Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة غافر: الآيات ٦٩ - ٧٨ أكثرُ المفسرين: نزلت في القَدَرية(١). قال ابن سيرين: إنْ لم تكن هذه الآيةُ نزلَتْ في القَدَريّة، فلا أدري فيمن نزلت. قال أبو قَبِيل: لا أَحْسِبُ المُكَذِّبين بالقَدَر إلا الذين يُجادلون الذين آمنوا(٢). وقال عقبة بن عامر: قال النبي ﴾: ((نزلَتْ هذه الآيةُ في القَدَرِيّة) ذكره المهدوي(٣). قوله تعالى: ﴿إِذِ اٌلْأَعْلَلُ فِيَّ أَعْتَقِهِمْ﴾ أي: عن قريب يعلمون بُطلانَ ما هم فيه إذا دخلوا النار وغُلَّت أيديهم إلى أعناقهم. قال الثَّيمي: لو أن غُلَّا من أغلال جهنم وُضِع على جبل لوَهَصه حتى يبلغ الماء الأسود(٤). ﴿وَالسَّلَسِلُ﴾ بالرفع قراءة العامة ج عطفاً على الأغلال. قال أبو حاتم: ﴿يُسْحَبُونَ﴾ مستأنف على هذه القراءة. وقال غيره: هو في موضع نصب على الحال، والتقدير: ﴿إِذِ الْأَغْلَلُ فِىَ أَعْتَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ﴾ مسحوبين. وقرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وعكرمة وابن مسعود: ((والسَّلاسِلَ)) بالنصب، ((يَسْحَبُونَ)) بفتح الياء، والتقدير في هذه القراءة: ويَسحبون السلاسلَ(٥). قال ابن عباس: إذا كانوا يَجْرُّونها فهو أشدُّ عليهم(٢). وحكي عن بعضهم: ((والسلاسِلِ)) بالجرّ (٧)، ووجهُه أنه محمولٌ على المعنى؛ لأن المعنى: أعناقهم في الأغلال والسلاسلِ؛ قاله الفرّاء(٨). وقال الزجاج(٩): ومن (١) المحرر الوجيز ٥٦٨/٤ . (٢) أخرجهما الطبري ٣٦١/٢٠. وأبو قبيل: هو حيّ بن هانئ بن ناصر - بمعجمة - المعافري، المحدّث، يماني استوطن مصر. مات سنة (١٢٨ هـ). السير ٢١٤/٥. (٣) لم نقف عليه. (٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٨٣. وقوله: وهصة: الوَهْص: الرمي العنيف. القاموس (وهص). (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٢/٤. وقراءة ابن عباس وابن مسعود ﴾ في القراءات الشاذة ص ١٣٣. (٦) زاد المسير ٢٣٦/٧. (٧) ذكرها السمين الحلبي في الدر المصون ٩/ ٤٩٥ عن ابن عباس وجماعة. (٨) في معاني القرآن ١١/٣ . (٩) في معاني القرآن ٣٧٨/٤ . ٣٨٢ سورة غافر: الآيات ٧١ - ٧٨ قرأ: ((والسلاسِلِ يُسحبون)) بالخفض فالمعنى عنده: وفي ((السلاسل يُسْحَبُونَ)). قال ابن الأنباري(١): والخفضُ على هذا المعنى غير جائز؛ لأنك إذا قلت: زيد في الدار، لم يحسن أن تُضمر ((في)) فتقول: زيد الدارٍ، ولكنَّ الخفضَ جائزٌ على معنى: إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، فتخفض السلاسل على النَّسق على تأويل الأغلال؛ لأن الأغلالَ في تأويل الخفض؛ كما تقول: خاصمَ عبدُ الله زيداً العاقِلَيْن؛ فتنصب العاقِلَيْن، ويجوز رَفْعُهما؛ لأن أحدَهما إذا خاصمَ صاحبه فقد خاصمه صاحبه؛ أنشد الفرّاء: قد سَالَم الحياتِ مِنه القدَما الأُفْعُوانَ والشُّجاعَ الشَّجْعَمَا(٢) فنصب الأُفعوان على الإتباع للحيات [لأن الحيَّاتِ] إذا سالمت القدمَ فقد سالمتها القدمُ. فمن نَصَبَ السلاسل أو خَفَضَها لم يَقِفْ عليها(٣). و ((الحميم)) المتناهي في الحر. وقيل: الصديد المَغْلي. ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ أي: يُطرحون فيها فيكونون وَقوداً لها؛ قاله مجاهد (٤). يقال: سَجَرتُ التنور، أي: أوقدته، وسَجَرته: ملأته؛ ومنه ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] أي: المملوء. فالمعنى على هذا: تُملأ بهم النار، وقال الشاعر يصف وَعْلاً: تَرَى حولها النَّبْعَ والسَّاسَما(٥) إذا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورَةٌ (١) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٧٣-٨٧٤ . (٢) معاني القرآن للفراء ١١/٣، والرجز قيل: هو لمساور العبسي، وقيل: للعجّاج، وقيل: لأبي حيان الفقعسي، وقيل: للدُّبَيري، وقيل: لعبد بني عبس، وقوله: الأَفعوان - بالضم -: الذكر من الأفاعي، والشُّجاع: الذكر من الحيات، والشجعم: الجريء، وقيل: الطويل مع عِظَم جسم، والميم زائدة. خزانة الأدب ٤١٧/١١-٤١٨ . (٣) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٧٣-٨٧٤، وما بين حاصرتين منه. (٤) معاني القرآن للنحاس ٢٣٤/٦، وتفسير البغوي ١٠٥/٤ . (٥) في (ظ): السماسما، وفي (م): السِّمسما. والبيت للنمر بن تولب، وهو في معاني القرآن للنحاس ٢٣٤/٦ (وما قبله منه) وخزانة الأدب ٩٩/١١ . والنّبع والسَّاسَم: شجر يُعمل منه القسي. القاموس (نبع) و(سسم). ٣٨٣ سورة غافر: الآيات ٧٣ - ٧٨ أي: عيناً مملوءة. ﴿ثُمَّ قِلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ تُشْرِكُونَ. مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا تقریعٌ وتوبيخ(١). ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي: هلكوا وذهبوا عنا وتركونا في العذاب؛ مِنْ ضَلَّ الماءُ في اللبن، أي: خفي. وقيل: أي: صاروا بحيث لا نَجِدُهم. ﴿بَلِ لَّمْ تَكُنْ تَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي: شيئاً لا يُبصر ولا يسمع ولا يضرُّ ولا ينفع(٢). وليس هذا إنكاراً لعبادة الأصنام، بل هو اعترافٌ بأن عبادتَهم الأصنامَ كانت باطلةً؛ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَفِرِينَ﴾ أي: كما فعل بهؤلاء من الإضلال يفعل بكل كافر. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: ذلكم العذابُ ﴿بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ﴾ بالمعاصي، يقال لهم ذلك توبيخاً. أي: إنما نالَكم هذا بما كنتم تُظهرون في الدنيا من السُّرور بالمعصية وكَثْرة المال والأتباع والصِّحة. وقيل: إن فرحَهم بها عندهم أنهم قالوا للرُّسل: نحن نعلمُ أنا لا نُبعث ولا نُعذَّب. وكذا قال مجاهد في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا جَمَتْهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيِّنَتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾. ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ قال مجاهد وغيره: أي: تَبْطَرون وتَأْشَرون(٣). وقد مضَى في ((سبحان)) بيانُه(٤). وقال الضحاك: الفرحُ السرورُ، والمَرَحُ العُدوان.، وروى خالد عن ثور عن معاذ قال: قال رسولُ الله ﴾: ((إنَّ اللهُ يُبغض البَذِخين الفرحين، ويحبُّ كلَّ قلبٍ حزين، ويُبغض أهلَ بيتٍ لَحِمين، ويُبغض كلَّ حِبْر سمين))(٥) فأما أهلُ بيت لَحِمين: فالذين يأكلون لحومَ الناس بالغِيبة. وأما الحِبْر السمين: فالمُتحبِّرُ بعلمه ولا يُخبر بعلمه الناس؛ يعنى المُستكثِرُ من عِلْمه ولا ينتفع به الناس. ذكره الماوردي. وقد قيل في (١) المحرر الوجيز ٤ /٥٦٩ . (٢) زاد المسير ٢٣٧/٧ بنحوه. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٣ . (٤) ١٣ / ٨١ . (٥) نقله المصنف بهذا اللفظ عن الماوردي في النكت والعيون ١٦٥/٥، وقوله منه: (إن الله يحب كل قلب حزين)) أخرجه البيهقي في الشعب (٨٩٣) من طريق ضمرة بن حبيب عن أبي الدرداء مرفوعاً. وهذا إسناد منقطع، فإن ضمرة لم يلقَ أبا الدرداء ﴾ وقوله: ((ويبغض أهل بيت لَحِمين، ويبغض كل حبر سمين)) أخرجه أيضاً البيهقي في الشعب (٥٦٦٨) عن كعب قوله. ٣٨٤ سورة غافر: الآيات ٧٦ - ٨١ اللَّحِمِين: إنهم الذين يُكثرون أكل اللحم؛ ومنه قول عمر: اتقوا هذه المجازر فإنَّ لها ضراوةً كَضَراوة الخمر(١)؛ ذكره المهدوي. والأوّل قول سفيان الثوري(٢). ﴿آدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ أي: يقال لهم ذلك اليوم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَمَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ﴾ [الحجر: ٤٤]. ﴿فَّأْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّينَ﴾ تقدم جميعه(٣). قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حٌَّ﴾ هذا تسليةٌ للنبي عليه الصلاة والسلام؛ أي: إنا لَننتقم لك منهم إما في حياتك أو في الآخرة. ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ في موضع جزم بالشرط، وما زائدة للتوكيد، وكذا النون، وزال الجزم وبُني الفعل على الفتح. ﴿أَوْ تَنَوَقَّنَّكَ﴾ عطف عليه ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ الجواب(٤). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ﴾ عزّاه أيضاً بما لَقِيَتِ الرُّسل من قبله. ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ أي: أنبأناك بأخبارهم وما لَّقُوا من قومهم. ﴿وَمِنْهُم مَن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيَّكَْ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْنِىَ بِئَايَةٍ﴾ أي: من قِبَلِ نَفْسه ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: إذا جاء الوقتُ المُسمى لِعذابهم أهلكهم اللهُ، وإنما التأخيرُ الإسلام من عَلِمَ اللهُ إسلامَه منهم، ولمن في أصلابهم من المؤمنين. وقيل: أشار بهذا إلى القَتْلِ ببدر . ﴿قُضِىَ بِالْمَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: الذين يتَّبعون الباطلَ والشّرك. قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُوْ عَلَيْهَا حَاجَةٌ فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ٨١ وَيُرِيَكُمْ ءَايَتِهِ، فَأَىَّ ءَايَتِ اَللَّهِ تُنْكِّرُونَ ( قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ﴾ قال أبو إسحاق الزجاج(٥): الأنعام (١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٣٥ بلفظ: إياكم واللحمّ، فإن له ضراوةً كضراوة الخمر. وسلف ٢٠٨/٩ . (٢) ذكره ابن الجوزي في غريب الحديث ٣١٧/٢ . (٣) ٢١٤/١٢ وما بعدها. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٣/٤ . (٥) في معاني القرآن ٣٧٨/٤ . ٣٨٥ سورة غافر: الآيات ٧٩ - ٨٥ هاهنا الإبل. ﴿لِتَكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فاحتجَّ من مَنَعَ من أكل الخيل وأباح أكل الجِمال بأنّ الله عزَّ وجلَّ قال في الأنعام: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُونَ﴾ وقال في الخيل: ﴿وَاَلْخيّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] ولم يذكر إباحةَ أكلها (١). وقد مضى هذا في ((النحل)) مستوفى(٢). قوله تعالى: ﴿وَلَكُ فِيهَا مَنَفِعُ﴾ في الوبر والصوف والشَّعر واللَّبن والزُّبْد والسمن والجبن وغير ذلك. ﴿وَلِتَبْلُغُوْ عَلَيْهَا حَاجَةٌ فِى صُدُورِكُمْ﴾ أي: تحمل الأثقالَ والأسفار. وقد مضى في ((النحل)) بيانُ هذا كلِّه فلا معنى لإعادته(٣). ثم قال: ﴿وَعَلَيْهَا﴾ يعني الأنعام في البر ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ في البحر ﴿ُحْمَلُونَ. وَيُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ.﴾ أي: آياتهِ الدالّةَ على وحدانيته وقُدرته فيما ذكر . ﴿فَأَنَّ ءَايَتِ اللَّهِ تُكِّرُونَ﴾ نصب ((أيًّا)) بـ((تُنكرون)) لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله، ولو كان مع الفعل هاء لكان الاختيار في ((أيّ)) الرفع، ولو كان الاستفهام بألف أو هل وكان بعدهما اسم بعده فعل معه هاء لكان الاختيار النصب(٤)، أي: إذا كنتم لا تُنكرون أن هذه الأشياء من الله، فلم تُنكرون قُدرته على البعث والنَّشر؟ قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوَأْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِ الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ (٨) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّاً بِهِ مُشْرِكِينَ ﴿ فَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَهُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَّأْ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِىِ قَدْ خَلَتْ فِى (٨٥) عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ حتى يُشاهدوا آثارَ الأُمم السالفة. ﴿ كَانُوَأْ (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٣/٤-٤٤. (٢) ٢٧٨/١٢ وما بعدها. (٣) ٢٧٥/١٢ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٤ . ٣٨٦ سورة غافر: الآيات ٨٢ - ٨٥ أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ عدداً ﴿وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِ الْأَرْضِ فَمَآ أَغْفَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الأبنية والأموال وما أدالوا به من الأولاد والأتباع؛ يقال: دلوت بفلان إليك، أي: استشفعت به إليك. وعلى هذا ((ما)) للجحد، أي: فلم يُغْنِ عنهم ذلك شيئاً. وقيل : ((ما)) للاستفهام، أي: أيّ شيء أغنى عنهم كسبهم حين هلكوا(١). ولم ينصرف ((أكْثَرَ))؛ لأنه على وزن أفعل. وزعم الكوفيون أن كل مالا ينصرف فإنه يجوز أن ينصرف إلا أفعل من كذا، فإنه لا يجوز صرفه بوجه في شِعْرٍ (٢) ولا غيره إذا كانت معه من. قال أبو العباس: ولو كانت من المانعةً من صرفه لَوجب ألا يقال: مررت بخير منك وشر من عمرو. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِلْبِيِّنَتِ﴾ أي: بالآيات الواضحات ﴿فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ في معناه ثلاثة أقوال؛ قال مجاهد: إن الكفار الذين فرحوا بما عندهم من العلم قالوا: نحن أعلم منهم، لن نُعذّب ولن نُبعث. وقيل: فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا نحو ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْمَوَقِ الذُّنَا﴾ [الروم: ٧]. وقيل: الذين فرحوا الرُّسلُ، لمَّا كذَّبهم قومُهم أَعلمهم الله عزَّ وجلَّ أنه مُهلك الكافرين ومُنجيهم والمؤمنين، فـ ((فرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ)) بنجاة المؤمنين ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ أي: بالكفار ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي: عقاب استهزائهم بما جاء به الرسل صلوات الله (٣) علیهم(٣). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأَسَنَا﴾ أي: عاينوا العذاب. ﴿قَالُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ﴾ أي: بالأوثان التي أشركناهم في العبادة ﴿فَلَمْ يَُ يَنَفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ بالله عند مُعاينة العذاب وحين رَأَوُا البأس. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ مصدر؛ لأن العرب تقول: سَنَّ يسن سنًّا وسُنةً؛ أي: سنّ الله عزَّ وجلَّ في الكفار أنه لا (١) تفسير البغوي ٤/ ١٠٦. (٢) في النسخ الخطية: معرفة، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٤٤/٤، والكلام منه. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٤/٤-٤٥ . ٣٨٧ سورة غافر: الآية ٨٥ ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب(١). وقد مضى هذا مُبيّناً في ((النساء)) و(يونس))(٢) وأن التوبة لا تُقبل بعد رؤية العذاب وحصول العلم الضروري. وقيل: أي: احذروا يا أهل مكة سنّة الله في إهلاك الكَفَرة فـ((سنّةَ الله)) منصوب على التحذير والإغراء(٣). ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ﴾ قال الزجاج(٤): وقد كانوا خاسرين من قبل ذلك إلا أنه تبيَّن لهم(٥) الخُسران لما رأوا العذاب. وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ أي: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنًا﴾ ﴿وَخِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ﴾ كَسُنَّتنا في جميع الكافرين فـ (سنة)) نصب بنزع الخافض، أي: كسنّة الله في الأُمم كلِّها. والله أعلم. تم تفسیر سورة (غافر)» والحمد لله. (١) المصدر السابق بنحوه. (٢) ٦ / ١٥٢ و٥٥/١١ . (٣) تفسير البغوي ١٠٦/٤ . (٤) في معاني القرآن ٣٧٨/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤/ ٤٥ . (٥) في النسخ: بيّن لنا، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس، وفي معاني القرآن للزجاج: بيَّن لهم. سورة فصلت مكية في قول الجميع(١) وهي أربعٌ وخمسون(٢)، وقيل: ثلاثٌ وخمسون آية(٣). بِسْمِ اللهِ الرََّمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: ﴿حَمّ ) تَنِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ بَشِيرًا وَنَذِرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ () قُرْءَانَا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ مِّمَّا نَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيّ ◌َاذَانِنَا وَقَّرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ (@) قوله تعالى: ﴿حَمّ. تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الزجاج (٤): ((تَنْزِيلٌ)) رفع بالابتداء وخبره ﴿كِثَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ﴾ وهذا قولُ البصريين. وقال الفراء: يجوز أن يكون رَفْعُه على إضمار هذا. ويجوز أن يقال: ((كِتَابٌ)) بدل من قوله: ((تَنْزِيلٌ))(٥). وقيل: نَعْتُ لقوله: ((تَنْزِيلٌ)). وقيل: ((حم)) أي: هذه ((حم)) كما تقول: باب كذا، أي: هو باب كذا فـ ((حم)) خبر ابتداء مُضمر، أي: هو ((حم))، وقوله: ((تَنْزِيلٌ)) مبتدأ آخر، وقوله: ((کِتَابٌ)) خبره. (فُصِّلَتْ آيَاتُهُ)) أي: بُيِّنَت وفُسِّرت. قال قتادة: ببيان حلاله من حرامه، وطاعته من معصيته. الحسن: بالوعد والوعيد. سفيان: بالثواب والعقاب(٦). (١) المحرر الوجيز ٣/٥، وزاد المسير ٢٤٠/٧. (٢) تفسير البغوي ٤/ ١٠٧ . (٣) ذكره السيوطي في الإتقان ٢١٥/١ . (٤) في معاني القرآن ٣٧٩/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٧/٤، وقول الفراء الذي بعده منه. (٥) الكشاف ٣/ ٤٤١ . (٦) النكت والعيون ١٦٧/٥ . ٣٨٩ سورة فصلت: الآيات ١ - ٥ وقُرئ: ((فَصَلَتْ)) أي: فرَّقت بين الحقّ والباطل، أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها؛ من قولك: فصل، أي: تباعدَ من البلد (١). ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾. في نصبه وجوه؛ قال الأخفش(٢): هو نَصْبٌ على المدح. وقيل: على إضمار فعل؛ أي: اذكر ((قُرْآنًا عَرَبِيًّا)). وقيل: على إعادة الفعل؛ أي: فصَّلنا (قُرْآَناً عَرَبِيًّا)). وقيل: على الحال، أي: ((فُصِّلَتْ آيَاتُهُ)) في حال كونه ((قُرْآنَاً عَرَبِيًّا)). وقيل: لما شُغل التفصيل(٣) بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل، انتصب ((قُرآناً)) لوقوع البيان عليه. وقيل: على القطع (٤). ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قال الضحاك: أي: إن القرآن مُنزَل من عند الله. وقال مجاهد: أي: يعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل. وقيل: يعلمون العربية فيعجِزون عن مثله(٥)، ولو كان غيرَ عربيّ لما علموه. قلت: هذا أصحّ، والسورةُ نزلت تقريعاً وتوبيخاً لقريش في إعجاز القرآن. ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ حالان من الآيات، والعامل فيه ((فُصِّلَتْ))(٦). وقيل: هما نعتان للقرآن (٧) (بَشِيرًا)) لأولياء الله ((نذيرًا)) لأعدائه. وقرئ: ((بَشِيرٌ ونذيرٌ))(٨) صفة للكتاب. أو خبر مبتدأ محذوف(٩). ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني أهل مكة ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سماعاً ينتفعون به. (١) الكشاف ٤٤١/٣ . (٢) في معاني القرآن ٢/ ٦٨٠. (٣) في (م): فصلت. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٧ بنحوه. (٥) النكت والعيون ١٦٨/٥ . (٦) مشكل إعراب القرآن لمكي ٦٣٩/٢. (٧) ذكره السمين الحلبي في الدر المصون ٩/ ٥٠٦ . (٨) نسبها أبو حيان في البحر ٧/ ٤٨٣ لزيد بن علي. (٩) الكشاف ٣/ ٤٤١ . ٣٩٠ سورة فصلت: الآيات ١ - ٥ ورُوي أن الزَّيَّال(١) بن حرملة قال: [قال جابر بن عبد الله](٢): قال الملأ من قريش وأبو جهل: قد التبس علينا أمرُ محمد، فلو التمستُم رجلاً عالماً بالشِّعر والكهانة والسِّحر فكلَّمه ثم أتانا ببيانٍ من أمره؛ فقال عتبةُ بن ربيعة: والله، لقد سمعتُ الكهانةَ والشِّعر والسِّحر، وعلمتُ من ذلك علماً لا يخفى عليَّ إن كان كذلك. فقالوا: إيته فحدِّثه. فأتى النبيَّ :﴿ فقال له: يا محمد، أنت خيرٌ أَمْ قصيّ بن كلاب؟ أنت خيرٌ أَمْ هاشم؟ أنت خيرٌ أَمْ عبد المطلب؟ أنت خيرٌ أم عبد الله؟ فبم تَشْتِمُ آلهتنا، وتُضَلِّل آباءنا، وتُسفِّه أحلامَنا، وتذُّ ديننا؟ فإنْ كنتَ إنما تُريد الرِّياسة عَقَّدْنا إليك ألويتنا، فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كنتَ تُريد الباءة زوَّجناك عشرَ نساء من أيِّ بنات قريش شئت، وإنْ كنتَ تُريد المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وَعقِيك من بعدك، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًّا من الجن قد غلب عليك بَذَلْنا لك أموالَنا في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك، والنبيُّ # ساكت، فلما فرغ قال: ((قد فَرَغْتَ يا أبا الوليد؟» قال: نعم. قال: اسمع(٣): ﴿بِسْمِ أَلَّهِ الرََّنِ الْرَجَمِ * حمّ * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِنَبُ فُضِلَتْ ءَايَتُهُمُ قُزْمَانَا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَكِفَةً مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فوثبَ عتبةُ ووضع يده على فم النبيِّ ﴾، وناشدَه اللهَ والرِّحِمَ ليَسْكُتَنَّ، وَرَجَعَ إلى أهله ولم يَخرجْ إلى قريش فجاءه أبو جهل؛ فقال: أصبوتَ إلى محمد؟ أَمْ أَعجبكَ طعامُه؟ فغضب عُتبة وأقسم ألا يُكلِّم محمداً أبداً، ثم قال: والله، لقد تعلمون أني من أكثر قريش مالاً، ولكني لما قصصت عليه القصة أجابني بشيء - والله - ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر؛ ثم تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله: ﴿مِّثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ وأمسكتُ بفيه وناشدتُه بالرَّحِم أن يَكُفَّ، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فوالله، لقد خفت أن ينزلَ بكم العذاب؛ يعني الصاعقة(٤). (١) في النسخ: الريان، وهو خطأ، والمثبت من المصادر. (٢) ما بين حاصرتين من مصادر التخريج. (٣) عبارة (م): ((قد فرغت يا أبا الوليد؟)) قال: نعم. فقال: ((يا ابن أخي اسمع)) قال: أسمعُ، قال ... (٤) أخرجه بنحوه عبد بن حميد في مسنده (١١٢٣)، والبغوي في تفسيره ٤/ ١١٠. وفي إسناده الأجلح = ٣٩١ سورة فصلت: الآيات ١ - ٥ وقد روى هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب ((الردّ)» له عن محمد بن كعب القرظي، وأن النبي # قرأ ((حم. فُصِّلَتْ)) حتى انتهى إلى السجدة فسجد وعُتبة مُضْغِ يستمع، قد اعتمد على يديه من وراء ظهره. فلما قطع رسولُ الله # القراءة قال له: (يا أبا الوليد، قد سمعتَ الذي قرأتُ عليك، فأنت وذاك)) فانصرف عتبةُ إلى قريش في ناديها فقالوا: والله، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي مضَى به من عندكم. ثم(١) قالوا: ما وراءك أبا الوليد؟ قال: والله، لقد سمعتُ كلاماً من محمد ما سمعتُ مثلَه قط، والله، ما هو بالشِّعر ولا بالسِّحر ولا بالكهانة. فأَطيعوني في هذه وأَنزلوها بي؛ خلُّوا محمداً وشأنه واعتزلوه، فوالله ليكونن لِمَا سَمعتُ من كلامه نبأٌ، فإنْ أصابته العربُ كُفِيتُموه بأيدي غيركم، وإن كان مَلِكاً أو نبيًّا كنتم أسعد الناس به؛ لأن مُلْكَه مُلْكُكُم وَشَرَفَهُ شرفُكم. فقالوا: هيهات، سحرك محمدٌ يا أبا الوليد. وقال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم (٢). قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ الأَكِنَّة جمع كنان، وهو الغطاء. وقد مضَى في ((البقرة))(٣). قال مجاهد: الكنان للقلب كالجَعْبة(٤) للنبل.﴿وَقِّ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ﴾ أي: صَمَم؛ فكلامُك لا يدخل أسماعَنا، وقلوبنا مستورةٌ عن فهمه. ﴿وَمِنْ بَيْنَا وَبَيِّنْكَ حِجَابٌ﴾ أي: خلاف في الدين، لأنهم يعبدون الأصنامَ وهو يعبدُ اللهَ عزّ وجلّ. قال معناه الفراء(٥) وغيره. وقيل: سِتْرٌ مانعٌ عن الإجابة. وقيل: إنَّ أبا جهل استغشى على رأسه ثوباً وقال: يا محمد، بيننا وبينك حجاب؛ استهزاء منه. حكاه النقاش(٦)، وذكره القشيري. فالحجابُ هنا الثوب. = ابن عبد الله الكندي. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ٧/ ١٦٢: وقد ضُعِّف بعض الشيء. (١) قوله: ثم، من (م). (٢) وأخرجه عن محمد بن كعب القرظي ابنُ إسحاق كما في السيرة النبوية ٢٩٣/١ - ٣٩٤. (٣) ٢٤٦/٢. (٤) في النسخ: كالجنة، والمثبت من تفسير مجاهد ٥٦٩/٢، وتفسير الطبري ٣٧٧/٢٠، والنكت والعيون ١٦٨/٥ . (٥) في معاني القرآن ٣/ ١٢ . (٦) النكت والعيون ١٦٨/٥. ٣٩٢ سورة فصلت: الآيات ٥ - ٨ ﴿فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ﴾ أي: اعمل في هلاكِنا فإنا عاملون في هلاكك؛ قاله الكلبي. وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها. وقيل: اعمل بما يقتضيه دينُك، فإنا عاملون بما يقتضيه ديننا. ويحتمل خامسًا (١): فاعمل لآخرتك، فإنا نعمل لدنيانا؛ ذكره الماوردي(٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَأَسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: لست بمَلَك، بل أنا من بني آدم. قال الحسن: علَّمه الله تعالى التواضع(٣). ﴿يُوحَى إِلَى﴾ أي: من السماء على أيدي الملائكة ﴿أَنََّا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ﴾ ﴿ف﴾ آمِنوا به و﴿اسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ أي: وجِّهوا وجوهكم بالدُّعاء له والمسألة إليه، كما يقول الرجل: استقم إلى منزلك؛ أي: لا تعرج على شيء غير القَصْد إلى منزلك. ﴿وَأَسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي: من شِرْككم. ﴿وَيِّلٌ لِلْمُشْرِكِينَ . الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ قال ابن عباس: لا يشهدون أن لا إله إلا الله، وهي زكاةُ الأنفس. وقال قتادة: لا يُقِرُّون بالزكاة أنها واجبة(٤). وقال الضحاك ومقاتل: لا يتصدَّقون ولا يُنفقون في الطاعة(٥). قرَّعهم بالشُّح الذي يَأْنَفُ منه الفُضَلاء. وفيه دلالةٌ على أن الكافر يُعذّب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه(٦). وقال الفراء(٧) وغيره: كان المشركون يُنفقون النَّفقات، ويَسقون الحجيج ويُطعمونهم، فحرَّموا ذلك على مَنْ آمن بمحمد #، فنزلت فيهم هذه الآية. (١) كذا في النسخ: خامسًا، لكن المصنف رحمه الله لم يذكر إلا أربعةً أقوال. (٢) في النكت والعيون ١٦٨/٥. (٣) المحرر الوجيز ٤/٥ . (٤) أخرجهما الطبري ٣٧٩/٢٠. (٥) المحرر الوجيز ٥/٥ . (٦) النكت والعيون ١٦٨/٥ . (٧) في معاني القرآن ٣/ ١٢. ٣٩٣ سورة فصلت: الآيتان ٧ - ٨ ﴿وَهُمْ بِلْأَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ فلهذا لا يُنفقون في الطاعة ولا يستقيمون ولا يستغفرون. الزمخشري(١): فإنْ قلتَ: لم خصَّ من بين أوصاف المشركين منعَ الزكاة مقروناً بالكُفر بالآخرة؟ قلت: لأنَّ أحبَّ شيء إلى الإنسان مالُه، وهو شقيقُ روحه، فإذا بَذَله في سبيل الله فذلك أقوى دليلٍ على ثَباته، ألا ترى إلى قوله عزّ وجلّ: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَقْبِيْتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥] أي: يُثَبِّتون أنفسهم، ويدلون على ثَباتها بإنفاق الأموال، وما خُدع المؤلفة قلوبهم إلا بِلُمظة (٢) من الدنيا، فقويت عُضبتُهم ولانت شَكيمتهم؛ وأهل الرِّدة بعد رسول الله # ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، فَنُصِبتْ لهم الحروب وُجُوهدوا. وفيه بعثٌ للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويفٌ شديدٌ من مَنْعها، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقُرِن بالكفر بالآخرة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال ابن عباس: غير مقطوع؛ مأخوذٌ من: مننتُ الحبل إذا قطعتَه؛ ومنه قول ذي الإصبع: على الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بممنونٍ(٣) إِنِّي لَعَمْرُكَ ما بابي بِذِي غَلَقٍ وقال آخر : ـحِ مَنِيناً كأَنَّهُ أَهْبَاء(٤) فَتَرَى خَلْفَها مِنَ الرَّجْعِ والوَقْ يعني بالمَنِين الغبار المنقطع الضعيف. وعن ابن عباس أيضًا ومقاتل: غير منقوص(٥). ومنه المَنُون؛ لأنها تنقص مُنَّة الإنسانِ، أي: قوَّته؛ وقاله قطرب(٦)؛ (١) الكشاف ٤٤٣/٣ . (٢) اللُّمظة: النُّكتة من البياض. اللسان (لمظ) والمراد هنا: الشيء اليسير. (٣) البيت في المفضليات ص ١٦٠ . والكلام من النكت والعيون ١٦٩/٥، وفيه: ابن عيسى، بدل: ابن عباس. (٤) قائله الحارث بن حِلِّزة اليشكري، والبيت من معلَّقته. ينظر شرح القصائد المشهورات للنحاس ص٥٧ . (٥) أخرجه الطبري ٢٠/ ٣٨١ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٦) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٦٩/٥ . ٣٩٤ سورة فصلت: الآيات ٨ - ١٢ وأنشد قول زهير: يُعْطي بذلك مَمْنُونًا ولا نَزِقا (١) فَضْلَ الجيادِ على الخيل البطاءِ فلا قال الجوهري(٢): والمَنُّ القطع، ويقال: النَّقْص؛ ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُ غیرُ مَمنُونٍ﴾. وقال لَبید: غُبْسٌ كَوَاسِبٌ لا يُمَنُّ طَعامُها(٣) وقال مجاهد: ((غيرُ مَمْنُونٍ)) غير محسوب. وقيل: ((غیرُ مَمْنُون)) علیهم به. قال السدي: نزلت في الزَّمْنى والمَرْضَى والهَرْمى إذا ضَعُفُوا عن الطاعة كُتب لهم من الأجر كأصحّ ما كانوا يعملون فيه (٤). قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنٍ وَجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادَّاً ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَحَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَزَكَ فِيهَا وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىّ أَزْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءُ لِلسَّآيِنَ " ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْمًا أَوْ كَرْهَاً قَالَتَآَ أَنْنَا طَآئِعِينَ ﴾ فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الذُّنْيَا بِمَصَنِيحَ وَحِفْظَأْ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ١٢ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ ((أَئِنَّكُمْ)) بهمزتين؛ الثانية بَيْن بَيْن، و((أَائِنَّكُمْ)) بألف بين همزتين(٥)، وهو استفهام معناه التوبيخ. أمره (١) شرح ديوان زهير ص٤٩ . (٢) في الصحاح (منن). (٣) شرح ديوان لبيد ص ٣٠٨. وصدره: لمعفَّرٍ قَهْد تنازع شلْوَهُ. قال شارحه: الغُبس: الذئاب أو الكلاب ذات اللون الأغبر. كواسب: تتعيَّش من الصيد. لا يُمَنَ طعامها: لا أحد يُطعمها فَيَمِنَّ عليها. (٤) تفسير البغوي ١٠٨/٤ . (٥) قرأ نافع - في رواية قالون - وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية مع إدخال ألف بينهما. وقرأ نافع - في رواية ورش - وابن كثير بالتسهيل من غير إدخال ألف. والباقون بتحقيق الهمزتين من غير إدخال ألف. السبعة ص ١٣٧، والتيسير ص ٣٢ . ٣٩٥ سورة فصلت: الآيات ٩ - ١٢ بتوبيخهم والتعجب من فِعْلهم، أي: لِمَّ تكفُرون بالله وهو خالق السماوات والأرض؟! ((فِي يَوْمَيْنِ)) الأحد والاثنين(١). ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا﴾ أي: أضداداً وشُرَكاء ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾. ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ أي: في الأرض ﴿رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا﴾ يعني الجبال. وقال وهب: لما خلقَ اللهُ الأرضَ مادٹْ علی وجه الماء؛ فقال لجبريل: ثبّتها يا جبريل. فنزل فأَمْسكها فغلبته الرياح، قال: يا رب، أنت أعلمُ، لقد غُلِيتُ فيها، فَتَّتها بالجبال وأرساها. ﴿وَبَرَكَ فِيهَا﴾ بما خلق فيها من المنافع. قال السدي: أنبت فيها شجرها . ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ قال السدي والحسن: أرزاق أهلها ومصالحهم. وقال قتادة ومجاهد: خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابَّها في يوم الثلاثاء والأربعاء. وقال عكرمة والضحاك: معنى ((قَدَّرَ فيها أَقْوَاتَها)) أي: أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأُخرى ليعيش بعضُهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد(٢). قال عكرمة: حتى إنه في بعض البلاد لَيتبايعون الذهبَ بالمِلح مِثلاً بمثل. وقال مجاهد والضحاك: السابريّ من سابور، والطيالسة من الرِّي، والحِبَرُ اليمانية من اليمن(٣). ﴿فِىّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ يعني في تتمة أربعة أيام. ومثاله قول القائل: خرجتُ من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسةَ عشر يوماً؛ أي: في تتمة خمسةً عشر يوماً (٤). قال معناه ابن الأنباري وغيره. ﴿مَوَّهُ لِلِسَّآيِلِينَ﴾ قال الحسن: المعنى: في أربعة أيام مستوية تامَّة. الفراء(٥): في (١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٥/ ١٧٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) هذه الأقوال في النكت والعيون ٥/ ١٧٠، وتفسير البغوي ١٠٨/٤ . (٣) أخرجه الطبري ٣٨٧/٢٠ - ٣٨٨. (٤) النكت والعيون ١٧١/٥ . (٥) معاني القرآن ١٢/٣ - ١٣. ٣٩٦ سورة فصلت: الآيات ١٠ - ١٢ الكلام تقديمٌ وتأخير، والمعنى: وقدَّر فيها أقواتَها سواء للمحتاجين. واختاره الطبري(١). وقرأ الحسن البصري ويعقوبُ الحَضْرمي: ((سَوَاءٍ للسَّائِلِينَ)» بالجر. وعن ابن القَعْقاعِ: ((سَواءٌ)) بالرفع(٢)؛ فالنصب على المصدر، و((سَوَاءً)) بمعنى استواء، أي: استوت استواء. وقيل: على الحال والقطع؛ والجرّ على النَّعت لأيام أو الأربعة، أي: ((فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)) مستوية تامَّة. والرفع على الابتداء والخبر (لِلسَّائِلِينَ)) أو على تقدير هذه ((سَوَاءٌ لِلسَّائِلِينَ))(٣). وقال أهل المعاني: معنى ((سَوَاءٌ لِلسَّائِلِينَ)): ولغير السائلين؛ أي: خلق الأرضَ وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويُعطي مَنْ سأل ومَنْ لا يسأل. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَةٌ إِلَى التَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾ أي: عَمَدَ إلى خَلْقها وقَصَدَ لِتسويتها(٤). والاستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اُسْتَوٌَ إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَنَّ﴾ [البقرة: ٢٩] وقد مضَى القولُ هناك(٥). وروى أبو صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ﴾ يعني: صَعِدَ أمرُه إلى السماء(٦)؛ وقاله الحسن(٧). ومَن قال: إنه صفةٌ ذاتية زائدةٌ قال: استوى في (١) تفسير الطبري ٣٩٠/٢٠. (٢) قراءة يعقوب ويزيد بن القعقاع (من العشرة) في النشر ٣٦٦/٢. وقراءة الحسن في المحرر الوجيز ٦/٥. (٣) المحرر الوجيز ٦/٥ بنحوه. (٤) تفسير البغوي ١٠٩/٤ . (٥) ١/ ٣٨٠ وما بعدها. (٦) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٧٢) من طريق محمد بن مروان - وهو السدي الصغير - عن الكلبي عن أبي صالح به. وهؤلاء كلهم متروكون عند أهل العلم بالحديث، لا يحتجون بشيء من رواياتهم لكثرة المناكير فيها. ذكره البيهقي. وينظر تقريب التهذيب. (٧) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٧٢/٥ . ٣٩٧ سورة فصلت: الآيات ١١ - ١٢ الأزل بصفاته. و((ثُمَّ)) ترجع إلى نقل السماء من صفة الدُّخان إلى حالة الكثافة، وكان ذلك الدُّخان من تنفّس الماء حين تنفس؛ على ما مضى في ((البقرة)) عن ابن مسعود وغيره(١). ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَاً﴾ أي: جينا بما خلقتُ فيكما من المنافع والمصالح، وأَخْرِ جاها لِخَلْقي. قال ابن عباس: قال اللهُ تعالى للسماء: أَطلعِي شَمْسَك وقمرك وكواكبك، وأَجري رياحَك وسحابَك، وقال للأرض: شُقّي أنهارَك وأخرجي شجرَك وثمارَكِ طائعتين أوكارهتين ﴿قَالَآَ أَنْنَا طَيِعِينَ﴾(٢). وفي الكلام حذف، أي: أتينا أمرَكَ ((طَائِعِينَ)). وقيل: معنى هذا الأمر التسخير؛ أي: گُونا فكانتا كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِّشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُوَلَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فعلى هذا قال ذلك قبلَ خَلْقهما. وعلى القول الأول قال ذلك بعد خلقهما. وهو قول الجمهور . وفي قوله تعالى لهما وجهان: أحدهما: أنه قولٌ تكلّم به. الثاني: أنها قُدرةٌ منه ظهرتْ لهما، فقام مَقامَ الكلام في بلوغ المُراد؛ ذكره الماوردي(٣). ((قالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)) فيه أيضاً وجهان: أحدُهما أنه ظُهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا، فقام مقامً قولهما، ومنه قول الراجز: امتلأَ الحَوْضُ وقال قَظْني مَهْلًا رُوَيدًا قدمَلَأْتِ بَظْني(٤) يعني ظهرَ ذلك فيه. وقال أكثرُ أهل العلم: بل خلقَ اللهُ فيهما الكلام فتكلَّمتا كما أراد تعالى؛ قال أبو نَصْر السَّكْسكي: فنطقَ من الأرض موضعُ الكعبة، ونطقَ من السماء ما بحيّالها؛ فوضع الله تعالى فيه حَرَمه(٥). (١) ٣٨٣/١ - ٣٨٤. (٢) أخرجه الطبري ٣٩١/٢٠. (٣) في النكت والعيون ١٧٢/٥ . وما بعده منه. (٤) سلف ٢ / ٢٥٥ . (٥) النكت والعيون ١٧٣/٥ . ٣٩٨ سورة فصلت: الآيتان ١١ - ١٢ وقال: ((طَائِعِينَ)) ولم يقل: طائعتين على اللفظ، ولا طائعات على المعنى؛ لأنهما سماواتٌ وأَرَضُون؛ لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما. وقيل: لما وَصَفَّهُنَّ بالقول والإجابة وذلك مِن صفات مَن يعقل أجراهما في الكناية مُجرى مَن يعقِل(١)، ومثله: ﴿رَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وقد تقدَّم. وفي حديث: إن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا ربّ، لو أن السماواتِ والأرضَ حين قلت لهما: ﴿أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهاً﴾ عَصَيَاكَ، ما كنتَ صانعاً بهما؟ قال: كنتُ آمرُ دابَّةً من دوابِّي فتبتلعهما. قال: يا ربّ، وأين تلك الدابَّة؟ قال: في مَرْج من مُرُوجي. قال: يا رب، وأين ذلك المَرْج؟ قال: عِلْم من علمي. ذكره الثعلبي(٢). وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جُبير وعكرمة: ((آتِيا)) بالمَدّ والفتح. وكذلك قوله تعالى: ((آتَيْنَا طَائِعِينَ))(٣) على معنى: أَعْطِيَا (٤) الطاعةَ من أنفسكما، ((قالتا»: أَعْطَيْنَا ((طَائِعِينَ)) فحذف المفعولين جميعاً. ويجوز - وهو أحسنُ - أن يكون ((آتَيْنَا)) فاعَلْنَا، فَحُذِفَ مفعولٌ واحد. ومَن قرأ: ((أَتَيْنَا)) فالمعنى: جئنا بما فينا؛ على ما تقدَّم بیانُه في غير ما موضع، والحمد لله. قوله تعالى: ﴿فَقَضَنْهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيِنِ﴾ أي: أكملهنَّ وفرغَ منهنَّ. وقيل: أَحكمهنَّ كما قال : وعليهما مَسْرُودَتَانِ قَضَاهما داودُ أو صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ (٥) ﴿فِي يَوْمَيْنٍ﴾ سوى الأربعة الأيام التي خلقَ فيها الأرض، فوقع خلقُ السماوات والأرض في ستة أيام؛ كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَبَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] على ما تقدَّم في ((الأعراف)) بيانُه. (١) إعراب القرآن للنحاس ٥١/٤، وتفسير البغوي ١٠٩/٤ بنحوه. (٢) هذا الخبر من الإسرائيليات. (٣) المحتسب ٢٤٥/٢، وينظر الدر المصون ٩/ ٥١١ . (٤) في النسخ الخطية: أعطينا، والمثبت من (م). (٥) قائله أبو ذؤيب الهذلي، وسلف ٣٣٦/٢ . وقوله: مسرودتان، أي: درعان. والصَّنَع: الحاذق بالعمل. شرح ديوان الهذليين ص ١٩ . ٣٩٩ سورة فصلت: الآية ١٢ قال مجاهد: ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدُّون(١). وعن عبد الله بن سَلَام قال: خلق اللهُ الأرضَ في يومين، وقدَّر فيها أقواتها في يومين، وخلق السماوات في يومين؛ خلق الأرضَ في يوم الأحد والاثنين، وقدَّر فيها أقواتَها يومَ الثلاثاء ويومَ الأربعاء، وخلقَ السماواتِ في يوم الخميس ويوم الجمعة، وآخرُ ساعة في يوم الجمعة خلقَ اللهُ آدَمَ في عَجَل، وهي التي تقوم فيها الساعة، وما خلق الله من دابَّة إلا وهي تفزعُ من يوم الجمعة إلا الإنس والجن(٢). على هذا أهل التفسير؛ إلا ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال: أخذَ رسولُ الله # بيدي، فقال: ((خلق اللهُ التربةَ يومَ السبت)) الحديث، وقد تكلَّمنا على إسناده في أول سورة ((الأنعام))(٣). ﴿وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ قال قتادة والسدي: خلق فيها شَمْسَها وقمرها ونجومَها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خَلْقها من الملائكة والخَلْق الذي فيها من البحار وجبال البَرَد والثلوج(٤). وهو قول ابن عباس(٥)؛ قال: ولله في كل سماء بيت تحجُّ إليه وتطوفُ به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في السماء الدنيا هو البيت المعمور(٦). وقيل: أوحى الله في كل سماء؛ أي: أوحى فيها ما أراده وما أمر به فيها (٧). والإيحاء قد يكون أمراً؛ لقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيْنَ﴾ [المائدة: ١١١] أي: أمرتهم، وهو أمرُ تكوين. (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٩/٤. (٢) أخرجه الطبري ٤٦٤/١ دون قوله: وما خلق الله من دابة إلا وهي تفزع من يوم الجمعة إلا الإنس والجن. وهذا قطعة من حديث أبي هريرة ﴾. أخرجه أحمد (٧٦٨٧). (٣) ٣١٤/٨ وما بعدها، وينظر تخريج الحديث ثمة. (٤) النكت والعيون ١٧٣/٥، وتفسير الرازي ١٠٧/٢٧، وأخرجه الطبري ٣٩٣/٢٠ - ٣٩٤. (٥) ذكره البغوي في تفسيره ١٠٩/٤ . (٦) ذكره الرازي في تفسيره ١٠٧/٢٧ عن السدي. (٧) تفسير البغوي ١٠٩/٤ بنحوه. ٤٠٠ سورة فصلت: الآيات ١٢ - ١٦ ﴿وَزَيَّنَا السَّمَّةَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ﴾ أي: بكواكب تُضيءٍ. وقيل: إنَّ في كل سماء كواكبَ تُضيء. وقيل: بل الكواكبُ مختصةٌ بالسماء الدنيا . ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: وحَفِظْناها حِفْظًا؛ أي: من الشياطين الذين يسترقون السمع. وهذا الحِفْظُ بالكواكب التي تُرجم بها الشياطين على ما تقدَّم في ((الحجر)) بيانه(١). وظاهر هذه الآية يدلُّ على أن الأرضَ خُلقت قبل السماء. وقال في آية أخرى: السّمَاءُ بَنَهَا﴾ [النازعات: ٢٧] ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا﴾ [النازعات: ٣٠] وهذا يدلُّ على خلق السماء أوّلاً. وقال قوم: خُلقت الأرضُ قبل السماء؛ فأما قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَا﴾ فالدَّحْوُ غيرُ الخَلْقِ، فالله خَلَقَ الأرضَ، ثم خلق السماوات، ثم دحا الأرضَ، أي: مذَّها وبَسَطها؛ قاله ابن عباس. وقد مضى هذا المعنى مجوَّداً في ((البقرة))(٢)، والحمد لله. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَهِزِ اَلْعَلِيمِ﴾. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتَّكُمْ صَِفَةُ مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ () إِذْ ◌َتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ اللهَّ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبَُّ ◌َأَنَزَلَ مَتَبِكَةٌ فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِ كَلِفِرُونَ (٣٦) فَأَمَا عَادٌ فَأَسَتَكْبُواْ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ اَلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ بِثَايَتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِبِمًا صَرْصَرًا فِيَّ أَيَّامٍ غَّحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّاً وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَىْ وَهُمْ لَا يُصَرُونَ قوله تعالى: ﴿فَإِن أَعْرَضُوا﴾ يعني ۔ کفار قریش - عمَّا تَدْعوهم إلیه یا محمد من الإيمان. ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةُ مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي: خوَّفتُكم هلاكاً مثلَ هلاك عاد وثمود. ﴿إِذْ جَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يعني: مَنْ أُرسل إليهم وإلى مَن قَبْلهم ﴿َلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّا اللَّهَ﴾ موضع ((أَنْ)) نصب بإسقاط الخافض، أي: بـ ((أَلَّا (١) ١٨٧/١٢ وما بعدها. (٢) ٣٨٣/١ . وما بعدها.