Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
سورة الطور: الآيات ١٣ - ٢٠
على وجوههم، وزًَّا(١) في أعناقهم حتى يرِدوا النار(٢). وقرأ أبو رجاء العُطاردي
وابن السَّمَيْفَع: ((يَوْمَ يُدعَوْنَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًا)) بالتخفيف من الدعاء(٣)، فإذا دنَوْا من
النار، قالت لهم الخزنة: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِ كُم بِهَا تُكَذِبُونَ﴾ في الدنيا (٤).
قوله تعالى: ﴿أَفَسِحْرُّ هَذَا﴾ استفهام معناه التوبيخ والتقريع، أي: يقال لهم:
أَفَسِحْرٌ هَذَا الذي تَرَونَ الآن بأعينكم ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ﴾؟ وقيل: (أَمْ)) بمعنى بل،
أي: بل كنتم لا تبصرون في الدنيا ولا تعقلون.
قوله تعالى: ﴿أَصْلَوْهَا﴾ أي: تقول لهم الخزنة: ذوقوا حرَّها بالدخول فيها.
﴿ فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَءُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: سواءٌ كان لكم فيها صبرٌ، أو لم يكن.
فـ (سواء)) [مبتدأ] خبرُه محذوف، أي: سواء عليكم الجزعُ والصبر(٥)، فلا ينفعكم
شيء، كما أخبر عنهم أنهم يقولون: ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَجَرِعْنَآ أَمْ صَبَّرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١].
﴿إِنَّمَا تُجْزَوَّنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
فَكِهِينَ بِمَآ ءَائَنُهُمْ رَبُّهُ وَوَقَنْهُمْ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ
رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ
كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَثًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (@)
مُتَكِينَ عَلَى سُرُرٍ
مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُثَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ﴾ لمَّا ذكر حال الكفار؛ ذكر حال
المؤمنين أيضًا. ﴿فَكِهِينَ﴾ أي: ذوي فاكهةٍ كثيرة، يقال: رجلٌ فاكِهٌ، أي: ذو
(١) في النسخ الخطية: وزجًّا، والمثبت من (م)، ويقال: زخَّه في قفاه، أي: دفعه.
(٢) تفسير البغوي ٢٣٨/٤، والكشاف ٢٣/٤، ونسب هذا الكلام لمقاتل الواحدي في الوسيط ١٨٥/٤،
وابن الجوزي في زاد المسير ٤٩/٨ .
(٣) ذكرها عن أبي رجاء العطاردي ابن عطية في المحرر الوجيز ١٨٧/٥، وذكرها الزمخشري ٢٣/٤ عن
زيد بن علي. قال الألوسي في روح المعاني ٣٠/٢٧: وتكون ((دعًا)) حال، أي: ينادون إليها مدعوعين.
(٤) الوسيط ١٨٥/٤، وتفسير البغوي ٢٣٨/٤، وزاد المسير ٤٩/٨.
(٥) ما بين حاصرتين للإيضاح، والكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٢٥٥/٤ . ومعاني القرآن
للزجاج ٥/ ٦٢ .

٥٢٢
سورة الطور: الآيات ١٨ - ٢٠
فاكهة، كما يقال: لا بِنّ وتامِرٌ، أي: ذو لبن وتمر(١)، قال:
وغَرَرْتَنِي وزعمتَ أَنـكَ لابِنٌّ بالصَّيْفِ تَامِرْ (٢)
أي: ذو لبن وتمر .
وقرأ الحسن وغيره: ((فَكِهِينَ)) بغير ألف(٣)، ومعناه: معجبين ناعمين في قول ابن
عباس وغيره، يقال: فَكِه الرجلُ - بالكسر - فهو فَكِهٌ: إذا كان طيِّب النفس مزَّاحًا.
والفَكِه أيضًا: الأشِر البطِر (٤). وقد مضى في ((الدخان))(٥) القولُ في هذا. ﴿يِمَا
ءَاتَنْهُمُ﴾ أي: أعطاهم ﴿رَبُّهُ وَوَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾.
﴿كُلُواْ وَاشْرَبُوا﴾ أي: يقال لهم ذلك. ﴿هَنِّثًا﴾ الهنيء ما لا تنغيض فيه ولا نَكَد
ولا كَدَر. قال الزجاج (٦): أي: لِيَهْنِكم (٧) ما صِرتُم إليه هَنِيئًا. وقيل: أي: مُتِّعتم بنعيم
الجنة إمتاعًا هنيئًا. وقيل: أي: كلوا واشربوا هُنِّئْتُم هَنِيئاً. فهو صفة في موضع
المصدر. وقيل: هنيئاً، أي: حلالاً. وقيل: لا أذّى فيه ولا غائلة. وقيل: هَنِيئًا، أي:
لا تموتون، فإن ما لا يبقى - أو لا يبقى الإنسانُ معه - منغَّصٌ غيرُ هنيء.
قوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى سُرُرٍ﴾ سُرُر جمع سرير، وفي الكلام حذف تقديره:
متَّكِئين على نمارقَ على (٨) سُرُر. ﴿قَصْفُوفَّةٍ﴾ قال ابن بحر (٩): أي: موصولة بعضُها
إلى بعض حتى تصير صفًّا. وفي الأخبار أنها تصفُّ في السماء بطول كذا وكذا، فإذا
(١) بنحوه في النكت والعيون ٣٨٠/٥ .
(٢) البيت لحطيئة ، وهو في ديوانه ص ١٦٨، وفيه : أغررتني، بدل : وغررتني .
(٣) وهي قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع، وهو من العشرة. النشر ٣٥٤/٢
(٤) الصحاح (فكه) .
(٥) ص١١٨ من هذا الجزء.
(٦) في معاني القرآن ٦٣/٥ .
(٧) في (م) : ليهنتكم .
(٨) لفظة: على، ليست في (م)، والكلام بنحوه في تفسير الطبري ٥٧٨/٢١، وزاد المسير ٥٠/٨.
(٩) في (د) و(م): ابن الأعرابي، وقول ابن بحر في النكت والعيون ٣٨١/٥ .

٥٢٣
سورة الطور: الآيات ٢٠ - ٢٤
أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت له، فإذا جلس عليها عادت إلى حالها(١). قال
ابن عباس: هي سُرُر من ذهب، مكلّلةٌ بالزَّبَرْجد والدُّر والياقوت(٢)، والسريرُ ما بين
مكة وأيْلة(٣).
﴿وَزَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: قرنًّاهم بهنَّ. قال يونس بن حبيب: تقول العرب:
زوجته امرأة وتزوَّجت امرأةً، وليس من كلام العرب: تزوَّجت بامرأة. قال: وقول الله
عز وجل: ﴿وَزَفَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: قرنَّاهم بهنَّ(٤)، مِن قول الله تعالى: ﴿أَحْشُرُوا
الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أي: وقرناءهم. وقال الفرّاء: تزوَّجت بامرأة، لغةٌ
في أَزْدِ شنوءة(٥). وقد مضى القول في معنى الحور العين (٦).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِيَُّهُم بِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَهَا أَلَنْتَهُم مِّنْ
وَأَمْدَدْنَهُم بِفَكِهَةٍ وَلَحْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ
عَلِهِم مِّنْ شَِّ كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾
﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَنَهُمْ
يَنَزَّعُونَ فِهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأْثِرٌ
أُوْلُؤٌ مَكْتُونٌ ﴾
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَّعَنْهُمْ ذُرِيَّهُمْ﴾ قَرأ العامة: (وَاتَّبَعَتْهُمْ)) بوصل الألف
وتشديد التاء وفتح العين وإسكان التاء. وقرأ أبو عمرو: ((وَأَتْبَعْنَاهُمْ)) بقطع الألف
وإسكان التاء والعين ونون، اعتباراً بقوله: ((ألْحَقْنَا بِهِمْ))؛ ليكون الكلام على نسق
واحد.
(١) سيرد في تفسير سورة الواقعة الآية (١٦) من قول الكلبي.
(٢) تفسير البغوي ٤٧٩/٤، وزاد المسير ٩٨/٩، وتفسير الرازي ١٥٦/٣١.
(٣) لم نقف عليه. وأيلة : جبل بين مكة والمدينة قرب يَنْبُع. وأيلة أيضاً بلد بين ينبع ومصر. القاموس
(أيل).
(٤) تهذيب اللغة للأزهري ١١/ ١٥٢، ونسب هذا القول لابن السكيت.
(٥) المصدر السابق .
(٦) ص١٣٧ من هذا الجزء وما بعدها .

٥٢٤
سورة الطور: الآيات ٢١ - ٢٤
فأمَّا قوله: ((ذُرِّيَّتُهُمْ)) الأولى، فقرأها بالجمع ابنُ عامر وأبو عمرو ويعقوبُ
ورواها عن نافع، إلا أن أبا عمرو كسر التاء على المفعول، وضمَّ باقيهم. وقرأ
الباقون: ((ذُرِّيَتُهُمْ)) على التوحيد وضمِّ التاء، وهو المشهور عن نافع.
فأمَّا الثانية، فقرأها نافع وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بكسر التاء على الجمع.
الباقون: (ذُرِّيَّتَهُمْ)) على التوحيد وفتح التاء(١).
واختُلِف في معناه، فقيل عن ابن عباس أربعُ روايات: الأولى أنه قال: إن الله
ليرفع ذرِّيَّة المؤمن معه في درجته في الجنة(٢) وإن كانوا دونه في العمل؛ لتقَرَّ بهم
عينه، وتلا هذه الآية(٣). ورواه مرفوعًا النحاس في (الناسخ والمنسوخ)) له عن سعيد
ابن جبير عن ابن عباس أن رسول اللـه# قال: «إن الله عز وجل ليرفع ذرية المؤمن
معه في درجته في الجنة(٤) وإن كان لم يبلغها بعمله؛ لتقرَّ بهم عينه)) ثم قرأ: ﴿وَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وََّنْهُمْ ذُرِّيَُّهُم بِإِيَمَنٍ﴾ الآية(٥). قال أبو جعفر(٦): فصار الحديث مرفوعًا عن
النبيِّ *. وكذا يجب أن يكون؛ لأن ابن عباس لا يقول هذا إلا عن رسول الله 9؛
لأنه إخبار عن الله عز وجل بما يفعله، وبمعنى أنه أنزلها جل ثناؤه. الزمخشري(٧):
فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين،
(١) السبعة ص ٦١٢، والتيسير ص ٢٠٣، والنشر ٢٧٣/٢، ٣٧٧، ولم نقف على رواية الجمع عن نافع
في اللفظة الأولى.
(٢) في النسخ الخطية : إن الله ليرفع ذريّة المؤمن إليه ، والمثبت من (م) وهو الموافق للمصادر الآتية .
(٣) أخرجه الطبري ٥٧٩/٢١، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٠٥/٣، والنحاس في الناسخ
والمنسوخ (٨٤٨).
(٤) قوله : في الجنة ، من (ف) و(م) .
(٥) الناسخ والمنسوخ (٨٤٩)، وأخرجه أيضاً الطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٠٦/٣ (١٠٧٥) كلاهما
من طريق سفيان الثوري عن سماعة ... ، وهو منقطع، كما ذكر البخاري في التاريخ الكبير ٢١٤/٤ .
(٦) في الناسخ والمنسوخ ٣٨/٣ .
(٧) في الكشاف ٤/ ٢٤ .

٥٢٥
سورة الطور: الآيات ٢١ - ٢٤
وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.
وعن ابن عباس أيضًا أنه قال: إن الله ليُلحِق بالمؤمن ذريَّته الصَّغار الذين لم
يبلغوا الإيمان(١). قاله المهدوي. والذريةُ تقع على الصغار والكبار، فإن جُعِلت الذرية
ها هنا للصغار، كان قولُه تعالى: ((بِإِيمَانٍ)» في موضع الحال من المفعولين، وكان
التقدير: بإيمانٍ من الآباء. وإن جُعِلت الذرية للكبار، كان قوله: بإيمانٍ، حالاً من
الفاعلين(٢).
القول الثالث عن ابن عباس: أن المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار،
والذريةِ التابعون.
وفي رواية عنه: إن كان الآباء أرفعَ درجةً؛ رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان
الأبناء أرفعَ درجةً؛ رفع الله الآباء إلى الأبناء، فالآباء داخلون في اسم الذريَّة، كقوله
تعالى: ﴿وَءَةٌ لَُّمْ أَنَا حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِىِ الْفُلَكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] .
وعن ابن عباس أيضًا يرفعه إلى النبيِّ# قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، سأل
أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده، فيقال لهم: إنهم لم يُدرِكوا ما أدركت، فيقول:
يا ربِّ، إني عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به)) (٣) .
وقالت خديجة رضي الله عنها: سألتُ النبيَّ ﴾ عن ولدين لي ماتا في الجاهلية،
فقال لي: ((هما في النار))، فلمَّا رأى الكراهية في وجهي قال: (لو رأيتٍ مكانَهما
لأ بغضتِهما)). قالت: يا رسول الله، فولدِي منك؟ قال: ((في الجنة))، ثم قال: ((إن
المؤمنين وأولادهم في الجنة، والمشركين وأولادهم في النار))، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ
(١) ينظر تفسير البغوي ٢٣٩/٤، وأخرجه الطبري ٢١/ ٥٨٠ - ٥٨١ بنحوه.
(٢) الحجة لأبي علي الفارسي ٢٢٤/٦ - ٢٢٥.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٢٤٨)، قال الهيثمي في المجمع ١١٤/٧: فيه محمد بن عبد الرحمن
ابن غزوان وهو ضعيف .

٥٢٦
سورة الطور: الآيات ٢١ - ٢٤
ءَامَنُواْ وَنَّعَنْهُمْ ذُرِّيَُّهُم بِمَنٍ﴾ الآية(١).
﴿وَمَآ أَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شٍَّ﴾ أي: ما نقصنا الأبناء من ثواب أعمالهم لِقصَر
أعمارهم، وما نقصنا الآباء من ثواب أعمالهم شيئاً بإلحاق الذَّرِّيَّات بهم. والهاء
والميم راجعان إلى قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا)) .
وقال ابن زيد: المعنى: واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ ألحقنا بالذُّرِّيَّة أبناءَهم الصغارَ
الذين لم يبلغوا العمل(٢)، فالهاء والميم على هذا القول للذُّريّة.
وقرأ ابن كثير: ((وَمَا أَلِتْنَاهُمْ)) بكسر اللام. وفتح الباقون(٣). وعن أبي هريرة:
(الَتْنَاهُمْ)) بالمدّ(٤)، قال ابن الأعرابي: أَلَتَه يأْلِتِه أَلْتًا، وآَلَته يُؤْلته إِيلَاتًا، وَلَاتَه يَلِيته
لَيْتًا، كلُّها إذا نَقَصه. وفي الصحاح: ولَاتَه عن وجهه يَلُوته ويَليته، أي: حبسه عن
وجهه وصرفه، وكذلك آلاته عن وجهه، فَعَل وأَفْعل بمعنى، ويقال أيضاً: ما أَلَاته
من عمله شيئًا، أي: ما نَقَصه، مثل أَلَته(٥). وقد مضى في ((الحجرات))(٦).
﴿كُلُّ أَغْرٍِ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ قيل: يرجع إلى أهل النار(٧). قال ابن عباس: ارتهن
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند (١١٣١)، وابن أبي عاصم في السنة (٢١٣) من
حديث علي ﴾، وفيه محمد بن عثمان ، قال الذهبي في الميزان ٣/ ٦٤٢: لا يُدرى من هو، فتشت
عنه في أماكن ، وله خبر منكر . اهـ. ثم ساق هذا الحديث من طريقه. وقال ابن الجوزي في جامع
المسانيد - كما في كنز العمال ٥١٢/٢ : في إسناده محمد بن عثمان لا يقبل حديثه ، ولا يصح في
تعذيب الأطفال حديث .
(٢) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٨١ بنحوه .
(٣) السبعة ص ٦١٢، والتيسير ص ٢٠٣ .
(٤) في (ظ): ابن هرمز، ولقبه الأعرج، وقراءته في القراءات الشاذة ص ١٤٦، والمحتسب ٢/ ٢٩٠
ولم نقف على من نسبها لأبي هريرة، ولعله محرّف عن ابن هرمز، وقد نسب ابن الجوزي القراءة في
زاد المسير ٥١/٨ لابن السميفع ..
(٥) الصحاح (ليت) .
(٦) ص٤٢١ - ٤٢٢ من هذا الجزء.
(٧) ينظر زاد المسير ٨/ ٥١.

٥٢٧
سورة الطور: الآيات ٢١ - ٢٤
أهل جهنم بأعمالهم، وصار أهل الجنة إلى نعيمهم، ولهذا قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ
رَّهِنَّةُ . إِلَّا أَضْحَبَ آلْيَِّينِ﴾ [المدثر: ٣٨-٣٩]. وقيل: هو عامٌّ لكلِّ إنسان مُرْتَهَن بعمله، فلا
يُنقَص أحد من ثواب عمله، فأمَّا الزيادةُ على ثواب العمل فهي تفضُّلٌ من الله.
ويحتمل أن يكون هذا في الذَّرِّيَّة الذين لم يؤمنوا، فلا يلحقون آباءهم المؤمنين، بل
يكونون مُرْتَهنين بكفرهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْرٍ مِّمَّا يَشْنَهُونَ﴾ أي: أكثرنا لهم من ذلك زيادةً
من الله، أمدَّهم بها غيرَ الذي كان لهم.
قوله تعالى: ﴿يَزَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ أي: يتناولها بعضهم من بعض وهو المؤمن
وزوجاتُه وخدمُه في الجنة. والكأس: إناءُ الخمر، وكلُّ إناء مملوء(١) من شراب
وغيره، فإذا فرغ لم يسمَّ كأسًا. وشاهدُ التنازع والكأس في اللغة قولُ الأخطل :
لا بالْحَصُور ولا فيها بسَوَّارِ
وشارِبٍ مُرْبِحٍ بالكأس نادَمَني
صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وَقْعَةُ السَّاري(٢)
نازَعْتُه طَيِّبَ الرَّاحِ الشَّمُولِ وقدْ
وقال امرؤ القيس :
فلمَّا تَنَازَعْنَا الحديثَ وأَسْمَحَتْ
هَصَرْتُ بغصنٍ ذِي شَمَاريخَ مَيَّالٍ(٣)
وقد مضى هذا في ((والصافات))(٤).
﴿لَّا لَغَوْ فِهَا﴾ أي: في الكأس، أي: لا يجري بينهم لغوٌ ﴿وَلَا تَأْثِيرٌ﴾ ولا ما فيه
(١) في النكت والعيون ٣٨٢/٥ - والكلام منه - : والكأس إناء مملوء.
(٢) ديوان الأخطل ص١١٦، قال الشيخ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على طبقات فحول الشعراء
٥٠١/٢ : مُرْبح: من قولهم: أربحه بمتاعه أو سلعته: أعطاه ربحاً . أراد الأخطل أنه لا يبالي أنه يغالي
بثمنها فيصيب الخمار منها ربحاً وافراً، يمدحه بحب اللهو وبالكرم . الحصور : البخيل الممسك
المنوع . والسَّوَّار : الذي تَسُور الخمر في رأسه سريعاً.
(٣) ديوان امرئ القيس ص ٣٢، قال شارح الديوان: قوله: فلما تنازعنا الحديث : أي حدثتني وحدثتها .
ومعنى أسمحت : انقادت وسهلت. وقوله: هصرت: يعني جذبت ومددت.
(٤) ٣٠/١٨.

٥٢٨
سورة الطور: الآيتان ٢٣ - ٢٤
إثم. والتأثيم تفعيلٌ من الإثم، أي: تلك الكأس لا تجعلهم آثمين(١) لأنه مباح لهم.
وقيل: ((لَا لِغْوٌّ فِيهَا)) أي: في الجنة(٢). قال ابن عطاء : أيُّ لغوٍ يكون في مجلس
محلُّه جنةُ عدن، وسقاتُهم الملائكة، وشربُهم على ذكر الله، وريحانُهم وتحيثُهم من
عند الله، والقومُ أضياف الله(٣). ((وَلَا تَأْثِيمٌ)) أي: ولا كذب. قاله ابن عباس (٤).
الضحاك: يعني لا يكذب بعضهم بعضًا (٥).
وقرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو : ((لَا لَغْوَ فيهَا وَلَا تَأْثِيمَ)) بفتح آخره.
الباقون بالرفع والتنوين(٦). وقد مضى هذا في ((البقرة))(٧) عند قوله تعالى: ﴿وَلَا خُلَّةٌ
وَلَا شَفَعَةٌ﴾ [الآية: ٢٥٤] والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ أي: بالفواكه والتُّحَف والطعام
والشراب، ودليله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ
مِن مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥]. ثم قيل: هم الأطفال من أولادهم الذين سبقوهم، فأقرَّ الله
تعالى بهم أعينهم. وقيل: إنهم مَن أَخدمَهم الله تعالى إيَّاهم من أولاد غيرهم (٨).
وقيل: هم غلمانٌ خُلِقوا في الجنة. قال الكلبي: لا يكبرون أبدًا ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في الحسن
والبياض ﴿لَوْلُؤٌ مَكْتُنٌ﴾ في الصَّدَف، والمكنون: المَصْون. وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ
عَلِهِمْ وِلْدَانٌ تُخَلَُّونَ﴾ [الواقعة: ١٧] قيل: هم أولاد المشركين وهم خَدَمُ أهل الجنة،
وليس في الجنة نَصَب ولا حاجة إلى خدمة، ولكنه أخبر بأنهم على نهاية النعيم .
(١) الوسيط ١٨٨/٤، وزاد المسير ٥٢/٨.
(٢) النكت والعيون ٣٨٣/٥ ونسبه لابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) نسبه الثعالبي في تفسيره ٢١٧/٤ للثعلبي.
(٤) أخرجه الطبري ٥٨٨/٢١ .
(٥) أورده الماوردي في النكت والعيون ٣٨٢/٥ بنحوه .
(٦) السبعة ص ٦١٢، والتيسير ص ٨٢ .
(٧) ٤ / ٢٦١ - ٢٦٢.
(٨) نسب الماوردي القولين في النكت والعيون ٣٨٣/٥ لابن بحر.

٥٢٩
سورة الطور: الآيات ٢٤ - ٢٨
وعن عائشةَ رضي الله عنها: أن نبيَّ اللـه﴾ قال: ((إن أدنى أهل الجنة منزلةً مَن
ينادي الخادمُ من خدمه، فيجيبه ألفٌ؛ كلُّهم: لَبَّك لَبَيك))(١).
وعن عبد الله بن عمر قال: قال النبيُّ﴾: ((ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى
عليه ألفُ غلام، كلُّ غلام على عمل ليس عليه صاحبه))(٢).
وعن الحسن أنهم قالوا: يا رسول الله، إذا كان الخادم كاللؤلؤ، فكيف يكون
المخدوم؟ فقال: ((ما بينهما كما بين القمر ليلة البدر وبين أصغر الكواكب))(٣).
قال الكسائي: كنتُ الشيء: سترته وصُنته من الشمس، وأكننته في نفسي:
أسررته. وقال أبو زيد: كنتته وأكننته بمعنّى في الكِنِّ وفي النفس جميعًا، تقول: كننت
العلم وأكننته، فهو مكنون ومُكَنّ. وكننت الجارية وأكننتها، فهي مكنونة ومُكَنَّة (٤).
قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَى بَعْضٍ يَتَسََّلُونَ (٥َ﴾ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيّ أَهْلِنَا
مُشْفِقِينَ ﴿﴿ فَمَنَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَشْنَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴿ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ
نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ﴾ قال ابن عباس: إذا بُعِثوا من قبورهم
سأل بعضهم بعضًا(٥). وقيل: في الجنة يَتَسَاءَلُونَ، أي: يتذاكرون ما كانوا فيه في
الدنيا من التعب والخوف من العاقبة (٦)، ويحمدون الله تعالى على زوال الخوف
(١) أورده الديلمي في مسند الفردوس ٢١٧/١، وأخرجه الثعلبي بنحوه كما في تخريج أحاديث الكشاف
ص ١٦٠ .
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٤٠، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٨٠) كلاهما عن عبد الله بن عمرو
رضي الله عنهما .
(٣) أخرجه الثعلبي كما في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٦٠.
(٤) الصحاح (كنن)، وقوله: الكِنّ، أي: السُّترة.
(٥) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٩٠ بنحوه قال الألوسي في روح المعاني ٣٥/٢٧: ولا أُراه يصح عنه لبعده جداً.
(٦) أورده الواحدي في الوسيط ١٨٨/٤، والبغوي في تفسيره ٤/ ٢٤٠، وابن الجوزي في زاد المسير
٥٢/٨ - ٥٣ ونسبوه لابن عباس رضي الله عنهما .

٥٣٠
سورة الطور: الآيات ٢٥ - ٢٨
عنهم. وقيل: يقول بعضهم لبعض: بمَ صِرت في هذه المنزلة الرفيعة(١)؟.
﴿قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِىَّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي: قال كلُّ مسؤول منهم لسائله: ((إِنَّا كُنَّا
قَبْلُ)) أي: في الدنيا خائفينَ وَجِلين من عذاب الله. ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالجنة
والمغفرة. وقيل: بالتوفيق والهداية(٢). ﴿وَوَقَنَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ قال الحسن: السَّمُومِ:
اسم من أسماء النار، وطبقةٌ من طِباق جهنم (٣). وقيل: هو النار كما تقول: جهنم.
وقيل: عذاب نار السَّمُومِ(٤). والسَّمُوم: الريحُ الحارَّةُ تؤنَّث، يقال منه: سُمَّ يومُنَا فهو
مسموم، والجمع سَمَائم. قال أبو عبيدة: السَّمُوم بالنهار، وقد تكون باللَّيل، والحَرورُ
باللَّيل، وقد تكون بالنهار(٥)، وقد تستعمل السَّمُوم في لَفْح البرد، وهو في لَفْح الحَرِّ
والشمسٍ أكثر، قال الراجز:
اليوم يومٌ باردٌ سَمُومُهْ مَنْ جَزِعَ اليومَ فلا أَلُومةُ (٦)
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوَةٌ﴾ أي: في الدنيا بأن يَمُنَّ علينا بالمغفرة
عن تقصيرنا. وقيل: (نَدْعُوهُ)) أي: نعبده(٧). ﴿إِنَّمُ هُوَ أَلْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ وقرأ نافع
والكسائي: ((أَنَّه)) بفتح الهمزة، أي: لأنه. الباقون بالكسر على الابتداء(٨). و((البَرُ))
(١) معاني القرآن للزجاج ٦٤/٥ .
(٢) النكت والعيون ٣٨٣/٥ .
(٣) أورده الواحدي في الوسيط ١٨٨/٤، وابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ١٩٠، وابن الجوزي في زاد
المسير ٥٣/٨ عن الحسن بلفظ : السَّموم اسم من أسماء جهنم .
(٤) في (د) و(م) : نار عذاب السموم ، وسقط هذا الموضع من (ف)، والمثبت من (ز) و(ظ).
(٥) الصحاح (سمم) .
(٦) النكت والعيون ٣٨٣/٥، وأورد الرجز أيضاً الأزهري في تهذيب اللغة ٣٢٠/١٢، والميداني في
مجمع الأمثال ١/ ١٠٥ .
(٧) ذكر هذا القول ابن عطية في المحرر الوجيز ١٩٠/٥ .
(٨) السبعة ص ٦١٣، والتيسير ص ٢٠٣ .

٥٣١
سورة الطور: الآيات ٢٨ - ٣٤
اللَّطيف. قاله ابن عباس(١). وعنه أيضًا: إنه الصادق فيما وعد. وقاله ابن جريج(٢).
قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنِ وَلَا يَجْنُونٍ (٢) أَمْ يَقُولُونَ
شَاعِرٌ تََّّصُ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ ﴿ قُلِّ تَرَبَّصُواْ فَإِ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَرِيِّصِينَ
® أم
تَأْمُرُهُمْ أَعْلَمُهُم بِهَذَا أَمَ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَقَوَّهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ
بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ: إِن كَانُواْ صَدِقِينَ
فَلْيَأْتُوا
قوله تعالى: ﴿فَذَكِرٌ﴾ أي: فذكِّر يا محمد قومَك بالقرآن. ﴿فَمَآ أَنَتَ بِعْمَتِ رَبِّكَ﴾
يعني برسالة ربِّك(٣) ﴿بِكَامِنٍ﴾ تبتدع القول وتخبر بما في غدٍ من غير وَحْي (٤) ﴿ وَلَ
يَجْنُونٍ﴾ وهذا ردٌّ لقولهم في النبيِّ لَ﴿؛ فعقبة بن أبي مُعَيْط قال: إنه مجنون، وشيبة بن
ربيعة(٥) قال: إنه ساحر، وغيرهما قال: كاهن؛ فأكذبهم اللهُ تعالى وردّ عليهم. ثم
قيل: إنَّ معنى ((فما أنت بنعمة ربِّك)) القَسَم، أي: وبنعمةِ اللهِ ما أنت بكاهن ولا
مجنون. وقيل: ليس قَسَمًا، وإنما هو كما تقول: ما أنت بحمد الله بجاهل، أي: قد
برَّأك الله من ذلك(٦).
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾ أي: بل يقولون: محمد شاعر. قال سيبويه:
خوطب العبادُ بما جرى في كلامهم(٧). قال أبو جعفر النخَّاس: وهذا كلامٌ حسن،
إلَّا أنه غير مبيَّن ولا مشروح؛ ويريد سيبويه أنَّ ((أَمْ)) في كلام العرب لخروج من
(١) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٩١ .
(٢) أورد قول ابن عباس ابن الجوزي في زاد المسير ٥٣/٨، وقول ابن جريج الماوردي في النكت
والعيون ٣٨٣/٥ .
(٣) النكت والعيون ٥/ ٣٨٤.
(٤) الوسيط للواحدي ٤ /١٨٩.
(٥) في النكت والعيون ٣٨٤/٥ : عتبة بن ربيعة .
(٦) ينظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٢٥ .
(٧) ينظر الكتاب ٣/ ١٧٢ - ١٧٣ .

٥٣٢
سورة الطور: الآيات ٣٠ - ٣٤
حديث إلى حديث؛ كما قال الشاعر :
أَتَهْجُر غانيةٌ أَمْ تُلِمّ
فتمَّ الكلام، ثم خرج إلى شيء آخر فقال:
أَم الحَبلُ واهٍ بها مُنْجَذِمْ(١)
فما جاء في كتاب الله تعالى مِن هذا، فمعناه التقريرُ والتوبيخ، والخروجُ من
حديث إلى حديث، والنحوُّون يمثِّلونها بـ: بل.
﴿نَّصُ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ قال قتادة: قال قوم من الكفار: تربَّصوا بمحمد الموتَ
يكفيكموه كما كفى (٢) شاعرَ بني فلان. قال الضَّحاك: هؤلاء بنو عبد الدار؛ نسبوه إلى
أنه شاعر(٣)؛ أي: يَهلِك عن قريب كما هلك مَنْ قبلُ من الشعراء، وأنَّ أباه مات
شابًّا، فربَّما يموت كما مات أبوه (٤). وقال الأخفش: نتريَّص به إلى رَيْبِ المَنُون،
فحذف حرف الجرّ، كما تقول: قصدت زيدًا، وقصدت إلى زيد(٥). والمَنُون: الموت
في قول ابن عباس(٦). قال أبو الغول الُهوي:
همُ مَنعوا حِمَى الوَقَبِى بضَربٍ يؤلِّف بين أَشتاتِ المَنُونِ (٧)
أي: المنايا؛ يقول: إنَّ الضرب يجمع بين قوم متفرِّقي الأمكنة؛ لو أنتهم مناياهم
في أماكنهم لأتتهم متفرِّقة، فاجتمعوا في موضع واحد، فأتتهم المنايا مجتمعة.
(١) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ٨٥. قوله: تُلِمّ، يقال: ألمَّ بالقوم : زارهم زيارة قصيرة قاله
شارحه .
(٢) في تفسير الطبري ٥٩٣/٢١، والنكت والعيون ٣٨٤/٥: كفاكم.
(٣) النكت والعيون ٣٨٤/٥ .
(٤) ينظر تفسير أبي الليث ٢٨٥/٣، وتفسير البغوي ٢٤٠/٤ .
(٥) معاني القرآن ٢/ ٦٩٧ للأخفش بنحوه .
(٦) أخرجه الطبري ٥٩٢/٢١ - ٥٩٣ .
(٧) كتاب الحيوان ٣/ ١٠٧، والشعر والشعراء ٤٢٩/١، والأمالي ٢٦٠/١، والخزانة ٤٣٤/٦.
قال البغدادي : الوقبى ، بفتح الواو والقاف : موضع بقرب البصرة .

٥٣٣
سورة الطور: الآيات ٣٠ - ٣٤
وقال السُّدِّي: عن أبي مالك، عن ابن عباس(١): ((رَيْبَ)) في القرآن شٌّ، إلا
مَكانّاً واحداً في الطور ((رَيْبَ المَنون)) يعني: حوادث الأمور؛ وقال الشاعر(٢):
تُطَلَّقُ يومًا أو يموتُ حَلِيلُها
تَربَّصْ بها رَيبَ المَنون لعلها
وقال مجاهد: ((رَيْبَ المَنُونِ)): حوادث الدهر(٣)، والمَنُون هو الدهر؛ قال أبو
ذُؤَيْب(٤):
أَمِنَ المِنُونِ وَرْيبِه تتوجَّعُ والدَّهِرُ ليس بمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
وقال الأعشى(٥):
رَيبُ المَنُون ودهرٌ مُثْبِلٌ خَبِلُ
أَأَنْ رأَتْ رجلًا أَعشَى أَضرَّ به
قال الأصمعي: المَنُون: الليل والنهار؛ وسمِّيا بذلك لأنهما ينقصان الأعمار
ويقطعان الآجال. وعنه. أنه قيل للدهر: منون؛ لأنه يذهب بمُنَّة الحيوان، أي: قوَّته،
وكذلك المَنِيَّة. أبو عبيدة: قيل للدهر: منون؛ لأنه مُضْعِف، من قولهم: حبل مَنِين،
أي ضعيف، والمنين: الغبار الضعيف. قال الفرَّاء: والمنون مؤنثة، وتكون واحدًا
وجمعًا. الأصمعي: المَنُون واحد لا جماعة له. الأخفش: هو جماعة لا واحد له (٦)،
والمنون يذكَّر ويؤنَّث؛ فمَن ذكَّره جعله الدهرَ أو الموت، ومَن أنَّثه فعلى الحمل على
المعنى، كأنه أراد المنية.
قوله تعالى: ﴿قُلْ تَرَبِّصُوا﴾ أي: قل لهم يا محمد: تربَّصوا، أي: انتظروا. ﴿فَإِنّ
مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَيِِّينَ﴾ أي: من المنتظرين بكم العذاب، فعُذِّبوا يومَ بدرٍ بالسيف(٧).
(١) أخرجه عنه ابن الأنباري في الوقف والابتداء كما في الدر المنثور ١٢٠/٦.
(٢) في النسخ: وقال ابن عباس، وهو خطأ، والشاعر هو فرّاص بن عتبة الأزدي، وسلف البيت ٢٩/٤ .
(٣) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٩٢ .
(٤) ديوان الهذليين ١/١، وسلف ص١٦٤ من هذا الجزء.
(٥) ديوانه ص ١٠٥، وسلف ٥/ ١٧٤ .
(٦) قولا الأصمعي والأخفش في المحرر الوجيز ١٩١/٥، وقول الفراء في الصحاح (منن).
(٧) الوسيط للواحدي ١٨٩/٤، وتفسير البغوي ٢٤١/٤.

٥٣٤
سورة الطور: الآيات ٣٢ - ٣٤
قوله تعالى: ﴿أَمْ نَأْمُرُهُمْ أَحْلَمُهُ﴾ أي: عقولهم ﴿بِهَذَا﴾ أي: بالكذب عليك. ﴿أَمَّ
هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ﴾ أي: أم طَغَوا بغير عقول. وقيل: ((أَمْ)) بمعنى: بل، أي: بل كفروا
طغيانًا وإن ظهر لهم الحقّ.
وقيل لعمرو بن العاص: ما بالُ قومِك لم يؤمنوا وقد وصفهم اللهُ بالعقل؟ فقال:
تلك عقولٌ كادها الله، أي: لم يصحبها بالتوفيق(١).
وقيل: ((أَحلامُهُمْ)) أي: أذهانهم؛ لأن العقل لا يُعطَى للكافر، ولو كان له عقلٌ
الآ من. وإنما يعطى الكافرُ الذِّهنَ، فصار عليه حُجَّة. والذُّهن يَقْبل العلمَ جملةً، والعقل
يميِّز العلم ويقدِّر المقادير لحدود الأمر والنهي.
وروي عن النبيِّ # أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، ما أعقلَ فلانًا النَّصرانيّ!
فقال: ((مَهْ إنَّ الكافر لا عقل له، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَا نَّمَعُ أَوْ
نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]؟)). وفي حديث ابنِ عمر: فزجره النبيُّ ﴾،
ثم قال: ((مَهْ فإنَّ العاقل مَن يعمل بطاعة الله)) ذكره الترمذيُّ الحكيم أبو عبد الله
بإسناده(٢).
أَ يَقُولُونَ نَقَوَُّ﴾ أي: افتعله وافتراه، يعني القرآن. والتقوُّل: تكلُّف القول،
وإنما يُستعمل في الكذب في غالب الأمر. ويقال: قوَّلتَني ما لم أقل! وأَقْولتني ما لم
أقل، أي: اذَّعيتَه عليّ. وتَقَوَّل عليه، أي: كذب عليه. واقتال عليه: تحكّم، قال:
ومَنزِلةٌ في دار صدقٍ وغِبْطةٍ وما اقْتَالٍ مِن حُكمٍ عليَّ طبيبُ(٣)
فـ((أم)) الأولى للإنكار، والثانيةُ للإيجاب، أي: ليس كما يقولون. ﴿بَل لَّا
(١) زاد المسير ٨/ ٥٤ - ٥٥، وفيه: لم يصحبها التوفيق.
(٢) لم نقف عليه. وأخرجه الحارث في مسنده (٨٣٦ بغية الباحث). قال ابن حجر في المطالب العالية
٢١٤/٣ - ٢١٥ : حديث موضوع .
(٣) الصحاح (قول)، والبيت لكعب بن سعد الغَنَوي، وهو في طبقات فحول الشعراء ٢٢٢/١، والحيوان
٥٧/٣ .

٥٣٥
سورة الطور: الآيات ٣٣ - ٤٣
يُؤْمِنُونَ﴾ جَحداً واستكبارًا.
﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أي: بقرآن يُشْبهه من تلقاء أنفسهم ﴿إِن كَانُواْ صَدِقِينَ﴾
في أنَّ محمداً افتراه.
وقرأ الجحدري: ((فليأُتُوا بحديثٍ مثله)) بالإضافة. والهاءُ في ((مثله)) للنبيِّ ◌َ*،
وأُضيف الحديثُ الذي يراد به القرآنُ إليه؛ لأنه المبعوث به. والهاء على قراءة
الجماعة للقرآن(١).
قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمَّ هُمُ الْخَلِقُونَ (٢٥َ أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَّ بَل لَّا يُوقِنُونَ ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٢) أَمْ لَمْ سُلٌّ
يَسْتَمِعُونَ فِيِّ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿ أَمْ لَهُ الْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ﴿ أَمَّ تَسْئَلُهُمْ
أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَبٍ مُثْقَلُونَ (٣٥ أَمْ عِندَهُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيَدًا فَالَّذِينَ
(٤٣
كَفَرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ (٨٢ أَمْ لَهُمْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهَّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ﴾ ((أَمْ)) صلةٌ زائدة، والتقدير: أَخُلقوا من غير
شيء. قال ابن عباس: من غير ربِّ خلقهم وقدَّرهم. وقيل: من غير أمِّ ولا أب(٢)؛
فهم كالجماد لا يعقلون ولا تقوم لِله عليهم حُجَّة؛ ليسوا كذلك! أليس قد خُلِقوا من
نطفة وعلقة ومضغة؟ قاله ابن عطاء. وقال ابن كيسان: أم خُلِقوا عبثًا وتُرِكوا سُدّى
((مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ))(٣) أي: لغير شيء، فـ ((من)) بمعنى اللام(٤). ﴿أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ﴾ أي:
أيقولون إنهم خَلَقوا أنفسهم فهم لا يأتمرون لأمر الله، وهم لا يقولون(٥) ذلك، وإذا
أقرُّوا أنَّ ثَمَّ خالقًا غيرَهم، فما الذي يمنعهم من الإقرار له بالعبادة دون الأصنام،
(١) الكلام بنحوه في المحتسب ٢٩٢/٢، والمحرر الوجيز ١٩٢/٥.
(٢) تفسير الطبري ٥٩٦/٢١ بنحوه، وقول ابن عباس في تفسير البغوي ٢٤١/٤، وينظر الكشاف ٢٩/٤.
(٣) ذكر قوله الواحدي في الوسيط ١٨٩/٤، والبغوي في تفسيره ٤/ ٢٤١ .
(٤) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ٥٩٦/٢١، ومعاني القرآن للزجاج ٦٥/٥.
(٥) في (ظ): يقرون.

٥٣٦
سورة الطور: الآيات ٣٥ - ٤٣
ومن الإقرار بأنه قادرٌ على البعث.
﴿أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: ليس الأمر كذلك، فإنهم لم يخلقوا شيئاً ﴿بَل
لَا يُوقِنُونَ﴾ بالحقّ.
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَابْنُ رَبِّكَ﴾ أَم عندهم ذلك فيستغنوا عن الله ويُعرِضوا عن أمره.
وقال ابن عباس: خزائن ربِّك: المطر والرزق(١). وقيل: مفاتيح الرحمة(٢). وقال
عكرمة: النبوَّة. أي: أفبأيديهم مفاتيحُ ربِّك بالرسالة يضعونها حيث شاؤوا. وضَرَبَ
المثلَ بالخزائن؛ لأن الخزانة بيت يُهِيَّ لجمع أنواع مختلفةٍ من الذخائر؛ ومقدوراتُ
الربِّ كالخزائن التي فيها من كل الأجناس، فلا نهاية لها.
هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ قال ابن عباس (٣): المسلَّطون الجبّارون. وعنه أيضًا:
المبطلون. وقاله (٤) الضحاك. وعن ابن عباس أيضًا: أم هم المتولُّون. عطاء: أم هم
أربابٌ قاهرون(٥). قال عطاء(٦): يقال: تسيطرتَ عليّ، أي: اتخذتني خَوَلًا لك.
وقاله أبو عبيدة(٧).
وفي الصحاح: المسيطر والمصيطر: المسلَّط على الشيء ليُشرِف عليه ويتعهَّدَ
أحوالَه ويكتب عمله، وأصله من السَّطر؛ لأن الكتاب يُسطّر، والذي يفعله مُسطّر
ومُسَيْطِر. يقال: سيطرتَ علينا (٨).
- ابن بحر: ((أم هم المسيطرون)) أي: أهم الحفظة؛ مأخوذ من تسطير الكتاب
(١) زاد المسير ٥٦/٨ .
(٢) النكت والعيون ٣٨٥/٥. وقول عكرمة الآتي في تفسير البغوي ٢٤١/٤، وزاد المسير ٥٦/٨.
(٣) أخرج قوله الطبري ٢١ / ٥٩٧ .
(٤) في (ز) و(ظ) و(ف) : قاله؛ دون واو .
(٥) قول عطاء في تفسير البغوي ٤/ ٢٤١، وقول ابن عباس في النكت والعيون ٣٨٥/٥.
(٦) كذا في النسخ، ولعل قوله: (قال عطاء) مقحم، فقول عطاء هو السالف، ولم يُذكر الكلام بعده عنه.
(٧) في مجاز القرآن ٢٣٣/٢. والخَوَل: اسم يقع على العبد والأمة. (مختار الصحاح).
(٨) الصحاح (سطر).

٥٣٧
سورة الطور: الآيات ٣٧ - ٤٣
الذي يحفظ ما كُتب فيه؛ فصار المسيطر هنا حافظًا ما كتبه الله في اللوح
المحفوظ (١).
وفيه ثلاث لغات: الصاد، وبها قرأت العامة، والسين، وهي قراءة ابن مُحيصِن،
وحُميد، ومجاهد، وقُنْبُل، وهشام، وأبي حَيْوة(٢)، وبإشمام الصاد الزاي، وهي
قراءة حمزة كما تقدَّم في ((الصِّراط))(٣).
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلٌَّ﴾ أي: أيدَّعون أنَّ لهم مُرتقَّى إلى السماء ومصعدًا
وسببًا ﴿يَسْتَمِعُونَ فِّهِ﴾ أي: عليه الأخبارَ ويَصِلون به إلى علم الغيب، كما يصل إليه
محمدٌ* بطريق الوحي. ﴿فَيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانِ مُبِينٍ﴾ أي: بحجّة بيِّنة أنَّ هذا الذي
هم عليه حقّ.
والسُّلَّم واحد السلالم التي يُرتقى عليها. وربما سُمِّي الغَرْزُ بذلك؛ قال أبو
الرُّبَيْس الثعلبيُّ(٤) يصف ناقته :
مُطَارَةُ قَلْبٍ إنْ ثَنَى الرِّجْلَ ربُّها
بسُلَّمِ غَرْزٍ في مُناخِ تُعاجلُهُ (٥)
(١) النكت والعيون ٣٨٥/٥.
(٢) وقرأ بالسين - أيضاً - حفص بخلاف عنه. السبعة ص ٣٦٣، والتيسير ص ٢٠٤ .
(٣) ٢٢٨/١ .
(٤) هو شاعر إسلامي ، وقد اضطربت المصادر في اسمه ونسبه ، فقيل : عَبّاد بن طهفة ، وقيل : عبادة ،
وقيل : هباد بن عباس ، وقيل : عباد بن طَهمة . وقيل في نسبه : الثعلبي ، وقيل : التغلبي ، قال
الزبيدي في التاج (ريس) : هو من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان ، هكذا قاله الصاغاني. وفي اللسان:
وأبو الربيس التغلبي من شعراء تغلب، وهو تصحيف، والصواب مع الصاغاني . اهـ. وينظر الصحاح
(سلم)، والإكمال لابن ماكولا ١٢٣/٤ - ١٢٤، واللسان (ربس) و(سلم) و(لوي)، والقاموس
(ربس)، والخزانة ٨٩/٦ - ٩٠، والتاج (ريس).
(٥) الصحاح (سلم)، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٢٥٦/٣، واللسان (سلم). قال المرزوقي:
والمراد أنها ذكية الفؤاد، شهمة النفس، فكأن بها لنشاطها وذكائها جنوناً أطار قلبها، وأزال مُسكتها.
قوله: تعاجلُه، أصله: تعاجلُهُ، اللام ساكنة للجزم، لكنه نقل إليها حركة الهاء، وهو ضمير يرجع إلى:
ربّها. والغرز: الرِّكاب، عاجلته فنهضت به قبل تمكنه من ركوبها، واستقراره على ظهرها.

٥٣٨
سورة الطور: الآيات ٣٨ - ٤٣
وقال زهير (١):
ولو رام أسبابَ السَّماءِ بسُلَّم
ومَن هابَ أسبابَ المنِيَّة يَلْقَها
وقال آخر :
لِتَّخذي عذْرًا إلى الهَجر سُلَّما (٢)
تَجنَّيتِ لي ذنبًا وما إِنْ جَنَيْتُه
وقال ابن مُقبِل في الجمع :
لا تُخْرِزُ المرءَ أَحْجاءُ البلاد ولا
تُبْنَى له في السَّماواتِ السَّلاليمُ(٣)
الأحجاء: النواحي، مثل الأرجاء، واحدها حَجًا وَرَجًا، مقصور. ويُروى: أعْناءُ
البلاد، والأعْناء - أيضاً - الجوانب والنواحي، واحدها: عِنْو، بالكسر. وقال ابن
الأعرابي: واحدها: عَنّا، مقصور. وجاءنا أعناءٌ من الناس، واحدهم: عِنْو،
بالكسر، وهم قومٌ من قبائل شتَّى (٤).
﴿يَسْتَمِعُونَ فِّهِ﴾ أي: عليه؛ كقوله تعالى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي:
عليها؛ قاله الأخفش. وقال أبو عبيدة(٥): يستمعون به. وقال الزجَّاج(٦): أي: ألهم
كجبريل الذي يأتي النبيَّ {# بالوحي!
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ سَفَّه أحلامهم توبيخًا لهم وتقريعًا، أي:
أتضيفون إلى الله البناتِ مع أَنَفَتكم منهن، ومَن كان عقلُه هكذا فلا يُستبعد منه إنكارُ
البعث.
أَّ تَسْلُهُمْ أَجْرًا﴾ أي: على تبليغ الرسالة. ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُتْقَلُونَ﴾ أي: فهم من
(١) ديوانه ص ٣٠، وسلف ٨٣/١١.
(٢) النكت والعيون ٣٨٥/٥ .
(٣) ديوان ابن مقبل ص ٢٧٣ برواية: لا تمنع المرء ... ، وهو براوية المصنف في الصحاح (حجا).
(٤) الصحاح (حجا) ، (عنا) .
(٥) في مجاز القرآن ٢٣٣/٢ .
(٦) في معاني القرآن ٥/ ٦٧ .

٥٣٩
سورة الطور: الآيات ٤٠ - ٤٦
المغرم الذي تطلبهم به مُثْقَلون، مُجْهَدون لما كلَّفتهم به.
وَأَمْ عِندَهُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: يكتبون للناس ما أرادوه من علم الغيوب. وقيل:
أي: أم عندهم علمُ ما غاب عن الناس حتى علموا أنَّ ما أخبرهم به الرسول 18 من
أمر القيامة والجنة والنار والبعث باطل. وقال قتادة: لمَّا قالوا: نتربَّص به رَيْبَ
المَنُون، قال الله تعالى: ((أَمْ عندهُمُ الغَيْبُ)) حتى عَلِموا متى يموت محمد، أو إلى ما
يؤول إليه أمرُه. وقال ابن عباس: أم عندهم اللوحُ المحفوظ، فهم يكتبون ما فيه
ويخبرون الناس بما فيه. وقال القُتَبي: يكتبون: يحكمون، والكتاب: الحكم؛ ومنه
قولُه تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] أي: حكم، وقولُه عليه
الصلاة والسلام: ((والذي نفسي بيده لَأَحْكُمِنَّ بينكم بكتاب الله)) أي: بحكم الله(١).
قوله تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدٌ﴾ أي: مكرًا بك في دار النَّدْوة. ﴿قَالَّذِينَ كَفَرُواْ هٌُّ
اُلْمَكِيدُونَ﴾ أي: الممكور بهم، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَِّّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ،﴾ [فاطر: ٤٣] وذلك
أنهم قُتلوا ببدر(٢). ﴿أَمَ لَهُمْ إِلَهُ غَيْرُ الَّهِ ﴾ يخلق ويرزق ويمنع. ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
نزَّه نفسه أنْ يكونَ له شریك.
قال الخليل: كلُّ ما في سورة الطور مِن ذِكْر ((أَمْ)) فكلمة استفهام وليس بعطف(٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطَاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَرُّومٌ (® فَذَرْهُمْ
حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ (٢ يَوْمَ لَا يُغْنِ عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمّ
٤٦
يُصَرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوّأْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ قال ذلك جوابًا لقولهم: ((فَأَسْقِط
(١) ذكر هذه الأقوال البغوي في تفسيره ٢٤٢/٤، والحديث أخرجه أحمد (١٧٠٣٨)، والبخاري (٢٣١٤
- ٢٣١٥)، ومسلم (١٦٩٧ - ١٦٩٨)، عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما، وهو قطعة
منه، وسلف ٦ /١٤٥ .
(٢) الوسيط للواحدي ٤/ ١٩٠، وتفسير البغوي ٤/ ٢٤٢، والكشاف ٢٦/٤ .
(٣) تفسير البغوي ٢٤٢/٤ .

٥٤٠
سورة الطور: الآيات ٤٤ - ٤٦
علينا كِسَفًا مِن السَّماء)) [الشعراء: ١٨٧] وقولِهم: ((أَوْ تُسقِطَ السَّماءَ كما زعمْت علينا
كِسَفًا)) [الإسراء: ٩٢] فَأَعْلَمَ أنه لو فعل ذلك لقالوا: ((سحابٌ مَركوم)) أي: بعضه فوق
بعض، سقط علينا وليس سماء؛ وهذا فِعْلُ المعاند أو فعل مَن استولى عليه التقليد،
وكان في المشركين القسمان(١).
والكِشْف جمع كِسْفة، وهي القطعة من الشيء؛ يقال: أعطني كِسْفة من ثوبك،
ويقال في جمعها أيضًا: كِسَف. ويقال: الكِسْف والكِسْفة واحد. وقال الأخفش: مَن
قرأ: ((كِسْفاً)) جعله واحدًا، ومَن قرأ: ((كِسَفاً)) جعله جمعاً(٢). وقد تقدَّم القولُ في هذا
في ((سبحان)) وغيرِها، والحمدُ لله(٣) ...
قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ منسوخٌ بآية السيف(٤). ﴿حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ
يَصْعَقُون﴾ بفتح الياء قراءةُ العامّة، وقرأ ابن عامر وعاصمٌ بضمِّها(٥). قال الفرَّاء(٦):
هما لغتان: صَعِقٍ وصُعِق، مثل: سَعِد وسُعِد.
قال قتادة: يوم يموتون(٧). وقيل: هو يومُ بدر. وقيل: يوم النفخة الأولى. وقيل:
يوم القيامة يأتيهم فيه من العذاب ما يُزيل عقولهم. وقيل: ((يُصْعَقُون)) بضم الياء، مِن:
أصعقه الله.
(١) الكلام بنحوه في تفسير غريب القرآن ص ٤٢٦، وتفسير الطبري ٦٠١/٢١، وتفسير البغوي ٢٤٢/٤،
والكشاف ٤/ ٢٩ .
(٢) الصحاح (كسف). وقد اتفق العشرة في هذا الموضع على إسكان السين.
(٣) ١٣ / ١٧٥ .
(٤) المحرر الوجيز ١٩٣/٥. قال ابن الجوزي في زاد المسير ٥٩/٨: ذكر المفسرون أن هذه الآية
منسوخة بآية السيف ، ولا يصح ، لأن معنى الآية الوعيد .
(٥) السبعة ص ٦١٣، والتيسير ص ٢٠٤ .
(٦) في معاني القرآن ٩٤/٣ .
(٧) النكت والعيون ٣٨٦/٥، والأقوال الآتية فيه وفي الكشاف ٢٦/٤، والمحرر الوجيز ١٩٤/٥، وزاد
المسير ٥٩/٨.