Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ سورة الفتح: الآيتان ٢٠ - ٢١ آيةً للمؤمنين. وقيل: أي: ولتكون هذه التي عجَّلها لكم آيةً للمؤمنين على صدقك حيثُ وعدتهم أنْ يصيبوها(١). والواو في ((ولِتَكُونَ)) مقحمةٌ عند الكوفيين. وقال البصريون: عاطفةٌ على مضمر، أي: وكفَّ أيديّ النَّاس عنكم لتشكروه ولتكون آيةً للمؤمنين(٢). ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَطًا تُسْتَقِيمًا﴾ أي: يزيديكم هُدّى، أو يثبّتكم على الهداية. قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيَّهَا قَدْ أَحَ اللَّهُ بِهَاأَ وَكَانَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ ٢١ شَىْءٍ قَدِیرًا قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى﴾ (أُخْرَى)) معطوفة على ((هذِهِ))؛ أي: فعجَّل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى (٣). ﴿لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ قال ابن عباس: هي الفتوح التي فُتحت على المسلمين؛ كأرض فارس والروم، وجميع ما فتحه المسلمون (٤). وهو قول الحسن ومقاتل وابن أبي ليلى(٥). وعن ابن عباس أيضاً والضَّخَّاك وابن زيد وابن إسحاق: هي خيبر، وَعَدَها اللهُ نبيَّه قبل أنْ يفتحها، ولم يكونوا يرجونها حتى أخبرهم الله بها(٦). وعن الحسن أيضاً وقتادة: هو فتح مكّة(٧). وقال عكرمة: حُنين (٨)؛ لأنَّه قال: (١) ينظر النكت والعيون ٣١٧/٥، وزاد المسير ٤٣٦/٧ . (٢) ينظر الخلاف بين الكوفيين والبصريين على زيادة الواو في الإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات الأنباري ٢ / ٤٥٦ . (٣) الكشاف ٣/ ٥٤٧ . (٤) النكت والعيون ٣١٨/٥ . (٥) أخرج قول ابن عباس والحسن وابن أبي ليلى الطبريُّ ٢٨٤/٢١، وقول مقاتل في تفسير البغوي ١٩٨/٤. (٦) أخرج قولهم الطبري ٢٨٥/٢١ . (٧) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٣٥/٥ ورجحه. ورجحه أيضاً الطبري ٢٨٦/٢١. (٨) تفسير البغوي ٤/ ١٩٨. ٣٢٢ سورة الفتح: الآيات ٢١ - ٢٣ ﴿لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾. وهذا يدلُّ على تقدُّم محاولةٍ لها، وفواتِ دَرْكِ المطلوب في الحال، كما كان في مكّة؛ قاله القشيريّ. وقال مجاهد: هي ما يكون إلى يوم القيامة (١). ومعنى ﴿قَدّ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: أي: أعدَّها لكم، فهي كالشيء الذي قد أُحيط به من جوانبه، فهو محصورٌ لا يفوت، فأنتم وإنْ لم تقدروا عليها في الحال؛ فهي محبوسةٌ عليكم لا تفوتكم. وقيل: ﴿أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: علم أنَّها ستكون لكم، كما قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلَّمَا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقيل: حفظها الله عليكم؛ ليكون فتحُها لكم(٢). ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوْاْ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلٌ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اَللَّهِ تَبْدِيلًا (٣)﴾ نَصِيرًا (4) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوْاْ الْأَدْبَرَ﴾ قال قتادة: يعني: كفار قريشٍ في الحديبية(٣). وقيل: ((وَلَوْ قَاتَلَكُم)) غَطَفان وأسد، والذين أرادوا نُصرة أهل خيبر (٤)؛ لكانت الدائرة عليهم. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ الَّهِ الَِّى فَّدْ خَلَتْ مِن قَبْلٌ﴾ يعني: طريقةُ الله وعاداتُه السالفةُ نصرُ أوليائه على أعدائه. وانتصب ((سُنَّة)) على المصدر. وقيل: ((سُنَّةَ اللهِ)) أي: كَسُنَّةِ الله(٥). والسنة: الطريقة والسِّيرة(٦). قال: (١) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٥٠٧. (٢) النكت والعيون ٣١٨/٥. (٣) أخرجه الطبري ٢٨٧/٢١ . (٤) ذكره البغوي في تفسيره ١٩٨/٤. (٥) تفسير البغوي ١٩٨/٤ . (٦) الصحاح (سنن). ٣٢٣ سورة الفتح: الآيات ٢٢ - ٢٤ فأوَّلُ راضٍ سُنَّةً من يَسيرها(٢) فلا تَجْزَعَنْ من سُنَّةٍ (١) أنت سِرْتَها والسُّنة أيضاً: ضَرْبٌ من تمر المدينة(٣). ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اَللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِيَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ ﴾ ٢٤٦ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ وهي الحديبية (٤). ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِذَّ﴾ رَوى يزيدُ بن هارون قال: أخبرنا حمَّادُ بنُ سلمةَ عن ثابتٍ عن أنسٍ أنَّ ثمانينَ رجلاً من أهل مكّةَ هبطوا على النبيِّ ◌َ﴾ من جبل التَّنعيم متسلِّحين، يريدون غِرَّةً النبيِّ ﴾ وأصحابه؛ فأخذناهم سِلْماً فاستحييناهم؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَهِمْ﴾ (٥). وقال عبد الله بن مُغفَّل المُزنَيُّ: كنا مع النبيِّ ◌َ﴾ بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن؛ فبينًا نحن كذلك، إذ خرجَ علينا ثلاثون شابّاً عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم النبيُّ :﴿، فأخذَ الله بأبصارِهم، فقال لهم رسول الله ﴾: ((هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحدٌ أماناً)). قالوا: اللهم لا، فخلَّى سبيلهم. فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى كَفَّ أَبْدِيَهُمْ عَنَكُمْ﴾ الآية (٦). (١) في (م): سيرة. (٢) البيت لخالد بن زهير الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١ / ١٥٧. (٣) الصحاح (سنن). (٤) النكت والعيون ٣١٨/٥، وهو قول أنس كما في زاد المسير ٤٣٨/٧. (٥) أخرجه أحمد (١٢٢٥٤)، ومسلم (١٨٠٨). وفيهما: فأخذهم سلماً فاستحياهم. والغِرَّة: هي الغفلة. الصحاح (غرر). (٦) أخرجه مطولاً - أحمد (١٦٨٠٠)، والنسائي في الكبرى (١١٤٤٧). ٣٢٤ سورة الفتح: الآية ٢٤ وذكر ابنُ هشام عن وكيع: وكانت قريشٌ قد جاء منهم نحو سبعين رجلاً أو ثمانين رجلاً للإيقاع بالمسلمين وانتهاز الفرصة في أطرافهم؛ ففطِنَ المسلمون لهم، فأخذوهم أسرى، وكان ذلك، والسفراءُ يمشونَ بينهم في الصلح، فأطلقهم رسول الله ﴿، فهم الذين يُسَمَّونَ العُتَقاء، ومنهم معاويةُ وأبوه(١). وقال مجاهد: أقبل النبيُّ :﴿ مُعتَمِراً، إذ أخذ أصحابُهُ ناساً من الحرم غافلين، فأرسلهم النبيُّ #؛ فذلك الإظفارُ ببطن مكة(٢). وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ رجلاً من أصحاب رسول الله ﴾ يقال له: زُنيم، اطَّلِعَ الثنيَّة من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه؛ فبعث النبيُّ :﴿ خيلاً، فأتَوا باثني عشرَ فارساً من الكفار، فقال لهم النبيُّ ﴾: ((هل لكم عليَّ ذمّة؟» قالوا: لا. فأرسلَهم، فنزلت(٣). وقال ابن أبْزَى والكلبيُّ: هم أهل الحديبية، كفَّ الله أيديَهم عن المسلمين حتى وقع الصُلح، وكانوا خرجوا بأجمعهم وقصدوا المسلمين، وكفَّ أيديّ المسلمين عنهم. وقد تقدَّم أنَّ خالدَ بنَ الوليد كان في خيل المشركين(٤). قال القشيري: فهذه رواية، والصحيحُ أنَّه كان مع النبيِّ # في ذلك الوقت. وقد قال سلمةُ بن الأكْوَع: كانوا في أمر الصُّلح إذ أقبل أبو سفيان، فإذا الوادي يسير بالرجال والسلاح، قال: فجئت بستّةٍ من المشركين أسُوقُهم متسلِّحين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرَّا؛ فأتيتُ بهم رسولَ الله ﴾(6). وكان عمر قال في الطريق: يا رسولَ الله، نأتي قوماً حَرْباً وليس معنا سلاح (١) الدرر لابن عبد البر ص ٢٢٥. (٢) تفسير مجاهد ٦٠١/٢-٦٠٢، وأخرجه الطبري ٢٩٠/٢١. (٣) أخرجه الطبري ٢١/ ٢٩٠- ٢٩١ . (٤) ص ٣١٤ من هذا الجزء. (٥) أخرجه مطولاً ابن أبي شيبة في مصنفه ١٤ / ٤٤٠- ٤٤١ . ٣٢٥ سورة الفتح: الآية ٢٤ ولا كُراع؟ فبعث رسولُ اللـه ﴾ إلى المدينة من الطريق، فأتَوه بكلِّ سلاح وكُراعٍ كان فيها، وأُخبِر رسول الله ﴿ أنَّ عكرمةَ بنَ أبي جهْلٍ خرج إليك في خمس مئة فارس؛ فقال رسول الله﴿ لخالد بن الوليد: هذا ابنُ عمِّك أتاك في خمس مئة. فقال خالد: أنا سيفُ الله وسيفُ رسوله، فيومئذٍ سُمِّي بسيف الله، فخرج ومعه خيلٌ، وهَزم الكفارَ ودفعهم إلى حوائط مگّة(١). وهذه الروايةُ أصُ. وكان بينهم قتالٌ بالحجارة(٢). وقيل: بالنّبَل والظُفْر(٣). وقيل: أراد بكفِّ اليد أنَّه شَرَطَ في الكتاب أنَّ من جاءنا منهم فهو رَدٌّ عليهم، فخرج أقوامٌ من مَّةَ مسلمون، وخافوا أنْ يردّهم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المشركين، فلحقوا بالسَّاحل، ومنهم أبو بصير، وجعلوا يُغيرون على الكفار ويأخذون عِيْرهم، حتى جاء كبارُ قريشٍ إلى النبيِّ # وقالوا: اضممهم إليك حتى نأمن؛ ففعل (٤). وقيل: هَمَّت غَطَفان وأسد منع المسلمين من يهود خيبر(٥)؛ لأنَّهم كانوا حلفاءهم، فمنعهم الله عن ذلك؛ فهو کفُّ الید. ﴿بَطْنِ مَكَّةَ﴾ فيه قولان: أحدهما: يريد به مكّة. الثاني: الحُديبية؛ لأنَّ بعضَها مضافٌ إلى الحرم. قال الماوردي(٦): وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَّكُمْ عَلَيْهِمْ﴾: بفتح مكَّة(٧). وتكون هذه نزلت بعد فتح مكّة، وفيها دليلٌ على أنَّ مَّة فُتحت صُلحاً؛ (١) أخرجه الطبري ٢١/ ٢٩١ عن ابن أبزى. والكراع: اسم يجمع الخيل. الصحاح (كرع). (٢) هو قول ابن عباس كما في الكشاف ٣/ ٥٤٧ . (٣) هو قول مقاتل كما في زاد المسير ٤٣٨/٧. والظُّفْر: هو ما وراء معقد الوتر إلى طرف القوس، أو طرف القوس. القاموس (ظفر). (٤) قصة أبي بصير أخرجها أحمد (١٨٩١٠)، والبخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢) في الحديث الطويل عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم. (٥) ذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧٥ ، وعزاه لابن المنذر عن ابن جريج. (٦) في النكت والعيون ٣١٨/٥، وما قبله منه. (٧) يعني أظفركم عليهم بفتح مكة، وهو أحد ثلاثة أقوال في تفسير الآية، ذكرها الماوردي، واقتصر المصنف على الأول. ٣٢٦ سورة الفتح: الآيتان ٢٤ - ٢٥ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ﴾. قلت: الصحيحُ أنَّ هذه الآية نزلت في الحديبية قبل فتح مكَّة، حسب ما قدَّمناه عن أهل التأويل من الصحابة والتابعين. ورَوى الترمذيُّ قال: حدَّثنا عبدُ بن حُميد، قال: حدَّثني سليمانُ بن حرب، قال: حدَّثنا حمّاد بنُ سلمةَ عن ثابتٍ، عن أنس؛ أنَّ ثمانينَ هبطوا على رسول الله ﴾ وأصحابِهِ من جبل التنعيم، عند صلاة الصبح، وهم يريدون أنْ يقتلوه؛ فأُخذوا أخذاً، فأعتقهُمْ رسولُ الله :﴿؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَِّى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ ـهُمْ﴾ الآية. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. وقد تقدَّم (١). وأمَّا فتحُ مكَّة، فالذي تدلُّ عليه الأخبارُ أنها إنَّما فُتحت عَنوة، وقد مضى القول في ذلك في ((الحج)) وغيرها(٢). ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعُْوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلّهْ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ نَتُصِيبَكُمْ مِنْهُم مَعَزَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَيُدْخِلَ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَُّواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِمًا (٣٥)﴾ قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْحَدِىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَجِلًَّ﴾ فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني: قريشاً؛ منعوكم دخولَ المسجد الحرام عامَ الحُدَيبِية، حين أحرم النبيُّ ﴿ مع أصحابه بعُمْرةٍ(٣)، ومنعوا الهَدْيَ وحبسوهُ عن أنْ يبلغ مَحِلَّه. وهذا كانوا لا يعتقدونه، ولكنَّه حملتهم الأنَّفة، ودَعَتْهِمْ (١) سنن الترمذي (٣٢٦٤)، وتقدم ص ٣٢٣ من هذا الجزء. (٢) ١٤/ ٣٥٢ . (٣) النكت والعيون ٣١٩/٥. ٣٢٧ سورة الفتح: الآية ٢٥ حَمِيَّةُ الجاهلية إلى أن يفعلوا مالا يعتقدونه دِيناً، فوَبَّخهم الله على ذلك وتوعَّدهم عليه، وأدخل الأُنس على رسول الله 8* ببيانه ووعده (١). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاَلْهَدْىَ مَعَكُونًا﴾ أي: محبوساً. وقيل: واقفاً(٢). وقال أبو عمرو بن العلاء: مجموعاً. الجوهريُّ(٣): عَكَفَه، أي: حبسه ووَقَفه، يَعْكِفُه ويَعْكُفْه عَكْفاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْهَدَىَ مَعْكُوْنَا﴾؛ يقال: ما عَكفَكَ عن كذا. ومنه الاعتكافُ في المسجد، وهو الاحتباس. ﴿أَنْ يَبْلُغَ مِلَّمْ﴾ أي: مَنْحَرَه؛ قاله الفراء(٤). وقال الشافعي : الحَرَم(٥). وكذا قال أبو حنيفة : المُحصَر محلُّ هَذِيه الحرَم(٦). والمَحِلُّ؛ بكسر الحاء: غايةٌ الشيء، وبالفتح: هو الموضع الذي يَحُلُّه الناس. وكان الهَدْيُ سبعين بَدَنة(٧)، ولكنَّ الله بفضله جعل ذلك الموضع له مَحِلًّا (٨). وقد اختلف العلماء في هذا على ما تقدَّم بيانه في ((البقرة))(٩) عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [الآية: ١٩٦] والصحيحُ ما ذكرناه. وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: نَحَرنا مع رسول اللـه﴿ عامَ الحديبية البدَنَةَ عن سبعة، والبقرة عن سبعة(١٠). (١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٩٤. (٢) في (م) موقوفاً. والمثبت من النسخ الخطية والنكت والعيون ٣١٩/٥، والكلام منه. (٣) في الصحاح (عكف). (٤) في معاني القرآن ٦٨/٣ . (٥) النكت والعيون ٣١٩/٥. (٦) الكلام بنحوه في أحكام القرآن للكيا الطبري ٤/ ٣٧٨ . (٧) النكت والعيون ٣١٩/٥ . (٨) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٦٩٤ . (٩) ٢٨٣/٣-٢٨٤. (١٠) صحيح مسلم (١٣١٨): (٣٥٠)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤١٢٧). ٣٢٨ سورة الفتح: الآية ٢٥ وعنه قال: اشتركنا مع رسول اللـه ﴿ في الحجّ والعُمرة، كلُّ سبعةٍ في بدنة. فقال رجلٌ لجابر: أيُشتَرَكُ في البدَنة ما يُشترك في الجَزُور؟ قال: ما هي إلَّا من البُدْن. وحضر جابرٌ الحديبية قال: ونحرَنا يومئذٍ سبعين بَدَنة، اشتركنا كلُّ سبعةٍ في بَدَنة(١). وفي البخاريِّ(٢) عن ابن عمرَ قال: خرجنا مع رسول اللـه ﴿ مُعتمرين؛ فَحَال كفارُ قريشٍ دون البيت، فنحر رسولُ الله ◌ِ﴾ بُدْنَه، وحَلَق رأسَهِ. قيل: إنَّ الذي حلق رأسه يومئذٍ خِراشُ بن أميّة بن أبي العيص الخزاعي (٣). وأمر رسول اللـه ﴿ المسلمين أنْ ينحروا ويَحِلُّوا؛ ففعلوا بعد توقُّفٍ كان منهم أغضبَ رسول الله ﴾. فقالت له أمَّ سلمةً: لو نحرتَ لنحروا؛ فنحر رسولُ اللـه ﴾ِ هَدْيَه، ونحروا بِنَحْرِهِ، وحَلَقَ رسولُ اللهِ﴾ رأسَه، ودعا للمُحَلِّقين ثلاثاً وللمقصِّرين مرةً(٤). ورأى كعبَ بن عُجرَة والقَمْلُ يسقط على وجهه؛ فقال: ((أيؤذيك هوامُّك؟)) قال: نعم؛ فأمره أنْ يَحلِقَ وهو بالحديبية. خرَّجه البخاريُّ والدَّار قطنيّ(٥). وقد مضى في ((البقرة))(٦). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالْهَدّىَ﴾ الهَدِيُ والهَدِيُّ لغتان. وقُرئ: ﴿حَّ بَتْلُغَ الْهَدْىُ (١) صحيح مسلم (١٣١٨): (٣٥٣)، وأخرجه مختصراً أحمد (١٥٠٤٣). (٢) برقم (١٨١٢). (٣) الدرر ص ٢٢٥، وفيه، وفي سيرة ابن هشام ٣١٩/٢: ابن الفضل الخزاعي، بدل: ابن أبي العيص. وهو خراش بن أمية بن ربيعة بن الفضل الخزاعي، مدني، شهد مع رسول اللـه # الحديبية وخيبر وما بعدهما من المشاهد، توفي آخر خلافة معاوية. الإصابة ٨٦/٣، والاستيعاب (بهامش الإصابة) ١٩١/٣-١٩٢. (٤) الدرر ص ٢٢٥، وقصة أم سلمة أخرجها البخاري في الحديث الطويل عن المسور بن مخرمة ومروان ابن الحكم (٢٧٣١-٢٧٣٢) وسلف بعضه ص٣٢٥ من هذا الجزء. ودعاء النبي للمحلقين ثم للمقصرين سلف ٢٨٧/٣ . (٥) صحيح البخاري (١٨١٧)، وسنن الدارقطني (٢٧٨٠)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٨١١٣)، ومسلم (١٢٠١). (٦) ٣/ ٢٩٠ . ٣٢٩ سورة الفتح: الآية ٢٥ تَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] بالتخفيف والتشديد(١)؛ الواحدةَ هَذْية [وهَدِيَّة](٢). وقد مضى في ((البقرة)) أيضاً(٣). وهو معطوفٌ على الكاف والميم من ((صَدُّوكُمْ)). و﴿مَعْكُونًا﴾ حال، وموضع ((أنْ)) من قوله: ((أَن يَبْلُغَ مَحِلَّه)) نُصِبَ على تقدير الحَمْلِ على ((صَدُّوكُمْ)) أي: صدُّوكم وصدُّوا الهَذْي عن أن يبلغ (٤). ويجوز أنْ يكون مفعولاً له؛ كأنه قال: وصَدُّوا الهَديَ كراهيةً أن يبلغ مَحِلَّه. أبو علي: لا يصحُّ حمله على العَكف(٥)؛ لأنَّا لا نعلم ((عكف)) جاء متعدِّياً (٦)، ومجيءُ ((مَعْكُوفا)) في الآية يجوز أنْ يكون محمولاً على المعنى؛ كأنه لمّا كان حَبْساً حُمِل المعنى على ذلك، كما حُمِلِ الرَّفَثُ على معنى الإفضاء، فَعُدِّيَ بإلى، فإنْ حُمل على ذلك كان موضعه نَصْباً على قياس قول سيبويه، وجراً على قياس قول الخليل. أو يكونُ مفعولاً له؛ كأنه قال: محبوساً كراهة(٧) أن يبلغ مَحِلَّه. ويجوز تقدير الجرِّ في ((أن))؛ لأنّ ((عن)) تقدَّمت؛ فكأنه قال: وصدُّوكم عن المسجد الحرام، وصدُّوا الهَذْيَ عن أن يبلغَ مَحِلَّه. ومثله ما حكاه سيبويه عن يونس: مررتُ برجلٍ إِنْ زيدٍ و إن عمرٍو؛ فأضمر الجارَّ لِتَقدُّم ذكره. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَتٌ لَّمْ تَعْلَمُهُمْ أَنْ تَطَُّوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ يعني المستضعفين من المؤمنين بمكّة (١) القراءة بالتشديد هي قراءة الأعرج كما في القراءات الشاذة ص ١٢. وبالتخفيف قراءة الجمهور. (٢) الصحاح (هدي) وما بين حاصرتين منه. (٣) ٢٨٢/٣. (٤) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٠٢ . (٥) المثبت من (ق) و(م)، وفي غيرهما: العطف. (٦) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ١٣٦/٥. (٧) في (م): كراهية. ٣٣٠ سورة الفتح: الآية ٢٥ وسطّ الكفار (١)؛ كسلمةَ بنِ هشام، وعيَّاش بن أبي ربيعة،، وأبي جَنْدل بن سهيل، وأشباهِھم. ﴿لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ أي: تعرفوهم. وقيل لم تعلموهم أنهم مؤمنون(٢). ﴿أَنْ تَطَُّوهُمْ﴾ بالقتل والإيقاع بهم؛ يقال: وَطِئْتُ القوم، أي: أَوقعتُ بهم. و((أنْ)) يجوز أنْ يكون رفعاً على البدل من ((رجالٌ، ونساءٌ)) كأنَّه قال: ولولا وَظْؤُكُم رجالاً مؤمنين ونساءً مؤمنات. ويجوز أنْ يكون نصباً على البدل من الهاء والميم في (تَعْلَمُوهُمْ))؛ فيكون التقدير: لم تعلموا وَظْأهم؛ وهو في الوجهين بدلُ الاشتمال. و(لَمْ تَعْلَمُوهُمْ)) نعتٌ لـ«رجالٌ)) و((نساءٌ)). وجواب ((لَوْلا)) محذوف(٣)؛ والتقدير: ولولا(٤) أنْ تطؤوا رجالاً مؤمنينَ ونساءً مؤمنات لم تعلموهم، لأذِنَ الله لكم في دخول مَّة، ولسَلَّطكم عليهم؛ ولَكِنَّا صُنَّا من كان فيها يَكتمُ إيمانَه خوفاً(٥). وقال الضَّحَّاك: لولا مَن في أصلاب الكفار وأرحام نسائهم من رجالٍ مؤمنين ونساءٍ مؤمنات، لم تعلموهم(٦) أنْ تطؤوا آباءهم فيَهلك أبناؤهم (٧). الثانية: قوله تعالى: ﴿فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ المَعَرَّة: العيب، وهي مَفْعَلَةٍ من العُر، وهو الجَرَب، أي: يقول المشركون: قد قتلوا أهلَ دينهم. وقيل: المعنى: يصيبكم من قَتلهم ما يلزمُكم من أجله كفارةُ قتل الخطأ؛ لأنَّ الله تعالى إنما أوجبَ على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجرَ منها ولم يعلم بإيمانه، الكفارةَ دون الدِّية في قوله: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَتَحِْيرُ رَقَّبَةٍ (١) الوسيط للواحدي ٤/ ١٤٣. (٢) الوجيز بهامش مراح لبيد ٣٠٩/٢ . (٣) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٧٨ . (٤) في (م): لو. (٥) لفظة: خوفاً. ليست في (م). وينظر تفسير الطبري ٣٠٦/٢١، وأحكام القرآن لابن العربي ١٦٩٥/٤. (٦) في (ز) و(ظ) و(ف): تعلموا. والمثبت من (خ) و(ق) و(م). (٧) النكت والعيون ٣٢٠/٥ . ٣٣١ سورة الفتح: الآية ٢٥ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] قاله الكلبي ومقاتل وغيرهما(١). وقد مضى في ((النساء)) القول فيه(٢) . وقال ابن زيد: ((مَعَرَّةٌ)): إثم؛ وقاله الجوهريُّ(٣). ابن إسحاق(٤): غُرْمِ الدِّيَة. قطرب: شِدَّة. وقيل: غمّ (٥). الثالثة: قوله تعالى: ﴿ِغَيْرِ عِلَّمْ﴾ تفضيلٌ للصحابة، وإخبارٌ عن صفتهم الكريمة من العفّة عن المعصية، والعصمة عن التعدِّي، حتى لو أنَّهم أصابوا من ذلك أحداً، لكان عن غير قصد. وهذا كما وصفت النملةُ عن جند سليمان عليه السلام في قولها : ﴿لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾(٦) [النمل: ١٨]. قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَ اَللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ، لَوْ تَزَّلُوا﴾ فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءٌ لَوْ تَزَّلُواْ﴾ اللام في (لِيُدْخِلَ)) متعلقةٌ بمحذوف (٧)، أي: لو قتلتموهم لأدخلهم الله في رحمته (٨). ويجوز أنْ تتعلَّقَ بالإيمان (٩). ولا تُحملُ على مؤمنينَ دون مؤمناتٍ، ولا على مؤمناتٍ دون مؤمنين؛ لأنَّ الجميعَ يدخلون في الرحمة. وقيل: المعنى لم يأذن الله لكم في قتال المشركين، ليُسلمَ بعد الصلح من قضى أن يُسلم من أهل مكَّة؛ وكذلك كان، أسلمَ الكثيرُ منهم وحَسُنَ إسلامُهُ، ودخلوا في رحمته، أي: جنته. (١) نسبه للكلبي الماورديُّ في النكت والعيون ٣٢٠/٥. وهو في تفسير الطبري ٣٠٦/٢١. دون نسبة. (٢) ٧ /٢٥ . (٣) في الصحاح (عرر)، وقول ابن زيد أخرجه الطبري ٣٠٥/٢١ . (٤) في (م): وقال الجوهري وابن إسحاق. وهو خطأ. (٥) النكت والعيون ٣٢٠/٥. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٩٥ . (٧) الوسيط للواحدي ٤/ ١٤٣ . (٨) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٥١٠. (٩) والتقدير - كما في المحرر الوجيز ١٣٧/٥ -: لولا قوم مؤمنون آمنوا ليدخل الله من يشاء في رحمته. ٣٣٢ سورة الفتح: الآية ٢٥ الثانية: قوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَّلُوا﴾ أي: تميَّزوا؛ قاله القُتَبيّ(١). وقيل: لو تفرقوا؛ قاله الكلبي. وقيل: لو زَال المؤمنون من بين أَظهُر الكفار، لَعذَّب الكفارَ بالسيف؛ قاله الضَّحَّاك. ولكنَّ الله يدفع بالمؤمنينَ عن الكفار(٢). وقال عليٍّ ﴾: سألتُ النبيَّ ﴾ عن هذه الآية: ﴿لَوْ تَزَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فقال: ((هم المشركون من أجداد نبيِّ الله، ومن كان بعدهم وفي عصرهم، كان في أصلابهم قومٌ مؤمنون، فلو تزيّل المؤمنونَ عن أصلاب الكافرين، لعذَّب الله تعالى الكافرين عذاباً أليماً))(٣). الثالثة: هذه الآيةُ دليلٌ على مراعاة الكافر في حُرمة المؤمن؛ إذ لا يمكن إذايةُ الكافر إلا بإذاية(٤) المؤمن. قال أبو زيد: قلت لابن القاسم: أرأيت لو أنَّ قوماً من المشركين في حصنٍ من حصونهم، حَصَرهم أهلُ الإسلام، وفيهم قومٌ من المسلمين أُسارى في أيديهم، أَيُحرقُ هذا الحصنُ أم لا؟ قال: سمعت مالكاً، وسُئلَ عن قومٍ من المشركين في مراكبهم: أنرمي في مراكبهم بالنَّار ومعهم الأُسارى في مراكبهم؟ قال: فقال مالك: لا أرى ذلك؛ لقوله تعالى لأهل مكَّة: ﴿لَوْ تَزَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾(٥). وكذلك لو تَتَرَّس كافرٌ بمسلم، لم يجز رَميهُ. وإن فعل ذلك فاعلٌ فأتلفَ أحداً من المسلمين، فعليه الدِّية والكفَّارة. فإنْ لم يعلموا فلا دية ولا كفَّارة؛ وذلك أنَّهم إذا علموا فليس لهم أنْ يرموا، فإذا فعلوه صاروا قتَلَة خطأ، والدِّية على عواقلهم. فإنْ لم يعلموا، فلهم أنْ يرموا، وإذا أُبيحوا الفعل لم يجز أن يبقَى عليهم فيها تِبَاعة. قال ابن العربي: وقد قال جماعةٌ: إنَّ معناه: لو تزيّلوا عن بطون النساء وأصلاب (١) في تأويل مشكل القرآن ص ٢٨٥ . (٢) النكت والعيون ٣٢٠/٥. (٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ١٣٧ مختصراً. وعزاه للثعلبي والنقاش. وفي رفعه نظر. (٤) في (م): أذية الكافر إلا بأذية. (٥) المدونة الكبرى ٢٤/٣، وأحكام القرآن لابن العربي ١٦٩٥/٤ - ١٦٩٦. ٣٣٣ سورة الفتح: الآية ٢٥ الرجال. وهذا ضعيف؛ لأنَّ مَن في الصُّلب أو في البطن لا يُوطأ، ولا تُصيبُ منه معرَّة. وهو سبحانه قد صرَّح فقال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطُّوهُمْ﴾ وذلك لا ينطلق على مَن في بطن المرأة وصُلب الرجال، وإنَّما ينطلق على مثل الوليد بن الوليد، وسلمةَ بن هشام، وعيَّاش بن أبي ربيعة، وأبي جندل بن سهيل، وكذلك قال مالك. وقد حاصرنا مدينةً للروم(١) فحُبس عنهم الماء، فكانوا يُنزِلون الأُسارى يستقون لهم الماء، فلا يقدرُ أحدٌ على رميهم بالنَّبل، فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا. وقد جوَّز أبو حنيفة وأصحابهُ والثَّوريُّ الرَّميَ في حصون المشركين، وإنْ كان فيهم أُسارى من المسلمين وأطفالِهم. ولو تَتَرَّس كافرٌ بولدٍ مسلم، رُميَ المشرك، وإن أُصيب أحدٌ من المسلمين فلا دية فيه ولا كفَّارة. وقال الثوري: فيه الكفَّارة ولا دية. وقال الشافعيُّ بقولنا. وهذا ظاهر؛ فإنَّ التوصُّلَ إلى المباح بالمحظور لا يجوز؛ سِيَّما بروح المسلم؛ فلا قولَ إلا ما قاله مالك «﴾. والله أعلم (٢). قلت: قد يجوز قتل التُّرس، ولا يكون فيه اختلافٌ إنْ شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحةُ ضروريةً كليّةٌ قطعيةً. فمعنى كونها ضروريةً: أنَّها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلَّا بقتل التُّرس. ومعنى أنها كُلِّية: أنه قاطعةٌ لكلِّ الأمَّة، حتى يحصلَ من قتل التُّرس مصلحةُ كلِّ المسلمين؛ فإنْ لم يفعل، قَتَلَ الكفارُ التُّرسَ واستولوا على كلِّ الأمة. ومعنى كونها قطعيةً: أنَّ تلك المصلحةَ حاصلٌ من قتل التُّرس قطعاً (٣). قال(٤) علماؤنا: وهذه المصلحةُ بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها؛ لأنَّ الفَرْضَ أنَّ التُّرسَ مقتولٌ قطعاً؛ فإما بأيدي العدوِّ فتحصل المفسدة العظيمة، التي (١) في النسخ عدا (ف): الروم. والمثبت من (ف) وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٩٦ . (٣) ينظر المستصفى ١/ ٤٢٠، والمحصول ١٦٤/٦. (٤) في (ظ): قاله. ٣٣٤ سورة الفتح: الآيتان ٢٥ - ٢٦ هي استيلاءُ العدوِّ على كل المسلمين. وإما بأيدي المسلمين، فَيهلِكَ العدُّو وينجو المسلمون أجمعون. ولا يتأتى لعاقل أن يقول: لا يُقتل التُّرس في هذه الصورة بوجه؛ لأَنَّه يلزم(١) منه ذهابُ التُّرس والإسلام والمسلمين، لكنْ لمَّا كانت هذه المصلحةُ غيرَ خاليةٍ من المفسدة، نفرتْ منها نفسُ من لم يمعن النظر فيها؛ فإنَّ تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدمٌ أو كالعدم. والله أعلم. الرابعة: قراءة العامة: (لَوْ تَزَيَّلُوا)) إلا أبا حَيْوَة فإنه قرأ: ((تَزَايَلُوا))(٢) وهو مثل (تَزَيَّلُوا)) في المعنى. والتزايل: التباين(٣). و(تَزَيَّلُوا)) تفعَّلوا، من زِلْت. وقيل: هي تَفَيْعَلُوا. (لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا)) قيل: اللام جواب لكلامين؛ أحدهما: ((لَولاَ رِجَالٌ)) والثاني: (لَوْ تَزَيَّلُوا))(٤). وقيل جواب (لَوْلَا)) محذوف؛ وقد تقدَّم(٥). و((لَوْ تَزَيَّلُوا)» ابتداء كلام. قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَ بِهَا وَأَهْلَهَأْ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ٢٦ العامل في ((إذْ)) قوله تعالى: (لَعَذَّبْنَا)) أي: لعذَّبناهم إذ فعلوا (٦) هذا. أو فعلٌ مضمرٌ تقديره: واذكروا (٧). (١) في (م): تلزم. (٢) المحرر الوجيز ١٣٧/٥. (٣) الصحاح (زيل). (٤) تأويل مشكل القرآن ص ٢٨٥ . (٥) ص ٣٣٠ من هذا الجزء. (٦) في (م): جعلوا. (٧) الكلام بنحوه في الكشاف ٥٤٨/٣-٥٤٩، والمحرر الوجيز ١٣٩/٥. ٣٣٥ سورة الفتح: الآية ٢٦ ﴿اَلْحَمِيَّةَ﴾ فعِيلة، وهي الأنَفَة. يقال: حَمِيتُ عن كذا حَميَّة - بالتشديد - ومَحْمِيَّة : إذا أنِفْتَ منه وداخلك عارٌ وأَنَفةٌ أن تفعله(١). ومنه قول المتلمِّس: كذِي الأَنْفِ يحمي أنفَه أن يُكَشَّما(٢) ألا إنني منهم وعِرْضيَ عِرْضُهم أي: يمنع. قال الزهريُّ: حَمِيَّتُهم: أَنَفَتُهم من الإقرار للنبيِّ ﴾ بالرسالة والاستفتاحِ ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعُهم من دخول مكة (٣). وكان الذي امتنع من كتابة بسم الله الرحمن الرحيم، ومحمدٌ رسول الله: سهيلُ بن عمرو؛ على ما تقدَّم(٤) . وقال ابن بحر: حمِيَّتُهم عصبيَّتُهم لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، والأنَفةُ من أنْ يعبدوا غيرها(٥). وقيل: ((حَمَّيِةَ الجَاهِلِيَّةِ) إنَّهم قالوا: قَتلوا أبناءنا وإخواننا، ثمَّ يدخلون علينا في منازلنا؛ واللات والعُزَّى لا يدخلها أبداً (٦). ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أي: الطمأنينةَ والوقار ﴿عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقيل: ثبَّتهم على الرِّضا والتسليم، ولم يُدخِل قلوبَهم ما أدخلَ قلوبَ أولئك من الحميّة. ﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ قيل: لا إله إلا الله. روي مرفوعاً من حديث أُبيِّ بن كعب عن النبيِّ ﴾(٧). وهو قول عليٍّ، وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن ميمون، (١) الصحاح (حمى). (٢) في النسخ الخطية: كذا الرأس يحمي أنفه أن يهشما، والمثبت من (م) وهو الموافق لخزانة الأدب ٥٨/١٠، والبيت فيه، بلفظ: يهشما. بدل: يكشما. (٣) النكت والعيون ٣٢٠/٥. (٤) ص٣١٦ من هذا الجزء. (٥) النكت والعيون ٣٢٠/٥ . (٦) الوسيط للواحدي ١٤٣/٤، وتفسير البغوي ٤ / ٢٠٤ . (٧) أخرجه أحمد (٢١٢٥٥)، والترمذي (٣٦٢٥). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قَزَعة. قال: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فلم يعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. ٣٣٦ سورة الفتح: الآيتان ٢٦ - ٢٧ ومجاهد، وقتادة، وعكرمة، والضحاك، وسلمةَ بن كُهيل، وعبيد بن عمير، وطلحة ابن مُصَرِّف، والربيع، والسُّدِّيّ، وابن زيد. وقاله عطاءٌ الخُراسانيّ، وزاد: محمدٌ رسول الله(١). وعن عليّ وابن عمر أيضاً: هي لا إله إلا الله، والله أكبر (٢). وقال عطاء بن أبي رباح ومجاهد أيضاً: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير(٣). وقال الزهريُّ: بسم الله الرحمن الرحيم. يعني أنَّ المشركين لم يُقِرُّوا بهذه الكلمة؛ فخصَ الله بها المؤمنين، وكلمةُ التَّقوَى: هي التي يُتَّقى بها من الشرك. وعن مجاهد أيضاً: أنَّ كَلِمَةَ التَّقوى: الإخلاص(٤). ﴿وَكَانُواْ أَحَقَ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ أي: أحقَّ بها من كفار مكَّة؛ لأنَّ الله تعالى اختارهم لدينه وصُحبة نبيِّه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّغِيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ تُحِلْفِيْنَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَّخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ٢٧ قال قتادة: كان رسولُ الله ﴾ رأى في المنام أنه يدخل مكة على هذه الصِّفة؛ فلمَّا صالح قريشاً بالحُدَيبِية ارتاب المنافقون، حتى قال رسول اللـه ﴾: إنَّه يدخل (١) أخرج هذه الأقوال الطبري ٣١٠/٢١-٣١٣. عدا أقوال ابن عمر، وسلمة بن كهيل، وعبيد بن عمير، وطلحة بن مصرف، والربيع، والسدي. وذكر قول ابن عمر النحاس في إعراب القرآن ٢٠٣/٤ ، وذكر قول السدي ابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٤٤١ . (٢) أخرجه عنهما الطبري ٣١٠/٢١-٣١١، ٣١٣. (٣) أخرجه الطبري ٣١٤/٢١ من طريق ابن جريج عن مجاهد وعطاء. وقول مجاهد فيه: كلمة التقوى: الإخلاص وسيأتي. (٤) أخرج القولين الطبري ٣١٤/٢١ . ٣٣٧ سورة الفتح: الآية ٢٧ مكَّة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّنْيَا بِالْحَقِّ﴾ فأعلمهم أنَّهم سيدخلون في غير ذلك العام، وأنَّ رؤياه ﴿ حقٌّ (١). وقيل: إنَّ أبا بكر هو الذي قال: إن المنام لم يكن مؤقّتاً بوقت، وأنه سيدخل. وروي أن الرؤيا كانت بالحديبية(٢)، ورؤيا(٣) الأنبياء حقٌّ. والرؤيا أحدُ وجوه الوحي إلى الأنبياء. ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ أي: في العام القابل ﴿ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ قال ابن كيسان: إنَّه حكايةُ ما قيل للنبي :﴿ في منامه؛ خُوطِبَ في منامه بما جرت به العادة؛ فأخبر الله عن رسوله أنّه قال ذلك، ولهذا استثنى؛ تأذَّبَ بأدب الله تعالى حيث قال تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣] (٤). وقيل: خاطب الله العبادَ بما يُحبُّ(٥) أن يقولوه، كما قال: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًّا إِلَّا أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾. وقيل: استثنى فيما يعلم، ليستثني الخلقُ فيما لا يعلمون، قاله ثعلب(٦). وقيل: كان الله علم أنه يُميتُ بعضَ هؤلاء الذين كانوا معه بالحديبية، فَوَقع الاستثناءُ لهذا المعنى، قاله الحسينُ بنُ الفضل(٧). وقيل: الاستثناء من ((آمِنينَ))، وذلك راجعٌ إلى مخاطبة العباد على ما جَرت به العادة (٨). وقيل: معنى ((إِنْ شَاءَ اللهُ)) إنْ أمرَكُم الله بالدخول(٩). وقيل: أي: إنْ سهّل الله. وقيل: ((إن شَاءَ اللهُ)) أي: (١) القول بنحوه في النكت والعيون ٥/ ٣٢٢، وأخرجه مختصراً الطبري ٣١٦/٢١ . (٢) هو قول مجاهد. وأخرجه الطبري ٣١٦/٢١، وذكر الألوسي ٢٦/ ١٢٠ أن قول من قال: إن الرؤيا قبل خروجه إلى الحديبية هو الأصح. (٣) في (م): وإن رؤیا. (٤) القول بنحوه في تفسير البغوي ٤/ ٢٠٥ . (٥) في (ظ): يجب. (٦) ذكره الواحدي في الوسيط ٤/ ١٤٥، وابن الجوزي في زاد المسير ٤٤٣/٧. (٧) ذكره البغوي في تفسيره ٢٠٥/٤ . (٨) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٤٤٤ بنحوه، وعزاه للثعلبي. (٩) هو قول الزجاج كما في معاني القرآن له ٢٨/٥ . ٣٣٨ سورة الفتح: الآية ٢٧ كما شاء الله. وقال أبو عبيدة: ((إنْ)) بمعنى ((إذ))(١)، أي: إذا شاء الله، كقوله تعالى: ﴿أَثَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوْاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] أي: إذ كنتم. وفيه بُعْدٌ، لأنَّ ((إذ)) في الماضي من الفعل، و((إذا)) في المستقبل، وهذا الدُّخول في المستقبل، فَوَعَدهم دخولَ المسجد الحرام وعلَّقه بشرط المشيئة، وذلك عامَ الحديبية؛ فأَخبر أصحابه بذلك، فاستبشروا؛ ثم تأخّر ذلك عن العام الذي طمعوا فيه، فساءَهم ذلك واشتدَّ عليهم، وصالحهم ورجع؛ ثم أذِنَ الله في العام المقبل، فأنزل الله: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُِّيَا بِالْحَقِّ﴾. وإنَّما قيل له في المنام: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ فحكى في التنزيل ما قيل له في المنام؛ فليس هنا شكٌّ كما زعم بعضُهم أنَّ الاستثناءَ يدلُّ على الشك، والله تعالى لا يَشكُّ، و(لَتَدْخُلُنَّ)) تحقيقٌ، فكيف يكون شك. فـ((إنْ)) بمعنى ((إذا))(٢). ﴿َامِنِينَ﴾ أي: من العدوّ. ﴿ُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ والتحليقُ والتقصير جميعاً للرجال، ولذلك غَلَّب المذكَّر على المؤنَّث. والحلقُ أفضل، وليس للنِّساء إلا التقصيرُ. وقد مضى القول في هذا في ((البقرة))(٣). وفي الصحيح أنَّ معاوية أخذ من شعر النبيِّ ﴾ على المَرْوَة بِمِشْقَص(٤). وهذا كان في العمرة لا في الحجّ؛ لأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ حَلَق في حَجَّته (٥). ﴿لَا تَخَافُونٌَ﴾ حالٌ من المحلِّقين والمقصِّرين، والتقدير: غير خائفين(٦). ﴿فَعَلِمَ (١) ذكره عن أبي عبيدة الواحدي في الوسيط ١٤٥/٤، والبغوي في تفسيره ٤/ ٢٠٥ ، وأشار إليه النحاس في إعراب القرآن ٢٠٤/٥ ، ثم ردَّه. (٢) في النسخ الخطية: إذ، والمثبت من (م). (٣) ٢٨٧/٣ . (٤) أخرجه أحمد (١٦٨٨٥)، والبخاري (١٧٣٠)، ومسلم (١٢٤٦). والمشقص: نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض. النهاية (شقص). (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٦٩٧/٤ وخبر حَلْق النبي # في حجته؛ أخرجه أحمد (٤٨٨٩)، والبخاري (١٧٢٦)، ومسلم (١٣٠٤). (٦) مشكل إعراب القرآن ٦٧٨/٢ . ٣٣٩ سورة الفتح: الآيتان ٢٧ - ٢٨ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أي: علم ما في تأخير الدخول من الخير والصلاح ما لم تعلموه أنتم(١). وذلك أنَّه عليه الصلاة والسلام لما رجع، مضى منها إلى خَيْبرَ فافتتحها، ورجع بأموالٍ خيبرَ، وأخذ من العُدَّة والقوّة أضعافَ ما كان فيه في ذلك العام، وأقبلَ إلى مكة على أُهبةٍ وقوَّةٍ وعُدَّة بأضعاف ذلك. وقال الكلبيُّ: أي علم أنَّ دخولها إلى سنةٍ، ولم تعلموه أنتم. وقيل: عَلِم أنَّ بمَّةَ رجالاً مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ لم تعلموهم(٢). ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ أي: من دون رؤيا النبيِّ ﴿ فتح خيبر؛ قاله ابن زيد والضحاك(٣). وقيل: فتح مكة. وقال مجاهد: هو صلح الحديبية(٤)؛ وقاله أكثر المفسرين. قال الزُّهريُّ: ما فتحٌ(٥) في الإسلام كان أعظمَ من صلح الحديبية؛ لأنَّه إنَّما كان القتالُ حين تلتقي الناس، فلَّما كانت الهدنةُ؛ وَضعتِ الحربُ أوزارَها، وأَمِنَ الناس بعضُهم بعضاً؛ فالتقَوا وتفاوضوا الحديث والمناظرة، فلم يُكَلَّمْ أحدٌ بالإِسلام يعقلُ شيئاً إلَّا دخل فيه، فلقد دخل في تَينك السنتين في الإسلام مثلُ ما كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر(٦). يدلُّكَ على ذلك أنَّهم كانوا سنة ستٍّ يومَ الحديبية ألفاً وأربع مئة، وكانوا بعد عام الحديبية سنةً ثمانٍ في عشرة آلاف. قوله تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّدٍ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ٢٨ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ يعني: محمداً ﴾ ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ (١) الوسيط ٤ /١٤٥ . (٢) النكت والعيون ٣٢٢/٥. (٣) أخرج قول ابن زيد الطبري ٣١٩/٢١ . (٤) تفسير مجاهد ٦٠٣/٢، وأخرجه الطبري ٣١٨/٢١. (٥) في (ز) و(م): ما فتح الله. (٦) أخرجه الطبري ٣١٨/٢١، وفيه: ما فُتِح في الإسلام فتحٌ. ٣٤٠ سورة الفتح: الآيتان ٢٨ - ٢٩ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: يُعليه على كل الأديان. فالدين اسمٌ بمعنى المصدر، ويستوي لفظ الواحد والجمع فيه. وقيل: أي: لِيُظهرَ رسولَه على الدين كلِّه - أي: على الدين الذي هو شَرْعُهُ - بالحجَّة، ثمَّ باليد والسيف؛ ونسخ ما عداه. ﴿وَكَفَى بِلَِّ شَهِيدًا﴾ ((شَهِيداً)) نصبٌ على التفسير، والباء زائدة، أي: كفى اللهُ شهيداً لنبيِّه ◌ِ﴾؛ وشهادته له تبيِّن صحة نبوَّته بالمعجزات. وقيل: ((شَهِيداً)) على ما أُرسل به؛ لأنَّ الكفارَ أبَوا أنْ يكتبوا: ((هذا ما صالح عليه محمدٌ رسولُ الله))(١). قوله تعالى: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّهُ عَلَى الْكُغَارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ تَرَهُمْ رُكَّعَا سُبَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنَا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمِ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِى الْإِنِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطَهُ، فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَغْفِرَةُ وَأَجْرًا عَظِيمًا (39) فيه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ ((مُحَمَّدٌ)) مبتدأ، و((رَسُولُ)) خبره. وقيل: (مُحَمَّدٌ)) ابتداء، و(رَسُولُ اللَّهِ)) نعته، ((وَالَّذِينَ مَعَهُ)) عطفٌ على المبتدأ، والخبر فيما بعده؛ فلا يُوقَفُ على هذا التقدير على ((رَسُولُ اللَّهِ)). وعلى الأول يُوقَف على ((رَسُولُ اللَّهِ))؛ لأنَّ صفاتِه عليه الصلاة والسلام تزيد على ما وَصَفَ به(٢) أصحابَه؛ فيكون (مُحَمَّدٌ)) ابتداءً، و((رَسُولُ اللَّهِ) الخبر؛ ((وَالَّذِينَ مَعَهُ)) ابتداءٌ ثانٍ، و((أَشِدَّاءُ)) خبره، و((رُحَمَاء)) خبر ثان(٣). وكونُ الصفات في جملة أصحاب النبيِّ ﴾ هو الأشبه. قال ابن عباس: أهل (١) سلفت القصة ٣١٦/١٦، ٣١٨. (٢) لفظة: به. ليست في (م). (٣) مشكل إعراب القرآن ٦٧٨/٢ - ٦٧٩ .