Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة ق: الآيتان ٣٩ - ٤٠
القمر، لا تُضافُّون في رؤيته، فإن استطعتم ألَّا تُغلَبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس
وقبل غروبها)) يعني: العصر والفجر، ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبِحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهاً﴾ [طه: ١٣٠]. متفق عليه، واللفظ لمسلم(١).
وقال ابن عباس: ﴿قَبْلَ الْغُرُوبِ﴾: الظهر والعصر ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ يعني:
صلاة العشاءين(٢).
وقيل: المراد تسبيحُه بالقول تنزيهاً قبل طلوع الشمس وقبل الغروب؛ قاله عطاء
الخُراسانيُّ وأبو الأحوص(٣).
وقال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿قَلَ مُطُلُوعُ الشَّمْسِ﴾ قال: ركعتي الفجر
﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ الركعتين قبل المغرب(٤).
وقال ثُمامة بن عبد الله بن أنس(٥): كان ذوو الألباب من أصحاب محمدٍ ﴾
يُصلُّون الركعتين قبل المغرب.
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: كنا بالمدينة، فإذا أذَّن المؤذن لصلاة
المغرب، ابتدروا السَّواريَ فركعوا ركعتين، حتى إنَّ الرجل الغريبَ ليدخلُ المسجدَ
فيحسب أنَّ الصلاةَ قد صُلِّيت مِن كثرة من يصلِّيهما(٦).
وقال قتادة: ما أدركتُ أحداً يُصلِّي الركعتينِ قبل المغرب (٧) إلَّا أنسًا وأبا بَرْزَة
الأسلمي.
(١) صحيح البخاري (٥٥٤)، وصحيح مسلم (٦٣٣). وسلف ٤/ ١٨٠ .
(٢) المحرر الوجيز ١٦٨/٥.
(٣) ذكره عن أبي الأحوص الماوردي في النكت والعيون ٥/ ٣٥٧ .
(٤) المحرر الوجيز ١٦٩/٥.
(٥) ابن مالك الأنصاري، روى عن جده أنس بن مالك والبراء بن عازب رضي الله عنهما، وكان من
العلماء الصادقين، ولي قضاء البصرة، وكان يقول: صحبت جدي ثلاثين سنة. السير ٢٠٤/٥. والأثر
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٩٨٢).
(٦) صحيح مسلم (٨٣٧)، والقطعة الأولى منه عند أحمد (١٣٩٨٣)، والبخاري (٥٠٣) (٦٢٥).
(٧) قوله: قبل المغرب ليس في (م)، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز
١٦٩/٥، والكلام منه.

٤٦٢
سورة ق: الآية ٤٠
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ﴾ فيه أربعة أقوال: الأول:
هو تسبيح الله تعالى في الليل، قاله أبو الأحوص. الثاني: أنها صلاة الليل كلِّه، قاله
مجاهد. الثالث: أنها ركعتا الفجر، قاله ابن عباس. الرابع: أنها صلاة العشاء
الآخِرة، قاله ابن زيد(١).
قال ابن العربي: مَن قال: إنه التسبيح في الليل، فيعضده الصحيح: ((مَنْ تَعارَّ من
الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل
شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوَّة إلا
بالله(٢). وأما مَن قال: إنها الصلاة بالليل، فإنَّ الصلاةَ تسمَّى تسبيحاً لِمَا فيها من
تسبيح الله، ومنه سُبْحةُ الضُّحى. وأما مَن قال: إنها صلاةُ الفجر والعشاء، فلأنَّهما
من صلاة الليل، والعشاءُ أوضحه.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ﴾ قال عمر وعليٍّ وأبو هريرة والحسن بن
عليٍّ والحسن البصريُّ والنَّخَعيُّ والشعبيُّ والأوزاعيُّ والزُّهريُّ: أدبار السجود
الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم الركعتان قبل الفجر، ورواه العوفيُّ عن ابن
عباس (٣)، وقد رفعه ابن عباس، قال: قال رسول الله﴾: ((ركعتان بعد المغرب أدبارُ
السجود)» ذكره الثعلبي. ولفظ الماوردي: وروي عن ابن عباس قال: بِتُّ ليلةً عند
النبيِّ ﴾، فصلَّى ركعتين قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال: ((يا ابن عباس،
ركعتان قبل الفجر أدبار النجوم، وركعتان بعد المغرب أدبار السجود))(٤).
(١) النكت والعيون ٥/ ٣٥٧.
(٢) بعدها في (ف) و(م): العلي العظيم. وتمام الحديث كما في أحكام القرآن ١٧١٥/٤: كفر عنه وغفر
له. وبنحوه أخرجه أحمد (٢٢٦٧٣)، والبخاري (١١٥٤) من حديث عبادة بن الصامت . وسيرد
ص٥٤٣ من هذا الجزء.
(٣) تفسير البغوي ٢٢٧/٤، وينظر تفسير الطبري ٤٦٩/٢١ -٤٧٢، ٦٠٨-٦١٠، وإعراب القرآن
للنحاس ٢٣٢/٤-٢٣٣، والنكت والعيون ٣٥٧/٥ .
(٤) النكت والعيون ٣٥٧/٥، وأخرجه الترمذي (٣٢٧٥)، وسيرد ص٥٤٦ من هذا الجزء.

٤٦٣
سورة ق: الآية ٤٠
وقال أنس: قال النبيُّ ◌َ﴾: ((مَن صلَّى ركعتين بعد المغرب قبل أن يتكلّم، كتبت
صلاتُه في عِلِّيين))(١). قال أنس: فقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ يَأَيُهاَ الْكَفِرُونَ﴾ وفي
الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ﴾ قال مقاتل: ووقتها ما لم يَغب الشفقُ الأحمر(٢).
وعن ابن عباس أيضاً: هو الوتر(٣). وقال ابن زيد: هو النوافل بعد الصلوات (٤)،
ركعتان بعد كلِّ صلاةٍ مكتوبة، قال النَّحاس: والظاهرُ يدلُّ على هذا، إلّا أنَّ الأَولى
اتّباع الأكثر، وهو صحيحٌ عن عليٍّ بن أبي طالب ﴾(٥).
وقال أبو الأحوص: هو التسبيحُ في أدبار السجود. قال ابن العربي: وهو الأقوى
في النظر. وفي صحيح الحديث: أنَّ النبيَّ ﴾ كان يقول في دُبُر الصلاة المكتوبة: ((لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، اللهمَّ
لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ»(٦).
وقيل: إنه منسوخٌ بالفرائض، فلا يجبُ على أحدٍ إلَّا خمسُ صلوات، نَقَلَ ذلك
الجماعة(٧).
الخامسة: قرأ نافعٌ وابن كثير وحمزة: ((وَإِذْبَارَ السُّجُودِ)) بكسر الهمزة على
المصدر، مِن: أدبر الشيءُ إدباراً: إذا وَلَّى. الباقون بفتحها، جمع دُبُر (٨). وهي قراءة
(١) أخرجه الدارقطني في غرائب مالك وقال: هذا موضوع، قاله الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف
ص١٥٩ ، وقال في اللسان ٢٤٨/٢ : خبر باطل.
(٢) قوله: الأحمر، من (م).
(٣) الكشاف ٤/ ١٢ .
(٤) النكت والعيون ٥/ ٣٥٧.
(٥) الناسخ والمنسوخ ٢٣/٣-٢٤ .
(٦) أحكام القرآن ١٧١٦/٤، والحديث أخرجه أحمد (١٨١٣٩)، والبخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣) عن
المغيرة بن شعبة ﴾.
(٧) الناسخ والمنسوخ ٢٤/٣ .
(٨) السبعة ص ٦٠٧، والتيسير ص ٢٠٢ .

٤٦٤
سورة ق: الآيات ٤٠ - ٤٥
عليٍّ وابنِ عباس، ومثالُها: طُنُب وأطناب، أو دُبْر، كَقُفْل وأقفال. وقد استعملوه
ظرفاً، نحو: جئتك في دبر الصلاة، وفي أدبار الصلاة.
ولا خلاف في آخر (والطُورِ)): ﴿وَإِذْبَرَ النُّجُومِ﴾ [الآية: ٤٩] أنه بالكسر مصدر (١)،
وهو ذهاب ضوئها إذا طلع الفجر الثاني، وهو البياض المنشقُّ من سواد الليل.
قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (٢٤ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ
بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٨٧) إِنَّا نَحْنُ تُّحِ، وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ
﴿﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ
(ج ◌َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم
اَلْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعَاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ
يِحَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ
قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَكَانٍ فَرِيبٍ﴾ مفعول الاستماع محذوف؛
أي: استمع النداء أو الصوت أو الصيحة، وهي صيحةُ القيامة، وهي النفخة الثانية،
والمنادي جبريل. وقيل : إسرافيل.
الزمخشري(٢): وقيل: إسرافيلُ ينفخ، وجبريلُ ينادي، فينادي بالحشر ويقول:
هَلُمُّوا إلى الحساب، فالنداء على هذا في المحشر. وقيل: واستمع نداءَ الكفار بالويل
والثُّبور من مكان قريب، أي: يسمعُ الجميع فلا يَبْعُدُ أحدٌ عن ذلك النداء. قال
عكرمة: ينادي منادي الرحمن، فكأنَّما ينادي في آذانهم. وقيل: المكانُ القريب:
صخرةُ بيت المقدس. ويقال: إنَّها وسطُ الأرض، وأقرب الأرض من السماء باثني
عشر ميلاً. وقال كعب: بثمانية عشر ميلاً، وذكر الأوَّلَ القشيريُّ والزمخشري(٢)،
والثانيَ الماوردي(٣). فيقف جبريل أو إسرافيل على الصخرة، فينادي بالحشر: أيتها
العظامُ البالية، والأوصالُ المتقطِّعة، ويا عظاماً نخرة، ويا أكفاناً فانية، ويا قلوباً
خاوية، ويا أبداناً فاسدة، ويا عيوناً سائلة، قوموا لعرض ربِّ العالمين. قال قتادة:
(١) بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٢٣٣/٤.
(٢) في الكشاف ٤/ ١٢ .
(٣) في النكت والعيون ٣٥٨/٥، وأخرجه الطبري ٤٧٥/٢١.

٤٦٥
سورة ق: الآيات ٤٢ - ٤٥
هو إسرافيل صاحب الصُّور.
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: صيحةَ البعث. ومعنى ((الخُرُوجِ)) الاجتماعُ إلى
الحساب. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوج﴾ أي: يوم الخروج من القبور.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِ، وَنُمِيتُ﴾: نميتُ الأحياءَ ونحيي الموتى؛ أثبت هنا الحقيقة.
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًاً﴾ إلى المنادي صاحب الصُّور؛ إلى بيت المقدس
﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أي: هيِّن سهل. وقرأ الكوفيون: ((تَشَقَّقُ)) بتخفيف الشين
على حذف التاء الأولى. الباقون بإدغام التاء في الشين. وأثبت ابن محيصن وابن كثير
ويعقوب ياء ((المنادي)) في الحالين على الأصل، وأثبتها نافعٌ وأبو عمرو في الوصل
لا غير، وحذفَ الباقون في الحالين(١).
قلت: وقد زادت السنَّة هذه الآية بياناً، فروى الترمذيُّ(٢) عن معاويةً بن حَيْدة،
عن النبيِّ﴿ في حديث ذَكَره، قال: وأشار بيده إلى الشام فقال: ((هاهنا إلى هاهنا
تحشرون ركباناً ومشاةً، وتُجرُّون على وجوهكم يوم القيامة؛ على أفواهكم الفِدَام،
تُوفُون سبعين أمة، أنتم خيرُهم وأكرمهم على الله، وإنَّ أوَّلَ ما يُعْرِب عن أحدكم
فَخِذُه))(٣) في رواية أخرى(٤): ((فَخِذُه وكفُّه)).
وخرَّج عليٍّ بن معبد عن أبي هريرة، عن النبيِّ :﴿ في حديثٍ ذَكَره: ثم يقول
- يعني الله تعالى - لإسرافيل: ((انفخْ نفخةَ البعث، فينفخُ، فتخرجُ الأرواحُ كأمثال
(١) السبعة ص ٦٠٧، والتيسير ص ٢٠٢، والنشر ٣٧٦/٢ . ووافق الكوفيين في تخفيف الشين من قوله:
(تشقق)) أبو عمرو البصري من السبعة .
(٢) في (ق): المهدوي.
(٣) أخرجه الترمذي مفرقاً (٢٤٢٤)، (٣٠٠١)، (٣١٤٣). وأخرجه بلفظ المصنف النسائي في الكبرى
(١١٣٦٧)، وأخرجه أحمد (٢٠٠١١) بنحوه. والفدام: ما يشد على فم الإبريق والكوز من خرقة لتصفية
الشراب الذي فيه، أي أنهم يمنعون الكلام بأفواههم حتى تتكلم جوارحهم. النهاية (قدم). وسلف عند
تفسير الآية (٦٥) من سورة يس.
(٤) أخرجها أحمد (٢٠٠٤٣).

٤٦٦
سورة ق: الآيات ٤٤ - ٤٥
النحل، قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الله عزَّ وجلَّ: وعزَّتي وجلالي
◌َيَرجعنَّ كلُّ رُوحٍ إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، ثم تدخلُ في
الخياشيم، فتمشي في الأجساد مشيَ السُّمِّ في اللَّديغ، ثم تنشقُّ الأرضُ عنكم، وأنا
أوَّلُ مَن تنشقُّ عنه الأرض، فتخرجون منها شباباً كلُّكم أبناء ثلاثٍ وثلاثين، واللسانُ
يومئذٍ بالسُّريانيَّة)) وذَكَر الحديث(١)، وقد ذكرنا جميع هذا وغيره في ((التذكرة))(٢)
مستوفى، والحمدُ لله.
قوله تعالى: ﴿وَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: من تكذيبك وشتمك ﴿وَمَّ أَنْتَ عَلَيْهِم
يُحَبَّارٍ﴾ أي: بمسلَّط تُجْبرهم على الإسلام؛ فتكون الآية منسوخةً بالأمر بالقتال(٣).
والجبَّار من الجبريَّة والتسلُّط، إذ لا يقال جبَّارٌ بمعنى مُجبِر، كما لا يقال: خرَّج
بمعنى مُخرِج؛ حكاه القشيري.
النحاس(٤): وقيل: معنى جبّار: لست تُجبِرهم، وهو خطأ؛ لأنه لا يكون فَعَّال
مِن أفعل. وحكى الثعلبيّ: وقال ثعلب: قد جاءت أحرف: فَقَّال بمعنى مُفعِل، وهي
شاذَّة، جبَّار بمعنى مُجبِر، ودرَّاك بمعنى مُدرِك، وسَرَّاع بمعنى مُسرع، وبَكَّاء بمعنى
مُبكٍ، وعدَّاء بمعنى مُعدٍ. وقد قُرئ: ((وما أهديكم إلا سبيلَ الرَّشَّاد))(٥) [غافر: ٢٩]
بتشديد الشين بمعنى المرشد، وهو موسى.
وقيل: هو الله عزَّ وجلَّ(٦).
(١) لم نقف على رواية علي بن معبد، وأخرجه الطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦ المعجم الكبير
٢٦٦/٢٥)، وأبو الشيخ في العظمة (٣٨٨) عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة. وأخرجه البيهقي في
البعث والنشور (٦٦٩) عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة ﴾. قال ابن
كثير في تفسير سورة الأنعام الآية (٧٣): هذا حديث مشهور، وهو غريب جداً.
(٢) ص ٢٠٢، ٢٠٧ فما بعد.
(٣) الوسيط للواحدي ١٧٢/٤، وزاد المسير ٢٦/٨.
(٤) في إعراب القرآن ٤/ ٢٣٤ .
(٥) هي قراءة معاذ بن جبل ، كما في القراءات الشاذة ص ١٣٢ .
(٦) في النكت والعيون ٣٥٨/٥: يعني بربّ، قاله الضحاك؛ لأن الجبار هو الله تعالى سلطانه.

٤٦٧
سورة ق: الآية ٤٥
وكذلك قرئ: ((أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَّاكِينَ)) [الكهف: ٧٩] يعني: ممسكين. وقال
أبو حامد الخارْزَنجيّ: تقول العرب: سيف سَقَّاط بمعنى مُسقِط.
وقيل: ((بِجَبَّارٍ)): بمسيطر كما في الغاشية: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الآية: ٢٢].
وقال الفرَّاء(١): سمعتُ من العرب مَن يقول: جَبَره على الأمر، أي: قهره،
فالجبّار من هذه اللغة بمعنى القهر صحيح. وقيل: الجبّار من قولهم: جبرته على
الأمر، أي: أجبرته. وهي لغة كنانية، وهما لغتان.
الجوهري(٢): وأجبرته على الأمر: أكرهته عليه، وأجبرته - أيضاً - نسبته إلى
الجبر، كما تقول: أكفرتُه، إذا نسبتَه إلى الكفر.
﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾ قال ابن عباس: قالوا: يا رسول الله، لو
خوَّفتنا، فنزلت: ﴿فَذَكِرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾ أي: ما أعددتُه لمن عصاني من
العذاب(٣)؛ فالوعيد العذاب، والوعد الثواب، قال الشاعر (٤):
لَمُخْلِفُ إِيعادي ومُنجزُ موعدي
وإنيَ إن(٥) أوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ
وكان قتادةُ يقول: اللَّهِمَّ اجعلْنا ممن يخافُ وعيدَكَ ويرجو موعدَكَ(٦).
وأثبت الياءَ في ((وَعِيدِي)) يعقوبُ في الحالين، وأثبتها ورشٌ في الوصلِ دون
الوقف، وحذفَ الباقون في الحالين(٧). والله أعلم.
ثَّم تفسير سورة ((ق)) والحمدُ لله.
(١) في معاني القرآن ٣/ ٨١ .
(٢) في الصحاح (جبر).
(٣) أخرجه الطبري ٢١/ ٤٧٨ .
(٤) هو عامر بن الطفيل، والبيت في ديوانه ص٥٨ .
(٥) المثبت من (ق)، وهو الموافق للديوان وفي غير (ق): وإن. وسلف ٤٧٨/٥ .
(٦) النكت والعيون ٣٥٩/٥ .
(٧) التيسير ص ٢٠٢، والنشر ٣٧٦/٢ .

سورة الذاريات
مكِّيّةٌ في قول الجميع(١)، وهي سِتُّون آية(٢)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
فَاْحَرِيَتِ يُسْرًا
٢
٣
قوله تعالى: ﴿وَالذَّرِيَّتِ ذَرْوًّا ﴿﴿ فَالْحَمِلَتِ وِقْرًا
فَالْمُفَسِّمَتِ أَمْرًّا ﴿﴿ إِنَّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ﴿ وَإِنَّ الِيْنَ لَوَِعٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًا﴾ قال أبو بكر الأنباري: حدَّثنا عبد الله بن ناجية،
حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا مكِّيّ بن إبراهيم، حذَّثنا الجُعَيد بن عبد الرحمن،
عن يزيد بن خُصَيفة، عن السائب بن يزيد: أنَّ رجلاً قال لعمر : إني مررت برجل
يسأل عن تفسير مُشْكِلِ القرآن، فقال عمر: اللهم أَمكِنِّي منه. فدخل الرجل على عمر
يوماً وهو لابسٌ ثياباً وعِمامة، وعمرُ يقرأ القرآن، فلما فرغ، قام إليه الرجل فقال: يا
أمير المؤمنين، ما ((الذَّارِيَاتِ ذَرْواً))، فقام عمر، فحسر عن ذراعيه وجعل يَجلده، ثم
قال: ألبسوه ثيابه واحمِلوه على قَتَب، وابلغوا به حَيَّه، ثم ليقم خطيباً فليقل: إن
صَبِيغاً طَلَبَ العلم فأخطأه. فلم يزل وضيعاً في قومه بعد أن كان سيِّداً فيهم(٣).
وعن عامر بن واثلة: أنَّ ابن الكوَّاءِ سأل عليّاً ﴾ فقال: يا أمير المؤمنين، ما
((الذَّارِيَاتِ ذَرْواً))، فقال له: ويلَك! سَلْ تَفَقُّهاً، ولا تسأل تَعَنّناً؛ ((وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً)»:
الرياح، ((فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً)»: السَّحاب، ((فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً)): السُّفُن، ((فَالْمُقَسِّمَاتِ
أمراً»: الملائكة (٤).
(١) المحرر الوجيز ١٧١/٥، وزاد المسير ٢٧/٨ .
(٢) الوسيط للواحدي ٤/ ١٧٣، وتفسير البغوي ٢٢٨/٤، والكشاف ١٣/٤.
(٣) ذكره ابن حجر في الإصابة ١٦٩/٥. وقد سلف من وجه آخر ٢٣/٥ - ٢٤ .
(٤) سلف ١ / ٦١ بنحوه.

٤٦٩
سورة الذاريات: الآيات ١ - ٦
وروى الحارث عن عليٍّ ﴾: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً)) قال: الرياح، ((فَالْحَامِلَاتِ
وِقْراً)) قال: السحاب تَحمِل الماء كما تحمل ذواتُ الأربع الوِقْر، ((فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً))
قال: السفن، وقوله (١): (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً)) قال: الملائكة تأتي بأمرٍ مختلف؛ جبريلُ
بالغلظة، وميكائيلُ صاحب الرحمة، ومَلَكُ الموت يأتي بالموت. وقاله (٢) الفراء.
وقيل: تأتي بأمر مختلف من الخصب والجَذْب والمطر والموت والحوادث.
ويقال: ذَرَتِ الرِّيحُ الترابَ تَذْرُوه ذَرْواً، وتَذْرِيه ذَرْياً(٣).
ثم قيل: ((وَالذَّارِيَاتِ)) وما بعده أَقسام، وإذا أَقسمَ الربُّ بشيءٍ أَثبتَ له شرفاً.
وقيل: المعنى: وربِّ الذارياتِ(٤)، والجواب: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: الذي
توعدونه من الخير والشرِّ والثوابِ والعقاب ﴿لَصَادِقٌ﴾: لا كَذِبَ فيه؛ ومعنى
(لَصَادِقٌ)): لَصِدْق، وقع الاسمُ موقعَ المصدر. ﴿وَإِنَّ اٌلِّنَ لَوَفِعٌ﴾ يعني: الجزاءُ نازلٌ
بكم. ثم ابتدأْ قَسَماً آخَرَ فقال: ((وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ. إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ)).
وقيل: إنّ الذارياتِ النساءُ الوَلودات؛ لأن في ترائيهنَّ(٥) ذَرْوَ الخَلْقِ؛ لأنهنَّ
يَذرين الأولاد، فصِرنَ ذاريات، وأَقسمَ بهنَّ لِمَا في ترائبهنَّ مِن خِيرَةِ عبادِه
الصالحين. وخصَّ النساءَ بذلك دون الرجال وإنْ كان كلُّ واحدٍ منهما ذارياً؛ لأمرين:
أحدهما: لأنهن أوعيةٌ دون الرجال، فلاجتماع الذَّرْوَيْن فيهنَّ خُصِّصنَ بالذِّكر.
الثاني: أنَّ الذَّرْوَ فيهنَّ أطولُ زماناً (٦)، وهنَّ بالمباشرة أقربُ عهداً.
(١) في (ز): وقراءة، بدل: وقوله، وفي (م): موقرة. والمثبت من باقي النسخ.
(٢) في (ز) و(م): وقال. وكلام الفراء في معاني القرآن ٣/ ٨٢ دون نسبة.
(٣) في (ف) و(ق): وأذرته تذريه ذرياً، وفي (ظ): وأذرته تذريه وذرياً، وفي (ز): وأذرته ذرياً، والمثبت
من (م). وقد قال الزجاج في معاني القرآن ٥١/٥ : ذرت الريح وأذرت، بمعنى واحد وبنحوه في تفسير
الطبري ٤٧٩/٢١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٣٥/٤، وتفسير البغوي ٢٢٨/٤، وزاد المسير ٢٧/٨.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٥١/٥، وتفسير أبي الليث ٢٧٥/٣ .
(٥) في (ظ) و(م): ذرايتهن، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٣٦٠/٥،
والكلام منه.
(٦) في (ز) و(ف): لطول زمان، وفي (ظ) و(ق): أطول زمان. والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في
النكت والعيون ٣٦١/٥ .

٤٧٠
سورة الذاريات: الآيات ٢-٦
فَالْحَمِلَتِ وِقَرًا﴾: السحاب. وقيل: الحاملات من النساء إذا تَقُلْنَ بالحَمل.
والوِقْر، بكسر الواو: ثقل الحمل على ظهر أو في بطن(١)، يقال: جاء يحمل وِقْرَه،
وقد أَوْقَرَ بعيرَه. وأكثرُ ما يستعمل الوِقْرُ في حِمْل البغلِ والحمار، والوَسْقُ في حِمْل
البعير. وهذه امرأةٌ مُوقَرة - بفتح القاف - إذا حملت حَمْلاً ثقيلاً. وأوقرت النخلة: كَثُرَ
حَمْلُها؛ يقال: نخلةٌ موقِرة ومُوقِرٍ ومُوقَرة، وحُكي: مُوقَر، وهو على غير القياس،
لأن الفعل [ليس] للنخلة. وإنما قيل: مُوقِر - بكسر القاف - على [قياس] قولِك:
امرأةٌ حامل، لأن حمل الشجر مشَبَّةٌ بحمل النساء؛ فأما مُوقَر - بالفتح - فشاذٌ، وقد
روي في قول لبيدٍ يصف نخيلاً :
عُصَبٌ كَوارِعُ في خليجٍ مُحَلِّمٍ
حَمَلتْ فمنها مُوقَرٌ مَكْمُومُ
والجمع: مَوَاقِرٍ. فأما الوَقْر - بالفتح - فهو ثقل الأذن، وقد وَقِرَت أُذُنُهِ تَوْقَر وَقْراً،
أي: صَمَّت، وقياسُ مصدرِه التحريك، إلَّا أنه جاء بالتسكين(٢). وقد تقدَّم في
((الأنعام)) القولُ فيه(٣).
﴿فَالْخَرِيَتِ يُسْرًا﴾: السفن تجري بالرياح يُسراً إلى حيث سُيِّرت. وقيل: السحاب؛
وفي جريها يُسْراً على هذا القول وجهان: أحدهما: إلى حيث يسيِّرها اللهُ تعالى من
البلاد والبقاع. الثاني: هو سهولة تسييرها؛ وذلك معروفٌ عند العرب، كما قال
الأعشى :
كأنَّ مِشْيَتَها مِنْ بيتٍ جارتها
مَشْيُ السَّحَابةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ(٤
(١) المصدر السابق.
(٢) الصحاح (وقر) وما بين حاصرتين منه، والبيت في شرح ديوان لبيد ص ١٢٠، والرواية فيه: نخل
كوارع ... قال شارحه: شبه الظعائن بالنخل. كوارع: أراد اللواتي في الماء. محلّم: نهر بالبحرين،
وخليجه ما اختلج منه. مكموم: مغطى بالكمامة من برد أو داء ..
(٣) ٨/ ٣٤٥.
(٤) النكت والعيون ٣٦١/٥. وسلف البيت ١٦/١٦.

٤٧١
سورة الذاريات: الآيات ٧ - ١٤
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُكِ ﴿﴿ إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُخَْلِفٍ (@)
﴿ قُئِلَ الْخَرَّصُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِ غَمْرَةِ سَاهُونَ ﴿ يَسْتَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْنَنُونَ ﴿ ذُوقُواْ فِنْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِى كُ بِهِ، نَسْتَعِْلُونَ
١٤
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُكِ﴾ قيل: المراد بالسماء هاهنا السُّحُب(١) التي تُظِلُّ
الأرض. وقيل: السماء المرفوعة(٢). ابنُ عمر: هي السماء السابعة؛ ذكره المهدويُّ
والثعلبيُّ والماورديُّ وغيرهم(٣).
وفي ((الْحُبُكِ)) أقوالٌ سبعة:
الأول: قال ابن عباس وقتادة ومجاهدٌ والربيع: ذات الخَلْقِ الحَسَنِ المستوي.
وقاله عكرمة (٤)؛ قال: ألم ترَ إلى النَّسَّاج إذا نسج الثوب فأجاد نَسْجَه؛ يقال منه:
حَبَك الثوبَ يَحِكُه - بالكسر - حَبْكاً، أي: أجاد نَسْجَه. قال ابن الأعرابي: كلُّ شيءٍ
أحكمتَه وأحسنتَ عملَه فقد احتبكتَه(٥).
الثاني: ذات الزينة؛ قاله الحسن وسعيد بن جبير.
وعن الحسن أيضاً: ذات النجوم. وهو الثالث.
الرابع: قال الضحاك: ذات الطرائق؛ يقال لِمَا تراه في الماء والرمل إذا أصابته
الريح: حُبُك(٦). ونحوُه قول الفراء(٧)؛ قال: الحُبُك: تَكَسُّر كلِّ شيءٍ، كالرمل إذا
مرَّت به الريحُ الساكنة، والماءُ القائم إذا مرت به الريح، ودرع الحديد لها حُبُك،
(١) في النسخ الخطية: السحاب، والمثبت من (م)، والقول في النكت والعيون ٣٦٢/٥. والسحاب
والسحب والسحائب: جمع سحابة. الصحاح (سحب).
(٢) قال الماوردي في النكت والعيون: وهو المشهور.
(٣) قول ابن عمر أخرجه الطبري ٤٨٩/٢١ - ١٩٠.
(٤) أخرج هذه الآثار - عدا قول الربيع - الطبري ٢١/ ٤٨٦ - ٤٨٩.
(٥) الصحاح (حبك).
(٦) أخرج هذه الآثار - عدا قول الحسن الأول - الطبري ٢١/ ٤٨٧، ٤٨٩.
(٧) في معاني القرآن ٣/ ٨٢ .

٤٧٢
سورة الذاريات: الآيات ٧ - ١٤
والشعرة الجَعْدة تكسُّرها حُبُك. وفي حديث الدجّال: ((إنَّ شعره حُبُك حُبُك))(١). قال
زهير :
ريحٌ خَريقٌ لضاحي مائه حُبُكُ(٢)
مُكلَّلٌ بأصول النَّجمِ تَنْسِجُهُ.
ولكنها تبعُد من العباد فلا يرونها.
الخامس: ذات الشِّدَّة، قاله ابن زيد، وقرأ: ﴿وَبَنَّيْنَا فَوْقَّكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾
[النبأ: ١٢] (٣). والمحبوك: الشديد الخَلْق من الفرس وغيره(٤)، قال امرؤ القيس:
لاحِقُ الإظْلَيْنِ مَحبُوهٌ مُمَرْ(٥)
قد غدا يَحْمِلُني في أنْفهِ
وقال آخَر (٦):
مَرِجَ الدِّينُ فأعددتُ لهُ
مُشْرِفَ الحارِك مَحبُوكَ الكَتَدْ
وفي الحديث: أنَّ عائشة رضي الله عنها كانت تحتبك تحت الدِّرْع في الصلاة؛
أي: تَشُدُّ الإزار وتُحْكمه(٧).
السادس: ذات الصَّفَاقة؛ قاله خُصَيف(٨)، ومنه: ثوبٌ صَفِيق ووجه صَفِيق : بَيِّنُ
الصَّفاقة(٩).
(١) الصحاح (حبك). والخبر قطعة من حديث عقبة بن عامر أخرجه أحمد (١٦٢٦٠) عنه بلفظ: ((إن
راس الدجال من ورائه حُبُك حُبُك ... )).
(٢) شرح ديوان زهير ص ١٧٦ . قال شارحه: قال الأصمعي: النجم: النبت الذي يقال له: الثِّيْل. وقال
غيره: الماء مكلّل بالنجم، وهو كل شيء من النبات ليس له ساق ينبت حول الماء كالإكليل. ويقال:
نَجَمَ البقل: إذا طلع. ريح خريق، يقال: هبت الشمال خريقاً: إذا هبت هبوباً شديداً. لضاحي مائه: ما
ضحا للشمس من الماء، ضحي يضحى ضحى، وضَحَّى يضحى: برز للشمس.
(٣) أخرجه الطبري ٤٨٩/٢١ .
(٤) الصحاح (حبك).
(٥) ديوانه ص١٤٦ . وهو في وصف الغيث. قال شارحه: يحملني في أنفه: أي في أول هذه المطرة. لاحق
الإطلين: يعني فرساً ضامر الكشحين. والمحبوك: المدمج الخلق، الشديد. والممر نحوه في المعنى.
(٦) هو أبو دؤاد، وسلف ص ٤٣٠ من هذا الجزء.
(٧) الصحاح (حبك). والحديث أخرجه البيهقي ٢٣٥/٢ .
(٨) النكت والعيون ٣٦٢/٥ .
(٩) الصحاح (صفق) وقوله: ثوب صَفِيق، أي: كثير الغزل. ووجه صَفيق، أي: وقح. القاموس (صفق).

٤٧٣
سورة الذاريات: الآيات ٧ - ١٤
السابع: أنَّ المراد بالظُرُق المَجرَّةُ التي في السماء؛ سمِّيت بذلك لأنها كأثر
المَجَرّ(١).
و ((الْحبُ)) جمع حِبَاك، قال الراجز:
◌ِنْفِسةً في وَشْيها حِبَادٌ(٢)
كأنَّما جَلَّلها الحُوَّاكُ
والحِبَاك والحَبِيكة: الطريقة في الرَّمل ونحوه. وجمع الحِبَاك: حُبُك، وجمع
الحَبِيكة: حَبَائك(٣)، والحَبَكة مثل العَبَكة، وهي الحبَّة من السَّويق، عن الجوهري(٤).
وروي عن الحسن في قوله: ((ذَاتِ الحُبُكِ)): ((الحُبْك)) و((الحِبْك)) و ((الحِبِك))
و ((الحِبُك))، و((الحُبُك)) كالجماعة(٥). وروي عن عكرمة وأبي مِجْلَز: ((الحُبَك)) (٦).
و((الحُبُك)) واحدتها حَبيكة؛ و((الحُبْك)) مخفَّفٌ منه. و(الحَبَك)) واحدتها حَبَكة(٧).
ومن قرأ: (الحُبَك)) فالواحدة حُبْكَة، كبُرْقة وبُرَق، أو حُبُكة كظُلُمة وظُلَم. ومن قرأ:
((الحِبِك)) فهو كابل وإِطِلٍ. و((الحِبْك)) مخفف منه. ومن قرأ: ((الحِبُك)) فهو شاذّ؛ ليس
في كلام العرب فِعُلٌ، وهو محمولٌ على تداخل اللغات، كأنه كسر الحاء ليكسر
(١) ينظر الصحاح واللسان (جرر). والمَجَرّ: هو الخشبة المعترضة بين الحائطين توضع عليه أطراف
العوارض.
(٢) تفسير الطبري ٤٨٦/٢١، والنكت والعيون ٣٦٢/٥، والمحرر الوجيز ١٧٢/٥. والطنفسة: البساط،
والنُّمْروقة فوق الرحل. المعجم الوسيط (طنفس).
(٣) وحُبُك أيضاً كما في معاني القرآن للفراء ٣/ ٨٢، وتفسير الطبري ٤٨٦/٢١، ومعاني القرآن للزجاج
٥٢/٥ . وسيذكره المصنف.
(٤) في الصحاح (حبك).
(٥) ضبطنا بالشكل القراءات الشاذة عن الحسن في هذا الحرف كما ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز
١٧٢/٥، حيث قيَّدها بالحروف، وذكر أن كسر الحاء وضم الباء فيها لغة غير متوجهة، وأنه ليس في
كلام العرب هذا البناء.
(٦) المحتسب ٢٨٦/٢ دون ذكر أبي مجلز.
(٧) نسب ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ١٧٢ قراءة ((الحَبَك)) بفتح الحاء والباء لابن عباس رضي الله
عنهما، ونسبها ابن الجوزي في زاد المسير ٢٨/٨ لابن مسعود وعكرمة.

٤٧٤
سورة الذاريات: الآيات ٧ - ١٤
الباء، ثم تصوَّر ((الحُبُك)) فضمَّ الباء. قال جميعَه المهدوي(١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُرْ لَفِى قَوْلٍ تُخْلِفٍ﴾ هذا جوابُ القسم الذي هو ((والسَّمَاءِ))، أي:
إنكم يا أهل مكة ((فِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ)) في محمد والقرآن، فمِن مصدِّق ومكذِّب(٢).
وقيل: نزلت في المقتسِمين (٣). وقيل: اختلافهم قولُهم: ساحر، بل شاعر، بل
افتراه، بل هو مجنون، بل هو كاهن، بل هو أساطير الأوَّلين(٤). وقيل: اختلافهم أنَّ
منهم مَن نَفَى الحشر، ومنهم مَن شكَّ فيه. وقيل: المراد عَبَدة الأوثان والأصنام؛
يُقِرُون بأن الله خالقُهم ويعبدون غيره(٥).
قوله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: يُصرف عن الإيمان بمحمد والقرآنِ مَن
صُرِف؛ عن الحسن وغيره(٦). وقيل: المعنى: يُصرَف عن الإيمان مَن أراده بقولهم:
هو سحر وكهانة وأساطير الأوَّلين(٧). وقيل: المعنى: يُصرَف عن ذلك الاختلافِ مَن
عصمه الله(٨).
أَفَكَه يَأْفِكُه أَفْكاً، أي: قَلَبه وصرفه عن الشيء؛ ومنه قولُه تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا
لِتَأْفِكَنَا﴾ (٩) [الأحقاف: ٢٢].
وقال مجاهد: معنى ((يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ)): يُؤفَن عنه من أُفِن، والأَفْن: فساد
العقل (١٠).
(١) وهو بنحوه في المحتسب ٢٨٦/٢ - ٢٨٧، والمحرر الوجيز ١٧٢/٥ - ١٧٣ .
(٢) أخرج هذا القول بنحوه الطبري ٢١ / ٤٩٠ عن قتادة.
(٣) سيرد في تفسير الآية بعدها، وينظر ما سلف في تفسير الآية (٩٠) من سورة الحجر ٢٥٥/١٢- ٢٥٦.
(٤) أخرج هذا القول بنحوه الطبري ٢١/ ٤٩٠ عن ابن زيد.
(٥) النكت والعيون ٣٦٣/٥ .
(٦) أخرجه عن الحسن الطبري ٤٩١/٢١ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٦/٤ بنحوه.
(٨) المحرر الوجيز ١٧٣/٥ بمعناه، وقال: وهذا وجه حسن لا يُخلُّ به، إلا أن عرف الاستعمال في ((أفك))
إنما هو في الصرف من خير إلى شر، وتأمل ذلك تجدها أبداً في المصروفين المذمومين.
(٩) الصحاح (أفك).
(١٠) النكت والعيون ٣٦٣/٥، وأخرجه الطبري ٤٩١/٢١ بنحوه.

٤٧٥
سورة الذاريات: الآيات ٩ - ١٤
الزمخشري(١): وقرئ: (يُؤْفَنُ عَنْهُ مَنْ أُفِنَ)) أي: يُحْرَمه من حُرم؛ مِن: أَفَنَ
الضَّرْعَ، إذا أنهكه حَلْباً. وقال قُظْرُب: يُخدَع عنه من خُدِعٍ. وقال اليزيدي: يُدفَع عنه
من دُفِع (٢). والمعنى واحد، وكلُّه راجعٌ إلى معنى الصرف.
قوله تعالى: ﴿قُئِلَ الْخَرَّصُونَ﴾ في التفسير: لُعِن الكذَّابون(٣). وقال ابن عباس:
أي: قُتِل المرتابون؛ يعني الكهنة(٤). وقال الحسن: هم الذين يقولون: لسنا نبعث.
ومعنى ((قُتِلَ)) أي: هؤلاء ممن يجب أن يُدعى عليهم بالقتل على أيدي المؤمنين.
وقال الفرَّاء: معنى ((قُتِلَ)): لُعِن؛ قال: و((الخَرَّاصُونَ)): الكذابون الذين
يتخرَّصون بما لا يعلمون(٥)؛ فيقولون: إنَّ محمداً مجنون كذَّاب ساحر شاعر؛ وهذا
دعاءٌ عليهم؛ لأن مَن لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك.
قال ابن الأنباري: عَلَّمَنا الدعاءَ عليهم، أي قولوا: ((قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ)). وهو جمع
خارص، والخَرْص الكذب، والخَرَّاص الكذَّاب، وقد خَرَص يَخْرُص - بالضم -
خَرْصاً، أي: كَذَب؛ يقال: خَرَص واختَرص، وخَلَقَ واختلَق، وبَشَك وابتَشك،
وسَرَج واسترَج، ومان، بمعنى كذب؛ حكاه النَّاس.
والخَرْص - أيضاً - حَزْر ما على النخل من الرُّطَب تمراً. وقد خَرَصتُ النخلَ،
والاسم: الخِرْص، بالكسر؛ يقال: كم خِرْصُ نخلك(٦) والخَرَّاص الذي يخرُصها؛
فهو مشترك.
وأصل الخَرص القطع، على ما تقدَّم بيانُه في (الأنعام)) (٧). ومنه الخَرِيص
(١) في الكشاف ٤/ ١٥ .
(٢) النكت والعيون ٣٦٣/٥ .
(٣) نسبه في النكت والعيون ٣٦٣/٥ للحسن.
(٤) أخرجه الطبري ٢١/ ٤٩٢ بلفظ: لعن المرتابون.
(٥) معاني القرآن للفراء ٨٣/٣، وزاد المسير ٣٠/٨ . بنحوه.
(٦) المثبت من (ق) وهو الموافق لما في الصحاح (خرص)، والكلام منه، وفي غيرها: خّرَص.
(٧) ٩ / ٧.

٤٧٦
سورة الذاريات: الآيات ١٠ - ١٤
للخليج؛ لأنه ينقطع إليه الماء، والخُرْصُ: حبَّة القُرْط إذا كانت منفردة؛ لانقطاعها
عن أخواتها، والخُرصْ: العود؛ لانقطاعه عن نظائره بطيب رائحته. والخَرِص: الذي
به جوع وبَرْد؛ لأنه ينقطع به، يقال: خَرِص الرجلُ - بالكسر - فهو خَرِص أي: جائع
مقرور، ولا يقال للجوع بلا برد: خَرِص، ويقال للبرد بلا جوع: خَصَر (١). والخُرص
- بالضمّ والكسر - الحَلْقة من الذهب أو الفضة، والجمع الخُرصان. ويدخل في
الخَرْص قولُ المنجّمين وكلِّ مَن يدَّعي الحَدْس والتخمين.
وقال ابن عباس: هم المقتسمون الذين اقتسموا عِقَابَ(٢) مكة، واقتسموا القولَ
في نبيِّ اللهِ ﴾؛ ليصرفوا الناسَ عن الإيمان به.
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِ غَمَرَفِ سَاهُونَ﴾ الغمرة: ما سَتَرَ الشيءَ وغطّاه. ومنه نهر
غَمْر، أي: يَغْمُر مَن دخله، ومنهِ غَمَرات الموت. ((سَاهُونَ)) أي: لاهون غافلون عن
أمر الآخرة.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَ أَيََّنَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: متى يومُ الحساب؛ يقولون ذلك استهزاءً
وشَكّاً في القيامة(٣). ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُقْنَنُونَ﴾ نصب (يَوْمَ)) على تقدير الجزاء، أي:
هذا الجزاءُ ((يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ)) أي: يُحرَقون، وهو مِن قولهم: فتنت الذهب،
أي: أحرقته لتختبره؛ وأصل الفتنة الاختبار. وقيل: إنه مبنيٌّ؛ بني لإضافته إلى غير
متمكِّن، وموضعه نصبٌ على التقدير المتقدِّم، أو رفعٌ على البدل من ((يَوْمُ الدِّينِ))(٤).
وقال الزجَّاج(٥): تقول: يعجبني يومُ أنت قائم ويومُ أنت تقوم، وإن شئت فتحت،
وهو في موضع رفع، فإنما انتصب هذا وهو في المعنى رفع.
(١) الصحاح (خرص).
(٢) في (ز) و(ظ) و(م): أعقاب، والمثبت من (ف) و(ق)، وهو بنحوه في تفسير أبي الليث ٢٧٦/٣ ،
وتفسير البغوي ٢٢٩/٤ .
(٣) الوسيط للواحدي ١٧٤/٤، وتفسير البغوي ٢٢٩/٤ .
(٤) قرأ بالرفع ابن أبي عبلة كما في الكشاف ١٥/٤ .
(٥) في معاني القرآن ٥٢/٥. وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٣٧/٤ - ٢٣٨، والمحرر الوجيز ١٧٣/٥.

٤٧٧
سورة الذاريات: الآيات ١٢ - ١٦
وقال ابن عباس: ((يُفْتَنُونَ)): يُعذَّبون(١). ومنه قول الشاعر:
ببطن مكةَ مقهورٍ ومفتونٍ(٢)
كلَّ امرِئٍ من عباد اللهِ مُضطَهدٍ
قوله تعالى: ﴿ذُوقُواْ فِنَتَكُمْ﴾ أي: يقال لهم: ذوقوا عذابكم؛ قاله ابن زيد.
مجاهد: حريقَكم. ابن عباس: أي: تكذيبكم (٣). يعني جزاءكم. الفرَّاء(٤): أي:
عذابكم ﴿الَّذِى كُ بِهِ، تَسْتَعَِّلُونَ﴾ في الدنيا. وقال: ((هَذَا))، ولم يقل: هذه؛ لأن الفتنة
هنا بمعنى العذاب.
ءَلِذِينَ مَآ ءَانَهُمْ رَبُهُمَّ إِنَهُمْ كَانُواْ قَبْلَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
ذَلِكَ مُحْسِنِينَ
قوله تعالى: ﴿إِنَ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ﴾ لمَّا ذكر مآلَ الكفار؛ ذَكَرَ مآلَ
المؤمنين، أي: هم في بساتينَ؛ فيها عيونٌ جارية على نهاية ما يُنتزَّه به. ﴿،َاخِذِينَ﴾
نصب على الحال. ﴿مَآ ءَانَهُمْ رَبُهُمَّ﴾ أي: ما أعطاهم من الثواب وأنواع الكرامات؛
قاله الضخَّاك(٥). وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: ((آَخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ)) أي :
عاملين بالفرائض(٦). ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ فَبَّلَ ذَلِكَ﴾ أي: قبل دخولهم الجنةَ في الدنيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾
بالفرائض. وقال ابن عباس: المعنى: كانوا قبل أن تُفْرَضَ (٧) عليهم الفرائض محسنين
في أعمالهم(٨).
(١) أخرجه الطبري ٤٩٥/٢١ .
(٢) النكت والعيون ٣٦٤/٥ . وهو في قصيدة لعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي يذكر مهاجري
الحبشة، كما في السيرة النبوية ٣٣٠/١ - ٣٣١، وقبله:
يا راكباً بلْغَنْ عني مغلغَلةً
والمغلغلة: الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد. الصحاح (غلل).
(٣) أخرج هذه الآثار الطبري ٢١/ ٤٩٩ - ٥٠٠ .
(٤) في معاني القرآن ٨٣/٣ .
(٥) النكت والعيون ٥/ ٣٦٥ بنحوه.
(٦) قول ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الطبري ٢١/ ٥٠١ .
(٧) في (م): يفرض .
(٨) أخرجه الطبري ٢١ /٥٠١ .
مَن كان يرجو بلاغ الله والدينِ

٤٧٨
سورة الذاريات: الآيات ١٧ - ١٩
قوله تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِنَ الَّلِ مَا يَهْجَعُونَ
١٧
وَفِىّ
وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
(١٩
أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَّآَبِلِ وَالْمَحْرُومِ
فيه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿ كَانُواْ قَلِيلًا مِنَ الَِّلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ معنى (يَهْجَعُونَ)): ينامون؛
والهُجُوع: النوم ليلاً، والتَّهْجاع: النومة الخفيفة؛ قال أبو قيس بن الأَسْلَت:
قد حصَّت البيضةُ رأسي فما أَظْعَمُ نوماً غيرَ تَهجاع(١)
وقال عمرو بنُ مَعْدي كَرِب يتشوَّق أختَه وكان أسرها الصِّمَّةُ أبو دُرَيد بنُ الصِّمَّة:
أَمِنْ رَيحانةَ الدَّاعي السَّميعُ يُؤَرِّقني وأَصحابي هُجوعُ(٢)
يقال: هَجَعَ يَهْجَع هُجوعاً، وهَبَغَ يَهْبَغ هُبوغاً، بالغين المعجمة: إذا نام؛ قاله
الجوهريّ(٣).
واختلف في ((ما)»، فقيل: صلة زائدة، قاله إبراهيم النَّخَعيُّ، والتقدير: كانوا
قليلاً من الليل يهجعون، أي: ينامون قليلاً من الليل ويصلُّون أكثرَه. قال عطاء: وهذا
لمَّا أُمروا بقيام الليل. وكان أبو ذرِّ يَحتجِز، ثم يأخذ العصا فيعتمد عليها، حتى نزلت
الرُّخصة: ﴿قُرِ الَِّلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الآية (٤).
وقيل: ليس ((ما)) صلة، بل الوقفُ عند قوله: ((قَلِيلاً))، ثم تبتدئ ((مِنَ الَّلَيْلِ مَا
يَهْجَعُونَ)). فـ ((ما)) للنفي، وهو نفيُ النوم عنهم البَتَّة(٥). قال الحسن: كانوا لا ينامون
(١) الصحاح (هجع). وسلف البيت ١١/ ٣٧٤ .
(٢) وهناك رواية ثانية تقول: إن ريحانة امرأته المطلقة، كما في الأغاني ٢٢٥/١٥ - ٢٢٦، والخزانة
٨/ ١٨١ - ١٨٢. والبيت - أيضاً - في الأصمعيات ص ١٧٢، والكامل ١/ ٢٦١.
(٣) في الصحاح (هبغ).
(٤) أخرج الأثرين ابن أبي شيبة ٢٣٨/٢.
(٥) وضعَّف هذا القول الشوكاني في فتح القدير ٨٤/٥، ورده ابن الأنباري في البيان ٣٩٠/٢
والزمخشري في الكشاف ١٦/٤ وقال: لأن ((ما)) النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، تقول: زيداً لم
أضرب، ولا تقول: زيداً ما ضربت.

٤٧٩
سورة الذاريات: الآيات ١٧ - ١٩
من الليل إلَّا أقلَّه، وربما نَشِطوا فجدُّوا إلى السَّحَر(١).
روي عن يعقوب الحضرميِّ أنه قال: اختلفوا في تفسير هذه الآية، فقال بعضهم:
(كَانُوا قَلِيلاً)) معناه: كان عددهم يسيراً، ثم ابتدأ فقال: ((مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ))(٢).
قال ابن الأنباري(٣): وهذا فاسد؛ لأن الآية إنما تدلُّ على قلَّة نومهم لا على قلَّة
عددهم، وبعدُ فلو ابتدأنا ((مِن اللَّيل ما يهجعون)) على معنى: من الليل يهجعون، لم
يكن في هذا مدحٌ لهم؛ لأن الناس كلَّهم يهجعون من الليل، إلّا أن تكون ((ما)) جَحْداً.
قلت: وعلى ما تأوَّله بعضُ الناس - وهو قول الضحَّاك(٤) - من أنَّ عددهم كان
يسيراً، يكون الكلام متصلاً بما قبلُ مِن قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أي: كان
المحسنون قليلاً، ثم استأنف فقال: ﴿مِّنَ الَّلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾(٥). وعلى التأويل الأوَّلِ
والثاني يكون ((كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ)) خطاباً مستأنفاً بعد تمام ما تقدَّمه، ويكون الوقف
على ((مَا يَهْجَعُونَ))، وكذلك إن جعلتَ ((قَلِيلاً)) خبرَ كان، وترفع ((ما)) بمعنى قليل(٦)؛
كأنه قال: كانوا قليلاً من الليل هجوعُهم. فـ ((ما)) يجوز أن تكون نافية، ويجوز أن
تكون مع الفعل مصدراً، ويجوز أن تكون رفعاً على البدل من اسم كان، التقدير: كان
هجوعهم قليلاً من الليل(٧). وانتصابُ قوله: ((قَلِيلاً)) - إن قدَّرت ((ما)) زائدةً مؤكِّدة -
بـ(يَهْجَعُونَ))، على تقدير: كانوا وقتاً قليلاً أو هجوعاً قليلاً يهجعون، وإن لم تقدِّر ((ما))
زائدة، كان قولُه: ((قَلِيلاً)) خبرَ كان، ولم يجز نصبُه بـ((يَهْجَعُونَ))؛ لأنه إذا قدِّر نصبه
(١) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٠٤ - ٥٠٥ .
(٢) بعدها في (م): على معنى من الليل يهجعون.
(٣) في إيضاح الوقف والابتداء ٩٠٦/٢ ، وما قبله منه.
(٤) أخرج قوله الطبري ٢١/ ٥٠٧ .
(٥) بعدها في النسخ الخطية: وهو قول الضحاك.
(٦) في (م): بقليل، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في الإيضاح لابن الأنباري ٩٠٥/٢ .
(٧) وهو بدل اشتمال كما في الدر المصون ٤٥/١٠ .

٤٨٠
سورة الذاريات: الآيات ١٧ - ١٩
بـ (يَهْجَعُونَ)) مع تقدير ((ما)) مصدراً، قدَّمتَ الصِّلَةَ على الموصول(١).
. وقال أنسٌ وقتادة في تأويل الآية: أي: كانوا يصلُّون بين العشاءين: المغرب
والعشاء(٢). أبو العالية: كانوا لا ينامون بين العشاءين(٣). وقاله ابن وَهْب. وقال
مجاهد(٤): نزلت في الأنصار؛ كانوا يصلُّون العشاءين في مسجد النبيِّ #، ثم
يمضون إلى قُباء. وقال محمد بن عليٍّ بن الحسين: كانوا لا ينامون حتى يصلُّوا
العَتَمة(٥). قال الحسن: كأنه عَدَّ هجوعَهم قليلاً في جنب يقظتهم للصلاة. وقال ابن
عباس ومُطرِّف: قَلَّ ليلةٌ لا تأتي عليهم إلَّا يصلُّون لله فيها، إمَّا مِن أوَّلها، وإما من
وسطها(٦).
الثانية: رُويَ عن بعض المتهجِّدين أنه أتاه آتٍ في منامه، فأنشده:
وكيف تنامُ الليلَ عينٌ قريرةٌ ولم تَدرِ في أيِّ المجالِس تنزِلُ
وروي عن رجل من الأزد أنه قال: كنت لا أنام الليل، فنمت في آخر الليل، فإذا
أنا بشابَّين أحسن ما رأيت، ومعهما حُلَل، فوقفا على كلِّ مصلٍّ، وكسواه حُلَّة، ثم
انتهيا إلى النِّيام فلم يكسوهم، فقلت لهما: اكسواني من حُللكما هذه، فقالا لي: إنها
ليست حُلَّةَ لباس، إنما هي رضوانُ الله يَخُلُّ على كل مصلٍّ.
ويُروى عن أبي خَلَّادٍ أنه قال: حدَّثني صاحبٌ لي قال: بينما أنا نائمٌ ذات ليلة إذ
مُثِّلت لي القيامة، فنظرت إلى أقوام من إخواني قد أضاءت وجوهُهم، وأشرقت
(١) الكلام بنحوه في البيان ٣٨٩/٢، ومشكل إعراب القرآن ٦٨٦/٢ - ٦٨٧.
(٢) أخرجه أبو داود (١٣٢١) و(١٣٢٢) من طريق قتادة عن أنس .
(٣) أخرجه الطبري ٥٠٣/٢١ .
(٤) كلمة: مجاهد، ليست في النسخ الخطية.
(٥) أخرجه الطبري ٢١/ ٥٠٢ .
(٦) ذكر قولهما الواحدي في الوسيط ١٧٥/٤، والبغوي في تفسيره ٢٣٠/٤. وأخرج الطبري ٥٠٢/٢١
قول مطرف.