Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ سورة فصلت: الآيات ٣٤ - ٣٦ من يجهلُ عليك(١). وعنه أيضاً: هو الرجل يَسُبُّ الرجلَ فيقول الآخر: إن كنتَ صادقاً فغفر الله لي، وإن كنتَ كاذباً فغفر الله لك. وكذلك يُروى في الأثر: إن أبا بكر الصديق ﴾ قال ذلك لرجل نالَ منه (٢). وقال مجاهد: ((بالتي هي أَحْسَنُ)) يعني السلام إذا لَقِيَ من يُعاديه؛ وقاله عطاء(٣). وقولٌ ثالثٌ ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في ((الأحكام)»(٤) وهو المُصافحة. وفي الأثر: ((تصافحوا يَذهبِ الغِلُّ»(٥). ولم يَرَ مالكٌ المصافحة، وقد اجتمع مع سفيان فتكلَّما فيها فقال سفيان: قد صافح رسولُ اللـه # جعفراً حين قَدِمَ من أرض الحبشة(٦)؛ فقال له مالك: ذلك خاصٌّ. فقال له سفيان: ما خَصَّ رسول الله ﴾ يخصُّنا، وما عَمَّه يعمُّنا، والمصافحةُ ثابتةٌ فلا وجهَ لإنكارها. وقد روى قتادة قال: قلت لأنس: هل كانت المصافحةُ في أصحاب رسول الله ﴿؟ قال: نعم. وهو حديثٌ صحيح. وفي الأثر: ((مِنْ تمام المحبةِ الأخذُ باليد))(٧). ومن حديث محمد بن إسحاق - وهو إمامٌ مقدَّم - عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قَدِمَ زيدُ بن حارثةَ المدينةَ ورسولُ اللـه # في بيتي، فقرع البابَ فقام إليه رسولُ الله ﴾. عُرِياناً يَجُرُّ ثوبَه - والله ما رأيتُه ◌ُرياناً قبلَه ولا بعده - فاعتنقه وقبّله(٨). قلت: قد رُوي عن مالك جوازُ المصافحة وعليها جماعةٌ من العلماء. وقد مضى ذلك في ((يوسف))(٩)، وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب قال: قال رسولُ الله ﴾. (١) النكت والعيون ١٨٢/٥ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٥١ . (٣) المحرر الوجيز ١٦/٥ . (٤) ٤ / ١٦٥١ . (٥) أخرجه مالك في الموطأ ٩٠٨/٢ عن عطاء مرسلاً. قال ابن عبد البر في التمهيد ١٢/٢١: وهذا يتصل من وجوه شتی حسان كلها. وسلف ٤٥٨/١١ . (٦) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٨١/٤، وسلف ٤٥٨/١١ . (٧) أخرجه الترمذي (٢٧٣٠) من حديث ابن مسعود ، وفيه: التحية، بدل: المحبة. قال الترمذي هذا حديث غريب .. سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فلم يَعُدَّه محفوظاً. (٨) أخرجه الترمذي (٢٧٣٢) وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث الزهري إلا بهذا الوجه .. (٩) ٤٥٨/١١ - ٤٥٩ . ٤٢٢ سورة فصلت: الآيات ٣٤ - ٣٦ ((ما مِنْ مُسلمين يلتقيان فيأخذَ أحدُهما بيدٍ صاحبه مَوَدَّةً بينهما ونصيحةً إلا أُلقيت ذنوبهما بينهما))(١). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَُّ وَإِىُّ حَمِيرٌ﴾ أي: قريب صديق. قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان مُؤذياً للنبيّ ﴾، فصار له وليًّا بعد أن كان عدوّاً بالمصاهرة التي وقعت بينه وبين النبي ﴿، ثم أسلم فصار وليًّا في الإسلام حميماً بالقرابة (٢). وقيل: هذه الآيةُ نزلت في أبي جهل بن هشام، كان يُؤذي النبي #، فأمره الله تعالى بالصبر عليه والصَّفْح عنه؛ ذكره الماوردي(٣). والأول ذكره الثعلبي والقشيري وهو أظهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيرٌ﴾. وقيل: كان هذا قبلَ الأمر بالقتال. قال ابن عباس: أمره اللهُ تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحِلْم عند الجَهْل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عَصَمهم اللهُ من الشيطان، وخضع لهم عدوُّهم. ورُوي أن رجلاً شتم قَتْبراً مولى علي بن أبي طالب فناداه عليٍّ: يا قَنْبَرُ، دَعْ شاتمكَ، والْهَ عنه تُرضٍ الرحمن وتُسخط الشيطان، وتُعاقب شاتمك، فما عُوقب الأحمقُ بمثل السكوت عنه. وأنشدوا : ولَلْكَفُّ عن شَتْم اللَّثيم تَكَرُّمًا أَضَرُّ له مِنْ شَتْمِهِ حين يُشْتَمُ(٤) وقال آخر: إذا سبّ الكريمَ مِن الجوابِ وما شيءٌ أَحَبُّ إلى سَفيهٍ أَشَدُّ على السَّفيهِ من السِّبابِ (٥) مُتاركَةُ السّفيهِ بلا جوابٍ (١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٣٣٥)، وابن عبد البر في التمهيد ١٣/٢١. (٢) تفسير البغوي ٤/ ١١٥ . (٣) في النكت والعيون ٥/ ١٨٢ . (٤) قائله المُؤَمَّل بن أُمَيل، وهو في شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٨٦/٣ . (٥) أوردهما ابن عبد البر في بهجة المجالس ٦٠٨/٢، وعنده البيت الثاني قبل الأول، وعجز البيت الأول عنده: إذا وقع الكريم من السباب. وعجز البيت الثاني: أشد على السفيه من العذاب. ٤٢٣ سورة فصلت: الآيات ٣٤ - ٣٩ وقال محمود الورّاق : وإن کَثُرَتْ منه لديَّ الجَرائمُ سَأُلزِم نفسي الصَّفْحَ عن كلّ مذنبٍ شريفٌ ومَشْروفٌ ومِثْلٌ مقاومُ فما الناس إلا واحِدٌ مِن ثلاثةٍ وَأَتْبَعُ فيه الحقَّ والحقُّ لازِمُ فأما الذي فَوْقي فأَعرِفُ قَدْرَه إِجابَتِه عِرضِي وإنْ لامَ لائِمُ وأما الذي دوني فإنْ قال صُنْتُ عن تَفَضَّلْتُ إنّ الفَضْلَ بالحِلْم حاكِمُ(١) وأما الذي مِثْلِي فإنْ زَلَّ أَوْهَفا ﴿وَمَا يُلَفَّنِهَا﴾ يعني هذه الفعلة الكريمة والخَصْلة الشريفة ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ بكظم الغيظ واحتمال الأذى . ﴿وَمَا يُلَفَّنِهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ أي: نصيب وافر من الخير؛ قاله ابن عباس. وقال قتادة ومجاهد: الحظّ العظيم الجنة. قال الحسن: والله ما عظم حظّ قطّ دون الجنة(٢). وقيل: الكناية في ((يُلَقَّاهَا)) عن الجنة؛ أي: ما يلقَّاها إلا الصابرون؛ والمعنى متقارب. قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْغٌ﴾ تقدَّم في آخر ((الأعراف)) مستوفّى(٣). ﴿فَأَسْتَعِذْ بِلَهِ﴾ من كيدِه وشرِّه ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لاستعاذتك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالك وأقوالك. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَاَلنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرْ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣) فَإِنِ أُسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْثَمُونَ ٣٨ وَمِنْ ءَايَئِهِ: أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنْنَا عَلَيْهَا أَلْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِىِ الْمَوْقَىْ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ٣٩ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾﴾ علاماتِه الدالّة على وحدانيته وقُدرته ﴿الَّلَ وَالنَّهَارَ (١) ذكر هذه الأبيات ابن عبد البر في بهجة المجالس ٦٠٦/٢ باختلاف يسير في بعض الألفاظ. (٢) النكت والعيون ٥/ ١٨٢. (٣) ٩/ ٤٢٢ وما بعدها. ٤٢٤ سورة فصلت: الآيات ٣٧ - ٣٩ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ﴾ وقد مضى في غير موضع. ثم نهى عن السجود لهما؛ لأنهما وإن كانا خَلْقين فليس ذلك لفضيلةٍ لهما في أنفسهما فيستحقَّان بها العبادةَ مع الله؛ لأنَّ خالقهما هو الله، ولو شاء لأَعدمهما أو طمس نورَهما. ﴿وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ﴾ وصوَّرهنَّ وسخَّرهنَّ؛ فالكناية ترجع إلى الشمس والقمر والليل والنهار. وقيل: للشمس والقمر خاصَّة؛ لأن الاثنين جمع(١). وقيل: الضميرُ عائدٌ على معنى الآيات(٢)، ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّهُ تَعْبُدُونَ﴾(٣). وإنما أَنَّثَ على جمع التكسير(٤)، ولم يجر على طريق التغليب للمذكر والمؤنث لأنه فيما لا يعقل. ﴿فَإِنِ اسْتَكْبُّوا﴾ يعني الكفار عن السجود لله ﴿فَلَّذِينَ عِندَ رَيِّكَ﴾ من الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ يِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ﴾ أي: لا يملُّون عبادته. قال زهير: سَئِمتُ تَكاليفَ الحياةِ ومَنْ يَعِشْ ثمانِينَ حولًا - لا أبالكَ - يَسْأَم(٥) مسألة: هذه الآيةُ آيةُ سجدة بلا خلاف؛ واختلفوا في موضع السجود منها. فقال مالك: موضعه ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾؛ لأنه متصلٌ بالأمر. وكان عليّ وابن مسعود وغيرهم يسجدون عند قوله: ((تَعْبُدُونَ)). وقال ابن وهب والشافعي: موضعُه ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ﴾ لأنه تمامُ الكلام وغايةُ العبادة والامتثال. وبه قال أبو حنيفة. وكان ابن عباس يسجد عند قوله: ((يَسْأَمُونَ)). وقال ابن عمر: السجدة(٦) بالآخرة منهما. وكذلك يُروى عن مسروق وأبي عبد الرحمن السُّلمي وإبراهيم النخعي وأبي صالح ويحيى بن وثَّاب وطلحة وزُبيد اليامِيَّين والحسن وابن سيرين. وكان أبو وائل وقتادة (١) المحرر الوجيز ١٧/٥. (٢) معاني القرآن للنحاس ٢٧٢/٦ . (٣) وقع في النسخ قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ إَِّاهُ تَتْبُدُونَ﴾ في هذا الموضع، وحقُّه أن يُذكّر بعد قوله: فيما لا يعقل الآتي. (٤) في (د) و(م): التكثير، وينظر الكلام في التفسير البغوي ١١٥/٤، والدر المصون ٥٢٨/٩ . (٥) ديوان زهير ص ٢٩، وسلف ٤ / ٤٥٦ . (٦) في (م): اسجدوا. ٤٢٥ سورة فصلت: الآيات ٣٨ - ٣٩ وبكر بن عبد الله يسجدون عند قوله: ((يَسْأَمُونَ)). قال ابن العربي(١): والأمر قريب. مسألة: ذكر ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: أن هذه الآيةَ تضمَّنت صلاةَ كسوف القمر والشمس؛ وذلك أن العربَ كانت تقول: إن الشمسَ والقمرَ لا يَكْسِفان إلا لموت عظيم، فصلَّى النبيّ # صلاةَ الكسوف. قلت: صلاةُ الكسوف ثابتةٌ في الصحاح البخاري ومسلم وغيرهما(٢). واختلفوا في كيفيتها اختلافاً كثيراً، لاختلاف الآثار، وحسبُك ما في ((صحيح)) مسلم من ذلك، وهو العُمدة في الباب. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ: أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ﴾ الخطاب لكل عاقل، أي: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾ الدالّة على أنه يُحيي الموتى ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ﴾ أي: يابسة جدبة، هذا وصفُ الأرض بالخشوع؛ قال النابغة: رمادٌ كَكُخلِ العينِ لَأياً أُبِينُهُ وَنُؤْيٌّ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ(٣) والأرض الخاشعة: الغبراء التي تنبت. وبلدة خاشعة: أي: مغبرة لا منزلَ بها. ومكانٌ خاشع(٤). ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ﴾ أي: بالنبات؛ قاله مجاهد(٥). يقال: اهتزَّ الإنسان، أي: تحرَّك؛ ومنه: تَرَاه كَنَصْلِ السیف یَهْتَزُّ لِلنَّدی إذا لم تَجِدْ عِند امرِئ السَّوْءِ مَظْمَعا (٦) (١) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٥٢، وما قبله منه دون ذكر أبي حنيفة وزبيد اليامي. وقول أبي حنيفة ذكره الزمخشري في الكشاف ٤٥٤/٣ . (٢) صحيح البخاري (١٠٤٤)، وصحيح مسلم (٩٠١)، من حديث عائشة رضي الله عنهما، وهو في مسند أحمد (٢٥٣١٣)، وفي الباب عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، تُنظر في مسند أحمد. (٣) ديوان النابغة ٧٩، وسلف ٢/ ٧٠، والنُّؤيُ: حَفيرة تُحفر حول الخباء، ويُجعل ترابها حاجزاً لئلا يدخله المطر. والچِذْم: الأصل. خزانة الأدب ٤٥٣/٢ . (٤) الصحاح (خشع). (٥) أخرجه الطبري ٤٣٨/٢٠. (٦) قائله متمم بن نُويرة، وهو في الكامل للمبرد ١٤٤١/٣. ومعاني القرآن للنحاس ٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣، وما قبله منه. ٤٢٦ سورة فصلت: الآيات ٣٩ - ٤٣ ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: انتفخَتْ وَعَلَتْ قبلَ أن تَنْبُتَ؛ قاله مجاهد (١). أي: تصعدت عن النبات بعد موتها. وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديمٌ وتأخير وتقديره: رَبَتْ واهتزت(٢). والاهتزاز والرُّبُوُّ قد يكونان قبلَ الخروج من الأرض؛ وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض؛ فَرُبُوُّها ارتفاعُها. ويقال للموضع المرتفع: ربوة ورابية؛ فالنبات يتحرك للبروز، ثم يزداد في جسمه بالكِبَر طولاً وعرضاً. وقرأ أبو جعفر وخالد: ((وَرَبَأَتْ)) ومعناه: عَظُمَتْ؛ من الربيئة(٣). وقيل: ((اهْتَزَّتْ)) أي: استبشرت بالمطر ((وَرَبَتْ)) أي: انتفخت بالنبات. والأرض إذا انشقَّت بالنبات: وُصِفَتْ بالضَّحِك، فيجوز وَصْفُها بالاستبشار أيضاً. ويجوز أن يقال: الرُّبُوُّ والاهتزاز واحد؛ وهي حالة خروج النبات. وقد مضى هذا المعنى في ((الحج))(٤). ﴿إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِىِ الْمَوْقَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ تقدَّم في غير موضع. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءَايَئِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَأُ أَفَنَ يُلْقَى فِىِ النَّارِ خَيْرُّ أَ مَّن يَأْتِىّ ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَءَهُمِّ وَإِنَّهُ لَكِنَبُ عَزِيزٌ ﴿ لَّا يَأِدِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَفٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ ءَايَتِنَا﴾ أي: يميلون عن الحق في أَدِلَّتنا(٥). والإلحاد: المَيْل والعُدول. ومنه اللَّحد في القبر؛ لأنه أَميلُ إلى ناحية منه. يقال: ألحدَ في دين الله، أي: حاد عنه وعَدَلَ. ولَحَدَ لغةٌ فيه. وهذا يرجع إلى الذين قالوا: (١) أخرجه الطبري ٤٣٩/٢٠. (٢) النكت والعيون ١٨٤/٥ . (٣) معاني القرآن للنحاس ٢٧٣/٦، وقراءة أبي جعفر من العشرة في النشر ٣٢٥/٢. (٤) ١٤ / ٣٢٤ - ٣٢٥. (٥) تفسير البغوي ١١٦/٤ . ٤٢٧ سورة فصلت: الآيات ٤٠ - ٤٣ ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ وهم الذين ألحدوا في آياته ومالوا عن الحقّ فقالوا: ليس القرآن من عند الله، أو هو شِعر أو سحر؛ فالآياتُ آيات القرآن. قال مجاهد: ((يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا)) يُكذِّبون في آياتنا. أي: عند تلاوة القرآن بالمُكَاءِ والتَّصْدِيةِ واللَّغوِ والغِناء. وقال ابن عباس: هو تبديلُ الكلام ووضعه في غير موضعه. وقال قتادة: ((يُلْحِدُونَ في آياتِنَا)): يُكذِّبون في آياتنا. وقال السدي: يُعاندون ويشاقُون. وقال ابن زيد: يُشركون ويكذبون. والمعنى متقارب. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل(١). وقيل: الآياتُ المعجزات، وهو يرجع إلى الأوّل، فإن القرآن مُعجِزٌ. ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ على وجهه، وهو أبو جهل في قول ابن عباس وغيره ﴿خَيْرُّ أَم مَّنْ يَأْنِىّ ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ قيل: النبي ﴿؛ قاله مقاتل. وقيل: عثمان. وقيل: عمار بن ياسر. وقيل: حمزة. وقيل: عمر بن الخطاب. وقيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي. وقيل: المؤمنون. وقيل: إنها على العموم؛ فالذي يلقى في النار الكافر، والذي يأتي آمناً يومَ القيامة المؤمن؛ قاله ابن بحر(٢). ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ أمر تهديد؛ أي: بعد ما علمتم أنهما لا يستويان فلا بدَّ لكم من الجزاء . ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعيدٌ بتهديد وتوعُد(٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَءَهُمّ﴾ الذِّكر ها هنا القرآن في قول الجميع؛ لأن فيه ذِكْرَ ما يُحتاج إليه من الأحكام. والخبر محذوف [تقديره](٤): هالكون أو معذَّبون. وقيل: الخبر ﴿أُوْلَكَ يُنَدَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [الآية: ٤٤] واعترضَ قولُه: ((ما يُقال لك)) ثم رَجَعَ إلى الذِّكر فقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ قُزْءَانًا أَعْجِيًّا﴾ ثم قال: ﴿أُوْلَّكَ يُنَدَوْنَ﴾ والأوّلُ الاختيار؛ قال النحاس(٥): عند النحويين جميعاً (١) الأقوال السابقة في النكت والعيون ٥/ ١٨٤، وتفسير البغوي ١١٦/٤ . (٢) الأقوال السابقة في المصدرين السابقين ما عدا قوله: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي. (٣) النكت والعيون ١٨٥/٥ . (٤) ما بين حاصرتين زيادة ليست في النسخ. (٥) في معاني القرآن ٢٧٥/٦، وما قبله فيه بنحوه. ٤٢٨ سورة فصلت: الآيات ٤١ - ٤٣ فيما علمت. ﴿وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ﴾ أي: عزيز على الله؛ قاله ابن عباس؛ وعنه: عزيز من عند الله. وقيل: كريم على الله. وقيل: ((عَزِيزٌ)) أي: أعزَّه الله فلا يتطرّق إليه باطل. وقيل: ينبغي أن يُعَزَّ ويُجَلّ وألا يُلغى فيه. وقيل: ((عَزِيزٌ)) من الشيطان أن يُبدِّله؛ قاله السدي. مقاتل: مُنع من الشيطان والباطل. السدي: غير مخلوق فلا مثلَ له. وقال ابن عباس أيضاً: ((عَزِيزٌ)) أي: ممتنع عن الناس أن يقولوا مثله(١). ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةٍ﴾ أي: لا يُكذبه شيء مما أنزلَ الله من قبلُ، ولا ينزلُ من بعده كتابٌ يُبطله وينسخُه؛ قاله الكلبي. وقال السدي وقتادة: (لا يَأْتِيهِ الباطلُ)) يعني الشيطان ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةٍ﴾ لا يستطيع أن يُغيِّر ولا يزيد ولا ينقص(٢). وقال سعيد بن جُبير: لا يأتيه التكذيب ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةٍ،﴾. ابن جُريج: ﴿لَا يَأِْهِ الْبَطِلُ﴾ فيما أخبر عما مضى ولا فيما أخبر عما يكون(٣). وعن ابن عباس: (مِنْ بين يَدَيْهِ) من الله تعالى ((وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)) يريد من جبريل ﴾، ولا من محمد ﴾. ﴿َتَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيرٍ حَميدٍ﴾ ابن عباس: ((حَكِيم)) في خلقه «حَمِید» إليهم. قتادة: ((حَكِيم)) في أمره ((حَمِيد)) إلى خلقه (٤). قوله تعالى: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ﴾ أي: من الأذى والتكذيب ﴿إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ يُعزِّي نبيه ويُسلِّيه ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَقٍ﴾ لك ولأصحابك ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ يريد: لأعدائك وجيعاً. وقيل: أي: ما يقال لك من إخلاص العبادة لله إلا ما قد أوحي إلى مَن قبلك، ولا خِلاف بين الشرائع فيما يتعلَّق بالتوحيد، وهو كقوله: (١) الأقوال السالفة في المحرر الوجيز ١٩/٥، والنكت والعيون ١٨٥/٥، وتفسير البغوي ١١٦/٤ . (٢) تفسير البغوي ١١٦/٤ بنحوه. (٣) النكت والعيون ١٨٥/٥، وزاد المسير ٢٦٢/٧ . (٤) النكت والعيون ١٨٦/٥ . ٤٢٩ سورة فصلت: الآيات ٤٣ - ٤٤ ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] أي: لم تدعهم إلا إلى ما تدعو إليه جميعَ الأنبياء، فلا معنى لإنكارهم عليك. وقيل: هو استفهامٌ، أي: أيّ شيء يقال لك ﴿إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلِرُّسُلِ مِن قَبْلِكٌ﴾؟ وقيل: ((إِنَّ رَبَّكَ)) كلامٌ مبتدأ، وما قبله كلامٌ تامٌّ إذا كان الخبر مضمراً. وقيل: هو متصل بـ ((ما يقال لكَ))(١). ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: إنما أُمِرْتَ بالإنذار والتبشير. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ قُرْءَانَا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَنُهُوَأَعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىّ قُلّ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدِّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ ٤٤ عَلَيْهِمْ عَمَّىَّ أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَكَانِ بَعِيدٍ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَئُهُوَأَعْجَمِىٌ وَعَرَبِىٌّ﴾ فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ قُرْءَانًا أَعْجَيًّا﴾ أي: بلغة غير العرب ﴿لَقَالُواْ لَوْلًا فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ,﴾ أي: بُيِّنَت بلغتنا، فإننا عربٌ لا نفهم الأعجميَّةَ. فبين أنه أنزله بلسانهم ليتقرَّر به معنى الإِعجاز؛ إذ هم أعلمُ الناس بأنواع الكلام نَظْماً ونثراً. وإذا عَجَزوا عن مُعارضته كان من أدلِّ الدليل على أنه من عند الله، ولو كان بلسان العجم لقالوا: لا عِلْمَ لنا بهذا اللسان. الثانية: وإذا ثبت هذا ففيه دليلٌ على أن القرآن عربي، وأنه نزل بلغة العرب، وأنه ليس أعجميًّ، وأنه إذا نُقِلَ عنها إلى غيرها لم يكن قرآناً(٢). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَعْجَمِىِّ وَعَرَبِىٌ﴾ وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي: ((أَأَغْجَمِيٍّ وَعَرَبِيٌّ)) بهمزتين مُحقَّقتين(٣)، والعجميّ الذي ليس من العرب كان فصيحاً أو غيرَ (١) بعدها في (ظ): أي: إنما يقال لك. (٢) أحكام القرآن للكيا ٣٦٣/٤ . (٣) في النسخ: مخففتين، وهو خطأ، والمثبت من كتب القراءات، ينظر السبعة ص ٥٧٧، والتيسير ص١٩٣ . ٤٣٠ سورة فصلت: الآية ٤٤ فصيح، والأعجميُّ الذي لا يُفصح كان من العرب أو من العجم(١). فالأعجم ضدُّ الفصيح، وهو الذي لا يُبين كلامه. ويقال للحيوان غير الناطق: أعجم، ومنه «صلاةٌ النهار عَجْماء)»(٢) أي: لا يُجهر فيها بالقراءة، فكانت النسبة إلى الأعجم آكَدَ، لأن الرجل العجمي الذي ليس من العرب قد يكون فصيحًا بالعربية، والعربيّ قد يكون غيرَ فصيح؛ فالنسبة إلى الأعجميّ آكدُ في البيان. والمعنى: أقرآنٌ أعجميٌّ، ونبيُّ عربي؟ وهو استفهامُ إنكار(٣). وقرأ الحسن وأبو العالية ونصر بن عاصم والمغيرة وهشام عن ابن عامر: ((أُعْجَمِيٌّ)) بهمزة واحدة على الخبر(٤). والمعنى: ((لولا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ)) فكان منهم عربيّ يفهمه العرب، وأعجميٍّ يفهمه العَجَم. وروى سعيد بن جُبير قال: قالت قريش: لولا أُنزل القرآنُ أعجميًّا وعربيًّا، فيكون بعضُ آياته عجميًّا وبعضُ آياته عربيًّا، فنزلت الآيةُ. وأُنزل في القرآن من كل لغة فمنه «السِّجِّيل» وهي فارسيةٌ، وأصلُها سنكيل؛ أي: طين وحجر(٥)، ومنه ((الفِرْدَوس)) رومية، وكذلك ((القِسْطَاس)). وقرأ أهلُ الحجاز وأبو عمرو وابن ذكوان وحفص على الاستفهام، إلا أنهم ليِّنُوا الهمزة على أصولهم(٦). والقراءة الصحيحة قراءة الاستفهام. والله أعلم. (١) المحرر الوجيز ٢٠/٥ . (٢) قال السخاوي في المقاصد الحسنة (٦٢٨): قال النووي: إنه باطل، لا أصل له، وكذا قال الدارقطني: لم يُروَ عن النبي #، وإنما هو من قول بعض الفقهاء. (٣) تفسير البغوي ٤/ ١١٧ . (٤) قراءة هشام عن ابن عامر في التيسير ص ١٩٣ . وقراءة الحسن في المحرر الوجيز ٢٠/٥. (٥) أخرجه الطبري ٤٤٨/٢٠ بنحوه. وفي المعجم الفارسي: سنكين، بالنون. (٦) قرأ قالون وأبو عمرو وأبو جعفر بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية مع إدخال ألف بينهما، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وحفص ورُويس بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية من غير إدخال ألف، وسلفت قراءة هشام، وقرأ الباقون: بتحقيق الأولى والثانية من غير إدخال. السبعة ص ٥٧٦ - ٥٧٧ ، والتيسير ص١٩٣، والنشر ٣٦٦/١. ٤٣١ سورة فصلت: الآية ٤٤ قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدِّى وَشِفَاءٌ﴾ أعلمَ اللهُ أن القرآن هُدّى وشفاءٌ لكل من آمن به من الشكِّ والرَّيب والأوجاع. ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُنَ فِيَّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي: صَمَمٌ عن سماع القرآن. ولهذا تواصَوْا باللَّغو فيه. ونظير هذه الآية: ﴿وَنُغَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنُّ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلََّّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وقد مضى مستوفى . وقراءة العامة ﴿عَمَّى﴾ على المصدر. وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعمرو ابن العاص ومعاوية وسليمان بن قَتَّةً: ((وهو عليهم عَم)) بكسر الميم(١)، أي: لا يتبيَّن لهم. واختار أبو عُبيد القراءةَ الأُولى؛ لإجماع الناس فيها؛ ولقوله أوّلاً: ((هُدّى وَشِفَاءٌ)) ولو كان: هادٍ وشافٍ، لكان الكسر في ((عَمّى)) أجودَ؛ ليكون نعتاً مثلَهما(٢)؛ تقديره: ((والذين لا يؤمِنونَ)) في ترك قبوله بمنزلة مَنْ في آذانهم ((وقرٌ وهو)) يعني القرآن ((عليهم)) ذو عمى، لأنهم لا يفقهون فحذف المضاف. وقيل: المعنى: والوَقْر عليهم عمى(٣). ﴿أُوْلَكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ﴾ يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل. وحكى أهلُ اللغة أنه يقال للذي يفهم: أنت تسمع من قريب. ويقال للذي لا يفهم: أنت تُنادَى من بعيد. أي: كأنه يُنادى من موضع بعيد منه، فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه. وقال الضحاك: ((يُنَادَوْنَ)) يوم القيامة بأقبح أسمائهم (مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)) فيكون ذلك أشدَّ لتوبیخهم وفضیحتھم (٤). وقيل: أي: من لم یتدبّر القرآن صار کالأعمى الأصمّ، فهو ◌ُنادی من مكان بعيد فينقطع صوتُ المنادي عنه وهو لم يسمع. وقال علي ﴾ ومجاهد: أي: بعيد من قلوبهم. وفي التفسير: كأنما يُنَادَوْن من السماء فلا يسمعون. وحكى معناه النقاش(٥). (١) المحرر الوجيز ٢١/٥. (٢) تفسير الرازي ١٣٤/٢٧. (٣) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٢٨٠ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٢٨٠ - ٢٨١، وقول الضحاك أخرجه الطبري ٤٥١/٢٠ . (٥) النكت والعيون ١٨٧/٥ . ٤٣٢ سورة فصلت: الآيتان ٤٥ - ٤٦ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَأَخْتُلِفَ فِيهُ وَلَوْلًا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شٍَّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٨) مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ. وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَأُ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ ٤٦ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ﴾ يعني التوراة ﴿فَأَخْتُلِفَ فِيْ﴾ أي: آمن به قومٌ وكذَّب به قوم. والكناية ترجع إلى الكتاب، وهو تسليةٌ للنبي #؛ أي: لا يحزنك اختلافُ قومك في كتابك، فقد اختلف مَن قبلهم في كتابهم(١). وقيل: الكناية ترجع إلى موسی. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ زَّيِّكَ﴾ أي: في إمهالهم. ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بتعجيل العذاب . ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِنْهُ﴾ من القرآن ﴿مُرِيبٍ﴾ أي: شديد الريبة. وقد تقدَّم(٢). وقال الكلبي في هذه الآية: لولا أن الله أَخَر عذابَ هذه الأُمة إلى يوم القيامة لأتاهم العذابُ كما فعل بغيرهم من الأُمم. وقيل: تأخيرُ العذاب لِمَا يخرج من أصلابهم من المؤمنين. قوله تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ شرطٌ وجوابه، وكذا ﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾. والله جلّ وعزّ مُستغٍ عن طاعة العباد، فمن أطاع فالثواب له، ومن أساء فالعقاب عليه. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِطَلٍَّ لِّلْعَبِيدِ﴾ نَفَى الظُّلمَ عن نفسه جلّ وعزّ قليله وكثيرَه، وإذا انتفت المبالغة انتفى غيرها، دليلُه قوله الحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]. وروى العُدول الثُّقات، والأئمة الأثبات، عن الزاهد العدل، عن أمين الأرض، عن أمين السماء، عن الرب جل جلاله: ((يا عبادي، إني حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرَّماً، فلا تَظَالموا)) الحديث(٣). وأيضًا فهو الحكيم المالك، وما يفعله (١) زاد المسير ٧/ ٢٦٤ بنحوه. (٢) ١٥٣/١١. (٣) قطعة من حديث أبي ذر ، أخرجه مسلم (٢٥٧٧)، وسلف ٥/ ٤٣٠. 1 ٤٣٣ سورة فصلت: الآيتان ٤٧ - ٤٨ المالك في ملكه لا اعتراض علیه؛ إذ له التصرف في مُلْکه بما يُريد. قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلِمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْتَّى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهٍ، وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءِى قَالُواْ ءَاذَنَّكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ( وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلٌ وَظَنُواْ مَا لَهُم مِّنِ نَّحِيصٍ ٤٨ قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُّرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: حين وقتها. وذلك أنهم قالوا: يا محمد، إن كنت نبيًّا فخبِّرنا متى قيامُ الساعة فنزلت(١). ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ﴾ ((مِنْ)) زائدة، أي: وما تخرج ثمرة. ﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ أي: من أوعيتها، فالأكمام أوعيةٌ الثمرة، واحدُها كُمّة، وهي كل ظرف لمال أو غيره؛ ولذلك سمّى قِشْر الطَّلْع - أعني كُفُرّاه - الذي ينشقُّ عن الثمرة كُمَّةً؛ قال ابن عباس: الكُمّةِ الكُفُرَّى قبل أن تنشقَّ، فإذا انشقَّتْ فليست بكمَّة (٢). وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة ((الرحمن))(٣). وقرأ نافع وابن عامر وحفص: ((مِنْ ثَمَرَاتٍ)) على الجمع. الباقون: ((ثَمَرَة)) على التوحيد(٤)، والمراد الجمع، لقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أَنْنَى﴾ والمراد الجمع، يقول: (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْم الساعةِ)) كما يُرَدُّ إليه علمُ الثمار والنتاج. ﴿وَبَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ أي: ينادي اللهُ المشركين: ﴿أَيْنَ شُرَكَلِىَ﴾ الذين زعمتم في الدنيا أنها آلهةٌ تشفع. ﴿قَالُوا﴾ يعني الأصنام. وقيل: المشركون. ويَحتمِلُ أن يريدَهم جميعًا؛ العابد والمعبود: ﴿مَاذَنَّكَ﴾ أسمعناكَ وأعلمناكَ(٥). يقال: آذنَ يُؤْذِنُ: إذا أَعلم، قال: آذَنَتْنَا بِبَيْنها أَسْماءُ رُبَّ ثَاوِ يُمَلُّ منه الثَّوَاءِ(٦) (١) زاد المسير ٢٦٤/٧ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ١١٧. (٣) في تفسير الآية (١١). (٤) السبعة ص ٥٧٧ ، والتيسير ص ١٩٤. (٥) تفسير البغوي ٤/ ١١٧ بنحوه. (٦) قائله الحارث بن حِلِّزة اليشكري، والبيت مطلع معلقته. شرح القصائد المشهورات للنحاس ص ٥١ . ٤٣٤ سورة فصلت: الآيات ٤٧ - ٥١ ﴿مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ أي: نُعلِمُكَ ما منا أحدٌ يشهد بأن لك شريكاً؛ لمَّا عاينوا القيامةَ تبرَّؤوا من الأصنام(١)، وتبرأتِ الأصنامُ منهم كما تقدّم في غير موضع(٢). ﴿وَضَلَ عَنْهُمْ﴾ أي: بَطَلَ عنهم ﴿َّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلٌ﴾ في الدنيا ﴿وَظَنُّواْ﴾ أي: أيقنوا وعَلِموا ﴿مَا لَهُم مِّن نَِّيصٍ﴾ أي: فرار عن النار. و((مَا)) هنا حرف وليس باسم؛ فلذلك لم يعمل فيه الظنّ وجعل الفعل ملغى (٣)؛ تقديره: وظنوا أنهم ما لهم محيص ولا مهرب. يقال: حاص يَحيص حَيْصاً ومَحيصاً، إذا هرب. وقيل: إن الظنَّ هنا الذي هو أغلبُ الرأي، لا يشكون في أنهم أصحاب النار، ولكن يطمعون أن يخرجوا منها. وليس يبعد أن يكون لهم ظنٌّ ورجاءٌ إلى أن يُؤَيَّسوا. قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَمُ الْإِسَنُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسُ قَنُوطٌ ٤٩٦ وَلَيِنْ أَذَقْتَهُ رَحْمَةُ مِّنَا مِنْ بَعْدٍ ضَرَّآءَ مَسَتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى وَمَا أَظُنُ السَّاعَةَ قَابِعَةُ وَلَيِن تُجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَتُنَبَِّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ، وَإِذَا ٥٠ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ مَسَّهُ الشَُّّ فَذُو دُعٍَّ عَرِيضٍ ٥١ قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْثَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ أي: لا يَمَلُّ من دعائه بالخير. والخير هنا المال والصحة والسُّلطان والعِزّ. قال السدي: والإنسان هاهنا يُراد به الكافر (٤). وقيل: الوليد بن المغيرة. وقيل: عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف. وفي قراءة عبد الله: ((لا يسأمُ الإِنسانُ مِنْ دُعاءِ المال))(٥). (١) تفسير البغوي ٤ / ١١٧ . (٢) ٣٠٣/١٦ وما بعدها. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٦٧ . (٤) النكت والعيون ١٨٨/٥ . (٥) الكلام بنحوه في المحرر الوجيز ٢٢/٥، وفيه أن قراءة ابن مسعود: ((من دعاءٍ بالخير)) وهي كذلك في القراءات الشاذة ص ١٣٣، والكشاف ٤٥٧/٣ . ٤٣٥ سورة فصلت: الآيات ٤٩ - ٥١ ﴿وَإِن ◌َّسَّهُ الشَّرُ﴾ الفقر والمرض ﴿فَيُوسُ﴾ من رَوْح الله ﴿قَنُوطٌ﴾ من رحمته(١). وقيل: ((يَؤُوسٌ)) من إجابة الدعاء ((قَنُوظٌ)) بسوء الظن بربه(٢). وقيل: ((يَؤُوسٌ)) أي: يئس من زوال ما به من المكروه ((قَنُوطُ)) أي: يظنُّ أنه يدوم؛ والمعنى متقارب. قوله تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْتَهُ رَحْمَةٌ مِّنَّا﴾ عاقبةً ورخاء وغِنَى ﴿مِنْ بَعْدٍ ضَرَّةَ مَسَّتْهُ﴾ ضُرّ وسُقْم وشِدَّة وفَقْر. ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِ﴾ أي: هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي؛ فيرى النعمة حتماً واجباً على الله تعالى، ولم يعلم أنه ابتلاه بالنعمة والمحنة؛ ليتبيّن شكره وصبره. وقال ابن عباس: ((هذا لِي)) أي: هذا من عندي. ﴿وَمَّآ أَنْظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ وَلَيِنِ رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ أي: الجنة، واللام للتأكيد؛ يتمنَّى الأماني بلا عمل. قال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب: للكافر أمنيتان؛ أما في الدنيا فيقول: ﴿وَلَيِن تُجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾، وأما في الآخرة فيقول: ﴿َيْلَنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَيْنَا وَلَكُونَ مِنَ الِّْينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] و﴿يَلَنِى كُتُ تُرَبًا﴾ (٣) [النبأ: ٤٠]. فَلَيَِّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: لَنَجْزِيَنَّهم. قسمٌ أقسمَ اللهُ عليه. ﴿ وَنُذِيقَنَّهُم مِنْ عَذَاپٍ غَلِيظٍ﴾ شدید. قوله تعالى: ﴿وَإِذَّا أَتْعَمْنَا عَلَى الْإِسَنِ﴾ يريد الكافر ﴿أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ،﴾. وقال ابن عباس: يريد عُتبةً بن ربيعةً وشيبة بن ربيعة وأميةً بن خلف، أعرضوا عن الإسلام وتباعدوا عنه. ومعنى ((نَأَى بِجَانِبِهِ)) أي: ترفّع عن الانقياد إلى الحق وتكبر على أنبياء الله. وقيل: (نَأَى)) تباعد. يقال: نأيتُه ونأيتُ عنه نأيًا بمعنى: تباعدت عنه، وأنايته فانتأى: أبعدته فبعُد، وتناءَوا تباعدوا، والمُنتأى الموضع البعيد؛ قال النابغة: (١) تفسير البغوي ١١٨/٤. (٢) النكت والعيون ١٨٨/٥ . (٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٢/٥ مختصراً. ٤٣٦ سورة فصلت: الآيات ٥١ - ٥٤ وإِنْ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عِنْكَ واسِعُ(١) فإنَّك كاللَّيل الذي هو مُذْرِكي وقرأ يزيد بن القعقاع: ((ونَاءَ بِجَانِهِ)) بالألف قبل الهمزة(٢). فيجوز أن يكون من ((ناء)) إذا نهض. ويجوز أن يكون على قلب الهمزة بمعنى الأوّل(٣). ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أي: أصابه المكروه ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة. يقال: أطال فلان في الكلام، وأعرض في الدعاء إذا أكثر (٤). وقال ابن عباس: ((فَذُوا دُعَاءٍ عَرِيض)) فذو تضرع واستغاثة. والكافر يعرف ربه في البلاء ولا يعرفه في الرَّخاء(٥). قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُ بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِتَنْ هُوَ فِى شِفَاقٍ بَعِيدٍ ﴿٨ سَيِِّيهِمْ ءَايَتِنَا فِىِ الْأَفَاقِ وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴾ أَّ إِنَّهُمْ فِ مِرْيَدٍ مِّن لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ (@) قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ﴾ أي: قل لهم يا محمد: ((أَرَأَيْتُمْ)) يا مَعْشَرَ المشركين ﴿إِن كَانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُ بِهِ مَنْ أَضَلُّ﴾ أي: فأيُّ الناسِ أضلُّ، أي: لا أحدَ أضلُّ منكم لفرطِ شقاقكم وعداوتكم (٦). وقيل: قوله: ﴿إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ يرجع إلى الكتاب المذكور في قوله: ﴿ءَاتَّيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ﴾ والأوّل أُظھرُ، وهو قولُ ابن عباس. قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِى آلآفَاقِ﴾ أي: علامات وحدانيتنا وقُدرتنا ((في (١) ديوان النابغة ص ٨١، والبيت وما قبله من الصحاح (نأي). (٢) وقرأ بها ابن عامر في رواية ابن ذكوان. السبعة ص ٥٧٧، والتيسير ص ١٤١، والنشر ٣٠٨/٢. (٣) معاني القرآن للنحاس ٦/ ٢٨٥ . (٤) تفسير البغوي ١١٨/٤ . (٥) النكت والعيون ١٨٩/٥ . (٦) زاد المسير ٢٦٧/٧ بنحوه. ٤٣٧ سورة فصلت: الآيتان ٥٣ - ٥٤ الآفَاقِ)) يعني: خرابَ منازل الأُمم الخالية ﴿وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ﴾ بالبلايا والأمراض(١). وقال ابن زيد: ((فِي الآفَاقِ) آيات السماء ((وَفِي أَنْفُسِهِمْ)) حوادث الأرض(٢). وقال مجاهد: ((فِي الْآفَاقِ)) فتح القرى(٣)؛ فيسَّرَ الله عز وجل لرسوله ﴾ وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموماً، وفي ناحية المغرب خصوصاً من الفتوح التي لم يتيسَّر أمثالُها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعفائهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أموراً خارجةً عن المعهود خارقةً للعادات (٤). ((وَفِي أَنْفُسِهِمْ)) فتح مكة. وهذا اختيار الطبري(٥). وقاله المِنهال بن عمرو والسدي(٦). وقال قتادة والضحاك: ((فِي الْآفَاقِ)) وقائع الله في الأُمم ((وَفِي أَنْفُسِهِمْ)) يوم بدر. وقال عطاء وابن زيد أيضاً: ((فِي الْآفَاقِ)) يعني أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغيرها(٧). وفي ((الصحاح)) (٨): الآفاق النواحى، واحدها أُفْقٌ وَأفُقٌ مثل: عُسْر وعُسُر، ورجل أَفَقَيّ؛ بفتح الهمزة والفاء: إذا كان من آفاق الأرض. حكاه أبو نصر. وبعضهم يقول: أُفُقيّ، بضمهما، وهو القياس. وأنشد غير الجوهري: أَخَذْنَا بِآفاقِ السَّماءِ عَلَيكُمُ لنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوائِعُ(٩) (١) تفسير البغوي ١١٨/٤ . (٢) النكت والعيون ١٨٩/٥ دون نسبة. (٣) تفسير أبي الليث ١٨٨/٣، وتفسير البغوي ١١٨/٤. (٤) الكشاف ٤٥٨/٣ . (٥) في تفسيره ٢٠/ ٤٦٢ . (٦) أخرجه الطبري ٢٠/ ٤٦١ . (٧) تفسير البغوي ١١٨/٤ - ١١٩. (٨) الصحاح (أفق). (٩) قائله الفرزدق، وهو في ديوانه ٤١٩/١ . ٤٣٨ سورة فصلت: الآيتان ٥٣ - ٥٤ ((وَفِي أَنْفُسِهِمْ)) من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول؛ فإن الرجل يشرب ويأكل من مكان واحد ويتميز ذلك من مكانين(١)، وبديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمس مئة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة. وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه. وقيل: ﴿وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ من كونهم نُطَفًا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم(٢)، كما تقدّم في ((المؤمنون)) بيانه (٣). وقيل: المعنى: سيرون ما أخبرهم به النبي﴾ من الفتن وأخبار الغيوب ﴿حَّى يَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه القرآن. والثاني: الإسلام جاءهم به الرسول ودعاهم إليه(٤). والثالث: أن ما يريهم الله ويفعل من ذلك هو الحق. والرابع: أن محمداً :8# هو الرسول الحق. ﴿أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ﴾ في: موضع رفع بأنه فاعل بـ((يَكْفٍ)) و﴿أَنَّهُ﴾ بدل من ((رَبِّكَ)) فهو رفع إن قدّرته بدلاً على الموضع، وجَرّ إن قدرته بدلاً على اللفظ. ويجوز أن يكون نصباً بتقدير حذف اللام، والمعنى: أولم يكفهم ربك بما دلهم عليه من توحيده؛ لأنه ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾، وإذا شهده جازى عليه. وقيل: المعنى: ((أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ)) في معاقبته الكفار. وقيل: المعنى: ((أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ)) یا محمد أنه شاهد على أعمال الكفار(٥). وقيل: ((أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ)) شاهداً على أن القرآن من عند الله. وقيل: ((أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرِبِّكَ أَنَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ)) مما يفعله العبد (شَهِيدٌ))، والشهيد بمعنى العالم(٦)؛ أو (١) زاد المسیر ٢٦٨/٧ عن ابن زيد. (٢) النكت والعيون ١٨٩/٥ . (٣) ١٧/١٥ وما بعدها . (٤) النكت والعيون ١٨٩/٥ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٦٨/٤. (٦) تفسير أبي الليث ١٨٨/٣ بنحوه. ٤٣٩ سورة فصلت: الآيتان ٥٣ - ٥٤ هو من الشهادة التي هي الحضور. ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ﴾ في شك ﴿مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمُ﴾ في الآخرة. وقال السدي: أي: من البعث . ﴿أَّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىءٍ تُحِيطٌ﴾ أي: أحاط علمه بكل شيء. قاله السدي. وقال الكلبي: أحاطت قدرته بكل شيء(١). وقال الخطابي: هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كلَّ شيءٍ عدداً. وهذا الاسم أكثرُ ما يجيء في مَعْرِض الوعيد، وحقيقتُهُ الإحاطةُ بكل شيء، واستئصال المُحاط به، وأصله مُخْبِظ، نقلتْ حركةُ الياء إلى الحاء فسكنت. يقال منه: أحاط يُحيط إحاطةً وحِيْطةً؛ ومن ذلك حائطُ الدار، يحوطها أهلُها. وأحاطت الخيلُ بفلان: إذا أخِذ مأخذاً حاصراً من كل جهة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِشَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] والله أعلم بصواب ذلك. (١) النكت والعيون ١٩٠/٥. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَةِ سورة الشُّورَی مكِّيّةٌ في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا أربعَ آيات منها أنزلت بالمدينة: ﴿قُل لَّ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبِىُ﴾ [الآية: ٢٣] إلى آخرها. وهي ثلاثٌ وخمسون آية (١). كَذَلِكَ يُوحِيّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ ٢ قوله تعالى: ﴿حَدّ ١ عسَقّ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِىُّ اَلْعَظِيمُ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿حمّ . عَسَّقّ﴾ قال عبد المؤمن: سألت الحسين بن الفضل: لِمَ قطعَ ((حم)) من ((عسق)) ولم تقطع ((كهيعص)) و((المر)) و((المص))؟ فقال: لأن ((حم. عسق) بين سُوَرٍ أوّلها ((حم) فجرت مَجرى نظائرها قبلَها وبعدَها؛ فكأنَّ (حم)) مبتدأ و ((عسق)) خبره. ولأنها عُدَّت آيتين، وعُدَّت أخواتُها اللواتي كُتبت جملةً آيةً واحدة(٢). وقيل: إن الحروف المعجمة كلَّها في المعنى واحد، من حيث إنها أُسُّ البيان وقاعدةُ الكلام؛ ذكره الجُرْجَانِي. وكتبت ((حم. عسق)) منفصلاً و((كهيعص)) متصلاً لأنه قيل: حم؛ أي: حُمَّ ما هو كائن، ففصلوا بين ما يُقدَّر فيه فعل وبين ما لا يُقدَّر. ثم لو فُصل هذا ووُصِل ذا لجاز؛ حكاه القشيري. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس: ((حم. سق))(٣). قال ابن عباس: وكان (١) النكت والعيون ١٩١/٥ . (٢) تفسير البغوي ١١٩/٤ دون ذكر عبد المؤمن، ولم نعرفه. (٣) القراءات الشاذة ص١٣٤، والمحرر الوجيز ٢٥/٥.