Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
سورة الأحقاف: الآيتان ٤ - ٥
إن الذي فيه تَمَارَيْتُمَا بُيِّن للامع والآثر
ويروى: ((بَيَّنَ)) (١) وقرئ: ((أَوْ أُثْرَة)) بضم الهمزة وسكون الثاء. ويجوز أن يكون
معناه: بقية من علم. ويجوز أن يكون معناه: شيئاً مأثوراً من كتب الأوَّلين(٢).
والمأثور: ما يُتحدَّث به مما صحَّ سنده عمن تُحدَّث به عنه .
وقرأ السُّلَمِيُّ والحسن وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير ألف(٣)، أي: خاصة
من علم أُوتيتموها، أو أوثرتم بها على غيركم. وروي عن الحسن أيضاً وطائفة:
((أَثْرةٍ)) مفتوحة الألف ساكنة الثاء؛ ذكر الأولى الثعلبيُّ والثانيةَ الماورديُّ(٤). وحكى
الثعلبي عن عكرمة: أو ميراث من علم(٥). ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿أَثْنُونِ يِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلْمٍ﴾ فيه بيان
مسالك الأدلة بأسرها، فأوّلها المعقول، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَمُمْ شِرْكُ فِ السَّمَوَتِ﴾ وهو احتجاجٌ بدليل العقل في
أن الجمادَ لا يصحُّ أن يُدعى من دون الله؛ فإنه لا يَضرُّ ولا ينفع. ثم قال: ﴿اثْنُونِ
بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا﴾ فيه بيان أدلة السمع ﴿أَوْ أَثَرَفٍ مِّنْ عِلَّمِ﴾(٦).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اَللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ
اَلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَانِهِمْ غَافِلُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي: لا أحدَ أضلُّ وأجهل ﴿مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن
@
(١) الصحاح (أثر)، والبيت في ديوان الأعشى ص ١٩١، وغريب الحديث ٥٩/٢، والمحرر الوجيز
٩٢/٥، والخزانة ٤٠٠/٣، ورواية الديوان والخزانة: والناظر، بدل: والآثر.
(٢) زاد المسير ٧/ ٣٧٠ .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٣٩، والمحتسب ٢٦٤/٢ .
(٤) في النكت والعيون ٢٧١/٥، وذكرها أيضاً ابن الجوزي في زاد المسير ٣٦٩/٧.
(٥) المحرر الوجيز ٥/ ٩٢ .
(٦) أحكام القرآن للكيا ٣٧١/٤ .

١٨٢
سورة الأحقاف: الآيات ٥ - ٨
لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهي الأوثان. ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَيْهِمْ غَفِلُونَ﴾ يعني لا يَسمعون
ولا يفهمون؛ فأخرجها - وهي جمادٌ - مخرجَ ذكورٍ بني آدم؛ إذ قد مَثَّلَتها عبدتُها
بالملوك والأمراء التي تُخدم(١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْ لَهُمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ يريد يوم القيامة. ﴿كَانُواْ لَمْ أَعْدَاءً﴾ أي: هؤلاء
المعبودون أعداء الكفارِ يومَ القيامة. فالملائكة أعداء الكفار، والجنُّ والشياطين
يتبرؤون غداً من عبدتهم، ويلْعَن بعضُهم بعضاً. ويجوز أن تكون الأصنامُ للكفار الذين
عبدوها أعداءً؛ على تقدير خلق الحياة لها؛ دليلُه قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَّ مَا كَانُواْ
إِيَّنَا يَعْبُدُونَ﴾(٢) [القصص: ٦٣]. وقيل: عادوا معبوداتهم لأنهم كانوا سبب هلاكهم،
وجحد المعبودون عبادتهم؛ وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَنُنَا بَيْنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَذَا
سِخْرٌ مُبِينٌ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَنُنَا بَيْنَتٍ﴾ يعني القرآن. ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا
جَآءَهُمْ هَذَا سِخْرٌ مُّبِينٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَهُ قُلْ إِنِ اُفْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِىِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاْ هُوَ
٠
أَعْلَمُ بِمَا نُفِيِضُونَ فِّهِ كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْتَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
٨
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ﴾ الميم صلةٌ، التقدير: أيقولون افتراه، أي: تقوَّله
محمدٌ. وهو إضرابٌ عن ذكر تسميتهم الآيات سحراً. ومعنى الهمزة في ((أم)) الإنكارُ
والتعجبُ، كأنه قال: دعْ هذا واسمع قولَهم المستنكّر المقضي (٣) منه العجبُ، وذلك
(١) تفسير الطبري ٢١/ ١١٧.
(٢) الكلام بنحوه في تفسير أبي الليث السمر قندي ٣/ ٢٣٠، والوسيط ٤/ ١٠٣.
(٣) في (د)، والكشاف ٥١٦/٣: ((المفضي)).

١٨٣
سورة الأحقاف: الآيتان ٨ - ٩
أن محمداً كان لا يقدرُ عليه حتى يقولَه ويفترِيَه على الله، ولو قدر عليه دون أُمّة
العرب لكانت قدرته عليه معجزةً لخرقها العادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقاً من
اللهِ له، والحكيم لا يصدِّق الكاذب فلا يكون مفترياً، والضمير للحق، والمراد به
الآيات. ﴿قُلْ إِنِ اُفْتَيَّتُهُ﴾ على سبيل الفَرْض. ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاً﴾ أي: لا
تقدرون على أن تردُّوا عني عذابَ الله؛ فكيف أفتري على الله لأَجلكم؟!(١). ﴿هُوَ
أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ﴾ أي: تقولونه؛ عن مجاهد(٢). وقيل: تخوضون فيه من
التكذيب(٣). والإفاضة في الشيء: الخوض فيه والاندفاع. أفاضوا في الحديث، أي:
اندفعوا فيه. وأفاض البعير، أي: دفع جِرَّته من كَرِشِه فأخرجها؛ ومنه قول الشاعر :
وأفَضْنَ بعد كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ (٤)
وأفاض الناس من عرفاتٍ إلى مِنّى، أي: دفعوا، وكلُّ دَفْعة إفاضةٌ(٥).
﴿كَفَى بِهِ، شَهِيدًا﴾ نصب على التمييز. ﴿بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: هو يعلَمُ صدقي وأنكم
مبطِلُون. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ لمن تاب ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ إِنْ أَنَّبِعُ
إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
قوله تعالى: ﴿قُلّ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ أي: أوَّل من أُرسل، قد كان قبلي
رسل؛ عن ابن عباس وغيره(٦). والبِذْعُ: الأوّل.
(١) الوسيط ١٠٣/٤، وتفسير البغوي ٤ / ١٦٣.
(٢) تفسير مجاهد ٥٩٣/٢، وأخرجه عنه الطبري ١١٨/٢١.
(٣) تفسير البغوي ٤ / ١٦٣ .
(٤) صدر بيت للراعي النميري، وهو في ديوانه ص ٢٢٤، وسلف ٣١٨/٥، وعجزه: من ذي الأبارق
إذ رَعَيْن حقيلا وقوله: كظومهن بجِرة. قال الفيروز: كظم البعير كظوماً: أمسَكَ عن الجِرة . والجِرَّة :
وما يفيض به البعير فيأكله ثانيةً، واللقمة يتعلل بها البعير إلى وقت عَلَفِه. القاموس (كظم وجرر).
(٥) الصحاح (فيض) ، وبنحوه في تهذيب اللغة ١٢ / ٧٧ - ٧٨ .
(٦) أخرجه الطبري ١١٩/٢١ - ١٢٠، وابن أبي حاتم كما في تغليق التعليق ٣١١/٤ .

١٨٤
سورة الأحقاف: الآية ٩
وقرأ عكرمة وغيره: ((بِدَعًا)) بفتح الدال، على تقدير حذفِ المضاف؛ والمعنى:
ما كنتُ صاحبَ بِدَع(١).
وقيل: بِذْع وبديع بمعنّى؛ مثلُ: نصف ونصيف. وأبدع الشاعر: جاء بالبديع.
وشيءٍ بِدْع - بالكسر - أي: مبتدَع. وفلان بِذٌْ في هذا الأمر، أي: بديع. وقوم أبداع؛
عن الأخفش(٢). وأنشد قُطْرُب قولَ عديٍّ بن زيد:
فلا أنا بِذْعٌ من حوادثَ تعتري رجالاً غدت من بعد بؤسي بأسعدِ (٣)
﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ﴾ يريد يوم القيامة - ولمَّا نزلَت فَرِحَ المشركون
واليهود والمنافقون، وقالوا: كيف نتبع نبيًّا لا يدري ما يُفعل به ولا بِنا، وأنه لا فضل
له علينا، ولولا أنه ابتدع الذي يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعلُ به؛
فنزلَت: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] فنسخت هذه الآية، وأرغم
اللهُ أَنْفَ الكفارِ. وقالت الصحابة: هنيئًا لك يا رسولَ الله، لقد بيَّن اللهُ لكِ ما يَفعلُ
بك يا رسولَ الله، فليت شِعرنا ما هو فاعلٌ بنا؟ فنزلت: ﴿لِدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [الفتح: ٥] الآية. ونزلت: ﴿وَثِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا
كَبِيرًا﴾ (٤) [الأحزاب: ٤٧] - قاله أنسٌ وابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة
والضحاك(٥).
(١) المحتسب ٢٦٤/٢، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٣٩ عن أبي حيوة.
(٢) ينظر معاني القرآن له ٢/ ٦٩٣ ولم نقف على كلامه بتمامه ثمة ، وهو بنحوه في تفسير الطبري
١١٩/٢١ والبغوي ٤/ ١٦٤ دون نسبة .
(٣) تفسير الطبري ١١٩/٢١، والمحرر الوجيز ٩٢/٥، والحماسة البصرية ٤٩/٢، وجمهرة أشعار
العرب ٥٠٠/١ ، وفي بعضها: عرت، بدل: غدت، و((أسعدُ))، بدل: بأسعد، وهو بهذا اللفظ في
النكت والعيون ٥/ ٢٧٢ .
(٤) أخرجه الطبري ١٢١/٢١ عن عكرمة والحسن البصري بنحوه، وسيذكره المصنف عن عطاء عن ابن
عباس أول سورة الفتح، وسيرد في الفتح أيضاً خبر قول الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله ... الخ،
وهو من حديث أنس ، وهو في الصحيح، وليس فيه ذكر لآية الأحقاف.
(٥) يعني قولهم في تفسير الآية أعلاه: يريد يوم القيامة، كما في المحرر الوجيز ٩٤/٥ ، وزاد المسير
٣٧٣/٧ .

١٨٥
سورة الأحقاف: الآية ٩
وقالت أمُّ العلاء - امرأة من الأنصار -: اقتسمنا المهاجرين، فطار لنا عثمان بن
مَظْعُون بن حُذافة بن جُمَح، فأنزلناه أبياتنا، فَتُوفِّيَ، فقلت: رحمةُ الله عليك أبا
السائب! إن الله أَكْرَمك. فقال النبيُّ ﴾: ((وما يدريكِ أن الله أكرمه))؟ فقلت: بأبي
وأمي يا رسولَ الله! فمن؟! قال: ((أمَّا هو فقد جاءه اليقينُ، وما رأينا إلا خيراً،
فواللهِ إني لَأَرجو له الجَنَّة، وواللهِ إني لَرسولُ اللهِ، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم)).
قالت: فواللهِ لا أزّي بعدَه أحداً أبداً (١). ذكره الثعلبيُّ، وقال: وإنما قال هذا حين لم
يعلَم بغفران ذَنْبِهِ، وإِنَّما غفَر اللهُ له ذنبَه في غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَة قبل موته بأربع سنين.
قلت: حديثُ أمِّ العلاء خَرَّجه البخاريُّ، وروايتي فيه: ((وما أدري ما يُفعل به))
ليس فيه: ((بي ولا بكم))، وهو الصحيح إن شاء اللهُ(٢)، على ما يأتي بيانه. والآية
ليست بمنسوخة؛ لأنها خبر.
قال النحاس(٣): محالٌ أن يكون في هذا ناسخ ولا منسوخ من جهتين: أحدهما
أنه خبر، والآخر أنه من أوَّل السورة إلى هذا الموضع خطابٌ للمشركين واحتجاجٌ
عليهم وتوبيخ لهم؛ فوجب أن يكون هذا - أيضاً - خطاباً للمشركين كما كان قبلَه وما
بعده، ومحال أن يقولَ النبيُّ # للمشركين: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في
(١) أخرجه بنحوه الإمام أحمد (٢٧٤٥٧)، والبخاري (١٢٤٣) عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أمّ
العلاء. وأم العلاء الأنصارية ، من المبايعات ، حديثها عند أهل المدينة ، وقيل : هي بنت الحارث بن
ثابت . الإصابة ١٣/ ٣٥٥ .
(٢) رواية: ((وما أدري ما يفعل به)) أخرجها البخاري - كما قال المصنف رحمه الله - (٢٦٨٧)، ورواية :
((ما يفعل بي ولا بكم)) أخرجها البخاري - أيضاً - (٧٠١٨) وهي عند الإمام أحمد (٢٧٤٥٨).
وأما قول المصنف - فيما يتعلق برواية : ((ما يفعل به)) - : وهو الصحيح ؛ فقد قال الحافظ ابن حجر
في فتح الباري ١١٥/٣ - ١١٦: في رواية الكشميهني (به)) وهو غلط منه ... وإنما قال رسول الله ﴾
ذلك - أي: ((ما يفعل بي ولا بكم)) - موافقة لقوله تعالى في سورة الأحقاف. ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا
بِكُمْ﴾ وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ ...
(٣) في الناسخ والمنسوخ ٦٢٨/٢ - ٦٢٩ .

١٨٦
سورة الأحقاف: الآية ٩
الآخرة، ولم يَزَل ◌َ﴾ من أوَّل مبعثه إلى مماته يخبر أنَّ مَن مات على الكفر مخلَّد في
النار، ومن مات على الإيمان واتبعه وأطاعه فهو في الجنة، فقد رأى 8# ما يفعل به
وبهم في الآخرة. وليس يَجوز أن يقول لهم: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في
الآخرة؛ فيقولون: كيف نتبعك وأنت لا تدري أتصير إلى خفضٍ ودَعة، أم إلى عذابٍ
وعقاب؟ !.
والصحيح في الآية قولُ الحسن، كما قرئ على محمد (١) بن جعفر بن حفص،
عن يوسف بن موسى، قال حدَّثنا وكيع قال: حدَّثنا أبو بكر الهذلي، عن الحسن:
((وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ فِي الدُّنْيَا))(٢) قال أبو جعفر(٣): وهذا أصحُ قولٍ
وأحسنه، لا يدري ﴿ ما يَلحقه وإياهم من مرضٍ وصحَّة، ورُخصٍ وغلاء، وغنّى
وفقر. ومثله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاُسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ الشُّوَّةٍ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ
وَبَشِيرٌ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وذكر الواحديُّ وغيره، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن
عباس: لمَّا اشتد البلاءُ بأصحاب رسولِ الله ﴿ رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرضٍ
ذات نخلٍ وشجر وماء، فقصَّها على أصحابه، فاستبشروا بذلك، ورأوا فيها فَرَجاً ممَّا
هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مَكَثوا بُرْهةً لا يرون ذلك، فقالوا: يا رسول الله،
متى نُهاجر إلى الأرض التي رأيتَ؟ فسكت النبيُّ ﴾، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِى مَا
يُفْعَلُ بِ وَلَ بِكُمْ﴾ أي: لا أدري أَأخرجُ إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا. ثم
قال: ((إنما هو شيء رأيتُه في منامي ما أتبع إلا ما يُوحَى إليَّ) (٤) أي: لم يوح إليَّ ما
أخبرتكم به. قال القُشَيريُّ: فعلى هذا لا نسخَ في الآية. وقيل: المعنى: لا أدري ما
(١) في النسخ: كما قرأ علي بن محمد، والمثبت من الناسخ والمنسوخ للنحاس.
(٢) وأخرجه أيضاً الطبري ١٢٢/٢١ - ١٢٣ مطولاً، وسيأتي قريباً.
(٣) في الناسخ والمنسوخ ٦٢٩/٢ .
(٤) أسباب النزول للواحدي ص ٤٠١ . وإسناده ضعيف، وذكره عن ابن عباس - أيضاً - البغوي في
تفسيره ١٦٤/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٧٢/٧، والرازي ٨/٢٨، وذكره ابن عطية في
المحرر الوجيز ٩٥/٥ عنه مختصراً، وأبو الليث السمر قندي ٢٣٠/٣ عن الكلبي .

١٨٧
سورة الأحقاف: الآية ٩
يُفْرَض عليَّ وعليكم من الفرائض.
واختار الطبريُّ(١) أن يكون المعنى: ما أدري ما يَصيرُ إليه أمري وأمرُكم في
الدنيا، أتؤمنون أم تكفرون، أم تُعاجَلون بالعذاب أم تؤخَّرون.
قلت: وهو معنى قولِ الحسن والسُّدِّيِّ وغيرِهما. قال الحسن: ما أدري ما يفعل
بي ولا بكم في الدنيا، أما في الآخرة فَمَعاذَ الله! قد عُلم أنه في الجنة حين أخذ
ميثاقه في الرسل، ولكن قال: ما أدري ما يفعل بي في الدنيا أَأُخرج كما أُخرجت
الأنبياء قبلي، أو أُقتل كما قُتلت الأنبياء قبلي؛ ولا أدري ما يفعل بكم، أَأُمَّتي
المصدِّقة أم المكذِّبة، أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قَذْفاً، أو مخسوفٌ بها
خَسْفاً؛ ثم نَزلت: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرَسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ
كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨]. يقول: سيُظهر دينَه على الأديان. ثم قال في أمته: ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ﴾ [الأنفال: ٣٣]. فأخبرَه تعالى بما يصنع به وبأمته(٢) .
ولا نسخَ على هذا كلِّه، والحمدُ لله. وقال الضحاك أيضاً: ((ما أدري ما يفعل بي
ولا بكم)) أي: ما تؤمرون به وتنهون عنه(٣). وقيل: أمرَ النبيُّ ﴾ أن يقول للمؤمنين:
ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في القيامة، ثم بيَّن اللهُ تعالى ذلك في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ
اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وبيَّن فيما بعد ذلك حالَ المؤمنين، ثم بيَّن
حالَ الكافرين (٤).
قلت: وهذا معنى القول الأوّل، إلا أنه أطلَق فيه النسخَ بمعنى البيان، وأنه أمَرَ
أن يقول ذلك للمؤمنين، والصحيحُ ما ذكرناه عن الحسن وغيرِه.
(١) في تفسيره ٢١/ ١٢٣، والقول الذي قبله منه .
(٢) أخرجه الطبري ٢١/ ١٢٢، وفي إسناده أبو بكر الهذلي؛ قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب:
أخباري متروك الحديث .
(٣) ذكره عنه الماوردي في النكت والعيون ٢٧٣/٥، والرازي في تفسيره ٨/٢٨، وذكره ابن عطية في
المحرر الوجيز ٩٤/٥ دون نسبة .
(٤) تفسير الطبري ١٢٠/٢١ .

١٨٨
سورة الأحقاف: الآيتان ٩ - ١٠
و((ما)) في ﴿مَا يُفْعَلُ﴾: يَجوز أن تكون موصولةٌ، وأن تكون استفهامية مرفوعة.
﴿إِنْ أَنَّعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَآ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ وقرئ: ((يُوحِي)) أي: اللـهُ عزَّ وجلَّ(١).
تقدَّم في غير موضع.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ
إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأَسْتَكْبَنٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَّلِينَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ يعني القرآن. ﴿وَكَفَرْتُ بِهِ﴾
وقال الشعبيُّ: المرادُ محمدٌ ﴾(٢). ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ قال ابن عباس
والحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: هو عبدُ الله بن سَلَام، شهِدَ على اليهود أن
رسولَ الله ﴾ مذكورٌ في التوراة، وأنه نبيٌّ من عند الله(٣).
وفي الترمذي (٤) عنه: ونَزَلت فيَّ آياتٌ من كتاب الله، نزلت فيَّ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ
مِنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأَسْتَكٌْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وقد تقدَّم في
آخر سورة الرعد (٥).
وقال مسروق: هو موسى والتوراة، لا ابنُ سَلَام؛ لأنه أسلَم بالمدينة، والسورةُ
مكيةٌ. وقال: وقوله: ﴿وَكَفَرْتُم بِهِ﴾ مخاطبة لقريش.
الشعبيُّ: هو مَن آمن مِن بني إسرائيل بموسى والتوراة؛ لأن ابن سَلَام إنما أسلم
قبل وفاة النبيِّ :﴿ بعامين، والسورةُ مكية(٦).
(١) الكشاف ٥١٨/٣، وذكر القراءة أيضاً أبو حيان في البحر ٧٥/٨، وهي قراءة شاذة.
(٢) النكت والعيون ٢٧٣/٥ .
(٣) تفسير مجاهد ٥٩٣/٢، وتفسير الطبري ١٢٨/٢١-١٣٠، وتفسير عبد الرزاق ٢١٥/٢، والنكت
والعيون ٥/ ٢٧٣ .
(٤) برقم (٣٢٥٦) .
(٥) ٩٨/١٢.
(٦) النكت والعيون ٥/ ٢٧٣، وبنحوه في تفسير الطبري ١٢٥/٢١ - ١٢٦ .

١٨٩
سورة الأحقاف: الآية ١٠
قال القُشَيْرِيُّ: ومن قال: الشاهدُ موسى، قال: السورة مكية، وأسلَم ابنُ سَلَام
قبلَ موتِ النبيِّ:﴿ بعامين(١). ويجوز أن تكون الآيةُ نَزَلت بالمدينة وتوضع في سورةٍ
مكية؛ فإن الآية كانت تنزل فيقول النبيُّ # ضعوها في سورة كذا(٢).
والآيةُ في مُحاجَّة المشركين، ووجهُ الحَجَّة أنهم كانوا يراجعون اليهودَ في
أشياء، أي: شهادتهم لهم وشهادة نبيِّهم لي من أوضح الحجج. ولا يبعد أن تكون
السورةُ في مُحاجَّة اليهود، ولمَّا جاء ابن سَلَام مُسْلِمًا من قبل أن تعلم اليهود بإسلامه
قال: يا رسولَ الله، اجعلني حَكَماً بينك وبين اليهود، فسألهم عنه: ((أيُّ رجلٍ هو
فيكم؟)) قالوا: سَيِّدُنا وعالِمُنا. فقال: ((إنه قد آمن بي)) فأساؤوا القولَ فيه ... الحديث،
وقد تقدَّم(٣). قال ابن عباس: رضيَت اليهودُ بحكم ابن سلام، وقالت للنبيِّ ﴾: إن
يشهد لك آمنًّا بك؛ فسئل فشهِد ثم أسلَم(٤). ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ أي: على مثل ما جئتكم
به، فشهِد موسى على التوراة، ومحمدٌ على القرآن. وقال الجُرْجَانِيُّ. ((مِثْل)) صلة،
أي: وشهد شاهدٌ عليه أنه من عند الله. ﴿فَامَنَ﴾ أي: هذا الشاهد. ﴿وَأَسْتَكْمٌ﴾ أنتم
عن الإيمان. وجوابُ ((إِنْ كَانَ)) محذوفٌ تقديره: فآمن، أتؤمنون؟ قاله الزجاج(٥).
وقيل: ((فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ)) أليس قد ظلمتم؟ يبيِّنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَِّمِينَ﴾
وقيل: ((فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ)) أفتَأُمنون عذابَ الله؟(٦). و(أَرَأَيْتُمْ)) لفظُ موضوع للسؤال
والاستفهام؛ ولذلك لا يقتضي مفعولاً. وحكى النقاشُ وغيره: أن في الآية تقديماً
وتأخيراً، وتقديره: قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهِد شاهدٌ من بني إسرائيل فآمن
هو وكفرتم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين(٧).
(١) سلف قول القشيري هذا ١٢ / ٩٩ .
(٢) ذكر هذا القول الرازيُّ في تفسيره ١٠/٢٨ عن الكلبي.
(٣) أخرجه الإمام أحمد (١٢٠٥٧)، والبخاري (٣٣٢٩) من حديث أنس بنحوه .
(٤) أخرجه الطبري ١٢٧/٢١ - ١٢٨ بنحوه .
(٥) في معاني القرآن له ٤٤٠/٤، وذكر هذا الكلام البغويُّ في تفسيره ٤/ ١٦٥.
(٦) الوسيط ٤/ ١٠٤ - ١٠٥، وزاد المسير ٣٧٤/٧ .
(٧) النكت والعيون ٥/ ٢٧٤ .

١٩٠
سورة الأحقاف: الآية ١١
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَا سَبَقُونَاً إِلَيْهٍ وَإِذْ لَمْ
يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَاً إِلَيْهٍ﴾ اختلف في
سبب نزولها على ستة أقوال:
الأوّل: أنَّ أبا ذَرِّ الغفاريَّ دعاه النبيُّ﴾ إلى الإسلام بمكة فأجاب، واستجار به
قومُه، فأتاه زعيمُهم فأسلَم، ثم دعاهم الزعيمُ فأسلموا، فبلغَ ذلك قريشاً، فقالوا:
غفارٌ الحلفاء لو كان هذا خيراً ما سَبقونا إليه؛ فنزلت هذه الآيةُ، قاله أبو المتوكل(١).
الثاني: أن زِنِّيرة أسلَمت فأصيب بصرُها، فقالوا لها: أصابك اللاتُ والعزَّى؛
فردَّ اللهُ عليها بصرَها. فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمدٌ خيراً ما سبقتْنا إليه
زِنِّيرة؛ فأنزل اللهُ تعالى هذه الآية؛ قاله عروة بن الزبير(٢).
الثالث: أن الذين كفَروا هم بنو عامر، وغَطَفان، وتميم، وأسَد، وحَنْظَلة،
وأشْجَع، قالوا لمن أسلَم مِن غِفار وأسلَم وجُهينة ومُزينة وخزاعة: لو كان ما جاء به
محمدٌ خيراً ما سبقتنا إليه رُعَاةُ الْبَهْم؛ إذ نحن أعزُّ منهم؛ قاله الكلبيُّ والزَّجَّاجِ(٣)،
وحكاه القُشَيْريُّ عن ابن عباس.
وقال قتادة: نزلت في مشركي قريش، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه مُحمدٌ خيراً ما
(١) النكت والعيون ٢٧٤/٥، وزاد المسير ٣٧٥/٧.
(٢) النكت والعيون ٢٧٤/٥، وأخرج نحوه الواحدي في الوسيط ١٠٥/٤ عن أبي الزناد ، عن أبيه،
وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٣٧٥ عن أبي الزناد ، دون ذكر زِنِّيرة .
وزِنيرة هي مولاة أبي بكر الصديق ﴾ وهي أحد السبعة الذين كانوا يعذَّبون في الله ، فاشتراهم أبو بكر ،
وأعتقهم . ينظر الاستيعاب على هامش الإصابة ١٣/ ١٤ - ١٥ .
(٣) في معاني القرآن له ٤٤٠/٤، وذكره أيضاً الماوردي في النكت والعيون ٢٧٤/٥ ، والبغوي في
تفسيره ١٦٦/٤، وابن عطية في المحرر الوجيز ٥/ ٩٥ ، وابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٣٧٥ دون
ذكر تميم وحنظلة وخزاعة .

١٩١
سورة الأحقاف: الآية ١١
سبقنا إليه بِلال وصُهيب وعَمَّار وفلانٌ وفلان(١). وهو القول الرابع.
القول الخامس: أن الذين كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا - يعني عبد الله بن
سلام وأصحابه -: لو كان دين محمد حقًّا ما سبقونا إليه؛ قاله أكثر المفسرين، حكاه
التعلميُّ(٢).
وقال مسروقٌ: إن الكفار قالوا: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه اليهود؛ فنزلت هذه
الآية.
وهذه المعارضةُ من الكفار في قولهم: لو كان خيراً ما سبقونا إليه من أكبرٍ
المعارضات بانقلابها عليهم لكلِّ من خالَفهم؛ حتى يقال لهم: لو كان ما أنتم عليه
خيراً ما عدلنا عنه، ولو كان تكذيبكم للرسول خيراً ما سبقتمونا إليه؛ ذكره
الماورديُّ(٣).
ثم قيل: قوله: ﴿مَّا سَبَقُونَا إِلَيَّةٍ﴾ يجوز أن يكون من قول الكفار لبعض
المؤمنين، ويجوز أن يكون على الخروج من الخطاب إلى الغيبة؛ كقوله تعالى: ﴿حَّ
إذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ (٤) [يونس: ٢٢]. ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ﴾ يعني الإيمان.
وقيل: القرآن. وقيل: محمد ﴿ ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِنْكُ قَدِيرٌ﴾ أي: لمَّا لم يصيبوا الهدى
بالقرآن ولا بمن جاء به؛ عادَوْه ونسبُوه إلى الكذب، وقالوا: هذا إفك قديمٌ؛ كما
قالوا: أساطير الأوَّلين(٥). وقيل لبعضهم: هل في القرآن: مَن جَهِل شيئاً عاداه؟
فقال: نعم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِنْكٌ قَدِيرٌ﴾ ومثله:
(١) ذكره النحاس في إعراب القرآن ١٦١/٤، وابن عطية في المحرر الوجيز ٥ /٩٥، وأخرجه بنحوه
عبد الرزاق ٢١٦/٢، والطبري ١٣٢/٢١ - ١٣٣، وينظر ما سلف ٣٩١/١٥.
(٢) المحرر الوجيز ٩٥/٥.
(٣) في النكت والعيون ٥/ ٢٧٤ - ٢٧٥، وقول مسروق هو القول السادس.
(٤) تفسير الرازي ٢٨/ ١١ .
(٥) تفسير البغوي ١٦٦/٤ بنحوه .

١٩٢
سورة الأحقاف: الآية ١٢
﴿َبَّ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩].
قوله تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ، كِثَبُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةٌ وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا
عَرَبِيًّا لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ
قوله تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾ أي: ومن قبل القرآن ﴿كِنَبُ مُوسَى﴾ أي: التوراة
﴿إِمَامًا﴾ يقتدى بما فيه ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من اللهِ. وفي الكلام حذفٌ؛ أي: فلم يهتدوا به.
وذلك أنه كان في التوراة نعتُ النبيِّ :﴿ والإيمانُ به، فتركوا ذلك. و((إِمَامًا)) نصب على
الحال؛ لأن المعنى: وتقدَّمه كتابُ موسى إماماً. ((وَرَحْمَةً)) معطوف علیه. وقيل:
انتصب بإضمار فعلٍ، أي: أنزلناه إماماً ورحمة(١). وقال الأخفش (٢): على القطع؛
لأن كتاب موسى معرفةٌ بالإضافة؛ لأن النكرة إذا أعيدت أو أُضيفت أو أدخل عليها
ألف ولام صارت معرفةً. ﴿وَهَذَا كِتَبُ﴾ يعني القرآن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ يعني للتوراةِ ولِمَا
قبلَه من الكتب. وقيل: مصدِّق للنبيِّ﴾ ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ منصوب على الحال؛ أي:
مصدِّق لِمَا قبلَه عربيًّا، و﴿لِّسَانًا﴾ توطئة للحال، أي: تأكيد؛ كقولهم: جاءني زيدٌ
رجلاً صالحاً، فتذكر رجلاً توكيداً(٣). وقيل: نصب بإضمار فعل تقديره: وهذا كتابٌ
مصدِّق؛ أعني لساناً عربيًّا. وقيل: نصب بإسقاط حرفِ الخفض تقديره: بلسانٍ عربيٍّ.
وقيل: إن لساناً مفعول، والمراد به النبيُّ ﴾، أي: وهذا كتاب مصدِّقٌ للنبيِّ ﴾ لأنه
معجزته؛ والتقدير: مصدِّق ذا لسان عربيٍّ. فاللسان منصوب بمصدِّق، وهو النبيُّ #.
ويبعد أن يكون اللسان القرآنَ؛ لأن المعنى يكون يصدِّق نفسَه(٤). ﴿لِيُنذِرَ الَّذِينَ
ظَلَمُوا﴾ قراءة العامة: ((لِيُنْذِرَ)) بالياء خبرٌ عن الكتاب، أي: لينذر الذين ظلموا أنفسَهم
بالكفر والمعصية.
(١) الكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٤/ ٤٤٠ - ٤٤١، والوسيط ١٠٥/٤ - ١٠٦.
(٢) ينظر كلامه في معاني القرآن له ٢/ ٦٩٣ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٤ / ٤٤١، والوسيط ١٠٦/٤.
(٤) تفسير الطبري ١٣٤/٢١، وبنحوه في معاني القرآن للأخفش ٦٩٣/٢.
٠

١٩٣
سورة الأحقاف: الآيات ١٢ - ١٥
وقيل: هو خبرٌ عن الرسول ﴾. وقرَأ نافعٌ وابن عامر والبَزِّيُّ: بالتاء(١)، واختاره
أبو عبيد وأبو حاتم؛ على خطاب النبيِّ ﴾، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾
[الرعد: ٧]. ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ((بُشْرَى)) في موضع رفع(٢)، أي: وهو بشرى. وقيل:
عطفاً على الكتاب، أي: وهذا كتاب مصدِّقٌ وبشرى. ويجوز أن يكون منصوباً
بإسقاط حرف الخفض، أي: لينذر الذين ظلموا، وللبشرى؛ فلمَّا حذف الخافض
نصب. وقيل: على المصدر، أي: وتبشر المحسنين بشرى، فلمَّا جعل مكان وتبشر
بشرى أو بشارة؛ نصب؛ كما تقول: أتيتك لأَزورَك، وكرامةً لك وقضاءً لحقك؛ يعني
لأزورك وأكرمك وأقضي حقَّك؛ فنصب الكرامة بفعلٍ مضمر (٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَمُواْ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ ﴿ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيَهَا جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُوا﴾ الآية تقدَّم معناها (٤). وقال
ابن عباس: نزلت في أبي بكر الصدِّيق(٥). والآية تعمُّ ﴿جَزَاءٌ﴾ نصب على
المصدر (٦).
قوله تعالى: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ بَوَلِدَيْهِ إِحْسَنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ, كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُهّاً
وَحَمْلُهُ وَفِصَلُ ثَثُونَ شَهْرًا حَتَّىَ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّهُ قَالَ رَبٍّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّتِىَ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنْهُ وَأَصْلِحْ لِ فِ
١٥
ذُرِيَّقٌِّ إِنَّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فيه سبع مسائل :
(١) السبعة ص ٥٩٦، والتيسير ص١٩٩.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٦٢/٤، وينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢٧١/٢.
(٣) تفسير الطبري ١٣٥/٢١، وينظر معاني القرآن للفراء ٥١/٣ - ٥٢.
(٤) عند تفسير الآية (٣٠) من سورة فصلت.
(٥) تفسير أبي الليث السمر قندي ٢٣٢/٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠ لابن عساكر.
(٦) إملاء ما من به الرحمن ٣٢٠/٤ على هامش الفتوحات الإلهية .

١٩٤
سورة الأحقاف: الآية ١٥
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَوَضَّيْنَا اُلْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًا﴾ بَيَّن اختلافَ حالِ الإِنسان
مع أبويه، فقد يُطيعهما وقد يُخالفهما، أي: فلا يَبعُد مثلُ هذا في حقِّ النبيِّ :﴿ وقومِه
حتى يَستجيب له البعضُ ويَكفُر البعض. فهذا وجهُ اتصال الكلام بعضه ببعض؛ قاله
القشيريٌّ(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿حُسْنًا﴾ قراءة العامة: ((حُسْنًا)) وكذا هو في مصاحف أهل
الحرمين والبصرة والشام. وقرأ ابن عباس والكوفيون: ((إِحْسَاناً)) وحُجتهم قوله تعالى
في سورة الأنعام [الآية: ١٥١] وبني إسرائيل [الآية: ٢٣]: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وكذا هو
في مصاحف الكوفة.
وحجةُ القراءة الأولى قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ
حُسْنَا﴾ (٢) [الآية: ٨]، ولم يختلفوا فيها. والحُسْن خلاف القُبْح. والإحسان خلاف
الإساءة(٣). والتوصية: الأمر. وقد مضى القول في هذا وفيمن نزلت(٤).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿حَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُهَاً﴾ أي: بكرهٍ ومشقّة(٥).
وقراءة العامة بفتح الكاف. واختاره أبو عبيد، قال: وكذلك لفظ الكره في كلِّ
القرآن - بالفتح - إلا التي في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرُّهُ لَّكُمْ﴾
[الآية: ٢١٦] لأن ذلك اسمٌ، وهذه كلُّها مصادر. وقرَأ الكوفيون: ((كُرْهًا)) بالضم(٦).
قيل: هما لغتان مثل الضُّعْف والضَّعْف، والشُّهْد والشَّهْد(٧)؛ قاله الكسائيُّ، وكذلك
(١) بعدها في (ظ) زيادة: وقتادة .
(٢) قرأ: ((إحسانا)) عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون من السبعة: ((حسناً)) السبعة ص٥٩٦، والتيسير
ص١٩٩، وينظر معاني القرآن للفراء ٥٢/٣، والطبري ١٣٦/٢١ - ١٣٧.
(٣) تفسير الرازي ١٤/٢٨ .
(٤) ٣٢٨/١٣ - ٣٢٩.
(٥) تفسير الطبري ٢١/ ١٣٧ .
(٦) قرأ بالضم عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر في رواية ابن ذكوان، والباقون من السبعة؛ بالفتح.
السبعة ص ٥٩٦ ، والتيسير ص ١٩٩ .
(٧) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ١٤/٢٨ .

١٩٥
سورة الأحقاف: الآية ١٥
هو عند جميع البصريين. وقال الكسائيُّ أيضاً والفرَّاء في الفرق بينهما: إن الكُره -
بالضم ــ ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره (١)؛ أي: قهراً
وَغَضَباً؛ ولهذا قال بعض أهل العربية: إن كَرهاً - بفتح الكاف - لَحرٌ(٢).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾ قال ابن عباس: إذا حَمَلَت
تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرًا، وإن حملت ستة أشهر أرضعت أربعة
وعشرين شهراً(٣).
وروي أن عثمان قد أتي بامرأةٍ قد ولدت لستة أشهر، فأراد أن يقضي عليها
بالحدِّ؛ فقال له عليٍّ : ليس ذلك عليها، قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ تَثُونَ
شَهْرًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَتُ يُضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فالرضاع
أربعة وعشرون شهراً، والحمل ستة أشهر، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدَّها (٤)، وقد
مضى في ((البقرة))(٥).
وقيل: لم يعدَّ ثلاثة أشهر في ابتداء الحمل؛ لأن الولد فيها نطفةٌ وعلقة ومضغة،
فلا يكون له ثِقَل يُحسُّ به، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّنَهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا
فَمَرَّتْ بِهِمْ﴾(٦) [الأعراف: ١٨٩]. والفِصالُ: الفِطام. وقد تقدَّم في (لقمان)) الكلامُ فيه(٧).
(١) النكت والعيون ٢٧٦/٥ .
(٢) وقال صاحب هذا القول: لو حملته كَرهاً لَرَمَتْ به عن نفسها، لأن الكَرِه القهرُ والغضبُ. وذكره
النحاس في إعراب القرآن ١٦٤/٤، وابن عطية في المحرر الوجيز ٩٧/٥. ورده أبو جعفر النحاس بأن
الگره والگره لغتان بمعنی واحد.
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢٧٦/٥، والواحدي في الوسيط ١٠٧/٤، وسلف ١١٠/٤
- ١١١ .
(٤) سلفت ص ٩٠ من هذا الجزء.
(٥) الذي مضى الكلام عن أحكام الرضاع ١٠٦/٤ وما بعد .
(٦) تفسير الرازي ١٤/٢٨ .
(٧) ١٦ / ٤٧٤ .

١٩٦
سورة الأحقاف: الآية ١٥
وقرَأ الحسنُ ويعقوب وغيرهما: ((وفَصْله)) بفتح الفاء وسكون الصاد(١).
وروي أن الآية نَزَلت في أبي بكر الصدِّيق، وكان حملُه وفصاله في ثلاثين
شهراً (٢)، حملته أمه تسعةً أشهر، وأرضعته إحدى وعشرين شهراً.
وفي الكلام إضمارٌ، أي: ومدُّة حملِه ومدُّة فصاله ثلاثون شهراً، ولولا هذا
الإضمارُ لنصب ثلاثون على الظرف وتغيَّر المعنى(٣).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿حَّىَ إِذَا بَلَعَ أَشُدَّهُ﴾ قال ابن عباس: ثماني عشرة سنة (٤).
وقال في رواية عطاء عنه: إن أبا بكر صحب النبيَّ 8# وهو ابن ثماني عشرة سنة،
والنبيّ ﴿ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشامَ للتجارة، فتَزلوا منزِلاً فيه سدرة، فقعد
النبيُّ﴾ في ظلِّها، ومضى أبو بكر إلى راهبٍ هناك، فسأله عن الدِّين. فقال الراهب:
مَن الرجل الذي في ظلِّ الشجرة؟ فقال: ذاك محمدُ بن عبد الله بن عبد المطلب.
فقال: هذا واللهِ نبيٍّ، وما استظلَّ أحدٌ تحتَها بعد عيسى. فوقَع في قلب أبي بكر
اليقينُ والتصديق؛ وكان لا يكاد يُفارِق رسولَ الله﴾ في أسفاره وحضَرِهِ. فلما نُبَِّ
رسولُ الله﴾ وهو ابن أربعين سنة، صدَّق أبو بكر ه رسولَ الله ﴾ وهو ابن ثمانية
وثلاثين سنة. فلمَّا بلَغ أربعين سنة قال: ﴿رَبٍ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَِّيَّ أَنْعَمْتَ عَلَّ
وَعَلَى وَإِذَكَ﴾(٥) الآية. وقال الشعبيُّ وابن زيد: الأشُدُّ: الحُلُم(٦). وقال الحسن: هو
(١) ذكر قراءة الحسن النحاسُ في إعراب القرآن ١٦٤/٤، وابنُ عطية في المحرر الوجيز ٩٧/٥، وقراءة
يعقوب في النشر ٢٧٩/٢ وهي من العشرة.
(٢) ذكره الواحدي في الوسيط ٤/ ١٠٧ بنحوه، وأخرجه الفراء في معاني القرآن ٥٣/٣ عن الكلبي عن
أبي صالح ، عن ابن عباس ، دون قوله : ((وكان حمله وفصاله في ثلاثين شهراً .. )).
(٣) مشكل إعراب القرآن ٦٦٦/٢، وينظر إملاء ما به بن الرحمن ٣٢٠/٤ على هامش الفتوحات.
(٤) لم نقف عليه، وأخرج الطبري ٦٧/١٣ - ٦٨ عنه أنه بضع وثلاثون، ثم قال: وروي عن ابن عباس من
وجه غير مرضيٍّ أنه قال : ما بين ثماني عشرة سنةٌ إلى ثلاثين .
(٥) أسباب النزول للواحدي ص ٤٠١-٤٠٢، وزاد المسير ٣٧٧/٧ - ٣٧٨، وأشار الحافظ ابن حجر في
الإصابة ٢٩٤/١ (ترجمة بحيرا) إلى ضعفه.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره عنهما ٩/ ٦٦٤، وابن أبي حاتم ١٤١٩/٥ (٨٠٨٨) عن الشعبي، وسلف
٩/ ١١٢ من قول ابن زيد .

١٩٧
سورة الأحقاف: الآية ١٥
بلوغ الأربعين(١). وعنه: قيام الحجة عليه. وقد مضى في ((الأنعام))(٢) الكلامُ في الآية.
وقال السّدِّي والضحاك: نزلَت في سعد بن أبي وقاص. وقد تقدم(٣). وقال الحسن:
هي مرسَلة نزلَت على العموم(٤). واللهُ أعلم.
السادسة: قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍ أَوَزِعْنِىّ﴾ أي: ألهمني. ﴿أَنَّ أَشْكُرَ﴾ في موضع
نصب على المصدر، أي: شُكْرَ نعمتِك ﴿عَ﴾ أي: ما أنعمتَ به عليَّ من الهداية
﴿وَعَلَى وَالِدَىَّ﴾ بالتحنُّن والشفقة حتى ربَّياني صغيراً. وقيل: أنعمتَ عليَّ بالصحَّة
والعافية، وعلى والديَّ بالغنى والثَّروة(٥).
وقال عليٍّ ﴾: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصدِّيق ضه؛ أسلَم أبواه جميعاً، ولم
يَجتمع لأحدٍ من المهاجرين [أن](٦) أسلم أبواه غيرُه، فأوصاه اللهُ بهما، ولزِم ذلك
مَن بعده(٧). ووالدُه: هو أبو قُحافة عثمانُ بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعدِ بن
تَيْم(٨). وأمُّه: أمُّ الخير، واسمها سَلْمَى بنت صخر بن عامر(٩) بن كعب بن
سعد (١٠). وأم أبيه أبي قحافة: قَيْلة، بالياء المعجمة باثنتين من تحتها (١١)، وامرأة أبي
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ١٤١٩/٥ (٨٠٨٧).
(٢) ٩/ ١١١ وما بعد .
(٣) ١٦/ ٤٧٣ .
(٤) زاد المسير ٣٧٨/٧ .
(٥) النكت والعيون ٥/ ٢٧٧ .
(٦) لفظة أن من (م).
(٧) الوسيط ١٠٧/٤، وتفسير البغوي ٤/ ١٦٧ .
(٨) الاستيعاب ١٢/ ٩٢ على هامش الإصابة، والتعريف والإعلام للسهيلي ص ١٥٦.
(٩) في (د) و(ز) و(ظ) : عمرو .
(١٠) الاستيعاب على هامش الإصابة ٢١٦/١٣، وفي الإصابة ٣١٠/١٢ و٢٠٣/١٣ : بنت صخر بن عامر
ابن كعب ... ، وقيل: بنت صخر بن عمرو بن عامر القرشية.
(١١) ذكر ابن ماكولا في الإكمال ٧/ ١٣٠: أن اسمها: قيلة بنت أذة بن رياح .. ، وقال ابن حجر في
الإصابة ٣٨٩/٦: أمه : آمنة بنت عبد العزى العدوية، عديّ قريش ، وقيل : اسمها : قيلة ..

١٩٨
سورة الأحقاف: الآية ١٥
بكر الصديق اسمُها قَتْلَةَ(١) - بالتاء المعجمة باثنتين من فوقها - بنتُ عبد العُزَّى.
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنهُ﴾ قال ابن عباس: فأجابه اللهُ، فأعتَق تسعةً من المؤمنين
يعذّبون في الله، منهم بلال وعامر بن فُهيرة؛ ولم يدع شيئاً من الخير إلا أعانَه اللـهُ
عليه (٢) .
وفي الصحيح (٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((من أَصَبَح منكم اليوم
صَائماً؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فَمن تَبع منكم اليوم جَنَازةً؟)) قال أبو بكر: أنا.
قال: ((فمن أطعَم منكم اليوم مِسْكِيناً؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فمن عاد منكم اليوم
مَرِيضاً؟)) قال أبو بكر: أنا. قال رسولُ اللـه﴾: ((ما اجتَمَعن في امرئ إلا دخَل
الجَنَّةَ)».
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِ فِ ذُرِّيَّنٌِ﴾ أي: اجعل ذرِّيَّتي صالحين(٤). قال
ابن عباس : فلم يبقَ له ولدٌ ولا والد ولا والدة إلا آمَنوا بالله وحده(٥). ولم يكن أحدٌ
من أصحابٍ رسول الله ﴾ أسلَم هو وأبواه وأولادُه وبناته كلُّهم إلا أبو بكر (٦).
وقال سهل بن عبد الله: المعنى اجعلْهم لي خَلَف صِدقٍ، ولك عبيدَ حقٍّ. وقال
أبو عثمان: اجعلهم أبراراً لي مطيعين لك. وقال ابن عطاء: وفقهم لصالح أعمالٍ
ترضى بها عنهم. وقال محمد بن علي: لا تجعل للشيطان والنفْس والهوى عليهم
سبيلاً (٧). وقال مالك بن مِغول(٨): اشتكى أبو معشر ابنَه إلى طلحة بن مُصَرِّف؛
(١) في (م): قتيلة، وهو صحيح أيضاً؛ توضيح المشتبه ١٤٤/٧.
(٢) الوسيط للواحدي ١٠٧/٤-١٠٨، وزاد المسير ٣٨٧/٧. وقد سمَّى ابن هشام في السيرة ٣١٨/١
- ٣١٩ سبعة ممن أعتقهم أبو بكر ﴾.
(٣) صحيح مسلم (١٠٢٨).
(٤) تفسير أبي الليث السمر قندي ٢٣٢/٣ .
(٥) الوسيط ٤/ ١٠٨.
(٦) زاد المسير ٧/ ٣٨٧.
(٧) النكت والعيون ٢٧٨/٥ .
(٨) في (م) مقول ، وهو خطأ.

١٩٩
سورة الأحقاف: الآيتان ١٥ - ١٦
فقال: استعِن عليه بهذه الآية؛ وتلا: ﴿رَبِّ أَوَزِعْنِيَ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّتِّيَّ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى
وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنْهُ وَأَصْلِحْ لِى فِ ذُرِّيَِّىٌّ إِنِ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾(١).
﴿إِنِّ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال ابن عباس: رجعْتُ عن الأمر الذي كنتُ عليه(٢). ﴿وَإِنِّ مِنَ
اَلْمُسْلِمِينَ﴾ أي: المخلِصين بالتوحيد(٣).
قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ تَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَنَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِم فِىّ
أَصْحَبِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ
قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبِّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَجَاوَزُ عَن سَبِئَاتِهِمْ﴾ قراءة العامة
بضم الياء فيهما. وقرئ: ((يَتَقَبَّلُ، وَيَتَجَاوزُ)) بفتح الياء(٤)؛ والضمير فيهما يرجعُ لِله
عزَّ وجلَّ. وقرَأ حفص وحمزة والكسائيُّ: (نَتَقَبَّلُ، ونَتَجَاوَزُ)) بالنون فيهما(٥)، أي:
نغفرها ونصفح عنها. والتجاوزُ أصلُه من جزت الشيءَ: إذا لم تقف عليه. وهذه الآيةُ
تدلُّ على أن الآية التي قبلها ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِسَنَ﴾ إلى آخرها مرسلةٌ نزلَت على العموم.
وهو قول الحسن(٦).
ومعنى ((نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ)) أي: نتقبل منهم الحسنات، ونتجاوزُ عن السيئات. قال زيد
ابن أسلم - ويحكيه مرفوعاً -: إنهم إذا أسلموا قُبلت حسناتُهم وغُفرت سيئاتُهم.
وقيل: الأحسن ما يقتضي الثواب من الطاعات، وليس في الحسن المباح ثواب ولا
(١) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٦/ ٤١، وأبو نعيم في الحلية ١٩/٥.
(٢) النكت والعيون ٢٧٨/٥ .
(٣) تفسير أبي الليث السمر قندي ٢٣٢/٣ .
(٤) هي قراءة عيسى والأعمش كما في القراءات الشاذة ص ١٣٩، ونسبها ابن الجوزي في زاد المسير
٣٧٩/٧ لأبي المتوكل وأبي رجاء وأبي عمران الجوني ، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٩٨/٥
للحسن.
(٥) وقرأ الباقون من السبعة بالياء، كما سلف، وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، وعاصم في
رواية أبي بكر. السبعة ص٥٩٧ ، والتيسير ص١٩٩ .
(٦) سلف قوله ص ١٩٧ من هذا الجزء.

٢٠٠
سورة الأحقاف: الآيات ١٦ - ١٨
عقاب؛ حكاه ابن عيسى(١). ﴿فيّ أَمْحَبِ الْجَّةِ﴾ ((في)) بمعنى مع (٢)، أي: مع أصحاب
الجنة، تقول: أكرمك وأحسن إليك في جميع أهل البلد، أي: مع جميعهم (٣).
﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ نصب لأنه مصدرٌ مؤكد لما قبله؛ أي: وعد الله أهل الإيمان أن
يَتقبل من مُحسنهم ويتجاوزَ عن مسيئهم وعد الصدق(٤). وهو من باب إضافة الشيء
إلى نفسه؛ لأن الصدقَ هو ذلك الوعدُ الذي وعده اللهُ؛ وهو كقوله تعالى: ﴿حَقُّ
الْقِيِنِ﴾ [الحجر: ٩٩] وهذا عند الكوفيين، فأما عند البصريين فتقديره: وَعْد الكلام
الصدق أو الكتاب الصدق، فحذف الموصوف. وقد مضى هذا في غير موضع(٥).
﴿الَّذِى كَانُوْ يُؤْعَدُونَ﴾ في الدنيا على ألسنة الرسل؛ وذلك الجنة(٦).
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَآ أَنْعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ اُلْقُرُونُ
مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اَللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ
اُلْأَوَّلِينَ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِيَ أُثُرِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ لَلِنِّ
وَالْإِنسَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا أَنْعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي: أن أُبعثَ(٧).
﴿وَقَدْ خَتِ اٌلْقُرُونُ مِن قَبْلِ﴾ قراءة نافعٍ وحفص وغيرِهما: ((أُفِّ)) مكسور منوَّن. وقرأ
ابن كثير وابن محيصن وابن عامر والمفضَّل عن عاصم: ((أُفَّ)) بالفتح من غير تنوين.
الباقون بالكسر غير منوَّن(٨)؛ وكلُّها لغات، وقد مضى في ((بني إسرائيل))(٩).
(١) النكت والعيون ٢٧٩/٥، ولم نقف على قول زيد بن أسلم مرفوعاً.
(٢) زاد المسير ٣٧٩/٧ .
(٣) الكلام بنحوه في الكشاف ٣/ ٥٢١ .
(٤) الكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٤ / ٤٤٣ .
i'
(٥) ١٢٨/١٢ .
(٦) النكت والعيون ٢٧٩/٥.
(٧) النكت والعيون ٢٧٩/٥ .
(٨) وقرأ عاصم في رواية حفص: أُفٍّ، بالكسر منون، وقرأ في رواية شعبة: أُفِّ. السبعة ص ٥٩٧ ،
والتيسير ص ١٣٩ ، والمحرر الوجيز ٩٩/٥ .
(٩) ١٣/ ٥٧ .