Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
فراجَعَها. قال الواقِديُّ: وتوفِّيت في شعبان سنةَ خمسٍ وأربعين في خلافةِ معاويةً،
وهي ابنةُ ستِين سنة. وقيل: ماتت في خلافة عثمان بالمدينة(١).
ومنهنَّ: أمُّ سلمةَ، واسمُها هند بنتُ أبي أميَّةَ المخزوميةُ، واسمُ أبي أميةَ سُهيل.
تزوَّجها رسول اللـه﴿ في ليالٍ بَقينَ من شوّال سنةَ أربع، زوَّجها منه ابنُها سلمةُ على
الصحيح(٢)، وكان عُمَرُ ابنُها صغيراً، وتوفِّيت في سنة تسع وخمسين. وقيل: سنة
ثنتين وستِّين، والأولُ أصحُ. وصلَّى عليها سعيد بنُ زيد. وقيل: أبو هريرة. وقُبِرت
بالبقيع، وهي ابنةُ أربعٍ وثمانين سنة (٣).
ومنهنَّ: أمُّ حبيبةَ، واسمُها رَمْلة بنتُ أبي سفيان. بعث رسول الله ﴾ عمرو بنَ
أميةَ الضَّمْريَّ إلى النجاشيِّ ليخطب عليه أمَّ حبيبةَ، فزوَّجه إياها، وذلك سنةً سبعٍ
من الهجرة، وأَصْدَقَ النَّجاشيُّ عن رسول الله﴾ أربعَ مئة دينار، وبعث بها مع
شُرَحْبِيل بن حَسَنة، وتوفِّيت سنةً أربعٍ وأربعين (٤). وقال الدَّار قُظْنيُّ: كانت أمُّ حبيبةً
تحت عبيد الله بن جحشٍ، فمات بأرض الحبشة على النَّصْرانية، فزوَّجها النَّجاشيّ
النبيَّ ◌َ﴾، وأَمْهَرَها عنه أربعةَ آلاف(٥)، وبعث بها إليه مع شُرَحبيل بن حَسَنة(٦).
ومنهنَّ: زينب بنتُ جَحْش بن رِئاب الأَسَديَّة ؛ وكان اسمُها بَرَّةَ، فَسمَّاها
= حديث قيس بن زيد؛ قال أبو نعيم فيما نقله عنه الحافظ في لسان الميزان ٤٧٨/٤ : هو مجهول؛ لا
تصح له صحبة ولا رؤية، وقال الحافظ في الإصابة ١٩٨/١٢ : مرسل.
(١) تلقيح الفهوم ص ٢١، وقول الواقدي ذكره أيضاً ابن سعد ٨٦/٨ .
(٢) المغازي لابن إسحاق ص ٢٦١. وذكره الحافظ في الإصابة ٢٣١/٤، وقال: قال البلاذري: ويقال إن
الذي زوجه إياها ابنها عمر ، والأول أثبت .
(٣) تلقيح الفهوم ص ٢١ .
(٤) تلقيح الفهوم ص ٢١ - ٢٢ .
(٥) بعدها في (ظ): درهم .
(٦) سنن الدارقطني (٣٦٠٩)، وهو عند أحمد (٢٧٤٠٨)، وأبي داود (٢١٠٧) ، والنسائي في المجتبى
١١٩/٦ .

١٢٢
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
رسول الله ﴿ زينب، وكان اسم أبيها بُرَّة، فقالت: يا رسول الله، بدّل اسمَ أبي؛ فإنَّ
البُرَّةَ حقيرة، فقال لها النبيُّ ﴾: «لو كان أبوك مؤمناً سمَّيناه باسم رجلٍ منَّا أهل
البيت، ولكنِّي قد سمَّيته جحشاً، والجحشُ أكبر من البُرّة)). ذكر هذا الحديث
الدَّارَ قُظْنيّ(١). تزوَّجها رسول اللـه ﴿ بالمدينة في سنة خمسٍ من الهجرة، وتوفِّيت سنةً
عشرين، وهي بنتُ ثلاثٍ وخمسين(٢).
ومنهنَّ: زينب بنتُ خُزيمة بن الحارث [بن عبد الله] بن عمرو بن عبد مَنَاف بن
هلال بن عامر بن صَعْصعة الهِلاليةُ، كانت تسمَّى في الجاهلية أمَّ المساكين ؛
لإطعامها إياهم. تَزوَّجها رسول اللـه ﴾ في رمضان على رأس واحد وثلاثين شهراً من
الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهرٍ، وتوفِّيت في حياته في آخِرِ ربيع الأوّل على رأس
تسعةٍ وثلاثين شهراً من الهجرة، ودُفنت بالبقيع(٣).
ومنهنَّ: جُوَيرية بنتُ الحارث بن أبي ضِرار الخُزاعيةُ المُصْطَلِقِيَّة، أصابها في
غزوةٍ بني المُصْطَلِقِ، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شَمَّاس، فكاتَبها فقضى
رسولُ اللهِ ﴾ كتابتها وتزوَّجها، وذلك في شعبان سنةَ ستُّ، وكان اسمها بَرَّة،
فسمَّاها رسول اللـه # جُوَيرية، وتوفِّت في ربيع الأول سنةً ستٍّ وخمسين. وقيل:
سنة خمسين، وهي ابنةُ خمس وستين (٤).
ومنهنَّ: صفية بنتُ حُييّ بن أخْطَب الهارونيةُ، سباها النبيُّ# يومَ خَيْبر
(١) في المؤتلف والمختلف كما ذكر السهيلي في الروض الأنف ٢١٦/٢، والحافظ في الفتح ٥٧٦/١٠
وضعفه. ولم نقف عليه في المطبوع منه . والكلام من التعريف والإعلام ص ١٣٩ . وأول الحديث في
صحيح مسلم (٢١٤٢) عن زينب بنت أم سلمة قالت: ودخّلَتْ عليه زينب بنت جحش واسمها بَرَّة ،
فسماها زينب، و (٢١٤١) من حديث أبي هريرة.
(٢) تلقيح الفهوم ص ٢٢ .
(٣) تلقيح الفهوم ص ٢٢، وما سلف بين حاصرتين منه ومن طبقات ابن سعد ١١٥/٨.
(٤) تلقيح الفهوم ص ٢٢، وبنحوه في طبقات ابن سعد ١١٦/٨ - ١٢٠، وحديث تغيير اسمها أخرجه
مسلم (٢١٤٠) .

١٢٣
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
واصطفاها لنفسه، فأسلمت وأعتقها، وجعل عِثْقَها صَدَاقها. وفي الصحيح: أنَّها
وقعت في سهم دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، فاشتراها رسول اللـه # بسبعةِ أَرْؤُس(١)، وماتت في
سنة خمسين. وقيل: سنة اثنتين وخمسين، ودُفنت بالبقيع(٢).
ومنهنَّ: ريحانة بنتُ زيد بن عمرو بن خُنافة من بني النَّضير، سباها رسول الله ﴾
وأعتقها، وتزوَّجها في سنة ستِّ، وماتت مَرْجِعَه من حجة الوداع، فدفنها بالبقيع. قال
الواقديُّ: ماتت سنةَ ستَّ عشرةَ، وصلَّى عليها عمر (٣). قال أبو الفرج الجَوْزِي(٤):
وقد سمعتُ مَن يقول: إنه كان يطؤها بِمِلْك اليمين ولم يُعْتِقْها.
قلت: ولهذا - والله أعلم - لم يذكرها أبو القاسم عبد الرحمن السُّهَيْليُّ في عِدَادِ
أزواج النبيِّ ﴾(٥).
ومنهنَّ: ميمونةُ بنتُ الحارث الهلالية؛ تزوَّجها رسول اللـه﴿ بِسَرِفٍ على عشرةٍ
أميالٍ من مكة، وذلك في سنة سبعٍ من الهجرة في عُمْرة القَضِيَّة، وهي آخِرُ امرأةٍ
تزوَّجها رسول اللـه ﴾، وقدَّر الله تعالى أنَّها ماتت في المكان الذي بنى بها فيه
رسول اللـه ﴾، ودُفنت هنالك، وذلك في سنة إحدى وستِّين. وقيل: ثلاث وستِّين.
وقيل: ثمان وثلاثين(٦).
(١) صحيح مسلم ص ١٠٤٥ حديث (١٣٦٥): (٨٧)، وهو عند أحمد (١٣٥٧٥)، وأخرجه بنحوه
البخاري (٣٧١)، وهو من حديث أنس ﴾﴾.
(٢) تلقيح الفهوم ص ٢٣ .
(٣) كذا نقل المصنف كلام الواقدي عن ابن الجوزي في تلقيح الفهوم ص ٢٣ ، والذي أخرجه ابن سعد
عن الواقدي في الطبقات ١٢٩/٨ - ١٣١ أنها ماتت عند رسول الله #، أما الكلام المذكور أعلاه فهو
في حق مارية القبطية، كما ذكر ابن سعد عن الواقدي أيضاً ٢١٦/٨. وينظر الإصابة ٢٦٧/١٢ - ٢٦٨
و ١٣/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٤) كذا ذكر المصنف ، والصواب أن القائل الواقدي . ينظر تلقيح الفهوم ص ٢٣ ، وطبقات ابن سعد
٠١٣١/٨
(٥) ينظر التعريف والإعلام ص ١٣٨ - ١٣٩.
(٦) في (م): ثمان وستين، والمثبت من النسخ الخطية، وتلقيح الفهوم ص ٢٤ ، والكلام منه . وذكر
الذهبي في السير ٢/ ٢٤٥ أنها ماتت قبل عائشة رضي الله عنها .

١٢٤
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
فهؤلاء المشهوراتُ من أزواج النبيِّ #، وهنَّ اللاتي دَخَل بهنَّ رضي الله
عنهنّ (١).
فأمَّا مَن تزوَّجَهُنَّ ولم يدخل بهنَّ؛ فمنهنَّ: الكلابِيةُ. واختلفوا في اسمها ؛
فقيل: فاطمة. وقيل: عَمْرة. وقيل: العالية. قال الزهريُّ: تزوَّج فاطمةً بنتَ الضحاك
الكلابيةَ، فاستعاذت منه فطلَّقها، وكانت تقول: أنا الشقيَّة. تزوَّجها في ذي القعدة سنةً
ثمانٍ من الهجرة، وتوفِيت سنةَ ستِّينَ(٢).
ومنهنَّ: أسماء بنتُ النعمان بن أبي الجَوْن بن الحارث الكِنْدية، وهي الجَوْنية.
قال قتادة: لمَّا دخل عليها دعاها، فقالت: تعال أنت، فطلَّقها. وقال غيره: هي التي
استعاذت منه(٣). وفي البخاريِّ قال: تزوَّج رسول الله ﴾ أميمةً بنتَ شَراحيل، فلمّا
أُدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنَّها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسَيد أن يجهِّزها ويكسوَها
ثوبين(٤). وفي لَفْظِ آخَرَ: قال أبو أُسيد: أُتيَ رسول اللـه :﴿ بالجَوْنية، فلمَّا دخل عليها
قال: ((هَبي لي نفسك)) فقالت: وهل تَهَبُ الملِكةُ نفسَها للسُّوقة ! فأهوى بيده ليضعها
عليها لتَسْكُنَ ؛ فقالت: أعوذ بالله منك! فقال: ((قد عُذْتِ بمَعَاذ)) ثم خرج علينا
فقال: ((يا أبا أُسَيد، اكْسُها رازِقِيَّين وألحقها بأهلها))(٥).
ومنهنَّ: قُتَيْلةُ بنتُ قيسٍ أختُ الأشعث بن قيس، زوَّجها إياه الأشعث، ثم
(١) وذكرهن ابن عبد البر في الاستيعاب ٨٨/١ - ٩٠ عدا ريحانة بنت زيد وقال: فهؤلاء أزواجه اللاتي لم
يختلف فيهن ، وهن إحدى عشرة امرأة ، وأما اللواتي اختلف فيهن ، ممن ابتنى بها وفارقها ، أو عقد
عليها ولم يدخل بها ، أو خطبها ولم يتم له العقد منها ، فقد اختلف فيهن وفي أسباب فراقهن اختلافاً
كثيراً يوجِبُ التوقُّفَ عن القطع بالصحة في واحدة منهن .
(٢) تلقيح الفهوم ص ٢٤ .
(٣) تلقيح الفهوم ص ٢٥ .
(٤) صحيح البخاري (٥٢٥٦، ٥٢٥٧) من حديث سهل بن سعد وأبي أُسَيد رضي الله عنهما .
(٥) صحيح البخاري (٥٢٥٥)، وهو عند أحمد (١٦٠٦١). قوله: رازقيين ، وفي رواية رازقيتين ،
الرازقية: ثياب كَتَّان بيض . النهاية (رزق) .

١٢٥
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
انصرف إلى حَضْرَمَوْت، فحمَلها إليه فبلغه وفاةُ النبيِّ ﴾، فردَّها إلى بلاده، فارتدً
وارتدَّت معه. ثم تزوَّجها عِكرمة بنُ أبي جَهْل، فوَجَدَ من ذلك أبو بكر وَجْدًا شديداً.
فقال له عمر: إنَّها والله ما هي من أزواجه، ما خيَّرها ولا حَجَبها. ولقد برَّأها الله منه
بالارتداد. وكان عروةُ ينكر أن يكون تزوَّجها(١).
ومنهنَّ: أمُّ شَرِيكِ الأَزْدِيَّةُ، واسمُها غُزَيَّة بنتُ جابر بن حكيم، وكانت قبله عند
أبي بكر بن أبي سلمى(٢)، فطلّقها النبيُّ ﴾ ولم يدخل بها. وهي التي وهبت نفسها.
وقيل: إنَّ التي وهبت نفسها للنبيِّل﴿ خَوْلة بنتُ حكيم(٣).
ومنهنَّ: خَوْلة بنتُ الهُذَيل بن هُبَيرة، تزوَّجها رسول اللـه لَ﴾، فهَلَكَت قبل أن
تصل إليه.
ومنهنَّ: شَرَافُ بنتُ خليفة، أختُ دِخْية، تزوَّجها ولم يدخل بها.
ومنهنَّ: ليلى بنتُ الخَطِيم، أختُ قيس، تزوَّجها وكانت غَيوراً، فاستقالته
فأَقالها.
ومنهنَّ: عَمْرةُ بنتُ معاوية الكِنْدية، تزوَّجها النبيُّ ﴾. قال الشعبيُّ: تزوَّج امرأةً
من كِنْدةَ، فجيء بها بعد ما مات.
ومنهنَّ: ابنةُ جُنْدب بن ضَمْرةَ الجُنْدُعِية. قال بعضهم: تزوَّجها رسول الله ﴾ ..
وأنكر بعضُهم وجود ذلك.
ومنهنَّ: الغِفارِيَّة. قال بعضهم: تزوَّج امرأةً من غِفار، فأمرها فنزعت ثيابها،
(١) تلقيح الفهوم ص ٢٥، وبنحوه في طبقات ابن سعد ٨/ ١٤٧ - ١٤٨ . وقال ابن عبد البر في الاستيعاب
١٣٦/١٣: وفيها اختلاف كثير جدًّا.
(٢) كذا في النسخ، وفي تلقيح الفهوم ص٢٦ : أبي بكر بن سلمى، والذي في طبقات ابن خياط ص١١٦ :
أبو العَكّر بن أبي سُميّ، وفي الاستيعاب ٢٤٣/١٣، والإصابة ٢١٨/٤: أبو العَكّر بن سُميّ؛ قال
الحافظ: أبو العَكّر بفتح المهملة والكاف.
(٣) تلقيح الفهوم ص ٢٦، وينظر طبقات ابن سعد ٨/ ١٥٤ - ١٥٨.

١٢٦
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
فرأى بياضاً فقال: ((إلْحَقِي بأهلك)). ويقال: إنَّما رأى البياضَ بالكلابية(١).
فهؤلاء اللاتي عقد عليهنَّ ولم يدخل بهنَّ، ﴾.
فأمَّا مَن خطبهنَّ فلم يتمَّ نكاحُه معهنَّ، ومَن وَهَبَتْ له نفسها:
فمنهنَّ: أمُّ هانئ بنتُ أبي طالب، واسمُها فاختة؛ خطبها النبيُّ :# فقالت: إنِّي
امرأة مُصْبِيّة، واعتذرَتْ إليه فعَذَرَهَا(٢).
ومنهنَّ : ضُباعُ بنتُ عامر.
ومنهنَّ: صفِيةُ بنتُ بَشامة بنٍ نَضْلةَ، خطبها النبيُّ﴾ وكان أصابها سِباءً، فخيَّرها
النبيُّ ﴾، فقال: ((إنْ شئتِ أنا وإنْ شئتِ زَوْجك)»؟ قالت: زوجي. فأرسلها، فلعنتها
بنو تميم ؛ قاله ابن عباس(٣).
ومنهنَّ: أمُّ شَريك، وقد تقدَّم ذكرها.
ومنهنَّ: ليلى بنتُ الخَطِیم، وقد تقدَّم ذكرها.
ومنهنَّ: خولةُ بنتُ حكيم بن أمية، وهبت نفسها للنَّبِيِّ ◌َ﴿ فَأَرْجَأَها، فتزوَّجها
عثمان بن مظعون.
ومنهنَّ: جَمْرةُ بنتُ الحارث بن عَوف المزَنيِّ؛ خطبها النبيُّ ﴾ فقال أبوها: إنَّ
بها سوءاً. ولم يكن بها، فرجع إليها أبوها وقد بَرِصَت، وهي أمُّ شَبيب بنِ البَرْصاءِ
الشاعر (٤).
(١) تلقيح الفهوم ص ٢٦ . وحديث الغفارية أخرجه ابن إسحاق في المغازي ص ٢٦٨ عن سعد بن زيد
الأنصاري . وأخرجه الحاكم ٣٤/٤ عن زيد بن كعب عجرة عن أبيه . وأخرجه سعيد بن منصور في سننه
(٨٢٩) عن زيد بن كعب بن عجرة ، ولم يقل عن أبيه . ومداره على جميل بن زيد الطائي ، وقد قال
عنه ابن معين: ليس بثقة ، وقال البخاري: لم يصح حديثه . الميزان ٤٢٣/١ .
(٢) تلقيح الفهوم ص ٢٦، وأخرج نحوه أحمد (٧٦٥٠)، ومسلم (٢٥٢٧): (٢٠١) من حديث أبي هريرة ﴾
ومصبية ، أي: ذات صبيان . النهاية (صبا).
(٣) أخرجه ابن سعد ٥٤/٨ بإسناد فيه الكلبي. والكلام من تلقيح الفهوم ص ٢٧ .
(٤) تلقيح الفهوم ص ٢٧، وشبيب شاعر إسلامي فصيح من شعراء الدولة الأموية. الأغاني ١٢/ ٢٧١ .

١٢٧
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
ومنهنَّ: سودةُ القرشيةُ؛ خطبها رسول اللـه ﴿ وكانت مُصْبِيةً. فقالت: أخاف أن
يَضْغُوَ صِبْيَتِي عند رأسك. فحمِدَها وَدَعَا لها(١).
ومنهنَّ: امرأةٌ لم يُذكر اسمها. قال مجاهد: خطب رسول الله ﴾ امرأةً فقالت:
أستأمر أبي. فلقيتْ أباها فأذن لها، فلقِيت رسول الله﴿ فقال: ((قد الْتَحَفْنَا لحافاً
غيرَك))(٢).
فهؤلاء جميعُ أزواج النبيِّ ﴾.
وكان له من السَّراري سُرِّيَّتان: مارِيةُ القبطيةُ ورَيْحانة ؛ في قول قتادة. وقال
غيره: كان له أربعٌ: مارية، ورَيحانة، وأخرى جميلةٌ أصابها في السَّبْي، وجاريٌ
وهبتها له زينبُ بنتُ جحش(٣).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ ((إِنْ)) شرطٌ،
وجوابُه: ((فتَعالَيْن)) ؛ فعلّق التخيير على شرط. وهذا يدلُّ على أنَّ التخيير والطلاق
المعلَّقَينِ على شرطٍ صحيحان، فينفذان ويمضيان، خلافاً للجهَّال المبتدعةِ الذين
يزعمون أنَّ الرجل إذا قال لزوجته: أنتِ طالقٌ إنْ دخلتِ الدارَ، أنه لا يقع الطلاقُ إن
دخلتِ الدار ؛ لأنَّ الطلاق الشرعيَّ هو المنجّزُ في الحال لا غير (٤).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَعَالَيْنَ﴾ هو جوابُ الشرط، وهو فعلُ جماعةِ النساء،
من قولك: تعال(٥)، وهو دعاءٌ إلى الإقبال إليه؛ يقال: تعالَ، بمعنى: أَقْبِل، وُضع
لمن له جلالةٌ ورفعةٌ، ثم صار في الاستعمال لكلِّ داعٍ(٦) إلى الإقبال، وأمَّا في هذا
(١) تلقيح الفهوم ص ٢٧، وأخرجه مطولاً أحمد (٢٩٢٣). ويضغو، أي: يصيحوا ويضجُّوا. النهاية
(ضغا) .
(٢) أخرجه ابن سعد ٨/ ١٦١ بإسناد فيه الواقدي ، والكلام من تلقيح الفهوم ص ٢٧ .
(٣) تلقيح الفهوم ص ٢٨ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٥١٣/٣.
(٥) في (م) وأحكام القرآن لابن العربي ١٥١٤/٣ (والكلام منه): تعالى، والمثبت من النسخ الخطية .
(٦) في (ظ): مدعو.

١٢٨
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
الموضع فهو على أصله؛ فإنَّ الداعيَ هو رسولُ اللـه ◌َ﴾. ﴿أُمَتِعَكُنَّ﴾ قد تقدَّم الكلام
في المُتْعة في ((البقرة))(١). وقرئ: (أُمَتِّعُكُنَّ)) بضمِّ العين، وكذا: ((وأُسَرِّ حُكُنَّ)) بضمٌ
الحاء، على الاستئناف(٢). والسراحُ الجميل: هو أن يكون طلاقاً للسُّنة من غير ضِرارٍ
ولا مَنْعٍ واجبٍ لها.
الخامسة: اختلف العلماء في كيفية تخييرِ النبيِّ # أزواجَه على قولين:
الأوّل: أنَّه خيَّرهنَّ - بإذن الله تعالى - في البقاء على الزوجية، أو الطَّلاق،
فاخْتَرْنَ البقاءَ ؛ قالته عائشةُ ومجاهدٌ وعكرمةُ والشعبيُّ وابن شهاب وربيعة .
ومنهم مَن قال: إنَّما خيَّرهنَّ بين الدنيا فيفارقهنَّ، وبين الآخرة فيمسكهنَّ ؛
لتكون لهنَّ المنزلةُ العليا كما كانت لزوجهنَّ، ولم يخيِّرهنَّ في الطلاق ؛ ذكره الحسن
وقتادة، ومن الصحابة عليٍّ فيما رواه عنه أحمد بن حنبل أنه قال: لم يخيِّر رسول الله ﴾
نساءه إلَّا بين الدنيا والآخرة(٣).
قلت: القولُ الأوّل أصحُّ ؛ لقول عائشةَ رضي الله عنها لمَّا سُئلت عن الرجل
يخيِّر امرأته فقالت: قد خيَّرَنا رسولُ الله ﴾، أفكان طلاقاً! في رواية: فاخترناه فلم
يَعُدَّه طلاقاً (٤). ولم يثبتْ عن رسول الله ﴿ إِلَّ التخييرُ المأمورُ به بين البقاء والطلاق،
ولذلك قال: ((يا عائشةُ إِنِّي ذاكرٌ لكِ أمراً، فلا عليكِ ألَّا تَعْجَلي فيه حتى تستأمري
أبويك)). ومعلومٌ أنه لم يُرِد الاستثمارَ في اختيار الدنيا وزينتها على الآخرة. فثبت أنَّ
(١) ٤ / ١٦٢ .
(٢) القراءات الشاذة ص ١١٩ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٥١٤ و١٥١٥ . وحديث علي أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على
المسند (٥٨٨) و(٥٨٩) من طريق محمد بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن عمر بن علي بن الحسين ، عن
أبيه، عن علي ﴾. ومحمد بن عبيد الله بن أبي رافع، قال فيه الحافظ في التقريب: ضعيف. اهـ.
وعلي بن الحسين أبو عمر بن علي بن الحسين لم يدرك جدَّه .
(٤) أخرجه أحمد (٢٤٦٥٣) و(٢٥٣٧٦) والبخاري (٥٢٦٣) و(٥٢٦٤) ومسلم (١٤٧٧): (٢٥) و(٢٧).
:

١٢٩
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
الاستثمار إنَّما وقع في الفُرْقة أو النكاح(١). والله أعلم.
السادسة: اختلف العلماء في المخيَّرة إذا اختارت زوجَها؛ فقال جُمهور العلماء
من السَّلَف وغيرهم وأئمةِ الفتوى: إنه لا يلزمه طلاقٌ، لا واحدةٌ ولا أكثر؛ هذا قولُ
عمر بن الخطاب وعليٍّ وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وعائشة. ومن التابعين
عطاء ومسروق وسليمان بن يسار وربيعة وابن شهاب (٢).
وروي عن عليٍّ وزيدٍ أيضاً: إن اختارت زوجَها فواحدةٌ بائنةٌ. وهو قولُ الحسن
البصريِّ والليث، وحكاه الخطّابيُّ والنّقَّاش عن مالك(٣). وتعلَّقوا بأنَّ قوله: اختاري،
كنايةٌ في (٤) إيقاع الطلاق، فإذا أضافه إليها وقعت طلقة، كقوله: أنتِ بائن.
والصحيح الأوّل؛ لقول عائشةً: خيَّرنا رسول اللـه ﴿ فاخترناه، فلم يَعُدَّه علينا
طلاقاً. أخرجه الصحيحان(٥).
قال ابن المنذر: وحديثُ عائشةَ يدلُّ على أنَّ المخيَّرة إذا اختارت زوجها لم يكن
طلاقاً. ويدلُّ على أنَّ اختيارها نفسَها يوجب الطلاق. ويدلُّ على معنَى ثالثٍ، وهو أنَّ
المخيَّرة إذا اختارت نفسَها أنَّها تطليقةٌ يملك زوجُها رجعتها؛ إذ غيرُ جائزٍ أن يطلّق
رسول الله﴿ بخلافِ ما أمره الله. ورُوي هذا عن عمر وابن مسعود وابن عباس. وبه
قال ابن أبي ليلى والثوريُّ والشافعيُّ.
ورُوي عن عليٍّ: أنها إذا اختارت نفسها أنَّها واحدةٌ بائنة. وهو قولُ أبي حنيفة
(١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ٣٤٥، وبنحوه في أحكام القرآن للجصاص ٣٥٧/٣. والحديث سلف
ص١١٨ من هذا الجزء.
(٢) بنحوه في الإشراف ١٧٨/٤، والاستذكار ١٦٤/١٧ - ١٦٦، والمفهم ٤/ ٢٥٧ .
(٣) المفهم ٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨، وكلام الخطابي في معالم السنن ٢٤٧/٣، وذكره عن علي وزيد والحسن
ابن المنذر في الإشراف ١٧٨/٤ .
(٤) في (م): عن، والمثبت من النسخ الخطية وأحكام القرآن لابن العربي ١٥١٨/٣، والكلام منه.
(٥) سلف في المسألة السابقة.

١٣٠
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
وأصحابه. ورواه ابن خُوَیْزِمَنْدَاد عن مالك.
وروي عن زيد بن ثابت: أنَّها إذا اختارت نفسها أنَّها ثلاث. وهو قول الحسن
البصريِّ، وبه قال مالك والليث(١)؛ لأنَّ زوال الملك إنما يكون بذلك(٢).
وروي عن عليٍّ ﴾: أنَّها إذا اختارت زوجها(٣) فليس بشيءٍ. وروي عنه: أنَّها إذا
اختارت زوجها فواحدةٌ رجعية (٤).
السابعة: ذهب جماعةٌ من المدنيِّين وغيرِهم إلى أنَّ التمليك والتخيير سواءٌ،
والقضاءُ ما قضت فيهما جميعاً؛ وهو قولُ عبد العزيز بن أبي سلمة. قال ابن شعبان:
وقد اختاره كثيرٌ من أصحابنا، وهو قولُ جماعةٍ من أهل المدينة. قال أبو عمر(٥):
وعلى هذا القولِ أكثرُ الفقهاء. والمشهورُ من مذهب مالكِ الفرقُ بينهما، وذلك أنَّ
التمليك عند مالكٍ هو قولُ الرجل لا مرأته: قد ملَّكتُكِ، أي: قد ملَّكتكِ ما جَعَلَ الله
لي من الطلاق، واحدةً أو اثنتين أو ثلاثاً، فلمَّا جاز أن يملِّكها بعضَ ذلك دونَ بعضٍ
وادّعى ذلك، كان القولُ قولَه مع يمينه إذا ناكَرَها. وقالت طائفةٌ من أهل المدينة: له
المناكرةُ في التمليك وفي التخيير؛ سواء في المدخول بها [وغير المدخول بها].
والأوّلُ قولُ مالك في المشهور.
وروى ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد عن مالك: أنَّ للزوج أن يناكِر المخيَّرة في الثلاث، وتكون
طلقةً بائنةً كما قال أبو حنيفة. وبه قال ابن الجَهْم. قال سُخنون: وعليه أكثرُ
أصحابنا(٦).
(١) بنحوه في الأشراف ١٧٨/٤، ١٧٩.
(٢) في النسخ عدا (ظ): لأن الملك إنما يكون بذلك، والمثبت من (ظ). وذكر الباجي في المنتقى ٥٨/٤
أن قولها: اخترت نفسي، إنما يقتضي ملكّها لنفسها، وإزالةَ ملِكِ الزوج عنها.
(٣) في النسخ: نفسها، والمثبت من الكشاف ٢٥٨/٣، وسلف هذا القول عن علي في بداية المسألة.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١١٩٧٤) و(١١٩٧٧)، وابن أبي شيبة ٥٩/٥، والبيهقي ٧/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
(٥) في الكافي ٢/ ٥٨٨ - ٥٩٠ ، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٦) عقد الجواهر الثمينة ١٧١/٢.

١٣١
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
وتحصيلُ مذهبٍ مالك: أنَّ المخيّرة إذا اختارت نفسها وهي مدخولٌ بها فهو
الطَّلاقُ كلُّه، وإن أنكر زوجها فلا نكرةً له، وإن اختارت واحدةً فليس بشيء، وإنَّما
الخيارُ البَتَاتُ، إمَّا أَخَذَتْه وإمَّا تركته(١)؛ لأنَّ معنى التخييرِ: التسريحُ؛ قال الله تعالى
في آية التخيير: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَرِّعْكُنَّ سَرَاعًا جميلًا﴾ فمعنى التسريح: البتاتُ؛
قال الله تعالى: ﴿اَلْطَّلَقُ مَّقَانِ فَإِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]
والتسريحُ بإحسانٍ هو الطَّلْقةُ الثالثة؛ رُوي ذلك عن النبيِّ ﴾ كما تقدَّم(٢).
ومن جهة المعنى: إنَّ قوله: اختاريني، أو اختاري نفسك، يقتضي ألَّا يكون له
عليها سبيلٌ إذا اختارت نفسها، ولا يملك منها شيئاً؛ إذ قد جعل إليها أن تُخرجَ ما
يملكه منها، أو تُقيم معه إذا اختارته، فإذا اختارت البعضَ من الطَّلاق لم يُعْمَل
بمقتضى اللفظ، وكانت بمنزلةٍ مَن خُيِّر بين شيئين فاختار غيرَهما. وأمَّا التي لم يدخل
بها فله مُناكَّرتُها في التخيير والتمليك إذا زادت على واحدةٍ؛ لأنَّها تَبِينُ في الحال.
الثامنة: اختلفت الرواية عن مالكٍ متى يكون لها الخيار؟ فقال مرةً: لها الخيارُ
ما دامت في المجلس قبل القيام أو الاشتغالِ بما يدلُّ على الإعراض. فإن لم تَخْتَرْ
ولم تَقْضِ شيئاً حتى افترقا من مجلسهما بَطَلَ ما كان من ذلك إليها، وعلى هذا أكثرُ
الفقهاء.
وقال مرةً: لها الخيارُ أبداً ما لم يعلم أنها تَركت، وذلك يُعلم بأن تمكّنه من
نفسها بوطٍ أو مباشرةٍ، فعلى هذا إن منعت نفسها ولم تختر شيئاً؛ كان له رَفْعُها إلى
الحاكم لتُوقِعَ أو تُسْقِظَ، فإنْ أَبتْ أَسقط الحاكم تمليكها.
وعلى القول الأول: إذا أخذتْ في غير ذلك من حديثٍ أو عملٍ أو مشيٍ، أو ما
ليس من التخيير في شيء(٣) كما ذكرنا، سقط تخييرُها. واحتجَّ بعض أصحابنا لهذا
(١) الاستذكار ١٣/ ١٦٧ .
(٢) ٤/ ٥٧
(٣) في النسخ عدا (ظ): بشيء، بدل: في شيء، والمثبت من (ظ). وفي الكافي ٥٨٩/٢ (والكلام منه):
أو ما ليس من التمليك في شيء.

١٣٢
سورة الأحزاب: الآيتان ٢٨ - ٢٩
القول بقوله تعالى: ﴿فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِىِ حَدِيثٍ غَيْرِمِنْ﴾ [النساء: ١٤٠].
وأيضاً؛ فإنَّ الزوج أَظْلَقَ لها القولَ ليعرف الخيار منها (١)، فصار كالعقد بينهما،
فإن قَبِلَته؛ وإلَّ سقط، كالذي يقول: قد وهبتُ لكَ أو بايَعْتُك، فإن قَبِلَ؛ وإلّا كان
الملك باقياً بحاله. هذا قولُ الثوريِّ والكوفيين والأوزاعيِّ والليث والشافعيِّ وأبي
ثور، وهو اختيارُ ابن القاسم(٢).
ووجهُ الرواية الثانية: أنَّ ذلك قد صار في يدها وملَكَّته على زوجها بتمليكه
إياها ، فلمَّا مَلَكَتْ ذلك وجب أن یبقی في يدها کبقائه في ید زوجها.
قلت: وهذا هو الصحيحُ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة: ((إنِّي ذاكِرٌ لك
أمراً، فلا عليكِ ألَّا تستعجلي حتى تستأمري أبويك)) رواه الصحيح، وخرَّجه
البخاريُّ، وصحَّحه الترمذيُّ. وقد تقدَّم في أول الباب(٣). وهو حجةٌ لمن قال: إنه إذا
خيَّر الرجل امرأته أو ملَّكها، أنَّ لها أن تقضي في ذلك وإن افترقا من مجلسهما؛
روي هذا عن الحسن والزُّهْريّ(٤)، وقاله مالك في إحدى روايتيه. قال أبو عبيد:
والذي عندنا في هذا الباب اتِّباعُ السنَّةِ في عائشةً في هذا الحديث، حين جعل لها
التأخير(٥) إلى أن تستأمر أبويها، ولم يجعل قيامها من مجلسها خروجاً من الأمر. قال
المَرْوزِيُّ: هذا أصحُ الأقاويلِ عندي، وقاله ابنُ المنذر والطّحَاويّ(٦).
(١) في (ظ): لها.
(٢) وكلهم يقول: الخيار لها ما لم يقوما من المجلس. ينظر الإشراف ١٧٨/٤، والاستذكار ١٧/ ٧٤
و ١٦٨ .
(٣) ص١١٨ من هذا الجزء.
(٤) أخرجه عنهما عبد الرزاق (١١٩٤٣) و(١١٩٤٤)، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار ٧٨/١٧.
(٥) في (م): التخيير.
(٦) ينظر اختلاف العلماء للمروزي ص ٢٠٠، والإشراف ١٧٨/٤، ومختصر اختلاف العلماء للجصاص
٤٢٣/٢، والاستذكار ١٦٨/١٧.

١٣٣
سورة الأحزاب: الآيتان ٣٠ - ٣١
قوله تعالى: ﴿يَفِسَآءَ النَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبِيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا
اَلْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرًا (٨) وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَتَعْمَلْ صَلِحًا تُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (﴾﴾.
قوله تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَِّنَةٍ﴾ فيه ثلاثُ مسائل:
الأولى: قال العلماء: لمَّا اختار نساء النبيِّ ﴾ رسول الله ﴾ شكرهنَّ الله علی
ذلك، فقال تَكْرمةً لهنَّ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَج﴾ الآية
[الأحزاب: ٥٢]. وبيَّن حُكْمَهنَّ عن غيرهن فقال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَـ
اللَّهِ وَلَّ أَن تَنْكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ: أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وجعل ثوابَ طاعتهنَّ وعقابَ
معصيتهنَّ أكثرَ ممَّا لغيرهنَّ، فقال: ﴿يَنِسَآءُ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ قُبيِّنَةْ
يُضَنَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنَّ﴾ فأخبر تعالى أنَّ مَن جاء من نساء النبيِّ # بفاحشةٍ
- والله عاصِمُ رسولَه عليه الصلاة والسلام من ذلك كما مرَّ في حديث الإفك(١) -
يضاعفُ لها العذابُ ضعفين؛ لشَرَفِ منزلتهنَّ، وفَضْلٍ درجتهنَّ، وتقدُّمِهنَّ على سائر
النساء أجمع. وكذلك بيَّنت الشريعة(٢) في غيرِ ما موضعٍ - حَسْبما تقدَّم بيانُه غيرَ
مرةٍ(٣) - أنه كلَّما تضاعفت الحُرُماتُ فهُتِكت، تضاعفت العقوبات؛ ولذلك ضُوعف
حدُّ الحرِّ على العبد، والثَّيِّبِ على البكر.
وقيل: لمَّا كان أزواج النبيِّ ﴿ في مَهْبِطِ الوحي وفي منزلِ أوامرِ الله ونواهيه،
قَوِيَ الأمر عليهنَّ، ولَزمهنَّ بسبب مكانتهن أكثر ممَّا يلزم غيرهن، فضوعفَ لهنَّ
الأجر والعذاب (٤).
(١) ينظر ١٦١/١٥ وما بعدها.
(٢) في (ظ): ثبتت الشريعة، وفي أحكام القرآن لابن العربي ١٥٢٢/٣ (والكلام منه): ثبت في الشريعة.
(٣) ١٩٨/١٠ - ١٩٩، و١٣٥/١٣، و٣٥٦/١٤.
(٤) المحرر الوجيز ٣٨٢/٤ .
...

١٣٤
سورة الأحزاب: الآيتان ٣٠ - ٣١
وقيل: إنَّما ذلك لِعظَم الضَّرَرِ في جرأتهنَّ (١) بإيذاء رسول اللـهل﴾، فكانت العقوبة
على قَدْرٍ عِظَم الجريمةِ في إيذاء رسول الله ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ لَعَنَّهُمُ اَللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. واختار هذا القولَ الكِيَا
الطبريّ(٢).
الثانية: قال قوم: لو قُدِّر الزنى من واحدةٍ منهنَّ - وقد أعاذهنَّ الله من ذلك ۔
لكانت تُحدُّ حدَّين لِعِظَم قَدْرِها، كما يزاد حدُّ الحرَّةِ على الأَمَة. والعذابُ بمعنى
الحدِّ، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَلِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. وعلى هذا فمعنى
الضّعفين معنى المِثلَيْن أو المرتين. وقال أبو عبيدة (٣): ضِعف الشيء شيئان حتى
يكون ثلاثة. وقاله أبو عمرو فيما حكى الطبريُّ عنه(٤)، فيضافُ إليه عذابان مِثْلُه،
فيكون ثلاثةَ أَعْذِبةٍ. وضعَّفه الطبريُّ. وكذلك هو غيرُ صحيح وإن كان له باللفظ تعلُّقُ
الاحتمال. وكونُ الأجرِ مرَّتين ممَّا يُفْسِدُ هذا القول؛ لأنَّ العذاب في الفاحشة بإزاءٍ
الأجر في الطاعة؛ قاله ابن عطية(٥).
وقال النَّحاس(٦): فرَّق أبو عمرو بين ((يُضَاعَف)) و((يضعَّف))؛ قال: ((يُضَاعَف))
للمرار الكثيرة، و(يضعَّف)) مرَّتين. وقرأ: ((يضعَّف)) لهذا(٧). وقال أبو عبيدة:
(يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ)) يجعلُ ثلاثةَ أعذبة.
قال النحاس(٨): التفريقُ الذي جاء به أبو عمرو وأبو عبيدةً لا يعرفه أحدٌ من أهل
(١) في النسخ: جرائمهن، والمثبت من أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٤٦/٣، والكلام منه.
(٢) في أحكام القرآن ٣٤٦/٣ .
(٣) في مجاز القرآن ١٣٦/٢ - ١٣٧.
(٤) في التفسير ٩١/١٩ . وأبو عمرو: هو ابن العلاء البصري، أحد القراء السبعة.
(٥) في المحرر الوجيز ٣٨٢/٤ .
(٦) في معاني القرآن ٣٤٣/٥ .
(٧) السبعة ص ٥٢١ ، والتيسير ص ١٧٩، وسيرد ما ورد فيها من قراءات في المسألة التالية.
(٨) في معاني القرآن ٣٤٤/٥ .

١٣٥
سورة الأحزاب: الآيات ٣٠ - ٣١
اللغة عَلِمتُه، والمعنى في ((يضاعَف)) و((يضعَّف)) واحد، أي: يُجعل ضعفين، كما
تقول: إن دفعتَ إليَّ درهماً دفعتُ إليك ضِعْفَيهِ، أي: مِثْلَيه، يعني درهمين. ويدلُّ
على هذا: ﴿نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ ولا يكون العذابُ أكثر من الأجر. وقال في موضعٍ
آخَر: ﴿ءَانِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ اٌلْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨] أي: مِثْلَين. وروى معمر عن قتادة:
﴿يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنَّ﴾ قال: عذابُ الدنيا وعذاب الآخرة.
قال القشيريُّ أبو نصر: الظاهِرُ أنه أراد بالضعفينِ المِثْلَين؛ لأنه قال: ﴿نُؤْتِهَا
أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ﴾. فأمَّا في الوصايا؛ لو أوصى لإنسانٍ بضعفَيْ نصيبٍ ولدِه فهو وصيةٌ بأن
يُعطَى مثلَ نصيبه ثلاث مراتٍ؛ فإنَّ الوصايا تجري على العُرْفِ فيما بين الناس،
وكلامُ الله يُرَدُّ تفسيره إلى كلام العرب، والضِّعْفُ في كلام العرب: المِثْلُ إلى ما
زاد، وليس بمقصورٍ على مِثْلَيْن. يقال: هذا ضِعْفُ هذا، أي: مِثْلُه. وهذا ضِعْفاه،
أي: مِثْلاه، فالضِّعْفُ في الأصل زيادةٌ غيرُ محصورة؛ قال الله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ لَمْ
جَزَّهُ الْضِعْفِ﴾ لم يُرِدْ مِثْلاً ولا مِثْلين. كلُّ هذا قولُ الأزهريّ(١). وقد تقدَّم في ((النور))
الاختلافُ في حدٍّ مَن قَذَفَ واحدةً منهنّ(٢)، والحمد لله.
الثالثة: قال أبو رافع: كان عمر ﴾ كثيراً ما يقرأ سورةَ يوسفَ وسورةَ الأحزاب
في الصبح، وكان إذا بلغ: ﴿يَفِسَآءَ النَّبِيِّ﴾ رفع بها صوته، فقيل له في ذلك، فقال:
((أُذكِّر هنَّ العَهْدَ))(٣).
قرأ الجمهور: ﴿مَنْ يَأْتِ﴾ بالياء، وكذلك: ﴿وَمَن يَقْنُتْ﴾ حملاً على لفظِ ((مَن)).
والقنوتُ: الطاعة، وقد تقدَّم(٤). وقرأ يعقوب: ((مَن تَأْتِ))، و((تَقْنُتْ)) بالتاء من فوق،
حملاً على المعنى(٥).
(١) في تهذيب اللغة ١/ ٤٨٠ - ٤٨١ .
(٢) ١٢٩/١٥.
(٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨١/٤ .
(٤) ٤/ ١٨٣
(٥) المحرر الوجيز ٣٨١/٤، وذكر قراءة: ((تأت)) عن يعقوب ابن جني في المحتسب ١٧٩/٢، وذكر =

١٣٦
سورة الأحزاب: الآيتان ٣٠ - ٣١
وقال قوم: الفاحشةُ إذا وردت مُعرَّفةً فهي الزِّنى واللواط. وإذا وردت منكَّرةً فهي
سائرُ المعاصي. وإِذا وردت منعوتةً [بالبيان] فهي عقوقُ الزوجِ وفسادُ عِشْرتِه(١).
وقالت فرقة: بل قولُه: ((فاحشةٍ مُبَيِّنَةٍ)) تعمُّ جميعَ المعاصي. وكذلك الفاحشةُ
كيف وردت(٢). وقرأ ابن كثير: ﴿مبيّنةٍ﴾ بفتح الياء. وقرأ نافع وأبو عمرو بكسرها(٣).
وقرأت فرقةٌ: ((يُضَاعِفْ)) بكسر العين على إسناد الفعل إلى الله تعالى (٤).
وقرأ أبو عمرو فيما روى خارجةُ: ((نضاعِف)» بالنون المضمومة ونصبٍ ((العذاب)»
وهذه قراءةُ ابن مُحَيْصِن. وهذه مفاعلٌ من واحد، كطارَقْتُ النعلَ وعاقبتُ اللِّصّ(٥).
وقرأ نافعٌ وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿يُضَاعَفْ﴾ بالياء وفتح العين، ﴿العذابُ﴾
رفعاً (٦).
[وقرأ أبو عمرو: ﴿يُضَعَّفْ﴾ على بناء المبالغة بالياء، ﴿العذابُ﴾ رفعاً] وهي
قراءةُ الحسن وابن كثير وعيسى (٧).
وقرأ ابن كثير وابن عامر: ﴿نُضَعِّف﴾ بالنون وكسر العين المشدَّدة، ﴿العذابَ﴾
نصباً(٨).
= قراءة: ((تقنت)) ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١١٩، والمشهور عن يعقوب كقراءة الجمهور.
(١) المحرر الوجيز ٣٨١/٤، وما بين حاصرتين منه. وقال ابن عطية: ولذلك يصفها بالبيان إذ لا يمكن
سترها، والزنا وغيره هو مما يتستَّر به ولا يكون مُبيناً.
(٢) المحرر الوجيز ٣٨٢/٤.
(٣) القراءة بفتح الياء هي قراءة ابن كثير وعاصم من رواية أبي بكر، وقرأ الباقون بكسرها. التيسير ص ٩٥،
وينظر السبعة ص ٢٣٠ .
(٤) قراءة شاذة؛ ذكرها الزمخشري في الكشاف ٢٥٩/٣، وأبو حيان في البحر ٢٢٨/٧ .
(٥) المحرر الوجيز ٣٨٢/٤، والمشهور عن أبي عمرو: ((يضغَّف))، كما سلف، وسیرد.
(٦) وهي قراءة عاصم أيضاً. السبعة ص ٥٢١، والتيسير ص ١٧٩. والكلام من المحرر الوجيز ٣٢٨/٤ .
(٧) المحرر الوجيز ٣٢٨/٤، وما بين حاصرتين منه. وسلفت قراءة أبي عمرو في المسألة السابقة. ولم
نقف على من نسب هذه القراءة لابن كثير، والقراءة المتواترة عنه هي الآتي ذكرها.
(٨) السبعة ص ٥٢١، والتيسير ص ١٧٩. قال أبو حيان في البحر ٢٢٨/٧: مَن فَتّح العين رَفَع
((العذاب))، ومَن کسرها نَصَبَه.

١٣٧
سورة الأحزاب: الآيات ٣٠ - ٣٢
قال مقاتل: هذا التَّضعيف في العذاب إنَّما هو في الآخرة؛ لأنَّ إيتاء الأجر مرَّتين
أيضاً في الآخرة، وهذا حسنٌّ؛ لأنَّ نساء النبيِّ ◌َ﴾ لا يأتينَ بفاحشةٍ توجب حدًّا. وقد
قال ابن عباس: ما بَغَت امرأة نبيٍّ قظُ، وإنَّما خانت في الإيمان والطاعة(١).
وقال بعض المفسِّرين: العذابُ الذي تُؤُعِّدْنَ به ضعفين هو عذابُ الدنيا وعذابُ
الآخرة، فكذلك الأجر. قال ابن عطية(٢): وهذا ضعيفٌ، اللهمَّ إلّا أن يكون أزواجُ
النبيِّ:﴿ لا تَرْفَع عنهنَّ حدودُ الدنيا عذابَ الآخرة، على ما هي حالُ الناس عليه
بحكمٍ حديثِ عُبادة بنِ الصَّامت(٣)، وهذا أمرٌ لم يُرْوَ في أزواج النبيِّ ◌َ﴾، ولا حُفِظَ
تقرُّره. وأهلُ التفسير على أنَّ الرزق الكريم الجنةُ؛ ذكره النخَاس (٤).
قوله تعالى: ﴿َنِسَآءَ النَّ لَسْأُّنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنْ أَتَّقَيَقُنُّ فَلاَ تَخْضَعْنَ
بِالْقَوْلِ فَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُونَا ()
قوله تعالى: ﴿يَِسَآءَ النَّ لَسْأُّنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءُ إِنِ اتَّقَةٌ﴾ يعني في الفضل
والشَّرف. وقال: ((كَأَحَدٍ)) ولم يقل: كواحدةٍ؛ لأنَّ أحداً نفيٌّ من المذكَّر والمؤنَّث(٥)،
والواحدٍ والجماعة. وقد يقال على ما ليس بآدميٍّ؛ يقال: ليس فيها أحدٌ، لا شاةٌ ولا
بعير.
وإنما خصَّص النساء بالذكر لأنَّ فيمَن تقدَّم آسيةُ ومريم. وقد أشار إلى هذا
(١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١/ ٣١٠، وسلف ١٣٥/١١.
(٢) في المحرر الوجيز ٤/ ٣٨٢.
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٦٧٨)، والبخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩)، ولفظه عند البخاري: ((بايعوني على أن
لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تَزْنوا ولا تقتلوا أولادكم ... فمَن وفَى منكم فأجْرُه على الله، ومَن
أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفَّارةٌ له ... ».
(٤) في إعراب القرآن ٣١٢/٣ .
(٥) في (د) و(خ): لأن أحداً يعني من المذكر والمؤنث، وفي معاني القرآن للزجاج ٣٢٤/٤ (والكلام
منه): لأن أحداً نفي عام للمذكر والمؤنث ...

١٣٨
سورة الأحزاب: الآية ٣٢
قتادة(١)، وقد تقدَّم في ((آل عمران)) الاختلافُ في التفضيل بينهنَّ، فتأمَّلْه هناك(٢). ثم
قال: ﴿إِنِ أَنَّفَيَقُنُّ﴾ أي: خِفْتُنَّ اللـه. فبيَّن أنَّ الفضيلة إنَّما تتمُّ لهنَّ بشرط التقوى؛ لِمَا
منحهنَّ الله من صحبة الرسول، وعظيم المحلِّ منه، ونزولِ القرآن في حقٌّهنّ.
قوله تعالى: ﴿فَلَ تَّخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ في موضع جزم بالنهي، إلَّا أنه مبنيٌّ كما بُني
الماضي، هذا مذهبُ سيبويه(٣)، أي: لا تُلِنَّ القولَ، أَمَرهنَّ الله أن يكون قولُهنَّ
جَزْلاً وكلامُهنَّ فَضْلاً، ولا يكون على وجهٍ يُظْهِر (٤) في القلب علاقةً بما يَظْهَر عليه
من اللِّين، كما كانت الحالُ عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت
ولينه، مثل كلام المريبات والمُؤْمِسات. فنهاهنَّ عن مثل هذا.
قوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ﴾ بالنصب على جواب النَّهي ﴿ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ﴾ أي:
شكٌّ ونفاق؛ عن قتادةَ والسُّدِّيّ. وقيل: تَشوُّفٌ لفجورٍ، وهو الفسقُ والغَزَل؛ قاله
عكرمة. وهذا أصوبُ، وليس للنفاق مدخلٌ في هذه الآية(٥).
وحكى أبو حاتم أنَّ الأعرج قرأ: ((فَيَطْمِعَ)) بفتح الياء وكسر الميم. النحاس(٦):
أحسبُ هذا غلطاً، وأنْ يكون قرأ: ((فَيَطمَعِ)) بفتح الميم وكسرِ العين(٧) بعظفِه على
(تَخْضَعْنَ)) فهذا وجهٌ جيدٌ حسن. ويجوز: ((فَيُطْمِعَ)) بمعنى: فيُطْمِعَ الخضوعُ أو القول.
(١) المحرر الوجيز ٣٨٢/٤. وأخرج عبد الرزاق ١١٦/٢، والطبري ٩٤/١٩ عن قتادة في قوله تعالى:
﴿لَسْقُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ الِسَاءِ﴾ قال: كأحد من نساء هذه الأمة.
(٢) ١٢٦/٥ وما بعدها.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣١٢/٣، وينظر الكتاب ٢٠/١.
(٤) في أحكام القرآن لابن العربي ١٥٢٣/٣ (والكلام منه): يُحْدِث.
(٥) المحرر الوجيز ٣٨٣/٤، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق ١١٦/٢، والطبري ٩٥/١٩. وأخرجا عن
عكرمة قال: شهوة الزنا.
(٦) في إعراب القرآن ٣١٣/٣، وما قبله منه.
(٧) في النسخ: بفتح الياء، وكسر العين، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس، وذكر ابن جني في
المحتسب ١٨١/٢ عن الأعرج أنه قرأ بها، يعني بكسر العين.

١٣٩
سورة الأحزاب: الآيتان ٣٢ - ٣٣
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس: أَمَرهنَّ بالأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر(١). والمرأةُ تُنْدَبُ إذا خاطبت الأجانب - وكذا المحرَّماتُ عليها
بالمصاهرة - إلى الغِلْظةِ في القول من غير رفع صوتٍ؛ فإنَّ المرأة مأمورةٌ بخَفْضٍ
الكلام. وعلى الجملة فالقولُ المعروفُ: هو الصوابُ الذي لا تُنْكِرِه الشريعةُ ولا
النفوس.
قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولِىّ وَفِعْنَ
الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ
اَلْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُنْ تَطْهِیرًا
قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّعَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ فيه أربعُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ﴾؛ قرأ الجمهور: ﴿وَقِرِنَ﴾ بكسر القاف. وقرأ
عاصمٌ ونافعٌ بفتحها(٢). فأمَّا القراءةُ الأولى فتَحتمِلُ وجهين:
أحدهما: أن يكون من الوَقَّار؛ تقول: وقَرَ يَقِرُ وَقاراً، أي: سَكَن، والأمرُ: قِرْ،
وللنساء: قِرْن، مثل: عِدْنَ وزِنَّ .
والوجهُ الثاني - وهو قولُ المبرِّد - أن يكون من القَرار؛ تقول: قَرَرتُ بالمكان -
بفتح الراء - أَقِرُّ، والأصلُ: اقْرِزْنَ، بكسر الراء، فحذفت الراء الأولى تخفيفاً، كما
قالوا في ظَلِلْتُ: ظِلْتُ، ومَسِسْت: مِسْت(٣)، ونقلوا حركتها إلى القاف، واستغني
عن ألف الوصل لتحرُّكِ القاف .
قال أبو عليّ: بل على أنْ أُبدلَت الراءُ ياءً كراهةَ التضعيف، كما أبدلت في قيراط
(١) لم نقف عليه.
(٢) السبعة ص ٥٢١ - ٥٢٢، والتيسير ص ١٧٩ .
(٣) وذلك بأن تُحذف السين الأولى وتحوَّل كسرتها إلى الميم، ومنهم مَن لا يحوِّل ويترك الميم على حالها
مفتوحة، وكذلك: ظلت، يجوز كسر الظاء وفتحها، وهو من شواذّ التخفيف. ينظر الصحاح (مسس).

١٤٠
سورة الأحزاب: الآية ٣٣
ودينار، ويصير للياء حركةُ الحرفِ المبدَل منه، فالتقدير: اقْبِرْنَ، ثم تُلقى حركةُ الياء
على القاف كراهةَ تحرُّكِ الياء بالكسر، فتسقط الياءُ لاجتماع الساكنَيْنِ، وتسقط همزةٌ
الوصل لتحرُّكِ ما بَعْدَها، فيصير: ((قِرْن)).
وأمَّا قراءةُ أهلِ المدينة وعاصم، فَعَلَى لغةِ العرب: قَرِرْتُ في المكان: إذا أقمتَ
فيه - بكسر الراء - أقَرُّ بفتح القاف، من باب حَمِد يَحْمَد، وهي لغةُ أهل الحجاز،
ذكرها أبو عبيد في ((الغريب المصنف)) عن الكسائيِّ، وهو من أجلِ مشايخه، وذكرها
الزَّجاج وغيرُه، والأصل: ((اقْرَرْن))، حُذفت الراء الأولى لِثقَلِ التضعيف، وأُلقيت
حركتها على القاف فتقول: قَرْن. قال الفرَّاء: هو كما تقول: [هل](١) أَحَسْتَ
صاحِبَك؟ أي: هل أَحْسَسْت .
وقال أبو عثمان المازنيُّ: قَرِرتُ به عيناً، بالكسر لا غير، من قُرَّة العين. ولا
يجوز: قَرِرت في المكان - بالكسر - وإنَّما هو: قَرَرت، بفتح الراء(٢) .
وما أَنكره من هذا لا يقدحُ في القراءة إذا ثبتت عن النبيِّ﴾، فيُستدلُّ بما ثبت عنه
من القراءة على صحة اللغة.
وزعم(٣) أبو حاتم أيضاً: أنَّ ((قَرْن)) لا مذهبَ له في كلام العرب؛ قال
النخَّاس(٤): وأمَّا قولُ أبي حاتم: إنه لا مذهبَ له، فقد خُولفَ فيه، وفيه مذهبان:
أحدهما ما حكاه الكِسائيُّ، والآخر: ما سمعتُ عليّ بنَ سليمان يقول؛ قال: وهو
من قَرِرْتُ به عَيْناً أَقَرُّ، والمعنى: واْرَرْنَ به عَيْناً في بيوتكنَّ. وهو وجهٌ حسن، إلّا أنَّ
(١) ما بين حاصرتّين من معاني القرآن للفراء ٣٤٢/٢.
(٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٣٤٢/٢، والغريب المصنف لأبي عبيد ٤٨٩/٢، ومعاني القرآن للزجاج
٢٢٥/٤، والحجة لأبي علي الفارسي ٤٧٥/٥، وإعراب القرآن للنحاس ٣١٣/٣ - ٣١٤، وتهذيب
اللغة ٢٧٧/٨ و٩/ ٢٨٠، والكشف عن وجوه القراءات ١٩٧/٢، والمحرر الوجيز ٣٨٣/٤.
(٣) في (د) و(م): وذهب، والمثبت من باقي النسخ وإعراب القرآن للنحاس ٣١٣/٣، والكلام منه.
(٤) في إعراب القرآن ٣١٤/٣ .