Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة ص : الآيات ٣٤ - ٤٠
وذلك بعد أربعين يوماً من زوال مُلكه: وهي عدد الأيام التي عُبِدَ الصنم في داره،
وإنما وجد الخاتم في بطن الحوت؛ لأن الشيطانَ الذي أخذه ألقاه في البحر(١).
وقال عليّ بن أبي طالب ﴾: بينما سليمان على شاطئ البحر وهو يَعبثُ بخاتمه،
إذ سقط منه في البحر، وكان مُلكه في خاتمه(٢).
وقال جابر بن عبد الله: قال النبي: ((كان نقشُ خاتم سليمان بن داود: لا إله
إلا الله محمدٌ رسول الله))(٣).
وحكى يحيى بن أبي عمرو السيباني(٤) أن سليمان وجد خاتمه بِعَسْقَلان، فمشى
منها إلى بيت المقدس تواضعاً لله تعالى. قال ابن عباس وغيره: ثم إن سليمان لما ردًّ
الله عليه مُلكه، أخذ صخراً الذي أخذ خاتمه، ونقر له صخرةً وأدخله فيها، وسدَّ
عليه بأخرى وأوثقها بالحديد والرصاص، وختم عليها بخاتمه وألقاها في البحر؛
وقال: هذا مَخْبِسُكَ إلى يوم القيامة(٥).
وقال علي : لما أخذ سليمانُ الخاتم، أقبلتْ إليه الشياطين والجن والإنس
والطير والوحش والريح، وهرب الشيطانُ الذي خلف في أهله، فأتى جزيرةً في
البحر، فبعث إليه الشياطينُ فقالوا: لا نقدر عليه، ولكنه يَرِد علينا في الجزيرة في كل
سبعة أيام يوماً، ولا نقدِرُ عليه حتى يسكر. قال: فنزح سليمان ماءها، وجعل فيها
خمراً، فجاء يومَ وُروده فإذا هو بالخمر، فقال: والله، إنك لشرابٌ طَيِّب إلا أنكِ
(١) النكت والعيون ٩٦/٥-٩٧، وهذه الأخبار من الإسرائيليات، وينظر ما سنذكره من الرد عليها آخر
القصة.
(٢) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣١٦/٥.
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ١٣٦٨/٤، وفي إسناده شيخ بن أبي خالد، قال ابن عدي: أحاديثه
مناكير. وقال الذهبي في الميزان ٢٨٦/٢: متهم بالوضع، وذكر هذا الحديث وعدَّه من أباطيله.
(٤) في النسخ: الشيباني، وهو خطأ، والمثبت من تقريب التهذيب والأنساب ٢١٤/٧ قال الحافظ ابن
حجر: وهو أبو زرعة الحمصي، ثقة، روايته عن الصحابة مرسلة، مات سنة (١٤٨ هـ) أو بعدها.
(٥) النكت والعیون ٩٨/٥

٢٠٢
سورة ص : الآيات ٣٤ - ٤٠
تُطيشين الحليم، وتُزيدين الجاهل جهلاً. ثم عَطِشَ عطشاً شديداً، ثم أتاها (١) فقال
مثلَ مَقَالته، ثم شربها، فغلبت على عقله؛ فأرَوه الخاتم فقال: سمعاً وطاعة. فأتّوا به
سليمانَ فأوثقه وبعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان، فقالوا: إنَّ الدخان الذي
ترون من نَفَسه، والماء الذي يخرج من الجبل من بَوْله(٢).
وقال مجاهد: اسم ذلك الشيطان آصف. وقال السُّدي: اسمه حبقيق؛ فالله
أعلم(٣).
وقد ضُعِّفَ هذا القول من حيث إن الشيطان لا يَتصوَّر بصورة الأنبياء، ثم من
المُحال أن يلتبس على أهل مملكة سليمان الشيطانُ بسليمان حتى يظنُّوا أنهم مع نبيهم
في حقّ، وهم مع الشيطان في باطل.
وقيل: إن الجسد وَلَدٌ وُلِدَ لسليمان، وأنه لما وُلد اجتمعت الشياطين؛ وقال
بعضهم لبعض: إنْ عاش له ابن لم ننفكَّ مما نحن فيه من البلاء والسُّخرة، فتعالَوا
نقتل ولده أو نُخبِّله. فعلم سليمانُ بذلك فأمر الريحَ حتى حملته إلى السَّحاب، وغدا
ابنه في السحاب خوفاً من مَضَرَّة الشياطين، فعاقبه الله بخوفه من الشياطين، فلم
يشعر إلا وقد وقع على كرسيه ميتاً. قال معناه الشعبي. فهو الجسد الذي قال الله
تعالى: ﴿وَقَيْنَا عَلَى كُرُوِّهِ، جَدَّا﴾(٤).
وحكى النقاش وغيره: إنَّ أكثر ما وَطِئ سليمان جواريه طلباً للولد، فَوُلد له
نصفُ إنسان، فهو كان الجسد المُلقى على كرسيه جاءت به القابلة فألقته هناك(٥).
(١) في (م): أتاه.
(٢) هذا الكلام لا يُعوَّل عليه، ولا يخفى على القارئ بطلانه.
(٣) النكت والعيون ٩٧/٥، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٨٩/٢٠، والمشهور أن آصف اسم الرجل
الذي عنده علم من الكتاب. كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٤٥٩/٦ .
(٤) عرائس المجالس ص٣٢٧-٣٢٨ .
(٥) النكت والعيون ٩٦/٥. والعبارة فيه: إنه أكثر من وطء جواريه طلباً للولد ... وسلف قريباً أن أكثر =

٢٠٣
سورة ص : الآيات ٣٤ - ٤٠
وفي (صحيح)) البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللـه ل﴾: ((قال
سليمانُ: لأَطُوفنَّ الليلةَ على تسعين امرأةً كلُّهن تأتي بفارس يُجاهد في سبيل الله؛
فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يَقُلْ: إنْ شاء الله، فطاف عليهنَّ جميعاً، فلم
تحمل منهنَّ إلا امرأةٌ واحدةٌ جاءتْ بشِقِّ رجل، وايمُ الذي نفسُ محمد بيده، لو قال:
إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون))(١).
وقيل: إن الجسد هو آصف بن برخيا الصدّيق كاتب سليمان، وذلك أن سليمان
لما فُتِنَ سقط الخاتم من يده وكان فيه مُلكه، فأعاده إلى يده فسقط، فأيقن بالفتنة؛
فقال له آصف: إنك مفتون، ولذلك لا يتماسك في يدك، فَفِرَّ إلى الله تعالى تائباً من
ذلك، وأنا أقومُ مقامك في عالمك إلى أن يتوب اللهُ عليك، ولك من حين فُتنت
أربعةَ عشرَ يوماً. فَفَرَّ سليمانُ هارباً إلى ربه، وأخذ آصف الخاتم فوضعه في يده
فثبت، وكان عنده علمٌ من الكتاب. وقام اصفُ في ملك سليمان وعياله، يسير بسيره
ويعمل بعمله، إلى أن رَجَعَ سليمان إلى منزله تائباً إلى الله تعالى، وردّ الله عليه
مُلكه؛ فأقام آصفُ في مَجْلسه، وجلس على كرسيه وأخذ الخاتم(٢).
وقيل: إنَّ الجسد كان سليمانَ نَفْسَه؛ وذلك أنه مرض مرضاً شديداً حتى صار
جسداً. وقد يُوصف به المريض المُضنى، فيقال: كالجسد المُلقى(٣).
= المفسرين قالوا: الجسد الملقى شيطان، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/ ٤٦١: وهو المعتمد،
والنقاش صاحب مناکیر.
(١) صحيح البخاري (٦٦٣٩)، وصحيح مسلم (١٦٥٤)، وسلف ١٨/ ١٦٦ .
(٢) عرائس المجالس ص٣٢٧ .
(٣) هذه القصص التي ذكرها المفسرون في قصة سيدنا سليمان عليه السلام كلها من الإسرائيليات فيما قاله
الحافظ ابن كثير في تفسيره ٧/ ٦٨-٦٩ وقد ذكر الكثير منها، وقال فيما روي عن ابن عباس رضي الله
عنهما: الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس - إن صح عنه - من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة
سليمان عليه السلام، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في السياق منكرات أشدُّها ذكر النساء ..
وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف .. وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب.
وذكر أبو حيان في البحر ٧/ ٣٩٧ أنها من وضع اليهود والزنادقة، وأنه لا يحل نقلها، ويجب براءة =

٢٠٤
سورة ص : الآيات ٣٤ - ٤٠
صفة كرسيّ سليمان ومُلكه
روي عن ابن عباس قال: كان سليمانُ يُوضع له ستُّ مئة كرسيّ، ثم يجيء
أشراف الناس فيجلسون مما يَليه، ثم يأتي أشرافُ الجن فيجلسون مما يلي الإنس،
ثم يدعو الطير فَتُظِلَّهم، ثم يدعو الريح فَتُقِلَّهم، وتسير بالغَداة الواحدة مسيرة شهر(١).
وقال وهب وكعب وغيرهما: إن سليمان عليه السلام لما مَلَك بعد أبيه، أمر
باتِّخاذ كرسيٍّ لِيجلسَ عليه للقضاء، وأمر أن يُعمل بديعاً مَهولاً بحيث إذا رآه مُبطِلٌ أو
شاهدُ زور ارتدع وتهيَّب؛ فأمر أن يُعمل من أنياب الفيلة مُفصَّصة بالدُّرِّ والياقوت
والزبرجد، وأن يُحَفَّ بنخيل الذهب؛ فَحُفَّ بأربع نَخَلات من ذهب، شماريخها
الياقوت الأحمر والزُّمُرُّد الأخضر، على رأس نخلتين منهما طاووسان من ذهب،
وعلى رأس نخلتين نسران من ذهب بعضها مقابلٌ لبعض، وجعلوا من جنبي الكرسيّ
أسدين من ذهب، على رأس كل واحد منهما عمودٌ من الزُّمُرُّد الأخضر. وقد عقدوا
على النخلات أشجارَ كروم من الذهب الأحمر؛ واتخذوا عناقيدَها من الياقوت
الأحمر، بحيث أظلَّ عريش الكروم النخلَ والكرسي.
وكان سليمان عليه السلام إذا أراد صُعودَه وضع قدميه على الدرجة السُّفلى،
فيستدير الكرسيّ كلَّه بما فيه دورانَ الرَّحى المُسرعة، وتنشر تلك النُّسور والطواويس
أجنحتها، ويبسط الأسدان أيديهما، ويضربان الأرض بأذنابهما. وكذلك يُفعل في كل
درجة يَصْعَدها سليمان، فإذا استوى بأعلاه أخذ النَّسران اللذان على النخلتين تاجَ
سليمان فوضعاه على رأسه، ثم يستدير الكرسي بما فيه، ويدور معه النَّسران
= الأنبياء منها، وقال: لم يُبيِّن الله الفتنة ما هي ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان، ويستحيل عقلاً
وجود بعض ما ذكروه، كتمثل الشيطان بصورة نبي حتى يلتبس أمره عند الناس، ويعتقدون أن ذلك
المتصور هو النبي، ولو أمكن وجود هذا لم يوثق بإرسال نبي، وإنما هذه مقالة مسترقة من زنادقة
السوفسطائية، نسأل الله سلامة أذهاننا وعقولنا منها. قال الدكتور أبو شهبة في كتابه الإسرائيليات في
التفسير ص٢٧٤ : وأيُّ مُلك أو نبوة يتوقف أمرهما على خاتم يدومان بدوامه، ويزولان بزواله .. وإذا كان
خاتم سليمان عليه السلام بهذه المثابة، فكيف يُغفِل الله شأنَه في كتابه الشاهد على الكتب السماوية؟ !!..
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٣٦/١١، وفيه: ست مئة ألف كرسي.

٢٠٥
سورة ص : الآيات ٣٤ - ٤٠
والطاووسان والأسدان، مائلان برؤوسهما إلى سليمان، وينضحن عليه من أجوافهن
المِسْك والعنبر، ثم تُناوله حمامةٌ من ذهب قائمةٌ على عمود من أعمدة الجواهر فوق
الكرسي التوراة، فيفتحها سليمان عليه السلام ويقرؤُها على الناس ويدعوهم إلى
فَصْل القضاء.
قالوا: ويجلس عظماءُ بني إسرائيل على كراسي الذهب المُفصَّصة بالجواهر،
وهي ألفُ كرسيّ عن يمينه، ويجلس عظماءُ الجن على كراسي الفضة عن يساره،
وهي ألفُ كرسيّ، ثم تحفُّ بهم الطير تُظِلُّهم، ويتقدَّم الناسُ لفصل القضاء. فإذا
تقدَّمت الشهود للشهادات، دار الكرسيّ بما فيه وعليه دورانَ الرَّحى المُسرعة، ويبسط
الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما، وينشر النَّسران والطاووسان أجنحتهما،
فتفزع الشهود فلا يشهدون إلا بالحق.
وقيل: إن الذي كان يدور بذلك الكرسيّ تِنِّين من ذهب، ذلك الکرسيُّ علیه،
وهو عظيم مما عمله له صخر الجنيّ؛ فإذا أحسَّتْ بدورانه تلك النسور والأسد
والطواويس التي في أسفل الكرسيّ إلى أعلاه دُرْن معه، فإذا وقفن وقَفْن كلُّهن على
رأس سليمان وهو جالس، ثم ينضحن جميعاً على رأسه ما في أجوافهنّ من المسك
والعنبر. فلما توفي سليمانُ بعث بُختَنصَّر فأخذ الكرسيّ، فحمله إلى أنطاكية، فأراد
أن يصعدَ إليه، ولم يكن له علم كيف يصعد إليه؛ فلما وضع رِجْلَه ضرب الأسدُ رِجْلَه
فكسرها، وكان سليمان إذا صَعِدَ وضع قدميه جميعاً. ومات بُخْتَنصَّر، وحُمل الكرسيّ
إلى بيت المقدس، فلم يستطع قطّ مَلِكٌ أن يجلسَ عليه، ولكن لم يدرِ أحدٌ عاقبة
أمره، ولعله رُفع(١).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَبَ﴾ أي: رَجَعَ إلى الله وتاب. وقد تقدّم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ﴾ أي: اغفِرْ لي ذنبي ﴿وَهَبْ لِ مُذَكًا لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ
(١) أورده ابن كثير في تفسيره ٦٩/٧- ٧٠ وعزاه لابن أبي حاتم، وقال: هو غريب جداً.

٢٠٦
سورة ص : الآيات ٣٥ - ٤٠
مِنْ بَعْدِىٌّ﴾ يقال: كيف أقدم سليمانُ على طلب الدنيا، مع ذَمِّها من الله تعالى،
وبُغضه لها، وحقارتها لديه؟. فالجواب أن ذلك محمولٌ عند العلماء على أداء حقوق
الله تعالى وسياسةٍ مُلْكه(١)، وترتيب منازل خَلْقه، وإقامةٍ حدوده، والمحافظة على
رسومه، وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولُزوم طاعته، ونَظْم قانون الحُكم النافذ
عليهم منه، وتحقيق الوعود في أنه يعلم ما لا يعلم أحدٌ من خلقه حَسَبَ ما صرَّح
بذلك لملائكته فقال: ﴿إِنّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وحُوشي سليمان عليه
السلام أن يكون سؤاله طلباً لنفس الدنيا؛ لأنه هو والأنبياء أزهدُ خلق الله فيها، وإنما
سأل مملكتها لله، كما سأل نوحٌ دمارَها وهلاكها لله؛ فكانا محمودین مُجابین إلى
ذلك، فأُجيب نوحٌ فَأُهْلِكَ من عليها، وأُعطي سليمان المملكة.
وقد قيل: إن ذلك كان بأمرٍ من الله جلّ وعزّ على الصِّفة التي علم الله أنه لا
يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده، أو أراد أن يقول: مُلكاً عظيماً فقال: ﴿لَّا يَلْبَغِى
لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيِّ﴾ (٢)، وهذا فيه نظر. والأوّل أصح.
ثم قال له: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَأْنُّنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، قال الحسن: ما من أحد إلا
ولله عليه تبعةٌ في نِعَمهِ غيرَ سليمان بن داود عليه السلام، فإنه قال: ﴿هَذَا عَطَآؤُنَ﴾
الآية(٣).
قلت: وهذا يردُّ ما روي في الخبر: إنَّ آخرَ الأنبياء دخولاً (٤) الجنةَ سليمانُ بن
داود عليه السلام لمكان مُلكه في الدنيا. وفي بعض الأخبار: يدخل الجنةَ بعد الأنبياء
بأربعين خريفاً؛ ذكره صاحب ((القوت)) وهو حديث لا أصل له؛ لأنه سبحانه إذا كان
عطاؤه لا تبعةً فيه؛ لأنه من طريق المِنَّة، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولاً الجنة، وهو
(١) الكلام بمعناه في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٣٧ .
(٢) الكشاف ٣/ ٣٧٥ .
(٣) النكت والعيون ١٠٠/٥ .
(٤) في (م): دخول.

٢٠٧
سورة ص : الآيات ٣٥ - ٤٠
سبحانه يقول: ﴿وَإِنَّ لَهُمْ عِنْدَنَا لَوْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾. وفي الصحيح: ((لكلِّ نبيِّ دعوةٌ
مستجابة، فتعجَّلَ كلُّ نبيٍّ دعوته)) الحديث(١)، وقد تقدَّم، فجعلَ له من قَبْلِ السؤال
حاجةً مقْضيّةً، فلذلك لم تكن عليه تَبِعة.
ومعنى قوله: ﴿لَّا يَكْبَفِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾ أي: أن يسأله. فكأنه سأل منعَ السؤال
بعده، حتى لا يتعلَّق به أملُ أحد، ولم يسأل منع الإجابة. وقيل: إنَّ سُؤالَه مُلكاً لا
ينبغي لأحد من بعده؛ ليكون محلَّه وكرامته من الله ظاهراً في خلق السماوات
والأرض؛ فإن الأنبياء عليهم السلام لهم تنافُسٌ في المحلّ عنده، فكلٌّ يُحِبُّ أن
تكون له خُصوصيةٌ يستدلُّ بها على محلِّه عنده، ولهذا لما أخذ النبيُّ ﴾ العِفْريت الذي
أراد أن يقطعَ عليه صلاته وأمكنه اللهُ منه، أراد رَبْطه، ثم تذكَّر قولَ أخيه سليمان:
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَلْبَفِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾ فردَّه خاسِئاً(٢).
فلو أُعطي أحدٌ بعدَه مِثْلَه ذهبت الخصوصية، فكأنه كَرِهَ ﴿ أن يُزاحمه في تلك
الخصوصية، بعد أن عَلِمَ أنه شيء هو الذي خُصَّ به من سخرة الشياطين، وأنه أُجيب
إلى ألا يكون لأحدٍ بعده. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَسَخّنَا لَهُ الْرِيَجَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُنَّةَ﴾ أي: لَيِّنة مع قوَّتها وشِدَّتها حتى لا
تضرَّ بأحد، وتحمله بعسكره وجنوده وموكبه. وكان موكبه فيما رُوي فرسخاً في
فرسخ، مئة درجة بعضُها فوق بعض، كلُّ درجة صنفٌ من الناس، وهو في أعلى
درجة مع جواريه وحَشَمه وخدمه؛ صلوات الله وسلامه عليه.
وذکر أبو نعيم الحافظ قال: حدّثنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن
أحمد بن حنبل، قال حدّثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال: حدّثنا أبو بكر بن
عياش، عن إدريس بن وهب بن مُنبِّه، قال: حدَّثني أبي قال: كان لسليمان بن داود
عليه السلام ألفُ بيت أعلاه قواريرُ وأسفله حديد، فركب الريح يوماً فمرَّ بحَرَّاث،
(١) أخرجه أحمد (٧٧١٤)، ومسلم (١٩٨) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) أخرجه أحمد (٧٩٦٩)، والبخاري (٤٦١)، ومسلم (٥٤١) من حديث أبي هريرة ﴾، وسلف ١٨٩/٩.

٢٠٨
سورة ص : الآيات ٣٦ - ٤٠
فنظر إليه الحرَّاث فقال: لقد أُوتي آلُ داود مُلكاً عظيماً، فحملت الريح كلامَه فألقته
في أُذن سليمان، قال: فنزل حتى أتى الحرَّاث فقال: إني سمعتُ قولك، وإنما
مشيتُ إليك لئلا تتمنَّى ما لا تَقدِرُ عليه؛ لَتَسبيحةٌ واحِدة يقبلُها الله منك خيرٌ مما أُوتي
آل داود. فقال الحرَّاث: أذهبَ اللهُ هَمَّك كما أذهبتَ هَمِّي(١).
قوله تعالى: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: أراد؛ قاله مجاهد(٢). والعرب تقول: أصاب
الصوابَ، وأخطأ الجواب. أي: أراد الصوابَ، وأخطأ الجواب؛ قاله ابن
الأعرابي(٣). وقال الشاعر:
أصَابَ الکلامَ فلم يستطِعْ.
فأخْطا الجوابَ لَدَى المفصلِ (٤)
وقيل: أصاب أراد بلغة حِمْير(٥). وقال قتادة: هو بلسان هَجَر. وقيل: ((حَيْثُ
أصَابَ)) حيثْما(٦) قصد، وهو مأخوذٌ من إصابة السَّهم الغرضَ المقصود (٧). ﴿ وَالشَّيَلِينَ
كُلَّ بَنَّةٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أي: وسخَّرنا له الشياطين، وما سُخِّرت لأحدٍ قبلَه. ((كُلَّ بَنَّاءٍ)) بدل
من الشياطين، أي: كل بنَّاء منهم، فهم يبنون له ما يشاء. قال:
قُمْ في البريَّةِ فاحْدُدْها عن الفَئد
إلاَّ سليمانَ إذ قال الإله له
يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُّفَّاحِ والعَمَدِ (٨)
وَخَيِّسِ الچِنَّ إني قد أذِنْتُ لھم
((وغَوَّاص)) يعني: في البحر يستخرجون له الدُّرّ. فسليمانُ أوَّل من استُخرِجَ له
اللؤلؤ من البحر(٩).
(١) حلية الأولياء ٤/ ٥٩ .
(٢) أخرجه الطبري ٢٠/ ٩٧ .
(٣) ياقوتة الصراط ص ٤٤٠ وينظر النكت والعيون ٩٩/٥ .
(٤) المحرر الوجيز ٥٠٦/٤ .
(٥) عرائس المجالس ص٢٩٥ .
(٦) في (م): حينما.
(٧) النكت والعيون ٩٩/٥ .
(٨) البيتان النابغة الذبياني، وهما في ديوانه ص٣٣، وقد سلفا ٢٦٧/١٧، والبيت الأول سلف ٧/١٢.
(٩) النكت والعيون ٤٦١/٣ .

٢٠٩
سورة ص : الآية ٤٠
﴿وَءَخَرِينَ مُقَرَِّينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ أي: وسخّرنا له مردة الشياطين حتى قرنهم في
سلاسل الحديد وقيود الحديد؛ قاله قتادة. السُّدّي: الأغلال(١). ابن عباس: في
وثاق. ومنه قال الشاعر:
فأبُوا بالنِّهَاب وبالسَّبايا
وأُبنا بالملوك مُصَفَّدِينا (٢)
قال يحيى بن سلام: ولم يكن يفعل ذلك إلا بكُفَّارهم، فإذا آمنوا أطلقهم ولم
يُسخّرهم(٣).
قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ الإشارةُ بهذا إلى المُلك، أي: هذا الملك عطاؤنا،
فأَغْطِ مَن شئتَ أو امنع مَن شئتَ، لا حسابَ عليك؛ عن الحسن والضحاك
وغيرهما(٤).
قال الحسن: ما أنعم اللهُ على أحدٍ نعمةً إلا عليه فيها تبعة إلا سليمان عليه
السلام؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَعْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(٥).
وقال قتادة: الإشارة في قوله تعالى: ((هَذَا عَطَاؤُنَا)) إلى ما أُعطيه من القوّة على
الجماع، وكانت له ثلاث مئة امرأة وسبع مئة سُرِّيّة، وكان في ظهره ماء مئة رجل؛
رواه عكرمة عن ابن عباس(٦). ومعناه في البخاري (٧). وعلى هذا ((فَامْنُنْ)) من المنيّ؛
يقال: أمْنَى يُمني، ومَنَى يَمني لغتان، فإذا أمرتَ من أَمنى قلت: أمْنٍ؛ ويقال من
(١) أخرجهما الطبري ٢٠/ ٩٨-٩٩ .
(٢) قائله عمرو بن كلثوم، وهو في معلقته ص ١٠٠ (بشرح ابن كيسان).
(٣) النكت والعيون ٩٩/٥ .
(٤) أخرجه الطبري ٩٩/٢٠.
(٥) النكت والعيون ٩٩/٥، وسلف ٢٠٦/١٨ .
(٦) أخرجه الطبري ٢٠/ ١٠٠. قال أبو حيان في البحر ٣٩٩/٧: ولعله لا يصح عن ابن عباس؛ لأنه لم
يجرِ هنا ذكر النساء ولا ما أوتي من القدرة على ذلك.
(٧) يُشير إلى حديث: ((قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة ..... )) وهو في صحيح البخاري
(٦٦٣٩)، وسلف ٢٠٣/١٨ .

٢١٠
سورة ص : الآيات ٤٠ - ٤٣
مَنَّى يَمْني في الأمر: امنٍ، فإذا جئتَ بنون الفعل نون الخفيفة قلتَ: امْنِنْ. ومن ذهب
به المِنّة قال: مَنَّ عليه؛ فإذا أخرجه مُخرِجَ الأمر أبرزَ النونين؛ لأنه كان مضاعفاً
فقال: امنُنْ. فَيُروى في الخبر أنه سخّر له الشياطين، فمن شاء مَنَّ عليه بالعِثْق
والتخلية، ومَنْ شاء أَمْسكه؛ قاله قتادة والسُّدي(١). وعلى ما روى عكرمةُ عن ابن
عباس: أي: جامِعْ مَنْ شئتَ من نسائك، واتركْ جِماعَ مَنْ شئتَ منهنَّ لا حسابَ
عليك(٢). ﴿وَإِنَّ لَهُمُ عِنْدَنَا لَزُلْفَ وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ أي: إنْ أنعمنا عليه في الدنيا فله عندنا في
الآخرة قُربٌ وحُسْنُ مَرْجع.
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَّا أَيُوَبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ، أَنّ مَسَِّىَ الشَّيْطَانُ ◌ِنُصْرٍ وَعَذَابٍ
أَرَكُضْ بِْلِكٌ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَبٌ (٨٧) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا
وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَسِ
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ﴾ أمرٌ للنبي # بالاقتداء بهم في الصبر على
المكاره. ((أَيُّوبَ)) بدل.
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِي مَسَّتِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْرٍ وَعَذَابٍ﴾ وقرأ عيسى بن عمر: ((إنّي)) بكسر
الهمزة، أي: قال. قال الفراء(٣): وأجمعت القُرَّاء على أن قرؤوا: ((بِنُصْبٍ)) بضم
النون والتخفيف. النحاس: وهذا غلطً وبعده مُناقضة وغلطٌ أيضاً؛ لأنه قال: أجمعت
القُرَّاء على هذا، وحكى بعده أنهم ذكروا عن يزيد بن القعقاع أنه قرأ: ((بِنَصَب)) بفتح
النون والصاد، فَغَلِطَ على أبي جعفر، وإنما قرأ أبو جعفر: ((بِنُصُب)) بضم النون
والصاد(٤)؛ كذا حكاه أبو عُبيد وغيره، وهو مَرْوي عن الحسن(٥).
(١) أخرجه الطبري ٢٠/ ١٠٢ .
(٢) ذكره الطبري ١٠٣/٢٠ ولم ينسبه لأحد.
(٣) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٥، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس ٤٦٥/٣، وما قبله منه، وقراءة عيسى
ابن عمر في المحرر الوجيز أيضاً ٤/ ٥٠٧ .
(٤) النشر ٢/ ٣٦١ .
(٥) القراءات الشاذة ص ١٣٠.

٢١١
سورة ص : الآيات ٤١ - ٤٣
فأما ((بِنَصَب)) فقراءة عاصم الجحدريّ ويعقوب الحضرميّ(١). وقد رُويت هذه
القراءة عن الحسن. وقد حكي (((بِنَصْب)) بفتح النون وسكون الصاد عن أبي جعفر.
وهذا كلُّه عند أكثر النحويين بمعنى النَّصَبِ؛ فَنُصْب ونَصَب گَهُزْن وحَزَن.
وقد يجوز أن يكون نُصْب جمع نَصَب كوَثَن ووُثْن. ويجوز أن يكون نُصْب بمعنى
نُصُب حُذفت منه الضَّمة، فأما ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فقيل: إنه جمع
نصاب. وقال أبو عُبيدة(٢) وغيره: النُّصْبُ الشّرّ والبلاء. والنّصَب التَّعب والإعياء.
وقد قيل في معنى: ﴿أَنّ مَسَّفِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصٍْ وَعَذَابٍ﴾ أي: ما يلحقه من وسوسته
لا غير. والله أعلم. ذكره النحاس(٣).
وقيل: إن النُّصْب ما أصابه في بدنه، والعذاب ما أصابه في ماله (٤)؛ وفيه بُعْد.
وقال المفسرون: إن أيوبَ كان رُومِيًّا من البَثَنِيَّةِ(٥)، وكُنيته أبو عبد الله، في قول
الواقدي؛ اصطفاه الله بالنبوّة، وآتاه جملةً عظيمةً من الثروة في أنواع الأموال
والأولاد. وكان شاكراً لِأَنعُم الله، مُواسياً لعباد الله، بَرّاً رحيماً. ولم يُؤمن به إلا
ثلاثةُ نفر. وكان لإبليس موقفٌ من السماء السابعة في يوم من الأيام، فوقف به إبليس
على عادته؛ فقال الله له، أو قيل له عنه: أَقَدَرْتَ من عبدي أيوبَ على شيء؟! فقال:
يا رب، وكيف أقدِرُ منه على شيء، وقد ابتليتَهُ بالمال والعافية، فلو ابتليتّه بالبلاء
والفقر ونزعْتَ منه ما أعطيتَه لحال عن حاله، ولَخرج عن طاعتك. قال الله: قد
سلَّطتك على أهله وماله.
(١) النشر ٣٦١/٢.
(٢) في مجاز القرآن ١٨٤/٢.
(٣) في إعراب القرآن ٣/ ٤٦٥ .
(٤) النكت والعيون ١٠١/٥ عن السدي.
(٥) قال ابن إسحاق - كما في روح المعاني ٢٠٥/٢٣ -: الصحيح أنه كان من بني إسرائيل. والبَثْنِيَّة: ناحية
من نواحي دمشق. معجم البلدان ٣٣٨/١ .

٢١٢
سورة ص : الآيات ٤١ - ٤٣
فانحظّ عدوُّ الله فجمع عفاريتَ الجن، فأعلمهم، وقال قائل منهم: أكون
إعصاراً فيه نارٌ أُهلِكُ مالَه فكان؛ فجاء أيوبَ في صورة قيِّم ماله فأعلمه بما جرى؛
فقال: الحمد لله، هو أعطاه وهو مَنّعه. ثم جاء قصرَه بأهله وولده، فاحتمل القصر
من نواحيه حتى ألقاه على أهله وولده، ثم جاء إليه وأعلمه فألقى التراب على رأسه،
وصَعِدَ إبليس إلى السماء، فسبقته توبةُ أيوب.
قال: يارب سلْطني على بدنه. قال: قد سلَّطتك على بدنه إلا على لسانه وقلبه
وبصره، فنفخ في جسده نفخة اشتعل [منها] فصار في جسده ثآليلُ، فحكّها بأظفاره
حتى دَمِيتْ، ثم بالفَخَّار حتى تساقط لحمه. وقال عند ذلك: ((مَسَّنِيَ الشيطانُ)). ولم
يخلص إلى شيء من حشوة البطن؛ لأنه لا بقاءً للنَّفْس إلا بها، فهو يأكل ويشرب،
فمکث کذلك ثلاث سنين.
فلما غلبه أيوبُ اعترض لامرأته في هيئةٍ أعظمَ من هيئة بني آدم في القدر
والجمال، وقال لها: أنا إلهُ الأرض، وأنا الذي صنعتُ بصاحبكِ ما صنعت، ولو
سجدتِ لي سجدةً واحدة لَردَدْتُ عليه أهلَه(١) ومالَه وهم عندي. وعرض لها في بطن
الوادي ذلك كلَّه في صورته؛ أي: أظهره لها، فأخبرت أيوبَ، فأقسم أن يضربها إنْ
عافاه الله(٢).
وذكروا كلاماً طويلاً في [سبب بلائه و](٣) مراجعته لِرَبِّه وتبرُّمه من البلاء الذي
نزل به، وأن النَّفر الثلاثة الذين آمنوا به نَهَوْهُ عن ذلك واعترضوا عليه؛ وقيل: استعان
به مظلومٌ فلم ينصره، فابتُلي بسبب ذلك. وقيل: استضاف يوماً الناس فمنع فقيراً
الدخولَ، فابتُليَ بذلك. وقيل: كان أيوبُ يغزو مَلِكاً، وكان له غنم في ولايته، فداهنه
(١) في النسخ الخطية: حاله، والمثبت من (م).
(٢) أخرجه الطبري ٣٣٤/١٦ وما بعدها عن وهب بن منبه، وما بين حاصرتين منه، وسلفت قصة أيوب
عليه السلام ٢٥٦/١٤ وما بعدها، وذكرنا ثمة أن ما ورد من أخبار في مرضه المنفر كلها من
الإسرائيليات، وسيذكر المصنف قريباً ردًّ ابن العربي على هذا الخبر.
(٣) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق، وقد أضافها محققو (م).

٢١٣
سورة ص : الآيات ٤١ - ٤٣
لأجلها بترك غزوه فابتُلي(١). وقيل: كان الناس يتعدّون امرأته، ويقولون: نخشى
العَدْوى، وكانوا يستقذرونها؛ فلهذا قال: ((مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ)).
وامرأته ليا بنت يعقوب. وكان أيوب في زمن يعقوب وكانت أمه ابنةً لوط(٢).
وقيل: كانت زوجةُ أيوب رحمةً بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب عليهم السلام. ذكر
القولين الطبري رحمه الله(٣).
قال ابن العربي: ما ذكره المفسرون من أن إبليسَ كان له مكان في السماء السابعة
يوماً من العام فقولٌ باطل؛ لأنه أُهبط منها بلعنة وسخطٍ إلى الأرض، فكيف يرقَى إلى
محلِّ الرِّضا، ويجول في مقامات الأنبياء، ويخترق السماواتِ العُلى، ويعلو إلى
السماء السابعة إلى منازل الأنبياء، فَيَقِفُ موقفَ الخليل؟! إن هذا لخطبٌ من الجهالة
عظیم.
وأما قولهم: إن الله تعالى قال له: هل قدرتَ من عبدي أيوب على شي فباطلٌ
قطعاً؛ لأن الله عز وجل لا يُكلِّم الكفار الذين هم من جند إبليس الملعون؛ فكيف
يُكلِّم من تَوَلَّى إضلالَهم؟ !.
وأما قولهم: إن الله قال: قد سلَّطتك على ماله وولده، فذلك مُمكن في القُدرة،
ولكنه بعيدٌ في هذه القصة. وكذلك قولهم: إنه نفخَ في جسده حين سلَّطه عليه، فهو
أبعدُ، والباري سبحانه قادرٌ على أن يخلقَ ذلك كلَّه من غير أن يكون للشيطان فيه
كَسْبٌ حتى تَقَرَّ له - لعنةُ الله عليه - عينٌ بالتمكُّن من الأنبياء في أموالهم وأهليهم
وأنفسهم.
وأما قولهم: إنه قال لزوجته: أنا إله الأرض، ولو تركتِ ذكرَ الله وسجدتِ أنتِ
لي لَعافيته، فاعلموا، وإنكم لَتعلمون أنه لو عرضَ لأحدكم وبه ألمٌ، وقال هذا الكلام
(١) الكشاف ٣٧٦/٣ .
(٢) النكت والعيون ١٠١/٥ .
(٣) التعريف والإعلام للسهيلي ص ١٥٠.

٢١٤
سورة ص : الآيات ٤١ - ٤٣
ما جاز عنده أن يكون إلهاً في الأرض، وأنه يسجد له، وأنه يُعافي من البلاء، فكيف
أن تستريبَ زوجةُ نبيٍّ؟! ولو كانت زوجةَ سواديّ أو فَذْم(١) بربريّ ما ساغ ذلك
عندها.
وأما تصويرُه الأموالَ والأهلَ في وادٍ للمرأة، فذلك ما لا يقدر عليه إبليسُ
بحال، ولا هو في طريق السِّحر، فيقال: إنه من جنسه.
ولو تُصُوّر لَعلمت المرأة أنه سحرٌ كما نعلمه نحن، وهي فوقَنا في المعرفة بذلك؛
فإنه لم يخلُ زمان قطّ من السِّحرِ وحديثه وجَرْيه بين الناس وتصويره.
قال القاضي: والذي جَرَّأهم على ذلك وتذرَّعوا به إلى ذِكْر هذا قولُه تعالى: ﴿إِذْ
نَادَى رَبَّهُ، أَنّ مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ ◌ِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ فلما رَأوْه وقد شكا مَسَّ الشيطان أضافوا إليه
من رأيهم ما سبق من التفسير في هذه الأقوال.
وليس الأمرُ كما زعموا والأفعال كلُّها خيرها وشرها، في إيمانها وكفرها،
طاعتها وعصيانها، خالقها هو الله لا شريكَ له في خلقه، ولا في خلق شيء غيرها،
ولكن الشرَّ لا يُنسب إليه ذكراً، وإن كان موجوداً منه خَلْقاً؛ أدباً أدَّبنا به، وتحميداً
علَّمناه، وكان من ذِكْر محمد﴿ لربه به قوله من جملته: «والخيرُ في يديكَ، والشرُّ
ليس إليك))(٢) على هذا المعنى. ومنه قول إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ وقال
الفتى للكليم: ﴿وَمَّا أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣].
وأما قولهم: إنه استعان به مظلومٌ فلم ينصره، فمن لنا بصحة هذا القول. ولا
يخلو أن يكون قادراً على نصره، فلا يحلّ لأحدٍ تركُه فَيُلام على أنه عصى وهو مُنزَّه
عن ذلك. أو كان عاجزاً فلا شيء عليه في ذلك، وكذلك قولهم: إنه منع فقيراً من
الدخول؛ إن کان علم به فهو باطلٌ علیه، وإن لم يعلم به فلا شيء عليه فیه.
=
(١) الفَدْم من الناس: العَبِيُّ عن الحُجة والكلام مع ثقل ورخاوة وقلة فهم. اللسان (قدم).
(٢) أخرجه أحمد (٧٢٩)، ومسلم (٧٧١)، وسلف مطولاً ٩/ ١٤٠.

٢١٥
سورة ص : الآيات ٤١ - ٤٣
وأما قولهم: إن داهن على غَنَمه الملكَ الكافر، فلا تقل: داهن، ولكن قل:
دارَى. ودفعُ الكافر والظالم عن النفس أو المال بالمال جائز؛ نعم وبحسن الكلام.
قال ابن العربي القاضي أبو بكر ﴾: ولم يصحَّ عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا
الله عنه في كتابه في آيتين؛ الأولى قوله تعالى: ﴿وَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ: أَنِ مَسَنِىَ الشُّرُّ﴾
[الأنبياء: ٨٣] والثانية في ((صّ)) ﴿أَنِى مَسَِّىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾.
وأما النبي # فلم يصحّ عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: ((بينا أيوبُ يغتسلُ إذ
خَرَّ عليه رِجلْ مِن جرادٍ من ذَهَب)) الحديث(١).
وإذ لم يصحَّ عنه فيه قرآن ولا سُنة إلا ما ذكرناه، فمن الذي يُوصل السامع إلى
أيوب خبره، أم على أيِّ لسان سمعه؟ والإسرائيليات مرفوضةٌ عند العلماء على
البَتات؛ فأَعرِضْ عن سُطورها بصرك، واصممْ عن سماعها أُذنيك، فإنها لا تُعطي
فِكْرك إلا خيالاً، ولا تزيد فؤادَك إلا خبالاً.
وفي الصحيح - واللفظ للبخاري - أن ابن عباس قال: يا معشرَ المسلمين، تسألون
أهلَ الكتاب وكتابكم الذي أُنزِلَ على نبيكم أحدثُ الأخبار بالله، تقرؤونه مَخْضاً لم
يُشَبْ، وقد حدَّثكم أن أهل الكتاب قد بدَّلوا من كتب الله وغيَّروا وكتبوا بأيديهم
الكتب؛ فقالوا: ﴿هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩] ولا ينهاكم ما
جاءكم من العلم عن مسألتهم، فلا والله، ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الذي أُنزل
عليكم(٢). وقد أنكر النبي﴿ في حديث ((الموطأ)) على عمر قراءتَه التوراة(٣).
قوله تعالى: ﴿أَزَكُضْ بِْلِكٌ﴾ الرَّكْض الدَّفع بالرجل. يقال: رَكَض الدابةَ ورَگّض
ثوبه برجله. وقال المبرّد: الرَّكْض التحريك؛ ولهذا قال الأصمعي: يقال: رُكِضَت
(١) سلف ٤/ ٤٨٣ و١٥/ ١٨٢.
(٢) صحيح البخاري (٧٥٢٣). وقوله: لم يُشَب، أي: لم يُخالطه غيره
(٣) أخرجه أحمد (١٥١٥٦) من حديث جابر رضي الله عنه، وفي إسناده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف،
كما في التقريب. ولم نقف عليه في الموطأ ..

٢١٦
سورة ص : الآيات ٤١ - ٤٣
الدابّة. ولا يقال: رَكَضَت هي؛ لأن الركضَ إنما هو تحريكُ راكبها رجليه ولا فعلَ لها في
ذلك. وحكى سيبويه: رَكَّضتُ الدابةَ، فركضتْ، مثل: جَبرتُ العظم فَجَبَر، وحزنته
فحزن؛ وفي الكلام إضمار: أي: قلناله: ((ارْكُضْ)) قاله الكسائي(١). وهذا لمّا عافاه الله.
﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ أي: فَركَضَ فنبعتْ عينُ ماء فاغتسل به، فذهب الداءُ من
ظاهره، ثم شرب منه فذهب الداءُ من باطنه.
وقال قتادة: هما عينان بأرض الشام في أرض يقال لها: الجابية، فاغتسل من
إحداهما، فأَذهب اللهُ تعالى ظاهرَ دائه، وشَرِبَ من الأُخرى، فأذهب الله تعالى باطنَ
دائه. ونحوه عن الحسن(٢) ومقاتل؛ قال مقاتل: نَبعتْ عينٌ حارّة واغتسل فيها، فخرج
صحيحاً، ثم نبعت عينٌ أُخرى فشرب منها ماءً عذباً. وقيل: أُمر بالرَّكض بالرجل لِيتناثرَ
عنه كلُّ داء في جسده.
والمغتسَلُ الماء الذي يُغتَسَل به؛ قاله القتبي(٣). وقيل: إنه الموضع الذي يُغتسل
فيه؛ قاله مقاتل (٤).
الجوهري(٥): واغتسلت بالماء، والغَسُول: الماء الذي يُغتسَل به، وكذلك
المُغتَسَل، قال الله تعالى: ﴿هَذَا مُفْتَلٌ بَرِدٌ وَشَرَابٌ﴾ والمُغتسل أيضاً: الذي يُغتسل
فيه، والمَغْسِل والمَغْسَل بكسر السين وفتحها: مَغْسِل الموتى، والجمع المغاسل.
واختُلف كم بقي أيوبُ في البلاء؛ فقال ابن عباس: سبع سنين وسبعة أشهر
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٦٥/٣.
(٢) النكت والعيون ٥/ ١٠٢، وقول الحسن أخرجه الطبري ٣٦٤/١٦ مطولاً.
(٣) في غريب القرآن ص ٣٨٠ .
(٤) النكت والعيون ١٠٢/٥ .
(٥) الصحاح (غسل).
(٦) ذكره الرازي في تفسيره ٢٠٧/٢٢ عن مقاتل.

٢١٧
سورة ص : الآيات ٤٢ - ٤٤
وسبعة أيام وسبع ساعات(١). وقال وهب بن منبِّه: أصاب أيوبَ البلاءُ سبعَ سنين، وتُرك
يوسف في السجن سبع سنين، وعُذِّب بُخْتَنصَّر وحُوِّل في السباع سبع سنين. ذكره أبو
نعيم (٢). وقيل: عشرسنين. وقيل: ثمانَ عشرةَ سنة. رواه أنس مرفوعاً فيما ذكر الماوردي(٣).
قلت: وذكره ابن المبارك؛ أخبرنا يونس بن يزيد، عن عُقَيل عن ابن شهاب أن
رسول الله # ذکر یوماً أیوب وما أصابه من البلاء، وذكر أن البلاء الذي أصابه كان
به ثمانَ عشرةَ سنة (٤). وذكر الحديث القشيري. وقيل: أربعين سنة.
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُدْ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ تقدّم في ((الأنبياء)) الكلامُ فيه(٥). ﴿رَحْمَةٌ مِنَا﴾
أي: نعمة منا. ﴿وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ أي: عبرةً لذوي العقول.
قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِبِ بِهِ، وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَاِأَ نِعْمَ الْعَبْدُّ
إِنَّهُ: أَوَابُ
فيها سبع مسائل:
الأولى: كان أيوبُ حلف في مرضه أن يضربَ امرأته مئة جلدة؛ وفي سبب ذلك
أربعة أقوال :
أحدها: ما حكاه ابن عباس أن إبليسَ لَقِيَها في صورة طبيب فدعته لمداواة
أيوب؛ فقال: أُداويه على أنه إذا بَرِئ قال: أنتَ شفيتَني، لا أُريد جزاءً سواه. قالت:
نعم، فأشارتْ على أيوب بذلك فحلف لَيَضْرِيَِّّها. وقال: وَيْحَكِ ذلك الشيطان.
· الثاني: ما حكاه سعيد بن المسيَّب، أنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه من
الخبز، فخاف خيانتَها فحلف لَيضْرِبَنَّها.
(١) في الحلية ٤/ ٥٣.
(٢) في النكت والعيون ٥/ ١٠٢. والحديث سلف تخريجه ٢٦٠/١٤، وذكرنا ثمة أن الحافظ ابن كثير
قال: وهذا رَفْعُه غريب جداً، والأشبه أن يكون موقوفاً.
(٣) الزهد لابن المبارك (١٧٩) (زوائد نعيم)، وهو مرسل، وسلف مطولاً ١٤/ ٢٦٠ ينظر الكلام عليه ثمة .
(٤) ١٤/ ٢٦١ وما بعدها.

٢١٨
سورة ص : الآية ٤٤
الثالث: ما حكاه يحيى بن سلام وغيره: أن الشيطان أغواها أن تحمل أيوبَ
على أن يذبح سخلةً تقرُّباً إليه وأنه يبرأ؛ فذكرت ذلك له، فحلف لَيضْرِينَّها إنْ عُوفي
مئةً(١).
و[الرابع] قيل: باعت ذوائبها برغيفين إذ لم تجد شيئاً تحمله إلى أيوب، وكان
أيوبُ يتعلَّق بها إذا أراد القيام، فلهذا حلف لَيضْرِبَتّها(٢). فلما شفاه الله أمره أن يأخُذَ
ضِغْئاً فيضرب به، فأخذ شماريخ قدر مئة، فضربها ضربةً واحدة. وقيل: الضِّغث
قبضةُ حشيش مختلطة الرَّطب باليابس. وقال ابن عباس: إنه إشكال النخل الجامع
بشماريخه(٣).
الثانية: تضمَّنت هذه الآيةُ جوازَ ضرب الرجل امرأته تأديباً. وذلك أن امرأة أيوبَ
أخطأت فحلف لَيَضْرِينَّها مئة، فأمره الله تعالى أن يضربها بعُثكول من عثاكيل النخل.
وهذا لا يجوز في الحدود. إنما أمره الله بذلك لئلا يضرب امرأته فوقَ حدِّ الأدب.
وذلك أنه ليس للزوج أن يضرب امرأته فوقَ حدِّ الأدب؛ ولهذا قال عليه الصلاة
والسلام: ((واضْرِبُوهُنَّ ضرباً غير مُبَرِّح)) على ما تقدَّم في ((النساء)) بيانه (٤).
الثالثة: واختلف العلماء في هذا الحكم هل هو عام أو خاصٌّ بأیوب وحده؛
فروي عن مجاهد أنه عام للناس. ذكره ابن العربي(٥).
وحُكي عن القشيري أن ذلك خاص بأيوب.
وحكى المهدوي عن عطاء بن أبي رباح أنه ذهب إلى أن ذلك حُكْمٌ باقٍ، وأنه إذا
ضرب بمئة قضيب ونحوه ضربة واحدة بَرَّ. ورُوي نحوه عن الشافعي(٦). ورُوي نحوه
(١) النكت والعيون ١٠٣/٥ .
(٢) ذكره ابن العربي بنحوه في أحكام القرآن ١٦٣٩/٤، وسلف ٢٥٩/١٤ .
(٣) النكت والعيون ١٠٣/٥ .
(٤) ٢٨٦/٦، والحديث أخرجه مسلم (١٢١٨) مطولاً جداً من حديث جابر ﴾.
(٥) في أحكام القرآن ٤/ ١٦٤٠ .
(٦) ذكره الكيا في أحكام القرآن ٤/ ٣٦١ . وقع في (د) و(ز): وروى نحوه عنه الشافعي، وفي (م): وروى
نحوه الشافعي، والمثبت من (ظ).

٢١٩
سورة ص : الآية ٤٤
عن النبي # في المُفْعَد الذي حملت منه الوليدة، وأَمَر أن يُضْرَبَ بعُثكول فيه مئة
شمراخ ضربةً واحدة(١).
وقال القشيري: وقيل لعطاء: هل يُعمل بهذا اليوم؟ فقال: ما أُنزل القرآنُ إلا
◌ِيُعْمَلَ به ويُتَبع.
ابن العربي(٢): ورُوي عن عطاء أنها لأيوب خاصّة. وكذلك روی أبو زيد عن ابن
القاسم عن مالك: من حلف لَيضربنَّ عبدَه مئةً، فجمعها، فضربه بها ضربةً واحدة لم
يبرَّ. قال بعض علمائنا: يريد مالك قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾
أي: إن ذلك منسوخٌ بشريعتنا.
قال ابن المنذر(٣): وقد روينا عن عليٍّ أنه جلد الوليد بن عقبة بسوط له طرفان
أربعين جلدة(٤). وأنكر مالك هذا وتلا قول الله عز وجل: ﴿فَلَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِْتَةً
جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وهذا مذهبُ أصحاب الرأي. وقد احتجَّ الشافعي لقوله بحديث، وقد
تُكلِّم في إسناده؛ والله أعلم.
قلت: الحدیث الذي احتجّ به الشافعي خرجه أبو داود في «سننه»(٥) قال: حدثنا
أحمد بن سعيد الهَمْداني، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن
شهاب، قال: أخبرني أبو أمامةَ بن سهل بن حُنَيْف أنه أخبره بعض أصحاب النبي *
من الأنصار، أنه اشتكى رجلٌ منهم حتى أُضْنِي، فعاد جِلدةً على عظم، فدخلت عليه
جاريةٌ لبعضهم فهش لها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجالُ قومه يَعودونه أخبرهم
(١) سيأتي قريباً بتمامه.
(٢) أحكام القرآن ٤/ ١٦٤٠.
(٣) في الإشراف ٢٨/٢-٢٩ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٥٤٤) بهذا اللفظ، وأصله عند مسلم (١٧٠٧)، وليس فيه أنه جلده
بسوط له طرفان.
(٥) الحديث (٤٤٧٢). وأخرجه أحمد (٢١٩٣٥)، والنسائي في الكبرى (٧٢٦٨) من حديث سعيد بن سعد
ابن عبادة رضي الله عنهما.

٢٢٠
سورة ص : الآية ٤٤
بذلك وقال: استفتوا لي رسولَ الله﴿؛ فإني قد وقعتُ على جاريةٍ دَخلتْ عليَّ.
فذكروا ذلك لرسول الله ﴾، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضُّرِّ مثلَ الذي هو
به؛ لو حملناه إليك لَتفسَّخَتْ عِظامُه، ما هو إلا جلدٌ على عَظْم؛ فأمر رسولُ الله ﴾
أن يأخذوا له مئة شمراخ فيضربوه بها ضربةً واحدة.
قال الشافعي: إذا حلف لَيضربنَّ فلاناً مئة جلدة، أو ضرباً شديداً، ولم يقل: ضرباً
شديداً، ولم ينوِ ذلك بقلبه يكفيه مثلُ هذا الضرب المذكور في الآية ولا يحنث(١).
قال ابن المنذر(٢): وإذا حلف الرجل: لَيضربنَّ عبده مئةً فضربه ضرباً خفيفاً،
فهو بارِّ عند الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. وقال مالك: ليس الضربُ إلا
الضربَ الذي يُؤلم.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنَثْ﴾ دليلٌ على أن الاستثناء في اليمين لا يرفع
حُكماً إذا كان مُتراخياً. وقد مضى القول فيه في ((المائدة))(٣) يقال: حَنِثَ في يمينه
يَحْنَثُ، إذا لم يَبَرَّ بها. وعند الكوفيين الواو مقحمة، أي: فاضرِبْ لا تحنَثْ.
الخامسة: قال ابن العربي(٤): قوله تعالى: ﴿فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَمْنَثْ﴾ يدلُّ على أحد
وجهين: إما أن يكون أنه لم يكن في شرعهم كفارةٌ، وإنما كان البرّ والحِنْث.
والثاني: أن يكون صَدَرَ منه نذرٌ لا يمين، وإذا كان النذر مُعيَّنًا فلا كفارةَ فيه عند
مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: في كل نذر كفارة.
قلت: قوله: إنه لم يكن في شرعهم كفارة ليس بصحيح؛ فإن أيوبَ عليه السلام
لما بقي في البلاء ثمانَ عشرةَ سنة، كما في حديث ابن شهاب: قال له صاحباه: لقد
أذنبتَ ذنباً ما أظنُّ أحداً بلغه. فقال أيوب #: ما أدري ما تقولان، غير أنَّ ربي عز
(١) الأم ٧/ ٧٣ .
(٢) في الإشراف ١/ ٤٧٣ .
(٣) ٨/ ١٥١.
(٤) في أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٦٤٠.