Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سورة القمر: الآيات ١٠ - ١٧ بتمرُّدهم ﴿فَأَنَصِرْ﴾ أي: فانتصر لي(١). وقيل: إنَّ الأنبياء كانوا لا يَدْعُون على قومهم بالهلاك إلا بإذن الله عزَّ وجلَّ لهم فيه. ﴿فَفَتَحْنَا أَنْوَبَ السَّمَآءِ﴾ أي: فأَجبنا دعاءَه، وأمرناه باتخاذ السفينة، وفتحنا أبواب السماء ﴿ٍِّ مُّنْهٍَِ﴾ أي: كثير، قاله السُّدِّيُّ. قال الشاعر: أعينيَّ جُودًا بالدُّموعِ الهَوَامرِ على خيرٍ بادٍ من مَعَدٍّ وحاضِرٍ(٢) وقيل: إنَّه المنصبُّ المتدفّق. ومنه قول امرئ القيس يصف غَيثاً: رَاحَ تَمْرِيهِ الصَّبَا ثم انْتَحَى فيه شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ(٣) الهَمْر: الصَّبُّ. وقد هَمَر الماءُ والدَّمْعُ يَهْمِرُ هَمْراً. وهَمَر أيضاً: إذا أكثر الكلام وأسرع. وهَمَّر له من ماله، أي: أَعطاه(٤). قال ابن عباس: ففتحنا أبواب السماء بماء [مُنْهَمِر] من غير سحاب لم يقلع أربعين يوماً (٥). وقرأ ابن عامر ويعقوب: ((فَفَتَّحْنَا)) مشدّدة على التكثير. الباقون: ((فَفَتَحْنَا)) مخفَّفاً (٦). ثم قيل: إنَّه فتح رتاجها وسعة مسالكها. وقيل: إنَّه المجرة، وهي شَرَج السماء، ومنها فتحت بماء منهمر، قاله عليٍّ ﴾(٧). ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ قال عُبَيد بن عُمير: أَوحى الله إلى الأرض أن تُخرِج (١) المحرر الوجيز ٢١٤/٥. (٢) النكت والعيون ٤١٢/٥، وما بعده منه أيضاً، ولم نقف على قائل البيت. (٣) ديوان امرئ القيس ص ١٤٥، قال شارحه: راح: يعني السحاب. وتمريه: تحركه وتديره. والصبا: أحمد الرياح عند العرب وأجلبها للخير. والشؤبوب: دفعة المطر وشدته. (٤) الصحاح (همر) دون قوله: وهمر أيضاً: إذا أكثر الكلام وأسرع. فهو من تفسير أبي الليث ٢٩٩/٣ . (٥) عرائس المجالس ص٥٨ بنحوه، وما بين حاصرتين لم يرد في النسخ الخطية. (٦) تفسير أبي الليث ٢٩٩/٣، وقراءة ابن عامر في السبعة ص٦١٨، والتيسير ص١٠٢، وقراءة يعقوب في النشر ٢٥٨/٢ . (٧) النكت والعيون ٤١٢/٥، وأخرجه عنه ابن أبي حاتم ٣٣٢٠/١٠ (١٨٧٠٤) والشَّرَج: العُروة. الصحاح (شرج). ٨٢ سورة القمر: الآيات ١٢ - ١٧ ماءَها، فتفجَّرت بالعيون، وإنَّ عيناً تأخّرت، فغضب عليها فجعل ماءها مُرّاً أُجاجاً إلى يوم القيامة. ﴿فَلْنَفَى الْمَآءُ﴾ أي: ماء السماء وماء الأرض ﴿عَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر، حكاه ابن قتيبة(١). أي: كان ماء السماء والأرض سواء. وقيل: ((قُدِرَ)) بمعنى: قُضي عليهم. قال قتادة: قدّر لهم إذا كفروا أن يَغْرَقُوا. وقال محمد بن كعب: كانت الأقوات قبل الأجساد، وكان القَدَر قبل البلاء، وتلا هذه الآية(٢). وقال: ((الْتَّقَى الْمَاءُ)) والالتقاء إنَّما يكون في اثنين فصاعداً؛ لأنَّ الماء يكون جمعاً وواحداً(٣). وقيل: لأنَّهما لما اجتمعا صارا ماء واحداً (٤) . وقرأ الجَحْدريُّ: ((فَالْتَقَى الْمَاءَانِ)). وقرأ الحسن: ((فَالْتَقَى الْمَاوَانِ))(٥). وهما خلاف المرسوم. القُشيريُّ: وفي بعض المصاحف: ((فَالْتَّقَى الْمَاوَانِ)) وهي لغة طيِّء. وقيل: كان ماء السماء بارداً مثل الثلج، وماء الأرض حارّاً مثل الحميم. ﴿وَحَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَ﴾ أي: على سفينة ذات ألواح (٦). ﴿وَدُسُرٍ﴾ قال قتادة: يعني: المسامير التي دُسِرت بها السفينة، أي: شُدَّت، وقاله القُرَظِيُّ وابن زيد وابن جبير (٧)، ورواه الوالبيُّ عن ابن عباس(٨). وقال الحسن وشَهْر بن حَوْشَب وعكرمة: (١) النكت والعيون ٤١٢/٥، وما بعده منه، وكلام ابن قتيبة في غريب القرآن له ص٤٣٢ . (٢) أخرجه الطبري ٢٢/ ١٢٣. (٣) تفسير البغوي ٢٦٠/٤. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٨/٤. (٥) القراءات الشاذة ص ١٤٧ . (٦) معاني القرآن للزجاج ٨٧/٥ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٩/٤ عدا قول ابن جبير فنسبه إليه الماوردي في النكت والعيون ٤١٢/٥، وأخرجه عنهم الطبري ٢٢/ ١٢٣ - ١٢٤. (٨) زاد المسير ٩٣/٨. ٨٣ سورة القمر: الآيات ١٣ - ١٧ هي صدر السفينة التي يضرب بها المَوْج، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تَدْسُر الماء، أي: تدفعه(١). والدَّسْرُ: الدَّفع(٢) والمَخْر. ورواه العَوْفِيُّ عن ابن عباس قال: الدَّسْر: كَلْكَل السفينة(٣). وقال الليث: الدِّسار: خيط من ليف تُشدُّ به ألواح السفينة. وفي ((الصحاح))(٤): الدِّسار واحد الدُّسُر: وهي خيوط تشدُّ بها ألواح السفينة. يقال: هي المسامير، وقال تعالى: ((عَلَى ذَاتِ أَلْواحِ وَدُسُرٍ)). ودُسْر أيضاً مثل عُسُر وعُسْر. والدَّسْر: الدفع، قال ابن عباس في العنبر: إنَّما هو شيء يَدْسُره البحر دَسْراً، أي: يدفعه. ودَسَر بالرمح، ورجل مِدْسَر. ﴿َتَجْرِى بِأَعْيُنَا﴾ أي: بمرأى منَّا. وقيل: بأمرنا. وقيل: بحفظ منَّا وكِلَاءة، وقد مضى في ((هود))(٥). ومنه قول الناس للمودّع: عينُ اللهِ عليك، أي: حفظه وكلاءته.(٦) وقيل: بِوَحينا. وقيل: أي: بالأعين النابعة من الأرض(٧). وقيل: بأَعين أوليائنا من الملائكة الموّلين بحفظها (٨)، وكلُّ ما خلَق اللهُ تعالى يمكن أن يُضاف إليه. وقيل: أي: تجري بأوليائنا، كما في الخبر: مرض عين من عيوننا فلم تَعُدْه(٩). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٩/٤ وعزاه للحسن، وأخرجه عنه الطبري ١٢٤/٢٢، والنكت والعيون ٤١٢/٥ وعزاه لعكرمة. (٢) الصحاح (دسر). (٣) زاد المسير ٩٣/٨، وأخرجه عنه الطبري ١٢٥/٢٢ . (٤) (دسر)، وقول ابن عباس علّقه البخاري قبل حديث (١٤٩٨)، ووصله البيهقي في السنن الكبرى ١٤٦/٤. (٥) ١٠٨/١١ - ١٠٩. (٦) تفسير البغوي ٢٦٠/٤. ومذهب السلف إثبات العين لله تعالى بلا تشبه ولا تأويل ولا تمثيل على ما یلیق به سبحانه وتعالى. (٧) المحرر الوجيز ٢١٥/٥ . (٨) النكت والعيون ٤١٣/٥ على أن الصواب إثبات العين لله عز وجل على ما يليق بجلاله . (٩) لم نقف عليه بهذا اللفظ، بل الوارد قوله # في الحديث القدسي عن ربِّ العزّة: ((مرضتُ فلم تَعُدْني .. )) وسلف ٤٣٨/٢ . ٨٤ سورة القمر: الآيات ١٤ - ١٧ ﴿جَزَآءُ لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أي: جعلنا ذلك ثواباً وجزاءً لنوح على صبره على أذى قومه، وهو المكفور به، فاللام في ((لِمَنْ)) لام المفعول له(١). وقيل: ((كُفِرَ)) أي: جحد، فـ(من)) كناية عن نوح(٢) . وقيل: كناية عن الله، والجزاء بمعنى العقاب، أي: عقاباً لكفرهم بالله تعالى(٣). وقرأ يزيد بن رومان وقتادة ومجاهد وحميد: ((جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ» بفتح الكاف والفاء(٤)، بمعنى: كان الغَرَق جزاءً وعقاباً لمن كفر بالله(٥). وما نجا من الغرق غير عوج بن عنق، كان الماء إلى حُجْزته، وسبب نجاته أنَّ نوحاً احتاج إلى خشبة السَّاج لبناء السفينة فلم يمكنه حملها، فحمل عُوجٌ تلك الخشبة إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونَجَّاه من الغرق(٦). ﴿وَلَقَد تَرَّكْتَهَا مَايَةٌ﴾ يريد هذه الفعلة عِبْرة(٧). وقيل: أراد السفينة(٨)، تركها آيةً لمن بعد قوم نوح، يعتبرون بها فلا يكذِّبون الرسل. قال قتادة: أبقاها الله بَباقِرْدَى من أرض الجزية عبرةً وآيةً، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمَّة، وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رماداً(٩). (١) الكشاف ٣٨/٤. (٢) معاني القرآن للفراء ١٠٧/٣. (٣) النكت والعيون ٤١٣/٥ . (٤) المحرر الوجيز ٢١٥/٥ دون ذكر مجاهد وحميد، والقراءة عن يزيد وقتادة في القراءات الشاذة ص١٤٧ ، والمحتسب ٢٩٨/٢ . (٥) تفسير أبي الليث ٢٩٩/٣ . (٦) تفسير البغوي ٣٨٦/٢، والسَّاجُ: خشب يجلب من الهند، واحدته: ساجة. اللسان (سوج). والخبر من الإسرائيليات التالفة كما أشرنا إليه ٣٩٦/٧ - ٣٩٨ . (٧) معاني القرآن للزجاج ٨٨/٥ . (٨) تفسير البغوي ٤/ ٢٦١ . (٩) النكت والعيون ٤١٣/٥، وأخرجه عنه الطبري ١٢٨/٢٢، وأبن أبي حاتم ٣٣٢٠/١٠ (١٨٧٠٩)، وباقِرْدَى: موضع بالجزيرة يقع شرقي دجلة، بالقرب من جبل الجودي. معجم ما استعجم ٢٢٢/١ ، ومعجم البلدان ١/ ٤٦٦، ٤٧٦ . ٨٥ سورة القمر: الآيات ١٥ - ١٧ ﴿فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ مُتَّعظ خائف(١)، وأصله مُذْتَكِر - مُفْتَعِل - من الذِّكْر، فثقلت على الألسنة، فقلبت التاء دالاً؛ لتوافق الذال في الجهر، وأدغمت الدال فيها(٢). ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابٍ وَنُذُرٍ﴾ أي: إنذاري، قال الفرَّاء: الإنذار والنذر مصدران(٣). وقيل: ((نُذُر)) جمع نذير، ونذير بمعنى الإنذار، كنكير بمعنى الإنكار (٤). ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ﴾ أي: سهّلناه للحفظ، وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه، فيُعان عليه؟ ويجوز أن يكون المعنى: ولقد هيَّأناه للذِّكْر، مِن يَسَّر ناقته للسَّفَر: إذا رَحَلها، ويَسَّر فرسه للغزو، إذا أسرجه وأَلجمه، قال: وقُمْتُ إليهِ باللِّجامِ مُيَسِّراً هُنَالكَ يَجْزِيني الذي كنتُ أَصْنَعُ(٥) وقال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتابٌ يقرأ كلُّه ظاهراً إلا القرآن(٦). وقال غيره: ولم يكن هذا لبني إسرائيل، ولم يكونوا يقرؤون التوراة إلا نظراً، غير موسى وهارون ويوشع بن نون وُزير صلوات الله عليهم، ومن أجل ذلك افتُتنوا بعُزير لما كُتب لهم التوراة عن ظهر قلب حين أُحرقت ، على ما تقدَّم بيانه في سورة ((براءة))(٧) فيسَّر الله تعالى على هذه الأمَّة حِفْظَ كتابه ليذَّكَّروا ما فيه، أي: يفتعلوا الذّكر، والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى يصير كالذات وكالتركيب فيهم. ﴿فَهَلْ مِن مُّذُّكِرٍ﴾ قارئ يقرؤه. وقال أبو بكر الورَّاق وابن شَؤْذب: فهل من طالب (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٦١ . (٢) إعراب القرآن لمكي ٢ / ٦٩٧ . (٣) ونقله عنه البغوي ٤/ ٢٦١ . (٤) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٣٢ . (٥) الكشاف ٣٨/٤، والبيت للأعرج عدي بن عمرو الطائي المعنى، وهو في شرح ديوان الحماسة المرزوقي ٣٥١/١ . (٦) تفسير البغوي ٢٦١/٤، والوسيط ٢٠٩/٤ . (٧) ١٧٣/١٠، وينظر معاني القرآن للزجاج ٨٨/٥. ٨٦ سورة القمر: الآيات ١٧ - ٢٢ خير وعِلْم فيُعانَ عليه(١)، وكرِّر في هذه السورة؛ للتنبيه والإفهام. وقيل: إنَّ الله تعالى اقتصَّ في هذه السورة على هذه الأمَّة أنباء الأمم وقصص المرسلين، وما عاملتهم به الأُمم، وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين، فكان في كلِّ قصة ونبأ ذِكْرٌ للمستمع أن لو اذَّكر، وإنَّما كرَّر هذه الآية عند ذِكْر كلِّ قصة بقوله: ((فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ» لأنَّ ((هَلْ)) كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم، وجعلها حجّة عليهم، فاللام من ((هَلْ)) للاستعراض، والهاء للاستخراج. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرٍ ﴿ إِنَّا أَزْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِ يَّوْمِ نَّحْسِ مُسْتَمِّرِّ (٨) تَنِعُ النَّاسَ كَنَهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْفَعِرِ (٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرٍ ﴿ وَلَقَدْ يَرْنَا الْقُرْنَانَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ قوله تعالى: ﴿كَذَّتْ عَاُ﴾ هم قوم هود. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرٍ﴾ وقعت ((نُذُر)) في هذه السورة في ستَّة أماكن محذوفة الياء في جميع المصاحف، وقرأها يعقوب مثبتة في الحالين، وورش في الوصل لا غير، وحذف الباقون. ولا خلاف في حذف الياء من قوله: ((فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)) [الآية: ٥] والواو من قوله: ((يَدْعُ)). فأمَّا الياء من ((الدَّاعِ)) الأول فأثبتها في الحالين ابنُ مُحيصن ويعقوب وحُميد والبَزِّيُّ، وأَثبتها ورش وأبو عمرو في الوصل، وحذف الباقون. وأما ((الدَّاع)) الثانية فأثبتها يعقوب وابنُ مُحَيْصن وابنُ كثير في الحالين، وأَثبتها أبو عمرو ونافع في الوصل، وحذفها الباقون(٢). ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَهِمْ رِيِّمًا صَرْصَرًا﴾ أي: شديدة البرد، قاله قتادة والضخَّاك(٣). وقيل: شديدة الصوت (٤). وقد مضى في ((حم)) السجدة(٥). (١) أخرجه الدارمي (٣٤٧)، والطبري ١٣٢/٢٢، ووأبو نعيم في الحلية ٧٦/٣ من طريق ابن شوذب، عن مطر الوراق، وأورده الماوردي في النكت والعيون ٤١٣/٥ ونسبه لقتادة، وأخرجه عنه الطبري ١٣١/٢٢. (٢) السبعة ص ٦١٧ - ٦١٨، والتيسير ص٢٠٦، والنشر ١٣٨/٢، ١٤١، ٣٨٠. (٣) النكت والعيون ٤١٤/٥، وأخرجه عنهما الطبري ١٣٣/٢٢ . (٤) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٣٢ . (٥) عند الآية (١٦). ٨٧ سورة القمر: الآيات ١٩ - ٢٢ ﴿فِي يَوْمِ نَخْسٍ﴾ أي: في يوم كان مشؤماً عليهم. وقال ابن عباس: أي: في يوم كانوا يتشاءمون به(١). الزجَّاج (٢): قيل: في يوم أربعاء. ابن عباس: كان آخِرَ أربعاء في الشهر، أَفنى صغيرهم وكبيرهم . وقرأ هارون الأعور: (نَحِس)) بكسر الحاء (٣)، وقد مضى القول فيه في ((حم)) السجدة: ﴿فِيَّ أَيَّامٍ لَّحِسَاتٍ﴾ [الآية: ١٦]. و((فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِّرِّ)) أي: دائم الشؤم، استمرَّ عليهم بنحوسه(٤)، واستمرَّ فيه العذاب إلى الهلاك. وقيل: استمرَّ بهم إلى نار جهنّم(٥). وقال الضحَّاك: كان مُرَّا عليهم(٦). وكذا حكى الكسائي أنَّ قوماً قالوا: هو من المرَارة، يقال: مُرَّ الشيء وأمرَّ(٧)، أي: كان كالشيء المرِّ تكرهه النفوس. وقد قال: ((فَذُوقُوا)) والذي يُذاق قد يكون مُرّاً. وقد قيل: هو من المِرَّة، بمعنى القوَّةُ (٨). أي: في يوم نحس مستمرٌّ مستحكم الشؤم، كالشيء المحكم الفتل الذي لا يُطاق نقضه. فإن قيل: فإذا كان يوم الأربعاء يومَ نحس مستمرٌّ، فكيف يُستجاب فيه الدعاء؟ وقد جاء أنَّ النبيَّ# استجيب له فيه فيما بين الظهرِ والعصرِ. وقد مضى في ((البقرة))(٩) حديث جابر بذلك؟ فالجواب - والله أعلم - ما جاء في خبر يرويه مسروق عن النبيِّ# أنَّه قال: «أتاني جبريل فقال: إنَّ الله يأمرك أن تقضي باليمين مع الشاهد، (١) الوسيط ٢١٠/٤. (٢) في معاني القرآن له ٨٩/٥ . (٣) لم نقف عليها. (٤) زاد المسير ٩٥/٨. (٥) أخرجه الطبري ١٣٥/٢٢ عن قتادة. (٦) المحرر الوجيز ٢١٦/٥ . (٧) الصحاح (مرر). (٨) تهذيب اللغة ١٥/ ١٩٦ . (٩) ١٨٤/٣. ٨٨ سورة القمر: الآيات ١٩ - ٢٢ وقال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر))(١). ومعلوم أنَّه لم يرد بذلك أنَّه نحس على الصالحين(٢)، بل أراد أنَّه نحس على الفجَّار والمفسدين، كما كانت الأيام النحسات المذكورة في القرآن، نحسات على الكفار من قوم عادٍ لا على نبيِّهم والمؤمنين به منهم، وإذا كان كذلك لم يبعد أن يمهل الظالم من أوَّل يوم الأربعاء إلى أن تزول الشمس، فإذا أَدبر النهار ولم يحدث رجعة(٣)، استُجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحساً على الظالم، ودعاء النبيِّ :﴿ إنَّما كان على الكفار، وقول جابر في حديثه (٤): لم ينزل بي أمر غليظ؛ إشارة إلى هذا، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿تَزِعُ النَّاسَ﴾ في موضع الصفة للريح، أي: تَقْلَعهم من (٥) مواضعهم(٥). قيل: قلعتهم من تحت أقدامهم اقتلاعَ النخلة من أصلها (٦). وقال مجاهد: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم فتندقَّ أعناقهم وتَبِين رؤوسهم عن (١) لم نقف عليه من رواية مسروق، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢٣٨/١ من طريق إبراهيم بن أبي حية، عن أبيه، عن النبي # مرسلاً، وابن حبان في المجروحين ١٠٤/١، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٠/١٠ من طريق إبراهيم بن أبي حية، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله مرفوعاً. قال ابن حبان: إبراهيم بن أبي حية يروي عن جعفر وهشام مناكير. وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ١٨٨٣/٥ من طريق عيسى بن عبد الله، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي موقوفاً. وعيسى بن عبد الله هو: عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، الكوفي، قال عنه ابن حبان في المجروحين ١٢١/٢: يروي عن أبيه، عن آبائه أشياء موضوعة. (٢) في (د) و(ف) و(م): المصلحين، والمثبت من (ظ) و(ك)، والمنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٥٣٦/١ والكلام منه. (٣) في المنهاج: ولم تحدث رجفة. (٤) السالف ١٨٤/٣، والذي أشار إليه القرطبي آنفاً. (٥) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٣٣ . (٦) تفسير أبي الليث ٣/ ٣٠٠ . ٨٩ سورة القمر: الآيات ٢٠ - ٢٢ أجسادهم(١). وقيل: تنزع الناس من البيوت. وقال محمد بن كعب عن أبيه: قال النبيُّ #: ((انتزعت الريحُ الناسَ من قبورهم))(٢). وقيل: حفروا حُفَراً ودخلوها، فكانت الريح تَنزعُهم منها وتكسرهم، وتبقى تلك الحفر كأنَّها أصول نخل قد هلك ما كان فيها، فتبقى مواضعها منقعرة(٣). ويروى أنَّ سبعةً منهم حفروا حفراً وقاموا فيها ليردُّوا الريح. قال ابن إسحاق: لما هاجت الريح قام نفرٌ سبعة من عادٍ سُمِّ لنا منهم ستَّةٌ من أَيِّد(٤) عادٍ وأجسمِها، منهم عمرو بن الحليِّ، والحارث بن شداد، والهِلْقام، وابنا تِقْن(٥)، وخَلجَان بن سعد، فأَوْلجوا العيالَ في شِعْب بين جبلين، ثم اصطفُّوا على باب الشّعب ليردُّوا الريح عمَّن في الشِّعب من العيال، فجعلت الريح تَجْعَفهم (٦) رجلاً رجلاً، فقالت امرأة من عادٍ: نِ حليٍّ والهنِيَّاتِ ذهبَ الدهر بعمروبـ ثم بالحارث والهِلـ قامٍ طَلَّاعِ الثّنِيَّاتِ يح أيَّامَ البِلِيَّاتِ والذي سدَّ مهبَّ الر الطبريُّ(٧): في الكلام حذف، والمعنى: تنزع الناس فتتركهم كأنَّهم أعجاز نخل منقعِر، فالكاف في موضع نصب بالمحذوف. الزَّجاج(٨): الكاف في موضع نصب (١) المحرر الوجيز ٢١٦/٥ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٦١ دون عزرٍ، ولم نقف عليه عند غيره. (٣) المحرر الوجيز ٢١٦/٥ . (٤) في (م): أشد. والمثبت من النسخ والطبري ١٣٥/٢٢، والكلام منه، والأبيات الآتية منه أيضاً، والأيِّد: القوي. التاج (أيد). (٥) في الطبري: تيقن. (٦) جعفه: صَرّعه، وضرب به الأرض. اللسان (جعف). (٧) في التفسير ١٣٨/٢٢، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٦٩٩/٢ . (٨) في معاني القرآن له ٨٩/٥ . ٩٠ سورة القمر: الآيات ٢٠ - ٢٦ على الحال، والمعنى: تنزع الناس مشبَّهين بأَعجاز نخل. والتشبيه قيل: إنَّه للحُفَر التي كانوا فيها(١). والأَعجاز جمع عَجُز: وهو مؤشّر الشيء(٢). وكانت عاد موصوفين بطول القامة، فشُبِّهوا بالنخل انكبَّت لوجوهها. وقال: ((أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ)) للفظ النخل، وهو من الجمع الذي يذكَّر ويؤنَّث(٣). والمنقعر: المنقلع من أصله، قعرتُ الشجرةَ قعراً: قلعتُها من أصلها فانقعرت. الكسائي: قعرتُ البئرَ، أي: نزلتُ حتى انتهيتُ إلى قعرها، وكذلك الإناء إذا شربت ما فيه حتى انتهيت إلى قعره. وأقعرتُ البئرَ: جعلتُ لها قعراً (٤). وقال أبو بكر بنُ الأنباري: سئل المبرِّد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة هذه من جملتها، فقيل له: ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ اُلْرِّيَحَ عَاصِفَةٌ﴾ [الأنبياء: ٨١] و﴿جَّدَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ غَخْلٍ خَارِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] و﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْفَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] فقال: كلُّ ما وَرَدَ عليك من هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيراً، أو إلى المعنى تأنيثاً. وقيل: إنَّ النخل والنخيل بمعنّى يذَّر ويؤنَّث كما ذكرنا. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابٍ وَنُذُرٍ. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ تقدَّم. فَقَالُواْ أَبَا مِنَّا وَاحِدًا نَّهُهُ إِنَّا إِذَا لَّفِى قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِلُّلُرِ ( أَلْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ٥َ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ ٢٤ ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (® ٢٦ اَلْكَذَّابُ الْأَثِرُ قوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّلُرِ﴾ هم قوم صالح كذَّبوا الرسل ونبيَّهم، أو كذَّبوا بالآيات التي هي النذر ﴿فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَا وَاحِدًا نَّهُهُ﴾ ونَدَعُ جماعةٌ (٥). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٢/٤. (٢) الصحاح (عجز). (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٩١/٤ . (٤) الصحاح (قعر). (٥) تفسير الطبري ١٣٩/٢٢ . ٩١ سورة القمر: الآيات ٢٤ - ٢٦ وقرأ أبو الأشهب وابن السَّمَيْفَع وأبو السَّمَّال العدويُّ: ((أَبَشَرٌ)) بالرفع ((وَاحِدٌ)) كذلك رفع بالابتداء، والخبر: ((نَتَّبِعُهُ)). الباقون بالنصب على معنى: أنتَّبع بشراً منَّا واحداً نتبعه. وقرأ أبو السَّمَّال: ((أَبَشَرٌ)) بالرفع ((مِنَّا واحِداً)) بالنصب، رفع ((أَبَشَرٌ)) بإضمار فعل يدلُّ عليه ((أَؤُلْقِيَ)) كأنَّه قال: أَينَّأ بشرٌ منَّا، وقوله: ((وَاحِداً)) يجوز أن يكون حالاً من المضمر في ((مِنَّ)) والناصب له الظرف، والتقدير: أَينَأ بشرٌ كائن منَّا منفرداً، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في ((نَّبِعُهُ)) منفرداً لا ناصر له(١). ﴿إِنَّ إِذَا لَّفِي ضَلَلٍ﴾ أي: ذهاب عن الصواب(٢) ﴿وَسُمُرٍ﴾ أي: جنون، من قولهم: ناقة مسعورة (٣)، أي: كأنَّها من شدّة نشاطها مجنونة(٤)، ذكره ابن عباس(٥). قال الشاعر يصف ناقته: تَخالُ بها سُعْراً إذا السَّفْرُ(٦) هَزَّهَا ذَمِيلٌ وإيقاعٌ من السَّيْرِ مُتْعِبُ (٧) وقال ابن عباس أيضاً: السُّعر: العذاب (٨)، وقاله الفراء(٩). مجاهد: بعد من (١) المحتسب ٢٩٨/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٩٣/٤، والكشاف ٣٩/٤، والمحرر الوجيز ٢١٧/٥، والبحر المحيط ١٧٩/٨. (٢) تفسير الطبري ١٣٩/٢٢. (٣) الكشاف ٣٩/٤ . (٤) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٣٣ . (٥) الوسيط ٢١١/٤، وزاد المسير ٩٦/٨ . (٦) في (د)، و(ظ): العيس، وفي (ف): الشعر، والمثبت من (ك) و (م). (٧) أورده الزمخشري في الكشاف ٣٩/٤ وروايته: كأن بها سعراً إذا العيس هزَّها ذميل وإرخاء من السير متعب وجاء بهامش (ك) وبعد البيت في (م): ((الذميل: ضرب من سير الإبل. قال أبو عبيد: إذا ارتفع السير عن العَنَق قليلاً فهو التزيُّد، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الذميل، ثم الرسيمُ، يقال: ذَمَل يَذْمُل ويَذْمِل ذَمِيلاً. قال الأصمعي: ولا يَذمُل بعير يوماً وليلةً إلا مَهْرٌّ. قاله الجوهري)). اهـ الصحاح (ذمل). (٨) تفسير البغوي ٤/ ٢٦١ . (٩) في معاني القرآن له ١٠٨/٣. ٩٢ سورة القمر: الآيات ٢٤ - ٢٦ الحقِّ(١). السديُّ: في احتراق(٢). قال: ومِنَ الْحُبِّ جُنُونٌ مُسْتَعِرْ (٣) أصحوتَ اليومَ أَمْ شَاقَتْكَ مِرّ أي: متَّقد ومحترق. أبو عبيدة (٤): هو جمع سعير، وهو لهيب النار. والبعير المجنون يذهب كذا وكذا لما يتلقَّب به من الحدَّة. ومعنى الآية: إنَّا إذاً لفي شقاء وعناء مما يلزمنا. قوله تعالى: ﴿أَلْفِىَ الذِّكْرُ عَيْهِ مِنْ بَيْنَا﴾ أي: خُصِّصَ بالرسالة من بين آل ثمود، وفيهم من هو أكثر مالاً وأحسن حالاً؟! وهو استفهام معناه الإنكار(٥). ﴿بَلّ هُوَ كَذَابٌ أَشِرٌ﴾ أي: ليس كما يدّعيه، وإنَّما يريد أن يتعاظم ويلتمس التكبُّر علينا من غير استحقاق. والأَشَر: المَرَحِ والتَجَبُّ(٦) والنَّشاط(٧). يقال: فرس أَشِر، إذا كان مرحاً نشيطاً، قال امرؤ القيس يصف كلباً : سمِيعٌ بصِيرٌ طَلُوبٌ نَكِرْ فيدركنا فَغِمٌ داجِنٌ تَبُوعٌ أَرِيبٌ نَشِيطٌ أَشِرْ (٨) أَلَصُّ الضُّرُوسِ حَنِيُّ الضُّلُوعِ وقيل: ((أَشِرٌ)) بَطِر. والأَشَر: البَطَر، قال الشاعر: (١) في تفسير مجاهد ٢/ ٦٣٧ : السعر: الضلال أيضاً. (٢) النكت والعيون ٤١٥/٥، وفيه: الافتراق، بدل: الاحتراق. (٣) القائل طرفة بن العبد، وهو في ديوانه ص٥٠ . (٤) في مجاز القرآن له ٢٤١/٢ . (٥) تفسير الطبري ٢٢/ ١٤٠ بنحوه. (٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٢ . (٧) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٢٤١ . (٨) ديوان امرئ القيس ص١٦٠ - ١٦١، وفيه: أريب، بدل: طلوب، قال شارحه: الفّغِم: المولع بالشيء الحريص عليه. وداجن: آلف، قد عاود الصيد غير مرَّة. وألصُّ الضروس: ملتصقة بعضها إلى بعض. وحنيُّ الضلوع: ضلوعه منحنية معطوفة. ٩٣ سورة القمر: الآيات ٢٥ - ٢٦ ومِن قبلُ ما تَدْرونَ مَنْ فَتَحَ الْقُرَى(١) أَشِرْتُمْ بِلُبْسِ الخَزِّ لمّا لَبِسْتُمُ . وقد أَشِرَ بالكسر يأشَر أَشَراً، فهو أَشِر وأَشْرانُ، وقوم ◌ُشَاری مثل سكران وسُكَارى، قال الشاعر: وخَلَّتِ وُعُولاً أُشَارَى بها وقد أَزْهَفَ الطَّعْنُ أبطالَهَا(٢) وقيل: إنَّه المتعدِّي إلى منزلة لا يستحقُّها(٣)، والمعنى واحد. وقال ابن زيد وعبد الرحمن بن حمَّد: الأَشِر: الذي لا يبالي ما قال(٤). وقرأ أبو جعفر وأبو قلابة: ((أَشَرُّ)) بفتح الشين وتشديد الراء(٥)، يعني به: أشرّنا وأخبثنا. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ أي: سيرون العذاب يوم القيامة، أو في حال نزول العذاب بهم في الدنيا(٦). وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء، على أنَّه من قول صالح لهم على الخطاب. الباقون بالياء؛ إخبار من الله تعالى لصالح عنهم(٧). وقوله: ((غَداً)) على التقريب على عادة الناس في قولهم للعواقب: إنَّ مع اليوم غداً(٨)، قال: (١) النكت والعيون ٤١٥/٥، ولم ينسبه. (٢) الصحاح (أشر)، قال ابن برِّي في التنبيه والإيضاح ٢/ ٧٨: البيت لميَّة بنت ضرار الضبيَّة ترثي أخاها، وأزهف الطعنُ أبطالها: أي: صَرَعها. (٣) النكت والعيون ٤١٥/٥ . (٤) أخرجه الطبري ٢٢/ ١٤٠ عن عبد الرحمن بن أبي حماد. (٥) ذكرها العكبري في إملاء ما منَّ به الرحمن ٣٦٦/٤ - ٣٦٧، والفخر الرازي ٢٩/ ٥١ ولم ينسباها. (٦) الوسيط ٢١١/٤ . (٧) تفسير أبي الليث ٣/ ٣٠٠، والقراءة في السبعة ص٦١٨، والتيسير ص٢٠٦ . (٨) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٢ . ٩٤ سورة القمر: الآية ٢٦ مَنْ لم يكن مَيتاً في اليومِ ماتَ غَدَا(١) للموتِ فيها سِهامٌ غير مُخْطِئَةٍ وقال أبو الطّمّحان(٢): وقَبْل اضْطرَابِ النَّفْسِ بينَ الْجَوَانِحِ أَلَا عَلِّلَاني قبل نَوْحِ النَّوَائِحِ إذا رَاح أصحابي ولستُ برائِح وقبلَ غَدٍ يا لَهْفَ نفسِي على غَدٍ إنَّما أرادَ وقتَ الموت، ولم يُرِدْ غداً بعينه. ﴿مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَثِرُ﴾ وقرأ أبو قلابة: ((الْأَشَرُّ) بفتح الشين وتشديد الراء(٣)، جاء به على الأصل. قال أبو حاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأَشَرّ والأخير إلا في ضرورة الشعر، كقول رؤبة: بِلَالُ خَيْرِ الناسِ وابن الْأَخْيَر(٤) وإنَّما يقولون: هو خير قومه، وهو شرُّ الناس، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقال: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرِّ مَكَانًا﴾ [مريم: ٧٥]. وعن أبي حيوة: بفتح الشين وتخفيف الراء(٥). وعن مجاهد وسعيد بن جُبَير: ضمُّ الشين والراء والتخفيف(٦)، قال النخّاس: وهو معنى ((الأشِر)) ومثله: رجل حَذِر وحذر. (١) القائل أبو العتاهية، وهو في ديوانه ص١١١، وجاءت رواية عجزه هكذا: من فاته الیوم سهم لم یفته غدا (٢) في النسخ الخطية: أبو الطماح، وفي (م): الطرِمَاح. والمثبت من مصادر التخريج، فالبيتان ذكرهما المرزوقي في شرح ديوان الحماسة ١٢٦٦/٣، والبصري في الحماسة البصرية ١٣٢/١، ونسباهما إلى أبي الطَّمَحان القيني، وجاء فيه: صدح، بدل: نوح. وارتقاء، بدل: اضطراب. وذكرهما ابن عبد ربِّه في العقد الفريد ٢٤٨/٣ ونسبهما إلى هدية العذري، وفيه: اطلاع، بدل: اضطراب. ولم نقف على البيتين في ديوان الطرماح. (٣) القراءات الشاذة ص ١٤٧، والمحتسب ٢٩٩/٢. (٤) ذكره ابن جنيٍّ في المحتسب ٢٩٩/٢، ولم نقف عليه في ديوان رؤبة ولا العجاج. (٥) القراءات الشاذة ص١٤٨ . (٦) القراءات الشاذة ص١٤٨، والمحتسب ٢٩٩/٢، والبحر المحيط ١٨٠/٨. ٩٥ سورة القمر: الآيات ٢٧ - ٣٢ وَنَبِّثْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةُ قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةً لَّهُمْ فَارْتَّقِبْهُمْ وَأَصْطَيِرْ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ بَّمَ كُلُّ شِرْءٍ أُخَضَرُ ﴿٨َ فَادَوْاْ صَاِحٌَ فَعَاطَى فَعَفَرَ () ٣٥ وَلَقَدْ يَتَّرْنَا الْقُرْمَانَ لِلذِكْرِ إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَحِدَةً فَكَنُواْ كَهَشِيِ الْمُخْتَظِرِ فَهَلْ مِنْ تُذَّكِرٍ (٣)﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ﴾ أي: مخرجوها من الهضبة التي سألوها، فروي أنَّ صالحاً صلَّى ركعتين ودعا، فانصدعت الصخرةُ التي عيَّنوها عن سنامها، فخرجت ناقةٌ عُشَراء جرداء(١). ﴿فِتْنَةٌ لَّهُمْ﴾ أي: اختباراً، وهو مفعول له(٢). ﴿فَرْيَّقِبْهُمْ﴾ أي: انتظر ما يصنعون. ﴿وَأَصْطَيْرْ﴾ أي: اصبر على أذاهم(٣)، وأصل الطاء في اصطبر تاء، فتحوَّلت طاء؛ لتكون موافقة للصاد في الإطباق(٤). ﴿وَنَيِتْهُمْ﴾: أي: أَخِرِهم ﴿أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَّهُمْ﴾ أي: بين آلِ ثمودَ وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم(٥)، كما قال تعالى: ﴿لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] قال ابن عباس: كان يوم شِربهم لا تشرب الناقةُ شيئاً من الماء، وتسقيهم لبناً، وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماءَ كلَّه، فلم تُبْقِ لهم شيئاً (٦). وإنَّما قال: (بَيْنَهُمْ)) لأنَّ العرب إذا أَخبروا عن بني آدم مع البهائم، غلَّبوا بني آدم(٧). وروى أبو الزبير عن جابر قال: لما نزلنا الحجْرَ في مغزى رسول الله ﴾ تَبُوك، قال: ((أيُّها الناس لا تسألوا في هذه الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيَّهم أن يبعثَ الله (١) عرائس المجالس ص٦٨، وفيه: وبراء، بدل: جرداء، وكذا جاءت في (م). (٢) معاني القرآن للزجاج ٨٩/٥ . (٣) الوسيط ٢١١/٤ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٩٤. (٥) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٣٣ . (٦) الوسيط ٢١١/٤ . (٧) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٢. ٩٦ سورة القمر: الآيات ٢٨ - ٣٢ لهم ناقةً، فبعث اللهُ عزَّ وجلَّ إليهم الناقة، فكانت تَرِدُ من ذلك الفجِّ فتشرب ماءَهم يوم وِردها، ويحلبون منها مثلَ الذي كانوا يشربون يوم غِبِّها)) وهو معنى قوله تعالى: ((وَنَبِّتْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ))(١). ﴿كُلُّ شِرْبٍ تُحَضَرُ﴾ الشِّرْب - بالكسر - الحَظُّ من الماء، وفي المثل: آخرها أقلُّها شِرْباً. وأصله في سقي الإبل؛ لأنَّ آخرَها يَرِدُ وقد نُزِفَ الحوضُ(٢). ومعنى ((مُحْتَضَرٌ)) أي: يحضُره مَن هو له، فالناقة تحضر الماءَ يوم وِردها، وتغيب عنهم يوم وِردهم، قاله مقاتل. وقال مجاهد: إنَّ ثمود يحضرون الماءَ يوم غبِّها فيشربون، ويحضرون اللبنَ يوم وِردها فيحتلبون(٣). قوله تعالى: ﴿فَادَوْاْ صَاِجَهٌ﴾ يعني بالحضِّ على عَقْرها ﴿فَعَالَى﴾ عقرها ﴿فَقَرَ﴾ هَا، ومعنى تعاطى: تناول الفعل، من قولهم: عَطَوتُ، أي: تناولتُ(٤)، ومنه قول حسان: كلْتَاهُمَا حَلَبُ العَصِيرِ فعَاطِنِي بزجاجةٍ أرخاهما للمِفْصَلِ(٥) قال محمد بن إسحاق: فَكَمِنَ لها في أصل شجرة على طريقها، فرماها بسهم فانتظم به عَضَلة ساقها، ثم شدَّ عليها بالسيف فكشف عُرْقوبها، فخرَّت ورَغت رُغاءةً (١) النكت والعيون ٤١٥/٥، وعرائس المجالس ص٧٣، والحديث أخرجه أحمد (١٤١٦٠)، والبزار (١٨٤٤ كشف الأستار)، والطبري ٢٩٦/١٠، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٧٥٥) من طريق ابن خُثَيْم، والطبراني في الأوسط (٩٠٦٥) من طريق ابن لهيعة، كلاهما عن أبي الزبير، عن جابر بنحوه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ١٩٤ و٣٨/٧: رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح. (٢) الصحاح (شرب)، والمثل في مجمع الأمثال للميداني ٤١/١ - ٤٢ . (٣) النكت والعيون ٤١٦/٥، وخبر مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٣٧. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٥/٤ . (٥) ديوان حسان ص١٨١، قال البغدادي في خزانة الأدب ٣٨٩/٤: كلتاهما ... إلخ. أراد كلتا الممزوجة والصرف، حلبُ العنب، فناوِلْني أشدَّهما إرخاء وهي الصرف. والحلب: بمعنى المحلوب. والمفصل: روي بكسر الميم وفتح الصاد، وهو اللسان، لأنه آلة يُفصّل به، ويروى بفتح الميم وكسر الصاد، وهو موضع انفصال العضو. ٩٧ سورة القمر: الآيات ٣٠ - ٣٢ واحدة تحَدّر سَقْبها من بطنها، ثم نَحرها وانطلق سَقْبها، حتى أتى صخرة في رأس جبل فرغا ثم لَاذَ بها، فأتاهم صالح عليه السلام، فلما رأى الناقة قد عُقِرت، بكى وقال: قد انتهكتم حرمةً الله فأبشروا بعذاب الله(١). وقد مضى في ((الأعراف))(٢) بيان هذا المعنى. قال ابن عباس: وكان الذي عقرها: أحمر أزرق أشقر أكشف أقفى(٣). ويقال في اسمه: قُدَار بن سالف. وقال الأفوه الأَوْديُّ: أو قَبْلَه كقُدَارٍ حين تَابَعَهُ على الغَوَايةِ أقوامٌ فقد بادُوا والعرب تسمِّي الجزَّار قُدَاراً؛ تشبيهاً بقُدَار بن سالف مشؤم آلٍ ثمودَ، قال مُھلھِل: ضَرْبَ القُدَارِ نقِيعةَ القُدَّام(٤) إِنَّا لَنَضْرِبُ بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَھمْ وذكره زهير فقال : كأحمرٍ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فتَفْطِمٍ (٥) فَتُنْتَجْ لِكمْ غِلمانَ أَشْأمَ كُلُّهُمْ يريد: الحرب، فكنَّی عن ثمود بعاد. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَيِدَةً﴾ يريد صيحة جبريل عليه السلام، وقد مضى في ((هود))(٦). ﴿فَكَانُواْ كَهَشِيرِ الْمُخْنَظِرِ﴾ وقرأ الحسن وقتادة وأبو العالية: ((المختَظَر)) بفتح الظاء (٧)، أرادوا الحظيرة. الباقون بالكسر، أرادوا صاحبَ الحظيرةِ. (١) النكت والعيون ٤١٦/٥ . (٢) ٩ / ٢٧٠. (٣) النكت والعيون ٤١٦/٥، وما بعده منه، والبيت في زهر الأكم لليوسي ٢٧٥/٢، وفيه: أو بعده، بدل: أو قبله. (٤) المحرر الوجيز ٢١٨/٥، والبيت في الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي ٣/ ٧١ ، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٠٢٥/٣ . قال أبو حيان: والقُدَّام: رؤساء الجيوش، والواحد: قادم. وقال المرزوقي: والنقيعة: بعير ينحره رئيس القوم قبل القسمة فيطعمه الناس كذلك. (٥) شرح ديوان زهير ص ٢٠، قال شارحه: تُنتج: يعني الحرب. غلمان أشأم: غلِمان شؤم. أي: كلهم في الشؤم كأحمر عاد، وإنما أراد أحمر ثمود. ثم ترضع فتفطم: يريد أنه يَتِمُّ أَمر الحرب، كالمرأة إذا أرضعت ثم فطمت فقد تمَّمت. (٦) ١٥٦/١١ . (٧) القراءات الشاذة ص١٤٨، والمحتسب ٢٩٩/٢، والمحرر الوجيز ٢١٨/٥. ٩٨ سورة القمر: الآيتان ٣١ - ٣٢ وفي ((الصحاح)) (١) والمحتظِر: الذي يعمل الحظيرة. وقرئ: ((كَهَشِيم المحتظِر)) فمن كسره جعله الفاعلَ، ومن فتحه جعله المفعولَ به. ويقال للرجل القليل الخير: إنَّه لَكِدُ الحظِيرةِ. قال أبو عبيد: أراه سمَّى أمواله حظيرة؛ لأنَّه حظرها عنده ومنَعَها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة(٢). المهدويُّ: من فتح الظاء من ((المحتظر)) فهو مصدر، والمعنى: كهشيم الاحتظار. ويجوز أن يكون ((المحتظَر)) هو الشجر المثَّخذ منه الحظيرة. قال ابن عباس: ((المحتظِر)): هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك، فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم(٣). قال: أَثَرْنَ عَجاجَةً كدخانِ نادٍ تشبُّ بغَرْقَدٍ بالٍ هَشِيمَ(٤) وعنه: كحشيش تأكله الغنم. وعنه أيضاً: كالعظام النخرة المحترقة، وهو قول قتادة(٥). وقال سعيد بن جُبير: هو التراب المتناثر من الحيطان في يوم ريح(٦). وقال سفيان الثوري: هو ما تناثر من الحظيرة إذا ضربتها بالعصا، وهو فعيل بمعنى مفعول(٧). وقال ابن زيد: العرب تسمِّ كلَّ شيء كان رطباً فييس هشيماً (٨). والحظر: المنع، والمحتظر المفتعل، ويقال منه: احتظر على إبله وحظر، أي: جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض؛ ليمنع بَرْدَ الريح والسباع عن إبله(٩)، قال الشاعر: (١) مادة: ((حظر)). (٢) مجمع الأمثال للميداني ١/ ٤٧ . (٣) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٢ . (٤) النكت والعيون ٥/ ٤١٧، وما بعده منه أيضاً، ولم نقف على قائل البيت. (٥) أخرجه عنهما الطبري ١٤٥/٢٢ - ١٤٦. (٦) النكت والعيون ٥/ ٤١٧ . (٧) أخرجه الطبري ١٤٨/٢٢. (٨) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٢ . (٩) الوسيط ٢١١/٤ . ٩٩ سورة القمر: الآيات ٣٢ - ٤٠ كأنَّ عظامَها خَشَبُ الهَشِيِمِ(١) تَرَى جِيَفَ المَطِيِّ بجانبيه وعن ابن عباس: أنَّهم كانوا مثل القمح الذي ديس وهشم. فالمحتظر على هذا: الذي يتّخذ حظيرة على زرعه، والهشيم: فُتات السنبلة والتبن. ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلْذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذُّكِرٍ﴾. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُولٍ بِالنُّذُرِ وَ تََّّنَهُم بِسَحَرِ ﴿٣ نِعْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ (٢٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَواْ بِالنُّذُرِ (َ ٣٧ وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنِ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرٍ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بَكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرٍ (*) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا أَلْقُرْءَانَ ◌ِلذَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَِّرٍ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِلتُّذُرِ﴾ أخبر عن قوم لوط أيضاً لما كذَّبوا لوطاً ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ أي: ريحاً ترميهم بالحصباء وهي الحصى(٢). قال النّضر: الحاصب: الحصباء في الريح. وقال أبو عبيدة: الحاصب: الحجارة(٣). وفي ((الصحاح)) (٤): والحاصب: الريح الشديدة التي تثير الحصباء، وكذلك الخَصِبة، قال لَبِيد: جَرَّتْ عليها أَنْ خَوَثْ مِن أهلها أذيالَها كُلُّ عَصُوفٍ حَصِبَهْ عصفت الريح، أي: اشتدَّت، فهي ريح عاصفٌ وعَصوف(٥). وقال الفَرَزْدق(٦): مستقبلين شمالَ الشامِ تَضرِبِنًا بحاصبٍ كنَديِف القُظْنِ منثورٍ (١) القائل عمرو بن معدي كرب، وهو في الأصمعيات ص١٧٦، إلا أنه ورد فيه البيت هكذا: كأنَّ عظامها الرَّخَم الوقوع ترى جيف المطيِّ بحافتيه (٢) الكشاف ٤/ ٤٠ . (٣) الوسيط ٢١١/٤، وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن له ٢/ ٢٤١ . (٤) مادة (حصب)، والبيت الآتي للبيد وهو في شرح ديوانه ص ٣٥٥، وسلف ١٢٤/١٣ . (٥) الصحاح (عصف). (٦) في ديوانه ٢١٣/١، وسلف ١٣/ ١٢٤ . ١٠٠ سورة القمر: الآيات ٣٤ - ٤٠ ﴿إِلَّ ءَالَ لُوطٍ﴾ يعني: من تبعه على دينه، ولم يكن إلا بنتاه(١) ﴿َّيَّنَهُم بِسَحَرٍ﴾ قال الأخفش: إنَّما أجراه؛ لأنَّه نكرة، ولو أراد سَحَرَ يوم بعينه لما أجراه، ونظيره: ﴿أَقْبِطُواْ مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] لما نكَّره، فلما عرَّفه في قوله: ﴿ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٩٩] لم يُجْرِ، وكذا قال الزجَّاج(٢): ((سحر)) إذا كان نكرةً يُراد به سحَراً من الأسحار يصرف، تقول: أَتيته سحراً، فإذا أردتَ سَحَرَ يومكَ، لم تصرفه، تقول: أتيته سَحَر يا هذا، وأتيته بسحر، والسَّحَرُ: هو ما بين آخرِ الليل وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب اختلاطُ سواد الليل ببياض أوَّل النهار؛ لأنَّ في هذا الوقت يكون مخابيل الليل ومخابيل النهار(٣). ﴿نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ إنعاماً منَّا على لوط وابنتَيْه، فهو نَصْب؛ لأنَّه مفعول له (٤). ﴿ كَذَلِكَ تَجْزِى مَن شَكَرَ﴾ أي: من آمنَ بالله وأَطاعه(٥). ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم﴾ يعني: لوطاً، خوَّفهم ﴿بَطْشَتَنَا﴾ عقوبتنا، وأَخْذنا إِيَّهم بالعذاب ﴿فَتَمَارَوْاْ بِالنُّذُرِ﴾ أي: شَكُوا فيما أَنذرهم به الرسولُ ولم يصدِّقوه(٦)، وهو تفاعل من المِرْية(٧). ﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أي: أَرادوا منه تمكينَهم ممَّن كان أَتاه من الملائكة في هيئة الأضياف؛ طلباً للفاحشة على ما تقدّم(٨). يقال: راوَدْته على كذا مُرَاوَدةً ورِوَاداً، أي: أَردتُه. ورَادَ الكِلاَ يَرُودُه رَوْداً ورِياداً، وازْتادَه ارتياداً بمعنّى، أي: طلبه، وفي الحديث: ((إذا بال أحدكم فلْيَرْتَدْ لِبوله)) أي: يطلب مكاناً ليّناً أو منحدراً (٩). (١) تفسير البغوي ٤/ ٢٦٣ . (٢) في معاني القرآن له ٥/ ٩٠ . (٣) النكت والعيون ٤١٨/٥ . (٤) في النسخ: (به)، والمثبت من معاني القرآن للزجاج ٩٠/٥ ، والكلام منه. (٥) الكشاف ٤/ ٤٠ . (٦) الوسيط ٢١٢/٤ . (٧) تفسير الطبري ١٤٩/٢٢ . (٨) ١٧٦/١١ . (٩) الصحاح (رود)، والحديث أخرجه أحمد (١٩٥٣٧)، وأبو داود (٣) عن أبي موسى الأشعري ﴾. قال المنذري في مختصر السنن ١٥/١ : فيه مجهول.