Indexed OCR Text

Pages 1-20

كَاِ القُرآنِ
الجامع الاهـ
وَالُبَيِّنُ لَمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَي القُرَّّانِ
تَأليفُ
أَبِي عَبْدِالَّهِ مُحَ مَّدِبْنٍ أَحْمَد بْن أَبِي بَكِلُقُبيِّ
(ت ٦٧١ هـ )
تَحْقِيْق
الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركيّ
شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء
كَامِل محمَّد الغَزَّاط محمّ معتزكريم الذينَّ
الجُزُءُ الْعِشْرُونُ
مؤسسة الرسالة

جَمْعُ الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م
مؤسسة الرسالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا- بناية المسكن، بيروت - لبنان
للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠
Al-Resalah
PUBLISHERS
BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box:117460
Email:Resalah@Cyberia.net.Ib

..
سورة ((والنَّجْم))
مكّة، وهي إحدى وستون آية
مكِيَّة كلُّها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية
منها وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَغِبُونَ كَهْرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ﴾(١) الآية [٣٢]. وقيل:
اثنتان وستون آية (٢). وقيل: إنَّ السورة كلّها مدنيّةٌ. والصحيح أنَّها مكيَّة؛ لما روى ابن
مسعود ﴾ أنَّه قال: هي أوَّل سورة أَعلنها رسول الله # بمكّة(٣). وفي ((البخاري)) (٤)
عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ # سجد بالنَّجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجنُّ
والإنس. وعن عبد الله أنَّ النبيَّ﴾ قرأ سورةَ النجم فسجد لها، فما بقي أحدٌ من
القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفَّا من حصباء أو تراب فرفعه إلى وجهه
وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بَعْدُ قُتِل كافراً. متفق عليه(٥). الرجل
يقال له: أميَّة بن خَلَف(٦). وفي ((الصحيحين)) عن زيد بن ثابت ﴾ أنَّه قرأ على
النبيِّ # سورةَ ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوى)) فلم يسجد. وقد مضى في آخر ((الأعراف))(٧) القول
في هذا، والحمد لله.
(١) النكت والعيون ٣٨٩/٥.
(٢) الوسيط ٤/ ١٩٢.
(٣) أخرجه عنه ابن مردويه كما في الدر المنثور ١٢١/٦، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير ٦٢/٨،
وعزاه لمقاتل.
(٤) في صحيحه (١٠٧١).
(٥) البخاري (١٠٧٠)، ومسلم (٥٧٦)، وهو عند أحمد (٣٦٨٢).
(٦) كذا صرَّح به بعض رواة الحديث كما في البخاري (٤٨٦٣)، وقيل هو: الوليد بن المغيرة. وقيل هو:
سعيد بن العاص بن أمية. فتح الباري ٦١٥/٨ .
(٧) ٤٣٦/٩، والحديث عند البخاري (١٠٧٢)، ومسلم (٥٧٧)، وأحمد (٢١٥٩١).

٦
سورة النجم: الآيات ١ - ١٠
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَمِ
قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴿﴿ مَا ضَلَ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىُ ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ
الْمَوَقَ (@)
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحِىٌ يُوحَى ) عَلََّهُ شَدِيدُ الْقُوَى @ ذُو مِرَّةٍ فَأَسْتَوَى
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ () فَأَوْحَ إِلَى
وَهُوَ بِلْأُفُقِّ الْأَعْلَ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى
عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى
قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى﴾ قال ابن عباس ومجاهد: معنى ((وَالنَّجْمِ إِذَا
هَوَى)): والثُّرَيًّا إذا سقطت مع الفجر(١). والعرب تسمي الثُّريًّا نجماً(٢) وإن كانت في
العدد نجوماً، يقال: إنَّها سبعةُ أنجم، ستّة منها ظاهرةٌ، وواحدٌ خَفِيٍّ يَمتحِن الناسُ به
أبصارهم(٣).
وفي ((الشِّفا))(٤) للقاضي عياض: أنَّ النبيَّ :﴿ كان يرى في الثُّريا أَحَدَ عِشَر نجماً.
وعن مجاهد أيضاً أنَّ المعنى: والقرآنِ إذا نزل؛ لأنه كان يَنزِل نجوماً. وقاله الفراء(٥).
وعنه أيضاً: يعني نجومَ السماء كلّها حين تَغِرُب(٦). وهو قول الحسن(٧) قال:
أَقسم اللهُ بالنجوم إذا غابت. وليس يمتنع أن يعبر عنها بلفظ واحد ومعناه جَمْع،
كقول الراعي :
٠٫٠٠
(١) أخرجه عنهما الطبري ٥/٢٢، وابن أبي حاتم ٣٣١٨/١٠ (١٨٦٩٣)، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٦٢٧
، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٥٠ .
(٢) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٢٧ .
(٣) زاد المسير ٦٢/٨.
(٤) ١ / ١٦٤ .
(٥) في معاني القرآن له ٩٤/٣، وأخرجه عن مجاهد الطبريُّ ٦/٢٢.
(٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٤٤ .
(٧) النكت والعيون ٣٨٩/٥ .

٧
سورة النجم: الآيات ١ - ١٠
سَرِيع بِأيدي الآكِلين جمُودُها(١)
فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرةٍ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
وَالثُّرَيَّا في الأرضِ زَيْنُ النِّساءِ (٢)
أَحْسَنُ النَّجْمِ في السماءِ التُّرِيًّا
وقال الحسن أيضاً: المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يومَ القيامة. وقال السُّدِّيُّ:
إنَّ النجم ههنا الزُّهرةُ؛ لأنَّ قوماً من العرب كانوا يعبدونها.
وقيل: المراد به النجوم التي تُرجّم بها الشياطين، وسببه أنَّ الله تعالى لما أرَاد
بعثة محمَّد ﴿ رسولاً كَثُرَ انقضاض الكواكب قبل مولده، فذُعر أكثرُ العرب منها،
وفزعوا إلى كاهن كان لهم ضريراً، كان يُخبِرهم بالحوادث فسألوه عنها فقال: انظروا
البروج الاثني عشَر، فإن انقضَّ منها شيءٌ فهو ذهاب الدنيا، فإن لم ينقضَّ منها شيء
فسیحدث في الدنيا أمرٌ عظيم، فاستشعروا ذلك ، فلما بُعِث رسولُ الله ﴾ كان هو
الأمرَ العظيمَ الذي استشعروه، فأنزل اللهُ تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) أي: ذلك النجم
الذي هوى هو لهذه النبوّة التي حدثت(٣). وقيل: النجم هنا هو النبت الذي ليس له
ساق (٤).
و ((هَوَى)) أي: سقط على الأرض(٥). وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﴾:
(وَالنَّجْمِ)) يعني محمَّداً ﴾، ((إِذَا هَوَى)) إذا نزل من السماء ليلةَ المعراج(٦). وعن عروة
(١) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٢٣٥، والبيت للراعي النميري عبيد بن حصين، وهو في ديوانه ص٩٢ .
قال الزجاج في معاني القرآن ٦٩/٥ بعد أن أورد البيت: يصف قدراً كثيرة الدسم، ومعنى: تعدُّ النجم.
أي: من صفاء دسمها ترى النجوم فيه، والمستحيرة: القدر، فقال: يجمد على الأيدي الدسم من
کثرته.
(٢) لم نقف عليه في ديوانه، وهو في النكت والعيون ٣٨٩/٥ .
(٣) النكت والعيون ٣٨٩/٥ -٣٩٠ .
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٢٤٤ وعزاه إلى الأخفش.
(٥) الكشاف ٤/ ٢٧ .
(٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٤٤-٢٤٥ .

٨
سورة النجم: الآيات ١ - ١٠
ابنِ الزبير رضي الله عنهما أنَّ عُتَيْبةَ(١) بنَ أبي لهبٍ وكان تحته بنتُ رسولِ الله ﴾ أراد
الخروجَ إلى الشام فقال: لآتينَّ محمَّداً فلأُوذِينَّه، فأتاه فقال: يا محمَّد هو كافر
بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلَّى. ثم تَفَلَ في وجه رسول اللـه ﴾، وردَّ عليه ابنتَه
وطَلَّقها، فقال رسول اللـه ﴾: ((اللَّهمَّ سَلِّط عليه كلباً من كلابك)) وكان أبو طالب
حاضراً فوجَم لها وقال: ما كان أغناكَ يا بنَ أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتيبةُ إلى
أبيه فأخبره، ثم خرجوا إلى الشام، فنزلوا منزلاً، فأشرف عليهم راهبٌ من الدَّيْر فقال
لهم: إنَّ هذه أرضٌ مُسْبِعةٌ. فقال أبو لهب لأصحابه: أَغيثونا يا معشر قريش هذه
الليلة! فإنِّي أَخاف على ابني من دعوة محمَّد. فجمعوا جِمالهم وأنَاخوها حولهم،
وأَحدقوا بعتيبة، فجاء الأَسَدُ يتَشمَّم وجوههم حتى ضرب عُتيبةً فقتله، وقال حسان:
مَنْ يَرْجِعِ العام إلى أَهْلِهِ فَمَا أَكِيلُ السَّبْعِ بِالرَّاجِعِ (٢)
وأصل النَّجْم: الطلوع، يقال: نَجَم السنُّ، ونَجَم فلانٌ ببلاد كذا، أي: خرج
على السلطان.
والهُوِيُّ: النزول والسقوط، يقال: هَوَى يَهْوِي هُوِيّاً، مثل مَضَى يَمْضِي
مُضِيّاً(٣)، قال زهير:
(١) في النسخ: عتبة. وكذا في المواضع الآتية، والتصويب من تصحيفات المحدثين للعسكري ٧٠٨/٢ ،
والروض الأنف للسهيلي ٦٨/٣، وبعض مصادر التخريج.
(٢) الكشاف ٢٧/٤-٢٨، والحديث أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (٣٨١) عن محمد بن كعب القرظي،
عن عثمان بن عروة بن الزبير، عن رجال من أهل بيته، والدولابي في الذرية الطاهرة (٧٤) عن محمد
ابن كعب القرظي وعثمان بن عروة بن الزبير بنحوه، مع ذكر قصيدة مطولة لحسان وفيها البيت الآنف
الذكر، والحاكم في المستدرك ٥٣٩/٢ من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أبيه قال: كان لهب بن
أبي لهب يسبُّ النبي # .. فذكره بنحوه مختصراً، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأخرجه أيضاً
ابن قانع في معجم الصحابة ٢٠٧/٣ ، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٣٨٠)، وابن عساكر في تاريخ مدينة
دمشق ٣٠٢/٣٨ من طريق عروة بن الزبير، عن هبار بن أسود قال: كان أبو لهب وابنه عتبة بن أبي
لهب تجهزا إلى الشام، فتجهزت معهما فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقن إلى محمد ولأوذينه ... الخبر
بنحوه دون ذکر البيت.
(٣) الصحاح (نجم) و (هوي) بنحوه.

٩
سورة النجم: الآيات ١ - ١٠
هُوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَها الرِّشَاءُ(١)
فَشَجَّ بِهَا الأماعِزَ وَهْي تَهْوي
وقال آخر:
عِ سِرَاعاً والعِيسُ تَهْوِي هُوِيًّا
بَيْنَما نَحْنُ بالبَلَاكِثِ فالْقًا
ـرَاكِ وَهْناً فما استطعْتُ مُضيّاً(٢)
خطرتْ خَظرَةٌ على القَلْبِ مِن ذِكْ
الأصمعي: هَوَى - بالفتح - يَهْوِي هَوِيّاً، أي: سقط إلى أسفل. قال: وكذلك
انهوى في السير إذا مضى فيه، وهَوَى وانْهَوى فيه لغتان بمعنَى، وقد جمعهما الشاعر
في قوله :
وكَمْ مَنْزِلٍ لولايَ طِحْتَ كما هَوَى بأَجرامِهِ مَنْ قُلَّةِ النِّيقِ مِنْهَوِي (٣)
ويقال في الحُبِّ: هَوِيَ - بالكسر - يَهْوَى هَوَى، أي: أحبَّ.
قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ﴾ هذا جواب القَسَم، أي: ما ضلَّ محمَّد﴾ عن
الحقِّ وما حادَ عنه (٤). ﴿وَمَا غَوَى﴾ الغَيُّ: ضدُّ الرشد، أي: ما صار غاوياً(٥). وقيل:
أي: ما تكلَّم بالباطل(٦). وقيل: أي: ما خاب مما طلب، والغَيُّ: الخيبة، قال
الشاعر :
فمن يَلْقَ خيراً يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ ومَنْ يَغْوَ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائِمَا(٧)
(١) شرح ديوان زهير ص٦٧، وفيه: شعَّ: علا. بها: بالأَتُن، والأماعز: المكان الغليظ الكثير الحصى .
فشبَّه هُوَّ الحبل إذا انقطع بهُويّ الأُتُن.
(٢) القائل مجنون ليلى قيس بن الملوَّح، والبيتان في ديوانه ص٢٩١، والبلاكث والقاع: موضعان من
المدینة. معجم البلدان ٤٧٨/١ و ٢٩٨/٤ ونسب البیتین فیہ إلی کُثِّر.
(٣) الصحاح (هوي) وما بعده منه، والبيت ليزيد بن الحكم، وهو في الكامل ٣/ ١٢٧٧، وعيون الأخبار
٨٣/٣، وقُلَّة كل شيء: أعلاه. والنِّيق: أرفع موضع في الجبل. لسان العرب (قلل) و (نوق).
(٤) الوسيط ٤/ ١٩٢- ١٩٣.
(٥) الكشاف ٢٨/٤ .
(٦) تفسير البغوي ٢٤٥/٤ .
(٧) النكت والعيون ٣٩٠/٥، وما بعده منه، والبيت للمرقِّش، وسلف ١٣/ ٤٧٧.
:

١٠
سورة النجم: الآيات ٢ - ١٠
أي: مَن خاب في طلبه لامه الناس.
ثم يجوز أن يكون هذا إخباراً عما بعد الوحي. ويجوز أن يكون إخباراً عن
أحواله على التعميم، أي: كان أبداً موحّداً لله. وهو الصحيح على ما بيَّنَّاه في
((الشورى))(١) عند قوله: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الآية: ٥٢].
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَطِقُ عَنِ اَلْهَوَىَ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ :
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَطِقُ عَنِ اَلْمَوَ﴾ قال قتادة: وما ينطق بالقرآن عن
هواه، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّ وَتِىٌ يُؤْحَى﴾ إليه(٢). وقيل: ((عَنِ الْهَوَى)) أي: بالهوى، قاله أبو
عبيدة(٣) كقوله تعالى: ﴿فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٥] أي: فاسأل عنه.
النخَّاس(٤): قول قتادة أولى، وتكون ((عن)) على بابها، أي: ما يخرج نُطقه عن رأيه،
إنَّما هو بوحي من الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ بعده: ((إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)).
الثانية: قد يحتجُّ بهذه الآية من لا يجوِّز لرسول اللـه﴾ الاجتهادَ في
الحوادث(٥). وفيها أيضاً دلالة على أنَّ السُّنَّةَ كالوحي المنزل في العمل. وقد تقدَّم في
مقدّمة الكتاب(٦) حديث المقدام بن معدي کرب في ذلك، والحمد لله.
قال السجستانيُّ: إن شئتَ أَبدلتَ ((إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) مِن ((مَا ضَلَّ
صَاحِبُكُمْ)). قال ابن الأنباري(٧): وهذا غَلَط؛ لأنَّ ((إِنْ)) الخفيفة لا تكون مبدلة من
((ما))، الدليل على هذا أنَّك لا تقول: واللهِ ما قمتُ، إِنْ أنا لقاعد.
(١) ١٨ /٥٠٩ - ٥١٠ .
(٢) أخرجه عنه الطبري ٨/٢٢ .
(٣) في مجاز القرآن له ٢٣٦/٢ .
(٤) في معاني القرآن له ٢٦٥/٤ بنحوه.
(٥) أحكام القرآن للهراسي ٤/ ٣٩٣ .
(٦) ١/ ٦٥ .
(٧) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩١٠، وما قبله منه.

١١
سورة النجم: الآيات ٥ - ١٠
قوله تعالى: ﴿عَلََّهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ يعني: جبريل عليه السلام، في قول سائر
المفسرين(١) سوى الحسن، فإنَّه قال: هو الله عزَّ وجلَّ(٢). ويكون قوله تعالى: ﴿ذُو
مِرَّةَ﴾ على قول الحسن تمام الكلام، ومعناه: ذو قوَّة، والقوّة من صفات الله تعالى،
وأصله من شدَّة فَتْل الحبل(٣)، كأنَّه استمرَّ به الفَتْل حتى بلغ إلى غاية يَصعُب معها
الحَلُّ.
ثم قال: ﴿فَأَسْتَوَى﴾ يعني: الله عزَّ وجلَّ، أي: استوى على العرش. روي معناه
عن الحسن(٤). وقال الربيع بن أنس والفرَّاء: ﴿فَأَسْتَوَى. وَهُوَ بِلْأُمُقِّ الْأَعْلَ﴾ أي:
استوى جبريل ومحمَّد عليهما الصلاة والسلام(٥). وهذا على العطف على المضمر
المرفوع بـ((هو)). وأكثر العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أَظهروا كنايةً
المعطوف عليه، فيقولون: استوى هو وفلان، وقلَّما يقولون: استوى وفلان(٦).
وأنشد الفرَّاء:
أَلَمْ تَرَ أَنّ النَّبْعَ يَصلُبُ عُودُهُ ولا يَسْتوِيِ والخِرْوَعُ المتقصِّفُ(٧)
أي: لا يستوي هو والخِرْوَع، ونظير هذا: ﴿أَءِذَا كُنَّا تُرَبًا وَءَابَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٧]
والمعنى: أئذا كنّا تراباً نحن وآباؤنا. ومعنى الآية: استوى جبريل هو ومحمَّد عليهما
السلام ليلةَ الإسراء بالأُفُقِ الأَعلى.
(١) النكت والعيون ٣٩١/٥.
(٢) المحرر الوجيز ١٩٦/٥ .
(٣) المحرر الوجيز ١٩٦/٥-١٩٧ .
(٤) المحرر الوجيز ١٩٧/٥ .
(٥) أخرجه عن الربيع الطبري ١١/٢٢، وأبو الشيح في العظمة (٣٦٨)، وقول الفراء في معاني القرآن له
٩٥/٣ .
(٦) تفسير الطبري ١١/٢٢- ١٢ .
(٧) معاني القرآن للفراء ٩٥/٣، والبيت لجرير، وهو في شرح ديوانه ٩٣٢/٢ ، والنبع: شجر من أشجار
الجبال تتخذ منه القسي. والخروع: كل نبات قصيف ريان من شجر أو عنب. لسان العرب (نبع)
و(خرع). ووقع عند الفراء: يخلق، بدل: يصلب.

١٢
سورة النجم: الآيات ١ - ١٠
وأجاز(١) العطف على الضمير؛ لئلا يتكرَّر. وأنكر ذلك الزَّجَّاج (٢) إلا في ضرورة
الشعر، وقيل: المعنى فاستوى جبريل بالأفق الأعلى، وهو أجود. وإذا كان المستوي
جبريل فمعنى ((ذُو مِرَّةٍ)) في وَصْفه: ذو منطق حسَن، قاله ابن عباس. وقال قتادة: ذو
خَلْق طويل حَسن(٣).
وقيل: معناه: ذو صحَّة جسم، وسلامة من الآفات، ومنه قول النبيّ#: ((لا
تحلُّ الصدقة لغنيٌّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٌّ))(٤). وقال امرؤ القيس:
كنتُ فيهم أبداً ذا حيلة مُحكَمَ المِرَّة مأمُونَ الْعُقَد(٥)
وقد قيل: ((ذُو مِرَّةٍ)): ذو قوَّة. قال الكلبيُّ: وكان من شدّة جبريل عليه السلام: أنَّه
اقتلعَ مدائنَ قوم لوطٍ من الأرض السفلى، فحملها على جناحه حتى رفعَها إلى
السماء، حتى سمع أهلُ السماء نَبْحَ كلابهم وصياح ديكتهم، ثم قَلبَها. وكان من شدَّته
أيضاً: أنَّه أبصر إبليسَ يكلِّم عيسى عليه السلام على بعض عقاب من الأرض
المقدّسة، فنفحه بجناحه نفحةً ألقاه بأقصى جبل في الهند. وكان من شدَّته: صيحته
بثمود في عددهم و کثرته، فأصبحوا جائمین خامدین. وکان من شدَّته: هبوطه من
السماء على الأنبياء وصعودهُ إليها في أسرع من الطَّرْف(٦).
وقال قُظْرُب: تقول العرب لكل جَزل الرأي حصيف العقل: ذُو مِرَّةٍ. قال
الشاعر :
(١) أي: الفراء في معاني القرآن له ٩٥/٣ .
(٢) في معاني القرآن له ٥/ ٧٠ وما بعده منه.
(٣) تفسير البغوي ٢٤٥/٤، وأخرجه عنهما الطبري ١٠/٢٢.
(٤) تفسير الطبري ١١/٢٢، والحديث سلف ٢٥٣/١٠.
(٥) كذا أورده الماوردي في النكت والعيون ٣٩١/٥، والبيت في ديوان امرئ القيس ص٢١٩ إلا أن
صدره هكذا:
ولبيبٌ أيِّد ذو حيلة
قال شارحه: الأيِّد: الشديد. ومأمون العُقَد: يؤمن انحلالها.
(٦) الكشاف ٢٨/٤ دون عزو، وخبر تعذيب قوم لوط في عرائس المجالس ص١٠٧ .

١٣
سورة النجم: الآيات ٦ - ١٠
قد كنتُ قبلَ لِقائِكُمْ ذا مِرَّةِ عندي لِكلِّ مُخاصِم مِيزانُهُ(١)
وكان من جزالة رأيه وحصّافة عقله: أنَّ الله ائتمنه على وَخیه إلى جميع رسله.
قال الجوهريُّ(٢): والمِرَّة: إحدى الطبائع الأربع، والمِرَّة: القوَّة، وشدَّة العقل
أيضاً. ورجل مرير: أي: قويُّ ذو مِرةٍ. قال:
وحَشْوُ ثِيابِه أسدٌ مَرِيرٌ(٣)
تَری الرَّجل النَّحیف فتزدریہ
وقال ◌َقِيط :
مُرُّ العزِيمةِ لا رَتّاً ولا ضَرَعَا (٤)
حتى استمرَّت على شَزْرٍ مَرِيرتُه
وقال مجاهد وقتادة: ((ذُو مِرَّةٍ)): ذو قوَّة، ومنه قول خُفَاف بن نَذْبة:
فِيما يَنُوبُ مِن الخُطُوبِ صَلِيبُ(٥)
إِنِّي امرؤٌ ذو مِرّةٍ فاستبقِني
فالقوَّة تكون من صفة الله عزَّ وجلَّ، ومن صفة المخلوق.
((فاستوى)) يعني: جبريل على ما بيَّنًّا، أي: ارتفع وعلا إلى مكانه في السماء بعد
أن علَّم محمَّداً ﴾، قاله سعيد بن المسيِّب وابن جبير(٦).
وقيل: ((فَاسْتَوَى)) أي: قام في صورته التي خَلَقه الله تعالى عليها؛ لأنه كان يأتي
(١) سلف ١٢/ ١٩١ .
(٢) في الصحاح (مرر).
(٣) القائل العباس بن مرداس، وهو في الحماسة البصرية ٧/٢، ورواية عجزه هكذا:
وفي أثوابه أسد مـزير
والمزير: الشديد القلب القوي. اللسان (مزر).
(٤) الكامل ٢/ ٦٨٢، والرتُّ: الرئيس من الرجال في الشرف والعطاء. والضَّرّع: الصغير السنّ الضعيف.
اللسان (رتت) و(ضرع).
(٥) النكت والعيون ٣٩١/٥، وقول مجاهد في تفسيره ٦٢٧/٢، وأخرجه عنه الطبري ١٠/٢٢. والبيت
في الأصمعيات ص٢٧ ، وورد فيه هكذا:
فتعلَّمي أني امرؤ ذو مرَّة
فيما ألمَّ من الخطوب صلیبُ
(٦) النكت والعیون ٣٩٢/٥ وعزاه إلى ابن جبير.

١٤
سورة النجم: الآيات ٦ - ١٠
إلى النبيَّ# في صورة الآدميين كما كان يأتي إلى الأنبياء، فسأله النبيُّ# أن يُرِيَه
نفسَه التي جَبَله الله عليها، فأراه نفسه مرَّتين، مرَّة في الأرض، ومرَّة في السماء، فأما
في الأرض ففي الأفق الأعلى، وكان النبيُّ# بحراء، فطلع له جبريل من المشرق
فسدَّ الأرض إلى المغرب، فخرَّ النبيُّ # مغشياً عليه، فنزل إليه في صورة الآدميين
وضمَّه إلى صدره، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، فلما أفاق النبيُّ ﴾ قال: ((يا
جبريل ما ظننتُ أنَّ الله خلَق أحداً على مثل هذه الصورة)). فقال: يا محمَّد إنَّما نَشرتُ
جناحَيْن من أَجنحتي، وإنَّ لي ستَّ مئة جناح، سَعة كلِّ جناح ما بين المشرق
والمغرب. فقال: ((إنَّ هذا لعظيم)) فقال: وما أنا في جَنْب ما خلقَه الله إلا يسيراً،
ولقد خلَق الله إسرافيلَ له ستُّ مئة جناح، كلُّ جناح منها قَدْر جميع أجنحتي، وإنَّه
ليتضاءل أحياناً من مخافة الله تعالى حتى يكون بقَدْر الوصَع. يعني: العصفور
الصغير، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ بِلْأُفُيُّ الْمُبِينِ﴾ وأما في السماء فعند سِدرة
المنتهى، ولم يَرَهُ أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا محمَّداً ﴾(١).
وقول ثالث أنَّ معنى ((فَاسْتَوَى)): أي: استوى القرآن في صدره. وفيه على هذا
وجهان: أحدهما في صدر جبريل حين نزل به عليه. الثاني: في صدر محمَّد 8# حین
نزل عليه. وقول رابع أنَّ معنى (فَاسْتَوَى)): فاعتدل، يعني: محمَّداً ﴾. وفيه على هذا
وجهان: أحدهما: فاعتدل في قوَّته. الثاني: في رسالته. ذكرهما الماورديُّ(٢).
قلت: وعلى الأوَّل يكون تمام الكلام ((ذُو مرَّةٍ)، وعلى الثاني ((شَدِيدُ الْقُوَى)).
وقول خامس أنَّ معناه: فارتفع. وفيه على هذا وجهان: أحدهما: أنَّه جبريل عليه
(١) تفسير البغوي ٤/ ٢٤٥ دون قوله: فلما أفاق النبي# ... إلى قوله: يعني العصفور الصغير. حيث
أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٢١) عن ابن شهاب مرسلاً بنحوه.
ورؤية النبي # جبريلَ مرتين أخرجها البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧) عن عائشة رضي الله عنها.
وقول جبريل: إن لي ست مئة جناح. أخرجه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤) عن ابن مسعود ﴾.
(٢) في النكت والعيون ٣٩٢/٥ .
٠٠
:

١٥
سورة النجم: الآيات ٦ - ١٠
السلام ارتفع إلى مكانه على ما ذكرنا آنفاً. الثاني: أنَّه النبيُّ # ارتفع بالمعراج (١).
وقول سادس: (فَاسْتَوَى)): يعني الله عزَّ وجلَّ، أي: استوى على العرش، على قول
الحسن(٢). وقد مضى القول فيه في ((الأعراف))(٣).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يِلْأُمِّ الْأَعْلَ﴾ جملة في موضع الحال، والمعنى: فاستوى
عالياً(٤)، أي: استوى جبريل عالياً على صورته، ولم يكن النبيُّ :﴿ قبل ذلك يراه
عليها حتى سأله إيّاها على ما ذكرنا.
والأُفُق: ناحية السماء، وجمعه: آفاق(٥). وقال قتادة: هو الموضع الذي تأتي
منه الشمس(٦). وكذا قال سفيان: هو الموضع الذي تطلع منه الشمس، ونحوه عن
مجاهد. ويقال: أُفْق وأُفُق، مثل عُسْر وعُسُر. وقد مضى في ((حم السجدة))(٧). وفرس
أُفُق - بالضمِّ - أي: رائع، وكذلك الأنثى، قال الشاعر:
أرجِّلُ لِمَّتِي وَأَجُرُّ ذَيْلِي وتَحمِلُ شِكَّتي أفُقٌّ كُمَيْتُ(٨)
وقيل: ((وَهُوَ)) أي: النبيُّ ﴾ ((بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى)) يعني: ليلة الإسراء، وهذا ضعيف،
لأَنَّه يقال: استوى هو وفلان، ولا يقال: استوى وفلان، إلا في ضرورة الشعر.
والصحيح استوى جبريلُ عليه السلام، وجبريلُ بالأُفق الأعلى على صورته
الأصليّة؛ لأنَّه كان يتمثَّل للنبيِّ# إذا نزل بالوحي في صورة رجل، فأحبَّ النبيُّ ﴾
(١) النكت والعيون ٣٩٢/٥.
(٢) المحرر الوجيز ١٩٧/٥.
(٣) ٢٣٨/٩.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٦/٤ .
(٥) الصحاح (أفق).
(٦) النكت والعيون ٣٩٢/٥ عن قتادة ومجاهد، وأخرجه الطبري ١٣/٢٢ عن قتادة بنحوه.
(٧) عند الآية (٥٣).
(٨) الصحاح (أفق)، والبيت لعمرو بن قعاسٍ بن عبد يغوث المرادي، وهو في منتهى الطلب لابن ميمون
٨/ ٢٤٥، وفيه: ذمَّتي، بدل: لمَّتي، واللَّمَّة: شعر الرأس إذا كان فوق الوفرة. والشِّكَّة: السلاح. لسان
العرب (لمم) و (شكك).

١٦
سورة النجم: الآيات ٧ - ١٠
أن يراه على صورته الحقيقيّة، فاستوى في أفق المشرق، فملأَ الأُفق.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّ﴾ أي: دنا جبريلُ بعد استوائه بالأُفق الأعلى من
الأرض ((فَتَدَلَّى)) فنزل على النبيِّ ◌َ # بالوحي(١). المعنى: أنَّه لما رأى النبيُّ ﴾ من
عظمته ما رأَى، وهالَه ذلك، ردَّه الله إلى صورة آدميٍّ حين قَرُبَ من النبيِّ ﴾
بالوحي، وذلك قوله تعالى: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ» يعني أوحى الله إلى جبريلَ، وكان
جبريل ((قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَذْنَى)) قاله ابن عباس والحسن وقتادة والربيع وغيرهم(٢). وعن
ابن عباس أيضاً في قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى)) أنَّ معناه: أنَّ الله تبارك وتعالى ((دَنَا))
من محمَّد # ((فَتَدَلَّى))(٣). وروى نحوه أنس بن مالك عن النبيِّ ﴾(٤). والمعنى: دنا
منه أَمْرُه وحُكمه(٥). وأصل التدلِي: النزول إلى الشيء حتى يَقرُب منه، فوضِعَ موضعَ
القُرب، قال لبید:
فَتدَلَّيْتُ عليه قافِلاً وعلى الأرض غيَابَات الطَّفَل(٦)
وذهب الفرَّاء(٧) إلى أنَ الفاء في ((فَتَدَلَّى)) بمعنى الواو، والتقدير: ثم تدلَّى جبريل
عليه السلام ودنا. ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحداً، أو كالواحد، قدَّمت
أيَّهما شئت، فقلت: فدنا فقرب وقرب فدنا، وشتمني فأساء وأساء فشتمني؛ لأنَّ
(١) الوسيط ٤/ ١٩٣.
(٢) تفسير البغوي ٢٤٦/٤ عن ابن عباس والحسن وقتادة، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٥٠ ، ومن
طريقه أبو الشيخ في العظمة (٣٦٩)، والطبري ١٤/٢٢ عن الحسن وقتادة، والطبري ١٤/٢٢، وأبو
الشيخ في العظمة (٣٦٨) عن الربيع.
(٣) أخرجه الطبري ١٤/٢٢، والطبراني في الكبير (١١٣٢٨).
(٤) أخرجه البخاري (٧٥١٧)، وينظر كلام ابن حجر حول الحديث في فتح الباري ٤٨٣/١٣ وما بعدها.
(٥) الشفا ٣٩٤/١.
(٦) شرح ديوان لبيد ص١٨٩، قال شارحه: الغيابة: ظل الشمس، أو كل شيء أظل الإنسان. والطّفَل:
حین تھمُّ الشمس بالوجوب وتدنو للغروب.
(٧) في معاني القرآن له ٩٥/٣ - ٩٦ .

١٧
سورة النجم: الآيات ٨ - ١٠
الشتم والإساءة شيء واحد. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَقْتَرَتِ السَّاعَةُ وَأَشَقَّ الْقَمَرُ﴾
[القمر: ١] المعنى - والله أعلم -: انشقَّ القمر واقتربت الساعة.
وقال الجرجانيُّ: في الكلام تقديم وتأخير، أي: تدَّلى فدنا؛ لأنَّ التدلِّي سبب
الدنۇِّ.
وقال ابنُ الأنباري: ثم تدلَى جبريلُ، أي: نزل من السماء فدنا من محمَّد﴾(١).
وقال ابن عباس: تدلَّى الرفرفُ لمحمَّد# ليلة المعراج، فجلس عليه، ثم رُفع
فدنا من ربِّه (٢)، وسيأتي.
ومن قال: المعنى: فاستوى جبريلُ ومحمَّد بالأُفق الأعلى، قد يقول: ثم دنا
محمَّد من ربِّه دنوَّ كرامةٍ، فتدلَّى، أي: هَوَى للسجود. وهذا قول الضحاك. قال
القشيريُّ: وقيل على هذا تدلَّى، أي: تَدلَّلَ، كقولك: تَظَنَّى، بمعنى تَظَنَّنَ. وهذا
بعيد؛ لأنَّ الدَّلال غيرُ مرضيٍّ في صفة العبودية.
قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسينِ أَوْ أَدَ﴾ أي: كان محمَّد من ربِّه أو من جبريل
((قَابَ قَوْسَيْنٍ)) أي: قَدْرَ قوسين عربيَّتين(٣). قاله ابن عباس وعطاء(٤) والفرَّاء(٥).
الزمخشريُ(٦): فإن قلتَ: كيف تقدير قوله: ((فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنٍ))؟ قلت: تقديره:
(١) النكت والعيون ٣٩٣/٥.
(٢) الشفا ٣٩٤/١، والرفرف: البساط. النهاية ٢٤٣/٢.
(٣) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٢٨ .
(٤) تفسير البغوي ٢٤٦/٤ .
(٥) في معاني القرآن له ٩٥/٣ .
(٦) الكشاف ٢٩/٤، والبيت الآتي نسب للأسود بن يعفر، وهو في شرح المفصل لابن يعيش ٣١/٣.
. وللكلحبة هبيرة بن عبد منان العُرَني، وهو في المفضليات ص٣٢ ، ورواية صدره:
فأدرك إبقاءَ العرادة ظَلْعها
قال محققه: المبقية من الخيل: التي تبقي بعض جريها تدخره. الظلع: العرج والغمز في المشي.
يقول: إن شرب العرادة أضعف جريها، فغلب ظلعها إبقاءها، ففاتها حزيمة وهو قيد إصبع منها.

١٨
سورة النجم: الآيتان ٩ - ١٠
فكان مقدارُ مسافة قُربه مثلَ قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات، كما قال أبو عليٍّ
في قوله:
وَقَدْ جَعَلَتْنِي مِن حَزِيمَةَ إِصْبعًا
أي: ذا مقدار مسافة إصبع. ((أَوْ أَدْنَى)) أي: على تقديركم، كقوله تعالى: ﴿أَوْ
يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. وفي ((الصحاح)) (١): وتقول: بينهما قابُ قَوْس، وقِيبُ
قَوْس، وقادُ قَوْس، وقِيدُ قَوْس، أي: قَدْر قَوْسٍ.
وقرأ زيد بن علي: ((قَادَ))، وقرئ: ((قِيدَ)) و ((قَدْرَ)). ذكره الزمخشريُّ(٢).
والقابُ: ما بين المَقْبِض والسِّيَة. ولكلِّ قوس قابان. وقال بعضهم في قوله
تعالى: ((قَابَ قَوْسَيْنٍ)): أراد قابي قوس، فقلبه(٣). وفي الحديث: ((ولَقاب قوسٍ
أحدِكم من الجنة وموضع قِدِّه خيرٌ من الدنيا وما فيها)) والقِدُّ: السَّوط(٤). وفي
((الصحيح)) عن أبي هريرة قال: قال النبيُّ﴾: ((ولَقابُ قوسِ أحدكم في الجنة خيرٌ من
الدنيا وما فيها))(٥). وإنَّما ضُرب المثل بالقوس؛ لأنَّها لا تختلف في القاب. والله
أعلم.
قال القاضي عياض(٦): اعلم أنَّ ما وقعَ من إضافة الدنوِّ والقُرب من الله، أو إلى
الله، فليس بدنوِّ مكانٍ، ولا قُرب مَدّى، وإنَّما دنوُّ النبيِّ :﴿ من ربِّه وقُرْبه منه، إبانةُ
عظيمٍ منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفتهِ، ومشاهدة أسرار غيبه وقُدْرته.
ومِنَ الله تعالى له: مبرَّةٌ وتأنيس وبَسْط وإكرام.
(١) مادة (قوب).
(٢) في الكشاف ٢٨/٤ .
(٣) الصحاح (قوب)، والسِّيّة: ما عطف من طرفي القوس. الصحاح (سيا).
(٤) غريب القرآن لابن قتيبة ص٤٢٨، والكشاف ٢٨/٤ .
(٥) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٠٢٧٠)، وهو عند البخاري (٢٧٩٣) بلفظ: لقاب قوس في الجنة خير مما
تطلع عليه الشمس وتغرب.
(٦) في الشفا ٣٩٦/١-٣٩٧، وفيه: وشريف، بدل: وتشريف.

١٩
سورة النجم: الآيتان ٩ - ١٠
ويتأوَّل فيه ما يتأوَّل في قوله عليه السلام: ((يَنزِل ربُّنا إلى سماء الدنيا))(١) على
أحد الوجوه: نزول إجمال وقبولُ إحسان.(٢) قال القاضي: وقوله: ((فَكَانَ قَابَ
قَوْسَيْنٍ أَوْ أَذْنَى)) فمن جعَل الضميرَ عائداً إلى الله تعالى لا إلى جبريل، كان عبارة
عن نهاية القُرب، ولطف المحلِّ، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من
محمَّد﴾، وعبارةً عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب، وإظهار التحقِّي، وإنافة
المنزلة والقُرب من الله، ويتأوَّل فيه ما يتأوَّل في قوله عليه السلام: ((مَن تقرَّب منِّي
شبراً تقرَّبت منه ذراعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً)) قربٌ بالإجابة والقَبول، وإتيان
بالإحسان وتعجيل المأمول(٣).
وقد قيل: (ثُمَّ دَنَا)) جبريل من ربِّه ((فَكَان قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)) قاله مجاهد (٤).
ويدلُّ عليه ما رُويَ في الحديث: ((إنَّ أقربَ الملائكة من الله جبريلُ عليه السلام))(٥).
وقيل: ((أو)) بمعنى الواو، أي: قاب قوسين وأدنى. وقيل: بمعنى ((بل))، أي: بل
أدنى(٦).
وقال سعيد بن المسيّب: القاب: صدر القوس العربية حيث يشدُّ عليه السير الذي
يتنكَّبه صاحبه، ولكلٍّ قوس قاب واحد. فأخبر أنَّ جبريل قَرُبَ من محمَّد ﴿ كقُرب
قاب قوسين.
وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهَمْداني وأبو وائل شقيق بن سلمة:
(فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ)) أي: قدر ذراعين، والقوس: الذراع يُقاس بها كلُّ شيءٍ(٧)، وهي
(١) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨)، وهو عند أحمد (٧٥٩٢) عن أبي هريرة ﴾.
(٢) الصواب إثبات صفة الدنو والقرب والنزول لله تعالى بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تأويل على ما يليق بجلال
الله وعظمته .
(٣) الشفا ٣٩٦/١-٣٩٧، والحديث سلف ٢٩٠/٧.
(٤) في تفسيره ٢/ ٦٢٧، وأخرجه عنه الطبري ١٩/٢٢ .
(٥) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢٧٧)، وفي إسناده الأحوص بن حكيم، وهو ضعيف. تهذيب التهذيب
٩٩/١-٠١٠٠
(٦) تفسير أبي الليث ٢٨٩/٣، وينظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص ٤١٤-٤١٥.

٢٠
سورة النجم: الآيتان ٩ - ١٠
لغةُ بعض الحجازيين(١). وقيل: هي لغةُ أزد شَنُوءة أيضاً. وقال الكسائيُّ: قوله:
((فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)) أراد: قوساً واحداً، كقول الشاعر:
ومَهْمَهَيْنٍ قَذَفَيْن مَرْتَيْن قَطَعْتُهُ بالسَّمْتِ لا بِالسَّمْتَيْنِ(٢)
أراد: مَهْمَهاً واحداً.
والقوس تذكَّر وتؤنَّث، فمن أنَّث قال في تصغيرها: قويسة، ومن ذكَّر قال:
قُويس، وفي المثل: هو من خيرِ قُوَيْسٍ سَهْماً. والجمع قِيٍّ وقُسِيُّ وأقواس وقياس،
وأنشد أبو عبيدة:
ووَتَّرَ الأساورَ القِياسَا(٣)
والقَوْس أيضاً: بقية الثَّمْر في الجُلَّة، أي: الوعاء. والقَوْس: برج في السماء.
فأما القُوسُ بالضمِّ: فصومعة الراهب، قال الشاعر وذكر امرأةً:
لاسْتَفْتَنَتْنِي وذَا المسْحَينِ في القُوسِ (٤)
قوله تعالى: ﴿فَوْخَ إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوَى﴾ تفخيم للوحي الذي أُوحِيَ إليه(٥). وتقدَّم
(١) المحرر الوجيز ١٩٨/٥ وحكاه عن الثعلبي.
(٢) هكذا ذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٣٠٢/٨ ولم ينسبه، وفيه: بالأمِّ، بدل: بالسمت. وذكره
الزجاجي في الجمل ص٣١٣، والجاحظ في البيان والتبيين ١٥٦/١ ولم ينسباه، ونسبه ابن السِّيْد
البطليوسي في الحلل ص٣٦٤ إلى خطام المجاشعي، وجاءت رواية الرجز في البيان والتبيين هكذا:
جبتهما بالنعت لا بالنعتين
ومهمهين قذفين مرتين
قطعته بالأمِّ لا بالسمتين
ظهراهما مثل ظهور الترسين
وقول الراجز:
ظهراهما مثل ظهور الترسين
ذكره سيبويه في الكتاب ٤٨/٢ ونسبه لخطام، و٦٢٢/٣ ونسبه لهميان بن قحافة. والمهمه: القَّفْر
المخوف. والقَّذَف: ما ارتفع من الأرض. والمرت: التي لا ماء بها ولا نبات فيها. والظهر: ما ارتفع
من الأرض، يشبهه بظهر الترس في ارتفاعه. الحلل ص٣٦٥. والسمت: الطريق. لسان العرب (سمت).
(٣) الصحاح (قوس) وما بعده منه، والمثل في جمهرة الأمثال للعسكري ١/ ٤٢٠ وهو من أرجوزة لخالد
ابن معاوية، وقصته ثمة.
(٤) القائل جرير، وهو في ديوانه ١٢٥/١، وصدره: لا وصل إذا صرمت هند ولو وقفت.
(٥) الكشاف ٢٩/٤ .