Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
سورة يس: الآية ١٢
هذا حديثٌ [حسنٌ] غريبٌ من حديث الثوريّ(١).
وفي ((صحيح)) مسلم عن جابر بن عبد الله قال: أراد بنو سَلِمةً أن يتحوَّلوا إلى
قُرْبِ المسجدِ، قال: والبِقاعُ خاليةٌ، قال: فبلغ ذلك النبيَّ : # فقال: ((يا بني سَلِمةَ،
ديارَكم تُكتَبْ آثارُكم، ديارَكم تُكْتَبْ آثارُكم)) فقالوا: ما كان يَسرُّنا أنَّا كنَّا تَحوَّلْنا(٢).
وقال ثابت البُنَانِيُّ: مَشَيتُ مع أنس بن مالكِ إلى الصلاة فأسرعتُ، فَحَبَسني،
فلمَّا انقضت الصلاة [قال لي: مشيتُ مع زيد بن ثابت إلى الصلاة، فأسرعتُ في
مشيي فحبَسني، فلمَّا انْقَضَت الصلاةُ] قال: مشيتُ مع النبيِّ ﴿ فأسرعتُ فحبسني،
فلمَّا انقضت الصلاةُ قال: ((أمَا علمتَ أنَّ الآثار تُكتَب)) فهذا احتجاجٌ بالآية(٣).
وقال قتادةُ ومجاهدٌ أيضاً والحسن: الآثارُ في هذه الآية: الخُطَا. وحكى الثعلبيُّ
عن أنس أنه قال: الآثارُ هي الخُطَا إلى الجمعة (٤). وواحِدُ الآثارِ أثَر، ويقال: أَثْر.
الثالثة: في هذه الأحاديثِ المفسِّرةِ لمعنى الآيةِ دليلٌ على أنَّ البُعْدَ من المسجد
أفضلُ، فلو كان بجوار مسجدٍ؛ فهل له أن يُجاوِزَه إلى الأَبْعَدِ؟ اختلف فيه؛ فروي عن
أنس أنه كان يُجاوزُ المُحدَثَ إلى القديم. وروي عن غيره: الأبعدُ فالأبعد من
المسجد أعظمُ أَجْراً. وكره الحسن وغيرُه هذا، وقال: لا يَدَعُ مسجداً قُرْبَه ويأتي
غيرَه. وهذا مذهبُ مالك، وفي تَخَطِّ مسجدِه إلى المسجد الأعظم قولان(٥).
(١) سنن الترمذي (٣٢٢٦)، وما بين حاصرتين منه، وهو موافق لما في تحفة الأشراف ٤٦٦/٣، وتحفة
الأحوذي ٩/ ٩٥ .
(٢) صحيح مسلم (٦٦٥): (٢٨١)، وهو عند أحمد بنحوه (١٤٥٦٦). وأخرج نحوه البخاري (٦٥٥)
و(٦٥٦) من حديث أنس ﴾.
(٣) المحرر الوجيز ٤٤٨/٤، وما سلف بين حاصرتين منه، والخبر أخرجه البخاري في الأدب المفرد
(٤٥٨)، والعقيلي في الضعفاء ٢/ ٢١٩، وفي إسناده الضحاك بن نبراس، قال فيه ابن معين فيما ذكر
العقيلي: ليس بشيء. وأخرجه الطبراني في الكبير بإسناد آخر من طريق محمد بن ثابت البناني عن أبيه
به، ومحمد بن ثابت قال فيه البخاري: فيه نظر، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف.
الميزان ٤٩٥/٣. وأخرجه الطبري ١٩/ ٤١٠ بإسناد آخر عن ثابت عن أنس عن زيد ﴾ موقوفاً.
(٤) المحرر الوجيز ٤٤٨/٤، وأخرجه عن الحسن ومجاهد وقتادة الطبري ٤١١/١٩. وعلقه البخاري عن
مجاهد إثر الحدیث (٦٥٥).
(٥) المفهم ٢٩٢/٢.

٤٢٢
سورة يس: الآيات ١٢ - ١٩
وخرَّج ابن ماجه من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﴾: «صلاةُ
الرجلِ في بيته بصلاةٍ، وصلاتُه في مسجدِ القبائلِ بِخَمْسٍ وعشرينَ صلاةً، وصلاتُه في
المسجد الذي يُجمَّع فيه بخمسٍ مئةٍ صلاةٍ»(١).
الرابعة: ((ديارَكم)) منصوبٌ على الإغراء، أي: اِلْزَموا، و«تُكْتَبْ)) جزمٌ على
جوابٍ ذلك الأمر(٢).
((وكُلَّ)) نصبٌ بفعلٍ مضمَرٍ يدلُّ عليه ((أحصيناه))، كأنه قال: وأحصينا كلَّ شيءٍ
أحصيناه(٣). ويجوزُ رَفْعُه بالابتداء، إلَّا أنَّ نَصْبَه أَوْلَى؛ ليُعْطَفَ ما عَمِلَ فيه الفعلُ
على ما عَملَ فيه الفعل. وهو قولُ الخليل وسيبويه (٤).
والإمام: الكتابُ المُقتَدَى به الذي هو حجة. وقال مجاهدٌ وقتادةُ وابن زيد: أراد
اللوحَ المحفوظ. وقالت فرقةٌ: أراد صحائفَ الأعمال(٥).
إِذْ أَرْسَلْنَاً
قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُمُ مَثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْيَّةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ
قَالُواْ مَآ أَنْتُمْ إِلََّ
١٤
إِلَيِمُ أَثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ
بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ
قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ
قَالُواْ إِنَّا تَطَيَرْنَا بِكُمَّ لَيِنِ
١٧
إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ
لَّمْ تَنْتَهُواْ لَتَّجُنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ قَالُواْ طَرَّكُمْ مَعَكُمْ أَيِنِ ذُكِرُْ
(١٩)
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْبَةِ إِذْ جَمَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ هذه القريةُ هي
(١) سنن ابن ماجه (١٤١٣). وإسناده ضعيف كما ذكر البوصيري في مصباح الزجاجة ٢٥٢/١. قوله:
يُجمَّع بالتشديد، أي: يصلَّى فيه الجمعة. النهاية (جمع).
(٢) المفهم ٢/ ٢٩٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٤٨/٤ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٧/٣.
(٥) المحرر الوجيز ٤٤٨/٤ .

٤٢٣
سورة يس: الآيات ١٣ - ١٩
أَنْطاكِيَةُ في قولِ جميع المفسِّرين، فيما ذَكَر الماوَرْدِيُّ(١). نُسِبَتْ إلى أهلِ أنطبيسَ،
وهو اسمُ الذي بناها، ثم غُيِّرِ لمَّا عُرِّبَ؛ ذكره السُّهيليّ (٢). ويقال فيها: أنتاكِيَة؛ بالتاء
بَدَلَ الطاء.
وكان بها فرعون يقال له: أنطيخس بن أنطيخس يعبد الأصنام؛ ذَكَرِه المَهْدَويُّ،
وحكاه أبو جعفر النحاس(٣) عن كعبٍ ووَهْبٍ. فأرسل الله إليه ثلاثةٌ: وهم صادقٌ
وصدوقٌ، وشلوم هو الثالث. هذا قولُ الطبريِّ(٤). وقال غيرُه: شمعون ويوحثًا.
وحكى النَّّاش: سمعان ويحيى(٥)، ولم يذكرُوا صادقاً ولا صدوقاً.
ويجوز أن يكون ((مَثَلاً)) و((أصحابَ القريةِ)) مفعولَيْنِ لـ ((اضْرِبْ))، أو («أصحابَ
القريةِ» بدلاً من ((مَثَلاً)) أي: اضْرِبْ لهم مثلاً مثلَ (٦) أصحابِ القريةِ، فحذف
المضاف.
أُمر النبيُّ # بإنذارِ هؤلاءِ المشركين أنْ يَحِلَّ بهم ما حَلَّ بكفَّارِ أهلِ القريةِ
المبعوثِ إليهم ثلاثةُ رسلٍ. قيل: رسلٌ من الله على الابتداء. وقيل: إنَّ عيسى بعثهم
إلى أَنطاكِيَةً للدعاء إلى الله، وهو قولُه تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَتِهِمُ أَثْنَيْنِ﴾، وأضاف الربُّ
ذلك إلى نفسه؛ لأنَّ عيسى أرسلهما بأمر الربِّ، وكان ذلك حين رُفع عيسى إلى
السماء. ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ قيل: ضربوهما وسجنوهما. ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي: فقوَّيْنا وشددنا
الرسالةَ بثالث.
(١) في النكت والعيون ٥/ ١٠.
(٢) في التعريف والإعلام ص١٤٣، وفيه: أنطيقس، بدل: أنطبيس.
(٣) في معاني القرآن ٤٨٣/٥ .
(٤) في التفسير ٤١٤/١٩ .
(٥) قول النقاش والقول الذي قبله ذكرهما الماوردي في النكت والعيون ٤/ ١٠.
(٦) في (م): اضرب لهم مثل، وفي (ظ): اضرب لهم مثلاً، والمثبت من باقي النسخ ومشكل إعراب
القرآن ٦٠١/٢، والكلام منه. وقال مكي: فالمثل الثاني بدل من الأول.

٤٢٤
سورة يس: الآيات ١٣ - ١٩
وقرأ أبو بكر عن عاصم: ﴿فَعَزَزْنا بثالثٍ﴾ بالتخفيف، وشدَّد الباقون(١). قال
الجوهريُّ(٢): وقولُه تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ يُخفَّفُ ويُشَدَّد، أي: قوَّينا وشدَّدنا. قال
الأصمعيُّ: أنشدني فيه أبو عمرو بن العلاء للمتلمِّس:
وإذا تُشَدُّ بِنِسْعِها لا تَنْبِسُ(٣)
أُجُدٌ إذا رُحِلَتْ تَعَزَّز لحمُها
أي: لا تَرْغُو، فعَلَى هذا تكونُ القراءتان بمعنىّ.
وقيل: التخفيفُ بمعنى: غَلَبنا وقَهَرْنا، ومنه: ﴿وَعَزَِّ فِىِ الْخِطَابِ﴾ (٤) [ص: ٢٣].
والتشديدُ بمعنى: قوَّينا وكثّرنا.
وفي القصة: أنَّ عيسى أَرْسَلَ إليهم رسولَيْنِ، فَلَقِيا شيخاً يَرْعَى غُنيماتٍ له، وهو
حبيبٌ النجارُ صاحبُ ((يس))، فدعَوْه إلى الله وقالا: نحن رسولا عيسى ندعوك إلى
عبادة الله. فطالَبَهما بالمعجزة، فقالا: نحن نَشْفي المرضَى، وكان له ابنٌ مجنون.
وقيل: مريضٌ على الفراش، فمسحاه، فقام بإذن الله صحيحاً، فآمَنَ الرجلُ بالله -
وقيل: هو الذي جاء من أَقْصَى المدينةِ يَسْعَى - ففشا أمرُهما، وشَفَيا كثيراً من
المرضى، فأرسل الملكُ إليهما - وكان يعبدُ الأصنامَ - يَستَخْبِرُهُما، فقالا: نحن
رسولا عيسى. فقال: وما آيتُكما؟ قالا: نُبْرِئُ الأَكْمِهَ والأَبْرصَ ونُبرِئُ المريضَ بإذن
الله، وندعوك إلى عبادة اللهِ وحدَه، فهَمَّ الملكُ بضَرْبِهما. وقال وهب: حَبَسهما
(١) السبعة ص٥٣٩، والتيسير ص ١٨٣ .
(٢) في الصحاح (عزز).
(٣) غريب الحديث لابن قتيبة ٧٩/٢، وجمهرة اللغة ١/ ٢٩٠، والصحاح (عزز)، والكلام منه، واللسان
(عزز)، وهو في المصادر عدا الصحاح برواية: ضمرت، بدل: رحلت. قوله: أُجُدٌ، هي الناقة القوية
المُؤَثَّقة الخَلْقِ. القاموس (أجد). والنِّسْعِ: سَيْرٌ يُضْفَرُ على هيئة أعنَّة النعال تُشدُّ به الرِّحال. اللسان
(نسع).
(٤) يعني: غلبني في القول. تفسير أبي الليث ٩٥/٣، والكلام فيه بنحوه. وقال مكي في الكشف عن وجوه
القراءات ٢/ ٢١٤: ويكون المفعول محذوفاً، وهو المرسَلُ إليهم، تقديره: فَعَزَزناهم بثالث، أي:
فغلبناهم بثالث.

٤٢٥
سورة يس: الآيات ١٣ - ١٩
الملكُ وجَلَدهما مئةَ جَلْدةٍ. فانتهى الخبرُ إلى عيسى فأرسل ثالثاً - قيل: شمعون الصَّفا
رأسُ الحواريين - لنَصْرهما، فعاشَرَ حاشيةَ الملك حتى تمكَّن منهم واستأنَسوا به،
ورفعوا حديثَه إلى الملك فأَنِسَ به. وأَظْهَر موافقته في دينه، فرضيَ الملك طريقته، ثم
قال يوماً للملك: بَلَغني أنَّك حَبَسْتَ رجلين دَعَواكَ إلى الله، فلو سألتَ عنهما ما
وراءَهما. فقال: إنَّ الغضب حال بيني وبين سُؤالِهما. قال: فلو أَحْضَرْتَهما. فأَمر
بذلك، فقال لهما شمعون: ما بُرهانُكما على ما تدَّعيان؟ فقالا: نُبْرِئُ الأَكْمَةَ
والأبرصَ. فجيءَ بغلامِ ممسوحِ العينين؛ موضعُ عينيه كالجبهة، فدَعَوَا ربَّهما فانشقَّ
موضعُ البصر، فَأَخَذا بُنْدُقَتين طيناً، فوضعاهما في خدَّيه، فصارتا مُقْلَتين يُبْصِرُ بهما.
فعجب الملك وقال: إنَّ هاهنا غلاماً مات منذ سبعة أيامٍ ولم أَدْفُنه حتى يَجيءَ أبوه،
فهل يُحييه ربُّكما؟ فدَعَوَا اللـهَ علانيةً، ودعاه شمعون سرّاً، فقام الميتُ حيّاً، فقال
للناس: إنِّي متُّ منذ سبعة أيامٍ، فوُجِدتُ مشركاً، فأُدخِلْتُ في سبعةٍ أوديةٍ من النار،
فأحذّركم ما أنتم فيه، فآمنوا بالله، ثم فتحت أبوابُ السماء، فرأيتُ شاباً حَسَنَ الوجهِ
يشفع لهؤلاء الثلاثةِ شمعون وصاحبيه، حتى أحياني الله، وأنا أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ
وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ عيسى روحُ اللهِ وكلمتُه، وأنَّ هؤلاء هم رسلُ الله. فقالوا
له: وهذا شمعون أيضاً معهم؟ فقال: نعم، وهو أفضلُهم. فأَعْلَمهم شمعون أنه رسولُ
المسيحِ إليهم، فأثَّر قولُه في الملك، فدعاه إلى الله، فآمن الملكُ في قوم كثير، وكَفَر
آخرون(١). وحكى القشيريُّ أنَّ الملك آمَنَ ولم يُؤْمِنْ قومُه، وصاح جبريلُ صيحةً مات
كلُّ مَن بقي منهم من الكفّار.
ورُويَ أنَّ عيسى لمَّا أَمَرهُم أنْ يذهبوا إلى تلك القريةِ قالوا: يا نبيَّ اللهِ، إنَّا لا
تَعْرِفُ أنْ نَتكلّم بألسنتهم ولُغاتِهم. فدعا اللهَ لهم فناموا بمكانهم، فهبُّوا من نَوْمَتهم
(١) بنحوه في تفسير أبي الليث ٣/ ٩٥، وعرائس المجالس ص٤٠٨، وتفسير البغوي ٤/ ٧ - ٩ . قال ابن
عطية في المحرر الوجيز ٤٤٩/٤: واللازم من الآية أن الله تعالى بعث إليها رسولين، فدَعَيا أهل القرية
إلى عبادة الله وحده فكذَّبوهما، فشدَّد الله أمرهما بثالث، وقامت الحجة على أهل القرية.

٤٢٦
سورة يس: الآيات ١٣ - ١٩
وقد حملتهم الملائكةُ، فأَلْقتهم بأرضٍ أنطاكِيَةَ، فكلَّم كلُّ واحدٍ منهم صاحبَه بلغةٍ
القوم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِنُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فقالوا جميعاً: ﴿إِنَّ
إِلَيْكُم مُرْسَلُونَ. قَالُواْ مَآ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تأكلون الطعامَ وتمشون في الأسواق ﴿وَمَّآ
أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَىْءٍ﴾ يأمرُ به، ولا يَنْهَى عنه ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ في دَعْواكُم الرسالةَ،
فقالت الرسل: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ وإنْ كذَّبْتُمونا، ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّ الْبَلَغُ
الْمُبِينُ﴾ في أنَّ اللهَ واحدٌ ﴿قَالُوا﴾ لهم: ﴿إِنَّا تَطَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: تَشَاءَمْنا بكم.
قال مقاتل: حُبِسَ عنهم المطرُ ثلاثَ سنين، فقالوا: هذا بشُؤْمِكم (١). ويقال:
إنَّهم أقاموا ینذرونهم عَشْرَ سنين.
﴿لَيْن لَّمْ تَنْتَهُواْ﴾ عن إنذارنا ﴿لَُّنَّكُمْ﴾ قال الفراء(٢): لنقتلنكم. قال: وعامَّةُ ما
في القرآن من الرَّجْم معناه القتلُ. وقال قتادةُ: هو على بابه من الرَّجْم بالحجارة(٣).
وقيل: لَنَشْتِمِنَّكم، وقد تقدَّم جميعه(٤).
﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قيل: هو القتل. وقيل: هو التعذيبُ المُؤلم. وقيل:
هو التعذيبُ المؤلم قبلَ القتلِ، كالسَّلْخِ والقَطْعِ والصَّلْب.
فقالت الرسل: ﴿طَرَّكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: شُؤْمُكم معكم، أي: حظّكم من الخير
والشرِّ معكم ولازمٌ في أعناقكم، وليس هو من شؤمنا؛ قال معناه الضخَّاك(٥). وقال
قتادةُ: أعمالُكم معكم (٦). ابن عباس: معناه: الأرزاقُ والأقدارُ تَتْبَعُكم(٧). الفرَّاء(٨):
(١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٤٩/٤. قال ابن عطية: والأظهرُ أنَّ تطيُّر هؤلاء إنما كان بسبب ما
دخل قريتهم من اختلاف الكلمة وافتتان الناس، وهذا على نحو تطيُّرٍ قريش بمحمد ﴾.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٣٧٤ .
(٣) أخرجه الطبري ٤١٦/١٩ - ٤١٧ .
(٤) ٢٠١/١١ .
(٥) ذكره البغوي ٤/ ٩ .
(٦) أخرجه الطبري ١٩ / ٤١٧ .
(٧) معاني القرآن للنحاس ٤٨٥/٥ .
(٨) في معاني القرآن ٢/ ٣٧٤ .

٤٢٧
سورة يس: الآيات ١٣ - ١٩
((طائرُكم معكم)): رزقُكم وعملُكم، والمعنى واحد. وقرأ الحسن: ((اطَّيُّرُكم)) أي:
تَطَيُّرکم(١).
﴿أَيِن ذُكِرٌَ﴾ قال قتادةُ: إن ذُكِّرتُم تَطَيَّرتم (٢). وفيه تسعةُ أوجُهٍ من القراءات:
قرأ أهلُ المدينةِ: ((أَيِنْ ذُكِرْتُم)) بتخفيفِ الهمزةِ الثانية. وقرأ أهلُ الكوفة: ((أَإِنْ)) بتحقيق
الهمزتين. والوجهُ الثالث: ((أَاإِنْ ذُكِّرْتُمْ)) بهمزتين بينهما ألفٌ، أُدخلت الألفُ كراهةٌ
للجمع بين الهمزتين. والوجهُ الرابع: ((أاإنْ)) بهمزةٍ بعدها ألفٌ وبعدَ الألفِ همزةٌ
مخفّفة(٣).
والقراءةُ الخامسة: ((أَاأَنْ)) بهمزتين مفتوحتين بينهما ألفٌ. والوجهُ السادس:
(أَنْ)) بهمزتين مُحقَّقتين مفتوحتين. وحكَى الفرَّاء: أنَّ هذه قراءةُ أبي رَزين (٤).
قلت: وحكاه الثعلبيُّ عن زِرّ بنِ حُبيش وابنِ السَّمَيْفَع.
وقرأ عيسى بن عمر والحسن البصريُّ: ((قالوا طائرُكم معكم أَيْنَ ذُكِّرْتُم)) بمعنى
حيث. وقرأ يزيد بن القعقَاع والحسنُ وطلحةُ: ((ذُكِرْتُمْ)) بالتخفيف؛ ذكر جميعَه
النحاس(٥).
وذكر المهدويُّ عن طلحةَ بنِ مُصَرِّف وعيسى الهمدانيِّ: ((آنْ ذُكِّرْتُمْ)) بالمدِّ، على
أنَّ همزةَ الاستفهام دخلت على همزةٍ مفتوحة. الماجشون: ((أَنْ ذُكِّرْتُم)) بهمزةٍ واحدةٍ
(١) الكشاف ٣١٨/٣. قال السمين في الدّ المصون ٢٥٢/٩: ((الطَّيُّركم)) مصدر ((الطَّيَّر)) الذي أصله
(تَطَيِّر))، فلما أريدَ إدغامه أُبدلت التاءَ طاءً وسكِّنت واجتُلبت همزة الوصل فصار ((الطَّيَّر))، فيكون مصدره
((الطَّيِّراً)). وذكر السمين أنه روي عن الحسن: ((طَيْركم))، وقال: ويغلب على الظن أنها هذه، وإنما
تصحفت على الرائي فحسبها مصدراً، وظن أن ألف ((قالوا)) همزة وصل.
(٢) أخرجه بنحوه الطبري ٤١٨/١٩ - ٤١٩.
(٣) قرأ بتسهيل الهمزة الثانية نافع وابن كثير وأبو عمرو ورويس وأبو جعفر، وقالون وأبو عمرو يدخلان
بينهما ألفاً، وكذلك أبو جعفر إلا أنه يفتح الثانية. وقرأ هشام بتحقيق الهمزتين مع الإدخال وعدمه،
والباقون بالتحقيق مع عدم الإدخال. ينظر التيسير ص٣٢، والنشر ٣٧٠/١.
(٤) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٧٤، وهي في القراءات الشاذة ص١٢٥ .
(٥) في إعراب القرآن ٣٨٨/٣. وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٢٥، وابن جني في المحتسب
٢/ ٢٠٥ عن الأعمش أنه قرأ: ((أَيْنَ ذُكِرتم)). قال ابن جني: فكأنه قال: أين ذكرتم، أو أين وُجدتم وُجد
شؤمكم معكم.

٤٢٨
سورة يس: الآيات ١٣ - ٢٩
مفتوحة(١). فهذه تسعُ قراءاتٍ.
وقرأ ابن هُرْمُز: ((طَيْرُكم معكم))(٢). ((أَئِنْ ذُكِّرْتُم)) أي: لَإِن وُعِظْتُم؛ وهو كلامٌ
مستأنَفٌ، أي: إنْ وُعِظْتُم تطيَّرتُم. وقيل: إنَّما تطيَّروا لمَّا بلغهم أنَّ كلَّ نبيٍّ دعا قومه
فلم يُجيبوه كان عاقبة قومه الهلاك.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ قال قتادةُ: مُسْرِفون في تَطَيُّركم. يحيى بن سلام:
مُسرِفون في كفركم. وقال ابن بحر: السَّرَفُ هاهنا: الفساد، ومعناه: بل أنتم قومٌ
مُفْسِدون(٣).
وقيل: مُسْرِفون: مشركون، والإسرافُ: مُجاوزةُ الحدِّ، والمشركُ يجاوز (٤)
الحدَّ.
قوله تعالى: ﴿وَجَلَّ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ
وَمَا لِىَ لَآَ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ وَإِلَيْهِ
أَثَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم ◌ُهْتَدُونَ ))
ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَّا تُغْنِ عَنِى
تَرجَعُونَ
إِنِّ إِذَّا لَّفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴿ إِنّ ءَامَنتُ
شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ (٣)
بِمَا غَفَرَ لِ
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةُ قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونٌ (٨)
بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٥)
رَبِّ وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِّنَ السَّمَاءِ
وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ﴿٨َ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَمِدُونَ ()﴾
قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا اُلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ هو حبيب بن مرى(٥)، وكان
(١) ذكر هذه القراءة عن الماجشون ابن جني في المحتسب ٢٠٥/٢ . والماجشون هو يوسف بن يعقوب بن
عبد الله بن أبي سلمة، توفي سنة (٢٨٤هـ). ينظر طبقات القراء لابن الجزري ٤٠٥/٢، وروح المعاني
٠٢٢٤/٢٢
(٢) المحرر الوجيز ٤٥٠/٤ عن ابن هرمز والحسن وعمرو بن عبيد، والقراءات الشاذة ص ١٢٥ عن
الحسن.
(٣) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٥/ ١٢ .
(٤) في (خ): مجاوز، وفي (ظ): تجاوز.
(٥) أخرجه الطبري ٤١٩/١٩ عن أبي مجلز.

٤٢٩
سورة يس: الآيات ٢٠ - ٢٩
نجاراً. وقيل: إسكافاً. وقيل: قصَّاراً. وقال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ ومقاتلٌ: هو حبيب بن
إسرائيل النجار(١)، وكان يَنْحَت الأصنامَ، وهو ممن آمَنَ بالنبيِّ ﴾ وبينهما ستُّ مئةٍ
سنةٍ، كما آمن به تُبَّعُ الأَكبرُ وورقَةُ بنُ نوفل وغيرُهما. ولم يؤمن بنبيٍّ أحدٌ إلَّا بعد
ظهوره(٢).
قال وَهْب: وكان حبيبٌ مجذوماً، ومنزلُه عند أقصى بابٍ من أبواب المدينة،
وكان عكف على عبادة الأصنام سبعين سنةً يدعوهم لعلَّهم يرحمونه ويكشفون ضرَّه،
فما استجابوا له، فلمَّا أَبْصَرَ الرسلَ دَعَوْه إلى عبادة الله، فقال: هل من آيةٍ؟ قالوا :
نعم، ندعو ربَّنا القادِرَ فيفرِّج عنك ما بك. فقال: إنَّ هذا لَعَجَبٌ! أدعو هذه الآلهةَ
سبعين سنةً تفرِّج عنِّي فلم تَسْتَطِعِ، يفرِّجُه ربُّكم في غداةٍ واحدة؟ قالوا: نعم، ربُّنا
على ما يشاءُ قديرٌ، وهذه لا تنفعُ شيئاً ولا تضرّ. فَآمَن، ودَعَوْا ربَّهم، فكشف الله ما
به، كأن لم يكن به بأس، فحينئذٍ أَقْبَل على التكسُّب، فإذا أمسى تَصَدَّق بكَسْبِهِ،
فَأَطْعَم عيالَه نصفاً وتَصَدَّقَ بنصفٍ، فلمَّا همَّ قومُه بقَتْلِ الرسلِ جاءهم فـ ﴿قَالَ يَقَّوْمِ
أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية(٣).
وقال قتادةُ: كان يعبدُ الله في غارٍ، فلمَّا سمع بخبرِ المرسلين جاء يَسْعَى، فقال
للمرسَلين: أَتَظْلبون على ما جئتُم به أجراً؟ قالوا: لا، ما أَجْرُنا إلَّا على الله (٤). قال
أبو العالية: فاعتَقَدَ صِدْقَهم وآمَنَ بهم(٥). وأَقْبَلَ على قومه فـ ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ
الْمُرْسَلِينَ * أَنَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا﴾ أي: لو كانوا متَّهَمِينَ لطلبوا منكم المالَ.
﴿وَهُم ◌ُهْتَدُونَ﴾ فاهتدُوا بهم(٦).
(١) عرائس المجالس ص٤٠٩ عن ابن عباس ومقاتل، وفي الكشاف ٣١٨/٣ دون نسبة.
(٢) الكشاف ٣١٨/٣. وتُبّع الأكبر: هو أسعد أبو كرب، ملك اليمن، أراد غزو البيت الحرام، ثم شرّفه
وعظَّمه وكساه. البداية والنهاية ١٢٢/٣ وسيذكره المصنف عند تفسير الآية (٣٧) من سورة الدخان.
(٣) أخرجه الطبري ٤١٩/١٩ - ٤٢٠ مختصراً.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٤١، والطبري ٤٢١/١٩.
(٥) النكت والعيون ١٣/٥ .
(٦) قال الآلوسي في روح المعاني ٢٢٦/٢٢: ولا جَزْمَ لي بإيمانه ولا عَدَمِه قبل إرسال الرسل، =

٤٣٠
سورة يس: الآيات ٢٠ - ٢٩
﴿وَمَا لِىَ لَآّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ﴾ قال قتادة: قال له قومُه: أنتَ على دينهم. فقال:
﴿وَمَا لِىَ لَآَ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ﴾ أي: خَلَقني ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وهذا احتجاجٌ منه عليهم.
وأضاف الفطرةَ إلى نفسه؛ لأنَّ ذلك نعمةٌ عليه تُوجِبُ الشكر، والبعثَ إليهم؛ لأنَّ
ذلك وعيدٌ يقتضي الزَّجْرَ، فكان إضافةُ النعمةِ إلى نفسه أَظْهَرَ شكراً، وإضافةُ البعثِ
إلى الكافر أبلغ أثراً.
﴿وَأَتَّخِذُ مِن دُونِ= ◌َالِهَةً﴾ يعني أصناماً ﴿إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ﴾ يعني ما أصابه من
السُّقْم ﴿لَا تُغْنِ عَنِى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ﴾: يخلِّصوني ممَّا أنا فيه من البلاء
﴿إِّ إِذًا﴾ يعني: إن فعلتُ ذلك ﴿لَّفِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: خُسرانٍ ظاهر ﴿إِنَّ ءَامَنْتُ
بِرَبِّكُمْ فَأَسْمَعُونِ﴾ قال ابن مسعود: خاطَبَ الرسلَ بأنه مؤمنٌ بالله ربِّهم. ومعنى
(فَاسْمَعُونٍ)) أي: فاشْهَدوا، أي: كونوا شُهودي بالإيمان(١). وقال كعبٌ ووَهْبٌ: إنَّما
قال ذلك لقومه: إنِّي آمنتُ بربكم الذي كفرتُم به(٢).
وقيل: إنه لمَّا قال لقومه: ﴿أَثَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ. أَنَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْتَلُكُمْ أَجْرًا﴾ رفعوه
إلى الملك وقالوا: قد تَبِعْتَ عدَّنا، فطوَّل معهم الكلامَ لَيَشْغَلَهم بذلك عن قَتْلٍ
الرسل، إلى أنْ قال: ﴿إِنَّ ءَامَثُ بِرَبِّكُمْ﴾ فوثبوا عليه فقتلوه. قال ابن مسعود:
وَطِئوه بأَرْجُلهم حتى خرج قُصْبُه من دبره(٣). وأُلقي في بئرٍ، وهي الرَّسُّ، وهم
أصحابُ الرَّسِّ. وفي رواية: أنهم قتلوا الرسلَ الثلاثة.
وقال السُّدّيُّ: رَمَوْه بالحجارة وهو يقول: اللهمَّ اهْدِ قومي، حتى قتلوه (٤). وقال
الكلبيُّ: حفروا حفرةً وجعلوه فيها، ورَدَموا فوقَه الترابَ، فمات رَدماً.
= وظواهر الأخبار في ذلك متعارضة، ومع ذلك لم يتحقق عندي صحة شيءٍ منها.
(١) أخرجه الحاكم ٤٢٩/٢ .
(٢) أخرجه عنهما الطبري ١٩/ ٤٢٣ .
(٣) أخرجه الطبري ٤٢٤/١٩. والقُصْب: المِعَى. القاموس (قصب).
(٤) عرائس المجالس ص٤٠٩ .

٤٣١
سورة يس: الآيات ٢٠ - ٢٩
وقال الحسن: خرقوا خَرْقاً(١) [في حَلْقِه]، وعلَّقوه من سور المدينة، وقبرُه في
سور أنطاكية؛ حكاه الثعلبيُّ(٢).
وقال القشيريُّ: وقال الحسن: لمَّا أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إلى السماء،
فهو في الجنة لا يموتُ إلَّا بفناءِ السماءِ وهلاكِ الجنة، فإذا أعاد الله الجنةَ أُدْخِلَها(٣).
وقيل: نَشَروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه، فَوَاللهِ ما خرجتْ روحُه إلَّا إلى
الجنة فدخلها، فذلك قوله: ﴿قِلَ ادْخُلِ لْجَنَّةٌ﴾ فلمَّا شاهدها ﴿قَالَ يَلَيْتَ قَوْبِ يَعْلَمُونٌ
. بِمَا غَفَرَ لِيِ رَبِّ﴾ أي: بغفرانِ ربِّي لي، فـ ((ما)) مع الفعلِ بمنزلة المصدر. وقيل:
بمعنى الذي، والعائدُ من الصلة محذوفٌ. ويجوزُ أن تكون استفهاماً فيه معنى
التعجّبٍ، كأنَّه قال: ليت قومي يعلمون بأيِّ شيءٍ غفر لي ربِّي (٤)؛ قاله الفرَّاء.
واعتَرضَه الكسائيُّ فقال: لو صحَّ هذا لقال: بِمَ، من غير ألف. وقال الفرَّاء: يجوز أن
يقال بما بالألف وهو استفهامٌ، وأَنشد فيه أبياتاً(٥).
الزمخشريُّ(٦): بِمَ غَفَرَ لي، بطرحِ الألف أَجْودُ، وإن كان إثباتُها جائزاً؛ يقال:
قد علمتُ بما صنعتَ هذا، وبمَ صنعت.
المهدويُّ: وإثباتُ الإلفِ في الاستفهام قليلٌ. فيُوقَفُ على هذا على ((يَعْلَمُونَ)).
وقال جماعةٌ: معنى ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةٌ﴾: وَجَبَتْ لك الجنةُ، فهو خبرٌ بأنه قد استَحقَّ
دخولَ الجنة؛ لأنَّ دخولها يُستَحَقُّ بعد البعث.
(١) في (ظ) و(م): حرقوه حرقاً، وفي (ز): حفروا حرقاً.
(٢) في عرائس المجالس ص٤٠٩، وما سلف بين حاصرتين منه. وفيه: وقبره في سوق أنطاكية.
(٣) قال الألوسي في مجمع البيان ٢٢٨/٢٢: والجمهور على أنه قتل. وذكر ابن عطية في المحرر الوجيز
٤/ ٤٥١ أن الأحاديث والروايات تواترت بذلك.
(٤) مشكل إعراب القرآن ٦٠١/٢.
(٥) معاني القرآن للفراء ٣٧٤/٢ - ٣٧٥.
(٦) في الكشاف ٣٢٠/٣.

٤٣٢
سورة يس: الآيات ٢٠ - ٢٩
قلت: والظاهِرُ من الآية أنَّه لمَّا قُتل قيل له: ادخل الجنة.
قال قتادةُ: أدخله الله الجنةَ وهو فيها حِيٍّ يُرزَقُ، أراد قولَه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩](١) على ما تقدَّم
في ((آل عمران)» بيانُه. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونٌ﴾ مرتَبٌ على تقدير سؤالِ سائلٍ عمَّا وَجَدَ من
قوله عند ذلك الفوزِ العظيم الذي هو ﴿بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَحَعَلَنِىِ مِنَ الْمُكْرَبِينَ﴾. وقرئ:
((مِن المُكَرَّمينَ))(٢).
وفي معنی تَمنِّه قولان:
أحدُهما: أنه تمَّى أن يَعْلَموا بحاله ليَعْلَموا حُسْنَ مَآلِهِ وحَمِيدَ عاقبته .
الثاني : تَمنَّی ذلك ليؤمنوا مثل إیمانِه فیصیروا إلی مثلٍ حاله. قال ابن عباس:
نَصَح قومَه حيّاً وميتاً (٣). رَفَعه القشيريُّ فقال: وفي الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال
في هذه الآية: ((إنَّه نَصَحَ لهم في حياتِه وبعدَ مَوْتِه))(٤).
وقال ابن أبي ليلى: سُبَّاقُ الأمم ثلاثةٌ لم يكفروا بالله طَرْفَةَ عين: عليّ بنُ أبي
طالب وهو أَفْضَلُهم، ومؤمنُ آلٍ فرعون، وصاحبُ يس، فهم الصدِّيقون(٥). ذكره
الزمخشريُّ مرفوعاً عن رسول الله ﴾(٦).
(١) الكشاف ٣١٩/٣ .
(٢) الكشاف ٣٢٠/٣، وهي قراءة شاذة.
(٣) النكت والعيون ١٤/٥ .
(٤) أخرجه مطولاً ابن مردويه - كما في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص١٤٠ - من حديث المغيرة
ابن شعبة ﴾.
(٥) المحرر الوجيز ٤/ ٤٥٠ بنحوه.
(٦) الكشاف ٣١٩/٣، وأخرجه بنحوه أحمد في فضائل الصحابة (١٠٧٢) و(١١١٧) من طريق
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن النبي #، وفي إسناده عمرو بن جميع البصري، قال فيه الحافظ
في تخريج أحاديث الكشاف ص١٤٠: متروك. وأخرجه بنحوه أيضاً الطبراني في الكبير (١١١٥٢)،
وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: حديث منكر.

٤٣٣
سورة يس: الآيات ٢٠ - ٢٩
وفي هذه الآيةِ تنبيهٌ عظيمٌ، ودلالةٌ على وجوبٍ كَظْم الغيظ، والحِلْمِ عن أهلٍ
الجهل، والتَّرؤُفِ على مَن أَدْخَلَ نفسَه في غمارِ الأشرار وأهلِ البغي، والتَّشمُّرِ في
تخليصه، والتلطّفِ في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاءِ عليه. ألَا
ترى كيف تمنَّى الخيرَ لقَتَلَتِهِ والباغين له الغوائلَ، وهم كفرةٌ عَبَدةُ أصنام؟!(١)
فلمَّا قُتل حبيبٌ غضبَ الله له، وعجّل النقمةَ على قومه، فأَمر جبريلَ فصاح بهم
صيحةً فماتوا عن آخرهم؛ فذلك قوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِهِ مِن جُنْدٍ مِّنَ
الشَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِينَ﴾ أي: ما أنزلنا عليهم من رسالةٍ ولا نبيِّ بعد قتله؛ قاله قتادةٌ
ومجاهدٌ والحسن(٢). قال الحسن: الجندُ: الملائكةُ النازِلون بالوحي على الأنبياء (٣).
وقيل: الجندُ: العساكر، أي: لم أَحْتَجْ في هلاكهم إلى إرسالِ جنودٍ ولا جيوشٍ
ولا عساكرَ، بل أَهْلَكْتُهم (٤) بصيحةٍ واحدةٍ. قال معناه ابن مسعود وغيرُه(٥). فقولُه:
((وما كنَّا مِنْزِلين)) تصغيرٌ لأمرهم، أي: أهلكناهم بصيحةٍ واحدة من بعد ذلك الرجل،
أو من بعد رَفْعِه إلى السماء.
وقيل: المعنى: ((وما كنَّا مُنزِلِين)) على مَن كان قَبْلَهم. الزَّمخشريُّ(٦): فإن قلتَ:
فلمَ أَنزل الجنودَ من السماء يومَ بدرٍ والخندقِ؟ فقال: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لََّ
تَرَوَّهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، وقال: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، ﴿مِثَلَاثَةِ
ءَالَفٍ مِّنَ اُلْمَلَتِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ﴿بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾
[آل عمران: ١٢٥].
(١) الكشاف ٣١٩/٣ - ٣٢٠.
(٢) تفسير الطبري ٤٢٦/١٩ - ٤٢٧ عن مجاهد وقتادة.
(٣) النكت والعيون ١٥/٥.
(٤) في (د) و(ظ) و(م): بل أهلكهم.
(٥) تفسير الطبري ١٩/ ٤٢٧ .
(٦) في الكشاف ٣/ ٣٢٠، وما سيرد بين حاصرتين منه.

٤٣٤
سورة يس: الآيات ٢٠ - ٢٩
قلت: إنَّما كان يكفي مَلَكٌ واحدٌ، فقد أُهلِكتْ مدائنُ قوم لوطٍ بريشةٍ من جناحٍ
جبريل، وبلادُ ثمودَ وقومُ صالح بصيحةٍ [منه]، ولكنَّ الله فضَّل محمداً ﴾ بكلِّ شيءٍ
على كبار(١) الأنبياء وأُولي العَزْمِ من الرسل فضلاً عن حبيبٍ النجارِ، وأَوْلَاه من
أسباب الكرامة والإعزاز ما لم يُؤْلِه أحداً، فَمِن ذلك أنه أَنزل له جنوداً من السماء،
وكأنه أشار بقوله: ﴿وَمَآَ أَنَزَلْنَا﴾. ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ إلى أنَّ إنزالَ الجنودِ من عظائم
الأمور التي لا يؤهَّلُ لها إلَّا مثلُكَ، وما كنَّا نفعلُه لغيرك(٢).
﴿إِن كَانَتْ إِلَّ صَيْحَةً وَجِدَةُ﴾ قراءةُ العامَّةِ: ﴿صَيْحَةً وَجِدَةٌ﴾ بالنصب على تقدير:
ما كانت عقوبتُهم إلَّا صيحةً واحدةً.
وقرأ أبو جعفر بنُ القَعْقَاع وشيبةُ والأعرجُ: ((صَيْحَةٌ)) بالرفع هنا، وفي قوله (( إِنْ
كانت إلَّا صيحةٌ واحدةٌ فإذا هم جميعٌ)) [الآية: ٥٣](٣)، جعلوا الكَوْنَ بمعنى الوقوعِ
والحدوثِ، فكأنَّه قال: ما وقعتْ عليهم إلَّا صيحةٌ واحدة. وأَنْكَر هذه القراءةَ أبو
حاتم وكثيرٌ من النَّحْوِيِّين بسبب التأنيثِ فهو ضعيف، كما تكون: ما قامت إلَّا هندٌ
ضعيفاً، من حيث كان المعنى: ما قام أحدٌ إلَّا هندٌ. قال أبو حاتم: فلو كان كما قرأ
أبو جعفر لقال: إنْ كان إلَّا صيحةٌ.
قال النخَّاس(٤): لا يمتنع شيءٌ من هذا، يقال: ما جاءتني إلَّا جاريتُك، بمعنى:
ما جاءتني امرأةٌ أو جاريةٌ إلَّا جاريتُك. والتقديرُ في القراءة بالرفع ما قاله أبو إسحاق،
قال: المعنى: إنْ كانت عليهم صيحةٌ إلَّا صيحةٌ واحدةٌ، وقدَّره غيره: ما وقعت
عليهم إلَّا صيحةٌ واحدةٌ. وكان بمعنى وَقَعَ كثيرٌ في كلام العرب.
وقرأ عبد الرحمن بنُ الأسود - ويقال: إنه في حَرْفِ عبدِ الله كذلك -: ((إنْ كانت
(١) في (خ) و(م): سائر، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الكشاف.
(٢) في (خ) و(ظ) والكشاف: بغيرك.
(٣) النشر ٣٥٣/٢ عن أبي جعفر، وهو من العشرة.
(٤) في إعراب القرآن ٣/ ٣٩٠، وما قبله منه.

٤٣٥
سورة يس: الآيات ٢٠ - ٣٢
إلَّا زَقْيَةً واحدةً)). وهذا مخالفٌ للمصحف. وأيضاً فإنَّ اللغةَ المعروفةَ: زَقَا يَزْقو: إذا
صاح، ومنه المثلُ: أثقلُ من الزَّوَاقي، فكان يجب على هذا أن يكون: زَقْوةً. ذكره
(١)
النحاس
قلت: وقال الجوهريُّ(٢): الزَّقْوُ والزَّقْيُ مصدر، وقد زَقَا الصَّدَى يزقو [ويَزْقي]
زُقَاءً، أي: صاح، وكلُّ صائحٍ زاقٍ، والزَّقْيَةُ: الصّيحة.
قلت: وعلى هذا يقال: زَقْوة وزَقْية لغتان(٣)، فالقراءةُ صحيحةٌ لا اعتراضَ
عليها. والله أعلم.
﴿فَإِذَا هُمْ خَكَمِدُونَ﴾ أي: ميّتون هامِدون؛ تشبيهاً بالرَّماد الخامِد. وقال قتادةُ:
هَلْكَى(٤). والمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
أَلَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿ وَإِن كُلّ
(٣٢)
لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
قوله تعالى: ﴿يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ﴾ منصوبٌ؛ لأنه نداء نكرة، ولا يجوزُ فيه غيرُ
النصبِ عند البصريين(٥). وفي حرفِ أُبَيِّ: ((يا حسرةَ العبَادِ)) على الإضافة(٦). وحقيقةُ
الحسرةِ في اللغة: أن يَلْحَقَ الإنسانَ من النَّدم ما يَصيرُ به حسيراً(٧).
(١) في إعراب القرآن ٣/ ٣٩٠ - ٣٩١، دون ذكر المثل، وهو في جمهرة الأمثال ٢٩٣/١، ومجمع
الأمثال ١٥٦/١ . قال العسكري: الزواقي: الديكة، وكان الفتيان يسمرون بالليل، فإذا زقت الديكة
انصرف كلٌّ إلى رَحْلِه، فاستثقلوها لقطعها عليهم سَمَرَهم. وقراءة: ((إن كانت إلا زقيةً)) في القراءات
الشاذة ص١٢٥ ، والمحتسب ٢٠٦/٢ .
(٢) في الصحاح (زقا)، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) معاني القرآن للفراء ٣٧٥/٢ .
(٤) ذكره النحاس في إعراب القرآن ٣٩١/٣.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٩١/٣.
(٦) القراءات الشاذة ص١٢٥، والمحتسب ٢٠٦/٢ .
(٧) معاني القرآن للنحاس ٤٨٩/٥ .

٤٣٦
سورة يس: الآيات ٣٠ - ٣٢
وزعم الفرَّاء أنَّ الاختيارَ النصبُ، وأنه لو رفعت النكرة الموصولة بالصفة(١) كان
صواباً. واستَشْهَدَ بأشياءَ؛ منها أنه سُمع من العرب: يا مُهتَمُّ بأمرنا لا تَهتمّ، وأنشد:
يا دارُ غَيَّرها الچِلَى تَغييرَا(٢)
قال النحاس: وفي هذا إبطالُ بابِ النداءِ أو أكثرِه؛ لأنه يرفعُ النَّكرةَ المَحْضةَ،
ويرفع ما هو بمنزلةِ المضافِ في طوله، ويحذفُ التنوين متوسِّطاً، ويرفع ما هو في
المعنى مفعولٌ بغيرِ علَّةٍ أَوْجَبتْ ذلك. فأمَّا ما حكاه عن العرب فلا يُشْبِه ما أجازه؛
لأنَّ تقدير: يا مُهْتَمُّ بأمرنا لا تهتمَّ، على التقديم والتأخير، والمعنى: يا أيها المهتمُّ
لا تَهتمَّ بأمرنا. وتقديرُ البيت: يا أيتها الدارُ، ثم حَوَّل المخاطبة، أي: يا هؤلاء غيَّر
هذه الدارَ البِلَى، كما قال الله جل وعز: ﴿حََّ إِذَا كُنتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾
[يونس: ٢٢](٣). فـ ((حسرةً)) منصوبٌ على النداء، كما تقولُ: يا رجلاً أَقْبِلْ، ومعنى
النداء: هذا موضعُ حُضورِ الحسرة.
الطبريُّ(٤): المعنى: يا حسرةً من العباد على أنفسهم، وتندُّماً وتلهُّفاً في
استهزائهم برسل الله عليهم السلام.
(١) في النسخ: بالصلة، والمثبت من معاني القرآن للفراء ٢٧٦/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣٩١/٣،
وعنه نقل المصنف.
(٢) البيت للأحوص كما في الكتاب ٢/ ٢٠١، ونسبه السيرافي في شرح أبيات سيبويه ٥٢٣/١ للحارث بن
خالد المخزومي، وهو بلا نسبة في معاني القرآن للفراء ٢٧٦/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣٩١/٣،
وروايته في الكتاب:
وسَفَتْ عليها الريحُ بعدكَ مُورا
يا دارُ حَسَّرَها الچِلَى تَخسیرا
قال السيرافي: حسَّرها: أزال ما كان فيها من الأطلال، والمور: الغبار.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٩١/٣ - ٣٩٢. وشرح الكلام أنه لما قال: يا دار، نادى داراً بعينها فصارت
معرفة ولذلك بناها على الضم، ثم إنه أتى بعدها بقوله: حسَّرها البلى - والفعل لا ينعت به إلا النكرة -
فكأنه قال: يا دار ، ثم أقبل على إنسان فقال: حسَّرها البلى، فحسّرها ليس بنعت للدار. ينظر الكتاب
٢٠١/٢، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي ٥٢٣/١.
(٤) في التفسير ٤٢٩/١٩ .

٤٣٧
سورة يس: الآيات ٣٠ - ٣٢
ابن عباس: ((يا حسرةً على العبادِ)) أي: يا ويلاً على العباد (١). وعنه أيضاً: حلَّ
هؤلاء محلَّ مَن يتحسَّر عليهم(٢).
وروى الربيع بن(٣) أنس عن أبي العاليةِ: أنَّ العبادَ هاهنا الرسلُ، وذلك أنَّ
الكفار لمَّا رأوا العذابَ قالوا: ((يا حسرةً على العبادِ)»، فتحسَّروا على قَتْلِهم وتَرْكِ
الإيمان بهم، فتمنَّوا الإيمانَ حين لم ينفعهم الإيمان (٤). وقاله مجاهد.
وقال الضحاك: إنها حسرةُ الملائكةِ على الكفار حين كذَّبوا الرسل(٥).
وقيل: ((يا حسرةً على العبادِ)) مِن قول الرجلِ الذي جاء من أقصى المدينة يسعى،
لمَّا وثب القومُ لقتله.
وقيل: إنَّ الرسلَ الثلاثةَ هم الذين قالوا لمَّا قَتَلَ القومُ ذلك الرجلَ الذي جاء من
أَقْصَى المدينةِ يسعى، وحلَّ بالقوم العذابُ: يا حسرةً على هؤلاء، كأنهم تَمنَّوْا أن
یکونوا قد آمنوا.
وقيل: هذا من قول القوم؛ قالوا لمَّا قَتَلوا الرجلَ وفارقتهم الرسلُ، أو قتلوا
الرجلَ مع الرسلِ الثلاثة، على اختلافِ الروايات: يا حسرةً على هؤلاء الرسل،
وعلى هذا الرجل، ليتنا آمنًّا بهم في الوقت الذي ينفعُ الإيمان. وتمَّ الكلام على هذا،
ثم ابتدأ فقال: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن رَّسُولٍ﴾.
وقرأ ابن هُرْمُز ومسلم بنُ جُنْدب وعِكرمةُ: ((يا حَسْره على العبادِ)» بسكون
الهاء(٦)، للحرص على البيان وتقرير المعنى في النفس؛ إذ كان موضعَ وَعْظِ وتنبيهٍ،
(١) أخرجه الطبري ٥٣٠/١٩ بلفظ: يا ويلاً للعباد.
(٢) النكت والعيون ١٥/٤ .
(٣) في النسخ. عن، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٣٩٢/٣.
(٤) بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٣٩٢/٣، والمحرر الوجيز ٤٥٢/٤، وتفسير البغوي ١١/٤. قال
ابن عطية: وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْنِهِم﴾ الآية، يدفع هذا التأويل.
(٥) النكت والعيون ٤/ ١٥ .
(٦) القراءات الشاذة ص ١٢٥، والمحتسب ٢٠٨/٢ .

٤٣٨
سورة يس: الآيات ٣٠ - ٣٢
والعربُ تفعلُ ذلك في مِثْله وإن لم يكن موضعاً للوقف. ومِن ذلك ما روي عن
النبيِّ ◌َ﴾: أنه كان يُقَطّعُ قراءتَه حرفاً حرفاً (١)؛ حِرْصاً على البيان والإفهام.
ويجوز أن يكون ((عَلَى الْعِبَادِ)) متعلّقاً بالحسرة. ويجوز أن يكون متعلِّقاً بمحذوفٍ
لا بالحسرة، فكأنه قدَّر الوقفَ على الحسرة فأَسْكَنَ الهاءَ، ثم قال: ((على العباد))،
أي: أَتَحسِّرُ على العباد.
وعن ابن عباسٍ والضحاكِ وغيرِهما: ((يا حسرةَ العبادِ)) مضافٌ بحذفٍ ((على))(٢).
وهو خلافُ المصحف. وجاز أن يكون من باب الإضافةِ إلى الفاعل، فيكونُ العبادُ
فاعِلِينَ، كأنَّهم إذا شاهدوا العذابَ تحسَّروا، فهو كقولك: يا قيامَ زيدٍ. ويجوز أن
تكونَ من بابِ الإضافةِ إلى المفعول، فيكون العبادُ مفعولِين، فكأنَّ العبادَ يتحسَّر
عليهم مَن يُشْفِقُ لهم. وقراءةُ مَن قرأ: (يا حسرةً على العبادِ)) مقوِّيةٌ لهذا المعنى(٣).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْ كُمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ قال
سيبويه: ((أنَّ)) بدلٌ من ((كَم))، ومعنى ((كم)) هاهنا الخبر؛ فلذلك جاز أن يُبدَلَ منها ما
ليس باستفهام. والمعنى: ألم يَرَوْا أنَّ القرونَ الذين أهلكناهم أنَّهم إليهم لا
يرجعون(٤). وقال الفرَّاء(٥): ((كم)) في موضعٍ نصبٍ من وجهين: أحدُهما بـ ((يَرَوْا))،
واستَشْهَدَ على هذا بأنه في قراءةِ ابنِ مسعود: ((أَلَم يَرَوْا مَن أَهْلَكنا)). والوجهُ الآخَرُ أن
یکون «گم» في موضعٍ نصبٍ بـ ((أهلكنا».
قال النحاس(٦): القولُ الأولُ مُحالٌ؛ لأنَّ ((كَم)) لا يَعملُ فيها ما قَبْلَها؛ لأنَّها
(١) أخرجه بنحوه أحمد (٢٦٥٨٣)، وأبو داود (٤٠٠١)، والترمذي (٢٩٢٣) من حديث أم سلمة رضي الله
عنها ،قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. ووقع عند أحمد وأبي داود: آية آية، بدل: حرفاً حرفاً.
(٢) القراءات الشاذة ص١٢٥، والمحتسب ٢٠٨/٢، وسلفت في بداية تفسير هذه الآية.
(٣) بنحوه في المحتسب ٢١١/٢ .
(٤) بنحوه في الكتاب ١٣٢/٣.
(٥) في معاني القرآن ٣٧٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٩٢/٣.
(٦) في إعراب القرآن ٣٩٢/٣ - ٣٩٣.

٤٣٩
سورة يس: الآيات ٣٠ - ٣٢
استفهامٌ، ومُحالٌ أن يَدخُلَ الاستفهامُ في خبرٍ(١) ما قَبْلَه. وكذا حُكْمُها إذا كانت
خبراً. وإنْ كان سيبويه قد أَوْماً إلى بعضٍ هذا فجعل ((أنَّهم)) بدلاً من ((كم)). وقد ردَّ
ذلك محمد بن يزيد أشدَّ ردِّ، وقال: ((كم)) في موضعٍ نصبٍ بـ ((أَهْلَكنا))، و((أنَّهم)) في
موضعٍ نصبٍ، والمعنى عنده: بأنهم، أي: ألم يَرَوْا كم أهلكنا قَبْلَهم مِن القرون
بالاستئصال. قال: والدليلُ على هذا: أنَّها في قراءةٍ عبد الله: ((مَن أهلكنا قبلَهم مِن
القرون أنَّهم إليهم لا يَرجِعون))(٢).
وقرأ الحسن: ((إنَّهم إليهم لا يَرْجِعون)) بكَسْرِ الهمزة على الاستئناف(٣). وهذه
الآيةُ ردٌّ على من زعم أنَّ مِن الخَلْقِ مَن يَرجعُ قبل القيامةِ بعد الموت.
﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ يريد يومَ القيامةِ للجزاء. وقرأ ابن عامرٍ وعاصمٌ
وحمزةُ: ﴿وَإِن كُلُّ لَّمَّا﴾ بتشديدِ ((لمَّا))، وخفّف الباقون(٤). فـ ((إنْ)) مخفَّفةٌ من الثقيلة،
وما بعدها مرفوعٌ بالابتداء، وما بعده الخبر. وبَطَلَ عملُها حين تغيَّر لفظُها. ولَزِمَت
اللامُ في الخبر فَرْقاً بينَها وبين إنْ التي بمعنى ما. و((ما)) عند أبي عبيدةً زائدةٌ. والتقدير
عنده: وإن كلٌّ لجميع(٥). قال الفرَّاء (٦): ومَن شدَّد جعل ((لمَّا)) بمعنى إلَّا و((إنْ)) بمعنى
ما، أي: ما كلُّ إلَّا جميع(٧)، كقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌّ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥].
وحكى [ذلك] سيبويه في قوله: سألتك بالله لمَّا فَعَلْتَ. وزعم الكسائيُّ أنه لا يعرف
هذا(٨). وقد مضى هذا المعنى في ((هود)»(٩). وفي حرفٍ أُبَيِّ: ((وإنْ منهم إلَّا جميعٌ
(١) في مطبوع إعراب القرآن: حيز.
(٢) من قوله: قال والدليل على هذا، إلى هذا الموضع ذكره النحاس في معاني القرآن ٤٩٠/٥.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٢٥ .
(٤) التيسير ص١٢٩ .
(٥) مجاز القرآن ١٦٠/٢ .
(٦) بنحوه في معاني القرآن ٢/ ٣٧٧ .
(٧) في النسخ عدا (ظ): لجميع، وهو خطأ.
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٣/٣، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٩) ٢١٩/١١.

٤٤٠
سورة يس: الآيات ٣٠ - ٣٦
لدينا مُحْضَرُون))(١).
قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَُّ اُلْأَرْضُ الْعَيْتَةُ أَحْبَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ بَأْكُلُونَ
٣٤
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَثَّتٍ مِّن تَّخِلٍ وَأَعَْبٍ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ
لِيَأْكُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ، وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ (٥)
سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ
اُلْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَءَايَّةٌ لَّهُ الْأَرْضُ الْمَيْنَةُ أَحْبَيْنَهَا﴾ نَبَّههم الله تعالى بهذا على إحياء
الموتى، وذكَّرهم توحيدَه وكمالَ قدرته، وهي الأرضُ الميتةُ أحياها بالنبات وإخراجٍ
الحبِّ منها. ﴿فَمِنْهُ﴾ أي: من الحَبّ ﴿يَأْكُونَ﴾ وبه يتغذَّوْن. وشدَّد أهلُ المدينةِ
((الميتةُ)) وخفّف الباقون(٢)، وقد تقدَّم(٣).
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض ﴿جَثَّتٍ﴾ أي: بساتين ﴿مِّن نَّخِلٍ وَأَعْنَابٍ﴾
وخصَّصهما بالذكر لأنهما أعلى الثمار . ﴿ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ أي: في البساتين
﴿يَأْكُلُواْ مِنْ ثَرِرٍ﴾ الهاء في ((ثمرِهِ)) تعودُ على ماءِ العيون؛ لأنَّ الثمر منه انْدَرَج؛
قاله الجرجانيُّ والمَهْدويُّ وغيرهما. وقيل : أي: ليأكلوا من ثمر ما ذَكَرنا، كما قال:
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ تُتْفِيكُ مِمَّا فِ بُطُونِهِ.﴾ [النحل: ٦٦].
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((مِن ثُمُرِهِ) بضم الثاء والميم. وفَتَحَهما الباقون (٤). وعن
الأعمش ضمُّ الثاءِ وإِسكانُ الميم(٥). وقد مضى الكلامُ فيه في ((الأنعام))(٦).
﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ ((ما)) في موضع خفضٍ على العطف على ((مِن ثَمَرِهِ)) أي:
(١) معاني القرآن للنحاس ٤٩٤/٥، والمحرر الوجيز ٤/ ٤٥٢ .
(٢) قراءة التشديد هي قراءة نافع، والباقون من السبعة بالتخفيف. السبعة ص ٢٠٣ ، والتيسير ص١٠٦ .
(٣) ٢٣/٣ .
(٤) السبعة ص٢٦٤، والتيسير ص ١٠٥ .
(٥) المحرر الوجيز ٤/ ٤٥٣ .
(٦) ٨ / ٤٧٤ .