Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سورة الروم: الآيتان ٣٩ - ٤٠
((النساء))(١). ﴿وَمَآ ءَانَيْتُم مِّنْ زَكَوْقَ﴾ قال ابن عباس: أي: من صدقة(٢). ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ
اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ أي: ذلك الذي يقبله ويضاعفه له عشرةَ أضعافه أو أكثر، كما
قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُو أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥]،
وقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ
جَنَِّمٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقال: ﴿فَأُوْلَِّكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ولم يقُلْ: فأنتم
المضعفون؛ لأنه رجعَ من المخاطبة إلى الغيبة؛ مثل قوله: ﴿حَتَّ إِذَا كُتُمْ فِي الْفُلْكِ
وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢].
وفي معنى المُضْعِفِين قولان: أحدهما ــ أنه تُضاعف لهم الحسنات كما ذكرنا.
والآخر - أنهم قد أُضِعفَ لهم الخير والنعيم، أي: هم أصحابُ أضعاف، كما يُقال:
فلانٌ مُقْوٍ إذا كانت إِلُه قويةً، أَوْلَه أصحابٌ أقوياء(٣). ومُسْمِنٌ إذا كانت إبلُه سِماناً،
ومُعْطِشٌ إذا كانت إبلُه ◌ِطَاشاً، ومُضعِفٌ إذا كانت إبلُه ضعيفةً؛ ومنه قولُ النبيِّ ﴾:
((اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من الخبيثِ المُخْبِثِ الشيطانِ الرجيم)) (٤). فالمُخبِثُ: الذي
أصابه خبث، يقال: فلانٌ رديء أي هو رَدِيء في نفسه. ومُرْدِئ: أصحابُه أردِئاء(٥).
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن
شُرَّكَبِكُمْ مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
٠
قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ ابتداءٌ وخبر. وعادَ الكلامُ إلى الاحتجاج على
(١) ٧ / ١٧٢ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ٢٦٦/٥، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١٠٣/٢ - ١٠٤، والطبري
٥٠٧/١٨ - ٥٠٨ ٠
(٣) إعراب القرآن ٣/ ٢٧٤.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٢٩٩) من طريق عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي
أمامة ﴾ مرفوعاً. قال البوصيري: إسناده ضعيف؛ قال ابن حبان: إذا اجتمع في إسناد خبرٍ عبيد اللـه
ابن زَحر وعلي بن يزيد والقاسم، فذاك مما عملته أیدیھم.
(٥) إعراب القرآن ٣/ ٢٧٤ ببعضه.

٤٤٢
سورة الروم: الآيتان ٤٠ - ٤١
المشركين، وأنه الخالقُ الرازقُ المميتُ المُحيي. ثم قال على جهة الاستفهام: ﴿هَلْ
مِنْ شُرَّكَآَيَكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّنْ شَىْءٌ﴾ لا يفعل. ثم نزَّه نفسَه عن الأنداد والأضداد
والصاحبة والأولاد بقوله الحق: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وأضافَ الشركاءَ
إليهم لأنهم كانوا يسمُّونهم بالآلهة والشركاء، ويجعلون لهم من أموالهم.
قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم
بَعْضَ اُلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ
٤١
قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ اختلف العلماء في معنى الفسادِ والبرِّ
والبحر، فقال قتادة والسُّدِّي: الفساد: الشرك، وهو أعظم الفساد (١). وقال ابن عباس
وعِكرمة ومجاهد: فسادُ البَرِّ قتلُ ابنِ آدم أخاه؛ قابيلُ قتلَ هابيل. وفي البحر بالْمَلِك
الذي كان يأخذ كلَّ سفينةٍ غصباً (٢). وقيل: الفسادُ: القحطُ وقِلَّةُ النبات وذهابُ
البركة(٣). ونحوه قال ابن عباس قال: هو نقصانُ البركة بأعمال العباد كي يتوبوا. قال
النخَّاس: وهو أحسن ما قيل في الآية (٤). وعنه أيضاً: أنَّ الفساد في البحر: انقطاعُ
صيدِه بذنوب بني آدم(٥). وقال عطية: فإذا قلَّ المطرُ قَلَّ الغَوْصُ عنده، وأخفقَ
الصيادون، وعميت دوابُّ البحر(٦). وقال ابن عباس: إذا مطرتِ السماءُ تفتحتٍ
الأصدافُ في البحر، فما وقع فيها من السماء فهو لؤلؤ(٧). وقيل: الفسادُ: كسادُ
الأسعار وقِلَّةُ المعاش. وقيل: الفسادُ: المعاصي وقطعُ السبيل والظلم(٨)، أي: صار
(١) زاد المسير ٣٠٥/٦ .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٦٤، والطبري ٥١١/١٨ - ٥١٢ عن مجاهد، وهو كذلك في معاني القرآن
للنحاس ٢٦٦/٥، وذكره الزمخشري في الكشاف ٢٢٤/٣ عن ابن عباس ﴾.
(٣) الوسيط ٤٣٥/٣، والوجيز على هامش مراح لبيد ١٦٧/٢.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٢٦٦/٥ .
(٥) المحرر الوجيز ٣٤٠/٤ .
(٦) تفسير أبي الليث ١٤/٣، وزاد المسير ٣٠٦/٦ مختصراً، وكذلك أخرجه الطبري ٥١٢/١٨ .
(٧) أخرجه الطبري ٢٠٨/٢٢ - ٢٠٩ .
(٨) إعراب القرآن ٢٧٥/٣.

٤٤٣
سورة الروم: الآية ٤١
هذا العملُ مانعاً من الزرع والعمارات والتجارات، والمعنى كلُّه متقارب. والبرُّ
والبحرُ هما المعروفان المشهوران في اللغة وعند الناس، لا ما قاله بعض العُبَّاد: أنَّ
البرَّ اللسانُ، والبحرَ القلبُ؛ لظهور ما على اللسان وخفاءِ ما في القلب. وقيل: البَرُّ :
الفَيافي، والبحر: القُرى. قاله عكرمة. والعرب تسمِّي الأمصارَ البحار. وقال قتادة:
البَرُّ: أهل العمود، والبحر: أهل القرى والريف. وقال ابن عباس: إنَّ البرَّ ما كان من
المدن والقرى على غير نهر، والبحر ما كان على شطّ نهر (١). وقاله مجاهد؛ قال: أما
واللهِ ما هو بحرُكم هذا، ولكن كلُّ قريةٍ على ماءٍ جارٍ فهي بحر (٢). وقال معناه
النخَّاس؛ قال: في معناه قولان: أحدهما - ظهر الجَدْب في البر، أي: في البوادي
وقُراها، وفي البحر أي: في مدن البحر، مثل: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. أي:
ظهر قِلَّةُ الغيث وغلاءُ السعر . ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ﴾ أي: عقاب
بعض ﴿الَّذِى عَيِلُواْ﴾ ثم حذف. والقول الآخر - أنه أظهرتِ المعاصي مِنْ قطع السبيل
والظلم، فهذا هو الفساد على الحقيقة، والأوَّلُ مجاز إلا أنه على الجواب الثاني،
فيكون في الكلام حذفٌ واختصارٌ دَلَّ عليه ما بعده، ويكون المعنى: ظهرتِ المعاصي
في البَرِّ والبحر، فحبس اللهُ عنهما الغيثُ، وأغلى سعرهم؛ ليذيقهم عقابَ بعضٍ
الذي عملوا . ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لعلَّهم يتوبون(٣). وقال: ﴿بَعْضَ الَّذِى عَيِلُواْ﴾ لأنَّ
معظمَ الجزاء في الآخرة.
والقراءة ((لِيُذِيقَهُمْ)) بالياء. وقرأ ابن عباس بالنون، وهي قراءة السُّلَمي وابن
مُحَيْصِن وقُنْبُل ويعقوب على التعظيم، أي: نُذيقهم عقوبةَ بعض ما عملوا (٤).
(١) النكت والعيون ٤/ ٣١٧ - ٣١٨.
(٢) أخرجه الطبري ٥٨٣/٣ و٥١٠/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٩٣١).
(٣) إعراب القرآن ٣/ ٢٧٥ .
(٤) زاد المسير ٣٠٦/٦ عنهم وعن عكرمة وقتادة، والمحرر الوجيز ٤/ ٣٤٠ عن قنبل والسلمي والأعرج.
ورواية قنبل عن ابن كثير في السبعة ص ٥٠٧ ، والتيسير ص ١٧٥. وقراءة يعقوب وهو من العشرة في
رواية روح عنه في النشر ٣٤٥/٢ .

٤٤٤
سورة الروم: الآيتان ٤٢ - ٤٣
قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيْرُواْ فِ الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُّ كَانَ
﴾
٤٢
أَكْثَرُهُم مُشْرِكِينَ
قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: قل لهم يا محمد: سيروا في الأرض
ليعتبروا بمَنْ قبلهم، وينظروا كيف كان عاقبةُ مَنْ كذَّب الرسل ﴿ كَانَ أَكْثَرُهُم
مُشْرِكِينَ﴾ أي: كافرين فأُهلِكوا.
قوله تعالى: ﴿فَأَقِّمْ وَجْهَكَ لِلِّينِ الْقَيِِّ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ
(٤٣
يَوْمِذٍ يَصَّدَعُونَ
﴾
قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلذِّينِ الْقَبِّمِ﴾ قال الزجَّاج: أي: أَقِمْ قصدَك، واجعل
جهتَك اتِّباعَ الدّين القيِّم، يعني الإسلام(١). وقيل: المعنى: أوضحِ الحقَّ، وبالِغْ في
الإعذار، واشتغِلْ بما أنت فيه، ولا تحزَنْ عليهم.
﴿مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لا يردُّه الله عنهم، فإذا لم يرُدَّه لم
يتهيَّأُ لأحدٍ دفْعُه. ويجوز عند غير سيبويه ((لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ)) وذلك عند سيبويه بعيد،
إلّا أن يكون في الكلام عطف(٢). والمراد يوم القيامة.
﴿يَوْمَبِذٍ يَصَدَّعُونَ﴾ قال ابن عباس: معناه: يتفرَّقون. وقال الشاعر:
من الدهرِ حتى قيلَ لن يتصدَّعا
وكُنَّا كنَدْمانَيْ جَذيمةً حِقْبةً
أي: لن يتفرَّقا؛ نظيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ﴾ فريقٌ في الجنَّةِ وفريقٌ في
السَّعير(٣). والأصل يتصدَّعون، ويقال: تصدَّع القومُ إذا تفرَّقوا؛ ومنه اشتُقَّ الصُّداعُ؛
لأنه يُفَرِّق شُعَبَ الرأس (٤).
(١) معاني القرآن للزجاج ٤ /١٨٨ .
(٢) إعراب القرآن ٢٧٦/٣ .
(٣) النكت والعيون ٣١٨/٤ - ٣١٩، والبيت قائله متمم بن نويرة، وهو في المفضليات ص٢٦٧،
والشعر والشعراء ٣٣٨/١، والكامل ١٤٤٠/٣، وبهجة المجالس ٨٠٥/٢ .
(٤) إعراب القرآن ٢٧٦/٣ .

٤٤٥
سورة الروم: الآيات ٤٤ - ٤٦
33
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرَةٍ وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيَّهِ كُفْرٌَ﴾ أي: جزاء كفره(١). ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ
يَمْهَدُونَ﴾ أي: يوطّون لأنفسهم في الآخرة فراشاً ومسكناً وقراراً بالعمل الصالح(٢).
ومنه: مهدُ الصبيِّ. والمهادُ: الفراشُ، وقد مَهَدْتُ الفراشَ مَهْدًا: بسطتُه ووظَّأْتُه.
وتمهيدُ الأمور: تسويتُها وإصلاحُها. وتمهيدُ العُذرِ: بسطُه وقبولُه. والتمهُّد:
التمكُّن(٣). وروى ابن أبي نَجِيحِ عن مجاهد: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ قال: في القبر(٤).
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِن فَضْلِهِّ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْكَفِرِينَ
٤٥
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: يَمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله.
وقيل: يصَّدَّعون ليجزيهم الله، أي: ليميِّز الكافر من المسلم. ﴿إِنَُّ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَلِّ أَنْ يُرْسِلَ الْرِيَحَ مُبَشْرَتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ زَّحْمَتِهِ، وَلِنَجْرِىَ
الْقُلْكُ بِأَمْرِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ الْرِّيَاحَ مُبَشْرَةٍ﴾ أي: ومن أعلام كمال قدرته
إرسالُ الرياح مبشِّراتٍ، أي: بالمطر لأنها تتقدَّمه(٥). وقد مضى في ((الحِجر)) (٦) بيانه.
﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَّحْمَتِهِ﴾ يعني الغيث والخصب (٧). ﴿وَلِتَجْرِىَ اَلْفُلْكُ﴾ أي: في البحر عند
هبوبها. وإنما زاد ((بِأَمْرِهِ)) لأن الرياح قد تَهُبُّ ولا تكون مواتية، فلا بُدَّ من إرساء
(١) تفسير أبي الليث ١٤/٣، وزاد المسير ٣٠٧/٦ .
(٢) النكت والعيون ٣١٩/٤ عن يحيى بن سلام.
(٣) الصحاح (مهد).
(٤) أخرجه الطبري ٥١٦/١٨ - ٥١٧، وأبو نعيم في الحلية ٢٩٧/٣، والبيهقي في إثبات عذاب القبر
(١٥٥).
(٥) تفسير أبي الليث ١٥/٣.
(٦) ١٢ / ١٩٤ .
(٧) الوسيط ٤٣٦/٣، وزاد المسير ٣٠٨/٦.

٤٤٦
سورة الروم: الآيات ٤٦ - ٤٩
السفن والاحتيال بحبسها، وربما عصفت فأغرقَتْها بأمره. ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾
يعني الرزق بالتجارة (١) ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم بالتوحيد والطاعة. وقد مضى
هذا كلُّه مبيناً.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلَّا إِلَى قَوْمِهِمْ لَهُ وهُم بِالْبِيِنَتِ فَأَنْتَقَمْنَا مِنَ
٤٧
الَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (
﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًّا إِلَى قَوْمِم ◌َهُ وُهُرِ بَلْبَيْنَتِ﴾ أي: المعجزات
والحجج النيِّرات ﴿فَأْتَقَمْنَا﴾ أي: فكفروا فانتقمنا ممَّن كفر. ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ ((حقًّا)) نصب على خبر كان، و((نصر)) اسمها(٢). وكان أبو بكر يقف على
((حَقًّا)) أي: وكان عقابُنا حقًّا، ثم قال: ((علينا نصرُ المؤمنين)) ابتداء وخبر(٣)؛ أي:
أخبر بأنه لا يخلف الميعاد، ولا خُلْف في خبرنا.
ورُويَ من حديث أبي الدَّرداء، قال: سمعتُ النبيَّ ﴾ يقول: ((ما مِنْ مسلمٍ يَذُبُ
عن عرضٍ أخيه إلَّا كان حقًّا على اللهِ تعالى أن يَرُدَّ عنه نار جهنم يوم القيامة)) ثم تلا:
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ذكره النخَّاس والثعلبيُّ والزّمخشرِيُّ وغيرهم(٤).
قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ فَنُثِيرُ سَحَبًا فَيَبْسُطُهُ فِ السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَآءُ
وَيَجْعَلُمُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ ◌َِلِهِ، فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ
يَسْتَبْشِرُونَ ﴿٨ وَإِن كَانُوْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ ()
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ﴾ قرأ ابن مُحَيصن وابن كثير وحمزة
(١) الكشاف ٣/ ٢٢٥ .
(٢) إعراب القرآن ٢٧٦/٣ .
(٣) الكشاف ٢٢٥/٣ بمعناه.
(٤) إعراب القرآن ٢٧٦/٣، والكشاف ٢٢٥/٣ - ٢٢٦. وأخرجه الطبراني في مكارم الأخلاق (١٣٤)
والبغوي في تفسيره ٤٨٦/٣ من طريق ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن
أبي الدرداء ، به. ليث وشهر ضعيفان. وهو في مسند أحمد (٢٧٥٣٦) دون ذكر الآية.

٤٤٧
سورة الروم: الآيتان ٤٨ - ٤٩
والكسائي: ((الريح)) بالتوحيد. والباقون بالجمع(١). قال أبو عمرو: وكلُّ ما كان بمعنى
الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحَّد (٢). وقد مضى في ((البقرة))(٣)
معنى هذه الآية وفي غيرها.
((كِسَفًا)) جمع كِسْفة: وهي القطعة. وفي قراءة الحسن وأبي جعفر وعبد الرحمن
الأعرج وابن عامر ((كِسَفًا)) بإسكان السين، وهي أيضاً جمع كِسْفة؛ كما يقال: سِذْرة
وسِدْر؛ وعلى هذه القراءة يكون المُضمَرُ الذي بعده عائداً عليه، أي: فترى الودقَ -
أي المطر - يخرج من خلال الكِسَف؛ لأنَّ كلَّ جَمْع بینه وبین واحده الهاء لا غیر،
فالتذكيرُ فيه حَسَن. ومن قرأ: ((كِسَفًا)) فالمضمر عنده عائدٌ على السحاب. وفي
قراءة الضخَّاك وأبي العالية وابن عباس: ((فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ)) ويجوز أن
يكون خَلَل جمعَ خِلال(٤). ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ
يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بنزول المطر عليهم(٥).
﴿وَإِن كَانُوْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ﴾ أي: يائسين مكتئبين قد ظهر
الحزنُ عليهم لاحتباس المطرِ عنهم(٦). و((مِنْ قَبْلِهِ)) تكريرٌ عند الأخفش معناه التأكيد،
وأكثر النَّحويين على هذا القول. قاله النخَّاس. وقال قُظْرُب: إن ((قبل)) الأولى للإنزال
(١) السبعة ص ١٧٢ ، والتيسير ص ٧٨ سوى قراءة ابن محيصن.
(٢) ذكره النحاس في معاني القرآن ٣٣/٥ دون نسبة، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٣١٩/٤ ونسبه
إلى أبي بن كعب ـ
(٣) ٤٩٩/٢ - ٥٠٢ .
(٤) إعراب القرآن ٢٧٦/٣ - ٢٧٧. وقراءة: ((كِسْفاً)) بسكون السين عن ابن عامر برواية هشام عنه في
السبعة ص ٥٠٨ ، والتيسير ص ١٧٥ وعن أبي جعفر وهو من العشرة في النشر ٣٤٥/٢ . وقراءة:
((يخرج من خَلَله) في المحتسب ١٦٤/٢ عن ابن عباس والضحاك والحسن، والمحرر الوجيز ٣٤٢/٤
بمثله وزاد في نسبتها إلى علي، وزاد المسير ٣٠٩/٦ عن ابن عباس وأبي العالية وزاد في نسبتها إلى ابن
مسعود ومجاهد، وهي قراءة شاذة.
(٥) تفسير أبي الليث ١٥/٣ .
(٦) تفسير الطبري ١٨/ ٥٢١.

٤٤٨
سورة الروم: الآيات ٤٩ - ٥٠
والثانية للمطر، أي: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: المعنى: من قبل
تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع، ودلَّ على الزرع المطرُ؛ إذ بسببه يكون. ودلَّ عليه
أيضاً ﴿فَرَأَوَهُ مُصْفَرًّا﴾ على ما يأتي. وقيل: المعنى: من قبل السحاب من قبل رؤيته.
واختار هذا القول النخَّاس، أي: من قبل رؤية السحاب ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أي: ليائسين.
وقد تقدَّم ذِكْرُ السَّحاب(١).
قوله تعالى: ﴿فَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنَاْ إِنَّ
ذَلِكَ لَمُحِى أَلْمَوْقِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾
قوله تعالى: ﴿فَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ يعني المطر (٢)، أي: انظروا نظرَ
استبصارٍ واستدلال، أي: استدِلُّوا بذلك على أنَّ من قدِرَ عليه قادرٌ على إحياء
الموتى.
وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي: ((آثَارِ)) بالجمع. الباقون بالتوحيد؛ لأنه
مضافٌ إلى مفرد. والأثرُ فاعل ((يُحْيِي))، ويجوز أن يكون الفاعلُ اسمَ الله عزَّ وجلَّ.
ومن قرأ: ((آثَارِ)) بالجمع فلأنَّ رحمةَ الله يجوز أن يُرادَ بها الكثرة، كما قال تعالى:
﴿وَإِن تَعُذُوا نِعْمَتَ الهِ لَا تُخْصُوهَا﴾ (٣) [إبراهيم: ٣٤]. وقرأ الجَحدرِيُّ وأبو حَيوة
وغيرهما: (كَيْفَ تُحْيي الأرضَ)) بتاء، ذهب بالتأنيث إلى لفظ الرحمة؛ لأنَّ أثرَ
الرحمة يقومُ مقامَها فكأنه هو الرحمة، أي: كيفَ تُحيي الرحمةُ الأرضَ أوِ الآثارُ.
و ((يُحيي)) أي: يُحيي اللهُ عزَّ وجلَّ، أو المطرُ أو الأثرُ فيمن قرأ بالياء. و﴿كَيْفَ يُحِى
اُلْأَرْضَ﴾ في موضع نصبٍ على الحال على الحمل على المعنى؛ لأنَّ اللفظَ لفظُ
الاستفهام، والحالَ خبرٌ؛ والتقدير: فانظر إلى أثر رحمة الله مُحييةً للأرض بعد
(١) معاني القرآن للنحاس ٢٦٨/٥ - ٢٦٩ دون قوله: وقيل: المعنى من قبل تنزيل الغيث ... إلى قوله:
على ما يأتي. وكلام الأخفش في معاني القرآن له ٢/ ٦٥٨. وذكر السحاب سلف ٥٠٢/٢ - ٥٠٤ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ٢٦٩/٥، والمحرر الوجيز ٣٤٢/٤.
(٣) الحجة للقراء السبعة ٤٤٨/٥ - ٤٤٩، وينظر السبعة ص ٥٠٨، والتيسير ص ١٧٥ .

٤٤٩
سورة الروم: الآيات ٥٠ - ٥٣
موتها(١). ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْقِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ استدلالٌ بالشاهد على
الغائب.
قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًا لَّظَلُواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ
٥١
قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَرْسَلْنَا رِيْحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ يعني الريح، والريح يجوز تذكيرُه.
قال محمد بن يزيد: لا يمتنعُ تذكيرُ كلِّ مؤنثٍ غيرِ حقيقي، نحو أعجبني الدارُ وشبهه.
وقيل: فرأوا السحاب. وقال ابن عباس: الزرع، وهو الأثر. والمعنى: فرأوا الأثرَ
مصفرًّا، واصفرارُ الزرع بعد اخضراره يدلُّ على يبسه، وكذا السحاب يدلُّ على أنه لا
يمطر، والريح على أنها لا تُلقح. ﴿لَّظَلُّواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ﴾ أي: لَيَظَلُّنَّ؛ وحَسُنَ
وقوعُ الماضي في موضع المستقبل لِما في الكلام من معنى المجازاة، والمجازاة لا
تكونُ إلَّا بالمستقبل. قاله الخليل وغيره(٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَى وَلَا تُسْمِعُ الضُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِينَ
﴾
٥٢
وَمَآ أَنْتَ بِهَدِ الْعُمِ عَن ضَلَئِهِمَّ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا فَهُم ◌ُسْلِمُونَ
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى﴾ أي: وَضَحتِ الحُججُ يا محمد؛ لكنَّهم
لإِلْفِهم تقليد الأسلاف في الكفر ماتت عقولُهم وعمِيت بصائرُهم، فلا يتهيَّأْ لكَ
إسماعُهم وهدايتُهم. وهذا ردِّ على القدرية. ﴿إِن تُبْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِحَايَيْنَا﴾ أي: لا
تُسمع مواعظَ الله إلَّا المؤمنين الذين يُصغون إلى أدلة التوحيد وخَلقتُ لهم الهدايةَ.
وقد مضى هذا في ((النمل))(٣) ووقع قولُه ﴿بِهَدِ الْعُمْىِ﴾ هنا بغير ياء(٤).
(١) المحتسب ١٦٥/٢، ونسب قراءة: ((كيف تُحيي الأرض)) أيضاً إلى محمد بن السَّميفع، وذكرها ابن
الجوزي في زاد المسير ٦/ ٣١٠ ونسبها إلى عثمان بن عفان وأبي رجاء وأبي عمران الجوني وسليمان
التيمي، وهي قراءة شاذة.
(٢) إعراب القرآن ٢٧٦/٣ - ٢٧٧ دون قوله: واصفرار الزرع ... إلى قوله: لا تلقح.
(٣) ١٦/ ٢٠٧ .
(٤) الحجة في القراءات لابن زنجلة ص ٥٣٧ .

٤٥٠
سورة الروم: الآية ٥٤
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ
مِنْ بَعْدِ قُوَّقٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَةٌ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾ ذکر استدلالاً آخر على قدرته في نفس
الإنسان ليعتبر. ومعنى: ((مِنْ ضَعْفٍ)) من نطفةٍ ضعيفة. وقيل: ((مِنْ ضَعْفٍ)) أي: في
حال ضعف، وهو ما كانوا عليه في الابتداء من الطفولة والصغر. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ
ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ يعني الشبيبة. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقٍ ضَعْفًا﴾ يعن الهرم(١).
وقرأ عاصم وحمزة بفتح الضاد فيهنَّ، الباقون بالضم، لغتان، والضمُّ لغة
النبيِّ ﴾(٢). وقرأ الجَحدرِيُّ: ((من ضَعْفٍ ثم جعل من بعد ضَعْفٍ)) بالفتح فيهما،
((ضُعْفًا)) بالضمِّ خاصةً؛ أراد أن يجمع بين اللغتين(٣). قال الفرَّاء: الضم لغة قريش،
والفتح لغة تميم (٤). الجوهري: الضَّعْف والضُّعْف: خلاف القوّة(٥). وقيل: الضَّعفُ
بالفتح في الرأي، وبالضمِّ في الجسد (٦)؛ ومنه الحديث في الرجل الذي كان يُخدَعُ
في البيوع ... أنه يبتاع وفي عقُدَتِهِ ضُعف(٧).
﴿وَشَيْبَةٌ﴾ مصدر كالشَّيب، والمصدر يصلح للجملة، وكذلك القول في الضعف
والقوّة. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ يعني: من قوَّةٍ وضعف. ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بتدبيره ﴿اَلْقَدِيرُ﴾
على إرادته.
وأجاز النَّحْويون الكوفيون ((من ضَعَفٍ)) بفتح العين، وكذا كلُّ ما كان فيه حرفٌ
(١) تفسير الطبري ٥٢٥/١٨ - ٥٢٦ بمعناه.
(٢) الحجة للقراء السبعة ٥/ ٤٥٠، وينظر السبعة ص ٥٠٨، والتيسير ص ١٧٥ - ١٧٦ .
(٣) ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٤٣/٤ عن الجحدري وأبي عبد الرحمن والضحاك عكس ذلك بأنهم
ضمُّوا الضاد في الأول والثاني وفتحوا ((ضعفاً)).
(٤) زاد المسير ٣٧٨/٣ .
(٥) الصحاح (ضعف).
(٦) تهذيب اللغة ١/ ٤٨٢ .
(٧) سلف ٤/ ٤٣٥ و٦٦/٦ .

٤٥١
سورة الروم: الآيتان ٥٤ - ٥٥
من حروف الحلق ثانياً أو ثالثاً (١).
قوله تعالى: ﴿وَبَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُفْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِئُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ
٥٥
كَانُواْ يُؤْفَكُونَ
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: يحلف المشركون(٢). ﴿مَا
لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ليس في هذا ردِّ لعذاب القبر؛ إذ كان قد صحَّ عن النبيِّ ﴾ من غير
طريقٍ أنه تعوَّذ منه، وأمر أن يُتعوَّذ منه، فمن ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود قال:
سمع النبيُّ ﴾ أمَّ حبيبة وهي تقول: اللَّهُمَّ أمتعني بزوجي رسولِ الله، وبأبي أبي
سفيان، وبأخي معاوية. فقال لها النبيُّ ﴾: ((لقد سألتِ اللهَ لآجالٍ مضروبةٍ، وأرزاقٍ
مقسومة، ولكن سلِيه أن يُعيذَكِ من عذاب جهنّم وعذابِ القبر» في أحاديثَ مشهورةٍ
خرَّجها البخاريُّ ومسلم وغيرهما(٣). وقد ذكرنا منها جملةً في كتاب ((التذكرة)) (٤).
وفي معنى: ﴿مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ قولان: أحدهما - أنه لا بُدَّ من خمدةٍ قبل يوم
القيامة، فعلى هذا قالوا: ما لَبِثنا غيرَ ساعةٍ. والقول الآخر - أنهم يَعنون في الدنيا
لزوالها وانقطاعها، كما قال تعالى: ﴿كَهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَ يَلْبُوْلُقُ ◌َءُ مُحَـ
[النازعات: ٤٦] كأن لم يلبثوا إلَّا ساعةً من نهار، وإن كانوا قد أقسموا على غيبٍ وعلى
غيرٍ ما يدرون؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُنَ﴾ أي: كانوا يكذبون في
الدنيا(٥)؛ يقال: أُفِكَ الرجلُ إذا صُرِفَ عن الصِّدقِ والخير، وأرضٌ مأفوكة: ممنوعةٌ
من المطر(٦).
(١) إعراب القرآن ٢٧٨/٣ .
(٢) زاد المسير ٣١١/٦ .
(٣) إعراب القرآن ٢٧٩/٣، والحديث الذي ذكره المصنف أخرجه أحمد (٣٧٠٠)، ومسلم (٢٦٦٣).
ووقع في النسخ سوى (ظ): خرجها مسلم والبخاري وغيرهما.
(٤) ص ١١٥ و١٤٢ .
(٥) إعراب القرآن ٢٧٩/٣ .
(٦) معاني القرآن للنحاس ٢٧٢/٥ .

٤٥٢
سورة الروم: الآيتان ٥٥ -٥٦
وقد زعمَ جماعةٌ من أهل النظر أنَّ القيامة لا يجوز أن يكون فيها كَذِبٌ لما هم
فيه، والقرآن يدلُّ على غير ذلك؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ كَذَِّكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ أي:
كما صُرِفوا عن الحقِّ في قَسَمِهم أنهم ما لَبِثوا غيرَ ساعةٍ كذلك كانوا يُصرفون عن
الحقِّ في الدنيا، وقال جلَّ وعزَّ: ﴿يَوْمَ يَبْعَّهُمُ اللَّهُ حَمِيعًا فَيَبْلِفُونَ لَهُ كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ
أَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَّ إِنَهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] وقال: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَئُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُواْ
وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. أَتُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ﴾(١) [الأنعام: ٢٣ -٢٤].
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اَللَّهِ إِلَى يَوْمِ
الْبَعْثِّ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
٢٥٦)
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيَنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ﴾
اختُلِفَ في الذين أوتوا العلم، فقيل: الملائكة. وقيل: علماء الأمم. وقيل: مؤمنو
هذه الأمة. وقيل: جميع المؤمنين(٢). أي: يقول المؤمنون للكفار ردًّا عليهم: لقد
لِثُم في قبوركم إلى يوم البعث(٣). والفاء في قوله: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ جوابٌ لشرطٍ
محذوفٍ دلَّ عليه الكلام؛ مجازه: إن كنتم مُنكرين البعث فهذا يوم البعث(٤). وحكى
يعقوب عن بعض القُرَّاء - وهي قراءة الحسن - ((إلى يوم البَعَث)) بالتحريك، وهذا ممَّا
فيه حرفٌ من حروف الحلْق(٥). وقيل: معنى ﴿فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾: في حكم الله. وقيل:
في الكلام تقديمٌ وتأخير، أي: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإيمانَ: لقد
(١) إعراب القرآن ٢٧٩/٣ ببعضه.
(٢) زاد المسير ٩٧/٥ و٣١٢/٦ و٤٠٢/٧، ومجمع البيان ٤٢/٢١. وذكر الماوردي في النكت والعيون
٣٢٣/٤ القول الأول ونسبه للكلبي.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٢٧٢/٥.
(٤) الكشاف ٣/ ٢٢٧ .
(٥) إعراب القرآن ٢٧٩/٣ دون نسبة القراءة إلى الحسن، وقد نُسبت إليه في المحتسب ١٦٦/٢،
والكشاف ٢٢٧/٣ ، وهي قراءة شاذة.

٤٥٣
سورة الروم: الآيات ٥٦ - ٦٠
لبثتُم إلى يوم البعث. قاله مقاتل وقتادة والسُّدِّي(١). القشيري: وعلى هذا ((أُوتُوا
الْعِلْمَ)) بمعنى كتاب الله. وقيل: الذين حكم لهم في الكتاب بالعلم ﴿فَهَكَذَا يَوْمُ
الْبَعْثِ﴾ أي: اليوم الذي كنتم تُنكرونه(٢).
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمِذٍ لَّا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
٥٧
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَيِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: لا ينفعهم العلمُ
بالقيامة ولا الاعتذارُ يومئذٍ (٣). وقيل: لمَّا ردَّ عليهم المؤمنون سألوا الرجوع إلى الدنيا
واعتذروا فلم يُعذَروا. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ أي: ولا حالُهم حالُ من يَستَعتِبُ
ويَرجع (٤)؛ يقال: استعتبتُه فأعتبني، أي: استرضيتُه فأرضاني(٥)، وذلك إذا كنتُ
جانياً عليه، وحقيقةُ أعتبتُه: أزَلْتُ عتبَه(٦). وسيأتي في ((فصلت))(٧) بيانُه. وقرأ عاصم
وحمزة والكسائي: ﴿فَيَوْمَيِذٍ لَّا يَنفَعُ﴾ بالياء، والباقون بالتاء(٨).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍّ وَلَيِن جِئْتَهُم
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ
(٥٨
بِئَايَةٍ لَّقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ
فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌُ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا
الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ))
يُوقِنُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: من كلِّ مَثَلٍ
(١) تفسير البغوي ٤٨٨/٣. وأخرجه الطبري ١٨ / ٥٢٧ عن قتادة.
(٢) زاد المسير ٣١٢/٦.
(٣) المحرر الوجيز ٣٤٤/٤، ومجمع البيان ٢١/ ٤٢ .
(٤) إعراب القرآن ٣/ ٢٨٠.
(٥) الصحاح (عتب).
(٦) الكشاف ٢٢٧/٣ .
(٧) عند تفسير الآية (٢٤).
(٨) السبعة ص ٥٠٩ ، والتيسير ص ١٧٦ .

٤٥٤
سورة الروم: الآيات ٥٨ - ٦٠
يدلُّهم على ما يحتاجون إليه، ويُنبِّههم على التوحيد وصِدْقِ الرسل(١). ﴿وَلَيِن جِئْتَهُم
بَِايَةٍ﴾ أي: معجزةٍ، كفلقِ البحر والعصا وغيرهما ﴿لَيّقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ أَنْتُمْ﴾ يا
معشر المؤمنين(٢) ﴿إِلَّ مُبْطِلُونَ﴾ أي: تتبعون الباطلَ والسحر.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما طبعَ اللهُ على قلوبهم حتى لا يفهموا الآياتِ عن الله،
فكذلك ﴿يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ اَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أدَّةَ التوحيد(٣).
﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ أي: اصبِرْ على أذاهم فإنَّ الله ينصرك (٤) ﴿وَلَا
يَسْتَخِقَنَّكَ﴾ أي: لا يستفِزَّنَّكَ عن دينك(٥) ﴿ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ قيل: هو النضر بن
الحارث. والخطاب للنبيِّ # والمراد أمتُه؛ يقال: استخَفَّ فلانٌ فلاناً أي: استجهلَه
حتى حمله على اتِّباعه في الغيِّ(٦). وهو في موضع جزم بالنهي، أُكِّد بالنون الثقيلة،
فُبُنِيَ على الفتح كما يُبنى الشيئانِ إذا ضُمَّ أحدُهما إلى الآخر. ﴿ الَِّينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ في
موضع رفع، ومن العرب من يقول: اللذون في موضع الرفع(٧). وقد مضى في
((الفاتحة))(٨).
(١) إعراب القرآن ٣/ ٢٨٠، ومجمع البيان ٤٢/٢١ .
(٢) الوسيط ٤٣٩/٣، وزاد المسير ٣١٢/٦.
(٣) الوجيز على هامش مراح لبيد ١٦٩/٢ .
(٤) مجمع البيان ٢١/ ٤٣ بمعناه.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٩٢.
(٦) تهذيب اللغة ٧/ ٩ .
(٧) إعراب القرآن ٣/ ٢٨٠ .
(٨) ٢٢٩/١ .

تفسير سورة لقمان
وهي مكية غير آيتين؛ قال قتادة: أولهما ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ اَلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾ إلى
آخر الآيتين. وقال ابن عباس: ثلاث آيات، أولهن ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾(١). وهي
أربعٌ وثلاثون آية(٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ ا
قوله تعالى: ﴿الّ ) تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ ﴿ هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ
اُلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿ أُوْلَكَ عَلَى
٣
هُدَى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿الّ. ◌ِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ﴾ مضى الكلام في فواتح السُّوَر.
و(تِلْكَ)) في موضع رفعٍ على إضمار مبتدأ، أي: هذه تلك. ويقال: «تِيكَ آیاتُ الکتاب
الحكيم)» بدلاً من تلك(٣). والكتاب: القرآن. والحكيم: المُحْكِم، أي: لا خللَ فيه
ولا تناقُض. وقيل: ذو الحكمة. وقيل: الحاكم(٤) ﴿هُدَى وَرَحْمَةٌ﴾ بالنصب على
الحال، مثل: ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] وهذه قراءة المدنيين وأبي
عمرو وعاصم والكسائي. وقرأ حمزة: ((هُدِی وَرَحْمَةً) بالرفع، وهو من وجهين:
أحدهما - على إضمار مبتدأ؛ لأنه أوَّلُ آية. والآخر - أن يكون خبر ((تِلْكَ))(٥).
(١) المحرر الوجيز ٣٤٥/٤ .
(٢) تفسير البغوي ٤٨٩/٣ .
(٣) إعراب القرآن ٢٨١/٣.
(٤) سلفت هذه المعاني ١/ ٢٤٣ و٤٢٩ و١٥/٥ .
(٥) إعراب القرآن ٣/ ٢٨١، وينظر السبعة ص ٥١٢، والتيسير ص ١٧٦.

٤٥٦
سورة لقمان: الآيات ١ - ٦
والمحسن: الذي يعبدُ اللهَ كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه(١). وقيل: هم
المحسنون في الدِّين وهو الإسلام؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ
وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٢٥]. ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ في موضع الصفة، ويجوز الرفع
على القطع بمعنى: هم الذين، والنصب بإضمار أعني(٢). وقد مضى الكلام في هذه
الآية والتي بعدها في ((البقرة))(٣) وغيرها.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ
عِلْرٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًّا أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾﴾
فیه خمس مسائل :
الأولى - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ((مَنْ)) في موضع رفعٍ
بالابتداء [أو بالصفة]. و((لَهْوَ الْحَدِيثِ)): الغناء؛ في قول ابن مسعود وابن عباس
وغيرهما. النخَّاس: وهو ممنوعٌ بالكتاب والسنة، والتقدير: من يشتري ذا لهوٍ أو ذاتَ
لهوٍ، مثل: ﴿وَسَثَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. أو يكون التقدير: لمَّا كان إنما اشتراها
يشتريها ويبالغ في ثمنها كأنَّه اشترى اللَّهو(٤).
قلت: هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدلَّ بها العلماء على كراهة الغناء
والمنع منه. والآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَأَنْ سَِدُونَ﴾ [النجم: ٦١]. قال ابن عباس: هو
الغناء بالْحِمْيرِيّة؛ اسمدي لنا، أي: غنّي لنا (٥).
والآية الثالثة قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْرِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]. قال
(١) هكذا ورد تعريفه في حديث جبريل المشهور الذي أخرجه أحمد (٣٦٧)، ومسلم (٨) من حديث عمر
ابن الخطاب ﴾.
(٢) إعراب القرآن ٢٨١/٣ .
(٣) ٢٥٣/١ - ٢٧٩ .
(٤) إعراب القرآن ٣/ ٢٨٢، وما بين حاصرتين منه، ووقع في النسخ: كأنه اشتراها للَّهو.
(٥) زاد المسير ٨٦/٨، وأخرجه البيهقي في السنن ٢٢٣/١٠، وابن الجوزي في تلبيس إبليس ص ٢٢٥ .

٤٥٧
سورة لقمان: الآية ٦
مجاهد: الغناء والمزامير. وقد مضى في ((سبحان))(١) الكلامُ فيه. وروى الترمذِيُّ عن
أبي أمامةً عن رسول اللـه ◌َ﴾ قال: ((لا تَبيعوا القَيْنات ولا تشتروهنَّ ولا تُعلِّموهنَّ، ولا
خيرَ في تجارةٍ فيهنَّ وثمنُهنَّ حرام، في مثل هذا أُنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن
يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ
غريبٌ، إنما يُروى من حديث القاسم عن أبي أمامة، والقاسم ثقةٌ وعليُّ بن يزيد
يُضَّف في الحديث. قاله محمد بن إسماعيل(٢). قال ابن عطية(٣): وبهذا فسَّر ابن
مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد، وذكره أبو الفرج الْجَوْزي(٤) عن
الحسن وسعيد بن جُبير وقتادة والنَّخَعيّ.
قلت: هذا أعلى ما قيل في هذه الآية، وحلفَ على ذلك ابنُ مسعودٍ بالله الذي
لا إله إلا هو - ثلاث مرات - إنه الغناء. وروى سعيد بن جُبير عن أبي الصَّهباء البكري
قال: سُئِلَ عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾
فقال: الغناء واللهِ الذي لا إله إلا هو. يُردِّدها ثلاثَ مرات(٥). وعن ابن عمر أنه
الغناء. وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول(٦). وروى شعبة وسفيان عن
الحكم وحماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: الغناء يُنْبِتُ النفاقَ في
القلب(٧). وقاله مجاهد، وزاد: إنَّ لهوَ الحديث في الآية الاستماعُ إلى الغناء وإلى
(١) ١١٨/١٣.
(٢) سنن الترمذي (٣١٩٥)، وعلل الترمذي الكبير ١/ ٥١١ - ٥١٢ وفي إسناده - أيضاً - عبيد الله بن
زحر، وهو ضعيف. والحديث في مسند أحمد (٢٢٢٨٠).
(٣) في المحرر الوجيز ٣٤٥/٤ .
(٤) في تلبيس إبليس ص ٢٢٥ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢٧٧/٥، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٠٩/٦، والطبري ١٨/ ٥٣٤ - ٥٣٥،
والحاكم ٤١١/٢ .
(٦) معاني القرآن للنحاس ٢٧٨/٥. وأخرجه الطبري ٥٣٨/١٨ عن عكرمة.
(٧) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٦٨٠)، والبيهقي ٢٢٣/١٠. قلنا: وأخرجه أبو داود (٤٩٢٧)
عن ابن مسعود ﴾ مرفوعاً، لكن في إسناده مجهول.

٤٥٨
سورة لقمان: الآية ٦
مثله من الباطل(١). وقال الحسن: لهوُ الحديث المعازِفُ والغناء(٢). وقال القاسم بن
محمد: الغناء باطل، والباطل في النار (٣). وقال ابن القاسم: سألتُ مالكاً عنه فقال:
قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا الشَّلَلٌّ﴾ [يونس: ٣٢] أفحقٌّ هو (٤)؟! وترجم
البخاري (بَابٌ: كلُّ لهوٍ باطلٌ إذا شغلَ عن طاعة الله، ومن قال لصاحبه: تعالَ
أُقامِرْكَ)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ
عِلٍْ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾(٥). فقوله: (إِذا شَغَل عن طاعة الله) مأخوذٌ من قوله تعالى:
﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾. وعن الحسن أيضاً: هو الكفر والشرك(٦). وتأوَّله قومٌ على
الأحاديث التي يَتَلَهَّى بها أهل الباطل واللعِب. وقيل: نزلت في النضر بن الحارث؛
لأنه اشترى كُتبَ الأعاجم: رستم، وأسفنديار، فكان يجلس بمكة، فإذا قالت
قريشٌ: إنَّ محمداً قال كذا، ضَحِك منه، وحدَّثهم بأحاديثَ ملوك الفرس، ويقول:
حديثي هذا أحسنُ من حديث محمد. حكاه الفرَّاء والكلبي وغيرهما(٧). وقيل: كان
يشتري المغنِّيات فلا يظفَرُ بأحدٍ يريد الإسلام إلَّ انطلق به إلى قَيْنَتِهِ فيقول: أطعميه
وأسقيه وغَنِّيه، ويقول: هذا خيرٌ ممَّا يدعوك إليه محمدٌ من الصلاة والصيام وأن تقاتل
بين يديه. وهذا القول والأوَّل ظاهرٌ في الشراء(٨). وقالت طائفة: الشراء في هذه الآية
(١) أخرجه الطبري ٥٣٦/١٨ و٥٣٧ .
(٢) المحرر الوجيز ٣٤٥/٤ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٢٧٩/٥.
(٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٨/٢٧ من طريق حرملة بن عبد العزيز، عن مالك بنحوه.
وفي الموطأ ٩٥٨/٢ قال يحيى الليثي: سمعت مالكاً يقول: لا خير في الشطرنج وكرهها، وسمعته يكره
اللعب بها وبغيرها من الباطل، ويتلو هذه الآية: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَيّ إِلَّ السَّلَلُّ﴾.
(٥) صحيح البخاري قبل الحديث (٦٣٠١).
(٦) النكت والعيون ٣٢٨/٤ عن الضحاك وابن زيد، وأخرجه الطبري ٥٣٨/١٨ - ٥٣٩ عنهما.
(٧) النكت والعيون ٣٢٣/٤، وهو في معاني القرآن للفراء ٣٢٦/٢ - ٣٢٧، وذكره البغوي ٤٨٩/٣ عن
الكلبي.
(٨) الكشاف ٢٢٩/٣.

٤٥٩
سورة لقمان: الآية ٦
مستعار، وإنما نزلتِ الآيةُ في أحاديثَ قريشٍ وتلَهِّيهم بأمر الإسلام وخوضهم في
الباطل. قال ابن عطية: فكان تركُ ما يجب فِعْلُه، وامتثالُ هذه المنكرات شراءً لها؛
على حدٍّ قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَلَّةَ بِالْهُدَى﴾ (١) [البقرة: ١٦]؛ اشتروا
الكفر بالإيمان، أي: استبدلوه منه واختاروه عليه(٢). وقال مُطَرِّف: شراءُ لهوِ
الحديث استحبابُه. قتادة: ولعلَّه لا يُنفقُ فيه مالاً، ولكِنْ سماعُه شراؤه(٣).
قلت: القولُ الأوَّلُ أولى ما قيل به في هذا الباب؛ للحديث المرفوع فيه، وقول
الصحابة والتابعين فيه. وقد زاد الثعلبيُّ والواحِديُّ في حديث أبي أمامة: ((وما من
رجلٍ يرفع صوته بالغناء إلَّا بعثَ الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المَنْكِب والآخر
على هذا المَنْكِب، فلا يزالان يضربانِ بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت)) (٤).
وروى الترمذي وغيره من حديث أنسٍ وغيرِهِ عن النبيِّ# أنه قال: ((صَوتانِ ملعونانِ
فاجرانِ أنهَى عنهما: صوتُ مزمارٍ ورنَّةُ شيطانٍ عند نغمةٍ ومَرَحٍ، ورَنَّةٌ عند مصيبةٍ
لطمُ خدودٍ وشقُّ جيوب)»(٥). وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدِّه عن عليٍّ عليه
السلام قال: قال رسول الله ﴾: ((بُعِثتُ بكسر المزامير)) خرَّجه أبو طالب الغَيْلاني(٦).
(١) المحرر الوجيز ٣٤٥/٤ - ٣٤٦.
(٢) الكشاف ٢٢٩/٣ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٤٦/٤ .
(٤) الوسيط للواحدي ٤٤١/٣، وتفسير البغوي ٤٨٩/٣ من طريق الثعلبي، كلاهما من طريق عبيد الله بن
زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة ﴾ مرفوعاً. وكذلك أخرجه الحارث بن أبي أسامة
كما في بغية الباحث (٨٩٢). وإسناده ضعيف كما تقدم آنفاً. وأخرجه الطبراني (٧٧٤٩) من طريق آخر
فيه الوليد بن الوليد؛ قال فيه الدارقطني: منكر الحديث.
(٥) لم نقف عليه عند الترمذي من حديث أنس، وأخرجه البزار كشف الآثار (٧٩٥)، والضياء المقدسي في
المختارة (٢٢٠٠) و(٢٢٠١) من حديث أنس بن مالك ﴾. وأخرجه الطيالسي (١٦٨٣)، وعبد بن حميد
(١٠٠٦)، والترمذي (١٠٠٥) من حديث جابر بن عبد الله ﴾. وأخرجه ابن سعد ١٣٨/١، والبزار في
مسنده (١٠٠١)، والحاكم ٤/ ٤٠ من حديث عبد الرحمن بن عوف ﴾.
(٦) هو محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان، أحد شيوخ الخطيب البغدادي، ولد سنة ٣٤٨هـ، وتوفي
سنة ٤٤٠ هـ السير ١٧ /٥٩٨ - ٦٠٠ . والحديث أخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٨٤)، وابن =
:

٤٦٠
سورة لقمان: الآية ٦
وخرَّج ابن بشران(١) عن عكرمة عن ابن عباس أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((بُعثتُ بِهَدْمِ المزامير
والطبل))(٢). وروى الترمذيُّ من حديث عليٍّ﴾ قال: قال رسول اللـه ﴾: ((إذا فعلَتْ
أُمَّني خمسَ عشرةَ خَضْلةٌ حَلَّ بها البلاء .. )) فذكر منها: ((انُّخِذَتِ القَيْنَاتُ
والمعازِف))(٣). وفي حديث أبي هريرة: ((وظهرتِ القِيانُ والمعازِفُ))(٤). وروى ابن
المبارك، عن مالك بن أنس، عن محمد بن الْمُنْكَدِر، عن أنس بن مالك قال: قال
رسول الله﴾: ((من جلَس إلى قَينةٍ يسمَعُ منها صُبَّ في أُذِنِه الآنُكُ(٥) يومَ القيامة))(٦).
وروى أسد بن موسى، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن محمد بن المُنكدِر قال:
بلغَنا أنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: ((أينَ عبادي الذين كانوا يُنزِّهون أنفسَهم
وأسماعَهم عن اللهو ومزامير الشيطان، أحِلُّوهم رياضَ المسكِ، وأخبروهم أنّي قد
أحللتُ عليهم رضواني)). وروى ابن وهب، عن مالك، عن محمد بن المنكدر مثله،
وزاد بعد قوله: ((المسك)) ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وشكري وثنائي،
وأخبروهم ألَّا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون))(٧). وقد رُويَ مرفوعاً هذا المعنى من
= الجوزي في تلبيس إبليس ص ٢٢٧ من طريق موسى بن عمير، عن جعفر بن محمد، به. موسى بن
عمير كذبه أبو حاتم وضعفه ابن عدي. الميزان ٢١٥/٤ . ومحمد بن علي بن الحسين والد جعفر روايته
عن علي مرسلة. التهذيب ٣/ ٦٥٠ .
(١) هو عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران إمام محدث، وهو مسند العراق، ولد سنة ٣٣٩هـ،
وتوفي سنة ٤٣٠هـ، ودفن في حلب. السير ١٧ / ٤٥٠ - ٤٥١ .
(٢) أخرجه ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص ٢٢٦ - ٢٢٧ من طريق ابن بشران، به. وأخرجه تمام في
فوائده (١٢٣٧).
(٣) سنن الترمذي (٢٢١٠) وقال: هذا حديث غريب، لا نعلم أحداً رواه غير الفرج بن فضالة، وقد تكلّم
فيه بعض أهل الحديث وضعَّفه من قبل حفظه.
(٤) سنن الترمذي (٢٢١١) وفي إسناده رُميح الجذامي، وهو مجهول فيما قاله الحافظ في التقريب.
(٥) أي: الرصاص. النهاية (أنك).
(٦) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٦٣/٥١ من طريق أبي نعيم الحلبي، عن ابن المبارك، به. وذكره
ابن الجوزي في العلل المتناهية ٧٨٦/٢ وقال: قال أحمد بن حنبل: هذا حديث باطل.
(٧) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٣) عن مالك، به. وإسناده منقطع.