Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
سورة محمد: الآيات ١٥ - ١٧
الجنة، ونهر الفرات نهرُ لبنِهم، ونهر مصرَ نهرُ خمرِهم، ونهر سَيْحان نهرُ عسلِهم.
وهذه الأنهار الأربعةُ تخرج من نهر الكوثر(١).
والعسل: يذكَّر ويؤنث. وقال ابن عباس: ((مِن عَسَلٍ مُصَفَّى)) أي: لم يخرج من
بطون النَّحل(٢).
﴿وَهْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ ((مِن)) زائدة للتأكيد.
﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ زَّيِهِمْ﴾ أي: لذنوبهم. ﴿كَمَنْ هُوَ خَلٌِ فِ النَّارِ﴾ قال الفرّاء: المعنى
أفمن يخلد في هذا النَّعيم كمن يخلد في النَّار(٣). وقال الزجَّاج (٤): أي: أفمن كان
على بيِّنة من ربِّه وأعطي هذه الأشياءَ كمن زُيِّن له سوءُ عمله وهو خالد في النار؟!
فقوله: (كَمَنْ)) بدل من قوله: ((أفَمَنْ زُيِّن لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ)). وقال ابن كَيْسان: مَثَلُ
هذه الجنة التي فيها الثمار والأنهار كَمَثَلِ النار التي فيها الحميم والزقُّوم. ومَثَلُ أهل
الجنة في النعيم المقيم كَمَثَلِ أهل النار في العذاب المقيم.
﴿وَسُقُواْ مَةً حَمِيمًا﴾ أي: حارًّا شديدَ الغليان، إذا أُدْني(٥) منهم شَوَى وجوههم،
ووقعت فروةُ رؤوسهم، فإذا شربوه قطّع أمعاءَهم وأخرجها من دبورهم. والأمعاء:
جمع مِعَى، والتثنية مِعْيان، وهو جميعُ ما في البطن من الحوايا (٦).
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ
مَاذَا قَالَ ءَائِقًا أُوْلَّكَ الَّذِيْنَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّعُوْ أَهْوَءَ هُزْ (٨) وَلَّذِيْنَ أَهْتَدَوْاْ
زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَنْهُمْ تَّقْوَنَهُمْ (٣)﴾
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ﴾ أي: من هؤلاء الذين يتمتعون ويأكلون كما
(١) تفسير البغوي ٤/ ١٨١ .
(٢) الكشاف ٣/ ٥٣٤ دون نسبة.
(٣) زاد المسير ٧ / ٤٠١.
(٤) في معاني القرآن له ١٠/٥.
(٥) في النسخ الخطية: دنى، والمثبت من (م).
(٦) تفسير البغوي ١٨١/٤ .

٢٦٢
سورة محمد: الآيتان ١٦ - ١٧
تأكل الأنعام، وُزيِّن لهم سوءُ عملهم، قومٌ يستمعون إليك. وهم المنافقون: عبدُ الله
ابن أُبيّ ابن سَلُول، ورفاعةُ بن التابوت، وزيدُ بن الصليت، والحارثُ بن عمرو،
ومالكُ بن دُخْشم، كانوا يحضرون الخطبةَ يوم الجمعة، فإذا سمعوا ذكرٌ المنافقين
فيها أعرضوا عنه، فإذا خرجوا سألوا عنه. قاله الكلبي ومقاتل. وقيل: كانوا يحضرون
عندَ رسول اللـه # مع المؤمنين، فيستمعون منه ما يقول، فَيَعيه المؤمن ولا يعيه
الكافر (١). ﴿حَتَّىَ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِلَ﴾ أي: إذا فارقوا مجلسَك. ﴿قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾
قال عكرمة: هو عبدُ الله بن العباس(٢). قال ابن عباس: كنت ممن يُسأل(٣)، أي:
كنت من الذين أوتوا العلم.
وفي رواية عن ابن عباس: أنه يريد عبدَ الله بن مسعود(٤). وكذا قال عبد الله بن
بريدة: هو عبد الله بن مسعود. وقال القاسم بن عبد الرحمن: هو أبو الدرداء. وقال
ابن زيد: إنهم الصحابة (٥).
﴿مَاذَا قَالَ مَائِقً﴾ أي: الآن؛ على جهة الاستهزاء، أي: أنَّا لم نلتفت(٦) إلى قوله.
و(آنِفاً)) يراد به الساعة التي هي أقربُ الأوقات إليك(٧)، من قولك: استأنفت الشيء:
إذا ابتدأتَ به. ومنه أمْرٌ أنُف، ورَوضة أنُف؛ أي: لم يرْعها أحد (٨). وكأس أنُف: إذا
لم يُشرب منها شيء، كأنَّه استؤنف شربُها، مثل روضة أنف(٩).
(١) النكت والعيون ٢٩٧/٥ وفيه: ((ولا يعيه المنافق)) بدل ((ولا يعيه الكافر)).
(٢) المصدر السابق.
(٣) تفسير البغوي ١٨١/٤، والكشاف ٣/ ٥٣٤، وأخرجه الطبري في تفسيره ٢٠٤/٢١ ، والحاكم في
المستدرك ٢/ ٤٥٧ .
(٤) تفسير البغوي ٤/ ١٨١، والمحرر الوجيز ١١٥/٥ دون ذكر أنه رواية عن ابن عباس.
(٥) النكت والعيون ٢٩٨/٥ .
(٦) في النسخ عدا (د) و(ظ): ألتفت.
(٧) قوله: ((إليك)) من (م).
(٨) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٤٧٥ بنحوه.
(٩) الصحاح (أنف).

٢٦٣
سورة محمد: الآيتان ١٦ - ١٧
قال الشاعر:
ويَحْرُمُ سِرُّ جارتهم عليهم ويأكل جارُهم أُنُفَ القِصاعِ(١
وقال آخر :
إنّ الشِّواء والنَّشِيلَ والرُّغُفْ والقَيْنَةَ الحسناءَ والكأسَ الأَنُفْ
للطاعنين الخيلَ والخيلُ خُنُفْ(٢)
وقال امرؤ القيس :
قد غَدًا يحملُني في أَنْفِهِ (٣)
أي: في أوّله. وأنْفُ كلِّ شيء أوّله.
وقال قتادة في هؤلاء المنافقين: الناس رجلان: رجلٌ عَقَل عن الله فانتفع بما
سمع، ورجلٌ لم يعقلْ ولم ينتفعْ بما سمع. وكان يقال: الناس ثلاثة: فسامعٌ عامل،
وسامعٌ عاقل، وسامعٌ غافل تارك(٤).
قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ لَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فلم يؤمنوا. ﴿وَّعُواْ أَهْوَهُ﴾.
في الكفر. ﴿وَلَّذِينَ أَهْتَدَوَا﴾ أي: للإيمان؛ زادهم الله هدى. وقيل: زادهم النبيّ ﴾
هدى(٥).
(١) البيت للحطيئة، وقوله: أَنْف القصاع، يعني جيد الطعام وصفوته، وسلف البيت ١٤٩/٤ .
(٢) الرجز للقيط بن زرارة كما في الكامل ٢/ ٨٨٧. وهو أيضاً في الشعر والشعراء ٢/ ٧١١، وفيه:
قُطُف، بدل: خُنُف. والخنف جمع خَنُوف، وهي الدابة إذا مالت بيديها في أحد شقيها من النشاط.
اللسان (خنف).
ووقع في (خ) وهو حاشية في (ق) ما نصه: النشيل لحم يطبخ بلا توابل، والرُّغف جمع رغيف،
ويقال: أرغفة ورغفان. اهـ . والكلام في الصحاح (نشل).
(٣) ديوان امرئ القيس ص١٤٦، وعجز البيت: لاحقُ الإطلَين محبولٌكٍ مُمَرّ، قال شارحه: يحملني في أنفه
أي: في أول هذه المطْرة، وأنف كل شيء: أوله، لاحق الإطلين: يعني فرساً ضامر الكَشحين،
والمحبوك: المدمج الخَلْق الشديد، والممر نحوه في المعنى.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٠٣/٢١ .
(٥) تفسير الرازي ٥٩/٢٨ بنحوه.

٢٦٤
سورة محمد: الآيات ١٧ - ١٨
وقيل: ما يستمعونه من القرآن هدّى، أي: يتضاعف يقينُهم. وقال الغرّاء(١):
زادهم إعراضُ المنافقين واستهزاؤهم ھدی. وقيل: زادهم نزولُ الناسخ ھدی.
وفي الهدى الذي زادهم أربعةُ أقاويل: أحدها: زادهم علماً. قاله الربيع بن أنس.
الثاني: أنَّهم علموا ما سمعوا وعملوا بما علموا. قاله الضحاك. الثالث: زادهم
بصيرة في دينهم وتصديقاً لنبيِّهم. قاله الكلبيّ. الرابع: شرح صدورَهم بما هم عليه من
الإيمان(٢).
﴿وَءَنُهُمْ تَقْوَنَّهُمْ﴾ أي: ألهمهم إياها(٣). وقيل فيه خمسة أوجه: أحدها: آتاهم
الخشيةَ. قاله الربيع. الثاني: ثوابَ تقواهم في الآخرة. قاله السدّي. الثالث: وفَّقهم
للعمل الذي فرض عليهم. قاله مقاتل. الرابع: بيَّن لهم ما يتقون. قاله ابن زياد
والسّيّ أيضاً. الخامس: أنه تركُ المنسوخ والعملُ بالناسخ. قاله عطية. الماوردي(٤).
ويحتمل سادساً: أنه تركُ الرُّخَص والأخذُ بالعزائم(٥).
وقرئ: ((وَأَعْطَاهُمْ)) بدل: ((وآتَاهُمْ)) (٦). وقال عكرمة: هذه نزلت فيمن آمن من
أهل الكتاب(٧) .
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَغْتَةٌ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا
◌َآَتْهُمْ ذِكْرَهُمْ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَن تَأْنِيَهُم بَعْتَةً﴾ أي: فجأةً. وهذا وعيد
(١) في معاني القرآن له ٣/ ٦١ بنحوه، ونقله المصنف عنه بواسطة النكت والعيون ٢٩٨/٥ وما قبله منه.
(٢) النكت والعيون ٢٩٨/٥ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ١١/٥.
(٤) النكت والعيون ٢٩٨/٥ وما قبله منه دون قول السدي: بيَّن لهم ما يتقون، وهو في الكشاف ٣/ ٥٣٤.
(٥) مجمع البيان ٣٨/٢٦.
(٦) الكشاف ٣/ ٥٣٤ .
(٧) زاد المسير ٤٠٣/٧ .

٢٦٥
سورة محمد: الآية ١٨
للكفار. ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهًا﴾ أي: أماراتها وعلاماتها(١). وكانوا قد قرؤوا في كتبهم أنَّ
محمداً * آخر الأنبياء، فَبَعْثُه من أشراطها وأدلتها. قاله الضحاك والحسن(٢).
وفي الصحيح عن أنس قال: قال رسولُ اللـه ﴾: ((بعثت أنا والساعةَ كهاتين))
وضمّ السبابة والوسطى، لفظ مسلم: وخرّجه البخاريّ والترمذيّ وابن ماجه(٣).
ويروى: ((بعثتُ والساعةَ كَفَرَسَي رِهان))(٤). وقيل: أشراط الساعة: أسبابُها التي
هي دون معظمها، ومنه يقال للدُّون من النَّاس: الشَّرَط(٥).
وقيل: يعني علامات الساعة؛ انشقاق القمر، والدخان، قاله الحسن أيضاً (٦).
وعن الكلبي: كثرةُ المال، والتجارة، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلةُ
الكرام، وكثرة اللئام(٧). وقد أتينا على هذا الباب في كتاب ((التذكرة)) مستوفى
والحمد لله(٨).
وواحد الأشراط شَرَط، وأصله الأعلام. ومنه قيل: الشُّرَط؛ لأنَّهم جعلوا
لأنفسهم علامةً يعرفون بها، ومنه الشَّرْط في البيع وغيره (٩).
(١) تفسير البغوي ٤/ ١٨٢ .
(٢) النكت والعيون ٢٩٩/٥ بنحوه عند الضحاك.
(٣) صحيح مسلم (٢٩٥١): (١٣٥)، وصحيح البخاري (٦٥٠٤)، وسنن الترمذي (٢٢١٤) وهو في مسند
أحمد (١٢٢٤٥) من حديث أنس ، وأخرجه البخاري (٦٥٠٥)، وابن ماجه (٤٠٤٠) من حديث أبي
هريرة . وأخرجه أحمد (١٤٤٣١)، وابن ماجه (٤٥) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
وسلف حديث أنس # ١٢ / ٢٦٨ .
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٨٠٩)، والبيهقي في الشعب (١٠٢٣٧)، وأبو الشيخ في الأمثال (٣٤٧) من حديث
سهل بن سعد﴾. قوله: كفرسي رهان: أي: يتسابقان إلى غاية. النهاية (فرس).
(٥) تهذيب اللغة ٣٠٩/١١ .
(٦) النكت والعيون ٢٩٩/٥ دون ذكر الدخان.
(٧) الكشاف ٣/ ٣٥٣ .
(٨) ص٦٢٤ فما بعدها.
(٩) تهذيب اللغة ٣٠٨/١١-٣٠٩ .

٢٦٦
سورة محمد: الآية ١٨
قال أبو الأسود:
فقد جَعَلَتْ أشراطُ أوّله تبدو(١)
فإن كنتَ قد أزْمَعْتَ بالصَّرْم بيننا
ويقال: أشرطَ فلان نفسه في عمل كذا أي: أعلمها وجعلها له. قال أوس بن
حجر يصف رجلاً تدلَّى بحبل من رأس جبل إلى نَبْعة ليقطعها يَتخذ(٢) منها قَوسًا:
فأشْرَطَ فيها نفسَه(٣) وهو مُعْصِمٌ وألقى بأسبابٍ له وَتَوَكَّلا(٤)
﴿أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَغْتَةٌ﴾ ((أَنْ)) بدل اشتمال من ((الساعة))، نحو قوله: ﴿أَنَ تَطَُّوهُمْ﴾ من
قوله: ﴿رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَتٌ﴾.
وقرئ: ((بَغَنَّةً» بوزن جَرَبَّة(٥)، وهي غريبة لم ترد في المصادر أختُها، وهي مَرْوِية
عن أبي عمرو. الزمخشري(٦): وما أخوفني أن تكون غلطةٌ من الراوي عن أبي
عمرو، وأن يكون الصواب (بَغَتة)) بفتح الغين من غير تشديد، كقراءة الحسن.
وروى أبو جعفر الرؤاسي وغيره من أهل مكة: ((إن تَأْتِهِمْ بَغْتَةً)(٧).
قال المهدويّ: ومن قرأ: ((إن تَأْتِهِمْ بَغْتَةً)) كان الوقف على ((السَّاعَة))، ثمَّ استأنف
الشرط. وما يحتمله الكلام من الشكِّ مردودٌ إلى الخلق، كأنه قال: إن شكُوا في
مجيئها ((فَقَدْ جَاءَ أشْرَاطُهَا)).
قوله تعالى: ﴿فَّى لَهُمْ إِذَا سَتَهُمْ ذِكْرَنِهُمْ﴾ ((ذِكْرَاهُمْ)) ابتداء، و((أنَّى لَهُمْ)) الخبر.
والضمير المرفوع في ((جَاءتْهُمْ)) للساعة؛ التقدير: فمن أين لهم التذكُّر إذا جاءتهم
(١) البيت في الأغاني ١٢/ ٣٣٤، والكشاف ٥٣٥/٣ . الصَّرْم: الهجران اللسان (صرم). وهي أبيات قالها
في أبي الجارود الشاعر وكان قد هجره كما في الأغاني.
(٢) في (م): يقطعها ليتخذ.
(٣) في النسخ: نفسه فيها، والمثبت من جمهرة اللغة (رشط) - والكلام فيه بنحوه، ومما سلف ٢٣٧/٥ .
(٤) جاء في (خ) و(ز) بعد البيت - وهو في حاشية (ق) - ما نصه: النبع شجرٌ يتخذ منه القسيّ، الواحدة:
نبعة، ويتخذ من أغصانها السهام . اهـ . وهذا الكلام في الصحاح (نبع).
(٥) أي: جماعة الحُمُر. اللسان (جرب).
(٦) في الكشاف ٣/ ٥٣٥ وما قبله منه، والقراءة أيضاً في المحرر الوجيز ١١٦/٥، والمحتسب ٢٧١/٢.
(٧) المحرر الوجيز ١١٦/٥، والقراءة في المحتسب ٢٧٠/٢، ووقع في النسخ عدا (م) و(ق) تأتيهم.

٢٦٧
سورة محمد: الآيتان ١٨ - ١٩
الساعة. قال معناه قتادة وغيره(١).
وقيل: فكيف لهم بالنجاة إذا جاءتهم الذكرى عند مجيء الساعة! قاله ابن زيد(٢).
وفي الذكرى وجهان: أحدهما: تذكيرُهم بما عملوه من خير أو شرّ. الثاني: هو
دعاؤهم بأسمائهم تبشيراً وتخويفاً، روى أبان عن أنس، عن النبيّ # قال: ((أحسنوا
أسماءَكم، فإنكم تُدْعَون بها يوم القيامة: يا فلانُ قُمْ إلى نُورِك، يا فلانُ قُم لا نُور
لك)) ذكره الماوَرْدِي(٣).
قوله تعالى: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَاُسْتَغْفِرْ لِذَنِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَبَّكُمْ وَمَنْوَنِكُمْ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ قال الماوردي(٤): وفيه - وإن كان
الرسول عالماً بالله - ثلاثة أوجه: يعني إِعلم أنَّ الله أعلمك أن لا إله إلا الله. الثاني:
ما علمتَه استدلالاً فاعلمْه خبراً يقيناً. الثالث: يعني فاذكر أن لا إله إلا الله، فعبّر عن
الذکر بالعلم لحدوثه عنه.
وعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضْل العلم فقال: ألم تسمع قولَه حين بدأ به
﴿ فَعْلَ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فأمر بالعمل بعد العلم وقال: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا
اَلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوٌ﴾ إلى قوله: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢٠-٢١] وقال:
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]. ثم قال بعد: ﴿فَأَحْذَرُوهُمْ﴾(٥).
وقال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. ثم أمر
(١) مشكل إعراب القرآن ٦٧٣/٢ دون نسبة، وذكر معنى قول قتادة أبو الليث في تفسيره ٢٤٣/٣،
والواحدي في الوسيط ٤/ ١٢٤ .
(٢) النكت والعيون ٢٩٩/٥ .
(٣) في النكت والعيون ٢٩٩/٥-٣٠٠، وذكره الديلمي في الفردوس ٩٨/١، وسلف ١٣/ ١٠١ بنحوه
عن أبي الدرداء وإسناده منقطع.
(٤) في النكت والعيون ٣٠٠/٥ .
(٥) كذا وقع في النسخ، والكشاف ٥٣٥/٣، والكلام منه، ولعله يريد الآية (١٤) من التغابن: ﴿إِن مِنْ
أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَأَنْذَرُوهُمْ﴾ .

٢٦٨
سورة محمد: الآية ١٩
بالعمل بعد.
قوله تعالى: ﴿وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْيِكَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني استغفر الله إنْ
يقع منك ذنب. الثاني: استغفر الله ليعصمَك من الذنوب(١).
وقيل: لما ذكر له حالَ الكافرين والمؤمنين، أمره بالثبات على الإيمان، أي:
اثبُتْ على ما أنت عليه من التوحيد والإخلاص والحذَّر عما تحتاج معه إلى
استغفار(٢).
وقيل: الخطابُ له، والمرادُ به الأمة، وعلى هذا القول توجب الآيةُ استغفارَ
الإنسان لجميع المسلمين(٣).
وقيل: كان عليه الصلاة والسلام يضيق صدرُه من كفر الكفار والمنافقين؛ فنزلت
الآية. أي: فاعلم أنَّه لا كاشفَ يكشف ما بك إلا الله؛ فلا تعلِّق قلبَك بأحد سواه.
وقيل: أمر بالاستغفار لتقتديَ به الأمة (٤). ﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ أي: ولذنوبهم.
وهذا أمرٌ بالشفاعة(٥).
وروى مسلم عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سَرْجِس المخزوميّ قال: أتيت
النبيَّ ﴿ وأكلتُ من طعامه فقلت: يا رسول الله، غفر الله لك! فقال له صاحبي: هل
استغفر لك النبي ﴿؟ قال: نعم، ولك. ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿وَأَسْتَغْفِّرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ ثم تحوّلت فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، جُمعٌ (٦)؛ خِيلانٌ كأنه
الثآليل (٧) .
(١) النكت والعيون ٣٠٠/٥ .
(٢) الكشاف ٣/ ٥٣٥ بنحوه.
(٣) المحرر الوجيز ١١٦/٥ .
(٤) تفسير البغوي ٤/ ١٨٢ بنحوه.
(٥) الوسيط ١٢٥/٤ .
(٦) كذا في (خ) و(د) و(ز) و(ف) و(ق)، وفي (ظ): جميع، وهي نسخة كما ذكر النووي في شرحه على
صحيح مسلم ٩٩/١٥ . ووقع في (م): جمعاً.
(٧) صحيح مسلم (٢٣٤٦) بنحوه وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً بنحوه أحمد (٢٠٧٧٨). قوله : =

٢٦٩
سورة محمد: الآيات ١٩ - ٢١
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَّكُمْ وَمَثْوَنَكُمْ﴾ فيه خمسة أقوال: أحدها: يعلم أعمالكم في
تصرفكم وإقامتكم (١). الثاني: ((مُتَقَلَّبَكُمْ)) في أعمالكم نهاراً ((وَمَثْوَاكُمْ)) في ليلكم
نياماً(٢).
وقيل: ((مُتَقَلَّبَكُمْ)) في الدنيا. ((وَمَثْوَاكُمْ)) في الدنيا والآخرة. قاله ابن عباس
والضحاك. وقال عكرمة: ((مُتَقَلَّبَكُمْ)) في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات.
((وَمَثْوَاكُمْ)): مُقامكم في الأرض. وقال ابن كَيْسان: ((مُتَقَلَّيَكُمْ)) من ظهر إلى بطن إلى
الدنيا. (وَمَثْوَاكُمْ)) في القبور(٣).
قلت: والعموم يأتي على هذا كلِّه، فلا يخفى عليه سبحانه شيءٌ من حركات بني
آدَمَ وسَكَّناتهم، وكذا جميع خلقه. فهو عالم بجميع ذلك قبلَ كونه؛ جملةً وتفصيلاً؛
أُولَى وأُخرَى. سبحانه، لا إله إلا هو.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ
وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمٍ قَرَضُ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ
مِنَ الْمَوْنِّ فَأَوْلَى لَهُمْ ٥ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ
لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُمْ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ أي: المؤمنون المخلصون. ﴿لَوَّلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ
اشتياقاً للوَحْي وحرصاً على الجهاد وثوابه. ومعنى (لَوْلًا)) هلا (٤). ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ
تُحْكَمَةٌ﴾ لا نسخ فيها. قال قتادة: كلُّ سورة ذكر فيها الجهاد فهي مُحْكمة، وهي أشدُ
= جمع؛ يريد مثل جُمع الكف؛ وهو أن يجمع الأصابع ويضمها. خيلانُ: جمع خال؛ وهو الشامة في
الجسد. الثآليل: جمع تؤلول: وهو هذه الحبة التي تظهر في الجلد كالحمّصة فما دونها. النهاية (جمع)
(خيل) (ثأل).
(١) معاني القرآن للزجاج ٥/ ١٢.
(٢) النكت والعيون ٥/ ٣٠٠ .
(٣) تفسير البغوي ٤/ ١٨٣.
(٤) زاد المسير ٧/ ٤٠٥ .

٢٧٠
سورة محمد: الآيتان ٢٠ - ٢١
القرآن على المنافقين(١). وفي قراءة عبد الله: ((فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْدَثَةٌ))(٢)، أي:
محدَثةُ النزولِ. ﴿وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ ﴾ أي: فُرض فيها الجهاد(٣).
وقرئ: ((فَإِذَا نَزَلَتْ(٤) سُورَةٌ، وَذَكرَ فِيهَا القِتَالَ)) على البناء للفاعل ونصب
القتال. ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَرَضُ﴾ أي: شكٌّ ونفاق(٥). ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ
اَلْمَغْشِ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: نظر مغمومین(٦) مغتاظین بتحديد وتحدیق، کمن یشخص
بصرَه عند الموت؛ وذلك لجبنهم عن القتال جزءاً وهَلَعاً (٧)، ولميلهم في السرّ إلى
الكفار.
قوله تعالى: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ. طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ ((فَأَوْلَى لَهُمْ)) قال الجوهريّ (٨):
وقولهم: أوْلَى لَكَ، تهديد ووعيد. قال الشاعر:
فأوْلَى ثمّ أوْلَى ثمّ أَوْلَى وهل لِلذَّرٌ يُخْلَبُ من مَرَدِّ
قال الأصمعي: معناه قارَبَه ما يُهْلكه؛ أي: نزل به. وأنشد:
وأوْلَى أن يزيدَ على الثلاثِ(٩)
فعادَى بين هادِيَتَيْن منها
أي: قارب أن يزيد. قال ثعلب: ولم يقل أحد في ((أوْلَى)) أحسنَ مما قال
الأصمعي (١٠).
(١) تفسير البغوي ١٨٣/٤، وأخرجه الطبري في تفسيره ٢١٠/٢١.
(٢) النكت والعيون ٥/ ٣٠٠، والكشاف ٥٣٥/٣.
(٣) زاد المسير ٧/ ٤٠٥ .
(٤) في (م) و(خ): أنزلت، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الكشاف ٥٣٥/٣ والكلام منه.
(٥) تفسير أبي الليث ٣/ ٢٤٤ .
(٦) في (م) و(خ): مغموصين، والمثبت من باقي النسخ.
(٧) تأويل مشكل القرآن ص ٣٥٢، والكشاف ٥٣٥/٣ بنحوه.
(٨) في الصحاح (ولى)، والبيت الآتي لعبد الله بن الزبير الأسدي كما في الأغاني ١٤/ ٢٣٧.
(٩) البيت أيضاً في خزانة الأدب ٩/ ٣٤٥ قال البغدادي: قال ابن عقيل: عادى؛ من العداء، وهو الموالاة
بين الصيدين بصرع أحدهما على إثر الآخر في طلق واحد، والهادية: أوَّل الوحش.
(١٠) الصحاح (ولى)، وتهذيب اللغة ٤٤٨/١٥ .

٢٧١
سورة محمد: الآيتان ٢٠ - ٢١
وقال المُبَرِّد: يقال لمن هَمَّ بالعَطَب(١) ثم أفْلَت: أوْلى لك؛ أي: قاربت
العطب(٢).
كما رُوِي أنَّ أعرابيّا كان يوالي رَميَ الصيد، فيُقْلِت منه فيقول: أوْلى لك. ثمَّ رمی
صيداً فَقاربه ثمَّ أفلت منه فقال :
فلو كان (أوْلَى)) يُطعِم القومَ صِدْتُهم ولكنّ ((أوْلَى)) يَتْرُكُ القَومَ جُوَّعا(٣)
وقيل: هو كقول الرجل لصاحبه: يا محروم، أيُّ شيء فاتك (٤)؟
وقال الجُرْجَانِيْ: هو مأخوذ من الويل، فهو أفعل، ولكن فيه قلب؛ وهو أنَّ عينَ
الفعل وقع موقع اللام. وقد تمَّ الكلام على قوله: «فأوْلَى لَهُمْ».
قال قتادة: كأنه قال: العِقاب أوْلَى لهم(٥). وقيل: أي: وَلِيَهم المكروه(٦).
ثم قال: ((طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)) أي: طاعة وقول معروف أمثل وأحسن، وهو
مذهب سيبويه والخليل .
وقيل: إنَّ التقدير: أمرنا طاعة وقول معروف(٧)؛ فحذف المبتدأ، فيوقف على
((فَأَوْلَى لَهُمْ)). وكذا من قدّر: يقولون مِنَّا طاعة(٨)، وهي قراءة أُبيّ: ((يقولون
طاعة)) (٩)
(١) في (ظ): همَّ بالغضب.
(٢) في (ظ): قاربت الغضب.
(٣) في (د) و(ظ) و(ق) صيدهم، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في معاني القرآن للنحاس
٤٧٩/٦ والكلام منه، والبيت أيضاً في الكامل ١٤١٦/٣، والخزانة ٣٤٦/٩. قال البغدادي: هو بيت
الرجل يقتنص الصيد، فإذا أفلته الصيد قال: أولى لك. اهـ. وقوله: صدتُهم، أي: صدتُ لهم، قال في
اللسان: صدت فلاناً صيداً: إذا صدته له. اللسان (صيد).
(٤) تهذيب اللغة ١٥/ ٤٤٨ .
(٥) النكت والعيون ٣٠١/٥ .
(٦) تفسير أبي الليث ٢٤٤/٣ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٨٧ .
(٨) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٦٧٤ .
(٩) قوله: وهي قراءة أُبيّ ... الخ، وقع في (ظ) في هذا الموضع، وهو الصواب، ووقع في باقي النسخ =

٢٧٢
سورة محمد: الآيات ٢٠ - ٢٤
وقيل: إن الآية الثانية متصلةٌ بالأولى. واللام في قوله: ((لَهُم)) بمعنى الباء(١)؛
أي: الطاعة أولى وأليقُ بهم، وأحقُّ لهم من ترك امتثال أمر الله.
وقيل إن: ((طَاعَةٌ)) نعت لـ ((سورة))؛ على تقدير: فإذا أنزلت سورة ذاتُ طاعة. فلا
يوقف على هذا على ((فَأَوْلَى لَهُمْ))(٢).
قال ابن عباس: إن قولهم: ((طَاعَةٌ)) إخبارٌ من الله عزَّ وجلَّ عن المنافقين.
والمعنى: لهم طاعةٌ وقولٌ معروف، قيل: وجوب الفرائض عليهم، فإذا أنزلت
الفرائض شقَّ عليهم نزولُها. فيوقف على هذا على ((فَأَوْلَى)).
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ اٌلْأَمْرُ﴾ أي: جدّ القتال، أو وجب فرض القتال(٣)،
کرهوه. فکرهوه جواب ((إذا)» وهو محذوف.
وقيل: المعنى فإذا عزم أصحاب الأمر(٤). ﴿فَلَوَ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ أي: في الإيمان
والجهاد(٥). ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ من المعصية والمخالفة.
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ اْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوْ أَرْحَامَكُمْ
٢٢
﴿ أَفَلاَ يَتَدَبُّونَ الْقُرْءَانَ
أُوْلَكَ اُلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ
أَمَ عَلَى قُلُوبٍ أَفْفَالُهَاَ (®
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيَّهُمْ﴾ اختلف في معنى ((إِن تَوَلَّيْتُمْ))
فقيل: هو من الولاية.
= بعد قوله: ((وأحقُّ لهم من ترك امتثال أمر الله)). الآتي. وهي في الكشاف ٥٣٦/٣، والرازي
٦٣/٢٨ .
(١) تفسير البغوي ٤/ ١٨٣.
(٢) مشكل إعراب القرآن ٦٧٤/٢. وقال مكي: القولان الأولان أبين وأشهر.
(٣) معاني القرآن للزجاج ١٣/٥، وتفسير البغوي ٤/ ١٨٣ بنحوه.
(٤) الكشاف ٥٣٦/٣، وتفسير الرازي ٦٣/٢٨.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤٨١/٦ .

٢٧٣
سورة محمد: الآيات ٢٢ - ٢٤
قال أبو العالية: المعنى فهل عسيتم إن تولَّيتم الحكمَ فجُعِلتم حكّاماً أن تفسدوا
في الأرض بأخذ الرُّشَا. وقال الكلبيّ: أي: فهل عسيتم إن تولَّيتم أمرَ الأمة أن
تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال ابن جريج: المعنى: فهل عسيتم إن تولَّيتم عن
الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام(١).
وقال كعب: المعنى: فهل عسيتم إن تولَّيتم الأمرَ أن يقتلَ بعضُكم بعضاً (٢).
وقيل: من الإعراض عن الشيء.
قال قتادة: أي: فهل عسيتم إن تولَّيتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض
بسفك الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم(٣).
وقيل: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ)) أي: فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامَه، أن
تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم(٤).
وقرىء بفتح السين وكسرها(٥). وقد مضى في ((البقرة)) القول فيه مستوفّى(٦).
وقال بكر المزني: إنَّها نزلت في الحَرُوريّة والخوارج. وفيه بُعدٌ، والأظهر أنه
إنما عُني بها المنافقون. وقال ابن حيان: قريش(٧).
ونحوه قال المسيّب بن شريك والفرّاء، قالا: نزلت في بني أمية وبني هاشم (٨)،
ودليل هذا التأويل ما روى عبدُ الله بن مُغَفّل قال: سمعت النبيَّ # يقول: ﴿فَهَلْ
(١) النكت والعيون ٣٠١/٥ - ٣٠٢.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٤٨٢.
(٣) النكت والعيون ٣٠٢/٥ .
(٤) تفسير البغوي ٤/ ١٨٣.
(٥) قرأ نافع بكسر السين، والباقون بالفتح. السبعة ص ١٨٦، والتيسير ص٨١ .
(٦) ٢٢٩/٤.
(٧) النكت والعيون ٥/ ٣٠٢ دون ذكر الحرورية، وذكر أنها في الحرورية النحاس في معاني القرآن له
٦ / ٤٨٢ .
(٨) تفسير البغوي ٤ / ١٨٤ .

٢٧٤
سورة محمد: الآيات ٢٢ - ٢٤
عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِ اُلْأَرْضِ﴾ ثمَّ قال: ((هم هذا الحيّ من قريش؛ أخذ الله
عليهم إن وَلُوا الناسَ ألَّا يفسدوا في الأرض ولا يقطّعوا أرحامَهم))(١).
وقرأ عليّ بن أبي طالب: ((إِن تُؤُلِّيْتُم أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) بضم التاء والواو
وكسر اللام(٢). وهي قراءة ابن أبي إسحاق، ورواها رُوَيس عن يعقوب(٣).
يقول: إن وليتُكم ولاةً جائرةً، خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم(٤). ﴿ وَتُقَطِّعُواْ
أَرْحَامَكُمْ﴾ بالبغي والظلم والقتل(٥).
وقرأ يعقوب وسلام وعيسى وأبو حاتم: ((وتَقْطَعُوا)) (٦) بفتح التاء وتخفيف
القاف، من القطع؛ اعتباراً بقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَّعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِيِةٍ أَن يُوصَّلَ﴾
[البقرة: ٢٧]. وروى هذه القراءةَ هارونُ عن أبي عمرو (٧). وقرأ الحسن: ((وَتَقَطَّعُوا))
مفتوحةَ الحروف مشدّدةً(٨)؛ اعتباراً بقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾
[الأنبياء: ٩٣]. الباقون: ((وتُقَطَّعُوا)) بضم التاء مشدّدة الطاء، من التقطيع على التكثير،
وهو اختيار أبي عبيد. وتقدّم ذكر ((عَسَيْتُمْ)) في ((البقرة))(٩).
وقال الزجاج(١٠) في قراءة نافع: لو جاز هذا لجاز ((عَسِي)) بالكسر.
قال الجوهري(١١): ويقال عَسَيت أن أفعل ذلك، وعَسِيت بالكسر. وقرىء: ((فَهَلْ
عَسِيْتُمْ)) بالكسر.
(١) أخرجه الطبري في تهذيبه كما في فتح الباري ٨/ ٥٨١ .
(٢) تفسير البغوي ٤/ ١٨٤، والقراءة في القراءات الشاذة ص ١٤٠، والمحتسب ٢٧٢/٢.
(٣) النشر ٢/ ٣٧٤، وهي من العشرة.
(٤) تفسير البغوي ٤ / ١٨٤ .
(٥) الوسيط ١٢٧/٤.
(٦) قراءة يعقوب في النشر ٢/ ٣٧٤، وهي من العشرة، وقراءة سلام في القراءات الشاذة ص ١٤٠.
(٧) المحرر الوجيز ١١٨/٥ دون ذكر هارون.
(٨) البحر المحيط ٨/ ٨٢.
(٩) ٢٢٩/٤.
(١٠) في معاني القرآن له ١٣/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٨٧.
(١١) في الصحاح (عسا).
.

٢٧٥
سورة محمد: الآيات ٢٢ - ٢٤
قلت: ويدل قوله هذا على أنَّهما لغتان. وقد مضى القول فيه في ((البقرة))
مستوفّى(١).
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: طَرَدَهم وأبعدَهم من رحمته(٢) ﴿فَسَنَّهُمْ﴾ عن
الحقّ ﴿وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ﴾ أي: قلوبَهم عن الخير. فأتبع الأخبارَ بأنَّ مَن فعل ذلك
حقّت عليه لعنته، وسلبه الانتفاعَ بسمعه وبصره حتى لا ينقاد للحق وإن سمعه، فجعله
كالبهيمة التي لا تعقل. وقال: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ)) ثم قال: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ)) فرجع
من الخطاب إلى الغَيبة على عادة العرب في ذلك.
الثانية: قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ أي: يتفهمونه فيعلمون ما أعدّ الله
للذين لم يتولّوا غير (٣) الإسلام. ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَفْفَالُهَا﴾ أي: بل على قلوب أقفالٌ
أقفلَها الله عزَّ وجلَّ عليهم فهم لا يعقلون (٤). وهذا يردّ على القدرية والإمامية
مذهبهم.
وفي حديث مرفوع أنّ النبيّ ◌َ﴾ قال: ((إنَّ عليها أقفالاً كأقفالِ الحديد حتى يكون
اللهُ يفتحها)»(٥). وأصل القَفْل: اليُيْس والصلابة.
ويقال لما يبس من الشجر: القَفْل. والقفيل مثله. والقَفِيل أيضاً: نبت. والقفيل:
السوط(٦). قال الراجز:
(١) ٢٢٩/٤ - ٢٣٠.
(٢) تفسير أبي الليث ٢٤٥/٣ .
(٣) في (م): عن.
(٤) تفسير الطبري ٢١٥/٢١ .
(٥) كذا ذكر المصنف رحمه الله، والذي أخرجه الطبري في تفسيره ٢١٧/٢١ ، والواحدي في الوسيط
١٢٧/٤، والبغوي ١٨٤/٤، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه. قال: تلا رسول الله ﴾: ﴿أَفَلاَ
يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَفْغَالُهَآ﴾ فقال شابٍّ من أهل اليمن: بل على قلوب أقفالها حتى يكون الله
يفتحها أو يفرِّجها. واللفظ للبغوي.
(٦) في (م) و(د) و(ز) و(ق): الصوت، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الصحاح والكلام
منه.

٢٧٦
سورة محمد: الآيات ٢٢ - ٢٤
لمّا أتاك يابساً قِرْشبّاً قمتَ إليه بالقَفِيل ضربا
كيف قَرَيْتَ شَيْخَك الأزَبًّا(١)
القِرشَبُّ؛ بكسر القاف: المُسِنّ؛ عن الأصمعي. وأقفله الصوم، أي: أيبسه. قاله
القشيريّ والجوهريّ(٢). فالأقفال هاهنا إشارة إلى ارتتاج القلب وخلوّه عن الإيمان.
أي: لا يدخل قلوبَهم الإيمانُ ولا يخرج منها الكفر؛ لأنَّ الله تعالى طبع على قلوبهم
وقال: ((عَلَى قُلُوبٍ)) لأنَّه لو قال: على قلوبهم، لم يدخل قلبُ غيرهم في هذه
الجملة. والمراد: أم على قلوب هؤلاء وقلوبٍ من كانوا بهذه الصفة أقفالُها.
الثالثة: في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله :﴿: ((إنَّ الله خلقَ
الخلْقَ، حتى إذا فرغ منهم، قامت الرَّحِم فقالت: هذا مَقامُ العائذ بك من القطيعة.
قال: نَعَمْ: أما ترضين أنْ أصِلَ من وصَلَكِ وأقطعَ من قطعكِ؟ قالت: بلى. قال:
فذاك لكِ - ثمّ قال رسولُ الله ﴿ - اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا
فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَّهُمُ الَّهُ فَأَصَّمَّهُمْ وَأَعْمَنَ أَبْصَرَهُمْ. أَفَلاَ يَتَدَبُّونَ
اَلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَاَ﴾(٣)
وظاهر الآية أنَّها خطاب لجميع الكفار. وقال قتادة وغيره: معنى الآية فلعلَّكم،
أو يخاف عليكم، إن أعرضتم عن الإيمانِ أن تعودوا إلى الفساد في الأرض بسفك (٤)
الدماء(٥).
قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تَوَلَّوْا عن كتاب الله تعالى! ألم يسفكوا الدماءَ
(١) الصحاح (قفل) (قرشب)، ونسب الرجزَ في اللسان (قفل) لأبي محمد الفقعسي، وهو أيضاً في
الأصمعيات ص١٦٣ دون نسبة وباختلاف في ترتيبه، وفيه: (يائساً) بدل (يابساً)، و(ضيفك) بدل
(شيخك). قوله: الأزبّ، أي: كثير شعر الذراعين والحاجبين والعينين. اللسان (زبب).
(٢) في الصحاح (قرشب) دون قوله: وأقفله الصوم أي: أيبسه. وهو في تهذيب اللغة ٩/ ١٦١ .
(٣) صحيح مسلم (٢٥٥٤)، وأخرجه أحمد (٨٣٦٧)، والبخاري (٤٨٣٠).
(٤) في (م) لسفك.
(٥) المفهم ٥٢٦/٦.

٢٧٧
سورة محمد: الآيات ٢٢ - ٢٤
الحرام ويقطعوا الأرحامَ وعصَوُا الرَّحمن(١).
فالرَّحِم على هذا رَحِمُ دين الإسلام والإيمان، التي قد سمَّاها الله أُخُوَّة بقوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وعلى قول الفرّاء: إنَّ الآية نزلت في
بني هاشم وبني أمية(٢)، والمراد: مَن أضمر منهم نفاقاً؛ فأشار بقطع الرحِم إلى ما
كان بينهم وبين النبيّ من القرابة بتكذيبهم النبيّ 18 .. وذلك يوجب القتال.
وبالجملة؛ فالرحمُ على وجهين: عامَّة وخاصَّة. فالعامَّة رحِم الدين، ويجب
مواصلتُها بملازمة الإيمان، والمحبةِ لأهله ونُصرتِهم، والنصيحةِ وتركٍ مضارتهم،
والعدل بينهم، والنَّصَفة في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة؛ كتمريض المرضى،
وحقوق الموتى مِن غسلهم، والصلاةِ عليهم ودفنهم، وغير ذلك من [الحقوق]
المترتبة لهم.
وأما الرَّحم الخاصَّة - وهي رحمُ القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه - فتجب لهم
الحقوقُ العامة(٣) وزيادة؛ كالنفقة، وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عن تعاهدهم في
أوقات ضروراتهم؛ وتتأكد في حقٌّهم حقوقُ الرحم العامةِ، حتى إذا تزاحمت الحقوقُ
بدئ بالأقرب فالأقرب.
وقال بعض أهل العلم: إنَّ الرَّحم التي تجب صلتُها هي كلُّ رَحِم مَحْرَم، وعليه
فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال. وقيل: بل هذا في كلِّ رحم ممن ينطلق عليه
ذلك من ذوي الأرحام في المواريث، مَحْرَماً كان أو غير مَحْرَم. فيخرج من هذا أنَّ
رحمَ الأمِّ التي لا يُتوارث بها لا تجب صلتُهم ولا يحرم قطعُهم. وهذا ليس بصحيح،
والصواب أنَّ كلَّ ما يشمله ويعمُّه الرحم تجب صلته على كل حال، قربةً ودينية؛ على
ما ذكرناه أولاً، والله أعلم (٤).
(١) تفسير البغوي ١٨٤/٤. وفيه: الدم الحرام، وقطّعوا ...
(٢) المفهم ٦/ ٥٢٦ .
(٣) في (م) و(د) و(ز) و(ق) الخاصة، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في المفهم والكلام منه.
(٤) المفهم ٦/ ٥٢٤ و٥٢٧ - ٥٢٨ .

٢٧٨
سورة محمد: الآيات ٢٢ - ٢٤
وقد روى أبو داود الطيالسي في مسنده(١) قال: حدثنا شعبة قال: أخبرني محمد
ابن عبد الجبار، قال: سمعت محمد بن كعب القُرَظِي يحدّث عن أبي هريرة قال:
سمعتُ رسولَ الله :﴿ يقول: ((إنَّ للرَّحم لساناً يوم القيامة تحت العرش، يقول:
يا ربُّ قُطعتُ، يا ربُّ ظُلمت، يا ربُّ أُسيء إليّ، فيجيبها ربُّها: ألا تَرْضَيْن أن أصلَ
مَن وصلكِ وأقطعَ مَن قطعكِ)).
وفي صحيح مسلم عن جُبير بن مُطعِم، عن النبيّ # قال: ((لا يدخل الجنةَ
قاطع)). قال ابن أبي عمر: قال سفيان: يعني قاطعَ رَحِم. ورواه البخاري(٢).
الرابعة: قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الله تعالى خلق الخلقَ حتى إذا فرغ
منهم ... )) ((خلق)) بمعنى اخترع، وأصله التقدير، كما تقدم(٣). والخلق هنا بمعنى
المخلوق. ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أي: مخلوقه. ومعنى ((فرغ
منهم): كَمَّل خلقَهم. لا أنَّه اشتغل بهم ثمَّ فرغ من شُغْله بهم؛ إذ ليس فعلُه بمباشرة
ولا مناولة، ولا خَلْقُه بآلة ولا محاولة، تعالى عن ذلك(٤).
وقوله: ((قامت الرّحم فقالت)) يحمل على أحد وجهين:
أحدهما: أن يكونَ اللهُ تعالى أقام من يتكلم عن الرَّحم من الملائكة فيقول ذلك،
وكأنّه وَّل بهذه العبادة من يناضل عنها ويكتب ثوابَ من وصلها ووِزْر مَن قطعَها؛
كما وثّل الله بسائر الأعمال كراماً كاتبين، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكةٌ
متعاقبين .
وثانيهما: أنَّ ذلك على جهة التقدير والتمثيل المُفْهِم للإغياء(٥) وشدّة الاعتناء.
(١) برقم (٢٥٤٣).
(٢) صحيح مسلم (٢٥٥٦) (١٨)، وصحيح البخاري (٥٩٨٤)، وهو في مسند أحمد (١٦٧٦٣).
(٣) ٣٤١/١، وسلف الحديث في المسألة قبلها.
(٤) المفهم ٦ / ٥٢٤ .
(٥). في النسخ عدا (خ) للاعياء، والمثبت من (خ) وهو الموافق لما في المفهم ٦/ ٥٢٥ والكلام منه.

٢٧٩
سورة محمد: الآيات ٢٢ - ٢٥
فكأنه قال: لو كانت الرَّحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام، كما قال تعالى:
﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لََّأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ الَّهِ﴾ ثم قال: ﴿وَتِلْكَ
اَلْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾(١) [الحشر: ٢١].
وقوله: ((فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة)) مقصود هذا الكلام: الإخبارُ
بتأكّد أمر صلة الرحم، وأن الله سبحانه قد نزّلها بمنزلة من استجار به فأجاره،
وأدخله في ذمَّته وخَفارته(٢). وإذا كان كذلك فجارُ اللـه غيرُ مخذول، وعهدُه غيرُ
منقوض. ولذلك قال مخاطباً للرَّحِم: ((أمَا تَرْضَيْن أن أصلَ مَن وَصَلكِ وأقطع مَن
قطعكِ)). وهذا كما قال عليه الصلاة والسلام: ((من صلَّى الصبحَ فهو في ذمة الله
تعالى، فلا يطلبنكم اللهُ من ذمَّته بشيء، فإنه من يطلبُه بذمته بشيء يدركه، ثمَّ يَكُبّه في
النار على وجهه))(٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَى أَدْبَرِهِ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىّ
الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ﴾﴾
قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب، كفروا بالنبيّ :﴿ بعد ما عرفوا نعتَه عندهم.
وقاله ابن جريج(٤). وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هم المنافقون(٥)، قعدوا عن
القتال بعد ما علموه في القرآن.
﴿ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي: زيّن لهم خطاياهم. قاله الحسن. ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ أي:
مدّ لهم الشيطان في الأمل، ووعدهم طولَ العمر؛ عن الحسن أيضاً. وقال: إنَّ الذي
(١) المفهم ٦ / ٥٢٤ - ٥٢٥ .
(٢) الخَفارة: الأمان. اللسان (خفر).
(٣) أخرجه مسلم (٦٥٧): (٢٦٢)، وأخرجه أحمد (١٨٨١٤) مختصراً، من حديث جندب البجلي،
وأخرجه أحمد (٥٨٩٨) - مختصراً أيضاً - من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٤) النكت والعيون ٣٠٢/٥ .
(٥) تفسير البغوي ٤ / ١٨٤ .

٢٨٠
سورة محمد: الآيتان ٢٥ -٢٦
أملى لهم في الأمل ومدّ في آجالهم هو الله عزّ وجلَّ. قاله الفرّاء والمفضل. وقال
الكَلْبِيّ ومقاتل: إنَّ معنى ((أَمْلَى لَهُمْ)): أمهلهم؛ فعلى هذا يكون الله تعالى أمْلَى لهم
بالإمهال في عذابهم(١).
وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو جعفر وشيبة: ((وَأُمْلِيَ
لَهُمْ)) (٢) بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء؛ على ما لم يسمَّ فاعله(٣). وكذلك قرأ ابن
هُرْمُز ومجاهد والجَحْدرِيُّ ويعقوب، إلا أنَّهم سكّنوا الياء؛ على وجه الخبر من الله
تعالى عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم؛ كأنَّه قال: وأنا أملي لهم (٤). واختاره أبو حاتم،
قال: لأنَّ فتح الهمزة يُوهم أنَّ الشيطان يملي لهم، وليس كذلك؛ فلهذا عدل إلى
الضم. قال المهدويّ: ومن قرأ: ((وَأَمْلَى لَهُمْ)) فالفاعل اسم الله تعالى. وقيل:
الشيطان. واختار أبو عبيد قراءةً العامة، قال: لأنَّ المعنى معلوم؛ لقوله: ﴿لُِّؤْمِنُواْ
بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَنُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩] ردّ التسبيحَ على اسم الله، والتوقيرَ
والتعزيرَ على اسم الرسول.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى
بَعْضِ الْأَمْرِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ﴾ أي: ذلك الإملاء لهم حتى يتمادَوْا في الكفر
بأنهم قالوا؛ يعني المنافقين واليهود ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اَللَّهُ﴾ وهم المشركون:
﴿سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ اَلْأَمْرِّ﴾ أي: في مخالفة محمد والتظاهر على عداوته، والقعود
عن الجهاد معه وتوهين أمره في السرِّ. وهم إنَّما قالوا ذلك سرًّا، فأخبر الله نبيّه(٥).
(١) النكت والعيون ٣٠٣/٥ .
(٢) قراءة أبي عمرو في السبعة ص ٦٠٠، والتيسير ص٢٠١، وقراءة عيسى وشيبة في المحرر الوجيز
١١٩/٥. وقراءة أبي جعفر المشهورة عنه: ((وأَمْلَى)) كقراءة العامة. النشر ٣٧٤/٢.
(٣) تفسير البغوي ٤/ ١٨٤ .
(٤) ذكرها ابن جني في المحتسب ٢/ ٢٧٢، وقراءة يعقوب في النشر ٣٧٤/٢، وهي من العشرة، وينظر
معاني القرآن للزجاج ١٤/٥ .
(٥) تفسير البغوي ٤/ ١٨٤ بنحوه.