Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة السجدة: الآية ١١
ذكرناه في ((التذكرة)) مستوفّى (١) - وقد ذَكَرنا أنه يدعو الأرواحَ فتَجيتُه ويقبضها، ثم
يُسلِّمها إلى ملائكة الرحمة أو العذاب - بما فيه شفاءٌ لمن أراد الوقوفَ على ذلك(٢).
الثانية: استدلَّ بهذه الآيةِ بعضُ العلماء على جواز الوكالة من قوله: ﴿ؤُكِّلَ بِكُمْ﴾
أي: بقبض الأرواح. قال ابن العربيّ(٣): وهذا أُخذ من لَفْظِه لا من معناه، ولو اطَّرد
ذلك لقلنا في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾
[الأعراف: ١٥٨]: إنها نيابةٌ عن الله تبارك وتعالى، ووكالةٌ في تبليغ رسالته، ولقلنا
أيضاً في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾: إنه وكالةٌ؛ فإنَّ الله تعالى ضَمِنَ الرزقَ
لكلِّ دابَّةٍ، وخَصَّ الأغنياءَ بالأغذية، وأَوْعَزَ إليهم بأنَّ رِزْقَ الفقراء عندهم، وأَمر
بتسليمه إليهم مقدَّراً (٤) معلوماً في وقتٍ معلوم، دبَّره بعلمه، وأَنْفَذه من حُكْمِهِ، وقدَّره
بحِكْمته. والأحكامُ لا تتعلَّق بالألفاظ إلَّ أنْ تَرِد على موضوعاتها الأصليةِ في
مقاصدها المطلوبة، فإنْ ظَهَرَتْ في غير مَقْصِدِها لم تُعلَّق عليها. أَلَا ترى أنَّ البيع
والشراء معلومُ اللفظ والمعنى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ﴾ [التوبة: ١١١] ولا يقال: هذه الآيةُ دليلٌ على
جواز مبايعةِ السيد لعبده؛ لأنَّ المَقصِدَيْن مختلفان.
أَمَا إنه إذا لم يكن بدٌّ من المعاني فيقال(٥): إنَّ هذه الآيةَ دليلٌ على أنَّ للقاضي أن
يَسْتَنِيبَ مَن يأخذ الحقَّ ممَّن هو عليه قسراً دون أن يكون له في ذلك فِعْلٌ، أو يرتبط به
رضاً إذا وجد ذلك.
(١) ص٧٠، وأخرج نحوه أبو الشيخ في العظمة (٤٣٩) عن جابر بن زيد قوله.
(٢) ينظر التذكرة ص١١٩ وما بعدها، وذكر فيه المصنف حديث البراء ، وقد سلف تخريجه ٢١٨/٩
و ١٤/ ٣٨٧ .
(٣) في أحكام القرآن ١٤٨٨/٣ - ١٤٨٥ .
(٤) في (خ) و(م): مقداراً، والمثبت من باقي النسخ وأحكام القرآن لابن العربي.
(٥) العبارة في أحكام القرآن: أما إنه إذا لم يكن بدٌّ من التسوُّر على المعاني، ودفع الجهل عنها في غير
موضعها، والإعراض عن المقاصد في ذلك فیقال.

٢٢
سورة السجدة: الآية ١٢
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا
وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِعُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ابتداءٌ وخبر. قال
الزجَّاج (١): والمخاطبةُ للنبيِّ # مخاطبةٌ لأمته. والمعنى: ولو ترى يا محمدُ مُنْکِري
البعثِ يومَ القيامة لرأيتَ العجبَ. ومذهبُ أبي العباس غيرُ هذا، وأن يكون المعنى:
يا محمدُ، قل للمجرم: ولو ترى إذ المجرمون ناكِسو رؤوسهم عند ربِّهم لندمتَ علی
ما كان منك(٢).
﴿فَكِسُواْ رُءُوسِهِمْ﴾ أي: من النَّدم والخِزْي والحُزن والذُّلِّ والغمِّ ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾
أي: عند محاسبةِ ربِّهم وجزاءٍ أعمالهم. ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون: ربَّنا ﴿أَبْصَرْنَا﴾ أي:
أَبْصَرنا ما كنَّا نكذِّب ﴿وَسَمِعْنَا﴾ ما كنَّا نُنْكِر. وقيل: ﴿أَبْصَرْنَ﴾ صِدْقَ وَعيدك
﴿وَسَمِعْنَا﴾ تصديقَ رُسُلك، أَبْصَرُوا حين لا ينفعهم البصر، وسمعوا حين لا ينفعهم
السمع.
﴿فَأَرْجِعْنَا﴾ أي: إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي: مصدِّقون بالبعث؛
قاله النقَّاش. وقيل: مصدِّقون بالذي جاء به محمدٌ ﴿ أنه حقّ؛ قاله يحيى بن سلام.
قال سفيان الثوريُّ: فَأَكْذَبهم الله تعالى فقال: ﴿وَلَوْ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨](٣).
وقيل: معنى ((إِنَّا مُوقِنُونَ)) أي: قد زالت عنَّا الشُّكوكُ الآن، وكانوا يسمعون
ويُبُصرون في الدنيا، ولكن لم يكونوا يتدبَّرون، وكانوا كَمَن لا يُبْصِر ولا يسمع، فلمَّا
تنَّهوا في الآخرة صاروا حينئذٍ كأنهم سمعوا وأبصروا.
وقيل: أي: ربَّنا لك الحجةُ، فقد أَبْصَرنا رسلك وعجائبَ خَلْقِك في الدنيا،
(١) في معاني القرآن ٢٠٦/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٩٤/٣ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٤/٣، وأبو العباس هو محمد بن يزيد المبرِّد.
(٣) ذكر هذه الأقوال الماودري في النكت والعيون ٣٥٩/٤ .

٢٣
سورة السجدة: الآيتان ١٢ - ١٣
وسمعنا كلامهم، فلا حجةً لنا. فهذا اعترافٌ منهم، ثم طلبوا أن يُردُّوا إلى الدنيا
ليؤمنوا.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنِيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِّ لَأَمْلَأَنَّ
جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾﴾
قال محمد بن كعب القُرَظيُّ: لمَّا قالوا: ﴿رَبَّنَآَ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا
إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ردَّ عليهم بقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَهَا﴾ يقول: لو شئتُ
لهديتُ الناسَ جميعاً فلم يَخْتلِفْ منهم أحدٌ ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّى﴾ الآيةَ. ذَكَرِه ابن
المبارك في ((رقائقه)) في حديثٍ طويل. وقد ذكرناه في ((التذكرة))(١).
النخَّاس(٢): ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَاهَا﴾ في معناه قولان: أحدهما: أنه
في الدنيا. والآخَر: أنَّ سياق الكلام يدلُّ على أنه في الآخرة، أي: لو شئنا لردّدْناهم
إلى الدنيا والمحنةِ كما سألوا ﴿وَلَكِنْ حَقَ الْقَوْلُ مِنِى لَأَمْلَأَنَ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ﴾ أي: حقَّ القولُ منِّي لأعذِّبنَّ مَن عصاني بنارِ جهنّم. وعَلِم الله تبارك
وتعالى [أنه] لو ردَّهم لعادوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوَ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا شُهُواْ عَنْهُ﴾
[الأنعام: ٢٨].
وهذه الهدايةُ معناها خَلْقُ المعرفةِ في القلب. وتأويلُ المعتزلة: ولو شئنا
لأَكْرهناهم على الهداية بإظهارِ الآيات الهائلة، لكنْ لا يَحْسُنُ منه فِعْلُه؛ لأنه
يَنْقُض الغرضَ المُجْرَى بالتكليف إليه، وهو الثوابُ الذي لا يُستحقُّ إلَّا بما يفعلُه
المكلَّف باختياره(٣).
(١) ص٤١٧، وقد ذكره المصنف فيه بتمامه، وورد بعضه في الزهد لابن المبارك ص٩١ (زوائد نعيم)
وسقط معظمه بسبب سقط ورقة من الأصل كما ذكر محققه. وأخرجه من طريق ابن المبارك الطبري
١١٩/١٧ .
(٢) في إعراب القرآن ٢٩٤/٣، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) قاله الزمخشري في الكشاف ٢٤٢/٣ .

٢٤
سورة السجدة: الآية ١٣
وقالت الإماميَّة في تأويلها(١): إنه يجوز أنْ يريد هُداها إلى طريق الجنة في
الآخرة ولم يعاقب أحداً، لكنْ حقَّ القولُ منه أنه يملأ جهنم، فلا يجب على الله
تعالى عندنا هدايةُ الكلِّ إليها، قالوا: بل الواجبُ هدايةُ المعصومين، فأمَّا مَن له ذنبٌ
فجائزٌ هدايته إلى النار جزاءً على أفعاله .
وفي جواز ذلك مَنْعٌ؛ لقَطْعِهم على أنَّ المراد: هُداها إلى الإيمان.
وقد تكلّم العلماء عليهم في هذين التأويلين بما فيه كفايةٌ في أصول الدين. وأقربُ
ما لهم في الجواب أنْ يقال: فقد بَطَل عندنا وعندكم أنْ يهديَهم الله سبحانه على
طريق الإلجاءِ والإجبار(٢) والإكراه، فصار يؤدِّي ذلك إلى مذهب الجَبْريَّة، وهو
مذهبٌ رَذْلٌ عندنا وعندكم، فلم يبق إلَّ أنَّ المهتدين من المؤمنين إنَّما هداهم الله
تعالى إلى الإيمان والطاعة على طريق الاختيار حتى يصحَّ التكليفُ، فَمَن شاء آمَنَ
وأطاع اختياراً لا جَبْراً؛ قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]،
وقال: ﴿فَمَنْ شَآءَ أَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٩]. ثم عقّب هاتين الآيتين بقوله
تعالى: ﴿وَمَا تَشَدَءُونَ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠، والتكوير: ٢٩]. فوقع إيمانُ
المؤمنين بمشيئتهم، ونَفَى أن يشاؤوا إلَّ أن يشاء الله، ولهذا أَفرَطَتْ(٣) المُجْبرةُ لمَّا
رأَوْا أنَّ هدايتهم إلى الإيمان معذوقٌ (٤) بمشيئة الله تعالى، فقالوا: الخَلْقُ مجبورون
في طاعتهم كلِّها، التفاتاً إلى قوله: ﴿وَمَا تَشَآَمُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ الَّهُ﴾. وفرَّطت القدريةُ
لمَّا رأوا أنَّ هدايتهم إلى الإيمان معذوقٌ بمشيئة العباد، فقالوا: الخَلْقُ خالقون
لأفعالهم، التفاتاً منهم إلى قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾.
(١) الكلام من هذا الموضع حتى آخر تفسير الآية من حز الغلاصم لشيث بن إبراهيم ص٨٦ - ٨٨ .
(٢) في حز الغلاصم: على طريق الإلجاء؛ لأن الإلجاء هو الإجبار ...
(٣) في النسخ: فرطت، والمثبت من حز الغلاصم.
(٤) في (ظ): أن هدايتهم مقرونة.

٢٥
سورة السجدة: الآيتان ١٣ - ١٤
ومذهبُنا هو الاقتصادُ في الاعتقاد، وهو مذهبٌ بين مَذْهَبَي المُجْبرةِ والقدرية،
وخيرُ الأمور أوساطُها. وذلك أنَّ أهل الحقِّ قالوا: نحن نفرِّق بين ما اضطُرِرْنا إليه
وبين ما اخْتَرْناه، وهو أنَّا نُدْرِكُ تَغْرِقةً بين حركة الارتعاش الواقعة في يد الإنسان بغیرِ
مُحاولتِهِ وإرادتِه ولا مقرونة بقُدْرَته، وبين حركةِ الاختيار إذا حرَّك يده حركةً مماثلةً
لحركة الارتعاش. ومَن لا يفرِّق بين الحركتين: حركة الارتعاش وحركة الاختيار -
وهما موجودتان في ذاته، ومحسوستان في يده بمشاهدته وإدراكٍ حاسّته - فهو معتوه
في عقله، ومختلٌّ في حِسِّه، وخارجٌ من حِزْب العقلاء. وهذا هو الحقُّ المُبين، وهو
طريقٌ بين طريقي الإفراط والتفريط، و:
كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأمور ذَمِيمُ (١)
وبهذا الاعتبارِ اختارَ أهلُ النَّظر من العلماء أنْ سَمَّوْا هذه المنزلةَ بين المنزلتين
كَسْباً(٢)، وأخذوا هذه التسميةَ من كتاب الله العزيز، وهو قوله سبحانه: ﴿لَهَا مَا
كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَآ إِنَّا نَسِينَكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ
اُلْخُلْدِ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ
١٤
قوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه من
النسيان الذي لا ذِكْرَ معه، أي: لم يعملوا لهذا اليوم، فكانوا بمنزلةِ النَّاسِين.
والآخَر: أنَّ ﴿نَسِتُمْ﴾ بمعنى(٣) تركتُم، وكذا ﴿إِنَّا نَسِنَكُمْ﴾؛ واحتجَّ محمد بنُ
يزيد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ﴾ [طه: ١١٥] قال: والدليلُ على
(١) سلف ٢٢٩/٧ عن الإمام حَمْد بن محمد الخطابي، وصدره: ولا تَغْلُ في شيءٍ من الأمر واقْتَصِدْ. وإنما ضمَّنه
الخطابي في شعره، كما ذكر البغدادي في الخزانة ١٢٢/٢ - ١٢٣، حيث ذكر صدره برواية ثانية وقرن به بيتاً آخر
وقال: وكمله بالمصاريع الثلاثة صاحب العباب في شرح أبيات الآداب (وهو حسن بن صالح العدوي اليمني) وقال
البغدادي: ولا أعلم قائل هذين البيتين، ولا رأيتهما إلا في كتاب العباب.
(٢) مذهب الأشاعرة في مسألة الكسب يؤول إلى سلب الإرادة عن العبد والوقوع في مذهب المجبرة.
(٣) في النسخ: بما، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٢٩٤/٣ ، والكلام منه.

٢٦
سورة السجدة: الآية ١٤
أنَّه بمعنى تَرَكَ أنَّ الله عزَّ وجلَّ أَخبر عن إبليس أنه قال: ﴿مَا نَهَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ
الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنٍ﴾ [الأعراف: ٢٠] فلو كان آدم ناسياً لكان قد ذكّره، وأنشد:
سَقُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عند مُفْتَأْهٍ (١)
کأنه خارجاً من جَنْبٍ صَفْحَتهِ
أي: تركوه. ولو كان من النِّسْيان لكانوا(٢) قد عملوا به مرَّةً.
قال الضحَّاك: ((نَسِيتُمْ)) أي: تركتُم أمري. يحيى بن سلام: أي: تركتُم الإيمان
بالبعث في هذا اليوم . ﴿نَسِينَكُمْ﴾: تركناكم من الخير؛ قاله السُّدّي. مجاهد:
تركناكم في العذاب(٣).
وفي استئناف قوله: ﴿إِنَّا نَسِينَكُمْ﴾ وبناءِ الفعل على ((إنَّ) واسمِها تشديدٌ في
الانتقام منهم. والمعنى: فذوقوا هذا، أي: ما أنتم فيه من نَكْسٍ الرؤوس والخِزي
والغَمِّ بسبب نسيان الله. أو: ذوقوا العذاب المخلَّد، وهو الدائم الذي لا انقطاعَ له
في جهنم.
﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعني في الدنيا من المعاصي. وقد يعبّر بالذّوق عما يطرأ على
النفس وإن لم يكن مطعوماً؛ لإحساسها به كإحساسها بذوقِ المطعوم؛ قال عمر بن
أبي ربيعة (٤):
فذُقْ هَجْرَها إنْ كنتَ تَزْعُم أنَّه رشادٌ(٥) ألَا يا ربَّما كَذَبَ الزَّعْمُ
(١) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٣٢، والخزانة ٣/ ١٨٥ وفيه: الهاء في ((كأنه)) عائدة على
قرن ثور مذكورٍ قبلاً، وخارجاً حال من الهاء، والضمير في صفحته عائد على كلب مذكورٍ قبلاً،
والسَّقُود خبر كأن، وهي الحديدة التي يشوى بها الكباب، شبَّه قرنَ الثور النافذّ من الكلب عندما ضربه
به بسَفُّود فيه شواءٌ. والمفتأد المشتَوَى والمطبخ، وهو محل الفَأْد، وهو الطبخ والنضج.
(٢) في النسخ: لكان، والمثبت من إعراب القرآن.
(٣) ذكر هذه الأقوال الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٣٦٠ .
(٤) كذا نقل المصنف عن الماوردي في النكت والعيون ٣٦٠/٤، والكلام منه، والذي في المصادر أنه
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، كما في مجالس ثعلب ص٢٣٦، وأمالي القالي ٢/ ٢٠،
والأغاني ٩/ ١٥٠، ومصارع العشاق ٣٢١/١، واللسان (زعم)، والخزانة ٩/ ١٣٣ .
(٥) في النسخ: أنها فساد، والمثبت من النكت والعيون، وهو موافق للمصادر.

٢٧
سورة السجدة: الآيتان ١٤ - ١٥
الجوهريُّ(١): وذُقْت ما عند فلان، أي: خَبِرْتُه. وذُقْتُ القَوْس: إذا جَذَبتَ وَتَرَها
لَنْظُر ما شِدَّتُها. وأذاقه الله وَبَالَ أمره؛ قال طُفيل:
فذوقوا كما ذُقنا غَدَاة مُحَجِّرٍ من الغيظ في أكبادِنا والتَّحَوُّبِ(٢)
وتذوَّقته، أي: ذُقْتُه شيئاً بعد شيء. وأمرٌ مُسْتَذاقٌ، أي: مجرَّبٌ معلوم؛ قال
الشاعر :
وَنَتْ عنه الجعائل مُسْتذاقٍ(٣)
وعهدُ الغانيات كعهدِ قَيْنٍ
والذوَّاق: المَلُول.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّعُواْ بِحَمْدٍ
رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
هذه تسليةٌ للنبيِّ ﴾، أي: إنَّهم لإلْفِهم الكفرَ لا يؤمنون بك، إنَّما يؤمنُ بك
وبالقرآن المتدبِّرون له والمتَّعِظُون به، وهم الذين إذا قُرئ عليهم القرآن ﴿خَرُواْ سُجَّدًا﴾
قال ابن عباس: رَّعاً - قال المهدوِيُّ: وهذا على مذهب مَن يرى الركوعَ عند قراءةٍ
السَّجدة - واستدلَّ بقوله تبارك وتعالى: ﴿وَخَرَّ رَكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤](٤).
وقيل: المرادُ به السُّجود، وعليه أكثرُ العلماء، أي: خَرُّوا سُجَّداً لله تعالى على
وجوههم تعظيماً لآياته وخَوْفاً من سطوته وعذابه.
﴿وَسَبَُّواْ بِحَيْدٍ رَيِّهِمْ﴾ أي: خَلَطوا التسبيح بالحمد، أي: نزَّهوه وحَمِدوه،
فقالوا في سجودهم: سبحان الله وبحمده، سبحان ربِّيَ الأعلى وبحمده، أي: تنزيهاً
(١) في الصحاح (ذوق).
(٢) سلف ٦/ ٢٣، وطفيل هو ابن عوف الغَنَوي.
(٣) قائله نهشل بن حَرِّيّ، كما في الحيوان ٣٠/٥، وأمالي المرتضى ٢٢٧/٢، وتهذيب اللغة ٢٦٣/٩،
وأساس البلاغة (ذوق)، ومنتهى الطلب ١٧/٨، واللسان (ذوق). قال المرتضى: القين: الحدَّاد،
والجعائل جمع جعالة، وهي أجرته، أراد: أن القين إذا عدم الجُعالة؛ رحل ولم يستقرَّ في مكان.
(٤) ذكر خبر ابن عباس ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦١/٤ .

٢٨
سورة السجدة: الآيتان ١٥ - ١٦
لله تعالى عن قول المشركين. وقال سفيان: ﴿وَسَبَُّواْ بِحَيْدٍ رَبِّهِمْ﴾ أي: صَلَّوا حَمْداً
لربِّهم. ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن عبادته؛ قاله يحيى بن سلام. النقَّاش: لا يَسْتَكْبِرون
كما اسْتَكْبَر أهلُ مكة عن السجود (١).
قوله تعالى: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا
﴾
(١٦)
رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ
قوله تعالى: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاِعِ﴾ أي: ترتفع وتَنْبُو عن مواضع
الاضطجاع. وهو في موضع نصبٍ على الحال، أي: مُتجافيةً جنوبُهم. والمضاجعُ
جمعُ مَضْجَع، وهي مواضع النوم. ويَحتمِلُ: عن وقتِ الاضطجاع، ولكنَّه مَجازٌ،
والحقيقةُ أَوْلى. ومنه قولُ عبد الله بن رَوَاحة :
إذا انشقَّ معروفٌ من الصبحِ ساطِعُ
وفينا رسولُ الله يتلو كتابَه
إذا استثقلتْ بالمشركين المَضَاجِعُ(٢)
يبيتُ يُجَافي جَنْبَه عن فراشه
قال الزجَّاج والرُّمَّانِيّ: التَّجَافي: التَّنَحِّي إلى جهةٍ فوق. وكذلك هو في الصَّفْحِ
عن المخطئ في سَبِّ ونحوِه. والجُنوبُ جمعُ جَنْب(٣).
وفيما تتجافى جنوبُهم عن المضاجع لأَجْلِه قولان: أحدهما: لذكرِ الله تعالى،
إمَّا في صلاةٍ، وإمَّا في غيرِ صلاة؛ قاله ابن عباس والضحاك. الثاني: للصلاة(٤).
وفي الصلاة التي تتجافَى جُنوبُهم لأَجْلها أربعةُ أقوال:
(١) النكت والعيون ٣٦١/٤ .
(٢) سلف البيتان ٣٤٦/٦ باختلاف يسير في البيت الأول، وهما بهذه الرواية في صحيح البخاري (١١٥٥)
حيث أخرج من طريق الهيثم بن أبي سنان: أنه سمع أبا هريرة - وهو يَقْصُصُ في قَصَصه - وهو يذكر
رسول الله #: إنَّ أخاً لكم لا يقول الرَّفَثَ. يعني بذلك عبد الله بن رواحة، ثم ذكر ثلاثة أبيات منها
هذان البيتان.
(٣) المحرر الوجيز ٣٦٢/٤، وقول الزجاج بنحوه في معاني القرآن ٢٠٧/٤ .
(٤) النكت والعيون ٣٦١/٤ - ٣٦٢، وأخرج قول ابن عباس والضحاك الطبري ٦١٢/١٨ - ٦١٣ .

٢٩
سورة السجدة: الآية ١٦
أحدها: التَّقُّلُ بالليل؛ قاله الجمهور من المفسِّرين، وعليه أكثرُ الناس، وهو
الذي فيه المدحُ(١)، وهو قولُ مجاهدٍ والأوزاعيِّ ومالك بن أنس والحسن بنِ أبي
الحسن وأبي العالية وغيرهم (٢). ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن
قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ لأنَّهم جُوْزُوا على ما أَخْفَوْا بما خَفِي، والله أعلم. وسيأتي بيانُه.
وفي قيام الليل أحاديثُ كثيرةٌ؛ منها حديثُ معاذ بن جَبَل أنَّ النبيَّ:﴿ قال له:
((أَلَا أُلُّك على أبواب الخير: الصومُ جُنَّة، والصَّدقةُ تُظْفِئُ الخطيئةَ كما يُظْفِئُ الماءُ
النارَ، وصلاةُ الرجلِ من جَوْفِ الليل)) قال: ثم تلا: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَارِعِ﴾
حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أخرجه أبو داود الطَّيالسيُّ في ((مسنده))، والقاضي إسماعيل بنُ
إسحاق، وأبو عيسى الترمذيُّ وقال فيه: حديثٌ حسنٌ صحيح(٣).
الثاني: صلاةُ العشاء التي يقال لها: العتمة؛ قاله الحسن وعطاء(٤). وفي
الترمذيِّ عن أنس بن مالك: أنَّ هذه الآيةَ ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ نزلت في
انتظارِ الصلاة التي تُدْعَى: العَتمَة، قال: هذا حديثٌ حسنٌ [صحيح] غريب(٥).
الثالث: التَّقُّل ما بين المغرب والعشاء؛ قاله قتادةُ وعكرمة(٦). ورَوى أبو داود (٧)
عن أنس بن مالك: أنَّ هذه الآيةَ: ﴿نَجَانَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوفًا
وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ قال: كانوا يتنقَّلون ما بين المغرب والعشاء.
(١) المحرر الوجيز ٣٦٢/٤.
(٢) النكت والعيون ٣٦٣/٤، وأخرجه عن الحسن أبو داود (١٣٢١)، وعبد الرزاق في التفسير ٢/ ١١٠،
والطبري ١٨/ ٦١٢ عنه وعن مجاهد.
(٣) سنن الترمذي (٢٦١٦)، ومسند الطيالسي (٥٦٠)، وهو عند أحمد (٢٢٠١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣).
(٤) النكت والعيون ٣٦٣/٤ .
(٥) سنن الترمذي (٣١٩٦)، وما بين حاصرتين منه، وهو موافق لما في تحفة الأشراف ٤٢٩/١، وتحفة
الأحوذي ٩/ ٥٥ .
(٦) النكت والعيون ٣٦٣/٤ .
(٧) في سننه (١٣٢١)، وأخرجه الطبري ٦٠٩/١٨ - ٦١١.

٣٠
سورة السجدة: الآية ١٦
الرابع: قال الضحاك: تَجَافي الجَنْبِ: هو أن يصلِّي الرجل العشاء والصبح في
جماعة. وقاله أبو الدَّرداء وعُبادة(١).
قلت: وهذا قولٌ حَسَنٌ، وهو يجمع الأقوال بالمعنى، وذلك أنَّ مُنتِظِرَ العشاءِ
- إلى أنْ يصلِّيَهَا - في صلاةٍ وذكرٍ لله جلَّ وعزَّ، كما قال النبيُّ ﴾: ((لا يَزالُ الرجلُ
في صلاةٍ ما انْتَظَر الصلاة))(٢). وقال أنس: المرادُ بالآية انتظارُ صلاة العشاء الآخرة؛
لأنَّ رسول اللـه * كان يؤخّرها إلى نحوٍ ثُلُثِ الليل، قال ابن عطيةً(٣): وكانت
الجاهليةُ ينامون مِن أوَّل الغروب ومن أيِّ وقتٍ شاء الإنسان، فجاء انتظارُ وقتٍ
العشاء غريباً شاقًّا.
ومصلِّي الصبح في جماعةٍ لاسيَّما في أوّل الوقت كما كان عليه الصلاة والسلام
يصلِّيها. والعادةُ أنَّ مَن حافظَ على هذه الصلاة في أوّل الوقت، يقومُ سَحَراً يتوضًأ
ويصلِّي ويذكر الله عزَّ وجلَّ إلى أنْ يَطْلعُ الفجر. فقد حَصَل النَّجافي أوَّلَ الليل وآخِرَه.
يَزِيدُ هذا ما رواه مسلم من حديث عثمان بن عفان قال: سمعتُ رسول الله 8# يقول:
(مَن صلَّى العشاءَ في جماعةٍ فكأنَّما قامَ نصفَ اللَّيل، ومَن صلَّى الصُّبحَ في جماعةٍ
فكأنَّما قامَ اللَّيلَ كلَّه))(٤). ولفظُ الترمذيِّ وأبي داودَ في هذا الحديث: ((مَن شَهِدَ
العشاءَ في جماعةٍ كان له قيامُ نصفِ ليلةٍ، ومَن صلَّى العشاءَ والفَجْرَ في جماعةٍ كان
له كقيام ليلة)»(٥). وقد مضى في سورة النور عن كعب فيمَن صلَّى بعدَ العشاءِ الآخِرة
(١) ذكره عن الضحاك ابنُ عطية في المحرر الوجيز ٣٦٢/٤، وعن أبي الدرداء وعبادة الماورديُّ في
النكت والعيون ٣٦٣/٤، والبغوي ٣/ ٥٠٠ . قال ابن عطية: وهذا قول حسن يساعده لفظ الآية.
(٢) قطعة من حديث أبي هريرة ﴾ أخرجه البخاري (٦٤٧).
(٣) في المحرر الوجيز ٣٦٢/٤، وما قبله منه، وخبر أنس سلف بنحوه قريباً. وأحاديث تأخير النبي قد
لصلاة العشاء سلفت ٢/ ٤٥٢ .
(٤) صحيح مسلم (٦٥٦)، وسلف ٤/ ١٨٠ - ١٨١، و٣٣٧/١٥.
(٥) سنن الترمذي (٢٢١)، وسنن أبي داود (٥٥٥)، وسلف ١٨١/٤.

٣١
سورة السجدة: الآية ١٦
أربعَ ركعاتٍ كنَّ له بمنزلةٍ ليلةِ القَدْر(١).
وجاءت آثارٌ حِسَانٌ في فَضْلِ الصلاة بين المغرب والعشاء وقيام الليل. ذكر ابن
المبارك قال: أخبرنا يحيى بن أيوب قال: حدَّثني محمد بن الحجاج - أو ابن أبي
الحجاج - أنه سمع عبد الكريم يحدِّث: أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((مَن ركع عَشْرَ
ركعاتٍ بين المغرب والعشاء بُنيَ له قصرٌ في الجنة)). فقال له عمر بن الخطاب:
إذاً تَكْثُر قصورُنا وبيوتُنا يا رسولَ الله؟ فقال رسول الله ﴾: «الله أكثرُ(٢) وأفضلُ))
أو قال: ((أَطيبُ))(٣).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: صلاةُ الأوَّابين الخلوةُ التي بين المغرب
والعشاء حتى يثوبَ الناس إلى الصلاة(٤).
وكان عبد الله بن مسعود يصلّي في تلك الساعةِ ويقول: [نِعْمَ] صلاةُ الغفلةِ بين
المغرب والعشاء؛ ذكره ابن المبارك(٥).
ورواه الثعلبيُّ مرفوعاً عن ابن عمر قال: قال النبيُّ﴾: ((مَن جَفَتْ جَنْباهُ عن
المَضَاجِع ما بينَ المغربِ والعشاءِ؛ بُنيَ له قصران في الجنة مسيرةً عام، وفيهما من
(١) ينظر ٣٣٧/١٥ - ٣٣٨.
(٢) في (د) و(م): أكبر.
(٣) الزهد لابن المبارك (١٢٦٤) دون قوله: أو ابن أبي الحجاج، وعبد الكريم هو ابن الحارث، وهذا
إسناد منقطع. كما أن محمد بن الحجاج اللخمي قال عنه البخاري: منكر الحديث. وقال ابن عدي: هو
وضع حديث الهريسة. وقال الدارقطني: كذاب. الميزان ٥٠٩/٣ .
(٤) الزهد لابن المبارك (١٢٦٠)، وفي إسناده موسى بن عبيدة بن نشيط، قال عنه الحافظ في التقريب:
ضعيف.
(٥) في الزهد (١٢٦١)، وما سلف بين حاصرتين منه. وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٤٧٢٥)، والطبراني في
الكبير (٩٤٥٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٣٠/٢: فيه جابر الجعفي، وفيه كلام كثير. اهـ وقال
عنه الحافظ في التقريب: ضعيف. وأخرجه الطبراني (٩٤٤٩) بإسناد آخر عن ابن مسعود. قال الهيثمي
في مجمع الزوائد ٢/ ٢٣٠: فيه ليث بن أبي سليم، وفيه كلام. اهـ وقال عنه الحافظ في التقريب:
صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فتُرك.

٣٢
سورة السجدة: الآية ١٦
الشجر ما لو نَزَلَها أهلُ المشرقِ والمغرب لأَوْسَعتْهم فاكهةً))(١). وهي صلاةُ الأوَّابين
وغَفْلة الغافلين، وإنَّ من الدعاء المستجابِ الذي لا يُردُّ الدعاءَ بين المغرب والعشاء.
فصل في فضل التَّجَافي: ذكر ابن المبارك عن ابن عباس قال: إذا كان يومُ
القيامة نادى منادٍ: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ الكَرَم؛ لِيَقُمِ الحامِدون لله على كلّ
حال. فيقومون فيُسَرَّحون إلى الجنة. ثم ينادي ثانيةً: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ
الكَرَمِ؛ لِيَقُمِ الذين كانت جنوبُهم تتجافَى عن المضاجع ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَا
رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾. قال: فيقومون فيُسَرَّحون إلى الجنة. قال: ثم ينادي ثالثةً: ستعلمون
اليوم مَن أصحابُ الكرم؛ لِيَقُمِ الذين كانوا ﴿لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامٍ
الصَّلَوةِ وَإِنَّاءِ الزَّكَوَةِ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٧]، فيقومون
فيسرَّحون إلى الجنة(٢).
ذكره الثعلبيُّ مرفوعاً عن أسماء بنتِ يزيد: قال النبيُّ ﴾: ((إذا جَمَعَ الله الأوَّلين
والآخِرِين يومَ القيامة جاء منادٍ فنادى بصوتٍ تسمعه الخلائقُ كلَّهم: سيعلم أهلُ
الجمع اليومَ مَن أَوْلى بالكَرَمِ، لِيَقُمِ الذين كانت تتجافى جنوبُهم عن المضاجع.
فيقومون وهم قليل، ثم ينادي الثانيةَ: ستعلمون اليوم مَن أوْلَى بالكرم؛ لَيَقُمِ الذين لا
تُلهِيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذِكْر الله. فيقومون، ثم ينادي الثالثةَ: ستعلمون اليوم مَن
أَوْلى بالكرم؛ لِيَقُم الحامِدون لله على كلِّ حال في السَّرَّاء والضرَّاء. فيقومون وهم
قليل، فيسرَّحون جميعاً إلى الجنة، ثم يحاسَبُ سائرُ الناس))(٣).
(١) لم نقف عليه.
(٢) الزهد (٣٥٣ - زوائد نعيم)، وأخرجه أيضاً الحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (١١٢٢)،
وحسن إسناده الحافظ في المطالب العالية ٣٧٥/٤ ، والسيوطي في الدر المنثور ٢٨٠/٤ .
(٣) أخرجه هناد في الزهد (١٧٦)، وأبو الليث في التفسير ٣/ ٣٠ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن
شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد به. وعبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعيف كما ذكر الحافظ
في التقريب. وأخرجه عبد بن حميد (١٥٨١) من طريق أبان بن أبي عياش عن شهر بن حوشب به. وأبان
متروك، كما ذكر الحافظ في التقريب. وأخرجه بنحوه الحاكم ٣٩٨/٢ - ٣٩٩ من طريق عبد الله بن =

٣٣
سورة السجدة: الآية ١٦
وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا مَعْمَر، عن رجل، عن أبي العلاء بن الشِّخِّير، عن
أبي ذرّ قال: ثلاثةٌ يَضْحَك الله إليهم ويَستبشرُ الله بهم: رجلٌ قام من الليل وترك
فراشَه ودِفْئه، ثم توضَّأ فأَحْسَنَ الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، فيقولُ الله لملائكته: ما
حَمَلَ عبدي على ما صَنَع؟ فيقولون: ربَّنا أنت أَعْلَمُ به منَّا. فيقول: أنا أعلمُ به ولكنْ
أَخْبِروني. فيقولون: رَجَيتَه شيئاً فَرَجَاه، وخوَّقْتَه فخافه. فيقول: أُشْهِدُكم أنِّي قد أَمَّنتُه
مما خاف، وأَوْجَبْتُ له ما رَجَاه. قال: ورجلٌ كان في سَرِيَّةٍ فلقيَ العدوَّ، فانهزم
أصحابه وثَبَتَ هو حتى يُقتَلَ أو يَفْتح الله عليهم، فيقول الله لملائكته مثلَ هذه القصة.
ورجل سَرَى في ليلةٍ، حتى إذا كان في آخر الليل نزل هو وأصحابه، فنام أصحابه
وقام هو يصلِّي، فيقول الله لملائكته ... )) وذكر القصة(١).
قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ في موضعِ نصبٍ على الحال، أي: داعِينَ. ويَحتَمِل
أن تكون صفةً مُستأنَفَةً، أي: تتجافى جنوبُهم وهم أيضاً في كلِّ حالٍ يدعون ربّهم
، مفعولٌ من أَجْلِه. ويجوز أن يكون مصدراً. ﴿وَطَمَعَاْ﴾
لَيْلَهم ونهارَهم(٢). و﴿خَوْقَا﴾
مثله، أي: خوفاً من العذاب، وطمعاً في الثواب. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ تكونُ
((ما)) بمعنى الذي، وتكونُ مصدراً، وفي كِلَا الوجهين يجب أن تكون منفصلةً من
(مِن))(٣).
= عطاء عن عقبة بن عامر عن النبي # وصححه. غير أن عبد الله بن عطاء لم يدرك عقبة بن عامر، كما
ذكر المِزِّي في تهذيب الكمال ١٥/ ٣١٢ .
(١) الزهد لابن المبارك (١٢١٢). وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٢٨٢) عن معمر، عن سعيد الجريري، عن أبي
العلاء به. وأخرجه بنحوه الطبراني مرفوعاً من حديث أبي الدرداء ﴾ كما في مجمع الزوائد ٢٥٥/٢.
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.
(٢) المحرر الوجيز ٤/ ٣٦٢ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٥/٣. و((ما)) في هذا الموضع موصولة بـ ((مِن)) في رسم المصحف، وذكر
أبو عمرو الداني في المقنع ص٦٩: أن ((من ما)) مقطوعة في ثلاثة مواضع: الآية (٢٥) من سورة
النساء، والآية (٢٨) من سورة الروم، والآية (١٠) من سورة المنافقين.

٣٤
سورة السجدة: الآيتان ١٦ - ١٧
و(يُنْفِقُون)) قيل: معناه الزكاةُ المفروضة. وقيل: النوافل، وهذا القولُ أَمْدَحُ(١).
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ تَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُ مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
قرأ حمزةُ: ﴿ما أُخْفيْ لهم﴾ بإسكان الياء. وفَتَحَها الباقون(٢). وفي قراءةٍ
عبد الله: ((ما نُخْفي)) بالنون مضمومة(٣). وروى المفضَّل عن الأعمش: ((ما يُخْفَى
لهم)) بالياء المضمومةِ وفَتْحِ الفاء(٤). وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة: ((مِن قُرَّاتٍ
أَعْيُنْ))(٥).
فَمَنْ أَسْكُنَ الياءَ مِن قوله: ((ما أُخِفِيْ)) فهو مستقبَلٌ، وألفُه ألفُ المتكلِّم، و((ما))
في موضعٍ نصبٍ بـ ((أُخفي)) وهي استفهام، والجملةُ في موضع نصب؛ لوقوعها موقعَ
المفعولَيْنِ (٦)، والضميرُ العائدُ على ((ما)) محذوف(٧).
ومَن فَتَح الياءَ فهو فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمفعول، و((ما)) في موضع رفعٍ بالابتداء،
والخبرُ ((أُخْفِيَ)) وما بعده، والضميرُ في ((أُخْفيَ)) عائدٌ على ((ما))(٨).
قال الزجَّاج: ويُقرأ: ((ما أَخْفَى لهم))، بمعنى: ما أَخْفَى الله لهم(٩). وهي قراءةُ
(١) المحرر الوجيز ٣٦٢/٤.
(٢) السبعة ص٥١٦، والتيسير ص ١٧٧.
(٣) القراءات الشاذة ص١١٨ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٦٢/٤ .
(٥) المحتسب ٢ /١٧٤ .
(٦) الكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن ٥٦٨/٢، والكشف عن وجوه القراءات ١٩٣/٢ - ١٩٤.
(٧) وهذا إذا جعلنا ((ما)) موصولة بمعنى الذي، فـ((ما) يجوز أن تكون استفهامية كما سلف، ويجوز أن
تكون موصولة ويكون العائد محذوفاً، والتقدير: أخفیه، وتكون ((ما)) في موضع نصب بـ ((تعلم)). مشكل
إعراب القرآن ٥٦٨/٢ - ٥٦٩، والمحرر الوجيز ٣٦٢/٤، والدر المصون ٨٧/٩ - ٨٨.
(٨) ويجوز في ((ما)) الوجهان على هذه القراءة أيضاً، فإن كانت استفهامية فهي في موضع رفع بالابتداء،
وإن كانت موصولة فهي في موضع نصب بـ ((تعلم))، والعائد هو الضمير المرفوع في ((أخفيّ)). ينظر
مشكل إعراب القرآن ٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩، والمحرر الوجيز ٣٦٢/٤ .
(٩) معاني القرآن للزجاج ٢٠٨/٤ .

٣٥
سورة السجدة: الآية ١٧
محمد بنِ كعب (١)، و((ما)) في موضعٍ نصب.
المهدوِيُّ: ومَن قرأ: ((قرَّات أعين)) فهو جمعُ قُرَّة، وحَسُنَ الجمعُ فيه لإضافته
إلى جمع، والإفرادُ لأنَّه مصدر، وهو اسمٌ للجنس.
وقال أبو بكر الأنبارِيُّ: وهذا غيرُ مخالفٍ للمصحف؛ لأنَّ تاء ((قُرَّة)) تكتَبُ تاءً
على لغةٍ مَن يُجري الوصلَ على الوقف، كما كتبوا: ((رحمت الله)) بالتاء. ولا يُستنكر
سقوطُ الألفِ من ((قُرَّات)) في الخطّ، وهو موجودٌ في اللَّفْظ، كما لم يُستنكّر سقوط
الألف من السماوات، وهي ثابتةٌ في اللسان والنُّطق.
والمعنى المرادُ: أنه أَخبر تعالى بما لهم من النعيم الذي لم تَعْلَمْه نفسٌ ولا بشرٌ
ولا مَلَك. وفي معنى هذه الآيةِ قال النبيُّ ﴾: ((قال الله عزَّ وجلَّ: أعْدَدْتُ لعبادي
الصَّالحينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خَطَر على قَلْبٍ بشر)» ثم قرأ هذه
الآية: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ﴾. خرَّجه الصَّحيح
من حديثٍ سهل بن سعد الساعديّ(٢).
وقال ابن مسعود: في التوراة مكتوبٌ: على الله للذين تتجافى جنوبُهم عن
المضاجع ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعتْ، ولا خَطَرَ على قلبٍ بشر(٣). وقال ابن
عباس: الأمرُ في هذا أجلُّ وأعظمُ من أن يُعرف تفسيره(٤).
قلت: وهذه الكرامةُ إنَّما هي لأعلى أهلِ الجنة منزلاً، كما جاء مبيّناً في
((صحيح)) مسلم(٥) عن المغيرة بنٍ شُعبةَ يرفعُه إلى رسول الله ﴾ قال: ((سأل موسى
(١) المحرر الوجيز ٣٦٢/٤.
(٢) صحيح مسلم (٢٨٢٥)، وهو عند أحمد (٢٢٨٢٦).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١١٢/١٣، والطبري ١٨/ ٦١٧ .
(٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٤٥٣/٣ .
(٥) برقم (١٨٩): (٣١٢).

٣٦
سورة السجدة: الآية ١٧
عليه السلام ربَّه فقال: يا ربِّ، ما أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً؟ قال: هو رجلٌ يأتي بعدما
يُدخَل أهلُ الجنة الجنةَ، فيقال له: ادخل الجنةَ. فيقول: أيْ ربّ، كيف وقد نَزَل
الناس منازلهم وأخذوا أَخَذَاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثلُ مُلْكِ مَلِكٍ من
ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيتُ ربِّ! فيقول: لك ذلك ومثلُه معه ومثلُه ومثلُه ومثلُه
ومثلُهُ(١)، فقال في الخامسة: رضيتُ رَبِّ! فيقال: هذا لك وعَشَرةُ أمثاله، ولك ما
اشتهتْ نَفْسُك ولذَّتْ عينك. فيقول: رضيتُ رَبِّ! قال: رَبِّ، فأعلاهم منزلةً؟ قال:
أولئك الذين أردتُ؛ غَرَسْتُ كرامتَهم بيدي، وخَتمتُ عليها، فلم تَرَ عينٌ، ولم تسمع
أذنٌ، ولم يَخْطُرْ على قلب بشر)). قال: ((ومصداقُه من كتاب الله قوله تعالى: ﴿فَلاَ
تَعْلَمُ تَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾)). وقد رُوي عن المغيرة موقوفاً
قوله(٢).
وخرَّج مسلم أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((يقول الله تبارك
وتعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعَتْ، ولا خَطَرَ على
قلبٍ بشرٍ، ذُخْراً، بَلْهَ ما أَظْلَعَكُمْ [الله] عليه)) ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن
قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾(٣).
وقال ابن سيرين: المرادُ به: النظرُ إلى الله تعالى.
وقال الحسن: أَخْفَى القومُ أعمالاً، فأَخْفَى الله تعالى لهم ما لا عينٌ رَأَتْ ولا
أذنٌ سمعت (٤).
(١) في (ظ): ((ومثله معه)). في المواضع الأربعة.
(٢) صحيح مسلم (١٨٩): (٣١٣).
(٣) صحيح مسلم (٢٨٢٤): (٤) وما بين حاصرتين منه. وهو عند أحمد (١٠٠١٧)، والبخاري (٤٧٨٠).
قوله: بله، هو من أسماء الأفعال، بمعنى: دع واترك. والمعنى: دَعْ عنك ما أطلعكم الله عليه، فالذي
لم يطلعكم عليه أعظم. ينظر النهاية (بله)، وشرح النووي لصحيح مسلم ١٧/ ١٦٦ .
(٤) ذكره بنحوه الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٣٦٤ .

٣٧
سورة السجدة: الآية ١٨
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقَأْ لَّا يَسْتَوُنَ
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَفَمَّنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقَأْ لَّا يَسْتَوُنَ﴾ أي: ليس
المؤمنُ كالفاسق؛ فلهذا آتينا هؤلاء المؤمنين الثوابَ العظيم. قال ابن عباس وعطاء
ابن يسار: نزلت الآية في عليّ بن أبي طالب والوليد بنِ عُقبة بن أبي مُعَيْط، وذلك
أنهما تَلَاحَيًا، فقال له الوليد: أنا أَبْسَطُ منك لساناً، وأَحَدُّ سِناناً، وأَرَدُّ للكتيبة،
وروي: وأَمْلأُ في الكتيبة جسداً. فقال له عليٍّ: اسكتْ! فإنك فاسقٌ، فنزلت الآية(١).
وذكر الزجَّاج والنَّخَّاس أنها نزلت في عليٍّ وعُقبةَ بنِ أبي مُعَيْط؛ قال ابن
عطية(٢): وعلى هذا يَلزمُ أن تكون الآيةُ مكِّيَةً؛ لأنَّ عُقبة لم يكن بالمدينة، وإنما قُتل
في طريق مكةَ مُنْصَرَفَ رسولِ الله ◌ِ﴾ من بدر. ويُعترضُ القولُ الآخَرُ بإطلاق اسمٍ
الفسْقِ على الوليد. وذلك يَحتَمِلُ أن يكون في صدر إسلام الوليد لشيءٍ كان في نفسه،
أوْ لِمَا رُوي من نَقْلِه عن بني المُصْطَلِقِ ما لم يكن، حتى نزلت فيه: ﴿إِن جَءَكُ فَاسِقٌ
بِنَاٍ فَتَبَيَُّواْ﴾ [الحجرات: ٦] على ما يأتي في ((الحُجُرات)) بيانُه، ويَحتمِلُ أن تُظْلِقَ
الشريعة ذلك عليه؛ لأنه كان على طرفٍ ممَّا يتَّقى(٣)، وهو الذي شرب الخمر في
زمن عثمان ﴾، وصلَّى الصبحَ بالناس ثم التفتَ وقال: أتريدون أن أَزيدكم (٤)، ونحو
هذا ممَّا يطول ذِكْرهُ.
(١) أخرجه عن ابن عباس أحمد في فضائل الصحابة (١٠٤٣)، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٦٧-٣٦٨.
وأخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٧٩/٢ - ٥٨٠ دون تسمية علي ﴾ والوليد. وأخرجه عن عطاء
الطبري ٦٢٥/١٨ .
(٢) في المحرر الوجيز ٣٦٣/٤، وما قبله منه. وقول الزجاج في معاني القرآن ٢٠٨/٤ ، أما النحاس
فالذي ذكره في إعراب القرآن ٢٩٦/٣، وفي معاني القرآن ٣٠٧/٥: الوليد بن عقبة بن أبي معيط،
وليس عقبة بن أبي معيط.
(٣) في (د): نبغي، وفي (م) ومطبوع المحرر الوجيز: يبغي، ولم تجود في (خ)، وسقط هذا الموضع من
(ز)، والمثبت من (ظ).
(٤) أخرجه مسلم (١٧٠٧)، وأحمد (٦٢٤) و(١٢٣٠).

٣٨
سورة السجدة: الآيات ١٨ - ٢٠
الثانية: لمَّا قسم الله تعالى المؤمنين والفاسقين الذين فسَّقهم بالكفر - لأنَّ
التكذيب في آخر الآية يقتضي ذلك(١) - اقتضى ذلك نفيَ المساواة بين المؤمن
والكافر؛ ولهذا منع القِصَاص بينَهما؛ إذ مِن شَرْطِ وجوبِ القِصَاصِ المساواةُ بين
القاتل والمقتول. وبذلك احتجَّ علماؤنا على أبي حنيفةَ في قَتْلِه المسلمَ بالذِّمِّيّ. وقال:
أراد نَفْيَ(٢) المساواةِ هاهنا في الآخِرة في الثواب، وفي الدنيا في العدالة. ونحن
حَمَلْناه على عمومه، وهو أصحّ؛ إذ لا دليلَ يخصُّه؛ قاله ابن العربيّ(٣).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُنَ﴾ قال الزَّجَّاج وغيره: ((مَنْ)) يَصْلُح للواحد
والجمع (٤). النخَّاس(٥): لفظُ ((مَنْ)) يؤدِّي عن الجماعة، فلهذا قال: ((لا يستوون))؛
هذا قولُ كثيرٍ من النحويين. وقال بعضهم: ((لا يستوون)) لاثنين؛ لأنَّ (٦) الاثنين
جمع، لأنه واحدٌ جُمع مع آخر. وقاله الزجَّاج أيضاً. والحديثُ يدلُّ على هذا القول؛
لأنه عن ابن عباس وغيره قال: نزلت ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا﴾ في عليّ بن أبي طالب ﴾،
﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقَأْ﴾ في الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيْطَ (٧). وقال الشاعر:
(٨)
إذا ماتوا وصاروا فى القبورِ
أليس الموتُ بينهما سواءً.
قوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ فَلَهُمْ جَنَّتُ اَلْمَأْوَى نُزْلٌ بِمَا كَانُواْ
وَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَنَّهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَدُوَاْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا
١٩
يَعْمَلُونَ
وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنْتُم بِهِ، تَكَذِّبُونَ
قوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ جَنَّتُ الْمَأْوَى﴾ أَخبر عن مَقَرِّ
(١) يعني في آخر الآية (٢٠).
(٢) في (د) و(ظ): بنفي.
(٣) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٩٠ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٠٨/٤ .
(٥) في إعراب القرآن ٢٩٦/٣ .
(٦) في إعراب القرآن: إلا أن، بدل: لأن.
(٧) سلف في المسألة الأولى.
(٨) سلف ٦/ ١٢١.

٣٩
سورة السجدة: الآيات ١٩ - ٢١
الفريقين غداً؛ فللمؤمنين جناتُ المأوى، أي: يأوون إلى الجنات، فأضاف الجناتِ
إلى المأوى؛ لأنَّ ذلك الموضع يتضمَّن جنات. ﴿نُزْلًا﴾ أي: ضيافة. والنُّزُلُ: ما يُهيَّأ
للنازِلِ والضَّيف. وقد مضى في آخِر ((آل عمران)»(١) وهو نصبٌ على الحال من
الجنات، أي: لهم الجناتُ معدَّةً، ويجوز أن يكون مفعولاً له.
﴿وَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أي: خرجوا عن الإيمان إلى الكفر ﴿فَأْوَنُهُمُ النَّارُ﴾ أي:
مُقامُهم فيها. ﴿ كُلَّمَّ أَرَدُوّْ أَنْ يَخْرُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ أي: إذا دَفَعهم لهبُ النار إلى
أعلاها رُدُوا إلى موضعهم فيها؛ لأنهم يطمعون في الخروج منها. وقد مضى هذا في
((الحج))(٢).
﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ أي: يقول لهم خَزَنةُ جهنم، أو يقول الله لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ
الَّذِى كُتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ﴾ والذوق يُستعمل محسوساً ومعنّى. وقد مضى في هذه السورة
بيانُهُ(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ
٢١
قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَتَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ﴾ قال الحسنُ وأبو العاليةِ والضحَّاك
وأَبَيّ بن كعب وإبراهيم النَّخَعيُّ: العذابُ الأدنى: مصائبُ الدنيا وأسقامُها مما يُبْتَلَى
.(٥)
. وعنه أيضاً : أنه الحدود
(٤)
به العبيد حتى يتوبوا. وقاله ابن عباس
(١) ٥/ ٤٨٢ - ٤٨٣.
(٢) ١٤/ ٣٤٥ .
(٣) ص٢٦ و٢٧ من هذا الجزء.
(٤) أخرج قولهم الطبري ٦٢٧/١٨ - ٦٢٩، وأخرجه بنحوه عن أبيٍّ أيضاً مسلم (٢٧٩٩)، وعبد الله بن
أحمد في زوائده على المسند (٢١١٧٣).
(٥) أخرجه الطبري ٦٢٩/١٨. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦٣/٤: ويتجه على هذا التأويل أن
تكون في فَسَقَّة المؤمنين.

٤٠
سورة السجدة: الآيتان ٢١ - ٢٢
وقال ابن مسعود والحسين بن عليٍّ وعبد الله بن الحارث: هو القتلُ بالسيف
يومَ بدر(١).
وقال مقاتل: الجوعُ سبعَ سنين بمكة حتى أكلوا الجِيَفَ(٢)؛ وقاله مجاهد(٣).
وعنه أيضاً: العذاب الأدنى: عذابُ القبر، وقاله البراء بن عازب (٤)، قالوا:
والأكبرُ: عذابُ يوم القيامة؛ قال القُشَيريُّ: وقيل: عذاب القبر، وفيه نظر؛ لقوله:
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: ومَن حَمَل العذابَ على القتل قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
أي: يرجع مَن بقيَ منهم. ولا خلافَ أنَّ العذاب الأكبر عذابُ جهنّم، إلَّا ما روي عن
جعفر بن محمد: أنه خروجُ المهديِّ بالسيف، والأدنى غلاءُ السعر(٥).
وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ على قولِ مجاهدٍ والبراء: أي:
لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه؛ كقوله: ﴿فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا﴾ [السجدة: ١٢]،
وسُمِيتْ إرادةُ الرجوعِ رجوعاً كما سُمِّيتْ إرادة القيام قياماً في قوله تعالى: ﴿إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾، ويدلُّ عليه قراءةُ مَن قرأ: ((يُرْجَعُون)) على البناء للمفعول؛ ذكره
الزَّمَخْشري(٦).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَاْ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
(٢٢)
مُنْتَقِمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحدَ أَظْلَمُ لنفسه ﴿مِمَّن ذُكِرَ بِثَيَتِ رَيِّهِ﴾
(١) أخرج قولهم الطبري ٦٢٩/١٨ - ٦٣٠، وفيه: الحسن بن علي، بدل: الحسين، وكذلك وقع في
المحرر الوجيز ٣٦٣/٤ .
(٢) ذكره البغوي ٣/ ٥٠٢ .
(٣) أخرجه الطبري ١٨/ ٦٣٠ بلفظ: القتل والجوع لقريش في الدنيا.
(٤) النكت والعيون ٣٦٥/٤، وأخرجه عن مجاهد الطبري ١٨/ ٦٣١.
(٥) ذكره عن جعفر الصادق الماورديُّ في النكت والعيون ٣٦٥/٤ .
(٦) في الكشاف ٢٤٥/٣ .