Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة الصافات: الآيات ١١ - ٢١
وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: (بَلْ عَجِبْتَ)) ثم استأنف فقال: ((وَيَسْخَرُونَ)) أي: مما
جئتَ به إذا تلوتَه عليهم. وقيل: يَسخرون منك إذا دعوتهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرُوا﴾ أي: وُعظوا بالقرآن في قول قتادة ﴿لَّا يَذْكُرُونَ﴾
لا ينتفعون به. وقال سعيد بن جُبير: أي: إذا ذُكر لهم ما حلَّ بالمُكَذِّبین من قبلهم
أعرضوا عنه ولم يتدبَّروا(١).
﴿﴿وَإِذَا رَأَوْ ءَايَةٌ﴾ أي: معجزة ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أي: يسخرون في قول قتادة. ويقولون:
إنها سحر. واستسخر وسَخِرَ بمعنىّ، مثل: استقر وقرَّ، واستعجب وعَجِبَ(٢).
وقيل: ((يَسْتَسْخِرُونَ)) أي: يستدعون السُّخْري من غيرهم(٣). وقال مجاهد:
يستهزئون(٤). وقيل: أي: يظنُّون أن تلك الآية سُخرية.
﴿وَقَالُواْ إِنْ هَذَآ إلَّا سِخْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: إذا عَجَزوا عن مقابلة المُعجزات بشيء قالوا:
هذا سحرٌ وتَخييل وخداع.
﴿أَعِذَا مِنْنَا﴾ أي: أَنْبعثُ إذا مِتنا؟. فهو استفهامُ إنكار منهم وسُخرية. ﴿أَوَ ءَؤُنَا
الْأَلُونَ﴾ أي: أَوَ تُبعثُ آباؤنا. دخلت ألفُ الاستفهام على حرف العطف. وقرأ نافع:
((أَوْ آبَاؤُنَا)) بسكون الواو(٥). وقد مضى هذا في سورة ((الأعراف)) في قوله تعالى: ﴿أَوَ
أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الآية: ٩٧].
قوله تعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ﴿٨ فَإِنََّا هِىَ زَجْرَةٌ وَجِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ
وَقَالُواْ يَوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الذِّينِ (١٥) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُتُم بِهِ، ثُكَذِبُونَ
قوله تعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ أي: تُبعثون. ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: صاغرون أَذَلَّاء(٦)؛
(١) النكت والعيون ٤١/٥ بنحوه، وقول قتادة أخرجه الطبري ٥١٥/١٩ .
(٢) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٣٧٠ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤١٤/٣ .
(٤) أخرجه الطبري ٥١٥/١٩ - ٥١٦ .
(٥) قرأ بها نافع في رواية قالون، وابن عامر. السبعة ص٢٨٧، والتيسير ص١٨٦.
(٦) زاد المسير ٧/ ٥٢ .

٢٢
سورة الصافات: الآيات ١٨ - ٢١
لأنهم إذا رأَوا وقوعَ ما أنكروه فلا محالةَ يَذِلُّون. وقيل: أي: ستقوم القيامةُ وإنْ
كَرِهتم، فهو أمرٌ واقع على رغمكم وإنْ أنكرتموه اليومَ بزعمكم.
﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَجِدَةٌ﴾ أي: صيحةٌ واحدةٌ؛ قاله الحسن. وهي النفخة الثانية.
وسُمِّيت الصيحةُ زجرةً؛ لأن مقصودَها الزجر(١)؛ أي: يُزْجَر بها كزجر الإبل والخيل
عند السّوق.
﴿فَإِذَا هُمْ﴾ قِيَامٌ ﴿يَظُرُونَ﴾ أي: ينظر بعضهم إلى بعض. وقيل: المعنى:
ينتظرون ما يفعل بهم. وقيل: هي مثل قوله: ﴿فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
[الأنبياء: ٩٧]. وقيل: أي: ينظرون إلى البعث الذي أنكروه(٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَوَيَنَا هَذَا يَوْمُ الذِينِ﴾ نادَوْا على أنفسهم بالويل؛ لأنهم يومئذ
يعلمون ما حلَّ بهم. وهو منصوبٌ على أنه مصدر عند البصريين. وزعم الفرّاء أن
تقديره: يا وَيْ لَنَا، ووَيْ بمعنى حُزْن. النحاس(٣): ولو كان كما قال لكان منفصلاً،
وهو في المصحف مُتَّصل، ولا نعلم أحداً يكتبه إلا مُتَّصلاً.
و(يَوْمُ الدِّينِ)) يوم الحساب. وقيل: يوم الجزاء(٤).
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُتُم بِهِ تُكَّذِّبُونَ﴾ قيل: هو من قول بعضهم لبعض؛ أي:
هذا اليوم الذي كذَّبنا به. وقيل: هو من قول الله تعالى لهم(٥). وقيل: من قول
الملائكة؛ أي: هذا يومُ الحكم بين الناس، فيبين المُحِقَ من المُبطل. فـ ﴿فَرِيقٌ فِى
اَلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾(٦) [الشورى: ٧].
(١) النكت والعيون ٤٢/٥ .
(٢) النكت والعيون ٥/ ٤٢، والمحرر الوجيز ٤ /٤٦٨ بنحوه.
(٣) في إعراب القرآن ٤١٤/٣، وما قبله منه.
(٤) النكت والعيون ٤٢/٥ .
(٥) تفسير الطبري ٥١٨/١٩ .
(٦) تفسير الرازي ٢٦/ ١٣٠ بنحوه.

٢٣
سورة الصافات: الآيات ٢٢ -٣٥
مِن دُونِ اللَّهِ
قوله تعالى: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونٌ
®® بل
وَقِفُوُْ إِنَهُمْ مَسْئُولُونَ ﴿ مَا لَكُمْ لَا نَنَاصَرُونَ
٢٣
فَأَهْدُوهُمْ إِلَ صِرَطِ الْجَحِيمِ
هُ الْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٣٦ وَأَقْلَ بَعْضُهُمْ عَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ (٣٧) قَالُواْ إِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ
أَلْيَمِينِ (٨) قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلَ كُمْ
قَوْمًا طَغِينَ
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَيْئاً إِنَا لَذَا بِقُونَ * فَأَغْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَا غَوِينَ
فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِدٍ فِ الْعَذَابِ مُشْتِكُونَ ﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِلْمُجْرِمِينَ ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا
قِيلَ لَهُمْ لَّ إِلَهَ إِلَّ اللهُ يَسْتَكْرُونَ
٣٥
قوله تعالى: ﴿أَحْتُرُواْ الَّذِينَ ◌َلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ هو مِن قول الله تعالى للملائكة:
((اخْشُرُوا)) المشركين ((وَأَزْوَاجَهُمْ)) أي: أشياعَهم في الشِّرك، والشِّرك الظّلم؛ قال الله
تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فَيُحشَر الكافر مع الكافر؛ قاله قتادة
وأبو العالية .
وقال عمر بن الخطاب في قول الله عز وجل: ﴿أَخْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ قال:
الزاني مع الزاني، وشاربُ الخمر مع شاربِ الخمر، وصاحبُ السرقة مع صاحبٍ
السرقة. وقال ابن عباس: ((وأَزْوَاجَهُمْ)) أي: أشباههم. وهذا يَرجِعُ إلى قول عمر .
وقيل: ((وَأَزْوَاجَهُمْ)) نساءهم المُوافِقات على الكُفر؛ قاله مجاهد والحسن، ورواه
النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب .
وقال الضحاك: ((وَأَزْوَاجَهُمْ)) قُرَناءهم من الشياطين. وهذا قولُ مقاتل أيضاً:
يُحشَر كلُّ كافر مع شيطانه في سلسلة(١) .
﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُون مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: من الأصنام والشياطين وإبليس(٢).
﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَطِ الَِْمِ﴾ أي: سُوقوهم إلى النار. وقيل: (فَاهْدُوهُمْ)) أي: دُلُّوهم.
(١) الأقوال السالفة في إعراب القرآن للنحاس ٤١٥/٣، والنكت والعيون ٤٣/٥، وزاد المسير ٥٢/٧ .
وقول ابن عباس وعمر رضي الله عنهم أخرجه الطبري ٥١٩/١٩ - ٥٢٠ .
(٢) النكت والعيون ٤٣/٥ .

٢٤
سورة الصافات: الآيات ٢٢ - ٣٥
يقال: هَدَيْتُه إلى الطريق، وهَدَيْتُه الطريق؛ أي: دَلَلْته عليه. وأهديتُ الهديَّةَ، وهَديتُ
العروسَ، ويقال: أُهديتها؛ أي: جعلتها بمنزلة الهديَّة(١).
قوله تعالى: ﴿وَقِفُوْ إِنَّهُمْ تَسْئُولُونَ﴾ وحكى عيسى بن عمر: ((أَنَّهُمْ)) بفتح الهمزة.
قال الكسائي: أي: لأنهم، وبأنهم (٢)، يقال: وَقفتُ الدابَّةَ أَقِفُها وَقْفاً فوقفتْ هي
وقوفاً، يتعدَّى ولا يتعدَّى (٣)؛ أي: احبسوهم. وهذا يكون قبلَ السَّوق إلى الجحيم؛
وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: قِفُوهم للحساب، ثم سُوقوهم إلى النار. وقيل: يُساقون إلى
النار أولاً، ثم يُحشَرون للسؤال إذا قَرُبوا من النار .
(إِنَّهُمْ مسؤولون)) عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم؛ قاله القُرَظي والكلبي.
الضحاك: عن خطاياهم. ابن عباس: عن لا إله إلا الله (٤). وعنه أيضاً: عن ظلم
الخَلْقِ .
وفي هذا كلِّه دليلٌ على أن الكافر يُحاسَب. وقد مضى في ((الحجر)) الكلام فيه (٥).
وقيل: سؤالهم: أن يقال لهم: ﴿أَلَمْ بَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] إقامة
للحجة. ويقال لهم: ﴿مَا لَكُمْ لَا نَنَاصَرُونَ﴾ على جهة التفريع والتوبيخ؛ أي: ينصُر
بعضكم بعضاً، فيمنعه من عذاب الله (٦).
وقيل: هو إشارةٌ إلى قول أبي جهل يومَ بدر: ﴿َمْنُ جَمِيعُ مُنَصِيرٌ﴾(٧) [القمر: ٤٤].
وأصلُه: تتناصرون، فطُرحت إحدى التاءين تخفيفاً. وشدَّد البَزِّي التاء في الوصل(٨).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤١٦/٣
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤١٦/٣، وقراءة عيسى بن عمر في القراءات الشاذة ص ١٢٧.
(٣) الصحاح (وقف).
(٤) هذه الأقوال في زاد المسير ٥٣/٧ .
(٥) ٢٥٩/١٢ - ٢٦٠.
(٦) النكت والعيون ٥/ ٤٤ بنحوه.
(٧) المحرر الوجيز ٤٦٩/٤، وزاد المسير ٥٣/٧ .
(٨) التيسير ص ٨٣ .

٢٥
سورة الصافات: الآيات ٢٦ - ٣٥
قوله تعالى: ﴿بَّ هُ الْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ قال قتادة: مستسلمون في عذاب الله عز
وجل(١). ابن عباس: خاضعون ذليلون. الحسن: مُنقادون. الأخفش: مُلقون بأيديهم.
والمعنى مُتقارب.
﴿وَأَقْلَ بَعْضُهُمْ عَى بَعْضٍ﴾ يعني: الرؤساء والأتباع ﴿ يَتَسََّلُونَ﴾ يتخاصمون(٢) .
ويقال: لا يتساءلون، فسقطت لا. النحاس(٣): وإنما غلِطَ الجاهل باللغة، فتوهَّم
أنَّ هذا من قوله: ﴿فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَاءَ لُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، إنما هو:
لا يتساءلون بالأرحام، فيقول أحدُهم: أسألك بالرَّحِم الذي بيني وبينك لما نفعتني،
أو أسقطتَ لي حقّاً لك عليَّ، أو وهبتَ لي حسنة. وهذا بيِّن؛ لأن قبلَه ﴿فَلَآ أَنْسَابَ
بَيْنَهُمْ﴾. أي: ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم؛ كما جاء في الحديث ((إنَّ الرجلَ
لَيُسَرُّ بأن يصحَّ له على أبيه أو على ابنه حقٌّ فيأخذَه منه، لأنها الحسناتُ
والسيئات))(٤)، وفي حديث آخر: «رَحِمَ اللهُ امرءا كان لأخيه عنده مَظْلِمةٌ من مال أو
عِرْض، فأتاه فاستحلَّه قبل أن يُطالبَه به، فيأخذَ من حسناته، فإنْ لم تكن له حسناتٌ
زِيد عليه من سيئات المُطالِب))(٥) .
و ((يَتَّسَاءَلُونَ)) هاهنا إنما هو أن يسألَ بعضُهم بعضاً ويُوبِّخه في أنه أضلَّه أو فتح له
باباً من المعصية؛ يُبيِّن ذلك أن بعده ﴿إِنَّكُمْ كُمْ تَأْنُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾(٦).
قال مجاهد: هو قولُ الكفار للشياطين. قتادة: هو قولُ الإنس للجن. وقيل: هو
من قول الأتباع للمتبوعين (٧)؛ دليلُه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ
(١) أخرجه الطبري ١٩/ ٥٢٤ .
(٢) تفسير البغوي ٤/ ٢٥ .
(٣) في إعراب القرآن ٤١٦/٣ - ٤١٧ .
(٤) لم نقف عليه.
(٥) أخرجه الترمذي (٢٤١٩) بنحوه من حديث أبي هريرة ﴾. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٤١٧/٣ .
(٧) النكت والعيون ٤٥/٥، والمحرر الوجيز ٤٦٩/٤، وقول قتادة أخرجه الطبري ١٩/ ٥٢٤.

٢٦
سورة الصافات: الآيات ٢٧ - ٣٥
رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ الآية [سبأ: ٣١].
قال سعيد عن قتادة: أي: تأتوننا عن طريق الخير وتصدُّوننا عنها. وعن ابن
عباس نحو منه. وقيل: تأتوننا عن اليمين التي نُحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة
النُّصح. والعربُ تتفاءل بما جاء عن اليمين وتُسمِيه السانح. وقيل: (تَأْتُونَنا عن اليمينِ))
تأتوننا مجيء من إذا حلفَ لنا صدَّقناه(١). وقيل: تأتوننا من قِبل الدِّين فتهوِّنون علينا
أمرَ الشريعة وتُنفِّروننا عنها(٢).
قلت: وهذا القولُ حسنٌ جدّاً؛ لأن من جهة الدِّين يكون الخير والشرّ، واليمين
بمعنى الدِّين؛ أي: كنتم تزيِّنون لنا الضَّلالة .
وقيل: اليمين بمعنى القوَّة؛ أي: تمنعوننا بقوّة وغلبة وقهر؛ قال الله تعالى:
﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبَا بِأَلْيَمِينِ﴾ أي: بالقوّة وقوّة الرجل في يمينه؛ وقال الشاعر:
إذا مَا رَايةٌ رُفعِتْ لمجدٍ تَلقّاها عَرابَةُ باليمين(٣)
أي: بالقوّة والقُدرة. وهذا قولُ ابن عباس. وقال مجاهد: (تَأْتُونَنَا عَنِ اليمِينِ))
أي: من قِبَل الحقّ أنه معكم(٤)؛ وكلُّه مُتقارب المعنى .
﴿قَالُواْ بَل لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال قتادة: هذا قولُ الشياطين لهم(٥). وقيل: من قول
الرؤساء؛ أي: لم تكونوا مؤمنين قطُ حتى ننقلكم منه إلى الكفر، بل كنتم على الكفر
فأقمتُم عليه لِلإلف والعادة ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي: من حُجة في ترك
الحق. ﴿بَلْ كُمْ قَوْمًا طَِينَ﴾ أي: ضالِّين مُتجاوزين الحدّ .
﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِنَّاً﴾ هو أيضاً من قول المتبوعين؛ أي: وجب علينا وعليكم قولُ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤١٧.
(٢) زاد المسير ٧/ ٥٤ بنحوه.
(٣) قائله الشماخ بن ضرار، وهو في ديوانه ص ٣٣٦ .
(٤) النكت والعيون ٤٥/٥ - ٤٦ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤١٧ .

٢٧
سورة الصافات: الآيات ٣١ - ٣٥
ربِّنا، فكلنا ذائقو العذاب، كما كتب اللهُ وأخبرَ على ألسنة الرُّسل ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ
الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١) [هود: ١١٩]. وهذا موافق للحديث: ((إنَّ اللهَ جلّ وعزّ كتب
للنار أهلاً وللجنة أهلاً، لا يُزادُ فيهم ولا ينقصُ منهم))(٢).
﴿فَأَغْوَيْنَكُمْ﴾ أي: زيَّنا لكم ما كنتم عليه من الكفر ﴿إِنَّا كُنَّا غَوِينَ﴾ بالوسوسة
والاستدعاء. ثم قال خبراً عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِذٍ فِ الْعَذَابِ مُشْتَرَكُونَ﴾ الضالّ والمُضِلّ.
﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا الفعل ﴿نَفْعَلُ بِلْمُجْرِمِينَ﴾ أي: المشركين.
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ﴾ أي: إذا قيل لهم: قولوا، فأضمرَ
القولَ .
و((يَسْتَكْبِرُونَ)) في موضع نصب على خبر كان. ويجوز أن يكون في موضع رفع
على أنه خبر إنّ، وكان مُلغاة(٣). ولما قال النبي # لأبي طالب عند موته واجتماع
قريش («قولوا: لا إله إلا الله، تَملِكوا بها العربَ، وتَدين لكم بها العَجَم)»(٤) أبَوْا
وأَنِفُوا من ذلك. وقال أبو هريرة عن النبي # قال: ((أنزل اللهُ تعالى في كتابه فذكَر قوماً
استكبروا فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِذْ
جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اَللَّهُ سَكِينَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى
اَلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُواْ لَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَاً﴾ [الفتح: ٢٦] وهي: لا إلهَ إلا
اللهُ محمدٌ رسولُ الله)) استكبر عنها المشركون يومَ الحُدَيْبِيَة يومَ کاتَّبھم رسولُ الله ◌ِ﴾
(١) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٣٦/٤، وزاد المسير ٥٤/٧ - ٥٥ .
(٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج نحوه أحمد (٦٥٦٣) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما،
وإسناده ضعيف، وفي هذا المعنى عدة أحاديث ثابتة سلفت الإشارة إليها ٣٧٦/٩ ، منها حديث
علي ﴾، ولفظه: ((ما منكم من أحدٍ، ما من نفس منفوسة إلا كُتِبَ مكانُها من الجنة والنار .. )) أخرجه
أحمد (٦٢١)، والبخاري (١٣٦٢)، ومسلم (٢٦٤٧).
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤١٨/٣ .
(٤) أخرجه أحمد (٢٠٠٨)، والترمذي (٣٢٣٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه.

٢٨
سورة الصافات: الآيات ٣٦ - ٤٠
على قضية المُدَّة؛ ذكر هذا الخبرَ البيهقيُّ(١)، والذي قبله القشيري.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَرِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِ تَجْنُونٍ ﴿ بَلْ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ
اُلْمُرْسَلِينَ ﴿ إِنَّكُمْ لَذَابِقُواْ الْعَذَابِ اْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَّوْنَ إلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ
(٣٩)
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَيْنَّا لَتَرِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعٍِ تَجْنُونٍ﴾ أي: لِقول شاعرٍ مجنون؛
فردَّ الله جل وعز عليهم فقال: ﴿بَلْ جَّمَ بِالَْقِّ﴾ يعني القرآن والتوحيد ﴿وَصَدَّقَ
اَلْمُرْسَلِينَ﴾ فيما جاؤوا به من التوحيد.
﴿إِنَّكُمْ لَذَابِقُواْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ الأصلُ: لذائقون، فَحُذِفَت النون استخفافاً وخُفضت
للإضافة. ويجوز النصبُ كما أنشد سيبويه(٢):
وَلَا ذَاكرِ اللهَ إلَّ قليلاً(٣)
فَأَلْفَيْتُهُ غِيرَ مُسْتَغْتِبٍ
وأجاز سيبويه ((وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةَ)) [الحج: ٣٥](٤) على هذا.
﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: إلا بما عَمِلتم من الشِّرك ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ
اُلْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء ممن يذوق العذاب. وقراءة أهل المدينة والكوفة: ((المُخْلَصِينَ))
بفتح اللام(٥)، يعني الذين أخلصهم اللهُ لطاعته ودينه وولايته. الباقون بكسر اللام؛
أي: الذين أخلصوا لله العبادة. وقيل: هو استثناء منقطع؛ أي: إنكم أيها المجرمون
ذائقو العذاب، لكن عباد الله المخلصين لا يذوقون العذاب (٦).
(١) في الأسماء والصفات (١٩٦)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٢١٨).
(٢) في الكتاب ١٦٩/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤١٨/٣.
(٣) قائله أبو الأسود الدؤلي، وسلف ٢/ ١٥ ....
(٤) قرأ بها ابن أبي إسحاق، كما ذكرناه ١٤/ ٣٩٣ .
(٥) السبعة ص ٣٤٨، والتيسير ص ١٢٨ .
(٦) تفسير الرازي ١٣٦/٢٦ بنحوه.

٢٩
سورة الصافات: الآيات ٤١ - ٤٩
فَكَةٌ وَهُمْ تُكْرَمُونَ (٨) فِ جَنَّتِ النَِّيمِ
٤
قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ
٤٣
عَلَى سُرُرٍ مُنَقَبِلِينَ ﴾ يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَعِينٍ ﴿ بَيْضَلّمَ لَذَّةٍ لِلشَّرِيِينَ
٤٦
٤٨
لَا فِيهَا غَوْلُ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنَزَّقُونَ (٨٧) وَعِندَهُمْ قَصِرَاتُ الطَّرْفِ عِيٌ
كَنَّهُنَّ بَيْضُ مَّكْنُونٌ
قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ لَّمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾ يعني المخلَصين؛ أي: لهم عطيةٌ معلومةٌ
لا تنقطع. قال قتادة: يعني الجنة. وقال غيره: يعني رزق الجنة. وقيل: هي الفواكهُ
التي ذَكَر. قال مقاتل: حين يَشتهونه. وقال ابن السائب: إنه بمقدار الغَداة والعَشِيّ؛
قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بَكْرَةٌ وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢].
﴿فَوَّكِهُ﴾ جمع فاكهة؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَهُم بِفَكِهَةٍ﴾ [الطور: ٢٢] وهي
الثّمار كلُّها رَظبها ويابسها؛ قاله ابن عباس(١).
﴿وَهُمْ تُكَّمُونَ﴾ أي: ولهم إكرامٌ من الله جل وعز برفع الدرجات وسماع كلامه
ولقائه. ﴿في جَثَتِ التَّعِيمِ﴾ أي: في بساتين يتنعَّمون فيها. وقد تقدَّم أن الجِنان سبعٌ في
سورة (يونس)) منها النعيم(٢).
قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُنَّقَِينَ﴾ قال عكرمة ومجاهد: لا ينظر بعضُهم في قَفا
بعض(٣)، تواصلاً وتحابياً. وقيل: الأَسِرَّة تدور كيف شاؤوا، فلا يرى أحدٌ قفا أحد.
وقال ابن عباس: على سُرر مُكلَّلة بالدُّرّ والياقوت والزَّبرجد؛ السرير ما بين صنعاء
إلى الجابية، وما بين عَدَن إلى أيلة(٤). وقيل: تدور بأهل المنزل الواحد. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن ◌َعِينٍ﴾ لمَّا ذكَر مطاعِمَهم ذَكَر شرابَهم.
(١) زاد المسير ٧ /٥٥ - ٥٦ .
(٢) ١٠ / ٤٨١ .
(٣) قول مجاهد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٣٨/١٣، وقول عكرمة أورده النحاس في إعراب القرآن
٤١٩/٣ .
(٤) لم نقف عليه. وأيلة: جبل بين مكة والمدينة قرب ينبع.

٣٠
سورة الصافات: الآيات ٤٥ - ٤٩
والكأسُ عند أهل اللغة اسمٌ شامل لكلِّ إناء مع شرابه؛ فإنْ كان فارغاً فليس
بكأس(١). قال الضحاك والسدي: كلُّ كأس في القرآن فهي الخمر، والعربُ تقول
للإناء إذا كان فيه خمرٌ: كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا: إناء وقدح(٢) .
النحاس(٣): وحكى من يُوثق به من أهل اللغة أن العرب تقول لِلقَدَح إذا كان فيه
خمر: كأس؛ فإذا لم يكن فيه خمرٌ فهو قَدَح؛ كما يقال للخُوَان إذا كان عليه طعام:
مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام لم تقل له: مائدة. قال أبو الحسن بن كيسان: ومنه:
◌َعينة، للهودج إذا كان فيه المرأة .
وقال الزجاج(٤): ((بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ)) أي: من خمر تجري كما تجرى العيون على
وجه الأرض. والمعين: الماء الجاري الظاهر(٥).
﴿بَضَآءُ﴾ صفةٌ للكأس. وقيل: للخمر. ﴿لََّّةِ لِلشَّرِبِنَ﴾ قال الحسن: خمرُ الجنة
أشدُّ بياضاً من اللبن(٦). (لَذَّةٍ)، قال الزجاج(٧): أي: ذات لذَّة، فحذف المضاف.
وقيل: هو مصدر جعل اسما، أي: بيضاء لذيذة؛ يقال: شرابٌ لذّ ولذيذ، مثل:
نباتٌ غَضِّ وغَضِيض. فأما قولُ القائل:
بأرض العِدًا مِنْ خَشيةِ الحَدَثَانِ(٨)
ولذٌّ كطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تركتُهُ
(١) زاد المسير ٥٦/٧، وينظر تهذيب اللغة ٣١٤/١٠.
(٢) تفسير الطبري ١٩/ ٥٣١.
(٣) في إعراب القرآن ٤١٩/٣ .
(٤) في معاني القرآن ٣٠٣/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤١٩/٣ .
(٥) تهذيب اللغة ١٦/٣ .
(٦) المحرر الوجيز ٤٧٢/٤، وزاد المسير ٥٦/٧ .
(٧) في معاني القرآن ٣٠٣/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤١٩/٣ .
(٨) البيت للراعي النميري، وهو في ديوانه ص١٨٦، وروايته:
عشية خمس القوم والعين عاشقه
ولذِّ كطعم الصرخدي طرحتُه
والبيت ذكره مثل رواية المصنف الأزهريُّ في تهذيب اللغة ٤٠٩/١٤، والزمخشري في الكشاف =

٣١
سورة الصافات: الآيات ٤٥ - ٤٩
فإنه يريد النوم. وقيل: ((بَيْضَاءَ)) أي: لم يعتصرها الرجال بأقدامهم. ﴿لَا فِيهَا
غَوْلٌ﴾ أي: لا تغتال عقولهم، ولا يُصيبهم منها مرضٌ ولا صُداع(١).
﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُتَّقُونَ﴾ أي: لا تذهبُ عقولُهم بشربها(٢)؛ يقال: الخمرُ غَوْل
للحِلْم، والحربُ غولٌ للنفوس؛ أي: تذهبُ بها. ويقال: نُزِف الرجلُ يُنْزَف، فهو
منزوفٌ ونَزِیفٌ، إذا سَکِرَ. قال امرؤ القيس:
◌ِ يَصْرَعُه بالكثيب البُهُر(٣)
وإذ هي تمشِي كمشي الشَّزِيـ
وقال أيضاً :
تُراشِي الفؤادَ الرَّخْصَ ألَّا تَختَّرا(٤)
نَزِيفٌ إذا قامتْ لِوجهٍ تمايلَتْ
وقال آخر:
شُرْبَ النَّزِيفِ ببرد ماءِ الحَشْرِجِ(٥)
فلثمتُ فاها آخِذاً بِقُرونها.
وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي(٦)؛ من أَنزف القومُ، إذا حان منهم النَّزْف،
وهو السُّكر. يقال: أحصدَ الزَّرُ، إذا حان حَصادُه، وأَقطفَ الكرمُ، إذا حان قِطافُه،
وأَركبَ المهرُ، إذا حان رُكوبه. وقيل: المعنى: لا يُنفِدون شرابَهم؛ لأنه دأبهم؛
يقال: أَنزف الرجل، فهو منزوف، إذا فَنِيتْ خمرُه. قال الحُطيئة:
= ٣٤٠/٣. وصرخد: موضع ينسب إليه الشراب. اللسان (صرخد). قال الأزهري: أراد: أنه لما دخل
ديار أعدائه لم ينم حذاراً لهم.
(١) تفسير البغوي ٤/ ٢٧ ، وزاد المسير ٥٦/٧.
(٢) أخرجه الطبري ١٩/ ٥٣٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) ديوان امرئ القيس ص ١٥٦ . قال شارحه: البهر: من الانبهار، وهو انقطاع النَّفَس.
(٤) ديوان امرئ القيس ص ٦١. الرخص: الناعم. القاموس (رخص). قال شارح الديوان: أي: تداري
فؤادها لتشتدّ عند المشي ولا تفتر.
(٥) البيت في الأغاني ١/ ١٩١ ضمن أبيات لعمر بن أبي ربيعة. وهو في اللسان (حشرج) وفيه: قال ابن
بري: البيت لجميل بن معمر وليس لعمر بن أبي ربيعة. والنزيف: المحموم الذي مُنع من الماء.
والحشرج: النُّقرة في الجبل يجتمع فيها الماء فيصفو.
(٦) السبعة ص ٥٤٧ والتيسير ص ١٨٦ .
أ

٣٢
سورة الصافات: الآيات ٤٥ - ٤٩
لَعَمْرِي لئن أَنْزِقْتُم أو صَحَوْتُمُ لَبئس النَّدامَى كنتمُ آلَ أَبْجَرَا(١)
النحاس(٢): والقراءةُ الأولى(٣) أبينُ وأصحُّ في المعنى؛ لأن معنى ((يُنْزَفُونَ)) عند
جِلَّة أهل التفسير - منهم مجاهد(٤) - : لا تذهب عقولهم؛ فنفى الله عز وجل عن خمر
الجنة الآفاتِ التي تلحق في الدنيا من خمرها، من الصُّداع والسُّكر. ومعنى ((يُنْزِفُونَ))
الصحيح فيه أنه يقال: أنزف الرجل إذا نَفِدَ شرابُه، وهو یبعد أن يُوصَفَ به شرابُ
الجنة؛ ولكن مجازه أن يكون بمعنى: لا يَنفَدُ أبداً .
وقيل: ((لَا يُنْزِفُونَ)) بكسر الزاي: لا يَسْكُرون؛ ذكره الزجاج وأبو عليّ(٥) على ما
ذكره القُشَيري .
المهدوي: ولا يكون معناه: يَسْكَرون؛ لأن قبلَه ((لا فيها غَوْلٌ)). أي: لا تغتال
عقولَهم فيكون تكراراً؛ ويسوغ ذلك في ((الواقعة))(٦).
ويجوز أن يكون معنى «لا فيها غَوْلٌ)) لا يمرضون؛ فيكون معنى «ولاهُمْ عنها
يُنْزَفُونَ)) لا يَسْكَرون أو لا ينفَدُ شرابُهم(٧). قال قتادة: الغول وجعُ البطن. وكذا روى
ابنُ أبي نَجيح عن مجاهد: ((لا فيها غَوْلٌ)) قال: لا فيها وجعُ بطن. الحسن: صُداع.
وهو قول ابن عباس ((لا فيها غَوْلٌ)): لا فيها صُداع(٨). وحكى الضحاك عنه أنه قال:
(١) لم نقف عليه في ديوان الحطيئة، ونسبه الطبري في تفسيره ٥٣٧/١٩، والجوهري في صحاحه
(نزف)، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٤٧٢ للأَبَيْردِ الرَّياحي، والكلام بنحوه في معاني القرآن
للزجاج ٣٠٣/٤ ، والحجة لأبي علي الفارسي ٦/ ٥٤ - ٥٥، والنكت والعيون ٤٨/٥، وزاد المسير
٧/ ٥٧ ، وكلهم أورد البيت شاهداً على أن أنزف بمعنى سكِرَ.
(٢) في إعراب القرآن ٤١٩/٣.
(٣) يعني قراءة: ((يُنزَفون)) بفتح الزاي.
(٤) أخرجه الطبري ٥٣٦/١٩ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٣٠٣/٤ ، والحجة لأبي علي الفارسي ٦/ ٥٥ .
(٦) في تفسير الآية (١٩).
(٧) الكلام بنحوه في الحجة لأبي علي الفارسي ٦/ ٥٥ .
(٨) أخرج هذه الأقوال - ماعدا قول الحسن - الطبري ٥٣٢/١٩ - ٥٣٣ وقول الحسن ذكره البغوي في
تفسيره ٢٧/٤

٣٣
سورة الصافات: الآيات ٤٥ - ٤٩
في الخمر أربعُ خصال: السُّكر والصُّداع والقيء والبول؛ فذكر الله خمرَ الجنة فنزَّهَها
عن هذه الخِصال(١). مجاهد: داء. ابن كيسان: مَغْص. وهذه الأقوالُ متقاربة .
وقال الكلبي: ((لا فيها غَوْلٌ)) أي: إثم(٢)؛ نظيره: ﴿لَّا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأْثِرٌ﴾
[الطور: ٢٣]. وقال الشعبي والسدي وأبو عُبيدة: لا تغتال عقولهم فتذهب بها. ومنه
قول الشاعر :
وما زالتِ الكأَسُ تغتالُنا وتَذهبُ بالأولِ الأولِ(٣)
أي: تصرعُ واحداً واحداً .
وإنما صرفَ الله تعالى السُّكر عن أهل الجنة لئلا ينقطعَ الالتذاذ عنهم بنعيمهم .
وقال أهل المعاني: الغَوْل فسادٌ يلحق في خفاء. يقال: اغتاله اغتيالاً إذا أفسدَ
عليه أمره في خُفية(٤). ومنه الغَوْل والغِيلة: وهو القتل خُفية.
قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَصِرَّتُ اَلَّرْفِ﴾ أي: نساء قد قَصَرْنَ طرفهنَّ على أزواجهنَّ
فلا ينظرن إلى غيرهم؛ قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغيرهم. عكرمة:
(( قَاصِرَاتِ الظَّرْف)) أي: محبوساتٌ على أزواجهنّ. والتفسير الأوّل أبينُ؛ لأنه ليس
في الآية مقصورات، ولكن في موضع آخر: ﴿مَّقْصُورَتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] يأتي بيانُه(٥) .
و((قاصرات)) مأخوذ من قولهم: قد اقتصر على كذا، إذا اقتنع به وعدلَ عن غيره؛
قال امرؤ القيس :
(١) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور ٢٧٤/٥ .
(٢) النكت والعيون ٥/ ٤٧ .
(٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٦٩/٢، وقول السدي أخرجه الطبري ٥٣٤/١٩، والبيت نسبه الرازي
في تفسيره ٢٦/ ١٣٧ لمطيع بن إياس، وهو غير منسوب في تفسير الطبري ١٩/ ٥٣٢، والمحرر الوجيز
٤/ ٤٧٢.
(٤) تفسير البغوي ٤/ ٢٧ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٢٠، وقول ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد أخرجه الطبري ٥٣٧/١٩
- ٥٣٨
٤

٣٤
سورة الصافات: الآيات ٤٥ - ٤٩
من الذَّرِّ فَوْقَ الإنْب منها لأَّرا(١)
من القاصراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُخوِلٌ
ويروى: فوق الخد(٢). والأوّل أبلغ. والإتْب القميص، والمُحْوِل: الصغير من
الذر. وقال مجاهد أيضاً: معناه: لا يَغَرْنَ(٣).
﴿عِينٌ﴾ُ عِظامُ العيون، الواحدة عَيْناء؛ وقاله السُّدي. مجاهد: ((عِينٌ)) حِسان
العيون (٤). الحسن: الشديداتُ بياض العين، الشديدات سوادها(٥). والأوّل أشهرُ في
اللغة. يقال: رجلٌ أعينُ، واسع العين، بيِّن العَيَن، والجمع: عِين، وأصله فُعْل
بالضم، فكسرت العين؛ لئلا تنقلب الواو ياء. ومنه قيل لبقر الوحش: عِين، والثور
أعينُ، والبقرة عَيْناء(٦).
﴿كَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُنٌ﴾ أي: مصون. قال الحسن وابن زيد: شُبِّهن ببيض النَّعام،
تَكُنُّها النعامة بالريش من الريح والغبار، فلونُها أبيضُ في صُفرة، وهو أحسنُ ألوان
النساء. وقال ابن عباس وابن جُبير والسدي: شُبِّهن ببطن البيض قبل أن يُقْشَرَ وتَمَسُّه
الأيدي. وقال عطاء: شُبِّهن بالسِّحاء الذي يكون بين القِشرة العليا ولُباب البَيْض(٧).
وسَحَاةُ كل شيء قِشْره، والجمع سَحًا؛ قاله الجوهري(٨). ونحوه قول الطبري(٩)،
قال: هو القِشر الرقيق، الذي على البيضة بين ذلك. ورَوَى نحوه عن النبيّ ﴾(١٠).
(١) ديوان امرئ القيس ص ٦٨.
(٢) ذكره بهذه الرواية الماوردي في النكت والعيون ٤٨/٥، والكلام السالف فيه.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٢٧/٦ .
(٤) النكت والعيون ٤٨/٥، وزاد المسير ٥٨/٧، وقول السدي أخرجه الطبري ١٩/ ٥٣٩.
(٥) مجمع البيان ٢٣/ ٥٧ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٢٠، والصحاح (عين).
(٧) هذه الأقوال في تفسير الطبري ٥٤٠/١٩، والنكت والعيون ٤٨/٥، وتفسير البغوي ٢٧/٤، وزاد
المسير ٥٨/٧ .
(٨) في الصحاح (سحا).
(٩) في تفسيره ١٩ / ٥٤١ .
(١٠) من حديث أم سلمة رضي الله عنها، بلفظ: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيَضْ تَكْتُونٌ﴾ =

٣٥
سورة الصافات: الآيات ٤٩ - ٦١
والعربُ تُشبِّه المرأة بالبيضة لِصفائها وبياضها (١)؛ قال امرؤ القيس:
وبيضةٍ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤها تَمتَّعتُ من لَهْوِ بها غيرَ مُعْجَلٍ(٢)
وتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحُسن والنظافة: كأنه بيضُ النعام المُغّى
بالريش(٣). وقيل: المكنون: المَصُون عن الكسر؛ أي: إنهنَّ عذارَى. وقيل: المرادُ
بالبيض اللؤلؤ(٤)؛ كقوله تعالى: ﴿وَحُورُ عِنٌّ كَمْثَلِ اللُُّلُوِ الْمَكْتُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢-٢٣]
أي: في أصدافه؛ قاله ابن عباس أيضاً. ومنه قول الشاعر:
وهي بيضاءُ مِثلُ لُؤْلُؤة الغَوَّاصِ مِيزَتْ مِن جَوْهَرٍ مَكْنونٍ (٥)
وإنما ذكر المكنون والبيض جمع؛ لأنه ردَّ النَّعت إلى اللَّفظ (٦).
قوله تعالى: ﴿فَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَّسَآءَ لُونَ ﴾ قَالَ قَّابِلٌ مِنْهُمْ إِنِّ كَانَ لِ
قَرِينٌ ﴾ يَقُولُ أَمِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ﴿٨ ◌َِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَِنَّا لَمَدِينُونَ
® قَالَ تَلَّهِ إِن كِدتَّ
فَطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِ سَوَآءِ الْجَحِيمِ
قَالَ هَلْ أَنْتُم مُقطَّلِعُونَ (@)
لَتُدِينِ (٨٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّ لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٨٧ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴾ إِلَّا
لِمِثْلِ هَذَا
مَوْنَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ
قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ﴾ أي: يتفاوضون فيما بينهم
= قال: ((رِقَّتُهنَّ كرِقَّة الجلدة التي رأيتها في داخل البيضة التي تلي القشرة .. )) وفي إسناده سليمان ابن أبي
كريمة. ضعَّفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير، ميزان الاعتدال ٢٢١/٢ .
(١) معاني القرآن للنحاس ٢٨/٦، وتفسير البغوي ٢٧/٤، وزاد المسير ٥٨/٧، وفيهما: والعرب تُشَبِّه
المرأة ببيضة النعامة.
(٢) ديوان امرئ القيس ص ١٣، والبيت من معلقته.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٠/٣.
(٤) أخرجه الطبري ١٩ / ٥٤١ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٥) قائله أبو دهبل، وهو في تفسير الطبري ١٩/ ٥٤١، والنكت والعيون ٤٨/٥، وخزانة الأدب (طبعة دار
صادر) ٣/ ٢٨٠ وعند الطبري والبغدادي: زهراء، بدل: بيضاء.
(٦) تفسير البغوي ٤/ ٢٧ .

٣٦
سورة الصافات: الآيات ٥٠ - ٦١
أحاديثَهم في الدنيا. وهو من تمام الأُنس في الجنة. وهو معطوفٌ على معنى ((يُطَاف
عليهم)) المعنى: يشربون فيتحادثون على الشَّراب كعادة الشُّرَّاب. قال بعضهم:
أحاديثُ الكِرامِ على المُدام
وما بَقيتْ من اللّذاتِ إلَّا
فَيُقِل بعضُهم على بعض يتساءلون عمَّا جرى لهم وعليهم في الدنيا؛ إلا أنه جيء
به ماضياً على عادة الله تعالى في إخباره(١).
قوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: من أهل الجنة: ﴿إِنَّ كَانَ لِ قَرِينٌ﴾ أي:
صديقٌ مُلازم ﴿يَقُولُ أَمِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ أي: بالمبعث والجَزاء. وقال سعيد بن جُبير:
قرينه شريكه(٢). وقد مضى في ((الكهف)) ذكرهما وقصَّتهما والاختلافُ في اسميهما
مستوفىّ عند قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلَا رَّجُلَيْنٍ﴾ [الآية: ٢٢]. وفيهما أنزل اللهُ جلّ
وعزّ: ﴿قَالَ قَابِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّ كَانَ لِ قَرِيِنٌ﴾ إلى ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
وقيل: أراد القرين قرينَه من الشياطين، كان يُوسوس إليه بإنكار البعث(٣).
وقرئ: ((أَئِنَّكَ لمنَ المُصَّدِّقِينَ)) بتشديد الصاد. رواه عليّ بن كِيْسة عن سليم عن
حمزة(٤). قال النحاس(٥): ولا يجوز ((أَئِنَّكَ لمنَ المُصَّدِّقِينَ)) لأنه لا معنى للصَّدقة
هاهنا .
وقال القشيري: وفي قراءة عن حمزة: ((أَئِنَّكَ لَمِنَ المُصَّدِّقِينَ)) بتشديد الصاد.
(١) تفسير الرازي ١٣٨/٢٦ ، والبيت فيه دون نسبة.
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٩/٥، وابن الجوزي في زاد المسير ٥٩/٧ عن ابن عباس
رضي الله عنهما.
(٣) النكت والعيون ٤٩/٥، وتفسير البغوي ٢٨/٤، وزاد المسير ٥٩/٧ عن مجاهد.
(٤) وهي غير المشهورة عن حمزة، والمشهورة عنه كقراءة الجماعة، وذكرها عن حمزة غير المصنف ابنُ
الجوزي في زاد المسير ٥٩/٧ لكن من طريق بكر بن عبد الرحمن القاضي عنه. وعلي بن كِيْسة روى
القراءة عن سليم، وهو ابن عيسى بن سليم أبو محمد الحنفي، مولاهم، الكوفي، المقرئ، توفي سنة
(١٨٨ هـ). الإكمال لابن ماكولا ١٥٧/٧ - ١٥٨، وطبقات القراء ٣١٨/١.
(٥) في إعراب القرآن ٣/ ٤٢١.

٣٧
سورة الصافات: الآيات ٥٢ - ٦١
واعتُرِضَ عليه بأنَّ هذا من التصديق لا من التصدُّق. والاعتراضُ باطل؛ لأن القراءة
إذا ثَبتتْ عن النبيّ :﴿ فلا مَجال للطّعن فيها. فالمعنى ((أَئِنَّكَ لمنَ المُصَّدِّقِينَ)) بالمال
طلباً في ثواب الآخرة.
﴿لَهِذَا مِنْنَا وَكُنَا تُرَبًا وَعِظَامًا أَِّنَا لَمَدِينُونَ﴾ أي: مَجْزِيُّون مُحاسَبون بعد الموت.
فـ ﴿قَالَ﴾ الله تعالى لأهل الجنة: ﴿هَلْ أَنْتُم مُّطَّلِعُونَ﴾. وقيل: هو من قول
المؤمن لإخوانه في الجنة: هل أنتم مُطَّلعون إلى النار لِنظُرَ كيف حالُ ذلك القرين (١).
وقيل: هو من قول الملائكة. وليس ((هَلْ أَنتُم مُطَّلِعُونَ)) باستفهام، إنما هو بمعنى
الأمر، أي: إِطَّلِعوا؛ قال ابن الأعرابي(٢) وغيره. ومنه لمّا نزلت آية الخمر قام عمرُ
قائماً بين يدي النبيّ ﴾، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: يا ربّ، بياناً أَشفى من
هذا في الخمر. فنزلت: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قال: فنادى عمرُ: انتهينا يا
ربَّنَا(٣) .
وقرأ ابن عباس: ((هل أَنتم مُطْلِعُونَ)) بإسكان الطاء خفيفة ((فَأُطْلِعَ))، بقطع الألف
مخفّفة (٤)، على معنى: هل أنتم مُقبلون فأقبل .
قال النحاس(٥): ((فَأَظْلِعَ فَرَآهُ)» فيه قولان: أحدهما أن يكون فعلاً مستقبلاً،
معناه: فأطلع أنا، ويكون منصوباً على أنه جوابُ الاستفهام. والقول الثاني: أن يكون
فعلاً ماضياً، ويكون اطّلعَ وأطلع واحداً. قال الزجاج (٦): يقال: طَلَع وأَظلَعَ واطّلعَ
بمعنىّ واحد. وقد حُكِي: ((هَلْ أَنْتُمْ مُطْلِعُونٍ)) بكسر النون، وأنكره أبو حاتم (٧) وغيره.
(١) تفسير البغوي ٢٨/٤ .
(٢) ياقوتة الصراط ص ٤٢٧ - ٤٢٨، وما بعده منه.
(٣) أخرجه أحمد (٣٧٨)، وأبو داود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩)، وسلف ٨/ ٥٧.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٢٨، والمحتسب ٢١٩/٢ .
(٥) في إعراب القرآن ٤٢٣/٣ .
(٦) في معاني القرآن ٣٠٤/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٤٢٢ .
(٧) نسبها أبو حيان في البحر ٧/ ٣٦١ لعمار بن أبي عمار، وإنكار أبي حاتم ذكره ابن جني في المحتسب
٢٢٠/٢

٣٨
سورة الصافات: الآيات ٥٤ - ٦١
النحاس(١): وهو لحنٌ لا يجوز؛ لأنه جمعٌ بين النون والإضافة، ولو كان مضافاً
لكان: هل أنتم مُطْلِعِيّ، وإن كان سيبويه والفرّاء قد حكيا مثلَه، وأنشدا:
إذا ما خَشَوا مِن مُحْدَثِ الأمرِ مُعْظَمَا (٢)
هُمُ القائلونَ الخيرَ والآمِرونَهُ
وأنشد الفراء: والفاعلونه. وأنشد سيبويه وحده:
ولم يَرْتفِق والناس مُحتَضِرونه(٣)
وهذا شاذٌّ خارجٌ عن كلام العرب (٤)، وما كان مثل هذا لم يُحتَجَّ به في كتاب الله
عز وجل، ولا يدخل في الفصيح. وقد قيل في توجيهه: إنه أجرى اسمَ الفاعل مجرى
المضارع لِقُربه منه، فجرى ((مُطْلِعُونٍ)) مجرى يُظْلِعُونِ. ذكره أبو الفتح عثمان بن
جني(٥) وأنشد:
مُرَجَّلاً ويَلْبَسُ البُرُودا
أَرَيتَ(٦) إن جئتُ به أُمْلُودا
أَقائِلُنَّ أَحضِروا(٧) الشُّهُودا
فأجرى أقائلُنّ مجرى أَتَقولُن. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ((هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ
فاطَّلَعَ فَرَآهُ)) إنّ في الجنة كُوَّى ينظر أهلُها منها إلى النار وأهلِها (٨). وكذلك قال كعب
(١) في إعراب القرآن ٤٢٢/٣.
(٢) الكتاب لسيبويه ١٨٨/١، ومعاني القرآن للفراء ٣٨٦/٢،
(٣) الشطر الثاني كما في الكتاب ١٨٨/١: جميعاً وأيدي المُعتَفين رَواهِقُه.
(٤) هذا قول النحاس، وقد قال قبله: أما البيتان اللذان أنشدهما سيبويه وشركه الفراء في أحدهما فلا يُعرف
من قالهما، ولا تثبت بهما حجة، اهـ. ونقل البغدادي في خزانة الأدب ٢٧٠/٤ عن النحاس قوله:
وهذا لا يلزم سيبويه منه غلط؛ لأنه قد قال نصًّا: وزعموا أنه مصنوع، فهو عنده مصنوع لا يجوز،
فكيف يلزمه منه غلط؟!
(٥) المحتسب ٢٢٠/٢ .
(٦) في النسخ: أرأيت، والمثبت من الخزانة ٤٢٠/١١، قال البغدادي: أصله: أرأيت، بمعنى: أخبرني،
حذفت الهمزة تخفيفاً.
(٧) في الخزانة: أحضري، قال البغدادي: رواه العيني: أحضروا، بواو الجمع، ولا وجه له. والأُملود:
الناعم. وهذا من رجز أورده السكري في أشعار هذيل لرجل منهم.
(٨) تفسير البغوي ٢٨/٤، وزاد المسير ٧/ ٦٠.

٣٩
سورة الصافات: الآيات ٥٥ - ٦١
فيما ذكر ابن المبارك، قال: إنَّ بين الجنة والنار كُوَّى، فإذا أراد المؤمن أن ينظُرَ إلى
عدوّ كان له في الدنيا اطلع من بعض الكُوى؛ فقال الله تعالى: ﴿فَطَلَعَ فَرَاهُ فِى سَوَآءِ
الْجَحِيمِ﴾ أي: في وسط النار والحسَكُ حواليه؛ قاله ابن مسعود (١).
ويقال: تعبتُ حتى انقطع سَوَائي: أي وسطي. وعن أبي عُبيدة: قال لي عيسى بن
عمر: كنتُ أكتبُ يا أبا عبيدة حتى ينقطع سَوَائي(٢) .
وعن قتادة قال: قال بعض العلماء: لولا أنَّ الله جلّ وعزّ عرَّفه إيّاه لما عَرَفه،
لقد تغيَّر حِبْرهُ وسِبْرهُ(٣). فعند ذلك يقول: ﴿ثَلَّهِ إِن كِدِتَّ لَتُِينٍ﴾ ((إِنْ)) مُخفَّفة من
الثقيلة دخلتْ على كاد كما تدخل على كان. ونحوه ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُنَا﴾ [الفرقان: ٤٢]
واللامُ هي الفارقةُ بينها وبين النافية (٤).
﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِ لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ في النار. وقال الكسائي: ((لَتُرْدِينٍ)) أي:
لَتُهْلِكني، والرَّدَى الهَلاك. وقال المبرد: لو قيل: ((لَتُردِينٍ)) لَتُوقِعني في النار لكان
جائزاً(٥). ((وَلَولا نِعْمَةُ رَبِّي)) أي: عصمتُه وتوفيقُه بالاستمساك بعروة الإسلام والبراءة
من القَرين السوء. وما بعد (لولا)) مرفوعٌ بالابتداء عند سيبويه، والخبرُ محذوف.
(لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ)) قال الفراء (٦): أي: لَكنتُ معك في النارِ مُحضّراً.
وأحضر لا يُستعمل مطلقاً إلا في الشرّ؛ قاله الماوردي(٧).
قوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَبِّتِينَ﴾ وقرئ: ((بِمائِتِين)) (٨)، والهمزة في ((أَفَما))
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٣/٣.
(٢) مجاز القرآن ٢/ ١٧٠.
(٣) أخرجه الطبري ٥٤٨/١٩ عن قتادة عن مطرف بن عبد الله، وأورده الماوردي في النكت والعيون
٥٠/٥ عن قتادة. وقوله: حبره وسبره، يعني: لونه وهيئته. الصحاح (خبر).
(٤) الكشاف ٣٤١/٣ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٨٤ .
(٦) نقله المصنف عنه بواسطه النحاس في إعراب القرآن ٤٢٤/٣، وما قبله منه.
(٧) في النكت والعيون ٥/ ٥٠ .
(٨) قرأ بها زيد بن علي كما في البحر المحيط ٧/ ٣٦٢ .

٤٠
سورة الصافات: الآيات ٥٨ - ٦١
للاستفهام دخلتْ على فاء العطف، والمعطوف محذوفٌ، معناه: أنحن مخَلَّدون
مُنْعَّمون فما نحن بميّتين ولا مُعذّبين(١)؟
﴿إِلَّا مَوْنَتَنَا الْأُولَى﴾ يكون استثناءً ليس من الأول، ويكون مصدراً؛ لأنه
منعوت(٢). وهو من قول أهل الجنة للملائكة حين يُذبَح الموت، ((ويقال: يا أهلَ
الجنة، خلودٌ ولا موت، ويا أهل النار، خلودٌ ولا موت))(٣).
وقيل: هو من قول المؤمن على جهة الحديث بنعمة الله في أنهم لا يموتون ولا
يُعذَّبون؛ أي: هذه حالُنا وصفتُنا.
وقيل: هو من قول المؤمن توبيخاً للكافر لِمَا كان يُنكره من البعث، وأنه ليس إلا
الموت في الدنيا. ثم قال المؤمن مُشيراً إلى ما هو فيه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤)
يكون ((هو)) مبتدأ، وما بعده خبرٌ عنه، والجملةُ خبرُ ((إنّ)). ويجوز أن يكون ((هو))
فاصلاً (٥). ﴿لِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ﴾ يَحتمِل أن يكونَ من كلام المؤمن لمّا رأى ما
أعدَّ اللهُ له في الجنة وما أعطاه قال: ﴿لِيِثْلِ هَذَا﴾ العطاء والفَضْلِ ﴿فَلْيَعْمَلٍ
اٌلْعَمِلُونَ﴾. نظير ما قال له الكافر: ﴿أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤].
ويَحتمِلُ أن يكون من قول الملائكة. وقيل: هو من قول الله عز وجل لأهل الدنيا؛
أي: قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات والجزاء، و((لمثل هذا)) الجزاء ((فَلْيَعْمَلِ
العاملُونَ))(٦) .
النحاس: وتقدير الكلام - والله أعلم -: فَلْيعملِ العاملون لمثل هذا. فإن قال
(١) الكشاف ٣٤١/٣ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٤/٣ .
(٣) قطعة من حديث أبي سعيد الخدري ﴾، أخرجه أحمد (١١٠٦٦)، والبخاري (٤٧٣٠)، ومسلم
(٢٨٤٩)، وأوله: ((يُؤتَى بالموت كهيئة كبش أملح ... فَيُذْبَح))، وسلف بتمامه ١٣/ ٤٥٥ .
(٤) زاد المسير ٧/ ٦٠ - ٦١ .
(٥) إعراب النحاس ٤٢٤/٣ .
(٦) زاد المسير ٧/ ٦١ بنحوه.