Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سورة الزمر: الآيات ٥٧ - ٥٩
فما لكَ مِنها غيرُ ذِكْرِى وخَشْيَةٍ وتسألَ عن رُكْبَانِها أين يَعَّمُوا(١)
فنصب وتسألَ على موضع الذِّكرى؛ لأن معنى الكلام: فمالكَ منها إلا أن تذكرَ.
ومنه: لَلُبْسُ عباءة وتَقَرَّ؛ أي: لأَنْ أَلْبَسَ عباءةً وتقرَّ.
وقال أبو صالح: كان رجلٌ عالم في بني إسرائيل وجد رقعة: إنَّ العبدَ لَيعملُ
الزمانَ الطويل بطاعة الله، فيختمُ له عملُه بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجلَ
لَيعمل الزمنَ الطويل بمعصية الله، ثم يختمُ له عمله بعمل رجل من أهل الجنة فيدخل
الجنة؛ فقال: ولأي شيء أُتعِبُ نفسي، فترك عملَه وأخذ في الفسوق والمعصية،
وقال له إبليس: لك عمرٌ طويل، فتمتَّعْ في الدنيا ثم تتوب، فأخذ في الفسوق وأنفق
مالَه في الفجور، فأتاه ملكُ الموت في ألذِّ ما كان، فقال: يا حسرتا على ما فرَّطتُ
في جَنْب الله؛ ذهب عمري في طاعة الشيطان، فندم حين لا ينفعه النَّدم؛ فأنزل الله
خبره في القرآن(٢).
وقال قتادة: هؤلاء أصناف؛ صِنْفٌ منهم قال: ﴿بَحَرَّ عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِ جَنْبٍ
اللَّهِ﴾، وصنفٌ منهم قال: ﴿لَوْ أَشَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ وقال آخر:
﴿لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةٌ فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). فقال الله تعالى ردّاً لِكلامهم: ﴿بَلَ قَدْ
جَاءَتْكَ ءَايَتِى﴾ .
قال الزجاج(٤): ((بلى)) جوابُ النفي، وليس في الكلام لفظُ النفي، ولكن معنى
((لو أَنَّ اللـه هَدَانِي)) ما هداني، وكأن هذا القائلَ قال: ما هُدِيت؛ فقيل: بلى، قد بُيِّن
لك طريق الهُدى، فكنت بحيث لو أردتَ أن تُؤمِنَ أمكنك أن تُؤمن.
((آيَاتِي)) أي: القرآن. وقيل: عنى بالآياتِ المُعجزاتِ؛ أي: وَضَحَ الدليل فأنكرتَه
وكَذَّبته ﴿وَأَسْتَكْبَرْتَ﴾ أي: تكبَّرت عن الإيمان ﴿وَّكُنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾.
وقال: ﴿وَأَسْتَكْبَتَ وَكُنتَ﴾ وهو خِطاب الذَّكَر؛ لأن النَّفس تقع على الذَّكّر
(١) معاني القرآن للفراء ٤٢٣/٢، وفيه: وحسبة، بدل: وخشية. ولم نهتد إلى قائله.
(٢) ذكر القصة بنحوها ومختصرة الزمخشري في الكشاف ٣/ ٤٠٤ ولم ينسبها.
(٣) أخرجه الطبري ٢٣٦/٢٠ .
(٤) في معاني القرآن ٣٥٩/٤ - ٣٦٠.

٣٠٢
سورة الزمر: الآيات ٥٩ - ٦٤
والأُنثى. يقال: ثلاثة أنفس. وقال المبرّد: تقول العرب: نفسٌ واحدٌ، أي: إنسان واحد.
وروى الربيع بن أنس عن أُمِّ سَلَمة عن النبي ﴾ قرأ: ((قد جاءَتْكِ آياتي فَكَذَّبْتِ
بِهَا واستَكْبَرْتٍ وكنت من الكافرين))(١).
وقرأ الأعمش: ((بلى قد جاءَّتْهُ آيَاتي))(٢) وهذا يدلُّ على التذكير. والربيع بن أنس
لم يَلْحَقْ أُمَّ سَلَمةَ إلا أن القراءةَ جائزة؛ لأن النَّفْس تقع للمذكَّر والمؤنث. وقد أنكر
هذه القرءاةَ بعضُهم وقال: يجب إذا كسر التاء أن تقول: وكنتِ من الكوافر أو من
الكافرات.
قال النحاس(٣): وهذا لا يلزم؛ ألا ترى أن قبلَه ((أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ)) ثم قال: ﴿وَإِن
كُنْتُ لَمِنَ السََّخِرِينَ﴾ ولم يقل: من السواخر، ولا من الساخرات. والتقدير في العربية
على كسر التاء: ((واستَكْبَرْتٍ وكنتٍ)) من الجمع(٤) الساخرين، أو من الناسِ
الساخرين، أو من القوم الساخرين.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى الَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ
وَيُنَِّى اَللَّهُ الَّذِينَ أَنَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ
فِى جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَبِرِينَ
٦٠
الشُّوَّهُ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ١ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ
لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَايَتِ اللَّهِ أُوْلَيِكَ هُمُ
اَلْخَسِرُونَ ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوَّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ
٦٤
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ﴾ أي: مما
حاط بهم من غضب الله ونقمته. وقال الأخفش(٥): ((تَرَى)) غير عامل في قوله:
(١) أخرجها الدوري في قراءات النبي # (٩٩)، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٣١،
والكلام من معاني القرآن للنحاس ٦/ ١٨٧ - ١٨٨.
(٢) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٨/٤ .
(٣) في معاني القرآن للنحاس ١٨٧/٦ - ١٨٨، وما قبله منه.
(٤) في النسخ: الجميع، والمثبت من (م).
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٦٧٢ .

٣٠٣
سورة الزمر: الآيات ٦٠ - ٦٤
((وُجُوهُهُمْ مُسْوَدٌَّ)) إنما هو ابتداءٌ وخبر.
الزمخشري(١): جملة في موضع الحال إنْ كان ((تَرَى)) من رؤية البصر، ومفعولٌ
ثانٍ إنْ كان من رؤية القلب.
﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَنْوَى لِلْمُتَكَِّينَ﴾ وبيَّن رسولُ الله ◌ِ ﴾ معنى الكِبْر فقال عليه
الصلاة والسلام: ((سَفَهُ الحقِّ وَغَمْصُ الناس)) أي: احتقارهم. وقد مضى في
((البقرة))(٢) وغيرها.
وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي 8# ((يُحشَرُ المُتكبِّرون يومَ القيامة كالذَّرُ
يلحقهم الصَّغَار حتى يُؤتى بهم إلى سجن جهنم))(٣).
قوله تعالى: ﴿وَيُنَّجِى اَللَّهُ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ﴾ وقُرئ: ((ويُنْجي))(٤) أي: من الشِّرك
والمعاصي. ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ على التوحيد قراءة العامة؛ لأنها مصدر. وقرأ الكوفيون:
((بمَفَازَاتهِمْ)»(٥)، وهو جائز كما تقول: بسعاداتهم.
وعن النبي # تفسير هذه الآية من حديث أبي هريرة، قال: ((يَحشُر اللهُ مع كلّ
امرئ عملَه، فيكون عملُ المؤمن معه في أحسن صورة وأطيبٍ ريح، فكلما كان رُغْبُ
أو خَوْفٌ قال له: لا تُرَعْ، فما أنت بالمُراد به، ولا أنت بالمَعْنيِّ به، فإذا كَثُرَ ذلك
عليه قال: فما أحسنك، فمن أنت؟! فيقول: أما تَعرفني، أنا عَمَلُكَ الصالح حملتَني
على ثِقَلي، فوالله لأحملنَّكَ ولأدفعنَّ عنك، فهي التي قال الله: ﴿وَيُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ
أَثَّقَواْ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوَّهُ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾))(٦).
(١) الكشاف ٤٠٦/٣ .
(٢) ١/ ٤٤١، والحديث أخرجه أحمد (٦٥٨٣) مطولاً من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما،
ومسلم (٩١) من حديث ابن مسعود ﴾ بلفظ: (( .. الكِبْر بَطَرُ الحقّ وغَمْطُ الناس)).
(٣) أخرجه أحمد (٦٦٧٧)، والترمذي (٢٤٩٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والكلام السالف من
إعراب القرآن للنحاس ١٩/٤.
(٤) قرأ بها يعقوب في رواية روح. النشر ٢٥٩/٢ .
(٥) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي: ((بمفازاتهم)) بالألف على الجمع، والباقون بغير ألف على التوحيد.
السبعة ص ٥٦٢ ، والتيسير ص ١٩٠ .
(٦) لم نقف عليه بهذا اللفظ، ونقله المصنف من إعراب القرآن للنحاس ١٩/٤.

٣٠٤
سورة الزمر: الآيات ٦٢ - ٦٤
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾ أي: حافظ وقائم به. وقد تقدَّم.
قوله تعالى: ﴿لَُّ مَقَالِيهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ واحدُها مِقْليد. وقيل: مِقْلاد، وأكثر ما
يُستعمل فيه إقليد. والمَقاليد المفاتيح؛ عن ابن عباس وغيره. وقال السُّدي: خزائن
السماوات والأرض (١). وقال غيره: خزائن السماوات المطر، وخزائن الأرض
النبات(٢). وفيه لغةٌ أخرى: أَقاليد، وعليها يكون واحدُها إقليد(٣).
قال الجوهري(٤): والإقليد المِفْتاح، والمِقْلَد مِفْتاحٌ كالمِنْجل، ربما يُقلد به
الكلأ كما يُقلد القَتُّ إذا جعل حِبالاً؛ أي: يُقتل، والجمع المَقاليد. وأقلدَ البحرُ على
خلقٍ كثير، أي: غرَّقهم، كأنه أُغلقَ عليهم.
وخرَّج البيهقي عن ابن عمر أن عثمانَ بن عفان سأل رسولَ الله # عن تفسیر
قوله تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِ﴾ فقال رسولُ الله ◌ِ﴾: ((ما سألني عنها أحدٌ؛
لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم، هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن، يُحيي ويُميت؛ بيده الخير
وهو على كل شيء قدير))(٥). ذكره الثعلبي في ((تفسيره))، وزاد: ((مَنْ قالها إذا أصبح
أو أَمسى عشرَ مرات أعطاه الله ستَّ خِصال: أولها: يُحرَس من إبليس، والثانية:
يحضره اثنا عشر ألف ملك، والثالثة: يُعطى قنطاراً من الأجر، والرابعة: تُرفع له
درجة، والخامسة: يُزوِّجه الله من الحور العين، والسادسة: يكون له من الأجر كمن
قرأ القرآنَ والتوراةَ والإنجيل والزَّبور، وله أيضاً من الأجر كمن حجَّ واعتمر فَقُبلت
(١) المحرر الوجيز ٥٣٩/٤، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٠/٤، وقولا ابن عباس رضي الله عنهما
والسدي أخرجهما الطبري ٢٤٢/٢٠ .
(٢) زاد المسير ٧/ ١٩٤.
(٣) تفسير الطبري ٢٠/ ٢٤٢ .
(٤) في الصحاح (قلد).
(٥) الأسماء والصفات للبيهقي (١٩)، وينظر التعليق التالي.

٣٠٥
سورة الزمر: الآيات ٦٣ - ٦٤
حجَّته وعُمرته، فإنْ مات من ليلته مات شهيداً)) (١).
وروى الحارث (٢) عن عليٍّ قال: سألتُ رسولَ الله ﴾ عن تفسير المقاليد فقال:
(يا عليّ، لقد سألتَ عن عظيم، المقاليد: هو أن تقول عشراً إذا أصبحت وعشراً إذا
أمسيت: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وأستغفر الله، ولا
قوّة إلا بالله الأوّلِ والآخرِ والظاهرِ والباطنِ، له الملك وله الحمد، بيده الخيرُ وهو
على كلِّ شيء قدير)) من قالها عشراً إذا أصبح وعشراً إذا أمسى أعطاه الله خِصالاً
ستّاً: أولها يَخْرُسه من الشيطان وجنودِه، فلا يكون لهم عليه سلطان، والثانية: يُعطى
قِنطاراً في الجنة هو أثقلُ في ميزانه من جبل أحد، والثالثة: تُرفع له درجة لا ينالها إلا
الأبرار، والرابعة: يُزوِّجه الله من الحور العين، والخامسة: يشهده اثنا عشرَ ألف
مَلَك يكتبونها له في رَقِّ منشور ويشهدون له بها يومَ القيامة، والسادسة: يكون له من
الأجر كأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وكمن حجَّ واعتمر فَقَبِلَ اللهُ
حِجَّته وعُمرتَه، وإنْ مات من يومه أو ليلته أو شهره طُبعَ بطابَع الشهداء.
وقيل: المقاليد الطاعة يقال: أَلقى إلى فلان بالمقاليد، أي: أَطاعه فيما يأمره؛
فمعنى الآية: له طاعةُ من في السماوات والأرض.
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُوا بَِايَتِ اللَّهِ﴾ أي: بالقرآن والحُجَج والدلالات.
﴿أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ تقدم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُوَّ أَعْبُدُ﴾ وذلك حين دعوا النبيَّ ﴾ إلى ما هم
عليه من عبادة الأصنام، وقالوا: هو دينُ آبائك.
(١) أخرجه بتمامه ابن الجوزي في الموضوعات ٩٦/١ - ٩٧ ، وقال: وهذا الحديث من الموضوعات
النادرة التي لا تليق بمنصب رسول الله ﴾، لأنه مُنزَّه عن الكلام الركيك والمعنى البعيد. قال الذهبي
في الميزان ٨٤/٤ - ٨٥ بعد أن أورد الحديث: هذا موضوع فيما أرى، وقال الحافظ ابن كثير في
تفسيره ٧/ ١١٢ : غريب، فيه نكارة شديدة، وفي صحته نظر.
(٢) هو الحارث بن عبد الله الهمداني الأعور، كذّبه الشعبي وابن المديني، وكان ابن سيرين يرى أن عامّة
ما يرويه عن عليه باطل. ميزان الاعتدال ٤٣٦/١ .

٣٠٦
سورة الزمر: الآيات ٦٤ - ٦٦
و(غير)) نصب بـ ((أَعْبُدُ)) على تقدير: أَعبدُ غيرَ اللهِ فيما تأمرونني. ويجوز أن
ينتصب بـ (تَأْمُرُونِّ)) على حَذْف حرف الجرّ؛ التقدير: أَتأمرونِّي بغير الله أن أَعبُدَه،
لأنّ أن مُقَّدرة، وأنْ والفعل مصدر، وهي بدل من غير؛ التقدير: أَتأمرونّي بعبادة
غير الله(١).
وقرأ نافع: (تَأْمُرُونِيّ)) بنون واحدة مخففَّة وفتح الياء. وقرأ ابن عامر: ((تَأْمُرُونَنِي))
بنونين مُخفَّفتين على الأصل. الباقون بنون واحدة مُشدَّدة على الإدغام(٢)، واختاره أبو
عُبيد وأبو حاتم؛ لأنها وقعت في مصحف عثمان بنون واحدة. وقرأ نافع على حذف
النون الثانية، وإنما كانت المحذوفة الثانية؛ لأن التكرير والتثقيل يقع بها، وأيضاً
حذفُ الأُولى لا يجوز؛ لأنها دلالةُ الرفع. وقد مضى في ((الأنعام)» بيانُه عند قوله
تعالى: ((أَتُحَاجُونِّي))(٣).
(أَعْبُدُ)) أي: أن أعبدَ، فلما حذف ((أن)) رفع؛ قاله الكسائي(٤). ومنه قول
الشاعر :
أَلَا أَيُّهَذا الزاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى(٥)
والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ: (أَعْبُدَ)) بالنصب.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴿ بَلِ اللَّهَ فَأَعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ
١٦
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوِْىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَيْنْ أَشْرَكْتَ﴾ قيل: إنَّ في الكلام
تقديماً وتأخيراً؛ والتقدير: لقد أُوحي إليك لئن أشركتَ، وأُوحي إلى الذين من قبلك
(١) مشكل إعراب القرآن ٦٣٢/٢.
(٢) السبعة ص ٥٦٣، والتيسير ص ١٩٠.
(٣) ٤٤٣/٨ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٠ .
(٥) قائله طرفة، وسلف بتمامه ١٨/١٤.

٣٠٧
سورة الزمر: الآيتان ٦٥ - ٦٦
كذلك. وقيل: هو على بابه (١)؛ قال مقاتل: أي: أُوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك
بالتوحيد، والتوحيد محذوف. ثم قال: ((لَئِنْ أَشْرَكْتَ)) يا محمد ﴿لَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وهو
خِطابٌ للنبي # خاصَّةً. وقيل: الخِطاب له والمُراد أُمته؛ إذْ قد عَلِمَ اللهُ أنه لا يُشرك،
ولا يقع منه إشراك. والإحباطُ الإبطالُ والفساد. قال القُشيري: فمن ارتدَّ لم تنفعه
طاعاته السابقة، ولكن إحباط الرِّدة العملَ مشروطٌ بالوفاة على الكُفر؛ ولهذا قال:
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]
فالمُطلق ها هنا محمولٌ على المُقيّد؛ ولهذا قلنا: مَن حَجَّ ثم ارتدَّ؛ ثم عاد إلى
الإسلام لا يجب عليه إعادةُ الحجّ.
قلت: هذا مذهب الشافعي. وعند مالك تجب عليه الإعادة، وقد مضى في
((البقرة)) بيانُ هذا مستوفى(٢).
قوله تعالى: ﴿بَلِ اَللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ النحاس(٣): في كتابي عن أبي إسحاق(٤) لفظ اسم
الله عز وجل منصوب بـ ((اعبُدْ)) قال: ولا اختلاف في هذا بين البصريين والكوفيين.
قال النحاس: وقال الفراء(٥) يكون منصوباً بإضمار فعل. وحكاه المهدوي عن
الكسائي. فأما الفاء، فقال الزجاج: إنها للمجازاة. وقال الأخفش: هي زائدة.
وقال ابن عباس: ((فاعْبُدْ)) أي: فوحِّد. وقال غيره: ((بَلِ اللهَ)) فَأَطِعْ ﴿وَكُنْ مِنَ
الشَّكِرِينَ﴾ لنعمه بخلاف المشركين(٦).
(١) المحرر الوجيز ٤/ ٥٤٠ بنحوه.
(٢) ٤٣٠/٣.
(٣) إعراب القرآن ٤/ ٢١ .
(٤) هو الزجاج، وقوله في معاني القرآن ٣٦١/٤ .
(٥) في معاني القرآن ٤٢٤/٢ .
(٦) تفسير أبي الليث ١٥٦/٣ بنحوه.

٣٠٨
سورة الزمر: الآيتان ٦٧ - ٦٨
قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَنُفِخَ فِى اُلُّورِ
وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بَِمِينِهِ، سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣٧)
فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ
قِيَامٌ يَنَظُرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِءٍ﴾ قال المبرد: ما عّموه حقَّ عَظَمته من
قولك: فلانٌ عظيم القدر. قال النحاس(١): والمعنى على هذا: وما عظّموه حقَّ
عَظَمته إذ(٢) عبدوا معه غيره، وهو خالقُ الأشياء ومالكها. ثم أخبر عن قُدرته
وعَظَمته، فقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّتْ بِسَمِنِهِ،﴾.
ثم نزّه نفسَه عن أن يكون ذلك بجارحة فقال: ﴿سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وفي الترمذي عن عبد الله قال: جاء يهودي إلى النبي ﴾، فقال: يا محمد، إنَّ الله
يُمسك السماوات على إصبع [والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع] والخلائق
على إصبع، ثم يقول: أنا الملك. فضحك النبي ﴿ حتى بدَتْ نواجِذُه، ثم قال: ((ومَا
قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)). قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(٣).
وفي البخاري ومسلم: عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللـه ◌َ﴾: ((يَقْبضُ اللهُ
الأرضَ يومَ القيامة ويطوي السماءَ بيمينه، ثم يقول: أنا المَلِكُ، أين مُلوكَ
الأرض)) (٤). وفي الترمذي: عن عائشة أنها سألت رسولَ الله ﴾ عن قوله: ﴿وَالْأَرْشُ
جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتٌ بِيَمِينِهِ،﴾ قالت: قلت: فأين الناسُ
يومئذ يا رسول الله؟ قال: ((على جِسْر جهنم)) في رواية ((على الصِّراطِ يا عائشة)) قال:
(١) في إعراب القرآن ٢١/٤ - ٢٢، وما قبله منه.
(٢) في (م): إذا، والمثبت موافق لإعراب القرآن للنحاس.
(٣) سنن الترمذي (٣٢٣٨)، وأخرجه أحمد (٤٠٨٧)، والبخاري (٧٤١٤)، وما بين حاصرتين من
المصادر.
٠٠٠
(٤) صحيح البخاري (٦٥١٩)، وصحيح مسلم (٢٧٨٧)، وأخرجه أحمد (٨٨٦٣).

٣٠٩
سورة الزمر: الآيتان ٦٧ - ٦٨
حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾، و((يَقْبِضُ اللهُ الأرضَ)) عبارة عن قُدرته
وإحاطته بجميع مخلوقاته(٢)؛ يقال: ما فلان إلا في قبضتي بمعنى: ما فلان إلا في
قُدرتي، والناس يقولون: الأشياء في قبضته، يريدون في مُلكه وقُدرته. وقد يكون
معنى القَبْض والّي إفناءَ الشيء وإذهابَه فقوله جلّ وعزّ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ﴾
يَحْتَمِلُ أن يكون المرادُ به: والأرض جميعاً ذاهبٌ فانيةٌ يومَ القيامة. والمراد بالأرض
الأَرَضون السَّبع؛ يشهد لذلك شاهدان: قوله: ((والأَرْضُ جميعاً))، ولأن الموضعَ
موضعُ تفخيم، فهو مُقتضٍ للمبالغة. وقوله: ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتٌ بِمِينِهِ،﴾ لیس یرید
به طّاً بعلاج وانتصاب، وإنما المرادُ بذلك الفَناء والذَّهاب؛ يقال: قد انطوى عنَّا ما كنا
فيه وجاءنا غيره. وانطوى عنّا دهرٌ بمعنى المُضِيّ والذهاب. واليمين في كلام العرب قد
تكون بمعنى القُدرة والمُلك؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلگتْ أَیْمَئُكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] یرید به
الملك؛ وقال ﴿لَأَخَذْنَ مِنْهُ بِلْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أي: بالقوّة والقُدرة، أي: لأخذنا قوتَه
وقُدرتَه. قال الفرّاء(٣) والمبرد: اليمين القوّة والقدرة. وأنشدا:
إِذا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ
ثَلَقَّاها عَرابةُ بِاليَمِينِ(٤)
قال آخر :
تناولتُ مِنها حاجتي بِيّمينٍ
ولمّا رَأَيْتُ الشَّمْسَ أَشْرَق نورُها
وكان على الآيات غيرَ أمينٍ
قتلتُ شُنَيْفاً ثم فارانَ بَعده
وإنما خصَّ يوم القيامة بالذِّكر وإن كانت قُدرته شاملةً لكل شيء أيضاً؛ لأن
(١) سنن الترمذي (٣٢٤١) و (٣٢٤٢)، وأخرجه أحمد (٢٤٨٥٦) و(٢٤٠٦٩).
(٢) الصواب إثبات صفة القبضة لله عز وجل من غير تشبيه ولا تأويل ولا تمثيل.
(٣) نقله المصنف عنه بواسطة البيهقي في الأسماء والصفات ١٥٩/٢ - ١٦٠، والكلام السالف منه.
(٤) قائله الشماخ بن ضرار، وسلف ٣٨/٦ .

٣١٠
سورة الزمر: الآيتان ٦٧ - ٦٨
الدعاوى تنقطع ذلك اليوم، كما قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِّلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] وقال:
﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ حسب ما تقدَّم في ((الفاتحة)) (١) ولذلك قال في الحديث: ((ثم
يقول: أنا الملكُ، أين ملوكُ الأرض)) وقد زدنا هذا الباب في ((التذكرة)) بياناً (٢)،
وتكلَّمنا على ذكر الشّمال في حديث ابن عمر قوله: ((ثم يطوي الأرضَ بشماله)) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى الضُّورِ فَصَعِقَ مَن ◌ِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ
ثُمَّ نُفِيخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ بَيَّن ما يكون بعد قبض الأرض وطيِّ السماء،
وهو النفخ في الصور، وإنما هما نفختان؛ يموت الخَلْق في الأُولى منهما ويحيون في
الثانية، وقد مضى الكلامُ في هذا في ((النمل)) و((الأنعام)) أيضاً(٤). والذي ينفخ في
الصور هو إسرافيلُ عليه السلام. وقد قيل: إنه يكون معه جبريلُ؛ لحديث أبي سعيد
الخُدري قال: قال رسولُ الله ﴾: ((إنَّ صاحِبَي الصور بأيديهما - أو في أيديهما -
قرنان يُلاحظان النَّظر متى يُؤْمران)) خرجه ابن ماجه في ((السنن))(٥).
وفي كتاب أبي داود: عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسولُ الله ◌ِ﴾ صاحبَ
الصُّور، وقال: ((عن يمينه جبرائيلُ وعن يساره ميكائيلٌ))(٦) .
واختلف في المُستثنى مَنْ هم. فقيل: هم الشهداء مُتقلّدين أسيافَهم حول العرش.
روي مرفوعاً من حديث أبي هريرة فيما ذكر القشيري(٧)، ومن حديث عبد الله بن
عمر فيما ذكر الثعلبي.
(١) ١/ ٢١٥ وما بعدها.
(٢) ص ١٩٠.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٨٨) وفيه: الأرضين، بدل: الأرض.
(٤) ٢٣٩/١٣ وما بعدها، ٤٣٠/٨ وما بعدها.
(٥) الحديث (٤٢٧٣)، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وعطية العوفي، وكلاهما ضعيف. تهذيب التهذيب
٣٥٦/١ و١١٤/٣.
(٦) سنن أبي داود (٣٩٩٩)، وأخرجه أحمد (١١٠٦٩)، وفي إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف كما ذكرنا
في التعليق السابق.
(٧) وأخرجه البيهقي في البعث والنشور (٦٧).

٣١١
سورة الزمر: الآية ٦٨
وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام. ورُوي من حديث
أنس أن النبي # تلا ﴿وَنُفِيخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَآءَ
اللّهُ﴾ فقالوا: يا نبيَّ الله، مَنْ هم الذين استثنى الله تعالى؟ قال: ((هم جبريلُ
وميكائيل وإسرافيلُ ومَلَك الموت، فيقول الله تعالى لمَلَك الموت: يا مَلَكَ الموت،
مَن بقي من خَلْقي، وهو أعلمُ فيقول: يا رب، بقي جبريلُ وميكائيل وإسرافيل وعبدُك
الضعيف مَلَكُ الموت، فيقول الله تعالى: خُذْ نَفْسَ إِسرافيلَ وميكائيلَ، فَيَخِرَّان ميتين
كالطَّوْدين العظيمين، فيقول: مُتْ يا مَلَك الموت، فيموت، فيقول الله تعالى
لجبريل: يا جبريل، مَن بقي، فيقول: تباركتَ وتعاليتَ يا ذا الجلال والإكرام،
وجهُك الباقي الدائم وجبريلُ الميتُ الفاني، فيقول الله تعالى: يا جبريل، لا بدَّ من
موتك فيقع ساجداً يخفقُ بجناحيه يقول: سبحانك ربي، تباركتَ وتعالیت یا ذا
الجلال والإكرام)) فقال النبي ﴾: ((إنَّ فَضْلَ خَلْقه على خَلْق ميكائيل كالطّد العظيم
على الظَّرِب من الظّراب)) ذكره الثعلبي(١). وذكره النحاس أيضاً من حديث محمد بن
إسحاق، عن يزيد الرَّقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبيِّ ﴿ في قوله جلّ وعزّ:
﴿فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَآءَ اللَّهُ﴾ قال: ((جبريلُ وميكائيلُ وحَمَلةُ
العرش ومَلَك الموت وإسرافيل))(٢).
وفي هذا الخبر (٣) أنَّ آخرَهم موتاً جبريل عليه وعليهم السلام، وحديث أبي
هريرة في الشهداء أصحُ على ما تقدَّم في ((النمل))(٤).
وقال الضحاك: هو رضوان والحور ومالك والزَّبانية. وقيل: عقاربُ أهل النار
وحيّاتُها.
-
(١) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٦٨) وسنده ضعيف فيما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٧١/١١.
والظَّرِب: الجبل الصغير. القاموس (ظرب).
(٢) معاني القرآن للنحاس ٦/ ١٩٣ - ١٩٤، وأخرجه الطبري ٢٥٤/٢٠ من طريق محمد بن إسحاق به
ويزيد الرَّقاشي ضعيف كما في تهذيب التهديب ٤/ ٤٠٣ .
(٣) في (م): الحديث.
(٤) ٢٤١/١٣ .

٣١٢
سورة الزمر: الآية ٦٨
وقال الحسن: هو اللهُ الواحد القهَّار وما يدعُ أحداً من أهل السماء والأرض إلا
أَذاقَه الموت(١). وقال قتادة: اللهُ أَعلمُ بِثُنْياه(٢).
وقيل: الاستثناء في قوله: ((إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ)) يرجع إلى مَنْ مات قبلَ النفخةِ
الأُولى؛ أي: فيموت مَن في السماوات والأرض إلا من سبق موتُه؛ لأنهم كانوا قد
ماتوا.
وفي ((الصحيحين)) وابن ماجه - واللفظ له - عن أبي هريرة قال: قال رجلٌ من
اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البَشر؛ فرفع رجلٌ من الأنصار يدَه
فَلَطمه؛ قال: تقولُ هذا وفينا رسولُ اللـه :﴾. فذكرت ذلك لرسول الله # فقال: ((قال
الله عز وجل: ﴿وَنُفِخَ فِى الُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ
تُفِيخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ﴾ فأكون أوَّلَ من رفع رأسَه، فإذا أنا بموسى آخذٌ
بقائمةٍ من قوائم العرش، فلا أدري أَرَفَعَ رأسَه قبلي أو كان ممن استثنى اللهُ؟ ومن
قال: أنا خيرٌ من يونس بن متّى فقد كذب))(٣) وخرَّجه الترمذي أيضاً وقال فيه: حديثٌ
حسنٌ صحيح (٤).
قال القشيري: ومَن حمل الاستثناءَ على موسى والشهداء فهؤلاءِ قد ماتوا غير
أنهم أحياءٌ عند الله. فيجوز أن تكون الصَّعقة بزوال العقل دون زوال الحياة، ويجوز
أن تكونَ بالموت، ولا يبعدُ أن يكونَ الموتُ والحياة، فكلُّ ذلك مما يُجوِّزه العقلُ،
والأمر في وقوعه موقوف على خبر صدق.
قلت: جاء في بعض طرق أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((لا تُخيِّروني
(١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٣٦/٥ مختصراً.
(٢) أخرجه الطبري ٢٥٨/٢٠ .
(٣) صحيح البخاري (٣٤١٤) و(٣٤١٥)، وصحيح مسلم (٢٣٧٣)، وسنن ابن ماجه (٤٢٧٤)، وأخرجه
أحمد (٩٨٢١).
(٤) سنن الترمذي (٣٢٤٥).

٣١٣
سورة الزمر: الآيات ٦٨ - ٧٠
على موسى، فإنَّ الناسَ يَضْعَقون، فأكونُ أوّلَ من يُفيق، فإذا موسى باطِشٌ بجانب
العرش، فلا أَدري أكان فيمن صَعِقَ فأفاق قبلي أَمْ كان ممن استثنى الله؟)) خرجه
مسلم (١). ونحوه عن أبي سعيد الخدري(٢)؛ والإفاقةُ إنما تكون عن غشيةٍ وزوالٍ
عقل، لا عن موت بردِّ الحياة. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ﴾ أي: فإذا الأمواتُ من أهل الأرض والسماء
أحياء بُعثوا من قبورهم، وأُعيدت إليهم أبدانهم وأرواحهم، فقاموا ينظرون ماذا
يُؤمرون. وقيل: قيامٌ على أرجلهم ينظرون إلى البعث الذي وُعدوا به. وقيل: هذا
النظر بمعنى الانتظار؛ أي: ينتظرون ما يفعل بهم.
وأجاز الكسائي قياماً بالنصب؛ كما تقول: خرجتُ فإذا زيدٌ جالساً(٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَيِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَمِْعََّ بِالنَّيْنَ
وَالشُّهَدَآِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢١) وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ إِشراقُها إضاءتها؛ يقال: أَشرقت
الشمسُ إذا أضاءتْ، وشَرَقت إذا طَلَعتْ. ومعنى: ((بِنُورِ رَبِّها)) بعدل ربِّها؛ قاله
الحسن(٤) وغيره. وقال الضحاك: بحكم ربِّها؛ والمعنى واحد؛ أي: أنارتْ وأضاءتْ
بعدل الله وقضائه بالحق بين عباده. والظّلم تُلُماتٌ والعدل نور.
وقيل: إن الله يخلقُ نوراً يومَ القيامة يُلبسه وجهَ الأرض فَتُشرق الأرضُ به.
وقال ابن عباس: النور المذكور ها هنا ليس من نور الشمس والقمر، بل هو نورٌ
(١) الحديث (٢٣٧٣): (١٦٠)، وهو في صحيح البخاري (٢٤١١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٩١٧)، ومسلم (٢٣٧٤).
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٢/٤ .
(٤) النكت والعيون ١٣٦/٥ .

٣١٤
سورة الزمر: الآيتان ٦٩ - ٧٠
يخلقه اللهُ فيضيء به الأرض. وروي أن الأرضَ يومئذ من فضة تُشرق بنور الله تعالى
حين يأتي لفصل القضاء. والمعنى: أنها أَشرقتْ بنورٍ خَلَقه الله تعالى، فأضاف النورَ
إليه على حدِّ إضافة المُلك إلى المالك. وقيل: إنه اليومُ الذي يقضي فيه بين خلقه؛
لأنه نهارٌ لا لیلَ معه.
وقرأ ابن عباس وعُبيد بن عُمير: ((وأُشْرِقَتِ الأَرْضُ)) على ما لم يُسَمَّ فاعله(١)،
وهي قراءة على التفسير.
وقد ضلَّ قومٌ ها هنا فتوهّموا أن الله عزّ وجلّ من جنس النور والضِّياء
المحسوس، وهو مُتعالٍ عن مُشابهةٍ(٢) المحسوسات، بل هو مُنوِّر السماوات
والأرض، فمنه كلُّ نور خلقاً وإنشاء.
وقال أبو جعفر النحاس(٣): وقوله عز وجل ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَيِّهَا﴾ يُبيّن
هذا الحديث المرفوع من طرق كثيرة صحاح: ((تنظرون إلى الله عزّ وجلّ لا تُضامون
في رؤيته))(٤) وهو يُروى على أربعة أوجه: لا تُضامُون، ولا تضارُون، ولا تضامُّون،
ولا تضارُّون؛ فمعنى ((لاتُضامُون)) لا يلحقكم ضَيْم كما يلحقكم في الدنيا في النظر
إلى الملوك. و((لا تُضارُون)) لا يلحقكم ضَيْر. و ((لا تَضامُّون)) لا ينضم بعضكم إلى
بعض ليسأله أن يُريه. و((لا تضارُّون)) لا يُخالف بعضكم بعضاً؛ يقال: ضارَّه مُضارَّة
وضِراراً، أي: خالفه.
(١) القراءات الشاذة ص ١٣٢، والمحتسب ٢٣٩/٢.
(٢) في النسخ الخطية: مباينة. وهو خطأ.
(٣) في معاني القرآن ٦/ ١٩٥ - ١٩٦.
(٤) أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣) من حديث جرير بن عبد الله ﴾ بلفظ: ((إنكم سترون ربكم
كما ترون القمر، لا تُضامون في رؤيته ... )) وسلف ٤/ ١٨٠. وأخرجه البخاري (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٣)
من حديث أبي سعيد الخدري ﴾ مطولاً وفيهما: (( .. ما تُضارّون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة
إلا كما تُضارّون في رؤية أحدهما .. )) يعني الشمس والقمر، وهو في مسند أحمد (١٩١٩٠) و(١١١٢١)
ينظر أحاديث الباب ثمة.

٣١٥
سورة الزمر: الآيات ٦٩ - ٧٢
قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ اٌلْكِتَبُ﴾ قال ابن عباس: يريد اللَّوح المحفوظ(١). وقال
قتادة: يُريد الكتب(٢) والصُّحف التي فيها أعمال بني آدم، فآخذٌ بيمينه وآخذٌ
بشماله(٣). ﴿وَمِّهَ بِالنَّبِنَ﴾ أي: جيء بهم فيسألهم عما أَجابتهم به أُممهم.
﴿وَالشُّهَدَآءِ﴾ الذين شَهِدوا على الأُمم من أُمة محمد﴾(٤)؛ كما قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقيل: المرادُ
بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يومَ القيامة لمن ذبَّ عن دين الله؛
قاله الشُّدي. وقال ابن زيد: هم الحَفَظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، قال
الله تعالى: ﴿وَحَمَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَابِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] فالسائق يسوقُها إلى الحساب
والشهيدُ يشهد عليها، وهو المَلَكُ المُوثَّل بالإنسان، على ما يأتي بيانُه في ((ق)).
﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِلْحَقِّ﴾ أي: بالصِّدق والعَدْل. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال سعيد بن جُبير: لا
ينقص من حسناتهم ولا يُزاد على سيئاتهم(٥). ﴿وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ من خير أو
شرِّ. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ في الدنيا، ولا حاجةَ به عزَّ وجلَّ إلى كتابٍ ولا شاهد،
ومع ذلك فتشهد الكُتب والشهود إلزاماً لِلحُجَّة.
قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىَ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ
أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَئُهَا أَلَمَّ بَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ
وَيُنْذِرُونَّكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ
قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَّرِينَ
قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ هذا بيانُ توفیة کلِّ نفس
(١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٤٢/٤ دون نسبة، وقال: وهذا شاذ، وليس فيه معنى التوعّد، وهو
مقصد الآية.
(٢) في (م): الكتاب.
(٣) النكت والعيون ١٣٦/٥، وزاد المسير ١٩٨/٧ بنحوه.
(٤) تفسير البغوي ٨٨/٤ وزاد المسير ١٩٨/٧ .
(٥) النكت والعيون ١٣٧/٥ .

٣١٦
سورة الزمر: الآيتان ٧١ - ٧٢
عملها، فيساقُ الكافر إلى النار والمؤمن إلى الجنة. والزُّمَر: الجماعاتُ، واحدتها
زُمْرة، كظُلْمة وغُرْفة. وقال الأخفش وأبو عبيدة (١): ((زُمَرا)) جماعاتٍ متفرقةً بعضها
إثر بعض. قال الشاعر:
وتَرَى النَّاسَ إلى مَنْزِلِ زُمَراً (٢) تَنْتَابُه بَعْدَ زُمَر
وقال آخر:
حتّى اخْزَأَلَّتْ زُمَرٌ بعد زُمَرْ (٣)
وقيل: دفعاً وزجراً بصوت كصوت المزمار(٤).
﴿حَتَّىَ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ جواب إذا، وهي سبعةُ أبواب. وقد مضى في
((الحجر))(٥).
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ واحدهم خازن، نحو سَدَنة وسادِن، يقولون لهم تقريعاً
وتوبيخاً: ﴿أَلَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ﴾ أي: الكُتب المُنزلة على
الأنبياء، ﴿وَيُذِرُونَكُمْ﴾ أي: يُخوِّفونكم ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَ﴾ أي: قد جاءتنا،
وهذا اعترافٌ منهم بقيام الحُجَّة عليهم، ﴿ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى اَلْكَفِرِينَ﴾
وهي قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
﴿قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ أي: يقال لهم: ادخلوا جهنم. وقد مضَى الكلامُ في
(١) مجاز القرآن ١٩١/٢، وقول الأخفش ذكره البغوي في تفسيره ٨٨/٤ .
(٢) في النسخ الخطية: زمرة، والمثبت من (م). والبيت لم نقف عليه.
(٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣/ ٤١٠، والسمين الحلبي في الدر المصون ٤٤٦/٩، وقوله:
احزألَّت، جاء في اللسان (حزل): احزألَّت الإبل، إذا اجتمعت ثم ارتفعت عن متن من الأرض في
ذهابها.
(٤) النكت والعيون ١٣٧/٥ .
(٥) ٢١٧/١٢ وما بعدها.

٣١٧
سورة الزمر: الآيات ٧٢ - ٧٥
أبوابها. قال وهب: تستقبلُهم الزَّبانية بمقامعَ من نار، فيدفعونهم بمقامعهم، فإنه ليقع
في الدَّفعة الواحدة إلى النار بعدد ربيعةً ومُضَر ﴿فَتْسَ مَثْوَى الْمُتَكِينَ﴾ تقدَّم بيانُهُ(١).
قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلىَ الْجَنَّةِ زُمَرًّاً حَتَّىَ إِذَا جَاءُوهَا
وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَمُّ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَدْخُلُوهَا خَلِينَ (٣)
وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَقَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ
وتَرَى الْمَلَبِكَةَ حَافِيْنَ مِنْ حَوّلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ
نَشَاءٍ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ (@
٧٥
بِحَمْدٍ رَبِهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ يعني من الشهداء والزُّهَّاد
والعلماء والقُرَّاء وغيرهم، ممن اتَّقى الله تعالى وعَمِلَ بطاعته. وقال في حقٌّ
الفريقين: ((وَسِيق)) بلفظ واحد، فسوقُ أهل النار طَرُدُهم إليها بالخِزْي والهَوان، كما
يُفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سِيقوا إلى حَبْس أو قتل، وسَوْقُ أهل
الجِنان سوقُ مراكبهم إلى دار الكرامة والرِّضوان؛ لأنه لا يُذهب بهم إلا راكبين كما
يُفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السَّوقين.
﴿حََّ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ قيل: الواو ها هنا للعطف عطف على جملة،
والجواب محذوف. قال المبرد: أي: سعدوا وفُتحت، وحذفُ الجواب بلیغٌ في كلام
العرب. وأنشد:
فلو أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعةٌ ولكنّها نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسا(٢)
فحذف جواب لو، والتقدير: لكان أروح.
وقال الزجاج(٣): ((حتى إِذا جاءُوها)) دخلوها، وهو قريبٌ من الأول. وقيل:
(١) ٣١٧/١٢ .
(٢) قائله امرؤ القيس، وسلف ٧١/١٢، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٢٢/٤ - ٢٣.
(٣) في معاني القرآن ٤/ ٣٦٤ .

٣١٨
سورة الزمر: الآيات ٧٣ - ٧٥
(١)
.
الواو زائدة. قاله الكوفيون، وهو خطأ عند البصريين
وقد قيل: إن زيادةَ الواو دليلٌ على أن الأبوابَ فُتحت لهم قبلَ أن يأتوا، لكرامتهم
على الله تعالى، والتقدير: حتى إذا جاءوها وأبوابُها مفتحة، بدليل قوله: ﴿َّتِ عَدْنٍ
تُفَتَّحَةٌ لَمُ الْأَنْوَبُ﴾ وحذف الواو في قصة أهل النار؛ لأنهم وقفوا على النار وفُتحت
بعد وقوفهم إذلالاً وترويعاً لهم. ذكره المهدوي، وحكى معناه النحاس قبلَه. قال
النحاس(٢): فأما الحِكمة في إثبات الواو في الثاني وحَذْفِها من الأول، فقد تكلّم فيه
بعضُ أهل العلم بقول لا أعلمُ أنه سبقه إليه أحد، وهو أنه لما قال الله عزّ وجلّ في
أهل النار ﴿حَتَّىَ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ دلَّ بهذا على أنها كانت مغلقةً، ولما قال
في أهل الجنة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ دلَّ بهذا على أنها كانت مُفتحةً قبل
أن يجيئوها؛ والله أعلم.
وقيل: إنها واو الثمانية. وذلك من عادة قريش أنهم يَعُدُّون من الواحد فيقولون:
خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، فإذا بلغوا السبعة قالوا: وثمانية. قاله أبو بكر بن
عياش(٣).
قال الله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَّالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقال:
﴿الََِّّبُونَ الْعَبِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] ثم قال في الثامن: ﴿ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وقال:
﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] وقال ﴿ثَيِّبَتٍ وَأَتْكَارًا﴾ [التحريم: ٥] وقد مضى
القول في هذا في ((براءة)) مستوفى، وفي ((الكهف)) أيضاً (٤).
قلت: وقد استدلَّ بهذا مَن قال: إن أبواب الجنة ثمانية؛ وذكروا حديثَ عمر بن
الخطاب، قال: قال رسولُ اللـه ◌َ﴾: ((ما منكم مِن أحدٍ يتوضأْ فَيُبْلِغُ - أو فَيُسْبِغ -
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٢.
(٢) في إعراب القرآن ٢٣/٤ .
(٣) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ٢٠٠، ونسبه للثعلبي.
(٤) ١٠ /٣٩٧ و٢٤٦/١٣.

٣١٩
سورة الزمر: الآيات ٧٣ - ٧٥
الوضوء، ثم قال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا فُتحت له
أبوابُ الجنة الثمانية يدخلُ من أيِّها شاء)» خرَّجه مسلم وغيره(١). وقد خرج الترمذي
حديثَ عمر هذا وقال فيه: ((فُتِحَ له من أبواب الجنة ثمانيةُ أبواب يومَ القيامة))(٢)
بزيادة ((مِن))، وهو يدلُّ على أن أبوابَ الجنة أكثرُ من ثمانية. وقد ذكرنا ذلك في كتاب
((التذكرة))(٣) وانتهى عددُها إلى ثلاثةَ عشرَ باباً، وذكرنا هناك عِظَم أبوابها وسَعتها
حَسَبَ ما ورد في الحديث من ذلك، فمن أراده وَقَفَ عليه هناك.
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا﴾ قيل: الواو مُلغاة تقديره: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها
((قال لهم خَزَنَتُّها))(٤).
﴿َسَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ أي: في الدنيا. قال مجاهد: بطاعة الله. وقيل: بالعمل
الصالح. حكاه النقاش، والمعنى واحد(٥). وقال مقاتل: إذا قطعوا جسرَ جهنم حُبِسوا
على قنطرة بين الجنة والنار، فَيُقَصّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا،
حتى إذا هُذِّبوا وطُيِّبوا قال لهم رضوان وأصحابه: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾، بمعنى التحية
وَطِبْتُمْ فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ﴾(٦).
قلت: خرج البخاري حديثَ القنطرة هذا في ((جامعه)) من حديث أبي سعيد
الخُدري قال: قال رسولُ الله ﴾: ((يَخْلُص المؤمنون من النار فَيُحبَسون على قنطرة
بين الجنة والنار، فَيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا
هُذِّبوا ونُقُوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى
(١) صحيح مسلم (٢٣٤)، وأخرجه أحمد (١٧٣١٤).
(٢) سنن الترمذي (٥٥) والمثبت في مطبوعه مثل رواية مسلم السالفة، وذكر محققو سنن الترمذي أنه في
أكثر النسخ: ثمانية أبواب من الجنة.
(٣) ص٤٥٥ وما بعدها.
(٤) تفسير البغوي ٨٩/٤ .
(٥) النكت والعيون ١٣٨/٥.
(٦) ذكره البغوي في تفسيره ٨٩/٤ بنحوه ونسبه لقتادة.

٣٢٠
سورة الزمر: الآيات ٧٣ - ٧٥
بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا))(١).
وحكى النقَّاش: إنَّ على باب الجنة شجرةً ينبع من ساقها عينان، يشرب
المؤمنون من أحداهما فتطهر أجوافُهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا
طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] ثم يغتسلون من الأخرى فتطيبُ أبشارهم، فعندها يقول لهم
خزنتُها: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ ◌ِبْتُمْ فَدْخُلُوهَا خَلِينَ﴾ وهذا يُروى معناه عن عليٍّ ﴾(٢).
﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ أي: إذا دخلوا الجنة قالوا هذا،
﴿وَثَنَاَ اَلْأَرْضَ﴾ أي: أرض الجنة. قيل: إنهم وَرِثوا الأرضَ التي كانت تكون لأهل
النار لو كانوا مؤمنين؛ قاله أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسُّدي وأكثرُ المفسرين
وقيل: إنها أرضُ الدنيا على التقديم والتأخير(٣) ..
قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ قيل: هو من قولهم، أي: نعم الثوابُ هذا.
وقيل: هو مِن قول الله تعالى؛ أي: نعم ثواب المُحسنين هذا الذي أَعطيتُهم (٤).
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَبِكَةَ﴾ يا محمد ﴿َفِينَ﴾ أي: مُحدِقين ﴿مِنْ حَوْلٍ
اُلْعَشِ﴾ في ذلك اليوم ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَيْهِمْ﴾ مُتلذِّذين بذلك لا مُتعبدين به؛ أي:
يُصلّون حولَ العرش شُكراً لربهم. والحاقُّون أُخِذَ من حافَّات الشيء ونواحيه. قال
الأخفش: واحدُهم حافٍّ. وقال الفرَّاء: لا واحدَ له إذْ لا يقع لهم الاسم إلا
مجتمعین(٥).
ودخلت ((مِن)) على ((حَوْل)) لأنه ظرف، والفعل يتعدّى إلى الظرف بحرف وبغير
(١) صحيح البخاري (٦٥٣٥)، وأخرجه أحمد (١١٠٩٥).
(٢) أخرجه الطبري ٢٦٦/٢٠ - ٢٦٧ عن علي ، وذكره الماوردي في النكت والعيون ١٣٨/٥ عن
مقاتل.
(٣) النكت والعيون ٢٨٧/٥، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٣/٤.
(٤) ذكره الرازي في تفسيره ٢٧/ ٢٣ عن مقاتل.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٣/٤ .