Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ سورة العنكبوت: الآيات ٣٧ - ٣٨ ذِكرُهم وفسادُهم في ((الأعراف)) (١) و((هود))(٢). ﴿وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ قال يونس النَّحوي(٣): أي: اخشوا الآخرةَ التي فيها الجزاء على الأعمال(٤). ﴿وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكفروا فإنه أصلُ كلِّ فساد. والعُثُوُّ والعِثِيُّ أشدُّ الفساد. عَثِيَ يَعثَى وعَثًا يَعثُو بمعنى واحد(٥). وقد تقدَّم (٦). وقيل: ﴿وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ أي: صدَّقوا به، فإنَّ القوم كانوا يُنكرونه. قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَقَد تَبَّنَ لَكُم مِّن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِيرِينَ ٠ قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَا﴾ قال الكسائي: قال بعضهم: هو راجعٌ إلى أوَّل السورة، أي: ولقد فتنًّا الذين من قبلهم وفتنًا عاداً وثمود. قال: وأحبُّ إليّ أن يكون معطوفاً على ((فأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ)) وأخذت عاداً وثموداً. وزعم الزجَّاج أن التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً(٧). وقيل: المعنى: واذكُرْ عاداً إذ أرسلنا إليهم هوداً فكذَّبوه فأهلكناهم، وثموداً أيضاً أرسلنا إليهم صالحاً فكذَّبوه فأهلكناهم بالصيحة كما أهلكناهم بالصيحة كما أهلكنا عاداً بالريح العقيم. ﴿وَقَد تَبَّنَ لَكُم﴾ يا معشر الكفار ﴿مِّن ◌َّسَكِنِهِمْ﴾ بالحجِرْ والأحقاف آياتٌ في إهلاكهم، فَحُذِفَ فاعلٌ التبيُّن (٨). ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي: أعمالهم الخسيسة فحسبوها رفيعة. (١) ٩/ ٢٨٢-٢٨٣. (٢) ١٩١/١١-١٩٧ . (٣) هو يونس بن يحيى بن نباتة القرشي المدني، وهو من رواة الحديث، توفي سنة ٢٠٦هـ الكاشف ٤٠٤/٢ . (٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٤١٩/٣ عن مقاتل. (٥) تهذيب اللغة ٣/ ١٥٠ . (٦) ٢٦٩/٩. (٧) إعراب القرآن ٢٥٦/٣ . وقول الزجاج في معاني القرآن له ١٦٨/٤. (٨) الوسيط ٤٢٠/٣، وزاد المسير ٢٧١/٦-٢٧٢، ومجمع البيان ٣٦٠/٢٠ بنحوه. ٣٦٢ سورة العنكبوت: الآيات ٣٨ - ٤٠ ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن طريق الحق(١). ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما وكانوا مستبصرين في الضلالة. قاله مجاهد. والثاني - كانوا مستبصرين قد عرفوا الحقَّ من الباطل بظهور البراهين. وهذا القول أشبه؛ لأنَّه إنَّما يُقال: فلانٌ مستبصِرٌ إذا عرف الشيء على الحقيقة (٢). قال الفرَّاء(٣): كانوا عقلاءَ ذوي بصائر، فلم تنفعهم بصائرهم. وقيل: أتوا ما أتوا وقد تبيَّنَ لهم أن عاقبتَهم العذاب (٤). قوله تعالى: ﴿وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنٌَ وَلَقَدْ جَآءَهُم ◌ُوسَى بِالْبَيْنَتِ فَلَسْتَكْبُواْ فِ اَلْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَكِقِينَ ﴿٣َ فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَنْبِةٍ، فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَنْ أَخَذَتْهُ الضَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأْ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنَّ﴾ قال الكسائي: إن شئتَ كان محمولاً على عاد، وكان فيه ما فيه، وإن شئت كان على ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ وصدَّ قارونَ وفِرعون وهامان(٥). وقيل: أي: وأهلكنا هؤلاء بعد أن جاءتهم الرسل ﴿فَلَسَتَكْبُوا فِ اُلْأَرْضِ﴾ عن الحقِّ وعن عبادة الله. ﴿وَمَا كَانُواْ سَنِقِينَ﴾ أي: فائتين(٦). وقيل: سابقين في الكفر(٧). بل قد سبقهم للكفر قرونٌ كثيرةٌ فأهلكناهم. ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِةٍ﴾ قال الكسائي: ((فَكُلَّا)) منصوبٌ بـ(أخَذْنَا))(٨) أي: أخذنا كُلَّ بذنبه. ﴿فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ يعني قوم لوط. (١) تفسير البغوي ٣/ ٤٦٧ . (٢) إعراب القرآن ٢٥٦/٣ . (٣) في معاني القرآن له ٢/ ٣١٧ . (٤) معاني القرآن للزجاج ١٦٩/٤ . (٥) إعراب القرآن ٢٥٦/٣ . (٦) تفسير البغوي ٣/ ٤٦٧ . (٧) المحرر الوجيز ٣١٧/٤ . (٨) إعراب القرآن ٢٥٦/٣. ٠ ٣٦٣ سورة العنكبوت: الآيات ٤٠ - ٤٣ والحاصب: ريحٌ يأتي بالحصباء وهي الحصى الصِّغار(١). وتُستعمل في كلِّ عذاب. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني ثموداً وأهل مدين. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ اْأَرْضَ﴾ يعني قارون ﴿وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَاً﴾ قوم نوح وقوم فرعون(٢). ﴿وَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ لأنه أنذرهم وأمهلَهم وبعثَ إليهم الرسل وأزاح العذر. قوله تعالى: ﴿مَثَّلُ الَّذِينَ اَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْمَنْكَبُوتِ اَخَذَتْ بَيْئًا وَإِنَّ أَوْهَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) إِنَّ اَللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِّمُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿مَثَّلُ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْمَنْكَبُوتِ﴾ قال الأخفش: ﴿ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ وقفٌ تام، ثم قصَّ قِصَّتَها فقال: ﴿أَتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأنَّ ((اتَّخَذَتْ بَيْتاً)) صلةٌ للعنكبوت، كأنه قال: ((كمثل التي اتخذت بيتاً))، فلا يَحسُنُ الوقفُ على الصلة دون الموصول، وهو بمنزلة قوله: ﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] فيحمل صلةٌ للحمار، ولا يحسن الوقف على الحمار دون يحمل. قال الفرَّاء: هو مثلٌ ضربَه الله سبحانه لمنِ اتَّخذَ من دونه آلهةً لا تنفعه ولا تضرُّه؛ كما أنَّ بيتَ العنكبوت لا يقيها حرًّا ولا برداً. ولا يَحسُنُ الوقفُ على العنكبوت؛ لأنه لمَّا قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شيء، فشُبِّهتِ الآلهةُ التي لا تنفع ولا تضرُّ به(٣). ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ أي: أضعف البيوت(٤) ﴿لَبَيْتُ الْمَنكَبُوتِ﴾ قال الضحاك: (١) تفسير البغوي ٣/ ٤٦٧-٤٦٨ . (٢) معاني القرآن للزجاج ١٦٩/٤ . (٣) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٢٧ - ٨٢٨. وقول الفراء في معاني القرآن له ٣١٧/٢. (٤) تفسير أبي الليث ٥٣٨/٢ . ٣٦٤ سورة العنكبوت: الآيات ٤١ - ٤٣ ضرب مثلاً لضعف آلهتهم ووهنها فشبَّهها ببيت العنكبوت(١). ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَّمُونَ﴾ (لَوْ)) متعلقةٌ ببيت العنكبوت. أي: لو علموا أنَّ عبادة الأوثان كاتِّخاذٍ بيت العنكبوت التي لا تغني عنهم شيئاً، وأنَّ هذا مثَلُهم لَمَا عبدوها، لا أنَّهم يعلمون أنَّ بيت العنكبوت ضعيف(٢). وقال النُّحاة: إنَّ تاء العنكبوت في آخرها مزيدة؛ لأنها تسقط في التصغير والجمع. وهي مؤنثة، وحكى الفرَّاءُ تذكيرها وأنشد: على هَظَّالِهِمْ منهم بُيوتٌ كأنَّ العنكبوتَ قدِ ابتناها(٣) ویُروی: على أهطالهم منهم بيوتٌ قال الجوهري: والهَطَّال: اسم جبل(٤). والعنكبوت: الدُّويِّبةُ المعروفةُ التي تنسج نسجاً رقيقاً مُهلهلاً بين الهواء(٥). ويُجمع عناكِيب وعَنَاكِب وعِكَاب وُكُب وأعكُب. وقد حُكِيَ أنه يُقال: عَنْكَب(٦) وعَكَنْبَاة(٧)؛ قال الشاعر: كأنَّما يَسقطُ من لُغَامِها(٨) بيتُ عَكَنْبَاةٍ على زِمَامِها وتُصغَّر فيقال: عُنَيَكِب(٩). وقد حُكي عن يزيد بن مَرْئد(١٠) أنَّ العنكبوت شيطانٌ (١) إعراب القرآن ٣/ ٢٥٧. (٢) معاني القرآن للزجاج ٤/ ١٦٩ بنحوه. (٣) من قوله: وهي مؤنثة .... إلى نهاية البيت من إعراب القرآن ٢٥٧/٣. وكلام الفراء في معاني القرآن له ٣١٧/٢. (٤) الصحاح (هطل)، وما قبله منه. (٥) تهذيب اللغة ٣٠٩/٣ . (٦) إعراب القرآن ٢٥٧/٣. (٧) وهي في لغة أهل اليمن فيما نقل الأزهري في تهذيب اللغة ٣٠٩/٣ عن الليث. (٨) أي: زبدها. الصحاح (لغم). (٩) تهذيب اللغة ٣٠٩/٣ . (١٠) في النسخ: يزيد بن ميسرة، وهو تحريف. ٣٦٥ سورة العنكبوت: الآيات ٤١ - ٤٣ مسخها الله تعالى (١). وقال عطاء الخراساني: نسجَتِ العنكبوتُ مرتين مرةً على داود حين كان جالوت يطلبه، ومرةً على النبيِّ #؛ ولذلك نهى عن قتلها(٢). ويُروى عن عليٍّ ﴾ أنه قال: طَهِّروا بيوتكم من نَسْجِ العنكبوت، فإنَّ تركَه في البيوت يُورِثُ الفقر، ومنع الخمير يورث الفقر(٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ﴾ ((ما)) بمعنى الذي(٤)، و((مِنْ)) للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد لانقلب المعنى(٥)، والمعنى: إنَّ الله يعلم ضِعْفَ ما یعبدون من دونه. وقرأ عاصم وأبو عمرو ويعقوب: ((يَدْعُونَ)) بالياء، وهو اختيار أبي عبيد؛ لذِكْرِ الأمم قبلها. الباقون بالتاء على الخطاب(٦). قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا﴾ أي: هذا المثل وغيره مما ذُكِرَ في ((البقرة))(٧) و((الحج))(٨) وغيرِهما ﴿نَضْرِبُهَا﴾ نُبِيِّنُها ﴿لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ أي: يفهمها ﴿إِلَّا الْعَلِمُونَ﴾ أي: العالمون بالله، كما روى جابرٌ عن النبيِّ﴾ أنه قال: ((العالمُ مَنْ عقَلَ عن الله، فعمِلَ بطاعتِهِ، واجتنب سخطَّه))(٩). (١) أخرجه أبو داود في المراسيل (٥٠٠) و(٥٠٤) من طريق بقية بن الوليد، عن الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرثد مرفوعاً بلفظ: ((العنكبوت شيطان فاقتلوه)». إسناده منقطع، وبقية مدلس وقد عنعن فيه، والوضين سيئ الحفظ. وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢٣١٧/٦ من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً بلفظ: ((العنكبوت شيطان مسخه الله فاقتلوه)». وفي إسناده مسلمة بن علي الخشني، وهو متروك، قال ابن عدي: وعامة أحاديثه غير محفوظة. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٣٢٣) دون قوله: ولذلك نهى عن قتلها. (٣) المحرر الوجيز ٣١٨/٤ دون قوله: ومنع الخمير يورث الفقر. (٤) البيان ٢٤٥/٢ . (٥) إعراب القرآن ٢٥٧/٣ . (٦) السبعة ص٥٠١ ، والتيسير ص١٧٤، والنشر ٣٤٣/٢ . (٧) ٣٦٥/١. (٨) ١٤ /٤٤٦-٤٤٧ . (٩) تفسير البغوي ٤٦٨/٣. والحديث أخرجه داود بن المحبر في كتاب العقل فيما ذكر الزيلعي في = ٣٦٦ سورة العنكبوت: الآيتان ٤٤ - ٤٥ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةً ٤٤ لِلْمُؤْمِنِينَ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل والقسط. وقيل: بكلامه وقدرته وذلك هو الحق . ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ﴾ أي: علامةً ودلالةٌ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدِّقين. قوله تعالى: ﴿اَثّلُ مَا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ الضَّلَوَةٌ إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ٤٥ فيه أربع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿اَتْلُ﴾ أمرٌ بالتلاوةُ (١) والدُّؤوب عليها. وقد مضى في ((طه)(٢) الوعيدُ فيمن أعرضَ عنها، وفي مقدّمة الكتاب(٣) الأمرُ بالحضِّ عليها. والكتاب يُراد به القرآن. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ اٌلْضَّلَوةَ﴾ الخطاب للنبيِّ﴾ وأمَّتِهِ، وإقامةُ الصلاة أداؤها في أوقاتها بقوامتها وركوعها وسجودها وقعودها وتشهُّدها وجميع شروطها. وقد تقدَّم بيانُ ذلك في ((البقرة)) (٤) فلا معنى للإعادة. الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُكَّرُ﴾ يريدُ: إنَّ = تخريج الأحاديث والآثار ٤٣/٣، وأخرجه من طريقه الحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (٨٣٧)، والواحدي في الوسيط ٤٢٠/٣. وداود بن المحبر متروك فيما قاله الدارقطني في الضعفاء والمتروكين ٢٠٢/١ . ونقل ابن الجوزي في الموضوعات ٢١٩/٢ عن الدار قطني أنه قال: كتاب العقل وضعه أربعة أولهم ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه منه داود بن المحبر، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركبه بأسانيد أخر، ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخر. (١) في (د) و(م): من التلاوة، والمثبت من (ز) و(ظ). (٢) ١٤ / ١٥٧ . (٣) ٦/١ فما بعد. (٤) ٢٥٣/١ فما بعد. ٣٦٧ سورة العنكبوت: الآية ٤٥ الصلاة الخمس هي التي تكفِّر ما بينها من الذنوب، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((أرأيتُم لو أنَّ نهراً ببابِ أحدِكم يغتسلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ هل يبقى من دَرَنه شيء؟)) قالوا: لا يبقى من دَرَنه شيء. قال: «فذلِكَ مثَلُ الصلواتِ الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا)) خرَّجه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال فيه: حديثٌ حسنٌ صحيح (١). وقال ابن عمر: الصلاة هنا القرآن(٢). والمعنى: الذي يُتلى في الصلاة ينهى عن الفحشاء والمنكر، وعن الزنى والمعاصي. قلت: ومنه الحديث الصحيح: ((قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين))(٣) يريد قراءةَ الفاتحة. وقال حماد بن أبي سليمان وابن جُريح والكلبي: العبدُ مادامَ في صلاته لا يأتي فحشاءً ولا منكراً، أي: إنَّ الصلاةَ تنهى ما دمتَ فيها. قال ابن عطية(٤): وهذه عُجمةٌ، وأينَ هذا ممَّا رواه أنس بن مالك قال: كان فتّى من الأنصار يُصلِّي مع النبيِّ ﴾ ولا يدَعُ شيئاً من الفواحش والسرقة إلَّا رَكِبَه، فذُكِرَ للنبيِّ﴾ فقال: ((إنَّ الصلاةَ ستنهاه)) فلم يلبَتْ أن تابَ وصلحت حالُه، فقال رسول اللـه ﴾: ((ألم أقُلْ لكم؟))(٥). وفي الآية تأويلٌ ثالث، وهو الذي ارتضاه المحقّقون وقال به المشيخة الصوفية وذكره المفسرون، فقيل: المرادُ بـ((أقِم الصَّلاةَ)) إدامتُها والقيامُ بحدودها، ثم أخبر حُكماً منه بأنَّ الصلاة تنهى صاحبَها وممتثِلَها عن الفحشاء والمنكر؛ وذلك لِما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة، والصلاة تشغَلُ كلَّ بدن المصلِي، فإذا دخل (١) سنن الترمذي (٢٨٦٨). وأخرجه أحمد (٨٩٢٤)، والبخاري (٥٢٨)، ومسلم (٦٦٧). (٢) المحرر الوجيز ٣١٩/٤-٣٢٠ . (٣) وقد سلف ١٤٥/١ -١٤٦. (٤) في المحرر الوجيز ٤/ ٣٢٠ وما قبله منه، وقول حماد بن أبي سليمان أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٣٤٦). (٥) لم نقف على من أخرجه من حديث أنس ﴾. وأخرجه أحمد (٩٧٧٨) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: جاء رجلٌ إلى النبي # فقال: إن فلاناً يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق! قال: ((إنه سينهاه ما تقول». ٣٦٨ سورة العنكبوت: الآية ٤٥ المصلِّي في محرابه وخشعَ وأخبَتَ لربِّه واذَّكر أنه واقفٌ بين يديه، وأنه مُطَّلعٌ عليه ويراه، صلُحَتْ لذلك نفسُه وتذلَّلت، وخامَرها ارتقابُ الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيبتُها، ولم يكَدْ يفتر من ذلك حتى تُظِلَّه صلاةٌ أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة. فهذا معنى هذه الأخبار؛ لأنَّ صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون. قلتُ: لاسيما وإن أشعر نفسه أنَّ هذا ربما يكون آخرَ عمله، وهذا أبلَغُ في المقصود وأتَمُّ في المراد؛ فإنَّ الموت ليس له سِنٌّ محدود، ولا زمنٌ مخصوص، ولا مرضٌ معلوم، وهذا مما لا خلافَ فيه. ورُويَ عن بعض السلف أنه كان إذا قام على الصلاة ارتعد واصفَرَّ لونُه، فكُلِّم في ذلك فقال: إني واقفٌ بين يدي الله تعالى، وحُقَّ لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الموت؟! فهذه صلاةٌ تنهى ولابُدَّ عن الفحشاء والمنكر، ومَنْ كانت صلاتُه دائرةً حول الإجزاء، لا خشوعَ فيها ولا تذكُّرَ ولا فضائل، كصلاتنا - وليتَها تُجزئ - فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان على طريقةِ معاصٍ تُبعده من الله تعالى تركَتْه الصلاةُ يتمادى على بعده. وعلى هذا يُخرَّج الحديثُ المرويُّ عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم: مَنْ لم تَنْهَه صلاتُه عن الفحشاء والمنكر لم تَزِدِه من الله إلاَّ بُعداً (١). وقد رُويَ أنَّ الحسنَ أرسله عن النبي # وذلكَ غيرُ صحيح السند(٢). قال ابن عطية(٣): سمعت أبي ﴾ (١) أخرجه أحمد في الزهد ص١٩٩، والطبري ٤٠٩/١٨، والطبراني (٨٥٤٣)، والبيهقي في الشعب (٣٢٦٤) عن ابن مسعود﴾. وأخرجه الطبري ٤٠٨/١٨ عن ابن عباس ﴾. والطبري ٤١٠/١٨ عن الحسن. (٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٩٨/٢، والطبري ٤٠٩/١٨، والبيهقي في الشعب (٣٢٦٢) عن الحسن مرفوعاً. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٣٣٩) من طريق عمر بن أبي عثمان، عن الحسن، عن عمران بن حصين مرفوعاً. عمر بن أبي عثمان مجهول، والحسن لم يسمع من عمران. المراسيل ص٤٠ . وأخرجه ابن أبي حاتم (١٧٣٤٠)، والطبراني (١١٠٢٥)، والقضاعي في مسند الشهاب (٥٠٩) من طريق ليث - وهو ابن أبي سليم - عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعاً. ليث ضعيف. ميزان الاعتدال ٤٢٠/٣. (٣) في المحرر الوجيز ٣١٩/٤ ، وما قبله وما بعده منه. ٣٦٩ سورة العنكبوت: الآية ٤٥ يقوله، فإذا قرَّرنا ونُظِرَ معناه فغيرُ جائزٍ أن يقول: إنَّ نفسَ صلاةِ العاصي تُبعِدُه من الله حتى كأنَّها معصية، وإنما يتخرَّج ذلك على أنها لا تؤثّر في تقريبه من الله، بل تتركُه على حاله ومعاصيه، من الفحشاء والمنكر والبُعد، فلم تزِذْه الصلاةُ إلَّ تقريرَ ذلك البُعدِ الذي كان بسبيله(١)؛ فكأنَّها بعَّدته حين لم تَكُفَّ بُعدَه عن الله. وقيل لابن مسعود: إنَّ فلاناً كثيرُ الصلاة. فقال: إنها لا تنفعُ إلاَّ مَنْ أطاعها(٢). قلت: وعلى الجملة فالمعنى المقصود بالحديث: ((لم تزِذْه من الله إلاَّ بُعداً، ولم يزدَدْ بها من الله إلاَّ مقتاً)) إشارةٌ إلى أنَّ مرتكبَ الفحشاء والمنكر لا قَدرَ لصلاته؛ لغلبة المعاصي على صاحبها، وقيل: هو خبرٌ بمعنى الأمر. أي: لِينتَّهِ المصلِي عن الفحشاء والمنكر. والصلاةُ بنفسها لا تنهى، ولكنَّها سببُ الانتهاء، وهو كقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَبُنَا يَطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقّ﴾ [الجاثية: ٢٩] وقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنَّا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥]. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: ذِكْرُ الله لكم بالثواب والثناء عليكم أكبرُ من ذِكرِكم له في عبادتكم وصلواتكم. قال معناه ابن مسعود وابن عباس وأبو الدرداء وأبو قُرَّة وسلما والحسن(٣)، وهو اختيار الطبري(٤). ورُويَ مرفوعاً من حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ ﴾ قال في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: ((ذِكْرُ الله إيَّاكم أكبرُ من ذكرِكم إِيَّاه)»(٥). وقيل: ذِكْرُكم (١) في (م): سبيله، والمثبت من النسخ الخطية والمحرر الوجيز. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٩٨/١٣، والطبري ٤٠٨/٨-٤٠٩، وابن أبي حاتم (١٧٣٤٢)، والبيهقي في الشعب (٣٢٦٣). (٣) المحرر الوجيز ٣٢٠/٤، وقول ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة ٢٩٨/١٣، وأحمد في الزهد ص٢٦٧، والطبري ٤١٤/١٨. وقول ابن عباس أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٩٨/٢، والطبري ٤١١/١٨-٤١٤، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٣٥٠) و(١٧٣٥٢)، والحاكم ٤٠٩/٢ . وأخرجه الطبري ٤١٣/١٨-٤١٤ عن أبي الدرداء، و٤١٤/١٨ عن أبي قرة، و٤١٣/١٨ عن سلمان والحسن. (٤) في تفسيره ١٨ / ٤١٧ . (٥) تفسير البغوي ٣/ ٤٧٠. وأخرجه الديلمي في الفردوس ٤٠٦/٤ . ٣٧٠ سورة العنكبوت: الآية ٤٥ الله في صلاتكم وفي قراءة القرآن أفضلُ من كلِّ شيءٍ(١). وقيل: المعنى: إنَّ ذِكْرَ الله أكبرُ مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر(٢). وقال الضخَّاك: ولَذِكرُ الله: عند ما يُحرِمُ فيتركُ أجَلَّ الذِّكر. وقيل: المعنى ولذِكرُ الله للنهي عن الفحشاء والمنكر أكبر، أي: كبير، وأكبر يكون بمعنى كبير(٣). وقال ابن زيد وقتادة: ولَذِكرُ الله أكبرُ من كلِّ شيءٍ، أي: أفضل من العبادات كلِّها بغير ذكر(٤). وقيل: ذِكرُ الله يمنع من المعصية، فإنَّ مَنْ كان ذاكراً له لا يُخالِفه(٥). قال ابن عطية (٦): وعندي أنَّ المعنى: ولَذِكرُ الله أكبرُ على الإطلاق، أي: هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة؛ لأنَّ الانتهاء لا يكون إلَّا من ذاكرِ اللـهَ مراقبٍ له. وثوابُ ذلك أنْ يذكره اللهُ تعالى، كما في الحديث: ((مَنْ ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومَنْ ذكرني في ملٍ ذكرتُه في ماٍ خيرٍ منهم))(٧) والحركات التي في الصلاة لا تأثيرَ لها في نهي، والذّكرُ النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرُّغِه إلاَّ من الله. وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبةٍ أخرى. وذِكرُ الله تعالى للعبد هو إفاضةُ الهدى ونور العلم عليه، وذلك ثمرةٌ لذكر العبد ربَّه. قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وباقي الآية ضَرْبٌ من الوعيد والحثِّ على المراقبة. (١) النكت والعيون ٢٨٥/٤، وزاد المسير ٢٧٥/٦. (٢) المحرر الوجيز ٣٢٠/٤ . (٣) إعراب القرآن ٢٥٧/٣-٢٥٨ . (٤) المحرر الوجيز ٣٢٠/٤. (٥) الوسيط ٤٢١/٣، وتفسير أبي الليث ٥٣٩/٢ بمعناه. (٦) في المحرر الوجيز ٣٢٠/٤ . (٧) سلف ١٤/ ٢٩ . ٣٧١ سورة العنكبوت: الآيتان ٤٦ - ٤٧ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ بِأَلَِّى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمَّ وَقُولُوَاْ ءَمَنَا بِالَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَّ فَالَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يُؤْمِنُونَ بِّ" وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمَا يَجْحَدُ بِهَايَتِنَآ إِلَّ الْكَفِرُونَ ٤٧ فيه مسألتان : الأولى: اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ﴾ فقال مجاهد: هي مُحكمةٌ فيجوز مجادلةُ أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عزَّ وجلَّ، والتنبيه على حججه وآياته؛ رجاء إجابتهم إلى الإيمان، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة. وقوله على هذا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ معناه: ظلموكم، وإلاَّ فكلُّهم ظَلَمةٌ على الإطلاق(١). وقيل: المعنى: لا تجادلوا مَنْ آمن بمحمدٍ ﴾ من أهل الكتاب المؤمنين كعبد الله بن سلام ومَنْ آمن معه(٢). ﴿إِلَّا بِأَلَِّی هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالموافقة فيما حدَّثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك. وقوله على هذا التأويل: ﴿إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ يريد به مَنْ بقي على كفره منهم، كمنْ كفرَ وغدرَ من قريظة والنَّضِير وغيرهم. والآية على هذا أيضاً محكمة. وقيل: هذه الآية منسوخةٌ بآية القتال؛ قوله تعالى: ﴿قَئِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٨]. قاله قتادة(٣). ج ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: جعلوا لله ولداً، وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَهُ ﴾ [المائدة: ٦٤] و﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨](٤) فهؤلاء المشركون(٥). قال النخَّاس وغيره: من قال (١) المحرر الوجيز ٣٢٠/٤. (٢) تفسير البغوي ٣/ ٤٧٠ . (٣) المحرر الوجيز ٣٢٠/٤-٣٢١. وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٩٨/٢، والطبري ٤٢٠/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٣٥٥)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٧٤٦). (٤) أخرجه الطبري ١٨/ ٤٢٣ عن مجاهد. (٥) بعدها في النسخ عبارة: ((في سقوط الجزية فانتصروا)) ولم نتبيّنها. ٣٧٢ سورة العنكبوت: الآيتان ٤٦ - ٤٧ هي منسوخة، احتجَّ بأنَّ الآية مكية، ولم يكن في ذلك الوقت قتالٌ مفروض، ولا طلب جزية، ولا غير ذلك. وقولُ مجاهدٍ حسن؛ لأنَّ أحكام الله عزَّ وجلَّ لا يُقال فيها: إنها منسوخةٌ إلَّ بخبرٍ يقطع العذر، أو حُجَّةٍ من معقول(١). واختار هذا القول ابن العربي(٢). قال مجاهد وسعيد بن جُبير: وقوله: ﴿إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ معناه: إلاَّ الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا، أو يُعطوا الجزية(٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ ءَامَنَا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ روى البخاري(٤) عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويُفسِّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﴾: ((لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذّبوهم وقُولُوا: ﴿ءَامَنَّا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٦])). وروى عبد الله بن مسعود أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قال: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيءٍ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلُّوا، إمَّا أن تُكذِّبوا بحقٍّ، وإمَّا أن تُصدِّقوا بباطل))(٥). وفي البخاري(٦): عن حُمَيد ابن عبد الرحمن سمع معاويةً يُحدِّث رهطاً من قريشٍ بالمدينة، وذَكَر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدِّثين الذين يُحدِّثون عن أهل الكتاب، وإن كُنَّا مع ذلك ◌َنَبلُو عليه الكذب. (١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٧٦/٢ دون قوله: ((ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض)) فهو في المحرر الوجيز ٣٢١/٤ . (٢) في أحكام القرآن ٣/ ١٤٧٥ . (٣) تفسير البغوي ٣/ ٤٧٠، وزاد المسير ٢٧٥/٦ من غير نسبة. (٤) في صحيحه (٤٤٨٥)، وقد سلف ٤١٥/٢ . (٥) المحرر الوجيز ٣٢١/٤. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠١٦٢) و(١٩٢١٢)، والطبري ٤٢٣/١٨ من طريق حريث بن ظهير، عن عبد الله بن مسعود ﴾ موقوفاً. وحريث بن ظهير مجهول. قلنا: وقد رُوي مرفوعاً كما في مسند أحمد (١٤٦٣١) من حديث جابر بن عبد الله ﴾، وفي إسناده مجالد بن سعيد الهمداني، وهو ضعيف. (٦) في صحيحه (٧٣٦١). ٣٧٣ سورة العنكبوت: الآية ٤٨ قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِنْ قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَّخُلُهُ بِمِينِكٌَ إِذَا لَّأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (®﴾ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ﴾ الضمير في ((قَبْلِهِ) عائدٌ إلى الكتاب، وهو القرآن المُنَزَّل على محمد ﴿، أي: وما كنتَ يا محمد تقرأ قبله، ولا تختلف إلى أهل الكتاب، بل أنزلناه إليكَ في غاية الإعجاز والتضمين للغيوب وغير ذلك، فلو كنتَ ممَّن يقرأُ كتاباً، ويَخظُّ حروفاً ﴿لََّ رْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: من أهل الكتاب، وكان لهم في ارتيابهم متعلَّق، وقالوا: الذي نجده في كتبنا أنه أميٌّ لا يكتبُ ولا يقرأُ وليس به. قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أنَّ محمداً ﴿ لا يخُطُ ولا يقرأ، فنزلت هذه الآية(١)؛ قال النخَّاس(٢): دليلاً على نبوَّتِه لقريش؛ لأنَّه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب، ولم يكن بمكة أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالتِ الرِّيبةُ والشَّكُ. الثانية: ذكر النقَّاش في تفسير هذه الآية عن الشَّعبي أنه قال: ما مات النبيُّ ﴾ حتى كتب(٣). وأسندَ أيضاً حديثَ أبي كبشة السَّلُولي؛ مضمنه: أنه # قرأ صحيفةً لعُيِينَةَ(٤) بن حِصن، وأخبر بمعناها. قال ابن عطية(٥): وهذا كلُّه ضعيف، وقول الباجي رحمه الله منه. قلت: وقع في ((صحيح مسلم)) من حديث البراء في صلح الحديبية أنَّ النبيَّ ﴾ قال لعلي: ((اكتُبِ الشَّرطَ بيننا: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ الله)» فقال له المشركون: لو نعلم أنَّكَ رسولُ الله تابعناك - وفي رواية بايعناك - (١) المحرر الوجيز ٣٢١/٤-٣٢٢. (٢) في إعراب القرآن ٣/ ٢٥٨٠ (٣) أخرجه البيهقي ٧/ ٤٢-٤٣ وقال: هذا حديث منقطع، وفي رواية جماعة من الضعفاء والمجهولين. (٤) أخرجه أبو داود (١٦٢٩). (٥) في المحرر الوجيز ٣٢٢/٤، والمسألة كلها منه. ٣٧٤ سورة العنكبوت: الآية ٤٨ ولكن اكتُبْ: محمدُ بن عبد الله. فأمرَ عليًّا أن يمحوَها، فقال عليٍّ: والله لا أمحاه. فقال رسول الله#: ((أرني مكانَها)) فأراه، فمحاها وكتب: ابن عبد الله(١). قال علماؤنا: وظاهر هذا أنه عليه الصلاة والسلام محا تلك الكلمة التي هي رسول الله -* - بيده، وكتب مكانها: ابن عبد الله. وقد رواه البخاري بأظهرَ من هذا، فقال: فأخذَ رسولُ الله:﴿ الكتابَ فكتب(٢). وزاد في طريق أخرى: ولا يحسن أن يكتب(٣). فقال جماعةٌ بجواز هذا الظاهر عليه وأنه كتب بيده، منهم السمناني وأبو ذرّ والباجي، ورأوا أنَّ ذلك غيرُ قادح في كونه أُميًّا، ولا مُعارِضٌ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِتَبٍ وَلَا تَُّّهُ بِنِكٌَ﴾ ولا لقوله: ((إنَّا أمةٌ أميَّةٌ لا نكتب ولا نحسب))(٤) بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهاراً على صدقه وصحة رسالته، وذلكَ أنه كتب من غير تعلّم لكتابة، ولا تعاطٍ لأسبابها، وإنَّما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركاتٍ كانت عنها خطوطٌ مفهومُها ابنُ عبد الله لمن قرأها، فكان ذلك خارقاً للعادة، كما أنه عليه الصلاة والسلام عَلِمَ الأوَّلين والآخرين من غير تعلُّم ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغَ في معجزاته، وأعظمَ في فضائله. ولا يزول عنه اسمُ الأميّ بذلك؛ ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: ولا يُحسنُ أن يكتب(٥). فبقي عليه اسمُ الأميِّ مع كونه قال: كتب. قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وقد أنكر هذا كثيرٌ من متفقِّهة الأندلس وغيرهم، وشدَّدوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليلٌ على عدم العلوم النظرية، وعد التوقّفِ في تكفير المسلمين، ولم يتفطّنوا؛ لأنَّ تكفير المسلم كقتله على ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في الصحيح(٦)، لاسيما (١) صحيح مسلم (١٧٨٣). وهو في مسند أحمد (١٨٥٦٧)، والبخاري (٢٦٩٨). (٢) صحيح البخاري (٢٦٩٩). (٣) صحيح البخاري (٤٢٥١). (٤) سلف ٢١٦/٢ . (٥) في المفهم ٣/ ٦٣٧-٦٣٨، وما قبله منه، يعني من قوله: وظاهر هذا أنه .... (٦) أخرجه أحمد (١٦٣٨٥)، والبخاري (٦١٠٥) من حديث ثابت بن الضحاك ﴾ مرفوعاً بلفظ: ((من رمى مؤمناً بكفرٍ فهو كقتله». ٣٧٥ سورة العنكبوت: الآية ٤٨ رميُّ مَنْ شهِدَ له أهل العصر بالعلم والفضل والإمامة، على أنَّ المسألة ليست قطعية، بل مستندُها ظواهِرُ أخبار أحادٍ صحيحة، غير أن العقل لا يُحيلها، وليس في الشريعة قاطعٌ يُحيلُ وقوعَها. قلتُ: وقال بعض المتأخّرين: مَنْ قال: هي آيةٌ خارقة، فيقال له: كانت تكون آيَةً لا تُنكرُ لولا أنَّها مناقضَةٌ لآيةٍ أخرى وهي كونه أمياً لا يكتب، وبكونه أميًّا في أمَّةٍ أمَيَّةٍ قامت الحج، وأُفحِمَ الجاحدون، وانحسمتِ الشُّبهة، فكيف يُطلِقُ الله تعالى يده فيكتب وتكون آية. وإنَّما الآيةُ ألاَّ يكتب، والمعجزات يستحيل أن يدفَعُ بعضُها بعضاً. وإنما معنى كتب وأخذ القلم، أي: أمرَ مَنْ يكتبُ به من كُتَّابه، وكان من كتبةِ الوحي بين يديه # ستةٌ وعشرون كاتباً(١). الثالثة: ذكر القاضي عياض عن معاوية أنه کان یکتب بين يدي النبي # فقال له : ((ألقِ الدَّواةَ، وحرِّفِ القَلَمَ، وأقِم الباءَ، وفَرِّقِ السينَ، ولا تُعوِّرِ الميمَ، وحَسِّنِ الله، ومُدَّ الرحمنَ، وجَوِّدِ الرحيم))(٢) قال القاضي: وهذا وإن لم تصحَّ الروايةُ أنه ﴿ كتبَ فلا يَبْعُدُ أن يُرزَقَ عِلمُ هذا، ويُمنعَ القراءةَ والكتابة(٣). قلت: هذا هو الصحيح في الباب أنه ما كتب ولا حرفاً واحداً، وإنما أمر من يكتب وكذلك ما قرأ ولا تهجّى. فإن قيل: فقد تهجَّى النبيُّ﴾ حين ذكر الدجّال فقال: ((مكتوبٌ بين عينيه: ك ا ف ر)) (٤) وقلتُم: إنَّ المعجزة قائمةٌ في كونه أميًّا؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ﴾ الآية، وقال: ((إنَّا أمةٌ أميَّةً لا نكتب (١) الروض الأنف ٣٦/٤ . (٢) ذكره الديلمي في الفردوس ٣٩٤/٥. وأخرجه السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء ص ١٧٠ من طريق الوليد بن مسلم، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن معاوية . الوليد بن مسلم يدلس التسوية ولم يصرح بالتحديث في كل طبقات الإسناد. ومكحول لم يسمع من معاوية فيما ذكر ابن أبي حاتم في المراسيل ص١٦٦ . (٣) المسألة في الشفا ٧٠٢/١-٧٠٣ . (٤) أخرجه أحمد (١٢٠٠٤)، والبخاري (٧١٣١)، ومسلم (٢٩٣٣) من حديث أنس ﴾. ٣٧٦ سورة العنكبوت: الآيتان ٤٨ - ٤٩ ولا نحسب)) فكيف هذا؟ فالجواب ما نصَّ عليه رسول الله 8# في حديث حذيفة، والحديث كالقرآن يفسِّرُ بعضُه بعضاً، ففي حديث حذيفة: ((يقرؤه كلُّ مؤمن كاتبٍ وغيرِ كاتب))(١) فقد نصَّ في ذلك على غير الكتاب ممن يكون أميًّا. وهذا من أوضح ما یکون جليًّا. قوله تعالى: ﴿بَلَ هُوَ ءَايَتُ بَيِّنَتُ فِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَّ وَمَا يَجْحَدُ بِثَايَتِنَآ ٤٩ إِلَّ الظَّالِمُونَ قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ ءَايَتُ بَبِنَتُ﴾ يعني القرآن. قال الحسن: وزعمَ الفرَّاء في قراءة عبد الله: ((بَلْ هيَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ)) المعنى: بل آياتُ القرآن آياتٌ بَيِّنات. قال الحسن: ومثله ﴿هَذَا بَصَآِرُ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] ولو كانت هذه لجاز، نظيره: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَِّ﴾ [الكهف: ٩٨](٢) قال الحسن: أُعطيتْ هذه الأمة الحِفظ، وكان مَنْ قبلها لا يقرؤون كتابَهم إلاَّ نظراً، فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلاَّ النبيُّون، فقال كعب في صفة هذه الأمة: إنهم حكماءُ علماءُ، وهم في الفقه أنبياء(٣). ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْرَّ﴾ أي: ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون من أنه سحرٌ أو شعر، ولكنه علاماتٌ ودلائلُ يُعرَفُ بها دينُ اللهِ وأحكامُه. وهي كذلك في صدور الذين أوتوا العلم، وهم أصحاب محمدٍ ﴾ والمؤمنون به، يحفظونه ويقرؤونه. ووصفهم بالعلم؛ لأنهم ميَّزوا بأفهامهم بين كلام الله وكلام البشر والشياطين. وقال قتادة وابن عباس: ﴿بَلْ هُوَ﴾ يعني محمداً ﴾ ﴿َايَتُّ بَبِنَتُ فِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلَّ﴾ من أهل الكتاب يجدونه مكتوباً عندهم في كتبهم بهذه الصفة أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولكنهم ظلموا أنفسهم وكتموا (٤). وهذا اختيار الطبري(٥). ودليلُ هذا القول قراءةُ ابن مسعود (١) أخرجه أحمد (٢٣٢٧٩)، ومسلم (٢٩٣٤): (١٠٥). (٢) إعراب القرآن ٣/ ٢٥٨، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢/ ٣١٧، وقراءة عبد الله هذه شاذة. (٣) النكت والعيون ٤/ ٢٨٧ . (٤) تفسير البغوي ٣/ ٤٧١ بنحوه. (٥) في تفسيره ١٨/ ٤٢٧ . ٣٧٧ سورة العنكبوت: الآيات ٤٩ - ٥٢ وابن السَّمَيفَعِ: ((بَلْ هَذَا آيَاتٌ بَيِّنَاتَ)) (١) وكان عليه الصلاة والسلام آياتٍ لا آيَةً واحدة؛ لأنه دلَّ على أشياءَ كثيرةٍ من أمر الدين؛ فلهذا قال: ﴿بَلْ هُوَ ءَايَتُ بَِّنَتٌ﴾. وقيل: بل هو ذو آيات بيِّنات، فحذف المضاف. ﴿وَمَا يَحْحَدُ بِثَايَِنَآ إِلَّ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكفار؛ لأنهم جحدوا نبؤَّتَه وما جاء به. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَتٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَّأْ نَذِيرٌ تُبِينُ ) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةُ وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِ وَيَنَكُمْ شَهِيدًاً يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ يه ﴾ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَتٌ مِّن رَّيّةِّ﴾ هذا قول المشركين لرسول اللـه ﴾، ومعناه: هلَّ أُنزِلَ عليه آيةٌ كآيات الأنبياء(٢). قيل: كما جاء صالحٌ بالناقة، وموسى بالعصا، وعيسى بإحياء الموتى(٣)، أي: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿إِنَّمَا آَلَيَتُ عِندَ اللَّهِ﴾ فهو يأتي بها كما يريد، إذا شاء أرسلها وليست عندي ﴿وَإِنَّمَآَ أَنْأَ نَذِيرٌ تُبِيثُ﴾(٤). وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي: ((آيةٌ)) بالتوحيد. وجمع الباقون(٥). وهو اختيار أبي عبيد؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآَيَثُ عِندَ اللَّهِ﴾(٦). قوله تعالى: ﴿أَوَلَّمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ هذا جوابٌ (١) وهي قراءة شاذة. (٢) الوسيط ٤٢٣/٣ . (٣) النكت والعيون ٢٨٨/٤ . (٤) الوسيط ٤٢٣/٣، وزاد المسير ٢٧٩/٦. (٥) السبعة ص٥٠١ ، والتيسير ص١٧٤ . (٦) وردّ هذا الاختيار أبو علي الفارسي في الحجة للقراء السبعة ٤٣٥/٥ . ٣٧٨ سورة العنكبوت: الآيات ٥٠ - ٥٢ لقولهم: (لَولا أُنزِلَ عَلَيِهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ))(١). أي: أوَ لم يكفِ المشركين من الآيات هذا الكتابُ المعجزُ الذي قد تحدَّيتَهُم بأن يأتوا بمثله و بسورةٍ منه، فعجزوا، ولو أتيتَهم بآيات موسى وعيسى لقالوا: سحرٌ ونحن لا نعرف السحر، والكلام مقدورٌ لهم، ومع ذلك عجزوا عن المعارضة. وقيل: إنَّ سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن عُيَينة عن عمرو بن دينار عن يحيى ابن جَعدة قال: أُتيّ النبيُّ﴾ بكتفٍ فيه كتاب، فقال: ((كفى بقومٍ ضلالةً أن يرغبوا عمَّا جاء به نبيُّهم إلى ما جاء به نبيٌّ غيرُ نبيِّهم أو كتابٌ غيرُ كتابهم)) فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ﴾ أخرجه أبو محمد الدارميُّ في ((مسنده))(٢). وذكره أهل التفسير في كتبهم (٣). وفي مثل هذا قال لعمر ﴾: ((لو كان موسى بن عمران حيًّا لَما وسِعَه إلاَّ اتِّباعي))(٤) وفي مثله قال ﴾: ((ليس مِنَّا منْ لم يَتغَنَّ بالقرآن))(٥) أي: يستغني به عن غيره. وهذا تأويل البخاري رحمه الله في الآية (٦). وإذا كان لقارِئِهِ بكلِ حرفٍ عشرُ حسناتٍ فأكثر على ما ذكرناه في مقدمة الكتاب، فالرغبة عنه إلى غيره ضلالٌ وخُسرانٌ وغُبنٌ ونقصان. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ أي: في القرآن ﴿لَرَحْمَةٌ﴾ في الدنيا والآخرة. وقيل: رحمةً في (١) المحرر الوجيز ٣٢٢/٤. (٢) (٤٧٨)، وأخرجه أبو داود في المراسيل (٤٥٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٣٨٠). وإسناده مرسل. (٣) ذكره النحاس في معاني القرآن ٢٣٣/٥، وأبو الليث في تفسيره ٥٤١/٢، والماوردي في النكت والعيون ٢٨٨/٤ - ٢٨٩، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٢٢/٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٢٧٩/٦ . (٤) أخرجه أحمد (١٥١٥٦) من حديث جابر بن عبد الله ﴾، وفي إسناده مجالد بن سعيد الهمداني، وهو ضعيف. وأخرجه أيضاً بنحوه (١٥٨٦٤) من حديث عبد الله بن ثابت ه، وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف أيضاً. (٥) سلف ٢١/١. (٦) إنما هو تأويل سفيان بن عيينة فيما نقل عنه البخاري في صحيحه عقب الحديث (٥٠٢٤). ٣٧٩ سورة العنكبوت: الآيات ٥١ - ٥٥ الدنيا باستنقاذهم من الضلالة. ﴿وَذِكْرَى﴾ في الدنيا بإرشادهم به إلى الحق ﴿لَقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾(١). قوله تعالى: ﴿قُلٌّ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ أي: قُلْ للمكذِّبين لكَ: كفى بالله شهيداً يشهدُ لي بالصدق فيما أدَّعِيه من أني رسولُه، وأنَّ هذا القرآنَ كتابُه(٢). ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء. وهذا احتجاجٌ عليهم في صحة شهادته عليهم؛ لأنهم قد أقرُوا بعلمه فلزمهم أن يُقِرُّوا بشهادته. ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ﴾ قال يحيى بن سلَّم: بإبليس. وقيل: بعبادة الأوثان والأصنام. قاله ابن شجرة. ﴿وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ﴾ أي: لتكذيبهم برسله، وجَخْدِهم لكتابه. وقيل: بما أشركوا به من الأوثان، وأضافوا إليه من الأولاد والأضداد . ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْخَِّرُونَ﴾ أنفسهم وأعمالهم في الآخرة(٣). قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى لَّهَ هُمُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ @ يَسْتَعْبِطُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِينَ يَوْمَ يَغْشَنُهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ لمَّا أنذرهم بالعذاب قالوا لفرط الإنكار: عَجِّلْ لنا هذا العذاب. وقيل: إنَّ قائل ذلك النَّضر بن الحارث وأبو جهل حين قالا : ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندَِ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَِّ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقولهم: ﴿رَّنَا عِّلِ لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦]. وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَنَى﴾ في نزول العذاب. قال ابن عباس: يعني: هو ما وعدتُكَ ألاَّ أُعذّبَ قومك وأُؤخّرهم إلى يوم القيامة. بيانه: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ (١) النكت والعيون ٢٨٩/٤. (٢) تفسير البغوي ٣/ ٤٧١ . (٣) النكت والعيون ٢٨٩/٤ . ٣٨٠ سورة العنكبوت: الآيات ٥٣ _ ٥٥ [القمر: ٤٦]. وقال الضخَّاك: هو مدَّة أعمارهم في الدنيا(١). وقيل: المراد بالأجل المسمى النفخة الأولى. قاله يحيى بن سلام(٢). وقيل: الوقت الذي قدَّره الله لهلاكهم وعذابهم. قاله ابن شجرة. وقيل: هو القتل يوم بدر(٣). وعلى الجملة فلكلِّ عذاب أجلٌ لا يتقدَّم ولا يتأخّر. دليله قوله: ﴿لِكُلِّ نَبَرِ مُسْتَقَرٌ﴾ [الأنعام: ٦٧]. ﴿بََّ هُ اٌلْعَذَابٌ﴾ يعني: الذي استعجلوه. ﴿وَلَيَأْنِيَنَّهُ بَغْنَةً﴾ أي: فجأةً. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يعلمون بنزوله عليهم(٤). ﴿وَيَسْتَعُِْوَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أي: يستعجلونك وقد أعدَّ لهم جهنم وأنها ستحيط بهم لا محالة، فما معنى الاستعجال. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي أمية وأصحابه من المشركين حين قالوا ﴿أَوْ تُشْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفَا﴾ [الإسراء: ٩٢]. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَنُهُمُ اٌلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ قيل: هو متَّصلٌ بما هو قبله، أي: يوم يصيبهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فإذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم(٥). وإنما قال: ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ للمقاربة، وإلَّا فالغشيان من فوق أعَمُّ، كما قال الشاعر : عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدا(٦) وقال آخر: لقد كان قَوَّادَ الجيادِ إلى العِداء عليهنَّ غابٌ من قَنّى ودروعٍ(٧) (١) تفسير البغوي ٣/ ٤٧١، وقول الضحاك في الوسيط ٤٢٤/٣، وزاد المسير ٢٨٠/٦. (٢) النكت والعيون ٤/ ٢٩٠ . (٣) زاد المسير ٦/ ٢٨٠ عن الثعلبي. (٤) النكت والعيون ٢٩٠/٤ . (٥) تفسير البغوي ٣/ ٤٧٢ . (٦) هذا صدر بيت عجزه: حتى شتت همَّالةً عيناها. وقد سلف ٢٩١/١ . (٧) قائله الفرزدق، وهو في ديوانه ص ٤١٠، وفيه: الوغى بدل العدا.