Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سورة ص : الآيات ٨٤ - ٨٨ والكسائي. وقرأ ابن عباس ومجاهد وعاصم والأعمش وحمزة برفع الأول(١). وأجاز الغرّاء(٢) فيه الخفض(٣). ولا اختلاف في الثاني في أنه منصوبٌ بـ((أقول)) ونُصِبَ الأوّل على الإغراء، أي: فاتَّبِعوا الحقَّ، واستمعوا الحق، والثاني: بإيقاع القول عليه. وقيل: هو بمعنى أُحِقُّ الحَقَّ، أي: أفعله (٤). قال أبو علي(٥): الحقّ الأوّل منصوبٌ بفعل مضمر، أي: يُحِقُّ اللهُ الحقَّ، أو على القسم وحُذف حرف الجر كما تقول: اللهِ لأفعلنَّ، ومجازه: قال: فبالحقِّ، وهو الله تعالى أقسم بنفسه. و((الحَقَّ أَقُولُ)) جملة اعترضت بين القسم والمُقسم عليه، وهو توكيد القصة، وإذا جعل الحقّ منصوباً بإضمار فعل كان ((لأملانّ)) على إرادة القسم. وقد أجاز الفرّاء(٦) وأبو عُبيد أن يكون الحق منصوباً بمعنى حقّاً (لَأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ)) وذلك عند جماعة من النحويين خطأ؛ لا يجوز: زيداً لأضربنّ؛ لأن ما بعد اللام مقطوعٌ مما قبلها فلا يعمل فيه. والتقدير على قولهما: لأملانَّ جهنم حقًّا. ومن رفع (الحقّ)) رفعه بالابتداء؛ أي: فأنا الحقُّ، أو الحقُّ مني. رُويا جميعاً عن مجاهد. ويجوز أن يكون التقدير: هذا الحقُّ. وقول ثالث على مذهب سيبويه والفراء أن معنى: فالحقّ لأملأن جهنم بمعنى: فالحق أن أملأ جهنم. وفي الخفض قولان - وهي قراءة ابن السَّمَيْفَع وطلحة بن مُصَرِّف -: أحدهما أنه (١) السبعة ص ٥٥٧، والتيسير ص١٨٨، والنشر ٣٦٢/٢، وقراءة الأعمش وابن عباس رضي الله عنهما في القراءات الشاذة ص ١٣٠ . (٢) في معاني القرآن ٤١٣/٢ بنحوه، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٤٧٤ ، وما قبله منه. (٣) ذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٣٠ أن عيسى بن عمر قرأ: فالحقِّ والحقِّ، بالجر فيهما. قال ابن خالويه: الصواب أن يخفض الثانية، لأن القسم يكون بالواو ولا يكون بالفاء. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٧٤. (٥) في الحجة ٦/ ٨٧-٨٨. (٦) في معاني القرآن ٤١٣/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٧٤/٣، والكلام منه. ٢٤٢ سورة ص : الآيات ٨٤ - ٨٨ على حذف حرف القسم. هذا قول الفراء قال: كما يقول: اللهِ لأفعلنّ. وقد أجاز مثل هذا سيبويه وغلطه فيه أبو العباس ولم يُجز الخفض؛ لأن حروف الخفض لا تُضمر، والقول الآخر: أن تكون الفاء بدلاً من واو القسم؛ كما أنشدوا: فَمِثْلِكِ حُبْلَى قد طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ (١) ﴿ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ أي: من نَفْسِكَ وذُريَّتك ﴿وَمِتَنْ تَبِعَكَ﴾ من بني آدم ﴿أَجْمَعِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: من جُعْل على تبليغ الوحي، وكنَى به عن غير مذكور. وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿أَمُنِزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيِنِناً﴾ [ص: ٨]. ﴿وَمَا أَنَأْ مِنَ الْتَكْلِّفِينَ﴾ أي: لا أتكلَّف ولا أتخرَّص ما لم أُؤمر به. وروى مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: من سُئل عما لم يعلم فليقل: لا أعلم، ولا يتكلَّف؛ فإن قوله: لا أعلم عِلمُ، وقد قال الله عز وجل لنبيّه ◌ِ﴾: ﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الَّْكَلِفِينَ﴾(٢). وعن رسول الله ﴾: ((لِلْمُتَكلِّفِ ثلاثُ علامات: يُنازِعِ مَن فوقَه، ويَتَعَاطى ما لا يُنال، ويقولُ ما لا يَعلم))(٣). (١) الكلام في إعراب القرآن للنحاس ٤٧٤/٣، والبيت لامرئ القيس، وهو من معلقته ينظر شرح القصائد السبع للنحاس ١٢/١، وعجزه: فألهيتُها عن ذي تمائم مُحْوِل. ورواية الديوان ص١٢ : ومرضعاً، وهي كذلك في (د) و(ز) و(ظ)، بدل: ومرضع. ومُغيّل، بدل: مُحْوِل. والمُغيّل: المُرضّع وأمه حبلى. والمُحْوِل: الذي أتى عليه الحول، وينظر تحصيل عين الذهب للأعلم ص٢٩٩ . قال النحاس في شرح القصائد السبع: وخفض ((فمثلِك)) على معنى: رُبَّ مثلِك، والعربُ تبدل من ((رُبَّ)» الواو، وتُبدل من الواو الفاء لاشتراكهما في العطف. (٢) بنحوه ضمن حديث طويل أخرجه أحمد (٤١٠٤)، والبخاري (٤٨٢٢)، ومسلم (٢٧٩٨)، ونقله المصنف عن النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٤٧٤ . (٣) أخرجه الثعلبي. فيما ذكره الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٤٢ . من طريق محمد بن عون ... وذكر إسناده إلى سلمة بن نفيل ه مرفوعاً. ومحمد بن عون، قال النسائي: متروك، وقال البخاري: منكر الحديث. الميزان ٦٧٦/٣، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٤٧/٤ من قول وهب بن منبه، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٠٦٤) من قول أرطاة بن المنذر. ٢٤٣ سورة ص : الآيات ٨٦ - ٨٨ وروى الدَّارَقُطْني من حديث نافع عن ابن عمر قال: خرج رسولُ اللـه ﴾ في بعض أسفاره، فسار ليلاً فمروا على رجل جالس عند مَقْرَاة له، فقال له عمر: یا صاحب المَقْرَاة، أَوَ لَغت السِّباع الليلة في مَقْرَاتك؟ فقال له النبي#: ((يا صاحبَ المَقْرَاة، لا تُخبره، هذا مُتكلِّف، لها ما حملتْ في بطونها، ولنا ما بقي شرابٌ وطَهُور))(١). وفي ((الموطأ)» عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وَردوا حوضاً، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض، هل تَرِدُ حوضَك السِّباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض، لا تُخبرنا، فإنا نَرِدُ على السِّباعِ وتَرِدُ علينا (٢). وقد مضى القول في المياه في سورة ((الفرقان))(٣). ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ يعني القرآن ﴿لِلْعَلَمِينَ﴾ من الجن والإنس. ﴿وَلَعَلَمُنَّ نَّمُ بَعْدَ حِينٍ﴾ أي: نبأ الذِّكر - وهو القرآن - أنه حقٌّ ((بعد حِين)) قال قتادة: بعد الموت (٤). وقاله الزجاج(٥). وقال ابن عباس وعكرمة وابن زيد: يعني يوم القيامة(٦) . وقال الفراء(٧): بعد الموت وقبله. أي: لتظهر لكم حقيقةُ ما أقول: ((بعدَ حِين)) أي: في المستأنف، أي: إذا أخذتكم سيوفُ المسلمين. قال السُّدي: وذلك يومَ بدر. وكان الحسن يقول: يابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين(٨). (١) سنن الدار قطني (٣٤). والمقراة: الحوض الذي يجتمع فيه الماء. النهاية (قري). (٢) الموطأ ٢٣/١-٢٤ . (٣) ٤٥/١٣ . (٤) أخرجه الطبري ٢٠/ ١٥١ . (٥) في معاني القرآن ٣٤٢/٤ . (٦) أخرجه الطبري ١٥٢/٢٠ عن ابن زید. (٧) في معاني القرآن ٢/ ٤١٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٧٤/٣. (٨) النكت والعيون ١١٢/٥، وقول الحسن في تفسير الطبري ١٥١/٢٠. ٢٤٤ سورة ص : الآية ٨٨ وسُئل عكرمة عمن حلف: لَيصنعنَّ كذا إلى حين. قال: إنَّ من الحين ما لا تُدركه كقوله تعالى: ﴿وَلَنَعَلَمُنَّ نَّمُ بَعْدَ حِينٍ﴾ ومنه ما تُدركه؛ كقوله تعالى: ﴿تُؤْقِ أُكُلَهَا كُلَّ حِيمٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ من صِرام النخل إلى طُلوعه ستة أشهر. وقد مضى القولُ في هذا في ((البقرة)) و((إبراهيم)) (١) والحمد لله. (١) ٤٧٧/١ و١٣٥/١٢، وقول عكرمة سلف ١٣٦/١٢. سورة الزُّمَر ويقال: سورة الغرف. قال وهب بن مُنبِّه: مَن أحبّ أن يعرف قضاء الله عز وجل في خَلْقه فَلْيقرأ سورة الغرف(١). وهي مكيةٌ في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد. وقال ابن عباس: إلا آيتين نزلتا بالمدينة؛ إحداهما: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الآية: ٢٣] والأُخرى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَشْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [٥٣]. وقال آخرون: إلا سبعَ آيات؛ من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ إلى آخر سبع آيات نزلت في وحشيٍّ وأصحابه على ما يأتي(٢). روى الترمذي عن عائشة قالت: كان رسولُ الله ﴾ لا ينام حتى يقرأ ((الزمر)» وبني إسرائيل(٣). وهي خمسٌ وسبعون آية (٤). وقيل: اثنتان وسبعون آية(٥). - الرَّحِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَزِ ) إِنَّا أَنزَلْنَآَ إِلَيْكَ قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَأَعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الذِينَ ﴿ أَلَاَ لِلَّهِ الذِينُ الْخَالِصَُّ وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِّ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبٌ كَفَّارُ @) لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَأَصْطَفَى مَِّا يَخْلُقُ مَا يَشَدَءُ سُبْحَنَةٌ هُوَ اَللَّهُ اٌلْوَحِدُ الْقَهَارُ قوله تعالى: ﴿عَزِيلُ الْكِتَبِ﴾ رفع بالابتداء وخبره ﴿مِّنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. (١) معاني القرآن للنحاس ٦/ ١٤٧. (٢) النكت والعيون ١١٣/٥، وينظر زاد المسير ١٦٠/٧ . (٣) سنن الترمذي (٣٤٠٥). (٤) تفسير البغوي ٤/ ٧١ . (٥) ذكره السيوطي في الإتقان ١/ ٢١٤ . ٢٤٦ سورة الزمر: الآيات ١ - ٤ ويجوز أن يكون مرفوعاً بمعنى: هذا تنزيلُ، قاله الفراء (١). وأجاز الكسائي والفراء أيضاً ((تَنْزِيلَ)) بالنصب على أنه مفعول به(٢). قال الكسائي: أي: اتَّبِعوا واقرؤوا ((تنزِيلَ الكتاب)). وقال الفراء: هو على الإغراء، مثل قوله: ﴿كِتَبَ اللَِّ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: الزموا(٣). والكتاب القرآن سُمِّي بذلك لأنه مكتوب. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِآلْحَقِّ﴾ أي: هذا تنزيلُ الكتاب من الله، وقد أنزلناه بالحقّ؛ أي: بالصّدق، ولیس بباطل وهزل. ﴿فَعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ فيه مسألتان: الأولى: ((مُخْلِصاً)) نصب على الحال، أي: مُوحِّداً لا تُشرك به شيئاً ﴿لَهُ الّذِينُّ﴾ أي: الطاعة. وقيل: العبادة(٤). وهو مفعول به. ﴿أَلَا لِلَِّ الذِينُ الْخَالِصُْ﴾ أي: الذي لا يَشوبه شيء. وفي حديث الحسن عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسولَ الله، إني أَتصدَّق بالشيء، وأصنع الشيء أُريد به وجهَ الله وثَناءَ الناس. فقال رسولُ الله﴾: ((والذي نفسُ محمد بيده، لا يقبلُ اللهُ شيئاً شُورك فيه)) ثم تلا رسولُ اللـه ﴿ ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصَُّ﴾(٥). وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة)) و((النساء)) و((الكهف)) مستوفىَ (٦). الثانية: قال ابن العربي (٧): هذه الآيةُ دليلٌ على وجوب النية الخالصة(٨) في كل عمل، وأعظمُه الوضوء الذي هو شَطْر الإيمان، خلافاً لأبي حنيفة والوليد بن مسلم (١) في معاني القرآن ٤١٤/٢ . (٢) قرأ بها عيسى بن عمر وإبراهيم بن أبي عبلة، كما في القراءات الشاذة ص ١٣١. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣/٤. (٤) النكت والعيون ١١٤/٥ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤/٤، والحديث لم نقف عليه. (٦) ٣٢٣/٤ - ٣٢٤ و٢٩٧/٦ وما بعدها و٣٩٨/١٣ وما بعدها. (٧) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٤٤ . (٨) قوله: الخالصة، ليس في (م) ولا في أحكام القرآن. ٢٤٧ سورة الزمر: الآيات ٣ - ٤ عن مالك اللَّذَيْن يقولان: إن الوضوء يكفي من غير نية، وما كان ليكون من الإيمان شطراً، ولا لِيُخرِجَ الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مِنْ دُونِ أَوْلِيَآءَ﴾ يعني الأصنام، والخبر محذوف. أي: قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِيُنَآ إِلَى الَّهِ زُلْفَ﴾(١) قال قتادة: كانوا إذا قيل لهم: مَن ربُّكم وخالقُكم؟ ومَن خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماءً؟ قالوا: الله، فيقال لهم: ما معنى عبادتكم الأصنامَ؟ قالوا: ليُقرِّبونا إلى الله زُلفى، ويشفعوا لنا عنده(٢). قال الكلبي: جواب هذا الكلام في ((الأحقاف)): ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا ءَإِمَةٌ﴾ [الآية: ٢٨] والزُّلفى القُربة؛ أي: لِيقرِّبونا إليه تقريباً، فوضع (زُلْفَى)) في موضع المصدر(٣). وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد: ((والذين اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءً قالوا ما نَعْبُدُهم إِلَّا لِيقرِّبونا إِلى الله زُلْفَى)) وفي حرف أُبَيّ: ((والذين اتَّخَذُوا مِنْ دُونه أَوْلِياء ما نَعْبُدُكُمْ إِلَّا لِتُقَرِّبُونا إِلى اللهِ زُلْفَى)) ذكره النحاس(٤). قال: والحكاية في هذا بيِّنة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين أهل الأديان يومَ القيامة فَيُجازي كلّ بما يستحقّ(٥). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبٌ كَفَّارٌ﴾ أي: مَنْ سبق له القضاء بالكُفر لم يهتدِ؛ أي: للدِّين الذي ارتضاه، وهو دين الإسلام؛ كما قال الله تعالی: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وفي هذا ردٌّ على القدرية وغيرهم على ما تقدَّم. قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاَضْطَفَى مِنَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: لو أراد (١) إعراب القرآن للنحاس ٤/٤، والمحرر الوجيز ٥١٨/٤ . (٢) تفسير البغوي ٤/ ٧١ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤ . (٤) في معاني القرآن ٦/ ١٥٠ - ١٥١، وذكر القراءتين ابن عطية في المحرر الوجيز ٥١٨/٤. (٥) زاد المسير ٧/ ١٦٢ . ٢٤٨ سورة الزمر: الآيات ٤ -٦ أن يُسمِّيَ أحداً من خَلْقه بهذا ما جعله عزَّ وجلَّ إليهم. ﴿سُبْحَنَهُ﴾ أي: تنزيهاً له عن (١) الولد ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ﴾. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اَلَيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى أَلَيْلِّ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْفَمَرِّ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُتَّىُّ أَلَا خَلَقَكُ مِن نَّفْسِ وَنِحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَّلَ لَكُمْ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَُّ مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَّةَ أَزْوَجِ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقَا مِنُ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ◌ُظُلُمَتٍ ثَلَثَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَّ إِلَهَ إلَّا هُوٌّ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضَ بِآلْحَقِّ﴾ أي: هو القادرُ على الكمال، المُستغني عن الصاحبة والولد، ومَن كان هكذا فحقُّه أن يُفرَدَ بالعبادة، لا أنه يُشرَكُ به. ونَّه بهذا على أن له أن يَتعبَّد العباد بما شاء، وقد فعل. قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّلِّ﴾ قال الضحاك: أي: يُلقي هذا على هذا وهذا على هذا. وهذا على معنى التكوير في اللغة (٢)، وهو طرح الشيء بعضه على بعض؛ يقال: كوَّر المتاع، أي: ألقى بعضه على بعض؛ ومنه كَوْر العِمامة(٣). وقد رُوي عن ابن عباس [غير] هذا في معنى الآية. قال: ما نقصَ من الليل دخلَ في النهار، وما نقصَ من النهار دخلَ في الليل(٤). وهو معنى قوله تعالى: ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّلِ﴾ [الحج: ٦١]. وقيل: تكوير الليل على النهار: تَغْشيته إيّاه حتى يُذهِبَ ضوءَه، ويُغشي النهار (١) في النسخ الخطية وإعراب القرآن للنحاس (والكلام منه) ٤/٤: من، والمثبت من (م). (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤. (٣) زاد المسير ١٦٣/٧. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤/٤، وما بين حاصرتين منه. ٢٤٩ سورة الزمر: الآيتان ٥ -٦ على الليل فَيُذهب ظُلمته، وهذا قول قتادة(١). وهو معنى قوله تعالى: ﴿يُغْشِى أَلَّيْلَ التَّهَارَ يَطْلُبُمُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]. ﴿وَسَخَرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَّرَّ﴾ أي: بالطُّلوع والغُروب لمنافع العباد. ﴿كُلُّ يَجْرِى ◌ِّحَلٍ تُنَّىُ﴾ أي: في فَلَكه إلى أن تنصرمَ الدنيا، وهو يوم القيامة حتى(٢) تنفطر السماء وتنتثر الكواكب. وقيل: الأجلُ المسمى هو الوقتُ الذي ينتهي فيه سَيْرُ الشمس والقمر إلى المنازل المرتبة لِغُروبها وطُلوعها. قال الكلبي: يسيران إلى أقصى منازلهما، ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما لا يُجاوزانه. وقد تقدَّم بيانُ هذا في سورة ((يَس))(٣). ﴿َلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْفَفَّرُ﴾ ((ألا)) تنبيه، أي: تنَّهوا، فإني أنا ((العزيزُ)) الغالب ((الغفَّارُ)) الساتر لذنوب خلقه برحمته. قوله تعالى: ﴿فَلَقَّكُم مِّنْ نَّفْسٍ وَجِدَةٍ﴾ يعني آدَمَ عليه السلام ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني: لِيحصل التناسلُ، وقد مضى هذا في ((الأعراف)) (٤) وغيرها. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ الْأَنَْمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِ﴾ أَخبر عن الأزواج بالنُّزول، لأنها تكوَّنت بالنبات، والنبات بالماء المُنزَل. وهذا يُسمَّى التدريج(٥)؛ ومثله قوله تعالى: ﴿قَدْ أَلْنَا عَلَيْكُ لِيَاسًا﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]. وقيل: أنزل: أنشأ وجعل. وقال سعيد بن جُبير: خَلَق. وقيل: إنَّ الله تعالى خَلَق هذه الأنعامَ في الجنة، ثم أنزلها إلى الأرض(٦)؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فإنَّ آدَمَ لما هبطً إلى الأرض أُنزل معه الحديد. وقيل: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ﴾ أي: أعطاكم. وقيل: جعل الخلق (١) النكت والعيون ١١٥/٥، وأخرجه الطبري ١٦٠/٢٠ بنحوه. (٢) كذا في النسخ: حتى، وفي هامش (ز): لعلّه حين. قلنا: هو أوجه. (٣) ١٧/ ٤٥٠ وما بعدها، وسلف قول الكلبي ١٧ / ٤٤٤ . (٤) ٤٠٨/٩ . (٥) المحرر الوجيز ٥٢٠/٤ . (٦) النكت والعيون ١١٥/٥. ٢٥٠ سورة الزمر: الآية ٦ إنزالاً؛ لأن الخَلْق إنما يكون بأمر ينزل من السماء. فالمعنى: خلقَ لكم كذا بأمره النازل(١). قال قتادة: من الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضَّأْن اثنين، ومن المَعْز اثنين، كل واحد زوج(٢). وقد تقدّم هذا(٣). ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِنُ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ قال قتادة والسّدّي: نُطفةً، ثم علقةً، ثم مُضْغةً، ثم عظماً، ثم لحماً. ابن زيد: ﴿خَلْقَّا مِنُ بَعْدٍ خَلْقٍ﴾: خلقاً في بطون أمهاتِكم من بعد خَلْقكم في ظهر آدم. وقيل: في ظهر الأب، ثم خلقاً في بطن الأمّ، ثم خلقاً بعد الوضع. ذكره الماوردي(٤). ﴿فِي ◌ُظْلُمَتِ ثَلَثٍ﴾ ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشِیمة. قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك(٥). وقال ابن جُبير: ظُلمة المَشيمَة وظُلمة الرَّحِم وظلمة الليل(٦). والقول الأول أصح. وقيل: ظلمة صُلْب الرجل وظُلمة بطن المرأة وظُلمة الرَّحِم. وهذا مذهب أبي عُبيدة(٧). أي: لا تمنعه الظُّلمة كما تمنع المخلوقين(٨). ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أي: الذي خلق هذه الأشياء ﴿رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَآ إَهَ إِلَّا هُوَّ﴾، ﴿فَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: كيف تنقلبون وتنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره(٩). وقرأ حمزة: ((إِمِّهَاتِكُمْ)) بكسر الهمزة والميم. والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم. الباقون بضم الهمزة وفتح الميم(١٠). (١) المحرر الوجيز ٤/ ٥٢٠ بنحوه. (٢) أخرجه الطبري ٢٠/ ١٦٣. (٣) ٧٦/٩ . (٤) النكت والعيون ١١٥/٥، وأقوال قتادة والسدي وابن زيد أخرجها الطبري ١٦٤/٢٠ - ١٦٥. (٥) أخرجه الطبري ٢٠/ ١٦٥ - ١٦٦ . (٦) النكت والعيون ١١٦/٥ دون نسبة. (٧) مجاز القرآن ١٨٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ١٥٤/٦. (٨) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤ . (٩) تفسير الطبري ١٦٧/٢٠. (١٠) قراءة حمزة والكسائي في الوصل. السبعة ص ٢٢٧ - ٢٨٨، والتيسير ص٩٤ . ٢٥١ سورة الزمر: الآية ٧ قوله تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَ اللَّهَ غَنِىُّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفُرْ وَإِن تَشْكُرُواْ بَرَضَهُ لَكُمْ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنِّئُكُم بِمَا (@ كُمْ تَعْمَلُونَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ قوله تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَ اللَّهَ غَنِىُّ عَنْكُمْ﴾ شرط وجوابه. ﴿وَلَا يَرَضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي: أن يكفروا، أي: لا يُحبُّ ذلك منهم. وقال ابن عباس والسّدي: معناه: لا يرضى لعباده المؤمنين الكُفر، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]، وكقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الَهِ﴾ [الإنسان: ٦] أي: المؤمنون(١). وهذا على قول مَن لا يُفرق بين الرِّضا والإرادة. وقيل: لا يرضى الكُفْرَ وإن أراده؛ فالله تعالى يُريد الكفر من الكافر وبإرادته گَفَر، ولا يرضاه(٢) ولا يُحِبُّه، فهو یرید کون ما لا يرضاه، وقد أراد الله عز وجل خَلْقَ إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادة غير الرِّضا. وهذا مذهب أهل السنة(٣). قوله تعالى: ﴿وَإِن تَشْكُرُوا يَضَهُ لَكُمْ﴾ أي: يرضى الشُّكر لكم؛ لأنّ ((تَشْكُرُوا)) يدلُّ عليه. وقد مضَى القولُ في الشُّكر في ((البقرة))(٤) وغيرها. ويَرضی بمعنی یُثیب ويُثني، فالرِّضا على هذا إما ثوابُه فيكون صفةً فعل ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وإما ثناؤه، فهو صفةُ ذات. و((يَرْضَهْ)) بالإسكان في الهاء قرأ أبو جعفر(٥) وأبو عمرو وشيبة وهُبيرة عن عاصم. وأشبع الضَّمَّة ابنُ ذكوان وابنُ كثير وابنُ محيصن والكسائي وورش عن (١) تفسير البغوي ٧٢/٤، وأخرجه بنحوه عنهما الطبري ١٦٨/٢٠. (٢) في (م): كفر لا يرضاه. (٣) ذكر هذه المسألة الرازي في تفسيره ٢٤٦/٢٦ -٢٤٧ . (٤) ٢/ ١٠٤ وما بعدها. (٥) قراءة أبي جعفر في رواية ابن جمّاز. ٢٥٢ سورة الزمر: الآيات ٧ - ٩ نافع(١). واختلس الباقون. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَيْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَتِّئُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تقدَّم في غير موضع(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرِّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوْاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَ عَن سَبِيلِهٍ، قُلْ تَمَنَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ اَلْآَخِرَةَ وَبَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِىِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَبِ ( قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَ الْإِنسَنَ﴾ يعني الكافر ﴿ضُّ﴾ أي: شدّة من الفقر والبلاء ﴿َدَعَا رَبَُّ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ أي: راجعاً إليه، مُخْبِتاً مطيعاً له، مُستغيئاً به في إزالة تلك الشِّدَّة عنه. ﴿فُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ﴾ أي: أعطاه ومَلَّكه. يقال: خوّلك الله الشيء، أي: ملّكك إياه؛ وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد: وإِن يُسْألُوا يُعْطُوا وإِن يَيْسِروا يُغْلُوا(٣) هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخْوِلوا وخَوَلُ الرجل: حَشَمُه، الواحد خائل (٤). قال أبو النّجم: أَعْطَى فلم يَبْخَلْ ولم يُبَخّلِ كُوم الذُّرى مِن خَوَلِ المُخَوِّلِ(٥) (١) المشهور عن ورش أنه قرأ بضم الهاء من غير صلة. السبعة ص ٥٦٠، والتيسير ص ١٨٩، والنشر ٣٠٧/١ - ٣٠٨. (٢) ١٤٥/٩ و٤٢/١٣. (٣) معاني القرآن للنحاس ١٥٥/٦، والبيت لزهير، ويروى: هنالك إن يُسْتَخْبَلُوا يُخْبِلوا .. وقد سلف بهذه الرواية ٤٤٨/١ . وقوله: إن يَيْسِروا يُغلوا، أي: إذا قامروا بالميسر يأخذون سمان الجزر فيقامرون عليها، ولا ينحرون إلا غالية. قاله الشنتمري في شرح ديوان زهير ص٢٢ . (٤) الصحاح (خول). (٥) ديوان أبي النجم ص ١٧٥ . ٢٥٣ سورة الزمر: الآيتان ٨ - ٩ ﴿َسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوَأْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أي: نسي ربَّه الذي كان يدعوه من قبل في كَشْف الضُّر عنه. فـ ((ما)) على هذا الوجه لله عز وجل، وهي بمعنى الذي. وقيل: بمعنى مَنْ، كقوله تعالى: ﴿وَلَآ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] والمعنى واحد. وقيل: نسي الدعاءَ الذي كان يتضرع به إلى الله عز وجل. أي: ترك كونَ الدعاء منه إلى الله، فـ ((ما)) والفعل على هذا القول مصدر (١). ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: أوثاناً وأصناماً. وقال السّدي: يعني: أنداداً من الرجال يعتمدون عليهم في جميع أمورهم(٢). ﴿لِيُضِلَ عَن سَبِلِهٍ﴾ أي: ليقتدي به الجُمَّال. ﴿قُلْ تَمَنَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ أي: قُلْ لهذا الإنسان: ((تَمَتَّع)) وهو أمرُ تهديد، فمتاع الدنيا قليل. ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ أي: مصيرك إلى النار. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّلِ﴾ بيَّن تعالى أن المؤمن ليس كالكافر الذي مضَى ذِكْره. وقرأ الحسن وأبو عمرو وعاصم والكسائي: ((أَمَّنْ)) بالتشديد. وقرأ نافع وابن كثير ويحيى بن وثَّاب والأعمش وحمزة: ((أَمَنْ هو)) بالتخفيف على معنى النداء(٣)؛ كأنه قال: يا من هو قانت. قال الفراء(٤): الألف بمنزلة يا، تقول: يا زيدُ أُقبِلْ، وأَزيدُ أُقبل. وحُكِي ذلك عن سیپویه وجمیع النحویین؛ كما قال أوسُ بن حجر : إِلَّا يداً ليست لها عَضُدُ(٥) أَبَني لُبَيْنَى لستُمُ بِيَدٍ وقال آخر هو ذو الرُّمّة: فماءُ الهوى يَرْفضُّ أو يَتَرَفْرَقُ(٦) أداراً بِحُزْوَى هِجْتٍ لِلعينِ عَبْرةً (١) المحرر الوجيز ٥٢٢/٤ بنحوه. (٢) أخرجه الطبري ١٧٣/٢٠ بنحوه. (٣) السبعة ص ٥٦١، والتيسير ص١٨٩. (٤) في معاني القرآن ٤١٦/٢ . (٥) دیوان أوس بن حجر ص٢١ . (٦) ديوان ذي الرُّمة ٤٥٦/١. قال شارحه أبو نصر: ماء الهوى، أراد الدمع الذي يدمعه من الهوى، يرفضّ: يسيل متفرقاً. ٢٥٤ سورة الزمر: الآيتان ٨ -٩ فالتقدير على هذا ﴿قُلْ تَمَنَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ يا مَنْ هو قانتٌ، إنَّك من أصحاب الجنة؛ كما يقال في الكلام: فلانٌ لا يُصلِّي ولا يصوم، فيا من يُصلِّي ويَصوم أَبْشِرْ؛ فحذف لدلالة الكلام عليه. وقيل: إنَّ الألفَ في ((أَمَنْ)) ألفُ استفهام، أي: ((أَمَنْ هو قَانتٌ آناء الليل)) أفضلُ؟ أَمْ مَنْ جعل لله أنداداً؟ والتقدير: الذي هو قانتٌ خيرٌ . ومَنْ شدَّد ((أمَّنْ)) فالمعنى: العاصون المتقدِّم ذِكْرهم خيرٌ ((أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ))؟، فالجملة التي عادلت أَمْ محذوفة، والأصل: أَمْ مَنْ، فأدغمت في الميم. النحاس(١): وأم بمعنى بل، ومَن بمعنى الذي؛ والتقدير: بل (٢) الذي هو قانتٌ أفضلُ ممن ذُكِرَ. وفي قانت أربعةُ أوجه: أحدها: أنه المُطيع؛ قاله ابن مسعود. الثاني: أنه الخاشعُ في صلاته؛ قاله ابن شهاب. الثالث: أنه القائم في صلاته؛ قاله يحيى بن سلّام. الرابع: بأنه الداعي لربه(٣). وقول ابن مسعود يجمع ذلك. وقد رُوي عن النبي # أنه قال: ((كلُّ قنوتٍ في القرآن فهو طاعةٌ لله عزّ وجلّ))(٤). ورُوي عن جابر عن النبي # أنه سُئل: أيُّ الصلاة أفضل؟ فقال: ((طولُ القنوت))(٥) وتأوَّله جماعةٌ من أهل العلم على أنه طول القيام. وروى عُبيد الله(٦) عن نافع عن ابن عمر سُئل عن القنوت فقال: ما أعرفُ القنوت إلا طولَ القيام، وقراءة القرآن. وقال مجاهد: من القنوت طولُ الركوع وغضُّ البصر، وكان العلماء إذا وقفوا في الصلاة غضُّوا أبصارَهم، وخضعوا ولم يلتفتوا في (١) إعراب القرآن ٥/٣ - ٦ وما قبله منه بنحوه، وينظر الحجة للفارسي ٩٢/٦ - ٩٣. (٢) في النسخ: أم، والمثبت من البحر المحيط ٤١٩/٧ . (٣) النكت والعيون ١١٧/٥ . (٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٨٢٩) وفي إسناده رِشْدين بن سعد، وهو ضعيف، كما في التقريب وسلف ٤١٦/١٦ . (٥) أخرجه مسلم (٧٥٦)، وسلف ٣٣٤/٢ . (٦) في (د) و(م) وإعراب القرآن للنحاس ٦/٤ (والكلام منه): عبد الله، والمثبت موافق لمصادر التخريج، وهو عبيد الله بن عمر العمري، والأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٣٠٦/٢، والطبري ١٧٦/٢٠. ٢٥٥ سورة الزمر: الآية ٩ صلاتهم، ولم يعبثوا ولم يذكروا شيئاً من أمر الدنيا إلا ناسين. قال النحاس(١): أصلُ هذا أن القنوت الطاعة، فكلُّ ما قيل فيه فهو طاعة لله عز وجل، فهذه الأشياء كلُّها داخلةٌ في الطاعة وما هو أكثر منها كما قال نافع: قال لي ابن عمر: قُمْ فصلٌ، فقمتُ أُصلِّي وكان عليَّ ثوبٌ خَلَقٌّ، فدعاني فقال لي: أرأيتَ لو وجَّهتك في حاجة، أكنتَ تمضي هكذا؟ فقلت: كنت أتزيَّن، قال: فاللهُ أحُّ أن تتزیَّن له(٢). واختلف في تعيين القانت هاهنا، فذكر يحيى بن سلام أنه رسولُ الله ﴾. وقال ابن عباس في رواية الضحاك عنه: هو أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال ابن عمر: هو عثمانُ ﴾. وقال مقاتل: إنه عمَّار بن ياسر. الكلبي: صُهَيب وأبو ذرّ وابن مسعود. وعن الكلبي أيضاً أنه مرسلٌ فيمن كان على هذه الحال(٣). ﴿ءَاتَّةَ الَّلِ﴾ قال الحسن: ساعاته؛ أوله وأوسطه وآخره. وعن ابن عباس: ﴿ءَاتَّةُ الَّلِ﴾ جوف الليل(٤). قال ابن عباس: مَن أحبَّ أن يُهوِّن الله عليه الوقوفَ يومَ القيامة، فَلْيَرَهُ اللهُ في ظلمة الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة، ويرجو رحمةَ ربِّه(٥). وقيل: ما بين المغرب والعشاء(٦). وقول الحسن عامّ. ﴿يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ﴾ قال سعيد بن جُبير: أي: عذاب الآخرة(٧). ﴿وَيَرْجُوْ رَحْمَةَ رَيٍِّ﴾ أي: نعيم الجنة. ورُوي عن الحسن أنه سُئل عن رجل يتمادى (١) في إعراب القرآن ٦/٤، وما قبله منه. (٢) أخرجه بنحوه عبد الرزاق في المصنف (١٣٩٠) و(١٣٩١). (٣) النكت والعيون ١١٧/٥، وينظر تفسير البغوي ٧٣/٤، وزاد المسير ١٦٦/٧ - ١٦٧ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٦/٤. (٥) المحرر الوجيز ٥٢٣/٤. (٦) النكت والعيون ٥/ ١١٧ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٦/٤. ٢٥٦ سورة الزمر: الآيات ٩ - ١٠ في المعاصي ويرجو فقال: هذا مَتَمَنٌّ (١). ولا يقف على قوله: ((رَحْمَةَ رَبِّهِ)) مَن خفَّف ((أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ)) على معنى النداء؛ لأن قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَِّنَ لَا يَعْلَمُونُّ﴾ متصلٌ إلا أن يُقدَّر في الكلام حذفٌ، وهو أيسر (٢)، على ما تقدَّم بيانُه. قال الزجاج(٣): أي: كما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون كذلك لا يستوي المُطيع والعاصي. وقال غيره: الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم ويعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه ولم يعمل به فهو بمنزلة مَن لم يعلم. ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبِ﴾ أي: أصحاب العقول من المؤمنين. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَخْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ الَّهِ وَسِعَهُ إِنَّمَا يُؤَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ ءامَنُوا﴾ أي: قل: يا محمد لعبادي المؤمنين: ﴿أَتَّقُوْ رَبَّكُمْ﴾ أي: اتقوا معاصِيَه، والتاء مُبدَلة من واو، وقد تقدم(٤). وقال ابن عباس: يريد جعفر بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة(٥). ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ﴾ يعني بالحسنة الأُولى الطاعة، وبالثانية الثواب في الجنة. وقيل: المعنى: للذين أحسنوا في الدنيا حسنة في الدنيا، يكون ذلك زيادةً على ثواب الآخرة، والحسنة الزائدة في الدنيا الصحةُ والعافية والظّفَر والغنيمة (٦). قال القُشَيري: والأول أصحُّ؛ لأن الكافر قد ينال(٧) نِعَمَ الدنيا. (١) الكشاف ٣/ ٣٩٠ . (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣ . (٣) في معاني القرآن ٤/ ٣٤٧، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٧/٤، وما بعده منه. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٧/٤، وتقدم ٢٤٨/١ وما بعدها. (٥) المحرر الوجيز ٥٢٣/٤ دون نسبة. (٦) النكت والعيون ١١٨/٥ بنحوه. (٧) في (م): نال. ٢٥٧ سورة الزمر: الآية ١٠ قلت: وينالها معه المؤمن ويُزاد الجنةَ إذا شكر تلك النِّعم. وقد تكون الحسنة في الدنيا الثناء الحسن، وفي الآخرة الجزاء. ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ﴾ فها جِروا فيها ولا تُقيموا مع من يعمل بالمعاصي. وقد مضى القولُ في هذا مستوفى في ((النساء))(١). وقيل: المراد أرضُ الجنة؛ رغَّبهم في سَعَتها وسَعَةٍ نعيمها(٢)؛ كما قال: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والجنة قد تُسمَّى أرضاً؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَمُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] والأول أظهرُ، فهو أمر بالهجرة. أي: ارحلوا من مكةً إلى حيث تَأْمَنوا(٣). الماوردي(٤): ويَحتمِلُ أن يُريدَ بسعة الأرض سَعَةَ الرِّزق؛ لأنه يرزقُهم من الأرض فيكون معناه: ورِزْقُ الله واسعٌ، وهو أشبهُ؛ لأنه أخرج سعتها مُخْرَجَ الامتنان. قلت: فتكون الآيةُ دليلاً على الانتقال من الأرض الغالية إلى الأرض الراخية؛ كما قال سفيان الثوري: کن في موضع تملأ فيه چرابك خبزاً بدرهم. ﴿إِنََّا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير تقدير. وقيل: يُزاد على الثواب؛ لأنه لو أُعطيَ بقدر ما عَمِلَ لكان بحساب. وقيل: ((بغير حسابٍ)) أي: بغير متابعة ولا مُطالبة كما تقع المطالبة بنعيم الدنيا (٥). و(الصَّابِرُونَ)) هنا الصائمون؛ دليله قولُه عليه الصلاة والسلام مُخبراً عن الله عزَّ وجلَّ: ((الصومُ لي وأنا أَجزي به))(٦). قال أهل العلم: كلُّ أجرٍ يُكال كيلاً ويُوزَن (١) ٧/ ٦٥ وما بعدها. (٢) النكت والعيون ١١٨/٥ . (٣) تفسير الرازي ٢٦/ ٢٥٣ بنحوه. (٤) النكت والعيون ١١٨/٥ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٧ . (٦) قطعة من حديث أبي هريرة ﴾ أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١)، وسلف ٦٧/٢ . ٢٥٨ سورة الزمر: الآية ١٠ وزناً إلا الصبر (١)، فإنه يُحْثَى حَثْواً ويُغْرَف غَرْفاً؛ وحُكي عن علي ﴾. وقال مالك بن أنس في قوله: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: هو الصبرُ على فجائع الدنيا وأحزانها. ولا شكَّ أن كل مَن سلَّم فيما أصابه، وترك ما نُهي عنه، فلا مقدارَ لأجره(٢). وقال قتادة: لا والله، ما هناك مِكيال ولا ميزان؛ حدثني أنس أن رسولَ الله ◌ِ﴾. قال: ((تُنصَبُ الموازين، فَيُؤْتَى بأهل الصَّدَقة فَيُوقَون أُجورهم بالموازين، وكذلك الصلاة والحج، ويُؤتَى بأهل البلاء فلا يُنصب لهم ميزان ولا يُنشر لهم دیوان، ويُصَبُّ عليهم الأجر بغير حساب، قال الله تعالى: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ حتى يتمنى أهلُ العافية في الدنيا أن أجسادهم تُقرَض بالمقاريض مما يذهبُ به أهل البلاء من الفضل)»(٣). وعن الحسن بن علي(٤) رضي الله عنهما قال: سمعتُ جدي رسول الله ﴾ يقول: ((أَدِّ الفرائضَ تكن من أعبدِ الناس، وعليك بالقُنوع تكن من أغنى الناس، يا بُنيّ، إن في الجنة شجرةً يقال لها: شجرة البلوى، يُؤْتَى بأهل البلاء فلا يُنصب لهم ميزان، ولا يُنشر لهم ديوان، يُصبُّ عليهم الأجر صبّاً، ثم تلا النبيُّ ﴾ ﴿إِنَّا يُؤَقَّ الضَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾))(٥). ولفظ صابر يُمدح به، وإنما هو لمن صَبَر عن المعاصي، وإذا أردتَ أنه صبر على (١) في النسخ: الصوم، والمثبت موافق لمعنى ما في المصادر. ينظر النكت والعيون ١١٩/٥، وتفسير البغوي ٤ / ٧٤ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٤٤ - ١٦٤٥ . (٣) قول قتادة أخرجه الطبري ١٧٩/٢٠، وحديث أنس ﴾ أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ٣٢٣/٥. (٤) في (د) و(ز) و(ف) و(م): الحسين بن علي، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لمصادر الحديث. (٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٧٦٠) دون قوله: (( .. إن في الجنة شجرة .. )) إلى آخره، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٥/٣: وفيه سعد بن طريف، وهو ضعيف جداً. قلنا: قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: متروك، ورماه ابن حبان بالوضع. وقوله منه: ((أدّ الفرائض تكن من أعبد الناس، وعليك بالقنوع تكن من أغنى الناس)) أخرجه الدارقطني في العلل ٨٤/٥ من حديث ابن مسعود ، وقال الدار قطني: رفعه وهم، والصحيح من قول ابن مسعود﴾ ٢٥٩ سورة الزمر: الآيات ١٠ - ١٦ المصيبة قلت: صابر على كذا؛ قاله النحاس(١). وقد مضى في ((البقرة)) مستوفى(٢). قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اَللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ أَلِينَ ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ اٌلْمُسْلِمِينَ ﴿﴿ قُلْ إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمِ ﴿ قُلِ اَللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّنْ دُونِةٍ قُلْ إِنَّ الْخَسِينَ الَّذِينَ خَِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ١٤ ﴿ لَهُم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُظْلَلُ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحِهِمْ تُكَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَعِبَادِ فَتَّقُونِ الْقِيَّمَةُ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ دینی قوله تعالى: ﴿قُلّ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الذِينَ﴾ تقدَّم أولَ السورةِ ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِينَ﴾ من هذه الأُمة، وكذلك كان؛ فإنه كان أولَ من خالفَ دينَ آبائه، وخلع الأصنام وحظّمها، وأسلم لله وآمنَ به، ودعا إليه ﴾. واللام في قوله: ((لِأَنْ أَكُونَ)) صلة زائدة؛ قاله الجُرجاني وغيره. وقيل: لام أَجْل. وفي الكلام حذف، أي: أُمرت بالعبادة ((لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين)). قوله تعالى: ﴿قُلّ إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يريد عذاب يوم القيامة. وقاله حين دعاه قومُه إلى دين آبائه؛ قاله أكثرُ أهل التفسير (٣). وقال أبو حمزة الثُّمالي وابن المسيَّب: هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَّكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] فكانت هذه الآيةُ من قبل أن يُغفر ذنبُ النبي ﴾. قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّ أَعْبُدُ﴾ ((الله)) نصب بـ((أَعْبُدُ))(٤) ﴿مُخْلِصًا لَّهُ دِنِ﴾ طاعتي وعبادتي. ﴿فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِةٍ﴾ أمرُ تهديد ووعيد وتوبيخ؛ كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقيل: منسوخة بآية السيف(٥). (١) في إعراب القرآن ٤/ ٧. (٢) ٢/ ٤٦٣ وما بعدها. (٣) تفسير البغوي ٤/ ٧٤ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٧ . (٥) زاد المسير ١٦٩/٧، قال ابن الجوزي: وهذا باطل، لأنه لو كان أمراً، كان منسوخاً، فأما أن يكون بمعنی الوعيد فلا وجه لنسخه. ٢٦٠ سورة الزمر: الآيات ١٦ - ١٨ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ قال ميمون بن مِهْران عن ابن عباس: ليس من أحد إلا وقد خلق اللهُ له زوجةً في الجنة، فإذا دخل النارَ خَسِرَ نَفْسَه وأهله(١). وفي رواية عن ابن عباس: فمن عَمِلَ بطاعة الله كان له ذلك المنزل والأهل إلا ما كان له قبلَ ذلك(٢)، وهو قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ هُمُ اٌلْوَرِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠]. قوله تعالى: ﴿لَهُم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُطلَلُ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْنِهِمْ تُلَلٌ﴾ سمَّى ما تحتهم ظُللاً؛ لأنها تُظِلُّ مَن تحتهم، وهذه الآية نظيرُ قوله تعالى: ﴿لَهُ مِن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ،﴾(٣) [الأعراف: ٤١]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت : ٥٥]. ﴿ذَلِكَ يُعَوِّفُ اَللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ قال ابن عباس: أولياءه. ﴿يَعِبَادٍ فَأَتَّقُونِ﴾ أي: يا أَوليائي فخافون. وقيل: هو عامٌّ في المؤمن والكافر. وقيل: خاصٌّ بالكفار. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَجْتَبُوا الطَّهُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَبُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَنَّ فَبَشِرْ عِبَادِ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ أَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ١٨ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَجْتَبُوا الطَّغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ قال الأخفش(٤): الطاغوت جمع، ويجوز أن تكون واحدةً مؤنثة. وقد تقدم(٥). أي: تباعدوا من الطاغوت، وكانوا منها على جانب فلم يعبدوها. قال مجاهد وابن زيد: هو الشيطان. وقال الضحاك والسدي: هو الأوثان. وقيل: إنه الكاهن. وقيل: إنه اسمٌ أَعجمي مثل: (١) إعراب القرآن للنحاس ٨/٤. (٢) تفسير البغوي ٤/ ٧٤ . (٣) المصدر السابق. (٤) في معاني القرآن ٢/ ٦٧١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٨/٤. (٥) ٦/ ٤٦١ .