Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة سبأ: الآية ١٤
وقيل: كان رؤساء الجنِّ سبعةً، وكانوا مُنْقَادِينَ لسليمان عليه السلام، وكان داودُ
عليه السلام أسَّس بيت المقدس، فلمَّا مات أوصى إلى سليمانَ في إتمام مسجدٍ بيتٍ
المقدس، فأمر سليمانُ الجنَّ به، فلمَّا دنت وفاتُه قال لأهله: لا تُخبروهم بموتي حتى
يُتموا بناءَ المسجد، وكان قد بقي لإتمامه سنة(١).
وفي الخبر: أنَّ ملَك الموت كان صديقه، فسأله عن آية موته فقال: أن تخرج من
موضع سجودك شجرةٌ يقال لها: الخروب(٢)، فلم يكن يومٌ يصبح فيه إلَّا تَنبتُ في
بيت المقدس شجرةٌ فيسألُها: ما اسمك؟ فتقول الشجرةُ: اسمي كذا وكذا، فيقول:
ولأيِّ شيءٍ أنت؟ فتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتُقْطَع، ويَغرِسُها في بستان له، ويأمر
بكَتْبٍ منَافِعها ومَضَارِّها واسمِها وما تَصْلُحُ له في الطبِّ، فبينما هو يصلّ ذاتَ يومٍ إذا
رأى شجرةً نبتت بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروبة(٣)، قال: ولأيِّ
شيء أنت؟ قالت: لخرابٍ هذا المسجد، فقال سليمان: ما كانَ الله ليخربه وأنا
حيٍّ، أنتِ التي على وَجْهِكِ هلاكي وهلاكُ بيتِ المقدس! فنزعها وغرسها في
حائطه، ثم قال: اللهمَّ عَمِّ عن الجنِّ موتي حتى تعلم الإنسُ أنَّ الجنَّ لا يعلمون
الغيب. وكانت الجنُّ تُخبِرُ الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في
غدٍ. ثم لبس كَفَنَه وتحنَّط، ودخل المحرابَ وقام يصلِّي، واتكأ على عصاه على
كرسيِّه، فمات ولم تعلم الجنُّ إلى أن مضت سنةٌ، وتمَّ بناءُ المسجد (٤).
(١) ذكره بنحوه الماوردي في النكت والعيون ٤٤١/٤، والزمخشري في الكشاف ٣/ ٢٨٤ .
(٢) في (م): الخرنوبة.
(٣) في (م): الخرنوبة.
(٤) أخرجه من قوله: فلم يكن يوم يصبح فيه ... ، الطبري ١٩/ ٢٤١ عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله
عنهما. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وهذا الأثر - والله أعلم - إنما هو مما تُلُقِّي من علماء أهل
الكتاب وهي وقف لا يصدَّق منها إلا ما وافق الحق، ولا يكذَّب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا
یصدق ولا یکذب.

٢٨٢
سورة سبأ: الآية ١٤
قال أبو جعفر النخَّاس: وهذا أحسنُ ما قيل في الآية (١)، ويدلُّ على صحته
الحديثُ المرفوع؛ روى إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس، عن النبيِّ﴾ قال: ((كان نبيُّ اللّهِ سليمان بن داود عليهما
السلام إذا صلَّى رأى شجرةً نابتةً بين يديه، فيسألُها: ما اسمك؟ فإن كانت لغرسٍ
غُرست، وإن كانت لدواءٍ كُتبت، فبينما هو يصلِّي ذاتَ يومٍ إذا شجرةٌ نابِتَةٌ بين يديه،
فقال: ما اسمك؟ قالت: الخرنوب(٢)؛ فقال: لأيِّ شيءٍ أنتِ؟ فقالت: لخرابِ هذا
البيت، فقال: اللَّهُمَّ عَمٍّ عن الجنِّ موتي حتى تعلم الإنسُ أنَّ الجنَّ لا يعلمون الغيب.
فَتَحَتَها عصاً، فتوّأ عليها حولاً وهم لا يعلمون، فسقطت، فعلم الإنسُ أنَّ الجنَّ لا
يعلمون الغيبَ، فنظروا مقدارَ ذلك فوجدوه سنة(٣)).
وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس: ((تَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنْ لو كان الجنُّ يَعلمون
الغَيبَ)»(٤).
وقرأ يعقوبُ في رواية رُوَيْس: ﴿تُبُيِّنَتِ الجنُّ﴾ غير مسمَّى الفاعلِ(٥). ونافع
(١) قال النحاس هذا الكلام في معاني القرآن ٤٠٣/٥ عقب قول قتادة: كانت الجن تخبر الإنس أنهم
يعلمون الغيب، فلما مات سليمان ولم تعلم به الجن، تَبَيَّنَت الجنُّ للإنس أنهم لا يعلمون الغيب. وقد
سلف قريباً.
(٢) في (ظ): الخروب، وفي (م): الخرنوبة.
(٣) أخرجه البزار (٢٣٥٥ - كشف)، والطبري ٢٤٠/١٩ من طريق إبراهيم بن طهمان به. وأخرجه البزار
(٢٣٥٦) من طريق سفيان بن عيينة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه موقوفاً.
قال البزار: لا نعلم أسنده إلا إبراهيم، وقد رواه جماعة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن
ابن عباس موقوفاً.
قلنا: وأخرجه الحسين المروزي في زياداته على الزهد لابن المبارك (١٠٧٢) من طريق سلمة بن كهيل،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفاً أيضاً. وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: والأقرب أن يكون
موقوفاً.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٠٥/٥، وإعراب القرآن له ٣٣٨/٣. وذكرها ابن جني في المحتسب ١٨٨/٢
بلفظ: ((تبيَّنتِ الإِنسُ أنَّ الجنَّ لو كانوا يعلمون الغيب)».
(٥) النشر ٢/ ٣٥٠ .

٢٨٣
سورة سبأ: الآية ١٤
وأبو عمرو: ﴿تأكلُ مِنْساتَه﴾ بألفٍ بين السين والتاء من غير همز. والباقون بهمزةٍ
مفتوحةٍ موضعَ الألف، لغتان، إلَّا أنَّ ابن ذَكْوَان أَسْكَنَ الهمزةَ تخفيفاً (١).
قال الشاعر في ترك الهمزة:
إذا دَبَبْتَ على المِنْساةِ من كِبَرٍ فقد تَبَاعَدَ عنكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ(٢)
وقال آخَر فَهمَزَ وفتح:
فصار بذاك مهيناً ذليلاً(٣)
ضربنا بمِنْسَأَةٍ وَجْهَهُ
وقال آخر :
بمنسأَةٍ قد جَرَّ حبلُكَ أحْبُلَا (٤)
أَمِنْ أَجْلِ حَبْلٍ لا أباكَ ضربتَه
وقال آخر فسگَّن همزها :
وقائمٍ قد قام من تُكَأَته كقومةِ الشيخ إلى مِنْسَأْته(٥)
وأصلُها: من نَسَأْتُ الغنمَ، أي: زَجَرتُها وسُقْتُها، فسمِّيت العصا بذلك لأنه
يُزجر بها الشيءُ ويساق، وقال طَرفَة:
على لاحِبِ كأنه ظَهْرُ بُرْجُدٍ (٦)
أمُونٍ كألواح الإران نَسَأُتُّها
(١) السبعة ص ٥٢٧ ، والتيسير ص ١٨٠ . ولم يذكر ابن مجاهد ابن ذكوان. وقال الداني: وحمزة إذا
وقف جعلها بین بین علی أصله.
(٢) مجاز القرآن ١٤٥/٢، وتفسير الطبري ٢٣٩/١٩، والمحتسب ١٨٧/٢، والمحرر الوجيز ٤١١/٤ .
(٣) ذكره الألوسي في روح المعاني ٢٢/ ١٢١ ، وفيه: ضربت، بدل: ضربتا.
(٤) البيت لأبي طالب كما في المنمق لابن حبيب ص ١٤٢، والأوائل للعسكري ١/ ٥٤، والبيان والتبيين
٣٠/٣، وهو دون نسبة في مجاز القرآن ١٤٥/٢، والمنصف لابن جني ٥٩/٢، ولفظ المصنف
موافق لما في مجاز القرآن، وفي باقي المصادر اختلافٌ يسير.
(٥) ذكر أبو عمرو الداني في التيسير ص ١٨٠ برواية:
كقومة الشيخ ...
صريع خمر قام من وَكَأْتِةْ
(٦) ديوان طرفة ص ٢٢. قوله: أمونٍ، أي: يُؤْمّن عِثَارها، ويعني ناقته. والإران: تابوت يحمل فيه الميت،
شبَّهها بألواح الإران لشدتها. نسأتها: ضربتها بالمنسأة، وهي العصا، ويروى: نَصَأْتُها، وهما واحد . =

٢٨٤
سورة سبأ: الآية ١٤
فسكَّن هَمْزَها. قال النحاس(١): واشتقاقُها يدلُّ على أنَّها مهموزةٌ؛ لأنَّها مشتقةٌ
من نَسَأْتُه، أي: أخَّرته ودفعته، فقيل لها: مِنْسأة؛ لأنها يُدفع بها الشيءُ ویؤخَّر،
وقال مجاهدٌ وعكرمةُ: هي العصا. فَمَن(٢) قرأ: ((مِنْساتَه)) أَبدل من الهمزة ألفًا، فإن
قيل: البدلُ من الهمزة قبيحٌ جدًّا، وإنَّما يجوز في الشعر على بُعْدٍ وشذوذ، وأبو عمرو
ابن العلاء لا يغيبُ عنه مثلُ هذا لا سيما وأهلُ المدينة على هذه القراءة. فالجوابُ
على هذا: أنَّ العربَ استعملتْ في هذه الكلمةِ البدلَ ونَطَقوا بها هكذا، كما يقع
البدلُ في غير هذا ولا يقاسُ عليه، حتى قال أبو عمرو: ولستُ أدري ممن هو (٣)، إلَّا
أنَّها غيرُ مهموزة؛ لأنَّ ما كان مهموزاً فقد يُتركُ همزُه، وما لم يكن مهموزاً لم يَجُزْ
همزُه بوجه.
المهدويُّ: ومَن قرأ بهمزةٍ ساكنةٍ فهو شاذٌّ بعيد؛ لأنَّ هاءَ التأنيثِ لا يكونُ ما
قَبْلَها إِلَّ متحرِّكاً أو ألفاً، لكنَّه يجوزُ أن يكون مِمَّا سُكِّنَ من المفتوحِ اسْتِخْفافاً،
ويجوز أن يكون لَمَّا أَبدل الهمزةَ ألفاً على غير قياسٍ، قَلَبَ الألفَ همزةً كما قَلَبوها
في قولهم: العَأْلَم والخأتم،
وروي عن سعيد بن جبير: ((مِن)) مفصولة ((سَأَتِه)) مهموزة مكسورة التاء(٤)؛ فقيل:
إنَّه مِن سِئَةِ القوسِ في لغة مَن همزها، وقد روي همزُ سِيَةِ القوسِ عن رؤبة. قال
= واللاحب: الطريق الذي قد أُثِّر فيه، وهو بمعنى ملحوب، ويجوز أن يكون على بابه، كأنه يَلحب
أخفاف الإبل، أي يؤثر فيها. والبرجد: كساء مخطط. شرح المعلقات للنحاس ٦٠/١، وللتبريزي
ص٨١ .
(١) في إعراب القرآن ٣٣٧/٣.
(٢) في النسخ: ثم، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس.
(٣) في إعراب القرآن: مم هي.
(٤) المحتسب ١٨٦/٢، وهي في القراءات الشاذة ص ١٢١ دون نسبة. ويجوز فيها فتح السين وكسرها،
مثل: الضِّعَة والضَّعة، ومعناها: من طرف عصاه. ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٥٧. والمحرر الوجيز
٤/ ٤١٢.

٢٨٥
سورة سبأ: الآية ١٤
الجوهريُّ(١): سِيَةُ القوس ما عُطِفَ من طرفيها، والجمع سِيَات، والهاءُ[في الواحد]
عِوَضٌ من الواو، والنسبةُ إليها سِيَويّ، قال أبو عبيدة: كان رؤبةُ يهمزُ سِيّة القوس،
وسائر العرب لا يهمزونها .
وفي دابة الأرض قولان: أحدهما: أنَّها الأَرَضَة؛ قاله ابن عباس ومجاهدٌ
وغيرهما. وقد قرئ: ((دابةُ الأَرَضِ)) بفتح الراء، وهو واحدُ الأَرَضة؛ ذكره
الماورديّ(٢). الثاني: أنَّها دابةٌ تأكل العيدانَ.
قال الجوهريّ(٣): والأَرَضَةُ - بالتحريك -: دُوَيبَّةٌ تأكلُ الخشب؛ يقال: أَرِضَت
الخشبةُ تُؤْرَضُ أَرْضاً - بالتسكين - فهي مأروضةٌ: إذا أكلتها.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ أي: سقط ﴿نَّتِ لْلِنُّ﴾ قال الزجَّاج (٤): أي: تبيَّنت
الجنُّ موتَه. وقال غيره: المعنى: تبيَّن أمرُ الجنِّ، مثل: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾
[يوسف: ٨٢]. وفي التفسير بالأسانيد الصِّحاح عن ابن عباس قال: أقام سليمانُ بن
داودَ عليهما الصلاة والسلام حولاً لا يُعلم بموته وهو متكئٌ على عصاه، والجنُّ
منصرفةٌ فيما كان أمَرَها به، ثم سقط بعد حول [وقرأ ابن عباس:] «فلمَّا خَرَّ تبيَّنت
الإنسُ أنْ لو كان الجنُّ يعلمون الغيبَ ما لبثوا في العذاب المهين)) وهذه القراءةُ من
ابن عباس على جهة التفسير(٥).
وفي الخبر: أنَّ الجنَّ شكرت ذلك للأَرَضَة، فأينما كانت يأتونها بالماء، قال
(١) في الصحاح: (سيا)، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٢) في النكت والعيون ٤٤١/٤ والقول الثاني بعده منه أيضاً. وقوله: وهو واحد الأرضة، خطأ.
والصواب: وهو جمع الأرضة، كما ذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٢١ ، وابن عطية في
المحرر الوجيز ٤١١/٤. وقول ابن عباس ومجاهد أخرجه الطبري ١٩/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٣) في الصحاح (أرض).
(٤) في معاني القرآن ٤/ ٢٤٧ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٧/٣ - ٣٣٨، وما سلف بين حاصرتين منه.
٠٠

٢٨٦
سورة سبأ: الآية ١٤
السُّدِّيُّ: والطينٍ، ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب، فإنَّه مما يأتيها به
الشياطين شكراً، وقالت: لو كنتِ تأكلين الطعام والشرابَ لأتيناك بهما (١).
و((أنْ)) في موضع رفعٍ على البدل من الجنِّ، والتقدير: تبيَّن أمرُ الجنِّ، فحذف
المضاف، أي: تبيَّن وظَهَر للإنس وانكشف لهم أمرُ الجنِّ أنَّهم لا يعلمون الغيب.
وهذا بدلُ الاشتمال. ويجوز أن تكون في موضع نصبٍ على تقدير حذف اللام(٢).
و(لَبِثُوا)): أقاموا. و((الْعَذَابِ الْمُهِينِ)): السُّخْرة والحمل والبنيان وغير ذلك.
وعمِّر سليمان ثلاثاً وخمسين سنةً، ومدَّةُ ملكِه أربعون سنة، فملك وهو ابنُ ثلاثَ
عَشْرةَ سنةً، وابتدأ في بنيان بيتِ المقدس وهو ابنُ سَبْعَ عَشْرةَ سنة (٣). وقال السُّدِّيّ
وغيره: كان عُمر سليمان سبعاً وستِّين سنة، ومَلَكَ وهو ابنُ سبع عشرةَ سنة، وابتدأ
في بنيان بيت المقدس وهو ابنُ عشرين سنةً، وكان ملكه خمسين سنة.
وحكيّ أنَّ سليمان عليه السلام ابتدأ بنيانَ بيتِ المَقْدِسِ في السنة الرابعة من
ملكه، وقرَّب بعد فراغه منه اثني عَشَرَ ألفَ ثورٍ، ومئةً وعشرين ألفَ شاة، واتخذ
اليومَ الذي فرغ فيه من بنائه عيداً، وقام على الصخرة رافعاً يديه إلى الله تعالى بالدعاء
فقال: اللهمَّ أنت وهبتَ لي هذا السلطانَ وقوَّيتني على بناء هذا المسجد، اللهمَّ
فَأَوْزِغْنِي شُكْرَك على ما أنعمتَ عليَّ، وتوقَّني على مِلَّتك، ولا تُزِعْ قلبي بعد إذ
هديتني، اللهمَّ إنِّي اسألك لمَن دخل هذا المسجد خمسَ خصال: لا يدخله مذنبٌ
دخل للتوبة إلَّا غفرتَ له وتبتَ عليه، ولا خائفٌ إلا أَمَّنته، ولا سقيمٌ إلَّا شَفَيْتَه، ولا
فقيرٌ إلا أغنيته. والخامس: ألَّا تصرفَ نظرك عمَّن دخله حتى يخرج منه، إلَّا مَن أراد
إلحادًا أو ظلماً، يا ربَّ العالمين؛ ذكره الماورديّ(٤).
(١) تفسير الطبري ٢٤٢/١٩، وعرائس المجالس ص ٣٣٠، والنكت والعيون ٤٤١/٤. والنكارة في
الخبر ظاهرة.
(٢) مشكل إعراب القرآن ٥٨٥/٢.
(٣) عرائس المجالس ص ٣٣٠ .
(٤) في النكت والعيون ٤/ ٤٤٢ .

٢٨٧
سورة سبأ: الآيتان ١٤ - ١٥
قلت: وهذا أصحُ ممَّا تقدَّم أنه لم يفرغ بناؤه إلَّا بعد موته بسنة، والدليلُ على
صحة هذا ما خرّجه النسائيُّ وغیره بإسنادٍ صحیح من حديث عبد الله بن عمرو عن
النبيِّ﴾: ((أنَّ سليمانَ بن داود لمَّا بنَى بيتَ المقدسِ سأل الله تعالى خِلَالاً ثلاثةً:
حُكْمًا يصادفُ حكمه، فأُوتيَه، وسأل الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده،
فَأُوتِيَه، وسأل الله تعالى حين فرغ من بنائه المسجدَ ألَّا يأتيه أحدٌ لا يَنْهَزُه إلَّ الصلاةُ
فيه أن يخرج من خطيئته كيومَ وَلَدَتَهُ أمُّه)). وقد ذَكَرنا هذا الحديثَ في ((آل عمران))(١).
وذَكَرْنا بناءَه في ((سبحان))(٢).
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكَيْهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنِ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُواْ مِن
١٥)
رِزْقِ رَيْكُمْ وَاشْكُرُوا لَهِّ بَّدَةٌ لِبَةُ وَرَبُّ غَفُورٌ
قوله تعالى: ﴿لقد كان لسبأ في مساكنهم آية﴾ قرأ نافع وغيره بالصَّرْفِ والتنوين
على أنه اسمُ حَيٍّ، وهو في الأصل اسمُ رجلٍ، جاء بذلك التوقيفُ عن النبيِّ ﴾(٣).
روى الترمِذيُّ قال: حدَّثنا أبو كريب وعبد بن حُميد قالا: حدَّثنا أبو أسامة، عن
الحسن بن الحكم النَّخَعيِّ قال: حدَّثنا أبو سَبْرةَ النّخعيُّ، عن فَروةَ بن مُسيك المُرَاديِّ
قال: أتيتُ النبيَّ ﴾ فقلتُ: يا رسول الله، أَلَا أقاتلُ مَن أَذْبَرَ من قومي بمن أَقْبَلَ
منهم؟ فَأذِنَ لي في قتالهم وأمَّرني، فلمَّا خرجتُ من عنده سأل عنِّي: ((ما فَعَلَ
الغُطَيفيُّ))؟ فأُخبِر أنِّي قد سِرتُ، قال: فأرسل في أَثري فردّني، فأتيتُه وهو في نَفَرٍ من
أصحابه، فقال: ((ادعُ القومَ، فَمَن أَسْلَمَ منهم فاقْبَلْ منه، ومَن لم يُسْلِم فلا تَعْجَل
حتى أُحْدِثَ إليك)). قال: وأُنزل في ((سبأ)) ما أُنزل، فقال رجل: يا رسول الله، وما
(١) ٢٠٧/٥، وهو في سنن النسائي (المجتبى) ٣٤/٢. قوله: لا ينهزه، أي: لا يدفعه. وقوله: حكماً
يصادف حكمه، أي: يوافق حكم الله تعالى، والمراد التوفيق للصواب في الاجتهاد. قاله السندي.
(٢) ١٣ /١٥ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٨/٣، وقرأ بالصرف والتنوين نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي.
السبعة ص ٤٨٠ ، والتيسير ص ١٦٧ .

٢٨٨
سورة سبأ: الآية ١٥
سبأٌ؟ أرضٌ أو امرأةٌ؟ قال: ((ليس بأرضٍ ولا بامرأةٍ، ولكنه رجلٌ ولَد عشرةً من
العرب، فتَيامَنَ منهم ستةٌ وتَشاءَمَ منهم أربعةٌ، فأمَّا الذين تَشَاءموا فَلخْمٌ وجُذامٌ
وغَسَّانُ وعاملةُ. وأمَّا الذين تَيامَنوا فالأَزْدُ والأَشْعرِيُّون وحِمْيرٌ وكِنْدةُ ومَذْحِجٌ وأنمارٌ))
فقال رجل: يا رسولَ الله، وما أنمار؟ قال: ((الذين منهم خَتْعَمٌ وبَجِيلٌ). ورويَ هذا
عن ابن عباس عن النبيِّ #. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريب(١).
وقرأ ابن كثير(٢) وأبو عمرو: ((لِسَبَّ)) بغيرِ صَرْفٍ، جعله اسماً للقبيلة، وهو اختيارُ
أبي عبيد، واستدلَّ على أنه اسمُ قبيلةٍ بأنَّ بعده: ((في مساكنهم))؛ النحاس(٣): ولو
كان كما قال: لَكان: في مساكنها. وقد مضى في ((النمل)) زيادةُ بيانٍ لهذا المعنى (٤).
وقال الشاعر في الصَّرْف:
الواردون وتَيْمٌ في ذُرى سبأٍ قد عضَّ أعناقَهَمْ جِلْدُ الجواميسِ (٥)
وقال آخر في غير الصرف:
من سَبَأَ الحاضرين مأرِبَ إذ
يَبْنُون من دون سَيْلِه العَرِما(٦)
وقرأ قُنْبُل وأبو حَيْوَةَ والجَحْدَريُّ: (لِسَبَّأُ))؛ بإسكان الهمزة(٧).
(١) سنن الترمذي (٣٢٢٢)، وهو عند أحمد (٨٩/٢٤٠٠٩)، وأخرجه مختصراً أبو داود (٣٩٨٨).
قوله: فتيامن، أي: أخذوا ناحية اليمن وسكنوا بها. وقوله: تشاءم، أي: قصدوا جهة الشام. تحفة
الأحوذي ٨٩/٩. والغُطَيْفي نسبة إلى غطيف، وهو بطن من مُراد. الأنساب للسمعاني ٩/ ١٦٣.
وحديث ابن عباس أخرجه أحمد (٢٨٩٨).
(٢) في رواية البزي. السبعة ص ٤٨٠، والتيسير ص ١٦٧ .
(٣) في إعراب القرآن ٣٣٨/٣، وما قبله منه.
(٤) عند تفسير الآية (٢٢) منها.
(٥) البيت لجرير، وهو في ديوانه بشرح محمد بن حبيب ١٣٠/١ برواية:
قد عض أعناقهم جلد الجواميس
تدعوك تيم وتيم في قرى سبأٍ
والبيت برواية المصنف في معاني القرآن للفراء ٣٥٨/٢ .
(٦) البيت للنابغة الجعدي أو أمية بن أبي الصلت، كما في سيرة ابن هشام ١٤/١، وطبقات الفحول
١٢٦/١ . وهو في ديوان النابغة الجعدي ص ١٣٤ برواية: أو سبأ ...
(٧) السبعة ص ٤٨٠، والتيسير ص ١٦٧ عن قنبل.

٢٨٩
سورة سبأ: الآية ١٥
﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ قراءةُ العامَّةِ على الجمع(١)، وهي اختيارُ أبي عبيدٍ وأبي حاتم؛
لأنَّ لهم مساكنُ كثيرةٌ وليس بمسكنٍ واحد.
وقرأ إبراهيم وحمزةُ وحفصٌ: ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ موحَّداً، إلَّا أنَّهم فتحوا الكاف (٢).
وقرأ يحيى والأعمشُ والكسائيُّ موحَّداً كذلك، إلَّا أنَّهم كَسَروا الكاف(٣).
قال النحاس(٤): ومساكنُ في هذا أَبْينُ؛ لأنه يجمع اللفظَ والمعنى، فإذا قلت:
((مسكنهم) كان فيه تقديران: أحدهما: أن يكون واحداً يؤدِّي عن الجمع. والآخر:
أن يكون مصدراً لا يثنَّى ولا يُجمع، كما قال الله تعالى: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى
سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]. فجاء بالسمع موحّدًا. وكذا: ﴿مَقْعَدٍ صِدْقٍ﴾
[القمر: ٥٥]. و((مَسْكِن)) مثل مسجد، خارجٌ عن القياس، ولا يوجد مثلُه إلَّا سماعاً.
﴿ءَايَةٌ﴾ اسمُ كان، أي: علامةٌ دالَّة على قدرة الله تعالى على أنَّ لهم خالقاً
خَلَقَهم، وأنَّ كلَّ الخلائقِ لو اجتمعوا على أن يُخرجوا من الخشبة ثمرةً لم يمكنهم
ذلك، ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناسِ الثمار وألوانها وطُعومها وروائحها وأزهارها،
وفي ذلك ما يدلُّ على أنَّها لا تكون إلا من عالِمٍ قادِر.
﴿جَنَّتَانِ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من («آية))، ويجوز أن يكون خبرَ ابتداءٍ محذوفٍ،
فيوقَفُ على هذا الوجه على ((آية)) وليس بتمام(٥). قال الزجَّاج(٦): أي: الآيةُ جَتَّتان،
(١) وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر. السبعة ص ٥٢٨ ،
والتيسير ص ١٨٠ .
(٢) السبعة ص ٥٢٨، والتيسير ص ١٨٠ عن حمزة وحفص. وإبراهيم هو النخعي، وذكرها عنه النحاس
في إعراب القرآن ٣٣٩/٣ .
(٣) السبعة ص ٥٢٨، والتيسير ص ١٨٠ عن الكسائي. وإعراب القرآن للنحاس ٣٣٩/٣ عن يحيى (وهو
ابن وثاب) والأعمش.
(٤) في إعراب القرآن ٣٣٩/٣.
(٥) وهو وقف حسن كما ذكر الأشموني في منار الهدى في بيان الوقف والابتدا ص ٢٢٦ .
(٦) في معاني القرآن ٢٤٨/٤ .

٢٩٠
سورة سبأ: الآية ١٥
فجنتان رفع لأنه خبرُ ابتداءٍ محذوفٍ. وقال الفرَّاء: رُفع تفسيراً للآية(١)، ويجوز أن
تنصب (آية)) على أنَّها خبرُ كان، ويجوز أن تنصب الجنتين على الخبر أيضاً في غير
القرآن (٢)
قال عبد الرحمن بن زيد: إنَّ الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنَّهم لم
يَرَوا فيها بعوضةً قطُ، ولا ذباباً ولا بُرغُوثاً ولا قملةً ولا عقرباً ولا حيةً، ولا غيرَها
من الهواءّ، وإذا جاءهم الرَّكْبُ في ثيابهم القملُ والدوابُّ، فإذا نظروا إلى بيوتهم
ماتت الدواب(٣).
وقيل: إنَّ الآية هي الجنتان، كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسها مِكْتَلٌ،
فيمتلئُ من أنواع الفواكه من غير أن تمسَّها بيدها؛ قاله قتادة(٤).
وروي أنَّ الجنتين كانتا بين جبلين باليمن. قال سفيان: وُجد فیھما قصران
مكتوبٌ على أحدهما: نحن بنينا سَلْحِين(٥) في سبعين خريفاً دائبين، وعلى الآخَر
مكتوبٌ : نحن بَنَینا صِرْواح، مَقِيل ومَراح، فكانت إحدى الجنتين عن يمين الوادي
والأخری عن شماله.
قال القشيريُّ: ولم يُرِد جنتين اثنتين، بل أراد من الجهتين يَمنةً ويَسرةً، أي:
(١) أي على البدل منها، كما ذكره عنه الألوسي في روح المعاني ٢٢/ ١٢٥، وقول الفراء في معاني
القرآن له ٣٥٨/٢.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٨/٣.
(٣) أخرجه مطولاً الطبري ٢٤٧/١٩.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٣٠، والطبري ٢٤٧/٩. والمِكْتل: الزَّبيل الكبير، قيل: إنه يسع خمسة عشر
صاعاً، كأن فيه كتلاً من التمر. النهاية (كتل).
(٥) في (د): سايحين، وفي (خ) و(ظ): سالحين، وسقط هذا الموضع من (ز). ووقع في مطبوع النكت
والعيون ٤٤٣/٤ (والكلام منه): سالمين. والمثبت من (م) وهو موافق لما ذكره ياقوت في معجم
البلدان ٢٣٥/٣ وقال: سلحين بفتح أوله وسكون ثانيه ثم حاء مهملة مكسورة ... ، حصن عظيم بأرض
الیمن.

٢٩١
سورة سبا: الآيتان ١٥ - ١٦
كانت بلادهم ذاتَ بساتين وأشجارٍ وثمار، تستتر الناس بظلالها.
﴿كُوْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أي: قيل لهم: كلوا، ولم يكن ثَمَّ أمرٌ، ولكنَّهم تمكَّنوا
من تلك النعم. وقيل: أي قالت الرسل لهم: قد أباح الله تعالى لكم ذلك، أي: أباح
لكم هذه النعم فاشكروه بالطاعة. ﴿مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أي: من ثمار الجنتين ﴿وَأَشْكُرُواْ
لَهُ﴾ يعني على ما رزقكم.
﴿بَّدَةٌ طَيِبَةٌ﴾ هذا كلامٌ مستأنَفٌ، أي: هذه بلدةُ طيبةٌ، أي: كثيرةُ الثمار.
وقيل: غيرُ سَبْخةٍ. وقيل: طيبةٌ ليس فيها هواٌ لطيبٍ هوائها. قال مجاهد: هي
صنعاء(١).
﴿وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ أي: والمنعِمُ بها عليكم ربُّ غفورٌ يَسْتُر ذنوبكم، فجمع لهم بين
مغفرةٍ ذنوبهم وطيبٍ بلدِهم، ولم يجمع ذلك لجميع خَلْقِه. وقيل: إنَّما ذكر المغفرة
مشيراً إلى أنَّ الرزق قد يكون فيه حرام. وقد مضى القول في هذا في أوّل ((البقرة))(٢).
وقيل: إنَّما امتَنَّ عليهم بعَفْوِهِ عن عذابِ الاستئصالِ بتكذيب مَن كذَّبوه من سالِفٍ
الأنبياء، إلى أن استداموا الإصرارَ فاستئصِلوا.
قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِ وَبَدَّلْنَهُم ◌ِنَّهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ
أُكُلٍ خَطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِلٍ
قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُواْ﴾ يعني عن أمره واتِّباعِ رسله بعد أن كانوا مسلمين. قال
السُّدِّيُّ ووهبٌ: بعث إلى أهل سبأ ثلاثةَ عَشَرَ نبيًّا فكذَّبوهم. قال القُشيرِيُّ: وكان لهم
رئيس يلقَّب بالحمار، وكانوا في زمن الفترة بين عيسى ومحمدٍ صلى الله عليهما
وسلم. وقيل: كان له ولدٌ فمات، فرفع رأسه إلى السماء فبزق وكفر، ولهذا يقال:
أَكْفَرُ مِن حِمار. وقال الجوهريّ(٣): وقولُهم: أَكْفَرُ من حِمار، هو رجلٌ من عادٍ؛
(١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤ / ٤٤٤ .
(٢) ٢٧٢/١ .
(٣) في الصحاح (حمر).

٢٩٢
سورة سبا: الآية ١٦
مات له أولادٌ، فكفر كفراً عظيماً، فلا يمرُّ بأرضه أحدٌ إلَّا دعاه إلى الكفر، فإن أجابه
وإلَّا قتله.
ثم لمَّا سال السيلُ بجنَّتيهم تفرَّقوا في البلاد، على ما يأتي بيانُه، ولهذا قيل في
المثل: ((تفرَّقوا أيادي سَبًا))(١). وقيل: الأَوْسُ والخزرجُ منهم. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ
اٌلْعَرِ﴾ والعرِمُ فيما روي عن ابن عباس: السَّدُّ(٢)، فالتقدير: سَيلَ السَّدِّ العَرِم. وقال
عطاء: العَرِمُ اسمُ الوادي(٣).
قتادة: العرمُ وادي سبأ؛ كانت تجتمع إليه مَسَايلُ من الأودية، قيل: من البحر
وأوديةِ اليمن، فردَموا رَدْمًا بين جبلين، وجعلوا في ذلك الرَّدْمِ ثلاثةَ أبوابٍ؛ بعضُها
فوقَ بعضٍ، فكانوا يسقون من الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث على قَدْرِ حاجاتهم؛
فَأَخْصَبوا وكَثُرت أموالُهم، فلمَّا كذَّبوا الرسل سلَّط الله عليهم الفأر فنقب الردم(٤).
قال وَهْب: كانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرِّبُ سدَّهم
فأرةٌ، فلم يتركوا فُرجةً بين صخرتين إلَّا ربطوا إلى جانبها هرَّةً، فلمَّا جاء ما أراد الله
تعالى بهم أقبلت فأرةٌ حمراءُ إلى بعض تلك الهِرَرِ فساوَرَتْها حتى استأخرتْ عن
الصخرة، ثم وثبت ودخلت في الفرجة التي كانت عندها، ونقبت السَّدَّ حتى أَوْهَنته
للسيل وهم لا يدرون، فلمَّا جاء السيل دخل تلك الخللَ حتى بلغ السدَّ، وفاض الماء
على أموالهم، فغرَّقها ودفن بيوتَهم(٥).
وقال الزجَّاج(٦): العَرِمُ اسمُ الجُرَذ الذي نَقَبَ السِّكْرَ عليهم، وهو الذي يقال له:
(١) أي: تفرَّقوا تفرُّقاً لا اجتماع بعده. مجمع الأمثال للميداني ٢/ ٢٧٥. وسيأتي ص٣٠٢ من هذا الجزء.
(٢) لم نقف عليه عن ابن عباس، وأخرجه الطبري ٢٥١/١٩ عن مجاهد.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤٠٦/٥.
(٤) أخرجه بنحوه الطبري ١٩/ ٢٥١، وذكره الواحدي في الوسيط ٣/ ٤٩١ دون نسبة.
(٥) أخرجه الطبري ٢٥٢/١٩ - ٢٥٣ . والخبر من الإسرائيليات.
(٦) في معاني القرآن ٢٤٨/٤ .

٢٩٣
سورة سبأ: الآية ١٦
الخُلد - وقاله قتادةُ أيضًا (١) - فنُسب السيلُ إليه لأنه بسببه. وقد قال ابن الأعرابيِّ
أيضاً: العَرِم من أسماء الفأر(٢).
وقال مجاهد وابن أبي نَجيح: العَرِمُ ماءٌ أحمرُ أرسله الله تعالى في السَّدِّ، فشقَّه
وهدمه(٣).
وعن ابن عباس أيضاً: أنَّ العَرِمَ المطرُ الشديد. وقيل: العَرْم بسكون الراء. وعن
الضخَّاك كانوا في الفترة بين عيسى ومحمدٍ عليهما السلام(٤).
وقال عمرو بن شُرَحْبيل: العَرِمُ المُسَنَّةِ(٥). وقاله الجوهريُّ(٦)؛ قال: ولا واحدَ
لها من لفظها، ويقال: واحدُها عَرِمة.
وقال محمد بن يزيد: العَرِمِ كلُّ شيء حاجزٍ بين شيئين، وهو الذي يسمَّى:
السِّكْر، وهو جَمِعُ عَرِمة. النخَّاس(٧): وما يجتمع من مطرٍ بين جبلين وفي وجهه
مُسَنَّاةٌ فهو العَرِم، والمُسَنَّةُ هي التي يسمِيها أهلُ مصرَ الجسر (٨)، فكانوا يفتحونها إذا
(١) أخرجه الطبري ١٩/ ٢٥٣ .
(٢) تهذيب اللغة ٣٩١/٢.
(٣) علقه البخاري كما في الفتح ٥٣٥/٨ عن مجاهد بأطول منه، ووصله الفريابي كما في تغليق التعليق
٢٨٨/٤ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وتتمته: وحَفَرَ الوادي، فارتفعتا عن الجَنْبَتَيْنِ، وغاب
عنهما الماء، فيبستا، ولم يكن الماء الأحمر من السدّ، ولكن كان عذاباً أرسله الله عليهم من حيث شاء.
اهـ. وذكر الحافظ ابن حجر عن القاضي عياض أنه في رواية: فَبَثَقَّهُ، بدل: فشقَّه؛ قال: وهو الوجه،
تقول: بثقتُ النهر: إذا كسرتَه لتصرفه عن مجراه.
(٤) الكشاف ٣/ ٢٨٥؛ إلا أنه ذكر قول ابن عباس دون نسبة، وذكره دون نسبة كذلك النحاس في معاني
القرآن ٤٠٧/٥، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤١٤/٤. وأخرج الطبري ٢٥٢/١٩ عن ابن عباس
قال: سيل العرم: الشديد.
(٥) علقه البخاري أيضاً كما في الفتح ٥٣٥/٨. قال الحافظ: قال ابن التين: المراد بالمسناة ما يبنى في
عرض الوادي ليرتفع السيل ويفيض على الأرض.
(٦) في الصحاح (عرم).
(٧) في إعراب القرآن ٣٣٨/٣، وما قبله منه، وقول محمد بن يزيد بنحوه في الكامل ١٢١٤/٣.
(٨) في (د) و(ظ): الحبس. والحبس: حجارة أو خشب تبنى في مجرى الماء لتحبسه، كي يشرب القوم
ويسقوا أموالهم. اللسان (حبس).

٢٩٤
سورة سبأ: الآية ١٦
شاؤوا، فإذا روِیَتْ جتَّاهم ستُّوها.
قال الهَرَويُّ: المُسَنَّاة: الضفيرة تُبنَى للسيل تردُّه، سمِّيت مسنَّةً لأن فيها مفاتحُ
الماء، ورُوي أنَّ العَرِمَ سدٌّ بَنَتْه بِلْقِيسُ صاحبةُ سليمانَ عليه الصلاة والسلام، وهو
المسنَّةُ بلغة حِمير، بَنَتْه بالصَّخْرِ والقارِ، وجعلت له أبواباً ثلاثةً بعضُها فوق بعض،
وهو مشتقٌّ من العَرامة وهي الشدَّة، ومنه: رجلٌ عارم، أي: شديد. وعَرَمْتُ العظمَ
أَغْرِمُه وأعرُمه عَرْماً: إذا عَرَقْتَه(١)، وكذلك عَرَمت الإبلُ الشجرَ، أي: نالت منه.
والعُرام بالضم: العُرَاق من العَظْمِ والشجر. وتعرَّمتُ العَظْمَ: تَعرَّقته. وصبيٍّ عارِمٌ بَيِّنُ
العُرام - بالضم - أي: شَرِس. وقد عَرَم يَعْرُمُ ويَعْرِم عَرَامةً - بالفتح -، والعَرِم: العارم؛
عن الجوهريّ(٢).
قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْتَهُمْ بِحَتََّتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَطٍ﴾ وقرأ أبو عمرو: ﴿أُكُلِ
خَمْطٍ﴾ بغير تنوينٍ مضافاً (٣). قال أهلُ التفسير والخليلُ: الخَمْطُ: الأراك(٤).
الجوهري(٥): الخَمْطُ ضَرْبٌ من الأراك له حَمْلٌ يؤكل. وقال أبو عبيدة(٦): هو كلُّ
شجرٍ ذي شوكٍ فيه مرارةٌ. الزجاج(٧): كلُّ نبتٍ فيه مرارةٌ لا يمكنُ أكلُه.
المبرِّد: الخمطُ: كلُّ ما تغيَّر إلى ما لا يُشْتَهَى، واللبنُ خَمْظٌ إذا حَمُض. والأوْلى
عنده في القراءة: ﴿ذَوَاتٌَّ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بالتنوين على أنه نعتٌ لـ ((أُكُلٍ))، أو بَدَلِ منه؛
لأنَّ الأُكُلَ هو الخمطُ بعينه عنده. فأمَّا الإضافةُ فبابُ جوازِها أن يكون تقديرُها:
(١) عرق العظم: أكل ما عليه من اللحم. القاموس (عرق).
(٢) في الصحاح (عرم).
(٣) السبعة ص ٥٢٨، والتيسير ص ١٨٠ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٩/٣.
(٥) في الصحاح (خمط).
(٦) في مجاز القرآن ١٤٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٤٠٨/٥ .
(٧) في معاني القرآن ٢٤٩/٤ .

٢٩٥
سورة سبا: الآية ١٦
ذواتي أُكُلِ حموضةٍ، أو أُكُلِ مرارةٍ(١). وقال الأخفش: والإضافةُ أحسنُ في كلام
العرب، نحو قولهم: ثوبُ خَزِّ(٢).
والخمط [من] اللبن: الحامض. وذكر أبو عبيد: أنَّ اللبن إذا ذهب عنه حلاوةُ
الحَلَبِ ولم يتغيَّر طعمُه فهو سامِط، وإن أخذ شيئاً من الريح فهو خامِظُ وخَمِيط، فإن
أخذ شيئاً من طعمٍ فهو مُمَحَّل، فإذا كان فيه طعمُ الحلاوة فهو قُوهة(٣).
وتَخمَّط الفحل: هَدَر. وتَخمَّط فلانٌ، أي: تغضَّب وتكبَّر. وتخمَّط البحر، أي:
الْتَظَم. وخَمَظْتُ الشاةَ أَخْمِطُها خَمْظًا: إذا نزعتَ جلدَها وشويتَها، فهي [خَميظٌ، فإن
نزعتَ شعرها وشويتَها فهي] سَميطٌ. والخَمْطة: الخمرُ التي قد أخذتْ رِيح الإدراك
كريحِ التُّاح ولم تُدْرِك بعدُ. ويقال: هي الحامِضة؛ قاله الجوهريُّ(٤). وقال القُتَبِيُّ في
((أدب الكاتب)): يقال للحامضة: خَمْطة، ويقال: الخَمْطةُ التي قد أخذت شيئًا من
الريح، وأنشد:
عُقَارٌ كماءِ النِّيْءٍ ليستْ بِخَمْطَةٍ ولا خَلَّةٍ يَكْوي الشُّروبَ شِهابُها(٥)
﴿وَأَثَلِ﴾ قال الفرَّاء: هو شبيهٌ بالطَّرْفاء، إلَّا أنه أعظمُ منه طولاً (٦)، ومنه اتّخذ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٣٤٠.
(٢) الحجة للفارسي ٦/ ١٥ .
(٣) في النسخ عدا (ظ): فوهة، والمثبت من (ظ)، وهو موافق لما في الغريب المصنف لأبي عبيد ١/ ٩٥ ،
والصحاح (خمط)، والكلام وما سلف بين حاصرتين منه. قال صاحب اللسان (قوه): ورواه الليث: نُوهة
بالفاء، وهو تصحيف. اهـ والقُوهة: اللبن إذا تغير طعمه قليلاً وفيه حلاوة الحلب. الصحاح (قوه).
(٤) في الصحاح (خمط)، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٥) أدب الكاتب ص ١٦٧، والبيت لأبي ذؤيب، وهو في ديوان الهذليين ص ٧٢ . يقول: هي في لون ماء
اللحم التَّيء، وليست كالخطة التي لم تدرك بعد، ولا كالخَلَّة التي جاوزت القدر حتى كادت تصبح
خلُّ. اللسان (خلل). وقال شارح الديوان: قوله: یکوي الشُّروب، يقول: لها مضٌّ شدید مثل النار.
والشروب: النَّدامَى.
(٦) معاني القرآن للفراء ٣٥٩/٢.

٢٩٦
سورة سبأ: الآية ١٦
مِنْبَرُ النبيِّ ﴾(١). وللأَثْل أصولٌ غليظةٌ يتّخذُ منه الأبواب، وورقُه كورق الطَّرْفاء،
الواحدةُ: أَثْلَة، والجمع: أثَلات.
وقال الحسن: الأَثْلُ: الخشب. قتادة: هو ضَرْبٌ من الخشب يشبه الطَّرْفاءَ رأيتُه
: ( (٣)
بفَيْدٍ(٢). وقيل: هو السَّمُر(٣).
وقال أبو عبيدة: هو شجر النُّضَار (٤). النُّضار: الذهب. والنُّضار: خشبٌ يعمل
منه قِصَاعٌ، ومنه: قَدَحْ نُضَار (٥).
﴿وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ قال الفَرَّاء: هو السَّمُر؛ ذكره النحاس(٦). وقال
الأزهريُّ(٧): السِّدْر من الشجر سِدران: بَرِّيٌّ لا يُنتفع به ولا يصلح وَرَقُه للغَسُول،
وله ثمرٌ عَفِصٌ لا يؤكل، وهو الذي يسمَّى الضَّال. والثاني: سِيْرٌ ينبتُ على الماء
وثمرُه النَّبْق، وورقُه غَسولٌ يشبه شجر العُنَّاب.
قال قتادة: بينما شجرُ القوم من خيرِ شجرٍ إذا صيَّره الله تعالى من شرِّ الشجر
بأعمالهم (٨). فأهلك أشجارهم المثمرةَ وأَنبتَ بدلها الأراك والطَّرْفاء والسِّدْر.
القُشَيْريُّ: وأشجارُ البوادي لا تسمَّى جنةً وبستاناً، ولكنْ لمَّا وقعت الثانيةُ في
(١) أخرجه أحمد (٢٢٨٠٠) مختصراً، والبخاري (٣٧٧)، ومسلم (٣٤٤) مطولاً من حديث سهل بن
سعد﴾. ولفظه عنه أحمد: كان من أثل الغابة، يعني منبر النبيِّ #. ووقع عند مسلم : ... من طَرْفاءِ
الغابة.
(٢) فيد: بليدةٌ في نصف طريق مكة من الكوفة. معجم البلدان ٤/ ٢٨٢ .
(٣) جمع سَمُرة بضم الميم: من شجر الطَّلْح. اللسان (سمر).
(٤) التُّضَار: أَثْلٌ وَرْسيُّ اللون بغور الحجاز. المعجم الوسيط (نضر).
(٥) من قوله: النُّضار الذهب، إلى هذا الموضع ليس في (د) و(ظ). وقوله: قدح نُضار، قال الجوهري في
الصحاح (نضر): يضاف ولا يضاف.
(٦) في إعراب القرآن ٣/ ٣٤٠، وهو في معاني القرآن للفراء ٣٥٩/٢.
(٧) في تهذيب اللغة ١٢/ ٣٥٣.
(٨) أخرجه الطبري ٢٥٨/١٩ .

٢٩٧
سورة سبأ: الآيتان ١٦ - ١٧
مُقابَلةِ الأولى أطلق لفظ الجنة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سِيْئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَاَ﴾
[الشورى: ٤٠]. ويَحتمِلُ أن يرجع قوله: ((قَلِيلٍ)) إلى جملةِ ما ذُكر من الخَمْطِ والأَثْل
والسِّدْر.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُّجَرِيّ إِلَّ الْكَفُورَ
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ﴾ أي: هذا التبديلُ جزاءُ كُفْرِهم. وموضعُ
((ذلك)) نصبٌ، أي: جزيناهم ذلك بكفرهم. ﴿وهل يُجَازَى إلَّا الكَفُورُ﴾ قراءةُ العامة:
(يُجَازَى)) بياءٍ مضمومة وزاي مفتوحة، ((الكَفورُ)) رفعًا على ما لم يُسمَّ فاعلُه. وقرأ
يعقوبُ وحَفْصٌ وحمزةُ والكسائيُّ: ((نُجازِي)» بالنون وكسرِ الزاي، ((الكفورَ))
بالنصب(١)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا: لأنَّ قبله: ((جَزَيناهم)) ولم يقل :
جُوزُوا. النحاس(٢): والأمرُ في هذا واسعٌ، والمعنى فيه بيِّن، ولو قال قائل: خَلَقَ
الله تعالى آدمَ ﴾ من طين، وقال آخر: خُلق آدمُ من طين، لكان المعنى واحداً.
مسألة: في هذه الآيةِ سؤالٌ ليس في هذه السورة أشدُّ منه، وهو أن يقال: لم
خصَّ الله تعالى المجازاةَ بالكَفور، ولم يذكر أصحابَ المعاصي؟ فتكلَّم العلماء في
هذا؛ فقال قومٌ: ليس يُجازَى بهذا الجزاء الذي هو الاصطلامُ والإهلاك إلَّا مَن
كفر (٣). وقال مجاهد: يجازَى بمعنى: يعاقَب(٤)، وذلك أن المؤمن يكفِّر الله تعالى
عنه سيئاته، والكافر يجازَى بكلِّ سوءٍ عَمِلَه؛ فالمؤمنُ يُجْزَى ولا يُجازَى لأنه يثاب.
وقال طاوس: هو المناقشةُ في الحساب(٥)، وأمَّا المؤمنُ فلا يناقش الحساب.
وقال قُطْرُب خلافَ هذا، فجعلها في أهل المعاصي غير الكفار، وقال: المعنى:
(١) السبعة ص ٥٢٨، والتيسير ص ١٨١، والنشر ٣٥٠/٢.
(٢) في إعراب القرآن ٣٤٠/٣ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٠/٣، وقوله: الاصطلام، أي: الاستئصال. الصحاح (صلم).
(٤) أخرجه الطبري ٢٥٩/١٩ .
(٥) أخرجه عبد الرزاق ١٢٩/٢ .

٢٩٨
سورة سبأ: الآيتان ١٧ - ١٨
على مَن كَفَر بالنعم وعَمِلَ بالكبائر. النحاس(١): وأَوْلَى ما قيل في هذه الآيةِ وأَجَلُّ ما
رُويَ فيها: أنَّ الحسن قال: مِثْلاً بِمِثْلٍ. وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: سمعتُ
رسول الله ﴾ يقول: ((مَن حُوسِبَ هَلَك)) فقلتُ: يا نبيَّ الله، فأين قولُه جلّ وعزّ:
﴿فَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]؟ قال: ((إنَّما ذلك العَرْضُ، ومَن نُوقِشَ
الحسابَ هَلَكَ))(٢). وهذا إسنادٌ صحيح، وشَرْحُه: أنَّ الكافر يُكافأ على أعماله
ويحاسَبُ عليها ويحبط ما عَمِلَ من خير؛ ويبيِّن هذا قولُه تعالى في الأوّل: ﴿ذَلِكَ
جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ﴾ وفي الثاني: ﴿وهل يُجَازَى إِلَّ الكَفُورُ﴾ ومعنى ((يُجَازَى)): يكافأ
بكلِّ عَمَلٍ عَمِله، ومعنى ((جَزَيْنَاهم)): وقَّيناهم، فهذا حقيقةُ اللغة، وإن كان ((جازى))
يقع بمعنى ((جَزَى)) مَجازاً(٣).
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اُلْقُرَى الَّتِى بَرَكْنَا فِهَا قُرَى ظَهِرَةٌ وَقَدَّرْنَا
فِيَهَا السَّيْرِّ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالَِ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى أَلَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا قُرَّى ظَاهِرَةً﴾ قال الحسن:
يعني بين اليمن والشام(٤). والقُرَى التي بورك فيها: الشامُ والأُرْدُنُّ وفِلَسْطين.
والبركة: قيل: إنَّها كانت أربعةَ آلافٍ وسبعَ مئة قريةٍ؛ بورك فيها بالشجر والثمر
والماء. ويَحْتَمِلُ أن يكون: بارَكْنَا فيها بكثرة العدد(٥).
﴿قُرَىٌّ ظَاهِرَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد بين المدينة والشام(٦). وقال قتادة: معنى
(ظَاهِرَةَ)): متَّصلةً على الطريق، يغدون فيَقِيلون في قرية، ويروحون فيبيتون في قرية(٧).
(١) في إعراب القرآن ٣/ ٣٤٠، وما قبله منه.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٢٠٠)، والبخاري (١٠٣)، ومسلم (٢٨٧٦).
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٤١/٣.
(٤) ذكره النحاس في معاني القرآن ٤١٠/٥ .
(٥) النكت والعيون ٤/ ٤٤٤ .
(٦) أخرجه الطبري ١٩/ ٢٦٢ .
(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٣٠ .

٢٩٩
سورة سبأ: الآية ١٨
وقيل: كان على كلِّ مِيلٍ قريةٌ بسوق، وهو سببُ أَمْنِ الطريق.
قال الحسن: كانت المرأة تخرج ومعها مِغْزَلُها وعلى رأسها مِكْتَلُها، ثم تَلْتهي
بمغزلها فلا تأتي بيتَها حتى يمتلئ مِكْتَلها من كلِّ الثمار، فكان ما بين الشام واليمن
كذلك(١).
وقيل: (ظَاهِرَةً)) أي: مرتفعةً؛ قاله المبرِّد(٢). وقيل: إنما قيل لها: ((ظَاهِرَةً))
لظهورها، أي: إذا خرجْتَ عن هذه ظَهَرتْ لك الأخرى، فكانت قرّى ظاهِرةً، أي:
معروفة، يقال: هذا أمرٌ ظاهِر، أي: معروف.
﴿وَقَدَّرْنَا فِيَهَا السَّيْرِّ﴾ أي: جعلنا السيرَ بين قُراهم وبين القرى التي باركنا فيها
سَيْرًا مقدَّراً من منزل إلى منزلٍ، ومن قريةٍ إلى قرية. الفراء (٣) أي: جعلنا بين كلِّ
قريتين نصفَ يوم، حتى يكون المقيلُ في قرية والمبيتُ في قرية أخرى. وإنَّما يبالغ
الإنسان في السير لعُدْمِ الزادِ والماء ولخوف الطريق، فإذا وجد الزادَ والأمنَ لم
يحمل على نفسه المشقّةَ ونزل أينما أراد.
﴿مِيرُواْ فِيهَا﴾ أي: وقلنا لهم: سيروا فيها، أي: في هذه المسافة، فهو أمرُ
تمكين، أي: كانوا يسيرون فيها إلى مقاصدهم إذا أرادوا آمنين، فهو أمرٌ بمعنى
الخبر، وفيه إضمارُ القول.
﴿لَيَالِىَ وَأَيَّامًا﴾ ظَرْفان ﴿ءَامِنِينَ﴾ نصب على الحال. وقال: ((لياليَ وأَيَّامًا)) بلفظِ
النكرة تنبيهاً على قِصَر أسفارهم، أي: كانوا لا يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما
يحتاجون إليه. قال قتادةُ: كانوا يسيرون غيرَ خائفين ولا جِيَاعٍ ولا ظِماءٍ(٤). وكانوا
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٣٣٣/٥ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم،
وهو في تفسير الطبري ٦٢/١٩، دون قوله: فكان بين الشام واليمن كذلك.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٤١/٣.
(٣) في معاني القرآن ٢٥٩/٢ . وقوله: الفراء، ليس في (د) و(م).
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤١١/٥، وأخرجه مطولاً عبد الرزاق ١٣٠/٢.

٣٠٠
سورة سبأ: الآيتان ١٨ - ١٩
يسيرون مسيرةً أربعةٍ أشهرٍ في أمانٍ لا يحرِّكُ بعضُهم بعضاً، ولو لقي الرجلُ قاتِلَ أبيه
لم يحرِّكه(١).
قوله تعالى: ﴿فَقَالُوْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ
وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ لمَّا بَطِروا وطغَوْا وسئموا الراحةَ ولم
يصبروا على العافية، تَمنَّوْا طولَ الأسفارِ والكَذْحَ في المعيشة، كقول بني إسرائيل:
﴿فَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ آلْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ الآية [البقرة: ٦١]. وكالنضر بن
الحارث حين قال: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ
السَّمَآءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، فأجابه الله تبارك وتعالى، وقُتل يومَ بدرٍ بالسيف صَبْرًا.
فكذلك هؤلاء تبدَّدوا في الدنيا ومُزِّقوا كلَّ مُمَزَّق، وجُعل بينهم وبين الشام فَلَواتٍ
ومَفَاوِزَ يركبون فيها الرَّوَاحِلَ ویتزوَّدون الأَزْوادَ.
وقراءةُ العامَّةِ: ﴿رَبَّنَا﴾ بالنصب على أنه نداءٌ مضاف، وهو منصوبٌ لأنه مفعولٌ
به؛ لأنَّ معناه: نادَيْتُ ودعَوْت(٢). ﴿بَعِذْ﴾ سألوا المباعَدةَ في أسفارهم. وقرأ ابنُ
كثيرٍ وأبو عمرٍو وابنُ محيْصِنٍ وهشامٌ عن ابن عامر: ﴿رَبَّنَا﴾ كذلك على الدعاء
﴿بَعِّد﴾ من التبعيد(٣). النحاس(٤): وباعِدْ وبعِّدْ واحدٌ في المعنى، كما تقول: قارِبْ
وقَرِّبْ.
وقرأ أبو صالح ومحمد ابن الحنفية وأبو العالية ونصر بن عاصم ويعقوب،
ويُروى عن ابن عباس: ﴿رَبُّنا﴾ رفعاً ﴿باعَدَ﴾ بفتح العين والدال على الخبر(٥)،
(١) النكت والعيون ٤ /٤٤٥ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٢/٣ .
(٣) السبعة ص ٥٢٩، والتيسير ص ١٨١ عن ابن كثير وأبي عمرو وهشام.
(٤) في إعراب القرآن ٣٤٢/٣ .
(٥) النشر ٢/ ٣٥٠ عن يعقوب، وهو من العشرة. والمحتسب ١٨٩/٢ عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية
وأبي صالح ويعقوب وأبي رجاء وسلام والحسن - بخلاف - وابن أبي ليلى والكلبي.