيات ٦١ - ٦٧
في أيِّ خَلْق شئنا(١). وقيل: المعنى: ننشئكم في عالم لا تعلمون، وفي مكان
لا تعلمون.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ أي: إذ خُلِقتم من نُطفة، ثم من عَلَقة، ثم
من مُضْغة(٢)، ولم تكونوا شيئاً، عن مجاهد(٣) وغيره. قتادة والضخّاك: يعني خَلْق
آدم عليه السلام(٤). ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: فهلَّا تذكَّرون. وفي الخبر: عجباً كلُّ العجب
للمكذِّب بالنشأة الأُخرى وهو يرى النشأة الأولى، وعجباً للمصلِّق بالنشأة الآخرة
وهو لا يسعى لدار القرار(٥).
وقراءة العامة: ((النَّشْأَةَ)) بالقَصْر. وقرأ مجاهد والحسن وابن كثير وأبو عمرو:
((النَّشَاءَة)) بالمدِّ، وقد مضى في ((العنكبوت))(٦) بيانه.
ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الزَّرِعُونَ ® لَوْ نَشَآءُ
قوله تعالى: ﴿أَفََّيْتُم مَّا تَخُنَ
لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
قوله تعالى: ﴿أَفََّيْتُ مَّا تَحْرُونَ﴾ هذه حجَّة أُخرى، أي: أخبروني عمَّا تحرثون
من أرضكم فتطرحون فيها البَذر، أنتم تنبتونه وتحصِّلونه زرعاً فيكون فيه السُّنبل
والحَبُّ، أم نحن نفعل ذلك(٧)؟ وإنَّما منكم البَذْر وشَقُّ الأرض، فإذا أقررتم بأنَّ
إخراج السُّنبل من الحبِّ ليس إليكم، فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض
وإعادتهم؟! وأضاف الحرث إليهم، والزرع إليه تعالى؛ لأنَّ الحرث فِعْلهم ويجري
(١) تفسير مجاهد ٦٥٠/٢، وأخرجه عنه الطبري ٣٤٦/٢٢.
(٢) الوسيط ٤/ ٢٣٧ .
(٣) في تفسيره ٢/ ٦٥٠ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٧٢/٢، والطبري ٢٢/ ٣٤٧ عن قتادة.
(٥) أخرجه ابن الجوزي في المنتظم ٣٢٨/٦ عن علي بن الحسين بنحوه.
(٦) ١٦ / ٣٥٢ .
(٧) تفسير الطبري ٣٤٨/٢٢ .
٠٥

٢١٠
سورة الواقعة: الآيات ٦٣ - ٦٧
على اختيارهم، والزرع من فعل الله تعالى وينبت على اختياره لا على اختيارهم (١).
وكذلك ما روى أبو هريرة عن النبيِّ ◌َ﴿ أنَّه قال: ((لا يقولنَّ أحدكم: زرعتُ، وليقلْ:
حرثتُ، فإنَّ الزارع هو الله)) قال أبو هريرة: ألَم تسمعوا قول الله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ
تَزْرَعُونَهُ: أَمْ تَحْنُ الزَِّعُونَ﴾(٢).
والمستحبُّ لكلٍّ من يُلقي البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة: ((أَفَرَ أَيْتُم مَّا
تَحْرُثُونَ)) الآية، ثم يقول: بل الله الزارع والمنبِت والمبلغ، اللهمَّ صلِّ على محمد،
وارزقنا ثمره، وجنِّنا ضرره، واجعلنا لأنْعمك من الشاكرين، ولآ لائك من الذاکرین،
وبارك لنا فيه يا ربَّ العالمين. ويقال: إنَّ هذا القول أمان لذلك الزرع من جميع
الآفات؛ الدود والجراد وغير ذلك، سمعناه من ثقة، وجُرِّب فوُجِد كذلك.
ومعنى ((أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ)) أي: تجعلونه(٣). وقد يقال: فلان زرَّاع كما يقال: حرَّاث،
أي: يفعل ما يؤول إلى أن يكون زرعاً يعجب الزراع. وقد يطلق لفظ الزرع على بَذر
الأرض وتكريبها(٤) تجُّزاً.
قلت: فهو نهي إرشاد وأدب، لا نهي حظر وإيجاب، ومنه قوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا يقولنَّ أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: غلامي وجاريتي، وفَتاي
وفَتاتي))(٥) وقد مضى في ((يوسف))(٦) القول فيه. وقد بالغ بعض العلماء فقال:
(١) النكت والعيون ٥/ ٤٦٠، وما بعده منه أيضاً.
(٢) أخرجه البزار (١٢٨٩ كشف الأستار)، والطبري ٣٤٨/٢٢، وابن حبان في صحيحه (٥٧٢٣)،
والطبراني في الأوسط (٨٠٢٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢٠/٤ : رواه الطبراني في الأوسط
والبزار، وفيه مسلم بن أبي مسلم الجرمي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات. اهـ قلنا: مسلم
ابن أبي مسلم الجرمي ذكره ابن حبان في الثقات ١٥٨/٩، ووثقه الخطيب في تاريخ بغداد ١٣/ ١٠٠.
(٣) بعدها في (م): زرعاً.
(٤) كَرَب الأرضَ يكربها كَرْباً وكراباً: قَلَبها للحرث، وأثارها للزرع. اللسان (کرب).
(٥) سلف ٦/ ٢١٣.
(٦) ١١/ ٣٥٤ .

٢١١
سورة الواقعة: الآيات ٦٣ - ٦٧
لا يقل: حرثت فأصبت، بل يقل: أعانني الله فحرثت، وأعطاني بفَضْله ما أصبت.
قال الماورديّ(١): وتتضمَّن هذه الآية أمرين: أحدهما: الامتنان عليهم بأن أنبت
زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم. الثاني: البرهان الموجب للاعتبار
بأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره، وانتقاله إلى استواء حاله من العَفَن والتتريب
حتى صار زرعاً أخضر، ثم جعله قوياً مشتداً أضعافَ ما كان عليه، فهو بإعادة من
أمات أخفُّ عليه وأقدر، وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفِطَر السليمة.
ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا﴾ أي: متكسِّراً: يعني الزرع. والحُطام: الهشيم
الهالك الذي لا يُنتفع به في مطعم ولا غذاء، فنَّه بذلك أيضاً على أمرين: أحدهما:
ما أولاهم به من النِّعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاماً ليشكره. الثاني: ليعتبروا بذلك
في أنفسهم، كما أنَّه يجعل الزرع حطاماً إذا شاء، وكذلك يُهلِكهم إذا شاء ليتعظوا
فینزجروا(٢).
﴿فَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: تعجَّبون بذهابها، وتندَّمون مما حلَّ بكم، قاله الحسن
وقتادة وغيرهما(٣). وفي ((الصحاح))(٤): وتفكّه، أي: تعجّب، ويقال: تندَّم، قال الله
تعالى: ((فَظَلْتُمْ تَفََّّهُونَ)» أي: تندَّمون. وتفكّهت بالشيء: تمثّعت به.
وقال يمان: تندمون على نفقاتكم، دليله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ كَفَيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِهَا﴾
[الكهف: ٤٢]. وقال عكرمة: تلاومون(٥) وتندَّمون على ما سلف منكم من معصية الله
التي أوجبت عقوبتكم حتى نالتكم في زرعكم. ابن كَيْسان: تحزنون(٦). والمعنى
متقارب.
(١) في النكت والعيون ٥/ ٤٦٠ .
(٢) النكت والعيون ٤٦٠/٥ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٠/٤، وأخرجه عنهما الطبري ٢٢/ ٣٥٠.
(٤) مادة: (فكه).
(٥) تفسير البغوي ٢٨٧/٤، وتتمة قول عكرمة ذكره عن الحسن لا عن عكرمة، وكذلك ذكره الزمخشري
في الکشاف ٥٧/٤ عن الحسن.
(٦) النكت والعيون ٤٦٠/٥ .

٢١٢
سورة الواقعة: الآيات ٦٥ - ٦٧
وفيه لغتان: تفَكَّهون وتَفَكَّنُون(١)، قال الفرَّاء: والنون لغة عُكْل(٢). وفي
((الصحاح)) (٣): التفكّن: التندُّم على ما فات. وقيل: التفُّه: التكلُّم فيما لا يعنيك،
ومنه قيل للمزاح: فُكاهة، بالضمِّ، فأما الفكاهة - بالفتح - فمصدر فَكِهَ الرجلُ
- بالكسر - فهو فَكِهٌ: إذا كان طيِّب النفس مَزَّاحاً (٤).
وقراءة العامة: ((فَظَلْتُمْ)) بفتح الظاء. وقرأ عبد الله: ((فَظِلْتُمْ)) بكسر الظاء(٥)،
ورواها هارون عن حسين عن أبي بكر. فمن فتح فعلى الأصل، والأصل: ظَلَلتُمْ،
فحذف اللام الأولى تخفيفاً، ومن كسر نقل كسرة اللام الأولى إلى الظاء ثم حذفها.
إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ وقرأ أبو بكر والمفضَّل: ((أَئِنَّا)) بهمزتين على الاستفهام(٦)، ورواه
عاصم عن زِرِّ بن حُبَيش. الباقون بهمزة واحدة على الخبر، أي: يقولون: ((إِنَّا
لَمُغْرَمُونَ)) أي: معذَّبون، عن ابن عباس وقَتَادة قالا: والغرام: العذاب(٧)، ومنه قول
ابن المحلِّم:
وثقت بأنَّ الحِفظ منِّي سجيَّةٌ. وأنَّ فؤادي مُتْبَلٌ بك مغرم(٨)
وقال مجاهد وعِكرمة: لمولع بنا(٩)، ومنه قول النَّمِر بن تَوْلَب:
سَلاَ عن تَذكُّرِه تُكْتَما وكان رَهيناً بها مُغرَمَا(١٠)
(١) تهذيب اللغة ١٠/ ٢٨٠ ونسبها إلى تميم.
(٢) الأضداد لأبي بكر الأنباري ص ٦٥ دون عزوه للفرَّاء.
(٣) مادة: (فكن).
(٤) الصحاح (فكه).
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٤٠-٣٤١ .
(٦) السبعة ص٦٢٣، والتيسير ص٢٠٧ .
(٧) تفسير البغوي ٢٨٨/٤، وأخرجه الطبري ٣٥٢/٢٢ عن قتادة.
(٨) النكت والعيون ٥/ ٤٦١ .
(٩) تفسير البغوي ٢٨٨/٤.
(١٠) مختارات ابن الشجري ص١٦، ومنتهى الطلب لابن ميمون ٢٨٦/١.

٢١٣
سورة الواقعة: الآيات ٦٦ - ٦٧
يقال: أُغرم فلانٌ بفلانة، أي: أُولع بها، ومنه الغرام، وهو الشَّرُّ اللازم(١). وقال
مجاهد أيضاً: لملقون شرًّا(٢). وقال مقاتل بن حيان: مهلكون. النخَّاس(٣): ((إِنَّا
لَمُغْرَمُونَ» مأخوذ من الغَرام وهو الهلاك، كما قال:
يومُ النِّسَارِ ويومُ الجِفَا رِكَانَا عَذَاباً وكانَا غَرَامَا(٤)
الضحَّاك وابن كيسان: هو من الغُرْم، والمُغْرَم: الذي ذهب ماله بغير عوض(٥)،
أي: غرِمنا الحَبَّ الذي بذرناه. وقال مُرَّة الهَمداني: محاسبون.
﴿بَّ نَحْنُ مَحْرُؤُمُونَ﴾ أي: حرمنا ما طلبنا من الريع(٦). والمحروم: الممنوع من
الرزق. والمحروم ضدُّ المرزوق، وهو المحارِف في قول قتادة(٧). وعن أنس: أنَّ
النبيِّ # مرَّ بأرض الأنصار فقال: ((ما يمنعكم من الحرث))؟ قالوا: الجدوبة. فقال:
((لا تفعلوا، فإنَّ الله تعالى يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء، وإن شئت زرعت
بالريح، وإن شئت زرعت بالبَذْر)) ثم تلا: ((أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ
الزَّارِعُونَ))(٨).
قلت: وفي هذا الخبر والحديث الذي قبله ما يصحِّح قولَ من أدخل الزارع في
أسماء الله سبحانه، وأباه الجمهور من العلماء، وقد ذكرنا ذلك في ((الكتاب الأسنى
في شرح أسماء الله الحسنى))(٩).
(١) تهذيب اللغة ٨/ ١٣١.
(٢) تفسير مجاهد ٢/ ٦٥٠، وأخرجه عنه الطبري ٣٥٢/٢٢.
(٣) في إعراب القرآن له ٣٤١/٤ ..
(٤) القائل بشر بن أبي خازم الأسدي، وهو في ديوانه ص١٩٨.
(٥) تفسير البغوي ٢٨٨/٤ .
(٦) الوسيط ٢٣٨/٤.
(٧) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٧٢/٢، والطبري ٣٥٣/٢٢.
(٨) لم نقف عليه.
(٩) ص٩٤ و١٠٣.

٢١٤
سورة الواقعة: الآيات ٦٨ - ٧٤
قوله تعالى: ﴿أَفَرََّيْتُمُ اَلْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ
ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمَ نَّْنُ
٦٨
اُلْمُنْزِلُونَ ﴿ لَوَ نَشَاءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ
V
أَفَرَّيْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ
٧٠
ءَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (٣٢) نَحْنُ جَعَلْتَهَا تَذْكِرَةً وَمَتَعًا لِلْمُقْوِيِنَ
VE
فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
قوله تعالى: ﴿أَفََّيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ﴾ لتحيوا به أنفسكم، وتسكنوا به عطشكم؛
لأنَّ الشراب إنَّما يكون تبعاً للمطعوم، ولهذا جاء الطعام مقدَّماً في الآية قبلُ، ألا
ترى أنَّك تسقي ضيفك بعد أن تطعمه. الزمخشريُّ: ولو عكستَ قعدتَ تحت قول أبي
العلاء :
إذا سُقِيَتْ ضُيوفُ الناسِ مَحْضاً سَقَوا أضيافَهمْ شَبِماً زُلَالَا (١)
وسُقي بعضُ العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثَمِيلة(٢).
﴿وَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ أي: السَّحاب، الواحدة: مُزْنة(٣)، فقال الشاعر:
کَھَامٌ ولا فينا يُعَدُّ بَخيلٌ(٤)
فنحنُ کماءِ المُزْنِ ما في نِصَابِنَا
وهذا قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما أنَّ المُزْن السَّحاب(٥). وعن ابن عباس
أيضاً والثوري: المُزْن: السَّماء والسَّحاب(٦). وفي ((الصِّحاح))(٧): أبو زيد: المُزْنة:
السَّحابة البيضاء، والجمع: مُزْن، والمُزنة: المَظْرَة، قال:
(١) الكشاف ٤/ ٥٧، وما بعده منه أيضاً، والمحض: اللبن الخالص الذي لم يخالطه ماء. والشَّبِم: الماء
البارد. اللسان (محض) و(شبم).
(٢) الاشتقاق لابن دريد ٣٦٥/٢ وقال: أي: على شيء في بطنه. ويقال: ثمل الرجل: إذا سُكِرَ.
(٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٢٥٢.
(٤) القائل: السموأل بن عاديا اليهودي، والبيت في ديوانه ص٦٩، والنصاب: الأصل. ورجل كَهام
وكهيم: ثقيل مسنّ دثور لا غناء عنده. اللسان (نصب) و(كهم).
(٥) أخرجه الطبري ٣٥٤/٢٢ عن مجاهد وقتادة وابن زيد، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٥١ .
(٦) أخرجه الطبري ٢٢/ ٣٥٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٧) مادة: (مزن).

٢١٥
سورة الواقعة: الآيات ٦٩ - ٧٤
ألم تَرَ أنَّ الله أنْزَل مُزْنةً وَعُفْرُ الطِّبَاءِ في الكِنَاسِ تقمَّعُ(١)
﴿أَ تَحْنُ الْمُِّلُونَ﴾ أي: فإذا عرفتم بأنِّي أنزلته، فَلِمَ لا تشكروني بإخلاص العبادة
لي؟ ولِمَ تنكرون قدرتي على الإعادة؟. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجًا﴾ أي: ملحاً شديد
الملوحة، قاله ابن عباس. الحسن: مرًّا(٢) قُعَاعاً لا تنتفعون به في شرب ولا زرع ولا
غيرهما(٣). ﴿فَلَوْلَا﴾ أي: فهلَّا تشكرون الذي صنع ذلك بكم(٤).
قوله تعالى: ﴿أَفََّيَّنُمُ النَّارَ الَِّ تُورُونَ﴾ أي: أخبروني عن النار التي تظهرونها
بالقَدْحِ من الشجر الرَّظْب ﴿وَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ يعني التي تكون منها الزناد، وهي
المرغُ والعَفَار(٥)، ومنه قولهم: في كلّ شجرٍ نارٌ، واسْتَمْجدَ المَرِخِ والعَفَارُ، أي:
استكثر منها(٦)، كأنَّهما أخذا من النار ما هو حسبهما، ويقال: لأنَّهما يسرعان
الوَرْيَ، يقال: أَوريتُ النار: إذا قدحتها، ووَرَى الزَّنْدُ يَرِي: إذا انقدح منه النار. وفيه
لغة أخرى: ووَرِيَ الزَّنْدُ يَرِي بالكسر فيهما(٧). ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنِشِئُونَ﴾ أي: المخترعون
الخالقون، أي: فإذا عرفتم قدرتي فاشكروني، ولا تنكروا قدرتي على البعث.
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني نار الدنيا موعظة للنار الكبرى، قاله قتادة.
ومجاهد: تبصرة للناس من الظلام(٨). وصحَّ عن النبيِّ :﴿ أَنَّه قال: ((إنَّ ناركم هذه
التي يُوقِدُ بنو آدم جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنّم)) فقالوا: يا رسول الله، إن كانت
(١) القائل: أوس بن حجر، وهو في ديوانه ص٥٧، والكناس: مَوْلج الوحش من الظباء والبقر تستكنُّ فيه
من الحَرِّ. اللسان (كنس)، قال ابن قتيبة في المعاني الكبير ٦٠٦/٢: تقمَّع: تطرد عنها القمعة، وهو
ذباب أزرق، يقول: خصَّه الله بهذه المزنة في غير وقت مطر في الحر، والذباب لم يخفّ ولم يذهب.
(٢) تفسير البغوي ٢٨٨/٤ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٣٤٢ والقُعَاعِ: الماء المُرُّ الغليظ. اللسان (قعع).
(٤) معاني القرآن للزجاج ١١٥/٥ .
(٥) تفسير البغوي ٢٨٨/٤ .
(٦) الكامل للمبرد ٢٧٥/١-٢٧٦، والمثل في المستقصى للزمخشري ١٨٣/٢.
(٧) الصحاح (وري).
(٨) النكت والعيون ٥/ ٤٦١ .

٢١٦
سورة الواقعة: الآيتان ٧٣ - ٧٤
الكافيةً. قال: ((فإنَّها فُضِّلت عليها بتسعة وستين جُزءاً، كلُّهنَّ مثلُ حَرِّها))(١).
﴿وَمَتَعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال الضحَّاك: أي: منفعة للمسافرين، سمُّوا بذلك؛ لنزولهم
القَوَى، وهو القَفْر(٢). الفرَّاء(٣): إنَّما يقال للمسافرين: مُقْوين إذا نزلوا القيَّ، وهي
الأرض القَفْر التي لا شيء فيها. وكذلك القَوى والقَوَاء بالمدِّ والقصر، ومنزلٌ قَواء:
لا أنيسَ به، يقال: أقْوَتِ الدار وقَوِيَت أيضاً، أي: خَلَتْ من سكّانها (٤)، قال
النابغة :
أقْوَتْ وطال عَليها سَالفُ الأَمَدِ (٥)
يا دارَ مَيَّةَ بالعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ
وقال عنترة :
حُبِيتَ مِنْ طَلَلِ تَقَادَمَ عَهِدُهُ أقوى وأقْفَر بَعد أُمّ الهَيْئَمِ (٦)
ويقال: أقْوَى، أي: قَوِيَ وقَوِي أصحابه(٧)، وأقوى: إذا سافر، أي: نزل القَوَاء
والقِيَّ. وقال مجاهد: ((لِلمُقْوِينَ)) المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخَبْز
والاصطلاء والاستضاءة(٨)، ویتذگّر بها نار جهنّم فيستجار بالله منها. وقال ابن زيد:
للجائعين في إصلاح طعامهم(٩). يقال: أقويت منذ كذا وكذا، أي: ما أكلت
شيئاً(١٠)، وبات فلان القَواء، وبات القفرَ: إذا بات جائعاً على غير طُعْم (١١)، قال
(١) أخرجه البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٨٤٣)، وأحمد (٨١٢٦) عن أبي هريرة
ـه.
(٢) النكت والعيون ٤٦١/٥، وأخرجه عنه الطبري ٣٥٧/٢٢ .
(٣) في معاني القرآن له ١٢٩/٣.
(٤) الصحاح (قوا).
(٥) سلف ١٠/ ٤٧٤ .
(٦) سلف ٢/ ١٠٧ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٣/٤ .
(٨) تفسير البغوي ٢٨٨/٤، والصحاح (قوا).
(٩) النكت والعيون ٤٦١/٥، وأخرجه عنه الطبري ٣٥٨/٢٢.
(١٠) تفسير الطبري ٣٥٨/٢٢ .
(١١) الصحاح (قوا)، وما بعده منه أيضاً.

٢١٧
سورة الواقعة: الآيات ٧٣ - ٨٠
الشاعر :
وإِنِّي لأختارُ القَوَى طَاوِي الحَشَى مِحَافَظَةً من أنْ يَقالَ لَئِيم(١)
وقال الربيع والسديُّ: ((الْمُقْوِينَ)) المنزلين الذين لا زناد معهم؛ يعني ناراً يوقدون
فيختبزون بها؟ ورواه العوفي عن ابن عباس. وقال قُظْرب: المُقْوِي من الأضداد يكون
بمعنى الفقير، ويكون بمعنى الغني، يقال: أقوى الرجل: إذا لم يكن معه زاد.
وأقوى: إذا قويت دوابه وكثر ماله(٢). المهدويُّ: والآية تصلح للجميع؛ لأنَّ النار
يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير. وحكى الثعلبيُّ أنَّ أكثر المفسرين على
القول الأوَّل. القشيريُّ: وخصَّ المسافر بالانتفاع بها؛ لأنَّ انتفاعه بها أكثر من منفعة
المقيم؛ لأنَّ أهل البادية لا بدَّ لهم من النار يوقدونها ليلاً؛ لتهرب منهم السِّباع، وفي
كثير من حوائجهم.
قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي: فنزِّه الله عما أضافه إليه المشركون
من الأنداد، والعَجْز عن البعث.
قوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ
٧٥
٧٩
فِي كِتَبٍ مَكْنُونٍ ٨ لَّا يَمَشُهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
إِنَّهُ لَقُرْمَانٌ كَرِيمٌ (َا
تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾
فيه سبع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ﴾ ((لا)) صلة في قول أكثر المفسرين،
والمعنى: فأقسم(٣)؛ بدليل قوله: ((وإنَّهُ لَقَسَمٌ)). وقال الفرَّاء: هي نَفْي، والمعنى:
(١) أورده المرزوقي في شرح ديوان الحماسة ١٧١٥/٤ ولم ينسبه، وجاءت رواية صدره عنده:
لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا
ثم قال: وبعضهم رواه: ((لقد كنت أختار القَوَى))، وزعم أنه مقصور من القَوَاء، وليس بشيء. اهـ.
(٢) تفسير البغوي ٢٨٨/٤.
(٣) تفسير البغوي ٢٨٩/٤ .

٢١٨
سورة الواقعة: الآيات ٧٥ - ٨٠
ليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف ((أُقْسِمُ))(١). وقد يقول الرجل: لا واللهِ ما كان
كذا. فلا يريد به نفي اليمين، بل يريد به نفي كلام تقدَّم. أي: ليس الأمر كما ذكرت،
بل هو كذا. وقيل: ((لا)) بمعنى ((أَلَّا)) للتنبيه كما قال:
أَلَا عِمْ صَبَاحاً أيُّها الطَّلُ البَالي (٢)
ونبّه بهذا على فضيلة القرآن؛ ليتدبَّروه، وأنَّه ليس بشعر ولا سحر ولا كهانة كما
زعموا(٣).
وقرأ الحسن وحميد وعيسى بن عمر: ((فَلَا أُقْسِمُ)) (٤) بغير ألف بعد اللام على
التحقيق: وهو فعل حال، ويقدر مبتدأ محذوف، التقدير: فلأنا أُقسم بذلك. ولو أريد
به الاستقبال للزمت النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يراد به الاستقبال،
وهو شاذٌّ.
الثانية: قوله تعالى: ﴿بِمَوَقِع النُّجُومِ﴾ مواقع النجوم: مساقطها ومغاربها، في
قول قتادة وغيره(٥). عطاء بن أبي رَبَاح: منازلها. الحسن: انكدارها وانتثارها يوم
القيامة(٦). الضحَّاك: هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون إذا مُطِروا قالوا :
مُطِرِنا بنَوْء كذا. الماورديُّ (٧): ويكون قوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ﴾ مستعملاً على
حقيقته من نفي القسم. القشيريُّ: هو قَسم، ولله تعالی أن یُقسِم بما یرید، وليس لنا
أن نُقسِم بغير الله تعالى وصفاته القديمة.
(١) تفسير الطبري ٣٥٩/٢٢ ولم ينسبه.
(٢) القائل امرؤ القيس، وهو في ديوانه ص٢٧، وتمامه:
وهل يَعِمَنْ من كان في العُصر خاليا
(٣) تفسير البغوي ٢٨٩/٤ .
(٤) القراءات الشاذة ص١٥١، والمحتسب ٣٠٩/٢، وما بعده منه، ومن الكشاف ٥٨/٤ .
(٥) أخرجه الطبري ٣٦٠/٢٢-٣٦١ عن قتادة ومجاهد، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٥٢.
(٦) تفسير البغوي ٢٨٩/٤، وأخرجه الطبريُّ ٣٦١/٢٢ عن الحسن.
(٧) في النكت والعيون ٥/ ٤٦٣، وما قبله منه أيضاً.

٢١٩
سورة الواقعة: الآيات ٧٥ - ٨٠
قلت: يدلُّ على هذا قراءة الحسن: ((فَلُقْسِمُ)) وما أقسم به سبحانه من مخلوقاته
في غير موضع من كتابه. وقال ابن عباس: المراد بمواقع النجوم: نزول القرآن
نجوماً، أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السَّفَرة الكاتبين،
فنجَّمه السفرةُ على جبريل عشرين ليلة، ونجمَّه جبريل على محمَّد عليهما الصلاة
والسلام عشرين سنةً، فهو ينزله على الأحداث من أمَّته، حكاه الماورديُّ(١) عن ابن
عباس والسُّدِّيِّ.
وقال أبو بكر الأنباري: حدَّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدَّثنا حجَّاج بن
المنهال، حدَّثنا همَّام، عن الكلبيِّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل القرآن
إلى سماء الدنيا جملةً واحدةً، ثم نزل إلى الأرض نجوماً، وفُرِّقَ بعد ذلك خمسَ
آيات خمسَ آیات، وأقلَّ وأكثر، فذلك قول الله تعالى: «فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ)) (٢).
وحكى الفرَّاء(٣) عن ابنٍ مسعود أنَّ مواقع النجوم هو مُحكّم القرآن.
وقرأ حمزة والكسائي: ((بِمَوْقِع)) (٤) على التوحيد، وهي قراءة عبد الله بن مسعود
والنَّخَعيِّ والأعمش وابنٍ مُحيصن ورُوَيس عن يعقوب. الباقون على الجمع؛ فمن
أفرد؛ فلأنَّه اسم جنس يؤدي الواحد فيه عن الجمع، ومن جمع؛ فلاختلاف
أنواعه(٥).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَُّ لَقُرْوَانٌ كَرِيمُ﴾ قيل: إنَّ الهاء تعود على القرآن، أي: إنَّ
القرآن لقَسَم عظيم، قاله ابن عباس وغيره(٦). وقيل: ما أَقسم الله به عظيم ((إِنَّهُ لَقُرْآنٌ
(١) في النكت والعيون ٤٦٣/٥ .
(٢) وأخرجه مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٥١، والطبري ٣٥٩/٢٢ من طريق حكيم بن جبير، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه.
(٣) في معاني القرآن له ١٢٩/٣ بإسناده إلى ابن مسعود.
(٤) السبعة ص ٦٢٤، والتيسير ص٢٠٧، والنشر ٣٨٣/٢.
(٥) الحجة للفارسي ٦/ ٢٦٣ .
(٦) النكت والعيون ٥/ ٤٦٣ .

٢٢٠
سورة الواقعة: الآيات ٧٧ - ٨٠
كَرِيمٌ)) ذكر المقسم عليه، أي: أُقسم بمواقع النجوم إنَّ هذا القرآن قرآن كريم(١)، ليس
بسحر ولا كهانة، وليس بمفترى، بل هو قرآن كريم محمود، جعله الله تعالى معجزةً
لنبيِّه #، وهو كريم على المؤمنين؛ لأنَّه كلام ربِّهم، وشفاء صدورهم، كريم على
أهل السماء؛ لأنَّه تنزيل ربِّهم ووَحْيه.
وقيل: ((كَرِيمٌ)) أي: غير مخلوق. وقيل: ((كرِيمٌ)) لما فيه من كريم الأخلاق
ومعاني الأمور(٢). وقيل: لأنَّه يُكرِّم حافظه، ويُعِّم قارئه.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فِي كِتَبٍ تَكْنُونٍ﴾ مصون عند الله تعالى(٣). وقيل:
مكنون: محفوظ عن الباطل(٤). والكتاب هنا كتاب في السماء، قاله ابن عباس(٥).
وقال جابر بن زيد وابن عباس أيضاً: هو اللوح المحفوظ(٦). عِكرمة: التوراة
والإنجيل فيهما ذِكْر القرآن ومن ينزل عليه. السُّدِّيُّ: الزبور. مجاهد وقتادة: هو
المصحف الذي في أيدينا(٧).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ اختلف في معنى ((لا يَمَسُهُ))
هل هو حقيقة في المسِّ بالجارحة أو معنًى؟ وكذلك اختلف في ((الْمُطَهَّرُونَ)) من هم؟
فقال أنس وسعيد بن جُبير: لا يمسُ ذلك الكتاب إلا المطهّرون من الذنوب، وهم
الملائكة(٨). وكذا قال أبو العالية وابن زيد: إنَّهم الذين ◌ُهِّروا من الذنوب كالرُّسل
(١) الوسيط ٢٣٩/٤.
(٢) النكت والعيون ٥ / ٤٦٣.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٢٤ .
(٤) النكت والعيون ٤٦٣/٥، وما بعده منه أيضاً.
(٥) أخرجه عنه مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٥٢، والطبري ٢٢/ ٣٦٢ .
(٦) أخرجه عنهما الطبري ٣٦٣/٢٢.
(٧) النكت والعيون ٤٦٣/٥، وأخرج قول عكرمة الطبري ٣٦٥/٢٢.
(٨) تفسير البغوي ٢٨٩/٤، وما بعده منه أيضاً، وأخرجه الطبري ٢٢/ ٣٦٤ - ٣٦٦ عن سعيد بن جبير وأبي
العالية وابن زيد، وذكره ابن المنذر في الأوسط ١٠٣/٢ عن أنس.