Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
سورة سبا: الآية ١٠
الأمصار القراءةَ بالتزيين والترجيع(١)، وقد مضى هذا في مقدِّمة الكتاب(٢)،
والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِ مَعَهُ﴾ أي: وقلنا: يا جبالُ أوِّبي معه، أي: سبِّحي
معه؛ لأنه قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَِّحْنَ بِالْعَشِّ وَاَلْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨].
قال أبو ميسرة: هو التسبيحُ بلسان الحبشة(٣)، ومعنى تسبيح الجبال: هو أنَّ الله
تعالى خَلَقَ فيها تسبيحاً كما خلق الكلامَ في الشجرة، فَيُسمَعُ منها ما يُسمَعُ من
المسبِّح، معجزةً لداودَ عليه الصلاة والسلام(٤).
وقيل: المعنى: سِيري معه حيثُ شاء، من التأويب الذي هو سيرُ النهارِ أَجْمعَ
وينزلُ الليلَ. قال ابن مُقْبِل:
لَحِقْنا بحيٍّ أَوَّبوا السَّيرَ بعد ما دَفَعْنا شُعاعَ الشَّمسِ والطَرْفُ مُجْنَحُ(٥)
وقرأ الحسن وقتادة وغيرهما: ((أُوْبي مَعَهُ)) أي: ارجعي معه(٦)، من آبَ يَؤُوبُ:
إذا رجع، أَوْبًا وأوْبة وإِيَاباً.
وقيل: المعنى: تصرَّفي معه على ما يَتَصرَّفُ عليه داودُ بالنهار، فكان إذا قرأ
الزبورَ صَوَّتت الجبالُ معه، وأَصْغَتْ إليه الطيرُ، فكأنَّها فَعَلَتْ ما فَعَل.
وقال وهب بن منبِّه: المعنى: نُوحِي معه، والطيرُ تساعده(٧) على ذلك، فكان إذا
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٥٨٤، وفيه : بالألحان والترجيع.
(٢) ١/ ٢١ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٢٠/١٩، وأبو ميسرة هو عمرو بن شُرَحبيل الهَمْداني.
(٤) الكشاف ٣/ ٢٨١ .
(٥) تفسير غريب القرآن ص ٣٥٣، والمحرر الوجيز ٤٠٧/٤ ، والبيت في ذيل ديوان تميم بن مقبل رقم
(١٤). وذكره صاحب منتهى الطلب من أشعار العرب ٤٦/٦ عن الراعي النميري، وهو في ديوانه
ص٣٩ . ووقع في (م): يجنح، وهو موافق لما في تفسير الغريب.
(٦) القراءات الشاذة ص١٢١، والمحرر الوجيز ٤٠٧/٤، قال ابن عطية: أي: في السير، أو في التسبيح.
(٧) في النسخ الخطية: تسعده، والمثبت من (م).

٢٦٢
سورة سبأ: الآية ١٠
نادى بالنياحة أجابته الجبال بصَدَاها، وعكفت الطيرُ عليه مِن فوقه. فصَدَى الجبالِ
الذي يسمعه الناس إنَّما كان من ذلك اليوم إلى هذه الساعة (١)، فأُيِّد بمساعدة الجبال
والطير لئلا يجد فَتْرةً، فإذا دخلت الفترةُ اهتاج، أي: ثار وتحرَّك، وقَوِيَ بمساعدةِ
الجبالِ والطير. وكان قد أُعطيَ من الصوت ما تتزاحمُ الوحوشُ من الجبال على حُسْنٍ
صوتِهِ، وكان الماءُ الجاري يَنْقَطِعُ عن الجَرْي وقوفاً لصوته.
((وَالطَّيْرُ)) بالرفع قراءةُ ابنِ أبي إسحاق، ونصرٍ عن عاصم، وابنٍ هُرْمُز، ومَسْلمَةً
ابنِ عبد الملك(٢)، عطفاً على لفظ الجبال، أو على المضمَر في ((أَوِّبي))، وحسَّنه
الفصلُ بمع. الباقون بالنصب عطفاً على موضع ((يا جبالُ)) أي: نادينا الجبالَ والطير؛
قاله سيبويه. وعند أبي عمرو بن العلاء بإضمارٍ فعلٍ، على معنى: وسخّرنا له
الطير. وقال الكسائيُّ: هو معطوفٌ، أي: وآتيناه الطيرَ، حملاً على ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُدَ
مِنَّا فَضْلًا﴾. النحاس(٣): ويجوز أن يكون مفعولاً معه، كما تقول: استوى الماء
والخشبةَ. وسمعتُ الزجَّاج يُجيز: قمتُ وزيداً، فالمعنى: أوِّبي معه ومع الطير(٤).
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قال ابن عباس: صار عنده كالشمع(٥). وقال الحسن:
كالعجين(٦)، فكان يعمله من غير نار. وقال السُّدي: كان الحديد في يده كالطين
المبلول والعجينِ والشمع، يُصَرِّفه كيف شاء، من غير إدخالِ نارٍ ولا ضربٍ
بمظْرَقةٍ (٧). وقاله مقاتل. وكان يَفْرَغُ من الدِّرع في بعضِ اليومِ أو بعضٍ الليل،
(١) هذا كلام يناقض سنة الله في كونه، والخبرُ من الإسرائيليات.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٢٠، وإعراب القرآن للنحاس ٣٣٣/٣ - ٣٣٤، والمحرر الوجيز ٤٠٧/٤
وقراءة عاصم المتواترة عنه كقراءة الجماعة.
(٣) في إعراب القرآن ٣/ ٣٣٤، وما قبله منه.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٢٤٣ .
(٥) الوسيط ٤٨٨/٣ .
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٢٢٧/٥.
(٧) في (ظ): مطرقة.

٢٦٣
سورة سبأ: الآية ١٠
ثمنُها ألف درهم.
وقيل: أُعطيَ قوةً يَثْني بها الحديد، وسَبَبُ ذلك: أنَّ داود عليه السلام لمَّا مَلَكَ
بني إسرائيلَ؛ لَقِيَ مَلَكاً وداودُ يَظُنُّه إنساناً، وداودُ مُتنكِّرٌ؛ خرج يسأل عن نفسه وسيرته
في بني إسرائيلَ في خَفَاءٍ، فقال داودُ لذلك الشخصِ الذي تَمثَّلَ له: ما قولُك في هذا
الملِك داودَ؟ فقال له المَلَكُ: نِعْمَ العبدُ لولا خَلَّةٌ فيه. قال داودُ: وما هي؟ قال:
يَرتَزِقُ من بيت المال، ولو أَكَلَ مِن عَمَلٍ يده لَتَمَّتْ فضائلُه. فرجع، فدعا الله في أنْ
يعلِّمه صنعةً ويسهّلَها عليه، فعلَّمه صنعةً لَبوسٍ كما قال جلَّ وعزَّ في سورة الأنبياء،
فأَلانَ له الحديدَ، فصنع الذُّروعَ، فكان يصنع الدّرعَ فيما بين يومِه وليلته يساوي ألفَ
درهم، حتى ادَّخر منها كثيراً، وتوسّعتْ معيشةُ منزله، وتَصَلَّق على الفقراء
والمساكين، وكان يُنفقُ ثلثَ المالِ في مَصَالحِ المسلمين (١). وهو أوّلُ مَن اتّخذ
الدروعَ وصَنَعها وكانت قبل ذلك صفائحَ. ويقال: إنه كان يبيع كلَّ درعٍ منها بأربعة
آلاف (٢). والدِّرُ مؤنثٌ إذا كانت للحرب، ودرعُ المرأةِ مُذَكَّر(٣).
مسألة: في هذه الآية دليلٌ على تعلُّم أهلِ الفضلِ الصَّنائعَ، وأنَّ التحرُّفَ بها لا
ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادةٌ في فضلهم وفضائلهم؛ إذ يحصلُ لهم التواضعُ في
أنفسهم والاستغناءُ عن غيرهم، وكَسْبُ الحلالِ الخليِّ عن الامتنان. وفي الصحيح
عن النبيِّ ﴾ قال: ((إنَّ خيرَ ما أَكَلَ المرءُ مِن عَمَلٍ يَدِهِ، وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ كان يأكلُ
مِن عَمَلٍ يَدِه)»(٤). وقد مضى هذا في ((الأنبياء))(٥) مُجَوَّداً، والحمد لله.
(١) المحرر الوجيز ٤٠٧/٤ - ٤٠٨، وبنحوه في عرائس المجالس ص ٢٨١، وتفسير البغوي ٣/ ٥٥٠ .
(٢) عرائس المجالس ص ٢٨١، وتفسير البغوي ٣/ ٥٥٠ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٤/٣.
(٤) صحيح البخاري (٢٠٧٢) من حديث المقدام ، و(٢٠٧٣) من حديث أبي هريرة ﴾، وسلف
١٦١/١٠ .
(٥) ٢٥٤/١٤

٢٦٤
سورة سبأ: الآية ١١
قوله تعالى: ﴿أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنّ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ﴾ أي: دروعاً سابغاتٍ، أي: كَوَامِلَ تامَّاتٍ
واسعات؛ يقال: سَبَغ الدِّرْعُ والثوبُ وغيرُهما: إذا غظَّ كلَّ ما هو عليه وفَضَلَ منه.
﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ﴾ قال قتادة: كانت الدُّروعُ قبلَه صَفائح، فكانت ثِقَالاً؛ فلذلك أُمِرَ
هو بالتقدير فيما يجمع بين (١) الخِقَّةِ والحَصَانة. أي: قَدِّرْ ما تأخذُ من هذين المَعْنِيَين
بقِسْطِه، أي: لا تَقْصدِ الحصانةَ فتثقُلَ، ولا الخفةَ فتُزِيلَ المَنَعةَ.
وقال ابن زيد: التقديرُ الذي أُمر به هو في قَدْرِ الحَلْقة، أي: لا تَعْمَلْها صغيرةً
فتَضْعُفَ، فلا تَقْوى الدروعُ على الدفاع، ولا تَعْمَلْها كبيرةً فيُنالَ لابِسُها [من
خلالها](٢).
وقال ابن عباس: التقديرُ الذي أُمر به هو في المسمار، أي: لا تجعل مسمارَ
الدرع رقيقاً فَيَقْلَقَ، ولا غليظاً فَيَقْصِمَ الحَلَقِ(٣). روي ((يَقْصِمُ)) بالقاف، والفاءُ أيضاً
رواية (٤).
﴿فِي السَّرْدِ﴾ السَّرْدُ: نسجُ حَلَق الدروع، ومنه قيل لصانع الدروع: السَّرَّاد
والزرَّاد، تُبدَلُ من السين الزايُ، كما قيل: سِرَاط وزِرَاط. والسَّرد: الخَرْز، يقال:
سَرَدَ يَسْرُدُ: إذا خَرَز. والمِسْرَد: الإِشْفَى(٥)، ويقال: سِرَاد. قال الشَّمَّاخ:
(١) في النسخ عدا (ظ): من، والمثبت من (ظ) والمحرر الوجيز ٤٠٨/٤، والكلام منه.
(٢) المحرر الوجيز ٤٠٨/٤، وما بين حاصرتين منه، وأخرج قول ابن زيد وقول قتادة الطبري ٢٢٣/١٩
- ٢٢٤ .
(٣) أخرجه بنحوه عبد الرزاق ٢/ ١٢٧. وقوله: فيقلق، أي: لا يستقر ولا يثبت. اللسان (قلق). وعلقه
البخاري كما في الفتح ٤٥٣/٦ عن مجاهد قال: لا ترقَّ المسامير فيسلس، ولا تعظم فينفصم. قال
الحافظ: معناه: فيخرج من الثقب برفق، أو يصير متحركاً فيلين عند الخروج.
(٤) المحرر الوجيز ٤ /٤٠٨ .
(٥) وهو مِثْقَب الإسكاف، جمعها: الأشافي. معجم متن اللغة (أشف).

٢٦٥
سورة سبأ: الآية ١١
فظلَّتْ تِبَاعاً خیلُنا في بیوتکم
.(١)
كما تابعتْ سَرْدَ العِنانِ الخوارز
والسِّرَاد: السِّيرُ الذي يُخْرَزُ به؛ قال لَبِيد :
يَشُكُ صِفَاحَها بالرَّوْقِ شَزْرًا كما خرج السِّرَادُ من النِّقَال(٢)
ويقال: قد سَرَدَ الحديثَ والصومَ، فالسَّرْدُ فيهما: أنْ يَجيءَ به وِلاءً في نسقٍ
واحد، ومنه سرد الكلام. وفي(٣) حديث عائشة: لم يكن النبيُّ ◌َ﴿ يَسْرُدُ الحديثَ
كَسَرْدِكُم، وكان يحدِّث الحديثَ لو أراد العادُّ أن يَعُدَّه لأَخْصَاه(٤). قال سيبيويه(٥):
ومنه: رجلٌ سَرَنْدَى، أي: جريء، قال: لأنه يمضي قُدُماً. وأصلُ ذلك في سَرْدٍ
الدِّرْع، وهو أن يُحْكِمَها ويجعل نظامَ حَلقَها ولاءً غيرَ مختلفٍ. قال لبيد:
لينال طولَ العيش غيرَ مَرُومِ (٦)
صَنَعَ الحديدَ مُضَاعفاً أسرادُه
وقال أبو ذؤيب :
وعليهما مسرُودَتانِ قضاهما داودُ أو صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ(٧)
﴿وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ أي: عملاً صالحاً. وهذا خطابٌ لداودَ وأَهْلِه. كما قال:
﴿أَعْمَلُوَاْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. ﴿إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
(١) ديوان الشماخ ص١٩٤ برواية: شكّكْنَ بأحساءَ الذُّنابَ على هُدَّى - كما تابعت ... يصف أُتُنأْ وَرَدْنَ
وحَسَسْنَ بالصائد فنَفَرْنَ على تتابعٍ واستقامة. اللسان (عرق). وذكر ابن قتيبة عجزه في غريب القرآن
ص٣٥٤ ، والكلام فيه بنحوه.
(٢) في النسخ الخطية: النعال، والمثبت من (م) وشرح ديوان لبيد ص ٧٩. وقال الشارح: يشك: يطعن
(وهو الثور) صفاحها: جُنوبها. والرَّوق: القَرْن. شَزْراً: جانباً. والنقال واحدها نَقْل: وهو النعل الخَلَق
تُرقع فتُخْرز.
(٣) في (ظ): ومنه.
(٤) أخرج أوله أحمد (٢٤٨٦٥)، ومسلم (٢٤٩٣)، وعلقه البخاري (٣٥٦٨). وأخرجه من قوله: وكان
يحدث الحديث ... ، البخاري (٣٥٦٧)، ومسلم في كتاب الزهد (٢٤٩٣): (٧١).
(٥) في الكتاب ٣٢٣/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٣٩٧/٥.
(٦) ديوان لبيد ص ١٠٩ برواية: صنع الحديد لحفظه أسراده ... ، قوله: غير مروم، قال شارح الديوان:
أي: لينال طول العيش وهو لا يُرام.
(٧) سلف ٣٣٦/٢.

٢٦٦
سورة سبأ: الآية ١٢
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِّيحَ غُدُوُهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْفِطْرِ
وَمَنَ الْجِنّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِّ وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ
السَّعِيرِ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ﴾ قال الزجَّاجِ(١): التقدير: وسخَّرنا لسليمانَ الريح.
وقرأ عاصم في روايةٍ أبي بكر عنه: ((الرِّيحُ)) بالرفع(٢) على الابتداء، والمعنى: له
تسخيرُ الريح، أو بالاستقرار، أي: ولسليمان الريحُ ثابتةٌ، وفيه ذلك المعنى الأولُ.
فإن قال قائل: إذا قلت: أعطيتُ زيداً درهماً ولعمرو دينارٌ، فرفعتَه لم يكن فيه معنى
الأولِ، وجاز أن يكون لم تُعْطِه الدينارَ. قيل: الأمرُ كذا؛ ولكن الآية على خلافٍ
هذا من جهة المعنى؛ لأنَّه قد عُلم أنه لم يسخّرها أحدٌ إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ(٣).
﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ أي: مسيرةُ شهر. قال الحسن: كان يغدو من دمشقَ
فيَقِيلُ بإصْطَخْرَ، وبينهما مسيرةُ شهرٍ للمُسْرِعِ، ثم يروح من إصْطَخْر ويَبيتُ بكابُل،
وبينهما شهرٌ للمُسْرِعِ(٤). قال السُّدِّيُّ: كانت تسير به في اليوم مسيرةَ شهرين(٥).
وروى سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: كان سليمان إذا جلس نُصبت حَوَالَيْه
أربعُ مئة ألفِ كرسيٍّ، ثم جلس رؤساءُ الإنس ممَّا يليه، وجلس سِفْلةُ الإنس مما
يليهم، وجلس رؤساءُ الجنِّ مما يلي سِفْلةَ الإنس، وجلس سفلةُ الجنِّ ممَّا يَليهم،
ومُؤَّلٌ بكلِّ كرسيٍّ طائرٌ لعملٍ قد عَرَفَه، ثم تُقِلُّهم الريحُ، والطيرُ تُظِلُّهُم من الشمس،
فيغدو من بيت المقدس إلى إصطخر [فيَقيلُ بها، ثم يَروحُ من إصطخرا فيبيت ببيت
المقدس، ثم قرأ ابن عباس: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾(٦).
(١) في معاني القرآن ٢٤٥/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٣٥/٣.
(٢) السبعة ص ٥٢٧، والتيسير ص ١٨٠ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٥/٣.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٢٧، والطبري ٢٢٨/١٩. وإصْطَخْر: مدينة بفارس. معجم البلدان ١/ ٢١١ .
(٥) أخرجه الطبري ٢٢٧/١٩ عن قتادة، وأخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٢٢٧/٥ عن مجاهد.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٥/٣، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة ٥٣٦/١١،
والطبري ٣٠/١٨ .

٢٦٧
سورة سبأ: الآية ١٢
وقال وهب بن منبِّهِ: ذُكر لي أنَّ منزلاً بناحيةِ دِجْلةَ مكتوباً فيه - كَتبه بعضُ صَحابةِ
سليمانَ؛ إمَّا من الجنِّ وإما من الإنس ـ: نحن نَزَلناهُ(١) وما بنيناه، ومَبْنيًّا وجدناه،
غَدَوْنا من إصْطَخْرَ فَقِلْناه، ونحن رائحون منه إن شاء الله تعالى فبائتون في الشام(٢).
وقال الحسن: شَغَلتْ سليمانَ الخيلُ حتى فاتته صلاةُ العصر، فعقر الخيلَ فَأَبْدَلَه
الله خيراً منها وأَسْرَعَ، أَبْدَلَه الريحَ تجري بأمره حيث شاء، غدوُّها شهرٌ ورَوَاحُها
شهر(٣).
وقال ابن زيد: كان مستقرُّ سليمانَ بمدينةٍ تَدْمُرَ، وكان أَمَر الشياطينَ قبل شُخوصِه
من الشام إلى العراق، فبَنَوْها له بالصُّفَّاحِ والعَمَدِ والرُّخامِ الأبيض والأصفر(٤)، وفيه
يقول النابغة :
قُمْ في البرِيَّة فاحْدُدْها عن الفَنَدِ
إلَّا سليمانَ إذ قال الإله (٥) له
يَبْنُونَ تَدْمرَ بِالصُّفَّاحِ والعَمَدِ
وخَيِّسِ الجنَّ إنِّي قد أَذِنْتُ لهم
كما أطاعَكَ واذْلُلْهُ على الرَّشَدِ
فَمَن أطاعَكَ فانفَعْه بِطاعَتِهِ
تَنْهَى الّلومَ ولا تَفْعُدْ على ضَمَدٍ (٦)
ومَن عصاكَ فعاقِبْه مُعاقَبَةً
ووجدتُ هذه الأبياتَ منقورةً في صخرةٍ بأرضٍ كَسْكَر (٧)، أنشأهنَّ بعضُ
(١) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: نزلنا.
(٢) أخرجه الطبري ٢٢٧/١٩، وابن أبي حاتم ٢٨٥٦/٩ .
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٢٣٩/٢٢ - ٢٤٠، وذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص ٣٠٤،
والبغوي ٢٥٥/٣ ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٣١٤/٥ لعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد
وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) عرائس المجالس ص ٣٠٤ ، والصُّفَّاح: حجارة عِراض رِقَاق. القاموس (صفح).
(٥) في (ظ): المليك.
(٦) ديوان النابغة ص ٣٣، وذكر البغدادي في الخزانة ٣/ ٤٠٥ البيت الأول وقال: قوله: فاحْدُدْها، أي:
امنع البرية، والحد: المنع. والفَنَد: خطأ الرأي والصنيع، وقال ابن الأعرابي: الفند: الظلم. اهـ
وقوله: خيِّس، أي: ذَلِّل. والضَّمَد: الحقد. القاموس (خيس) و(ضمد).
(٧) في (د) و(م): يشكر، والمثبت من باقي النسخ، وعرائس المجالس ص ٣٠٤ ، والكلام منه، وكسكر
مكان بالعراق. ينظر معجم البلدان ٤ / ٤٦١ .

٢٦٨
سورة سبأ: الآية ١٢
أصحاب سليمان عليه الصلاة والسلام:
نَروحُ إلى الأوطان من أرضٍ تَدْمُرٍ
ونحن ولا حولٌ سوى حولِ ربِّنا
إذا نحن رُحْنَا كان رَيْتُ (١) رَوَاحِنا
أُناسٌ شَرَوْا لله طَوْعًا نفوسَهم
لهم في معالي الدِّين فضلٌ ورأفةٌ
متى يركبوا الريحَ المطيعةَ أسرعتْ
تُظِلُّهُمُ طيرٌ صفوفٌ عليهِمُ
مسيرةً شهرٍ والغُدُوُّ لآخَرٍ
بَنَصْرِ ابنِ داودَ النبيِّ المُطَهَّرِ
وإن نُسِبُوا يوماً فمِن خير مَعْشَرٍ
مُبادِرةً عن شَهْرها لم تُقَصِّرٍ
متى رَفْرَفَتْ من فوقهم لم تُنَفّرِ
قوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِ﴾ القِطْر: النحاس؛ عن ابن عباس وغيره(٢).
أُسِيلت له مسيرةَ ثلاثةِ أيام كما يسيلُ الماء، وكانت بأرض اليمن، ولم يُذَبِ النحاسُ
فيما روي لأحدٍ قَبْلَه، وكان لا يذوب، ومن وقته ذاب، وإنَّما ينتفع الناس اليومَ بما
أَخرج الله تعالى لسليمان. قال قتادة: أسال الله عيناً يستعملُها فيما يريد(٣). وقيل
لعكرمة: إلى أين سالت؟ فقال: لا أدري (٤) !.
وقال ابن عباس ومجاهدٌ والسُّدِّي: أُجريت له عينُ الصُّفْر ثلاثةَ أيام بلياليهن (٥)؛
قال القشيريُّ: وتخصيصُ الإسالة بثلاثة أيام لا يُذْرَى ما حدُّه، ولعلَّه وَهْمٌ من
الناقل؛ إذ في روايةٍ عن مجاهد: أنها سالت من صنعاءَ ثلاثَ ليالٍ مما يليها، وهذا
يشير إلى بيانِ الموضع، لا إلى بيان المدَّة. والظاهرُ أنه جعل النحاس لسليمان في
(١) في عرائس المجالس: أمر، والرَّيْث: المقدار. القاموس (ريث).
(٢) تفسير الطبري ٢٢٨/١٩ - ٢٢٩.
(٣) ذكره النحاس في معاني القرآن ٣٩٨/٥ بلفظ: أسال الله له عيناً من نحاس، أي: سالت وظهرت،
فکان یستعملها فیما یرید.
(٤) أخرجه ابن المنذر كما في الدر المنثور ٢٢٨/٥ .
(٥) أخرجه عن السدي ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٢٢٨/٥، ولم نقف عليه عن ابن عباس
ومجاهد. والصُّفْر هو النحاس، أو النحاس الجيد. معجم متن اللغة (صفر).

٢٦٩
سورة سبأ: الآيتان ١٢ - ١٣
معدنه عيناً تسيل كعيون المياه، دلالةً على نبوَّته.
قال الخليل: القِطْر: النحاسُ الْمُذَاب(١).
قلت: دليلُه قراءةُ مَن قرأ: ((مِن قِطرِ آنٍ))(٢).
﴿وَمِنَ آلْجِنّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِّ﴾ أي: بأمره ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَ﴾.
الذي أمرناه به من طاعة سليمان ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: في الآخرة؛ قاله أكثر
المفسرين(٣).
وقيل: ذلك في الدنيا، وذلك أنَّ الله تعالى وَّل بهم - فيما روي عن السُّدِّيِّ -
مَلكاً بيده سوطٌ من نار، فَمَن زاغ عن أمر سليمانَ ضَرَبه بذلك السوط ضربةً من حيث
لا يراه، فأَخْرقته(٤).
و ((مَن)) في موضعِ نصبٍ بمعنى: وسخَّرْنا له مِن الجنِّ مَن يعمل. ويجوز أن يكون
في موضعِ رفعٍ، كما تقدَّم في الريح (٥).
قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَلْجَوَابِ وَقُدُورٍ
١٣٩
زَّاسِيَتٍّ أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ
فيه ثمان مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿مِنْ تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ﴾ المحرابُ في اللغة: كلُّ موضعٍ
مُرتفعٍ. وقيل للَّذِي يصلَّى فيه: محراب؛ لأنه يجب أن يُرفع ويُعَظّم (٦). وقال
(١) العين ٥/ ٩٥ .
(٢) القراءات الشاذة ص ٧٠، والمحتسب ٣٦٦/١، وسلفت ١٢/ ١٧٢ عند تفسير الآية (٥٠) من سورة
إبراهيم.
(٣) الوسيط ٤٨٩/٣، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٣٨/٤ عن الضحاك، والزمخشري في
الکشاف ٣/ ٢٨٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) الكشاف ٣/ ٢٨٢، وتفسير البغوي ٣/ ٥٥١ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٥/٣.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٦/٣.

٢٧٠
سورة سبأ: الآية ١٣
الضحاك: ((مِنْ مَحَارِيبَ)) أي: من مساجد. وكذا قال قتادة. وقال مجاهد: المحاريبُ
دون القصور(١). وقال أبو عبيدة: المحرابُ: أَشْرفُ بيوتِ الدار(٢)، قال:
كغِزلان رَمْلٍ في محاريبٍ أقيالٍ (٣)
وماذا عليه أنْ ذكرتُ أَوَانِساً
وقال عَدِيّ بن زید :
كلُمَى العاج في المحاريب أو كالـ -بِيض في الرَّوْضِ زهرُهُ مُسْتَنيرٌ(٤)
وقيل: هو ما يُرقَى إليه بالدَّرَج كالغرفة الحسنة؛ كما قال: ﴿إِذْ تَوَُّوا الْمِحْرَبَ﴾
[ص: ٢١] وقوله: ﴿فَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ [مريم: ١١] أي: أَشْرَفَ عليهم.
وفي الخبر: أنه أَمر أن يُعمل حولَ كرسيِّه ألفُ محرابٍ فيها ألفُ رجلٍ عليهم
المسوحُ يَصْرخون إلى الله دائباً، وهو على الكرسيِّ في موكِبه والمحاريبُ حوله،
ويقول لجنوده إذا ركب: سبِّحوا الله إلى ذلك العَلَم، فإذا بَلَغوه قال: هلِّلوه إلى ذلك
العَلَم، فإذا بلغوه قال: كَبِّروه إلى ذلك العَلَم الآخَر، فتَلِجُّ الجنودُ بالتسبيحِ والتهليلِ
لَجَّةٌ واحدة.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَتَمَثِيلَ﴾ جمع تمثال. وهو كلُّ ما صُوِّر على مثلِ صورةٍ
غيره من حيوانٍ أو غيرِ حيوان. وقيل: كانت من زجاجٍ ونحاسٍ ورخامٍ تماثيل أشياءَ
ليست بحيوان .
وذُكر أنها صورُ الأنبياء والعلماء، وكانت تصوَّر في المساجد ليراها الناس
فيزدادوا عبادةً واجتهاداً؛ قال: ((إنَّ أولئك كان(٥) إذا مات فيهم الرجلُ الصالح
(١) أخرج أقوالهم الطبري ٢٣٠/١٩ - ٢٣١ .
(٢) بنحوه في النكت والعيون ٤٣٨/٤، وفي مجاز القرآن ١٤٤/٢ لأبي عبيدة: المحراب: مقدَّم كلِّ
مسجد ومصلَّی وبیت.
(٣) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٣٤. قال شارحه: الأقيال: الملوك، وهم يتخذون الغزلان
ويُربُّونها، ومعنى قوله: أن ذكرت أوانساً، أي: ما عليه في أنْ شَيْتُ بهنَّ وطَرِبْتُ إليهن !.
(٤) الكامل للمبرد ٩٤٩/٢، والمعاني الكبير لابن قتيبة ٣٦٠/١، والبيان والتبيين ٤٥/١، والمحرر
الوجيز ٤/ ٢٩٤ .
(٥) في (ظ): كانوا.

٢٧١
سورة سبأ: الآية ١٣
بنَوْا على قبره مسجداً وصوَّروا فيه تلك الصُّورَ))(١). أي: ليتذكَّروا عبادتهم فيجتهدوا
في العبادة.
وهذا يدلُّ على أنَّ التصوير كان مباحاً في ذلك الزمان، ونُسخ ذلك بشرع
محمدٍ﴾. وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في سورة نوح إن شاء الله تعالى(٢).
وقيل: التماثيلُ طِلَّسْمات(٣) كان يعملُها، ويُحرِّمُ على كلِّ مصوّرٍ (٤) أن
يتجاوزها، فلا يتجاوزها، فيعمل تمثالاً للذباب أو للبعوض أو للتماسيح في مكان،
ويأمرهم ألا يتجاوزوه فلا يتجاوزه واحد أبداً (٥) ما دام ذلك التمثالُ قائماً. وواحدُ
التماثيل تمثالٌ بكَسْر التاء؛ قال:
ويا رُبَّ يومٍ قد لَهوْتُ وليلةٍ بآنِسَةٍ كأنَّها خطّ تِمثالٍ(٦)
وقيل: إنَّ هذه التماثيلَ رجالٌ اتَّخذهم من نحاس، وسأل ربَّه أن ينفخ فيها الروحَ
ليقاتلوا في سبيل الله ولا يَحِيك فيهم السلاح، ويقال: إنَّ إسفنديارَ كان منهم(٧)،
والله أعلم.
وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيِّه ونَسْرَيْن فوقه، فإذا أراد أن يصعد
(١) أخرجه أحمد (٢٤٢٥٢)، والبخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨) من حديث عائشة رضي الله عنها،
وتتمته: (( ... فأولئك شرارُ الخَلْقِ عند اللهِ يومَ القيامة)). وسلف ٢٩٤/٢ .
(٢) عند تفسير الآية (٢٣) منها.
(٣) هي نقوش تنقش على أجساد خاصة في ساعات مناسبة بكيفيات ملائمة لحوائج معلومة، واحدها:
طِلَّسم. معجم متن اللغة (طلسم).
(٤) في (خ): مصر.
(٥) في (ظ): ويأمرهم ألا يتجاوزوه مرة واحدة أبداً.
(٦) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٢٩. قال شارحه: قوله: بآنسة، أي: بامرأة ذات أُنْس.
وقوله: خط تمثال، أي: نقش صورة، وإنما شبَّهها بالتمثال لأن الصانع له يتأتَّق في تحسينه.
(٧) ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص ١١٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقوله: فلا يحيك،
أي: فلا يؤثِّر. القاموس (حاك). قال الآلوسي في روح المعاني ١١٩/٢٢: وهذا من العجب العجاب،
ولا ينبغي لأحد اعتقادُ صحته، وما هو إلا حديثُ خرافةٍ.

٢٧٢
سورة سبأ: الآية ١٣
بَسَطَ الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أَطْلَقَ النَّسران أجنحتهما (١).
الثالثة: حكى مكِّيّ في ((الهداية)) له: أنَّ فرقةً تجوِّز التصوير، وتحتجُّ بهذه الآية.
قال ابن عطية (٢): وذلك خطأ، وما أحفظُ عن أحدٍ من أئمة العلم مَن يُجوِّزُه.
قلت: ما حكاه مكِّيّ ذكره النَّاس قبله؛ قال النحاس(٣): قال قومٌ: عملُ الصورِ
جائزٌ لهذه الآية، ولِمَا أخبر الله عزَّ وجلَّ عن المسيح(٤). وقال قومٌ: قد صحَّ النهيُ
عن النبيِّ ﴿ عنها، والتوعُدُ لمن عَمِلَهَا أو انَّخذها، فنسخ الله عزَّ وجلَّ بهذا(٥) ما
كان مباحاً قبله، وكانت الحكمةُ في ذلك لأنه بُعث عليه الصلاة والسلام والصورُ
تُعبد، فكان الأصلحُ إزالتها.
الرابعة: التمثالُ على قسمين: حيوانٌ ومَوَات. والمواتُ على قسمين: جمادٌ
ونامٍ؛ وقد كانت الجنُّ تصنعُ لسليمان جميعَه؛ لعموم قوله: ((وتماثيلَ)). وفي
الإسرائيليات: أنَّ التماثيل من الطير كانت على كرسيٍّ سليمان.
فإن قيل: لا عمومَ لقوله: ((وَتَمَاثِيلَ)) فإنَّه إثباتٌ في نكرة، والإثباتُ في النكرة لا
عمومَ له، إنَّما العمومُ في النفي في النكرة.
قلنا: كذلك هو، بَيْدَ أنه قد اقترن بهذا الإثباتِ في النكرة ما يقتضي حمله على
العموم، وهو قوله: ((ما يشاءُ)) فاقترانُ المشيئةِ به يقتضي العمومَ له.
فإن قيل: كيف استجاز الصورَ المنهيَّ عنها؟(٦)
((١) الكشاف ٣/ ٢٨٢.
(٢) في المحرر الوجيز ٤٠٩/٤، وما قبله منه. وكتاب مكي اسمه: الهداية إلى بلوغ النهاية. كشف الظنون
٢٠٤١/٢.
(٣) في إعراب القرآن ٣٣٦/٣ .
(٤) يعني قوله تعالى: ﴿أَنِّ أَغْلُقُ لَكُم مِّنَ الِينِ كَهَيَثَةِ الَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ ◌ِلَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩].
(٥) في إعراب القرآن: تنسخ ﴾.
(٦) في أحكام القرآن لابن العربي ١٥٨٨/٤ (والكلام منه): كيف شاء عمل الصور المنهي عنها.

٢٧٣
سورة سبأ: الآية ١٣
قلنا: كان ذلك جائزاً في شرعه، ونُسخ ذلك بشرعنا كما بيًَّا، والله أعلم. وعن
أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرَّمً (١).
الخامسة: مقتضى الأحاديث يدلُّ على أنَّ الصور ممنوعةٌ، ثم جاء: ((إلَّا ما كان
رَقْمًا في ثوب))(٢)، فخُصَّ من جملة الصور، ثم ثبتت الكراهيةُ فيه بقوله عليه الصلاة
والسلام لعائشةَ في الثوب [المصوَّر]: ((أَخِّريه عنِّي، فإِنِّي كلَّما رأيتُه ذكرتُ الدنيا)». ثم
بِهَتْكِهِ الثوبَ المصوَّرَ على عائشةَ مَنَعَ منه، ثم بقَطْعِها له وسادتين حتى تغيَّرت الصورةُ
وخرجت عن هيئتها، بان(٣) جواز ذلك إذا لم تكن الصورةُ فيه متّصلةَ الهيئة، ولو كان
متّصلةَ الهيئةِ لم يَجز؛ لقولها في النُّمرُقة المصوّرة: اشتريتُها لك لتقعد عليها
وتَوَسَّدَها، فمنع منه، وتوعَّد عليه. وتبيَّن بحديث الصلاة إلى الصور أنَّ ذلك جائزٌ في
الرَّقْم في الثوب ثم نَسَخَه المنعُ منه. فهكذا استقرَّ الأمر فيه، والله أعلم؛ قاله ابن
العربيّ(٤).
السادسة: روى مسلم عن عائشةً قالت: كان لنا سِتْرٌ فيه تمثالُ طائرٍ، وكان
الداخِلُ إذا دخل استقبله، فقال رسول الله ﴾: ((حوِّلي هذا، فإِنِّي كلَّما دخلتُ فرأيته
ذكرتُ الدنيا)). قالت: وكانت لنا قَطِيفةٌ كنَّا نقولُ: عَلَمُها حرير، فكنّا نَلْبَسُها(٥).
(١) الكشاف ٣/ ٢٨٢.
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٦٣٤٥)، والبخاري (٣٢٢٦)، ومسلم (٢١٠٦) عن أبي طلحة
الأنصاري ﴾ وأخرجه مالك في الموطأ ٩٦٦/٢، وأحمد (١٥٩٧٩)، والترمذي (١٧٥٠)، والنسائي
في المجتبى ٢١٢/٨ عن سهل بن حنيف . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والرَّقْم: النقش
والوشي. النهاية (رقم). والكلام من أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٥٩٠.
(٣) في (د) و(م): فإن.
(٤) في أحكام القرآن ١٥٩٠/٤، وما بين حاصرتين منه. وقول عائشة رضي الله عنها في الثُّمرقة
المصورة: اشتريتها لك ... ، قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٦٠٩٠)، والبخاري (٢١٠٥)، ومسلم
(٢١٠٧): (٩٦) عن عائشة رضي الله عنها. والتُّمرقة: الوسادة، وهي بضم النون والراء وبكسرهما،
جمعها: نمارق. النهاية (نمرق). وسيأتي تخريج ما ذكر من أحاديث في المسألة التالية.
(٥) صحيح مسلم (٢١٠٧): (٨٨)، وهو عند أحمد (٢٤٢١٨).

٢٧٤
سورة سبأ: الآية ١٣
وعنها قالت: دخل عليَّ رسول الله ﴿ وأنا مستترةٌ(١) بِقِرام فيه صورةٌ، فتلوَّنَ
وجهُه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: ((إنَّ من أشدِّ الناس عذاباً يومَ القيامة الذين
يُشَبِّهونَ بِخلقِ الله عزَّ وجلَّ)(٢).
وعنها: أنه كان لها ثوبٌ فيه تصاويرُ ممدودٌ إلى سَهْوةٍ، فكان النبيُّ# يصلّي إليه
فقال: ((أخّربه عني)) قالت: فأخّرتُه، فجعلتُه وسادتین(٣).
قال بعض العلماء: ويمكن أن يكون تهتيكُه عليه الصلاة والسلام الثوبَ وأَمْرُه
بتأخيره وَرَعًا؛ لأنَّ محلَّ النبوَّةِ والرسالةِ الكمالُ. فتأمَّلْه.
السابعة: قال المزنيُّ عن الشافعيِّ: إنْ دُعي رجلٌ إلى عُرسٍ، فرأى صورةً ذاتَ
رُوحِ، أو صوراً ذات أرواح، لم يدخل إن كانت منصوبةً. وإن كانت تُوطَأُ فلا بأس،
وإن كانت صورُ الشجر [فلا بأس]. ولم يختلفوا أنَّ التصاوير في الستور المعلّقةِ
مكروهةٌ غيرُ محرَّمةٍ. وكذلك عندهم ما كان خرطاً أو نقشاً في البناء(٤).
واستثنى بعضُهم ما كان رَقْماً في ثوبٍ؛ لحديث سهل بن حُنيف (٥).
قلت: لعن رسول اللـه # المصوِّرين ولم يستثن(٦). وقولُه: ((إنَّ أصحاب هذه
الصور يعذَّبون يومَ القيامة، ويقال لهم: أَحيُوا ما خَلَقتُم)»(٧) ولم يَسْتَثْنِ؛ وفي الترمذيِّ
(١) قال النووي في شرح صحيح مسلم ٨٨/١٤: في معظم النسخ: متسترةٌ، وفي بعضها: مستترة، أي:
متخذة ستراً.
(٢) صحيح مسلم (٢١٠٧): (٩١)، وهو عند أحمد (٢٥٦٣١)، والبخاري (٥٩٥٤) و(٦١٠٩).
والقرام: الستر الرقيق. النهاية (قرم).
(٣) صحيح مسلم (٢١٠٧): (٩٣)، وهو عند أحمد (٢٥٣٩٢) وفيهما: فجعلته وسائد. والسهوة: بيت
صغير يشبه المَخْدَع، وقيل: هي شِبْهُ الطَّاقِ يُجعل فيه الشيء، وقيل: شبه الخزانة الصغيرة. المفهم
٤٢٦/٥ .
(٤) التمهيد ٣٠٢/١، وما سلف بن حاصرتين منه.
(٥) سلف في بداية المسألة الخامسة.
(٦) سلف ص٢٢٣ من هذا الجزء.
(٧) أخرجه أحمد (٢٦٠٩٠)، والبخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧): (٩٦) من حديث عائشة رضي الله
عنها، وسلفت قطعة منه في المسألة الخامسة.

٢٧٥
سورة سبأ: الآية ١٣
عن أبي هريرةً قال: قال رسول اللـه﴾: ((يخرج عُنُقٌ من النار يومَ القيامة له عينان
تُبصران، وأُذنان تسمعان، ولسانٌ ينطقُ يقول: إنِّي وُكِّلتُ بثلاثٍ: بكلِّ جبارٍ عنيد،
وبكلِّ مَن دعا مع الله إلهاً آخرَ وبالمصوِّرين)) قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ
صحيح(١)؛ وفي البخاريِّ ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﴾.
((أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة المصوِّرون))(٢): يدلُّ على المنع من تصوير شيءٍ، أيّ
شيءٍ كان. وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النحل: ٦٠]
على ما تقدَّم بيانُه فاغْلَمْه.
الثامنة: وقد استُثْنيَ من هذا الباب لُعَبُ البنات، لِمَا ثبت عن عائشة رضي الله
عنها: أنَّ النبيَّ ﴾ تزوَّجها وهي بنتُ سبعٍ سنين، وزُقَّتْ إليه وهي بنتُ تسعِ ولُعَبُها
معها، ومات عنها وهي بنتُ ثمان عشرةَ سنةً. وعنها أيضاً قالت: كنتُ ألعبُ بالبنات
عند النبيِّ*، وكان لي صواحبُ يلعبنَ معي، فكان رسول اللـه ﴿ إذا دخل ينقمِعن
منه، فيُسَرِّبُهنَّ إليَّ فيلعبن معي. خرَّجهما مسلم(٣). قال العلماء: وذلك للضرورة إلى
ذلك، وحاجةِ البنات حتى يتدرَّنَ على تربية أولادهنّ. ثم إنه لا بقاءَ لذلك، وكذلك
ما يُصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاءَ له، فُرُخِّص في ذلك، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَحِفَانٍ كَالْجَوَابٍ﴾ (٤) قال ابنُ عرفة: الجواب(٥) جمعُ الجابية، وهي
(١) سنن الترمذي (٢٥٧٤)، وهو عند أحمد (٨٤٣٠). قوله: عُنُق، أي: طائفة وجانب من النار. الترغيب
والترهيب ٦٢٨/٣ .
(٢) صحيح البخاري (٥٩٥٠)، وصحيح مسلم (٢١٠٩)، وهو عند أحمد (٣٥٥٨).
(٣) في صحيحه (١٤٢٢): (٧١)، و(٢٤٤٠). والحديث الثاني عند أحمد (٢٤٢٩٨)، والبخاري (٦١٣٠).
قولها: ينقمعن، أي: ينقبضن ويستّتِرْن حياءً من النبي # وهيبة له. وقولها: يُسَرِّبُهنّ، أي: يُرسلهن
ويؤنسهنَّ حتى يزول عنهنَّ ما كان أصابهنَّ.
(٤) في (ظ): كالجوابي، وهي قراءة ابن كثير من السبعة وصلاً ووقفاً، وأثبت الياء في الوصل ورش وأبو
عمرو. السبعة ص ٥٢٧، والتيسير ص ١٨٢ .
(٥) في (م): الجوابي.

٢٧٦
سورة سبأ: الآية ١٣
حُفيرةٌ كالحوض. وقال مجاهد: كحياض الإبل(١). وقال ابن القاسم عن مالك:
كالجَوْبَة من الأرض(٢)، والمعنى متقارب، وكان يقعد على الجَفْنَة الواحدة ألفُ رجل.
النّحّاس(٣): ((وجِفَانٍ كالجَوابي)) الأَوْلَى أن تكون بالياء، ومَن حَذَفَ الياء قال:
سبيلُ الألف واللام أن تدخل على النكرة فلا يغيِّرها عن حالها، فلمَّا كان يقال:
جوابٍ، ودخلت الألف واللام؛ أُقرَّ على حاله، فحذف(٤) الياء. وواحدُ الجوابي
جابية، وهي القِدرُ العظيمة، والحوضُ العظيم الكبير الذي يُجْبَى فيه الشيءُ، أي:
يجمع، ومنه: جَبَيْتُ الخَراجَ، وجَبَيتُ الجراد، أي: جعلت(٥) الكساءَ فجمعته فيه.
إلَّا أنَّ لَيْئًا روى عن مجاهد قال: الجَوابي جمعُ جَوبة. والجَوبةُ: الحفرةُ الكبيرة تكون
في الجبل [يجتمع] فيها ماء المطر.
وقال الكسائيُّ: جَبَوْتُ الماءَ في الحوض وجَبَيْتُه، أي: جمعتُه، والجابية:
الحوضُ الذي يُجبی فیه الماء للإبل، قال:
تَروحُ على آلِ المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ.
كجابيةِ الشيخِ العراقيِّ تَفْهَقُ(٦)
ويروى أيضاً :
كجابية السَّيحِ
نَفَى الذمَّ عن آلِ المُحَلَّقِ جَفْنةٌ
ذكره النَّحّاس(٧).
(١) أخرجه الطبري ٢٣٣/١٩.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٥٩٠.
(٣) في إعراب القرآن ٣٣٦/٣، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٤) في إعراب القرآن: بحذف.
(٥) في (ظ): بسطت.
(٦) البيت للأعشى ميمون بن قيس، وسلف عجزه ٨/ ٤٥١، وذكره بهذه الرواية الطبري ١٩/ ٢٣٢،
والزمخشري في الكشاف ٢٨٢/٣، وهو في الديوان ص ٢٧٥ برواية: نفى الذم عن آل المحلق ... ،
وستأتي. قوله تفھقُ، أي: تمتلئ.
(٧) في معاني القرآن ٣٩٩/٥. والسَّيح: الماء الجاري على وجه الأرض، أما رواية: الشيخ، فيقال : =

٢٧٧
سورة سبأ: الآية ١٣
قوله تعالى: ﴿وَقُّدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ قال سعيد بن جُبير: هي قدورُ النحاس تكون
بفارس. وقال الضخَّاك: هي قدورٌ تُعمل من الجبال(١). غيرُه: قد نُحِتَتْ من الجبال
الصُّمِّ ممَّا عَمِلَتْ له الشياطين، أَثَافِيها(٢) منها منحوتةٌ هكذا من الجبال.
ومعنى ((رَاسِيَاتٍ)): ثوابت، لا تُحملُ ولا تحرَّك لعِظَمها. قال ابن العربي(٣):
وكذلك كانت قدورُ عبد الله بنِ جُدعان، يُصعَدُ إليها في الجاهلية بسُلَّم، وعنها عبّر
طرفةُ بن العبد بقوله:
كالجَوَابي لاتَني مُتْرَعَةً لِقِرَى الأَضْيافِ أو للمحتَضِرْ(٤)
قال ابن العربيِّ: ورأيتُ برباطِ أبي سعيد قدورَ الصوفيةِ على نحوِ ذلك، فإنَّهم
يطبخون جميعاً، ويأكلون جميعاً من غير استئثارٍ واحدٍ منهم على أحد.
قوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ قد مضى معنى
الشكرِ في ((البقرة))(٥) وغيرها. وروي أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ صعد المنبر فتلا هذه الآيةَ ثم قال:
(ثلاثٌ مَن أُوتِيهنَّ فقد أوتيَ مثلَ ما أوتي آلُ داود)) قال: فقلنا: ما هنّ؟ فقال: ((العدلُ
في الرضا والغضب، والقَصْدُ في الفقر والغنى، وخشيةُ اللهِ في السرِّ والعَلَانية)).
خرجه الترمذيُّ الحكيم أبو عبد الله عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة (٦).
وروي أنَّ داود عليه السلام قال: ((يا ربّ، كيف أُطيقُ شكركَ على نعمك،
= أراد كسرى، ويقال: أراد شيخاً من فلاحي سواد العراق غير معين. المحرر الوجيز ٤١٠/٤، وينظر
ما سلف ٨/ ٤٥١ .
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٦/٣، وفيه : ... تعمل من حجارة الجبال.
(٢) جمع أُثْفِيَّة، وهي الحجر يوضع عليه القدر. القاموس (ثفي).
(٣) في أحكام القرآن ١٥٩٠/٤ ، وما قبله منه.
(٤) ديوان طرفة ص ٥٦، والخزانة ٣٧٩/٩، وفيه: لاتني، أي: لا تفتر ولا تزال، والقرى: القيام
بالضيف، والمحتضر: النازل على الماء.
(٥) ١٠٤/٢ وما بعدها.
(٦) نوادر الأصول ص ١٣٠ .

٢٧٨
سورة سبا: الآية ١٣
وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمةٌ لك)) فقال: ((يا داودُ، الآن عَرَفْتني)) (١). وقد مضى
هذا المعنى في سورة إبراهيم (٢)، وأنَّ الشُّكرَ حقيقتُه: الاعترافُ بالنعمة للمنعِم،
واستعمالُها في طاعته. والكُفْرانُ: استعمالُها في المعصية. وقليلٌ مَن يفعلُ ذلك؛ لأنَّ
الخير أقلُّ من الشّ، والطاعة أقلُّ من المعصية، بحسَبٍ سابقٍ التقدير (٣).
وقال مجاهد: لمَّا قال الله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ قال داودُ لسليمانَ:
إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد ذكر الشكر فاكْفِني صلاةَ النهارِ أَكْفِكَ صلاةَ الليل، قال: لا
أَقْدِرُ، قال: فاكفني؛ قال الفاريابيُّ: أراه قال: إلى صلاة الظهر. قال: نعم،
فكفاه(٤)
وقال الزُّهريُّ: ﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ أي: قولوا: الحمدُ لله(٥).
و((شُكْرًا)) نصب على جهة المفعول، أي: اعملوا عملاً هو الشكر. وكأنَّ الصلاة
والصيامَ والعباداتِ كلَّها هي في نفسها الشكرُ إذ سدَّت مَسَدَّه(٦)، ويبيِّنُ هذا قولُه
تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَّاهُمُّ﴾ وهو المرادُ بقوله: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ
عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾. وقد قال سفيان بن عُيَيْنَةَ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ﴾
[لقمان: ١٤]: أنَّ المرادَ بالشكر الصلواتُ الخمس (٧).
(١) المحرر الوجيز ٤١٠/٤، وأورده بنحوه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر (١١).
(٢) ١٠٩/١٢ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٥٩١ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٠١/٥، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢٢٨/٥ وعزاه للفريابي وابن أبي
حاتم.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤٠٢/٥ .
(٦) المحرر الوجيز ٤١٠/٤، وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون نَصْبُه على الحال، أي: اعملوا بالطاعات
في حال شكر منكم لله على هذه النعم.
(٧) سلف عند تفسير الآية (١٤) من سورة لقمان.

٢٧٩
سورة سبأ: الآية ١٣
وفي ((صحيح)) مسلم(١) عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنَّ رسول اللـه # كان
يقومُ من الليل حتى تَفَطَّرَ قدماه، فقالت له عائشةُ رضي الله عنها: أَتصنعُ هذا وقد
غَفَر الله لك ما تقدَّم من ذَنْبِكَ وما تأخّر؟ فقال: ((أفلا أكون عبدا شكورًا». انفرد
بإخراجه مسلم (٢).
فظاهِرُ القرآنِ والسنَّةِ أنَّ الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصارِ على عمل اللسان،
فالشكرُ بالأفعال عملُ الأركان، والشكر بالأقوال عملُ اللسان. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ يَحْتَمِلُ أن يكون مخاطبةٌ لآلٍ داود،
ويحتمل أن يكون مخاطبةً لمحمدٍ﴾(٣)؛ قال ابن عطية: وعلى كلِّ وجهٍ ففيه تنبيهٌ
وتحريض. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلاً يقول: اللهمّ اجعلني
من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردتُ قوله تعالى: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ
عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾. فقال عمر ﴾: كلُّ الناسِ أَعْلَمُ منك يا عمر (٤) !.
وروي أنَّ سليمانَ عليهِ السلام كان يأكل الشعير، ويُطْعِم أهلَه الخُشْكارَ، ويُطعم
المساكين الدَّرْمَك(٥). وقد قيل: إنه كان يأكل الرماد ويَتَوَسَّدُه، والأولُ أصحّ، إذ
الرمادُ ليس بقُوت.
ورويَ أنه ما شبع قٌَ، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف إنْ شبعتُ أن أَنسى
الجياع(٦). وهذا من الشكر ومن القليل، فتأمَّلْه، والله أعلم.
(١) برقم (٢٨٢٠).
(٢) كذا قال المصنف، وقد أخرجه البخاري (٤٨٣٧)، وهو عند أحمد (٢٤٨٤٤).
(٣) في المحرر الوجيز ٤١٠/٤ (والكلام منه): لآل محمد ﴾.
(٤) المحرر الوجيز ٤١٠/٤، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٢٢/١٠ .
(٥) قطعة من رسالة مطولة للحسن البصري أرسلها إلى عمر بن عبد العزيز، وقد أخرجها الفسوي في
المعرفة والتاريخ ٣٣٨/٣ - ٣٤٤. والخُشْكار: الخبز الأسمر غير النقي. والدَّرْمَك: الدقيق الأبيض.
المعجم الوسيط (خشكر) و(درمك).
(٦) المحرر الوجيز ٤١٠/٤ .

٢٨٠
سورة سبأ: الآية ١٤
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَّْ عَلَى مَوْنِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ
تَأْكُلُ مِنْسَأَنَّهُ فَمَّا خَرَّ تَنَّتِ لْجِنُّ أَنْ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى
اُلْعَذَابِ الْمُهِينِ
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ أي: فلمَّا حَكَمْنا على سليمانَ بالموت
حتى صار كالأمرِ المفروغ منه ووقع به الموتُ ﴿مَا دَلَّمْ عَلَى مَوْتِةٍ إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ
تَأْكُلُ مِنسَأَنَّهُ﴾ وذلك أنه كان متَّكِئًا على المِنْسأة - وهي العصا بلسان الحَبَشةِ في
قول السُّدّي(١). وقيل: هي بلغة اليمن؛ ذكره القشيريُّ - فمات كذلك وبقي خافيَ
الحال إلى أن سقط ميتاً لانكسار العصا؛ لأكلِ الأَرَضَةِ إياها، فعُلم موتُه بذلك،
فكانت الأَرَضَةُ دالَّةً على موته، أي: سبباً لظهورٍ موته. وكان سأل الله تعالى ألَّا
یعلموا بموته حتى تمضيَ عليه سنة.
واختلفوا في سبب سؤاله لذلك على قولين:
أحدهما: ما قاله قتادة وغيره، قال: كانت الجنُّ تدَّعي عِلْمَ الغيب، فلمَّا مات
سليمان عليه السلام وخفي موتُه عليهم («تبينت الإنس أن الجن لو كانوا(٢) يعلمون
الغيب ما لبثوا في العذاب المهين)). ابن مسعود: أقام حولاً والجنُّ تعملُ بين يديه،
حتى أكلت الأَرَضَةُ مِنْسَأْتَهُ فسقط(٣). ويُروى أنه لمَّا سقط لم يُعلم منذ [كم] مات،
فوُضِعت الْأَرَضةُ على العصا، فأكلت منها يوماً وليلةً، ثم حَسَبوا على ذلك، فوجدوه
قد مات منذُ سنة (٤).
(١) أخرجه الطبري ٢٣٨/١٩ .
(٢) في (خ) و(د) و(م): تبينت الجن أن لو كانوا. والخبر أخرجه الطبري ٢٤٢/١٩ - ٢٤٣، وعبد بن
حميد كما في الدر المنثور ٥/ ٢٣٠ وفيهما : ... فلما خر تبينت الجن، وفي بعض القراءة: فلما خرَّ
تبينت الإنس أن الجن لو كانوا ... ، وهي قراءة شاذة كما سيرد.
(٣) ذكره النحاس في معاني القرآن ٤٠٣/٥ .
(٤) تفسير الطبري ٢٤٢/١٩، وعرائس المجالس ص ٣٢٩ - ٣٣٠، وما سلف بين حاصرتين منهما.