Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ سورة الرحمن: الآيات ٦٤ - ٦٩ حتى اشتدَّ السواد فهو جَوْن. وادْهَمَّ الفرسُ ادهمَاماً، أي: صار أدهم. وادهامَّ الشيءُ ادهِماماً(١)، أي: اسوادٍّ، قال الله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانٍ)) أي: سوداوان من شدّة الخضرة من الرِّيِّ، والعرب تقول لكلِّ أخضر: أسودُ. وقال لَبيد يرئي قتلی هَوازِن: كَتَائِبُ خُضْرٌ في نَسِيجِ السَّنَوَّرِ (٢) وجاؤوا به في هَوْدَجٍ وَوَرَاءهُ السَّنَوَّر: لَبُوسٌ من قِدِّ كالدِّرْع. وسمِّيت قُرَى العراق سواداً؛ لكثرة خضرتها(٣). ويقال للَّيل المظلم: أخضر(٤). ويقال: أَبادَ الله خضراءَهم، أي: سوادهم(٥). فِيهِمَا قوله تعالى: ﴿فِهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ فَأَمِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣ فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرَُّانٌ (٨) فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ ٦٩ قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ أي: فوَّارتان بالماء، عن ابن عباس(٦). والنضخ بالخاء أكثر من النضح بالحاء(٧). وعنه أنَّ المعنى نضَّاختان بالخير والبركة، وقاله الحسن ومجاهد(٨). ابن مسعود وابن عباس أيضاً وأنس: تَنضَخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنَّة، كما يَنضَخْ رشُّ المطر(٩). وقال سعيد (١) في (م): ادهيماماً. (٢) الصحاح (سنر) وما بعده منه. ولم نقف على البيت في ديوان لبيد. (٣) الصحاح (دهم). (٤) تهذيب اللغة ١٠٥/٧ . (٥) الصحاح (خضر). (٦) التذكرة ص٤٤٢، وما بعده منه أيضاً حتى قوله: بأنواع الفواكه والماء. وذكر قول ابن عباس الماورديُّ في النكت والعيون ٤٤١/٥، وأخرجه عنه الطبري ٢٥٩/٢٢، وابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٢٨/١٠ (١٨٧٥٥)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٠٨). (٧) الكشاف ٤/ ٥٠ . (٨) تفسير أبي الليث ٣١١/٣ عن مجاهد، والنكت والعيون ٤٤١/٥ عن الحسن والكلبي، وزاد المسير ١٢٤/٨ عن الحسن. (٩) النكت والعيون ٤٤١/٥ عن أنس، والوسيط ٢٢٨/٤ عن ابن عباس، وتفسير البغوي ٢٧٦/٤ عن ابن مسعود وأنس، وأخرجه - عن الأخير - ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٢٨/١٠ (١٨٧٥٧). ١٦٢ سورة الرحمن: الآيات ٦٦ - ٦٩ ابن جُبير: بأنواع الفواكه والماء (١). الترمذيُّ: قالوا: بأنواع الفواكه والنعيم والجَوارِي المزيَّنات والدوابِّ المسرَجات والثياب الملوَّنات. قال الترمذيُّ: وهذا يدلُّ على أنَّ النضخ أكثر من الجري. وقيل: تنبعان ثم تجريان(٢). قوله تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَغَخْلٌ وَرَُّانُ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة؛ لأنَّ الشيء لا يُعطَف على نفسه، إنَّما يُعطَف على غيره. وهذا ظاهر الكلام(٣). وقال الجمهور: هما من الفاكهة، وإنَّما أعاد ذكر النخل والرمان؛ لفَضْلهما وحُسْن موقعهما على الفاكهة؛ كقوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَتَّبِكَيْهِ، وَرُسُلِهِ، وَحِبِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨] وقد تقدَّم(٤). وقيل: إنَّما كرَّرهما؛ لأنَّ النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البُرِّ عندنا؛ لأنَّ النخل عامَّة قُؤْتهم، والرمان كالثمرات(٥)، فكان يكثر غرسهما عندهم؛ لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها، وإنَّما ذكر الفاكهة ثم ذكر النخل والرمان؛ لعمومهما وكثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة إلى ما والاها من أرض اليمن، فأخرجهما في الذكر من الفواكه، وأَفرد الفواكه على حِدَتها. وقيل: أُفرِدا بالذكر؛ لأنَّ النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفُه(٦)؛ ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله، وهي المسألة: الثانية: إذا حلف أن لا يأكلَ فاكهةً، فأكل رمَّاناً أو رُطَباً، لم يحنث. وخالفه (١) النكت والعيون ٤٤١/٥، وأخرجه عنه ابن ابن شيبة ١٣٣/١٣، والطبري ٢٥٩/٢٢. (٢) التذكرة ص ٤٤١ . (٣) أحكام القرآن للجصاص ٤١٥/٣، وللهراسي ٣٩٧/٤، والكلام في التذكرة ص ٤٤٢، وما بعده منه أيضاً. (٤) ٤/ ١٧٤ و٢٦٢/٢. (٥) في النسخ الخطية: كالتمرات، والمثبت من (م) والتذكرة ص٤٤٢ والكلام منه. (٦) الكشاف ٤/ ٥٠ ، وما بعده منه أيضاً. ١٦٣ سورة الرحمن: الآيات ٦٨ - ٧١ صاحباه والناس. قال ابن عباس: الرمَّانة في الجنَّة مثل البعير المُقتب(١). وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نخل الجنَّة جذوعها زمرد أخضر، وكرانيفها ذهب أحمر، وسَعَفها كسوة لأهل الجنَّة، منها مُقطَّعاتهم وحُلَلهم، وثمرها أمثال القِلال والدِّلاء، أشدُّ بياضاً من اللبن، وأَحلى من العسل، وأَلين من الزُّبْد، ليس فيه عَجَم(٢) . قال: وحدَّثنا المسعوديُّ، عن عمرو بن مرَّة، عن أبي عبيدة، قال: نخل الجنَّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلَّما نزعت ثمرة، عادت مكانها أخرى، وإنَّ ماءها ليجري في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعاً (٣). فَأَتِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ قوله تعالى: ﴿فِنَ خَيْرَتُ حِسَانُ ﴾) قوله تعالى: ﴿فِنَّ خَيْرَتُّ حِسَانٌ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ((فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ)) يعني النساء، والواحدة: خَيْرة، على معنى: ذوات خير(٤). وقيل: خَيِّرات، بمعنى خيرات، فخفّف، كهين ولين(٥). (١) أورد ابن كثير في التفسير ٧/ ٥٠٨ عن ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله﴾ قال: نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كمثل البعير المقتب. (٢) الزهد لابن المبارك (١٤٨٨)، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٢٨/١٠ (١٨٧٥٨)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٧٥ - ٤٧٦ من طريق سفيان، به، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. اهـ. وجاء عند ابن المبارك وابن أبي حاتم: وكربها، بدل: وكرانيفها. والكَرَب والكرانيف: أصول سَعَف النخل. النهاية (كرب) و(كرنف). والعَجّم: النوى. اللسان (عجم)، والمقطَّعات: شبه الجِباب ونحوها من الخَزِّ وغيره. اللسان (قطع). (٣) التذكرة ص ٤٥٢ عن ابن المبارك بهذا الإسناد، ولكن هو في كتابه الزهد (١٤٩٠) - وزهد هنَّاد أيضاً (١٠٤) - من طريق سفيان، عن عمرو بن مرة، به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد أيضاً برقم (١٤٨٩) من طريق سفيان، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بنحوه. (٤) النكت والعيون ٤٤٢/٥، والتذكرة ص ٤٤٢ . (٥) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٤٣ . ١٦٤ سورة الرحمن: الآيتان ٧٠ - ٧١ ابن المبارك: حدثنا الأوزاعيُّ، عن حسان بن عطيّة، عن سعيد بن عامر قال: لو أنَّ خَيْرة من ((خَيْرَات حِسَان)» اطّلعت من السماء لأضاءت لها، ولقهر ضوءُ وجهها الشمسَ والقمرَ، ولَنصِيفٌ تُكساه خيرة خيرٌ من الدنيا وما فيها(١). ((حِسان)) أي: حسَان الخَلْقِ(٢)، وإذا قال الله تعالى: ((حِسَانٌ)) فمن ذا الذي يقدر أن يصف حُسْنهنَّ (٣)! وقال الزهريُّ وقتادة: ((خَيْرَاتُ)) الأخلاق ((حِسان)) الوجوه (٤). وروي ذلك عن النبيِّ# من حديث أمِّ سلمة(٥). وقال أبو صالح: لأنهنَّ عَذَارى أبكار(٦). وقرأ قتادة وابن السَّمَيْفَع وأبو رجاء العُطارديُّ وبكر بن حبيب السهميُّ: ((خَيِّرَاتٌ)) بالتشديد على الأصل(٧). وقد قيل: إنَّ خَيْرات جمع خَيْر، والمعنى: ذوات خَير. وقيل: مختارات(٨) . قال الترمذيُّ: فالخيرات: ما اختارهنَّ الله فأبدع خلقهن باختياره، فاختيار الله (١) الزهد لابن المبارك (٢٦١ زوائد نعيم) موقوفاً، ورفعه البزار (٣٥٢٨ كشف الأستار)، والطبراني في الكبير (٥٥١٢) من طريق مالك بن دينار، عن شهر بن حوشب، عن سعيد بن عامر مرفوعاً. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤١٧/١٠: رواه الطبراني مطولاً ... ورواه البزار باختصار كثير، وفيهما: الحسن عن عنبسة الوراق، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف. اهـ قلنا: ليس في إسناد الطبراني: الحسن بن عنبسة، بل فيه حماد بن الحسن بن عنبسة، وهو ثقة، وفيه الحارث بن نبهان، وهو متروك، ولكن تابعه جعفر بن سليمان. اهـ. والنصيف: الخمار. اللسان (نصف). (٢) معاني القرآن للزجاج ١٠٤/٥ . (٣) التذكرة ص ٤٤٢ . (٤) النكت والعيون ٥/ ٤٤٢ عن قتادة، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢٦٦/٢، والطبري ٢٢/ ٢٦٢ . (٥) أخرجه الطبري ٢٦٣/٢٢، والطبراني في الكبير ٣٦٧/٢٣ (٨٧٠) مطولاً. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٩/٧ : رواه الطبراني، وفيه سليمان بن أبي كريمة، ضعَّفه أبو حاتم وابن عدي. (٦) النكت والعيون ٤٤٢/٥ . (٧) القراءات الشاذة ص ١٥٠ عن أبي عثمان النهدي، والمحرر الوجيز ٢٣٥/٥، وزاد المسير ١٢٥/٨، والبحر المحيط ١٩٨/٨ . (٨) النكت والعيون ٤٤٢/٥ . ١٦٥ سورة الرحمن: الآيتان ٧٠ - ٧١ لا يُشبِهِ اختيار الآدميين. ثم قال: «حِسَانٌ» فوصفهنَّ بالحُسن، فإذا وصف خالق الحُسْنِ شيئاً بالحُسْنِ، فانظر ما هناك؟! وفي الأولتين ذكر بأنهنَّ ((قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ)» و(«كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ والْمَرْجَانُ)) فانظر كم بين الخيرة وهي مختارة الله، وبین قاصرات الطرف(١)؟! وفي الحديث: ((إنَّ الحور العين يأخذ بعضهنَّ بأيدي بعض، ويتغنّين بأصوات لم تسمع الخلائق بأحسن منها ولا بمثلها: نحن الراضيات فلا نسخط أبداً، ونحن المقيمات فلا نَظعن أبداً، ونحن الخالدات فلا نموت أبداً، ونحن الناعمات فلا نَبْؤُس أبداً، ونحن خَيْرَات حسان، حبيبات لأزواج كرام)). خرَّجه الترمذيُّ بمعناه من حديث عليٍّ ﴾(٢). وقالت عائشة رضي الله عنها: إنَّ الحور العين إذا قُلْنَ هذه المقالة أَجابهنَّ المؤمنات من نساء أهل الدنيا: نحن المصلِّيات وما صَلَّتنَّ، ونحن الصائمات وما صُمتنَّ، ونحن المتوضِّآت وما توضأتنَّ، ونحن المتصدِّقات وما تصدَّقتنَّ. فقالت عائشة رضي الله عنها: فَغَلَبْنَهُنَّ واللهِ(٣). الثانية: واختلف أيُّهما أكثر حسناً وأبهر جمالاً، الحور أو الآدميات؟ فقيل: الحور؛ لما ذكر من وصفهنَّ في القرآن والسنَّة، ولقوله عليه الصلاة والسلام في دعائه على الميت في الجنازة: ((وأَبْدِلْه زوجاً خيراً من زوجه)). وقيل: الآدميَّات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف، ورويّ مرفوعاً. وذكر ابن المبارك: وأخبرنا رشدين، عن ابن أَنْعُم، عن حبان بن أبي جبلة، قال: إنَّ نساء الدنيا من دخل منهنَّ الجنَّة فُضِّلنَ على الحور العين بما عَمِلنَ في الدنيا (٤) . (١) التذكرة ص ٤٤٢ . (٢) الترمذي (٢٥٦٤)، وهو عند أحمد (١٣٤٣)، وهناد في الزهد (٩). قال الترمذي: حديث علي حديث غريب. (٣) لطائف الإشارات ٥١٥/٣، والتذكرة ص٤٧٦، ومجمع البيان ٢٧/ ١٠٧. (٤) التذكرة ص ٤٧٦ - ٤٧٧، والحديث المرفوع سلف ١٣٩/١٩، وقول ابن أبي جبلة في الزهد لابن المبارك (٢٥٥ زوائد نعيم). ١٦٦ سورة الرحمن: الآیات ٧٠ - ٧٥ وقد قيل: إنَّ الحور العين المذكورات في القرآن هنَّ المؤمنات من أزواج النبيين والمؤمنين يُخْلَقَن في الآخرة على أحسن صورة، قاله الحسن البصريُّ. والمشهور أنَّ الحور العين لَسْنَ من نساء أهل الدنيا، وإنَّما هنَّ مخلوقات في الجنة؛ لأنَّ الله تعالى قال: ((لَمْ يَظْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ)) وأكثر نساء أهل الدنيا مطموثات، ولأنَّ النبيَّ﴾ قال: ((إنَّ أقلَّ ساكِني الجنَّةِ النِّساء))(١) فلا يصيب كلُّ واحد منهم امرأة، ووعد الحور العين لجماعتهم، فثبت أنَّهنَّ من غير نساء الدنيا. لَمْ قوله تعالى: ﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِىِ الْخِيَامِ (٨) فَأَِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٥ يَطَّمِثْهُنَّ إِنْهُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ ﴿ فَأَبِّ ءَالَآءِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانِ قوله تعالى: ﴿حُرٌ مَقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَامِ﴾ (حُورٌ)) جمع حوراء، وهي: الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها، وقد تقدَّم (٢). ((مَقْصُورَاتٌ)): محبوسات مستورات (فِي الْخِيَامِ)) في الحجال، لَسْنَ بالطوَّافات في الطرق، قاله ابن عباس(٣). وقال عمر﴾: الخيمة: دُرَّة مجوَّفة(٤). وقاله ابن عباس. وقال: هي فرسخ في فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب(٥). وقال الترمذيُّ الحكيم أبو عبد الله في قوله تعالى: ((حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)): بلغنا في الرواية أنَّ سحابة أمطرت من العرش فخلقت الحور من قَطَّرات الرحمة، ثم ضرب على كلِّ واحدة منهنَّ خيمة على شاطئ الأنهار، سعتها أربعون ميلاً، وليس لها باب، حتى إذا دخل وليُّ الله بالخيمة(٦)، انصدعت الخيمة عن باب (١) أخرجه مسلم (٢٧٣٨)، وأحمد (١٩٨٣٧) عن عمران بن حصين (٢) ١٣٧/١٩ . (٣) النكت والعيون ٤٤٢/٥، وأخرجه عنه الطبري ٢٦٦/٢٢، وسيأتي معنى: الحجال، قريباً. (٤) أخرجه الطبري ٢٦٨/٢٢ - ٢٦٩. (٥) تفسير أبي الليث ٣١٢/٣، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢٦٧/٢، والطبري ٢٧١/٢٢. (٦) في (م): بالجنة. وكذا هي في التذكرة ص٥٠٩ ، والمثبت من النسخ الخطية، والتذكرة ص ٤٤٢ - ٤٤٣ . ١٦٧ سورة الرحمن: الآيات ٧٢ - ٧٥ ليَعلَم وليُّ الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها، فهي مقصورة قد قُصِرَ بها عن أبصار المخلوقين. والله أعلم. وقال في الأُولتين: ((فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الظَّرْفِ)) قصرنَ طَرْفهنَّ على الأزواج، ولم يذكر أنهنَّ مقصورات، فدلَّ على أنَّ المقصورات أعلى وأفضل(١). وقال مجاهد: ((مَقْصُورَاتٌ)) قد قُصِرن على أزواجهنَّ، فلا يُرِدن بدلاً منهم (٢) . وفي ((الصحاح)) (٣): وقَصَرْتُ الشيء أَقْصِرُه قَضْراً: حبسته، ومنه: مَقْصورة الجامع، وقَصَرْتُ الشيءَ على كذا، إذا لم تجاوز به إلى غيره، وامرأة قَصِيرة وقَصُورة، أي: مقصورة في البيت لا تُتْرَك أن تخرج، قال كُثَيِّر: إليَّ وما تَدْرِي بذاكَ الْقَصَائرُ وأنتِ التي حَبَّبْتِ كلَّ قَصِيرَةٍ قِصارَ الخُطَا شَرُّ النِّساءِ البَحاتِرُ(٤) عَنَيْتُ قَصِيرَاتِ الحجالِ ولم أُرِدْ وأنشده الفرَّاء(٥): قَصُورة، ذكره ابن السِّكِّيت(٦). وروى أنس قال: قال النبيُّ ﴾: ((مررتُ ليلةً أُسريّ بي في الجنة بنهر حاقَّتَاه قِبَاب المرجان، فنوديت منه: السلام عليك يا رسول الله. فقلتُ: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء جوارٍ من الحور العِين استأذنَّ ربَّهنَّ في أن يُسلِّمنَ عليكَ، فأذن لهنَّ، فقلنَ: نحن الخالدات فلا نموت أبداً، ونحن الناعمات فلا نَبْؤُس أبداً، ونحن الراضيات فلا نسخَط أبداً، أزواج رجال كرام) ثم قرأ النبيُّ ﴾: ((حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي (١) التذكرة ص ٤٤٢ . (٢) سلف ١٨/ ٣٣. (٣) مادة: (قصر). (٤) ديوان كُثيِّر ص١٤٩، والحجال: جمع حَجَلة، وهي ستر يُضرب للعروس في جوف البيت. والبحاتر: القصيرات المجتمعات الخَلْق. الوسيط (حجل) و(بحتر). (٥) في معاني القرآن له ١٢٠/٣ . (٦) في إصلاح المنطق ص ٣٠٥ . ١٦٨ سورة الرحمن: الآيات ٧٢ - ٧٥ الْخِيَامِ)»(١). أي: محبوسات حبسَ صيانةٍ وتكرمة. وروي عن أسماء بنت يزيد الأشهلية أنَّها أتتِ النبيَّ # فقالت: يا رسولَ الله! إنَّا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعدُ بیوتکم وحواملُ أولادكم، فهل نشارككم في الأجر؟ فقال النبيُّ ﴾: ((نعم، إذا أحسنتنَّ تَبغُلَ أزواجكنَّ، وطلبتنَّ مرضاتهم))(٢). قوله تعالى: ﴿لَمْ يَظْمِنْهُنَّ﴾ أي: لم يمسهنَّ، على ما تقدَّم قبل . وقراءة العامة: ((يَظْمِثْهُنَّ)) بكسر الميم. وقرأ أبو حيوة الشاميُّ وطلحة بن مُصرِّف والأعرج والشيرازيُّ عن الكسائيّ بضمِّ الميم في الحرفين. وكان الكسائيُّ يكسر إحداهما ويضمُّ الأخرى، ويُخيِّر في ذلك، فإذا رفع الأولى كسر الثانية، وإذا كسر الأولى رفع الثانية (٣). وهي قراءة أبي إسحاق السَّبيعي. قال أبو إسحاق: كنت أصلِّي خَلْفَ أصحاب عليٍّ فيرفعون الميم، وكنت أَصَلِّي خَلْف أصحاب عبد الله فيكسرونها، فاستعمل الكسائيُّ الأثرين (٤). وهما لغتان طَمُت وظَمِث (٥)، مثل يَعرُشُون ويَعْكِفُون، فمن ضمَّ؛ فللجمع بين اللغتين، ومن كسر؛ فلأنَّها اللغة السائرة. وإنَّما أعاد قوله: ((لَمْ يَظْمِثْهُنَّ)) ليبيِّن أنَّ صفة الحور المقصورات في الخيام كصفة الحور القاصرات الطرف(٦). يقول: إذا (١) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٧٦)، وفي إسناده: الكديمي، وهو محمد بن يونس، ضعيف وكان يهتم بالوضع. تهذيب التهذيب ٣/ ٧٤١، والمجروحين ٣١٢/٢-٣١٣. (٢) النكت والعيون ٥/ ٤٤٣، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٨٧٤٣) مطولاً، والقواعد: جمع قاعد، وهي المرأة الكبيرة المُسنَّة. النهاية (قعد). وتبعُّل أزواجكنَّ: أي: مصاحبتهم في الزوجية والعشرة. والبعل: الزوج، ويجمع على بُعولة. النهاية (بعل). (٣) السبعة ص٦٢١، والتيسير ص٢٠٧، والنشر ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢. (٤) تفسير البغوي ٢٧٥/٤، وأخرجه عن أبي إسحاق الفرَّاءُ في معاني القرآن له ١١٨/٣ - ١١٩ بنحوه مختصراً. (٥) الحجة للفارسي ٢٥٣/٦، والكشف لمكي ٣٠٣/٢. (٦) مجمع البيان ٢٧/ ١٠٨ . ١٦٩ سورة الرحمن: الآيات ٧٤ - ٧٨ ضجرن(١) كانت لهنَّ الخيام في تلك الحال. فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَّكُمَا قوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ نَبَرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ ذِى الْحَلَلِ وَالْإِكْرَمِ (مَا﴾ ◌ُكَذِّبَانِ قوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ الرفرف: المحابس(٢). وقال ابن عباس: الرفرف: فضول الفَرْش والبسط(٣). وعنه أيضاً الرفرف: المحابس، يتّكئون على فضولها، وقاله قتادة(٤). وقال الحسن والقُرظيُّ: هي البُسُط(٥). وقال ابن عيينة: هي الزرابيُّ. وقال ابن كيسان: هي المرافق(٦)، وقاله الحسن أيضاً (٧). وقال أبو عبيدة: هي حاشية الثوب. وقال الليث: ضَرْب من الثياب الخضر تُبسّط. وقيل: الفُرُش المرتفعة. وقيل: كلُّ ثوب عريض عند العرب فهو رفرف(٨). قال ابن مقبل: · سَوَاقِظُ من أصناف رَيْطٍ ورفرفُ(٩) وإِنَّا لِتَزَّالِونَ تَغْشَى نِعَالَنَا وهذه أقوال متقاربة. وفي ((الصحاح)) (١٠): والرفرف: ثياب خُضَر تتّخذ منها المحابس، الواحدة: رَفْرَفة. وقال سعيد بن جبير وابن عباس أيضاً: الرفرف: ریاض الجنة(١١). (١) في (ف): ضجرت، وفي (م): قصرن. (٢) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٤٤، والوسيط ٢٣٠/٤ . (٣) النكت والعيون ٤٤٣/٥، وأخرجه عنه الطبري ٢٧٤/٢٢، والبيهقي في البعث والنشور (٣٣٨). (٤) النكت والعيون ٤٤٣/٥، والمحرر الوجيز ٢٣٦/٥، وأخرجه الطبري ٢٧٤/٢٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٥) تفسير البغوي ٢٧٨/٤، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣٧/١٣، والطبري ٢٧٤/٢٢ عن الحسن. (٦) تفسير البغوي ٢٧٨/٤ . (٧) المحرر الوجيز ٢٣٦/٥، وأخرجه عنه الطبري ٢٧٦/٢٢. (٨) تفسير البغوي ٢٧٨/٤، ومجمع البيان للطبرسي ٢٧ / ١٠٥ وما بعده منه أيضاً. (٩) ديوان تميم بن أبي مقبل ص١٩٨، وفيه: سوابغ، بدل: سواقط. وسبغ الشيء: طال إلى الأرض واتَّسع. والريط: جمع ریطة، وهي کل ثوب لیِّن رقيق. (١٠) مادة: (رفف). (١١) زاد المسير ١٢٧/٨، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٧٠ زوائد نعيم)، والطبري ٢٧٣/٢٢ عن سعید بن جبير. ١٧٠ سورة الرحمن: الآيات ٧٦ - ٧٨ واشتقاق الرفرف من رَفَّ يَرفُّ: إذا ارتفع، ومنه: رَفْرَفة الطائر؛ لتحريكه جناحَيْه في الهواء. وربما سمّوا الظَّلِيم رَفْرافاً بذلك؛ لأنَّه يرفرف بجناحيه ثم يَعْدُو. ورَفْرَف الطائر أيضاً إذا حرَّك جناحَيْه حول الشيء يريد أن يقع عليه. والرفرف أيضاً: كِسَر الخباء، وجوانب الدِّرْع وما تدلَّى منها، الواحدة: رَفْرَفة. وفي الخبر في وفاة النبيِّ ◌َ﴾: فرفع الرفرف فرأينا وجهَه كأنَّه وَرَقة [تُخَشْخِش] أي: رفع طرف الفسطاط(١). وقيل: أصل الرفرف من رَفَّ النبتُ يَرِفُّ: إذا صار غضًّا نضيراً، حكاه الثعلبيُّ. وقاله القتبيُّ. يقال للشيء إذا كثر ماؤه من النَّعمة والغَضَاضة حتى كاد يهتز: رَفّ يرِفُّ رفيقاً، حكاه الهرويُّ. وقد قيل: إنَّ الرفرف شيء إذا استوی علیه صاحبه رفرف به وأهوی به كالمِرْجاح يميناً وشمالاً، ورَفْعاً وخفضاً، يتلذَّذ به مع أنيسته، قاله الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول)) وقد ذكرناه في ((التذكرة))(٢). قال الترمذيُّ(٣): فالرفرف أعظم خطراً من الفرش، فذكره في الأولتين: ((مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ)) وقال هنا: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفِ خُضْرٍ)) فالرفرف هو شيء إذا استوى عليه الوليُّ رفرف به، أي: طار به ھکذا وهکذا حیث ما یرید کالمِرجاح، وأصله من رفرف بين يدي الله عزَّ وجلَّ، روي لنا في حديث المعراج أنَّ رسول اللـه # لما بلغ سِدْرةَ المنتهى جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى مسند العرش، فذكر أنَّه قال: ((طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي بين يدي ربِّي))(٤) ثم لمَّا حان الانصراف، تناوله فطار به خفضاً ورفعاً یھوي به حتى أدلَّه إلی جبريل صلوات الله وسلامه عليه، (١) الصحاح (رفف)، وتهذيب اللغة ١٥/ ١٧٠، وما بين حاصرتين منه. وخبر وفاته # أورده ابن الجوزي في غريب الحديث ٤٠٧/١، وابن الأثير في النهاية ٢٤٢/٢، والخشخشة: صوت السلاح ونحوه. الصحاح (خشش). (٢) ص٥٠٩ . (٣) التذكرة ص٤٤٣، وكلام الترمذي في نوادر الأصول ص٣٦ - ٣٧ بنحوه. (٤) لم نقف عليه إلا في نوادر الأصول ص٣٦، ونقله عنه القرطبي في التذكرة ص ٤٤٣، والكلام منه. ١٧١ سورة الرحمن: الآيات ٧٦ - ٧٨ وجبريل بيكي ويرفع صوته بالتحميد، فالرفرف: خادم من الخدم بين يدي الله تعالى، له خواصُ الأمور في محلِّ الدنو والقرب، كما أنَّ البُرَاق دابَّة يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه، فهذا الرفرف الذي سخّره الله لأهل الجنَّتين الدانيتين هو متكؤهما وفرشهما، يرفرف بالوليّ على حافَّات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان. ثم قال: ﴿وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ﴾ والعبقريُّ: ثياب منقوشة تبسط، فإذا قال خالق النقوش: إنَّها حسان، فما ظنُّك بتلك العباقر ! . وقرأ عثمان ﴾ والجحدريُّ والحسن وغيرهم: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفَارِفَ)) بالجمع، غيرَ مصروف، كذلك: ((وَعَبَاقِرِيَّ حِسَانٍ))(١) جمع رَفْرَف وعَبْقريٍّ. و((رَفْرَف)) اسم للجمع، و(عَبْقَرِيّ)) واحد يدلُّ على الجمع، المنسوب إلى عَبْقَر. وقد قيل: إنَّ واحد رَفْرف وعَبْقريٍّ: رَفْرَفة وعَبْقريَّة(٢)، والرفارف والعَبَاقِرِ جمع الجمع. والعبقريُّ: الطَّنَافس الثخان منها، قاله الفرَّاء(٣). وقيل: الزَّرَابي، عن ابن عباس وغيره(٤). الحسن: هي البُسُط. مجاهد: الدِّيباج(٥). القتبيُّ: كلُّ ثوب وشِّي عند العرب عبقريٌّ(٦). قال أبو عبيد(٧): هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كلُّ وَشْي حُبِك. قال ذو الرُّمَّة: حتى كأنَّ رِياضَ الْقُفِّ أَلْبسَها مِن وَشْي عَبْقَر تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ(٨) (١) القراءات الشاذة ص ١٥٠، والمحتسب ٣٠٥/٢، والبحر المحيط ١٩٩/٨. (٢) مشكل إعراب القرآن لمكي ٧٠٨/٢ . (٣) في معاني القرآن له ٣/ ١٢٠، وقاله ابن قتيبة في غريب القرآن ص ٤٤٤ . (٤) زاد المسير ٨/ ١٩٢ عن ابن عباس وعطاء وقتادة والضحاك وابن زيد، وأخرجه الطبري ٢٧٦/٢٢ عن ابن عباس وابن جبير وقتادة. (٥) المحرر الوجيز ٢٣٦/٥، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣٧/١٣، والطبري ٢٧٧/٢٢ عن مجاهد. (٦) تفسير البغوي ٢٧٨/٤، وفيه: موشَّى، بدل: وشِّي. (٧) في غريب الحديث ٨٨/١ - ٨٩ ٤٠٠/٣ - ٤٠١ . (٨) ديوان ذي الرمة ١٣٦٦/٢، قال شارحه: والقُفُّ: ما غلظ من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلاً في ارتفاعه. والتنجيد: التزيين. فشبَّه الزهر بوشي عبقر. ١٧٢ سورة الرحمن: الآيات ٧٦ - ٧٨ ويقال: عَبْقر: قرية بناحية اليمن تُنسَج فيها بُسُط منقوشة(١). وقال ابن الأنباري: إنَّ الأصل فيه أنَّ عَبْقر قرية يسكنها الجِنُّ، يُنسَب إليها كلُّ فائق جليل. وقال الخليل: كلُّ جليل نافس فاضل وفاخر من الرجال والنساء وغيرهم عند العرب عبقريٌّ(٢). ومنه قول النبيِّ # في عمر : ((فلم أَرَ عبقريًّا من الناس يَفْرِي فَرِيَّه))(٣). وقال أبو عمرو ابن العلاء وقد سئل عن قوله #: ((فلم أَرَ عَبْقريًّا يَفْرِي فَرِيَّه)) فقال: رئيس قوم وجليلهم(٤). وقال زُهَير: بِخَيْلٍ عليها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ جَديرون يوماً أَنْ يَنَالُوا فَيَسْتَعْلُوا(٥) وقال الجوهريُّ(٦): العبقريُّ: موضع تزعم العرب أنَّه من أرض الجِنِّ. قال لبيد : كُهُولٌ وَشُبَّان كجِئَّةِ عَبْقَرٍ (٧). ثم نسبوا إليه كلَّ شيء يعجبون من حِذْقه وجودة صنعته وقوَّته فقالوا: عَبْقريٌّ. وهو واحد وجمع. وفي الحديث: ((إنَّه كان يسجد على عبقريٍّ)) (٨) وهو هذه البسط (١) معجم البلدان ٤/ ٧٩ . (٢) تفسير البغوي ٢٧٨/٤ . (٣) أخرجه البخاري (٣٦٣٤)، ومسلم (٢٣٩٣)، وأحمد (٤٨١٤) عن ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه أيضاً البخاري (٣٦٣٤)، وأحمد (٨٢٣٩) عن أبي هريرة ﴾، وهو عند مسلم (٢٣٩٢) بنحوه. (٤) تهذيب اللغة ٢٩٣/٣، وما بعده منه أيضاً، وغريب الحديث لأبي عبيد ١/ ٨٧ . (٥) شرح ديوان زهير ص١٠٣، قال شارحه: الجِنَّة: جمع چِنٍّ. وجديرون: خليقون. ويستعلوا: يظفروا ويَعْلُوا. (٦) في الصحاح (عبقر). (٧) شرح ديوان لبيد ص٥٤ ، وهذا عجز البيت، وصدره: ومَن فَادَ من إخوانهم وبنِيهِمِ قال شارحه: فاد: مات. (٨) الصحاح (عبقر)، وما بعده منه أيضاً، وغريب الحديث لأبي عبيد ٨٩/١ و٤٠٠/٣ ، والحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٤٣٦/٢ عن عمر أنه كان يسجد على عبقري. وأخرج ابن أبي شيبة ١/ ٤٠٠ عن أنس أن النبي # نضح بساطاً لهم فصلى عليه، وعن ابن عباس بنحوه. ١٧٣ سورة الرحمن: الآيات ٧٦ - ٧٨ التي فيها الأصباغ والنقوش حتى قالوا: ظُلْم عبقريّ، وهذا عبقريُّ قومٍ، للرجل القويِّ. وفي الحديث: ((فلم أَرَ عبقريًّا يَفْرِي فَرِيَّه))(١). ثم خاطبهم الله بما تعارفوه فقال: ((وَعَبْقَرِيِّ حِسَانٍ))، وقرأ بعضهم: ((عَبَاقِرِيِّ)) وهو خطأ؛ لأنَّ المنسوب لا يُجمَع على نسبته(٢). وقال قُظْرُب: ليس بمنسوب وهو مثل: كُرْسيّ وكَراسِيّ، ويُخْتِيّ وبَخَاتَيّ. وروى أبو بكرة(٣) أنَّ رسول الله ﴾ قرأ: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفَارِفَ خُضْرٍ وَعَبَاقِرَ حِسَانٍ))(٤) ذكره الثعلييُّ. وضمَّ الضادَ من ((خضر)) قليلٌ. قوله تعالى: ﴿فَبْرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ ذِى الْجَلَلِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ((تَبَارَكَ)) تفاعل من البركة، وقد تقدّم(٥). ((ذِي الْجَلَالِ)) أي: العظمة. وقد تقدَّم ((وَالْإِكْرَامِ)) (٦). وقرأ ابن(٧) عامر: ((ذُو الْجَلَالِ)) بالواو؛ جعله وصفاً للاسم، وذلك تقويةً لكون الاسم هو المسمَّى. الباقون ((ذِي الْجَلَالِ))؛ جعلوا ((ذِي)) صفةٍ لـ ((رَبِّكَ)). وكأنَّه يريد به الاسم الذي افتتح به (١) سلف قريباً. (٢) الصحاح (عبقر)، والقراءة في القراءات الشاذة ص ١٥٠ . (٣) في (د) و(م): أبو بكر، والمثبت من (ق) و(ظ) و(خ)، والقراءة في إعراب القرآن للنحاس ٣١٨/٤، والقراءات الشاذة ص ١٥٠، والمحتسب ٣٠٥/٢، وأخرجها أبو حفص الدوري في جزء فيه قراءات النبي # (١١٤)، والبزار (٣٦٧٣)، والحاكم ٢/ ٢٥٠ من طريق عبد الله بن حفص، عن عاصم الجحدري، عن أبي بكرة، به. قال النحاس: وإسنادها ليس بالصحيح. وقال الطبري في التفسير ٢٧٧/٢٢: وذكر عن النبي # خبر غير محفوظ، ولا صحيح السند. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: منقطع، وعاصم لم يدرك أبا بكرة .. اهـ. ووردت القراءة في مصادر التخريج: وعباقري، بالياء، بدل: وعباقر. (٤) المحتسب ٣٠٦/٢ . (٥) ٣٦٤/١٥ - ٣٦٥. (٦) ص١٣٣ من هذا الجزء. (٧) قوله: ابن. ليست في (م) و(خ) و(د). والمثبت من (ق) و(ظ)، والقراءة في السبعة ص٦٢١ ، والتيسير ص٢٠٦، والحجة للفارسي ٦/ ٢٥٣ . ١٧٤ سورة الرحمن: الآية ٧٨ السورة، فقال: ((الرَّحْمَنُ)) فافتتح بهذا الاسم، فوصف خَلْق الإنسان والجنِّ(١)، وخَلْق السماوات والأرض وصنعه، وأنَّه ((كُلَّ يَوْمِ هُوَ فِي شَأْنٍ))، ووصف تدبيره فيهم، ثم وصف يوم القيامة وأهوالها، وصفة النار، ثم ختمها بصفة الجِنان. ثم قال في آخر السورة: ((تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)) أي: هذا الاسم الذي افتتح به هذه السورة، كأنَّه يُعلِمهم أنَّ هذا كلَّه خرج لكم من رحمتي، فمِن رحمتي خلقتكم، وخلقتُ لكم السماء والأرض والخَلْق والخليقة والجنَّة والنار، فهذا كلُّه لكم من اسم الرحمن فمدح اسمه ثم قال: ((ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» جلیل في ذاته، کریم في أفعاله. ولم يختلف القرَّاء في إجراء النعت على الوجه بالرفع في أوَّل السورة، وهو يدلُّ على أنَّ المراد به وجهُ الله الذي يلقى المؤمنون عندما ينظرون إليه، فيستبشرون بخُسْن الجزاء، وجميل اللقاء، وحسن العطاء، والله أعلم. (١) بعدها في (د) و(خ): والشياطين. سورة الواقعة مكِّيّة، وهي سبع وتسعون آية مكيَّة في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيةً منها نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: ﴿وَّتْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِبُونَ﴾ (١) [الآية: ٨٢]. وقال الكلبيُّ: مكَّة إلا أربع آيات منها، آيتان: ﴿أَفَهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُم مُدْهِنُونَ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [٨١- ٨٢] نزلتا في سفره إلى مكّة، وقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَِّينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ اُلْآَخِرِينَ﴾ [٣٩-٤٠] نزلتا في سفره إلى المدينة. وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأوَّلين والآخرين، ونبأ أهل الجنَّة، ونبأ أهل النار، ونبأ أهل الدنيا، ونبأ أهل الآخرة، فليقرأ سورة الواقعة (٢). وذكر أبو عمر ابن عبد البر في ((التمهيد))(٣) و((التعليق))، والثعلبيُّ أيضاً: أن عثمان دخل على ابن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: أفلا ندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر لك بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه، حبستّه عني في حياتي، وتدفعه لي عند مماتي؟ قال: يكون لبناتك من بعدك. قال: أَتخشى على بناتي الفاقةَ من بعدي؟ إنِّي أمرتهنَّ أن يقرأنَ سورةَ ((الواقعة)) كلَّ ليلة، فإِنِّي سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول: ((من قرأ سورة الواقعة كلَّ ليلة لم تُصِبْه فاقة أبداً))(٤). (١) النكت والعيون ٤٤٥/٥ . (٢) أخرجه الواحدي في الوسيط ٤/ ٢٣١ . (٣) ٢٦٩/٥ . (٤) وأخرجه أيضاً البيهقي في شعب الإيمان (٢٤٩٧) بتمامه، و(٢٤٩٨) و(٢٤٩٩) و(٢٥٠٠) مقتصرين على الحديث المرفوع، وأخرجه أيضاً ابن الضريس في فضائل القرآن (٢٢٦)، وابن السني في عمل = ١٧٦ سورة الواقعة: الآيات ١ - ٦ بِسْمِ اللَّهِ الرََّىِ الرَّحَمِ خَافِضَةٌ رَّافِعَهُ ﴾ إِذَا قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿ لَيْسَ لِوَفْعِنِهَا كَاذِبٌ ﴾) رُخَّتِ الْأَرْضُ رَبَّا ﴿﴿ وَبُسَتِ الْجِبَالُ بَسًا ﴾ فَكَانَتْ هَبَ مُحْبَثًا ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ أي: قامت القيامة، والمراد النفخة الأخيرة(١). وسمِّيت واقعة؛ لأنَّها تقع عن قُرب. وقيل: لكثرة ما يقع فيها من الشدائد(٢). وفيه إضمار، أي: اذكروا إذا وقعت الواقعة (٣). وقال الجرجانيُّ: ((إذا)) صلة، أي: وقعت الواقعة، كقوله: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، و﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] وهو كما يقال: قد جاء الصوم، أي: دنا واقترب. وعلى الأوَّل ((إذَا)) للوقت، والجواب قوله: ((فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)). ﴿لَسَ لِوَقْعِنِهَا كَاذِبَةٌ﴾ الكاذبة مصدر بمعنى الكذب(٤)، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضعَ المصدر، كقوله تعالى: ﴿لَّا تَشْمَعُ فِهَا لَلِغِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١١] أي: لغو، والمعنى: لا يسمع لها كذب، قاله الكسائيُّ. ومنه قول العامَّة: عائذاً بالله، أي: معاذ الله، وقم قائماً: أي: قم قياماً. ولبعض نساء العرب ترقُّصُ ابنها: قُمْ قائماً قُمْ قَائما أصبت عبداً نائمَا = اليوم والليلة (٦٨٠) بنحوه مختصراً. وفي إسناده: السري بن يحيى، قال ابن حجر في الكافي الشاف ص١٦٣: وقد اختلف في شيخه، هل هو شجاع، أو: أبو شجاع، واختلفوا أيضاً في شيخ شجاع، هل هو أبو فاطمة، أو: أبو ظبية، ثم اختلفوا في ضبط أبي ظبية، فعند الدارقطني بالطاء المهملة، بعدها تحتانية، ثم موحدة، وإنه عيسى بن سليمان الجرجاني، وأن روايته عن ابن مسعود منقطعة ... وعند البيهقي أنه بالمعجمة، بعدها موحدة، ثم تحتانية، وأنه مجهول. وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر، وشجاع لا أعرفه. اهـ. (١) تفسير البغوي ٢٧٩/٤ . (٢) النكت والعيون ٤٤٥/٥. (٣) الكشاف ٤/ ٥١ . (٤) معاني القرآن للفراء ١٢١/٣ ١٧٧ سورة الواقعة: الآيات ٢ - ٦ وقيل: الكاذبة صفة، والموصوف محذوف، أي: ليس لوقعتها حال كاذبة، أو نفس كاذبة، أي: كلُّ من يخبر عن وقعتها صادق(١). وقال الزجَّاج(٢): ((لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ)) أي: لا يَردُّها شيء. ونحوه قول الحسن وقتادة(٣). وقال الثوريُّ: ليس لوقعتها أحد يكذِّب بها. وقال الكسائيُّ أيضاً: ليس لها تكذيب، أي: ينبغي ألا يكذِّب بها أحد. وقيل: إنَّ قيامها جِدٌّ لا هزْلَ فيه. قوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةُ﴾ قال ◌ِكرمة ومقاتل والسُّدِّيُّ: خفضت الصوت فأسمعتْ من دنا، ورفعتْ فأسمعت من نأى(٤). يعني: أَسمعت القريب والبعيد. وقال الشُّدِّئُّ: خفضت المتكبِّرِين، ورفعت المستضعفين. وقال قتادة: خفضت أقواماً في عذاب الله، ورفعت أقواماً إلى طاعة الله(٥). وقال عمر بن الخطاب ﴾: خفضت أعداءَ الله في النار، ورفعت أولياءَ الله في الجنَّة. وقال محمد بن كعب: خفضت أقواماً كانوا في الدنيا مرفوعين، ورفعت أقواماً كانوا في الدنيا مخفوضين(٦). وقال ابن عطاء: خفضت أقواماً بالعدل، ورفعت آخرين بالفَضْل. والخَفْض والرَّفْع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة، والعزِّ والإهانة. ونسب سبحانه الخفض والرفْع للقيامة؛ توسُّعاً ومجازاً على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحلِّ والزمان وغيرهما مما لم يكن منه الفعل، يقولون: ليلٌ نائمٌ، ونهار صائم. وفي التنزيل: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] والخافض والرافع على الحقيقة إنَّما هو الله وحده، فرفَع أولياءَه في أعلى الدرجات، وخفض أعداءَه في أسفل الذَّرَكات . وقرأ الحسن وعيس الثقفيُّ: ((خَافِضَةٌ رَّافِعَةً)) بالنصب(٧). الباقون بالرفع؛ على (١) الكشاف ٤/ ٥١ . (٢) في معاني القرآن له ١٠٧/٥. (٣) المحرر الوجيز ٢٣٨/٥، وأخرجه الطبري ٢٨٠/٢٢ عن قتادة. (٤) النكت والعيون ٥/ ٤٤٦ عن عكرمة، وأخرجه عنه الطبري ٢/ ٢٨١ . (٥) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٦٩/٢، والطبري ٢٨١/٢٢ . (٦) النكت والعيون ٤٤٦/٥، وقول عمر أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٣٣٢٩/١٠ (١٧٨٦٦). (٧) المحتسب ٣٠٧/٢، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٥٠ وعزاها إلى اليزيدي. ١ ١٧٨ سورة الواقعة: الآيات ٣ - ٦ إضمار مبتدأ، ومن نصب، فعلى الحال. وهو عند الفرَّاء(١) على إضمار فعل، والمعنى: ((إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ)) وقعت خَافِضَةً رَّافِعَةً. والقيامة لا شكَّ في وقوعها، وأنَّها ترفَع أقواماً وتضع آخرين، على ما بيَّنَّاه. قوله تعالى: ﴿إِذَا رُقَّتِ اَلْأَرْضُ رَبَّ﴾ أي: زُلزلت وحُركت، عن مجاهد وغيره (٢). يقال: رَجَّه يَرُجُه رجًا، أي: حرَّكه وزلزله. وناقة رجَّاء، أي: عظيمة السَّنَام. وفي الحديث: ((مَنْ ركب البحرَ حين يَرْتَجُ فلا ذِمَّةً له)) يعني: إذا اضطربت أمواجه(٣). قال الكلبيُّ: وذلك أنَّ الله تعالى إذا أَوحى إليها اضطربت فَرَقًا من الله تعالى. قال المفسرون: تَرْتجُ كما يرتجُّ الصبيُّ في المهد حتى ينهدم كلُّ ما عليها، وينكسر كلُّ شيء عليها من الجبال وغيرها (٤). وعن ابن عباس: الرَّجَّة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت (٥). وموضع ((إِذَا)) نصب على البدل من ((إذا وَقَعَتِ))، ويجوز أن ينتصب بـ((خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ)) أي: تخفض وترفَع وقت رجِّ الأرض وبسِّ الجبال؛ لأنَّ عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض(٦). وقيل: أي: وقعت الواقعة إذا رجَّت الأرض، قاله الزجَّاج(٧) والجرجانيُّ. وقيل: أي: اذكر ((إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًا)) مصدر؛ وهو دليل على تكرير الزلزلة. قوله تعالى: ﴿وَيُنَّتِ الْجِبَالُ بَشَّا﴾ أي: فُتّتت، عن ابن عباس(٨). مجاهد: كما (١) في معاني القرآن له ١٢١/٣ . (٢) تفسير مجاهد ٦٤٥/٢، وأخرجه عنه - وعن ابن عباس - الطبري ٢٨٢/٢٢. (٣) الصحاح (رجج)، والحديث أخرجه أحمد (٢٠٧٤٩)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٩٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٧٢٥)، عن رجل من أصحاب النبي # مطولاً، وأورده أبو عبيد في غريب الحديث ٢٧٥/١ وقال: وأكثر ظني أنه التّجَّ - باللام. اهـ وهما بمعنَّى. (٤) تفسير البغوي ٢٧٩/٤ . (٥) زاد المسير ١٣١/٨. (٦) الكشاف ٤/ ٥٢ . (٧) في معاني القرآن له ١٠٨/٥ . (٨) زاد المسير ١٣٢/٨، وأخرجه عنه الطبري ٢٨٣/٢٢ . ١٧٩ سورة الواقعة: الآيات ٥ - ٦ يُبَسُ الدقيق، أي: يُلَتُّ(١). والبَسِيْسَة: السّوِيق أو الدقيق يُلَتُّ بالسَّمن أو بالزيت، ثم يؤكل ولا يطبخ، وقد يُتَّخذ زاداً. قال الراجز: لا تَخْبِزَا خُبْزاً وبُسَّابَسَّا ولا تُطِيلاً بِمُنَاخِ حَبْسَا (٢) وذكر أبو عبيدة(٣): أنَّه لصّ من غَطَفان أراد أن يخبِزِ فخاف أن يُعجَل عن ذلك فأَكله عجيناً. والمعنى أنَّها خُلِطت فصارت كالدقيق الملتوت بشيء من الماء. أي: تصير الجبال تراباً فيختلط البعض بالبعض. وقال الحسن: ويُسَّت: قُلعت من أصلها فذهبت، نظيره: ﴿يَنِسِفُهَا رَبِ نَسْفًا﴾ (٤) [طه: ١٠٥]. وقال عطيَّة: بُسطت كالرمل والتراب. وقيل: البسُ: السَّوق(٥)، أي: سيقت الجبال. قال أبو زيد: البسُ: السَّوق، وقد بسستُ الإبل أبُسُها - بالضمِّ - بسًّا. وقال أبو عبيد (٦): بَسَسْتُ الإبلَ وأَبسست لغتان: إذا زجرتها، وقلتُ لها: بِسْ بِسْ. وفي الحديث: ((يخرج قوم من المدينة إلى اليمن أو الشام أو العراق يَبْسُون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون))(٧) ومنه الحديث الآخر: ((جاءكم أهل اليمن يَبُّون عيالهم)»(٨) والعرب تقول: چِيْء به من حَسِّك وبَسِّك(٩). ورواهما أبو زيد بالكسر، فمعنى من حَسِّك، من حيث أحسسته، وبَسِّك، من حيث بلغه مسيرك، وقال مجاهد: سالت سيلاً. عكرمة: هُدَّت (١) المحرر الوجيز ٢٣٩/٥، وهو في تفسير مجاهد ٦٤٥/٢، وأخرجه عنه الطبري ٢٨٣/٢٢ . (٢) النكت والعيون ٤٤٧/٥، والصحاح (بسس)، وما بعده منه أيضاً، والرجز لبعض لصوص العرب، كما ذكر ذلك الجاحظ في كتابه الحيوان ٤/ ٤٩٠-٤٩١، وذكرها المرزباني في معجم الشعراء ص٤٧٥ بنحوه ونسبها إلى الهفوان العقيلي أحد بني المنتفق وأحد اللصوص. (٣) في مجاز القرآن له ٢٤٧/٢ - ٢٤٨. (٤) تفسير البغوي ٢٧٩/٤ . (٥) معاني القرآن للزجاج ١٠٨/٥ . (٦) في غريب الحديث ٨٩/٣-٩٠ ، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (بس). (٧) أخرجه البخاري (١٨٧٥)، ومسلم (١٣٨٨)، وأحمد (٢١٩١٦) عن سفيان بن أبي زهير البهزي (٨) لم نقف عليه بهذا اللفظ. (٩) الصحاح (بسس)، والمثل في المستقصى في أمثال العرب للزمخشري ٣٦/٢. ١٨٠ سورة الواقعة: الآيات ٥ -١٢ هدًّا. محمد بن كعب: سُيِّرت سيراً، ومنه قول الأغلب العجليّ(١): [نحن بسسنا بأثر أطاراً أضاء خمساً ثمَّت سارا] وقال الحسن: قُطعت قطعاً. والمعنى متقارب. قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءُ مُثْبَثًا﴾ قال عليٍّ ﴾: الهباء المنبث: الرُّهَج الذي يسطع من حوافر الدوابِّ ثم يذهب، فجعل الله أعمالهم كذلك، وقال مجاهد: الهباء: هو الشعاع الذي يكون في الكوَّة كهيئة الغبار(٢). وروي نحوه عن ابن عباس(٣). وعنه أيضاً: هو ما تطاير من النار إذا اضطربت يطير منها شرر، فإذا وقع لم يكن شيئاً (٤). وقاله عطيّة. وقد مضى في ((الفرقان))(٥) عند قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآَ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَّنثُورًا﴾ [الآية: ٢٣]. وقراءة العامَّة: ((مُنْبَنَّا)) بالثاء المثلثة، أي: متفرِّقاً من قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ﴾ [لقمان: ١٠] أي: فرَّق ونشر. وقرأ مسروق والنخَعيُّ وأبو حَيْوة: ((مُنْبًَّا)) بالتاء المثناة (٦)، أي: منقطعاً من قولهم: بتَّه الله، أي: قطعه، ومنه البتات. قوله تعالى: ﴿وَكُنُّ أَزْوَجًا ثَثَةٌ ﴾ فَأَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ اَلْمَيْمَنَّةِ وَأَصْحَبُ اَلْشَئُّمَةِ مَا أَصْحَبُ الْمَشْشَمَةِ ) وَالتََِّّقُونَ السَّبِقُونَ ﴿ أُوْلَكَ اَلْمُقَرَبُونَ ١ فِي جَنَّتِ الَّعِيمِ قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَجًا ثَلَاثَةُ﴾ أي: أصنافاً ثلاثة(٧)، كلُّ صنف يُشاكِل ما هو (١) النكت والعيون ٤٤٦/٥ وما بعده منه أيضاً، ولم يرد في النسخ قول الأغلب العجلي، واستدركناه منه. (٢) النكت والعيون ٥/ ٤٤٧، وقول علي أخرجه مجاهد في التفسير ٦٤٥/٢، وعبد الرزاق في التفسير ٢٦٩/٢، والطبري ٢٨٥/٢٢، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٢٨٥/٢٢ . (٣) أخرجه الطبري ٢٨٤/٢٢. (٤) النكت والعيون ٤٤٧/٥ . (٥) ٣٩٦/١٥. (٦) المحرر الوجيز ٢٣٩/٥ عن النخعي، والبحر المحيط ٢٠٤/٨. (٧) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٤٦ .