Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سورة العنكبوت: الآيات ٩ - ١١
وقراءة العامة: ((حُسْناً)) بضمِّ الحاء وإمكان السين. وقرأ أبو رجاء وأبو العالية
والضحَّاك: بفتح الحاء والسين(١). وقرأ الجحدري: ((إحسانا)) على المصدر، وكذلك
في مصحف أُبيّ (٢)، التقدير: ووصَّينا الإنسانَ أن يُحسنَ إليهما إحساناً(٣)، ولا
ينتصبُ بوصَّينا؛ لأنه قد استوفى مفعولیه.
﴿إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعيدٌ في طاعة الوالدين في معنى الكفر. ﴿فَأُتْبِئُكُم بِمَا كُمْ
تَعْمَلُونَ * وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَتُدْيِلَنَّهُمْ فِي الصَّلِينَ﴾ كرَّر تعالى التمثيل بحالة
المؤمنين العاملين لتحرُّكِ النفوس إلى نيل مراتبهم. وقوله: ﴿لَنُدِْلَّهُمْ فِي الصَّلِينَ﴾
مبالغةٌ على معنى: فالذين هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته. وإذا تحصَّلَ للمؤمن هذا
الحكم تحضَّلَ ثمرتُه وجزاؤه وهو الجنة(٤).
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِلَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اَللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ
كَعَذَابٍ اَللَّهِ وَلَيِنِ جََّ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ
بِمَا فِي صُدُورِ الْعَلَمِينَ ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾ الآية نزلت في المنافقين كانوا
يقولون: آمنًّا بالله ﴿فَإِذَا أُوزِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ أي: أذاهم ﴿كَعَذَابِ الَّهِ﴾ في
الآخرة، فارتدَّ عن إيمانه(٥). وقيل: جزعَ من ذلك كما يجزَعُ من عذاب الله ولا يصبر
على الأذيَّةِ في اللـه (٦). ﴿وَلَيِنِ جَ﴾ المؤمنين ﴿نَصْرٌ مِّنِ زَبِّكَ لَيَقُولُنَّ﴾ هؤلاء
المرتدون: ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ وهم كاذبون، فقال الله لهم: ﴿أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِىِ
(١) الشاذة ص١١٤ عن عيسى والجحدري، وزاد المسير ٢٥٦/٦ عن ابن مسعود وأبي رجاء.
(٢) المحرر الوجيز ٣٠٨/٤، وزاد المسير ٢٥٦/٦ ونسبها أيضاً إلى أبي مجلز، وهي قراءة شاذة.
(٣) إعراب القرآن ٢٤٩/٣ .
(٤) المحرر الوجيز ٣٠٨/٤ .
(٥) سيرد معناه قريباً عن الضحاك.
(٦) الوسيط ٤١٤/٣ .

٣٤٢
سورة العنكبوت: الآيات ١٠ - ١٣
صُدُورِ اٌلْعَلَمِينَ﴾ يعني: اللهُ أعلَمُ بما في صدورهم منهم بأنفسهم. وقال مجاهد:
نزلت في ناسٍ كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاءٌ من الله أو مصيبةٌ في أنفسهم
افتُيِنوا(١). وقال الضخَّاك: نزلت في ناسٍ من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أُوذوا
رجعوا إلى الشرك(٢). وقال عكرمة: كان قومٌ قد أسلموا فأكرههم المشركون على
الخروج معهم إلى بدر، فقُتِلَ بعضُهم، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِىّ
أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨] فكتبَ بها المسلمون من المدينة إلى المسلمين بمكة، فخرجوا،
فلحِقَهم المشركون، فافتتنَ بعضهم، فنزلت هذه الآية فيهم (٣). وقيل: نزلت في عيَّاش
ابن أبي ربيعة؛ أسلم وهاجر، ثم أوذي وضُرِبَ، فارتَدَّ. وإنما عذَّبه أبو جهل
والحارث وكانا أخويه لأمه. قال ابن عباس: ثم عاش بعد ذلك بدهرٍ وحَسُنَ
إسلامه(٤). ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ﴾ قال قتادة: نزلت في القوم
الذين ردَّهم المشركون إلى مكة (٥).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ
وَمَا هُم بِحَمِلِينَ مِنْ خَطَهُم مِّنِ شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٧) وَلَيَحْيِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ
وَأَنْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِمِّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّبِعُواْ سَلَنَا﴾ أي: دینَنا.
﴿وَلْنَحْيِلْ خَطَيَئِكُمْ﴾ جزمٌ على الأمر(٦). قال الفرَّاء والزجَّاج: هو أمرٌ في تأويل
(١) أخرجه الطبري ٣٦٥/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧١٧١)، وهو في تفسير البغوي ٤٦٢/٣،
وزاد المسير ٢٥٩/٦ .
(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٣٦٥، وهو في زاد المسير ٢٥٩/٦، ومجمع البيان ٣٣٩/٢٠.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٥-٩٦ عن عكرمة. وأخرجه الطبري ٣٦٦/١٨، وابن أبي حاتم
(١٧١٧٠) عن عكرمة عن ابن عباس.
(٤) زاد المسير ٢٥٩/٦، ومجمع البيان ٣٣٩/٢٠.
(٥) أخرجه الطبري ٣٦٦/١٨، وهو في تفسير البغوي ٤٦٢/٣، ومجمع البيان ٣٣٩/٢.
(٦) تفسير البغوي ٣/ ٤٦٢ .

٣٤٣
سورة العنكبوت: الآيتان ١٢ - ١٣
الشرط والجزاء، أي: إن تَّبعوا سبيلَنا نحمِلْ خطاياكم، كما قال:
فقلتُ ادعِي وأدعُ إِنَّ أندَى لِصَوتٍ أن يُنَادِيّ داعيانٍ(١)
أي: إن دعوتِ دعوتُ(٢). قال المهدويّ: وجاء وقوع ﴿إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ بعده
على الحمل على المعنى؛ لأنَّ المعنى: إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم. فلما كان
الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر وقع عليه التكذيب كما يوقع عليه الخبر. قال
مجاهد: قال المشركون من قريش: نحن وأنتم لا نُبعَثُ، فإن كان عليكم وزرٌ فعلينا.
أي: نحن نحمل عنكم ما يلزمكم (٣). والحمل هاهنا بمعنى الحَمالة لا الحمل على
الظهر. ورُوي أنَّ قائل ذلك الوليدُ بن المغيرة(٤).
﴿وَلَيَحْيِلُكَ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًاً مَّعَ أَنْقَالِهِمٌ﴾ يعني: ما يحمل عليهم من سيئات من ظلموه
بعد فراغ حسناتهم. روي معناه عن النبيّ {#، وقد تقدَّم في ((آل عمران))(٥). قال أبو
أمامة الباهلي: ((يُؤتى بالرجل يومَ القيامة وهو كثير الحسنات، فلا يزالُ يقتَصُ منه
حتى تفنى حسناتُه، ثم يُطالبُ فيقول الله عزَّ وجلَّ: اقتصُّوا من عبدي. فتقول
الملائكة: ما بَقِيَتْ له حسناتٌ. فيقول: خُذوا من سيئات المظلوم فاجعلوا عليه)» ثم
تلا رسولُ اللـه ◌َ#: ﴿وَلَيَحْيِلُكَ أَتْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَاِهِمٌ﴾. وقال قتادة: من دعا إلى
ضلالةٍ كان عليه وزْرُها وَوِزرُ مَن عملَ بها ولا يُنقَصُ من أوزارهم شيءٍ. ونظيره
(١) نسبه سيبويه في الكتاب ٣/ ٤٥ إلى الأعشى، ولم نقف عليه في ديوانه. ونُسب في شرح الفصل ٣٣/٧
إلى ربيعة بن هشيم، وفي أمالي القالي ٢/ ٩٠ إلى الفرزدق، وفي المحرر الوجيز ٣٠٩/٤، واللسان
اندي) إلی دثار بن شيبان النمري.
(٢) إعراب القرآن ٢٤٩/٣-٢٥٠، وينظر معاني القرآن للفراء ٣١٤/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١٦١/٤
- ١٦٢ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٢١٥/٥.
(٤) المحرر الوجيز ٣٠٩/٤.
(٥) ٣٩١/٥ - ٣٩٢.

٣٤٤
سورة العنكبوت: الآيتان ١٢ - ١٣
قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُمْ بِغَيْرِ
عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] (١). ونظير هذا قوله عليه السلام: ((مَنْ سنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئةً
فعليه وزرُها وَوِزرُ مَنْ عملَ بها بعده من غير أن ينقُصَ من أوزارهم شيءٍ»(٢) ورُويَ
من حديث أبي هريرة وغيره (٣). وقال الحسن: قال النبيُّ ◌َ﴾: ((مَن دعا إلى هدّى فاتُّبِعَ
عليه وعُمِلَ به فله مثلُ أجورٍ مَنِ اتَّبعه ولا يَنقُصُ ذلك من أجورهم شيئاً، وأيُّما داع
دعا إلى ضلالةٍ فاتُّبعَ عليها وعُمِلَ بها بعدَه فعليه مثلُ أوزارِ مَنْ عملَ بها ممن اتَّبعه لا
يَنقُصُ ذلك من أوزارهم شيئاً)) ثم قرأ الحسن: ﴿وَلَيَحْيِلُكَ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ
أَنْقَاِمٌ﴾ (٤).
قلت: هذا مرسل، وهو معنى حديث أبي هريرة. خرَّجه مسلم(٥). ونصُّ حديث
أنس بن مالك عن رسول اللـه # أنه قال: «أيُّما داعٍ دعا إلى ضلالةٍ فاتُّبِعَ فإنَّ له مثلَ
أوزارٍ مَنِ اتَّبعه ولا يَنقُصُ من أوزارهم شيئاً، وأيُّما داعٍ دعا إلى هدى فاتُّبِعَ فإنَّ له مثلَ
أجور مَنِ اتَّبَعَه ولا يَنقُصُ من أجورهم شيئاً)» خرَّجه ابن ماجه في السنن(٦). وفي الباب
عن أبي جُحَيفة وجرير(٧). وقد قيل: إنَّ المرادَ أعوانُ الّلمة. وقيل: أصحابُ البدع
إذا اتُّبِعوا عليها. وقيل: مُحدِثو السنن الجائرة إذا عُمِلَ بها من بعدهم(٨). والمعنى
متقاربٌ، والحدیث یجمع ذلك كلَّه.
(١) معاني القرآن للنحاس ٢١٦/٥-٢١٧ . وحديث أبي أمامة ﴾ أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم في تفسيره
(١٧١٨٦). وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٩٦/٢ .
(٢) أخرجه أحمد (١٩١٧٤)، ومسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله ﴾. وقد سلف ٣٣٦/٣.
(٣) كما سيأتي قريباً.
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١٤٣/٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) في صحيحه (٢٦٧٤)، وهو في مسند أحمد (٩١٦٠).
(٦) برقم (٢٠٥).
(٧) حديث أبي جحيفة ﴾ أخرجه ابن ماجه (٢٠٧)، وحديث جرير ﴾ سلف آنفاً.
(٨) النكت والعيون ٢٧٨/٤. وفي (د) و(م): السنن الحادثة. وفي (ظ): الجارية.

٣٤٥
سورة العنكبوت: الآيتان ١٤ - ١٥
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنٍَّ إِلَّا خَمْسِينَ
عَامًا فَأَخَذَهُمُ اُلُّوفَاتُ وَهُمْ خَالِمُونَ ﴿ فَأََْهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْتَهَاَ
ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُومًا إِلَى قَوَّيِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَّكٍ إِلََّّ خَمْسِينَ عَامَا﴾
ذكر قصة نوحٍ تسليةً لنبيِّه #، أي: ابتُلَي النبيون قبلَكَ بالكفار فصبرا. وخصّ نوحاً
بالذكر، لأنَّه أوَّلُ رسولٍ أُرسِلَ إلى أهل(١) الأرض وقد امتلأت كفراً على ما تقدَّم
بيانُه في ((هود)»(٢). وأنه لم يلقَ نبيٌّ من قومه ما لقيَ نوحٌ على ما تقدَّم في ((هود)» عن
الحسن. ورُويَ عن قتادة عن أنس أنَّ النبيَّ : # قال: ((أوّلُ نبيٍّ أُرسِلَ نوح))(٣) قال
قتادة: ويُعِثَ من الجزيرة(٤). واختُلِفَ في مبلَغِ عمره، فقيل: مبلَغُ عمره ما ذكره الله
تعالى في كتابه. قال قتادة: لبِثَ فيهم قبل أن يدعوهم ثلاث مئة سنة، ودعاهم ثلاث
مئة سنة، ولبِثَ بعد الطوفان ثلاث مئةٍ وخمسين سنة(٥). وقال ابن عباس: بُعِثَ نوحٌ
لأربعين سنة، ولبِثَ في قومه ألف سنةٍ إلَّ خمسين عاماً، وعاش بعد الغرق ستين سنةً
حتى كثُرَ الناس وفشَوا(٦). وعنه أيضاً: أنه بُعِثَ وهو ابن مئتين وخمسين سنة، ولبِثَ
فيهم ألفَ سنةٍ إلاَّ خمسين عاماً (٧)، وعاش بعد الطوفان مئتي سنة. وقال وهب: عُمِّرَ
نوحٌ ألفاً وأربع مئة سنة. وقال كعب الأحبار: لبِثَ نوحٌ في قومه ألفَ سنةٍ إلاَّ خمسين
(١) كلمة أهل من (ظ).
(٢) ١٢٩/١١ .
(٣) أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠٤٧٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٤٣/٦٢ .
وأخرجه بنحوه أحمد (١٢١٥٣)، والبخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣) من طريق قتادة أيضاً، به.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٦٢٢) و(١٠٤٧٨) و(١٠٥٠٣).
(٥) النكت والعيون ٢٧٨/٤ . وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم (١٧١٩٦).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٦١/١٣، وابن أبي حاتم (١٧١٩٤)، والواحدي في الوسيط ٤١٥/٣. وهو في
النكت والعيون ٢٧٨/٤-٢٧٩. وسلف ٢٥٩/٩ .
(٧) كلمة عاماً من (ظ).

٣٤٦
سورة العنكبوت: الآيتان ١٤ - ١٥
عاماً، وعاش بعد الظُوفان سبعين عاماً، فكان مبلَغُ عمره ألفَ سنةٍ وعشرين عاما(١).
وقال عون بن أبي شدَّاد: بُعِثَ نوحٌ وهو ابن خمسين وثلاث مئة سنة، ولبِثَ في قومه
ألف سنةٍ إلاَّ خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان ثلاث مئة سنة وخمسين سنة، فكان
مبلغُ عمره ألفَ سنةٍ وستّ مئة سنة وخمسين سنة(٢). ونحوه عن الحسن؛ قال
الحسن: لمَّا أتى ملَكُ الموت نوحاً ليقبضَ روحه قال: يا نوحُ، كم عشْتَ في الدنيا؟
قال: ثلاث مئةٍ قبل أن أُبعث، وألفَ سنةٍ إلاَّ خمسين عاماً في قومي، وثلاث مئة سنة
وخمسين سنة بعد الظُّوفان. قال ملَكُ الموت: فكيف وجدتَ الدنيا؟ قال نوح: مثلَ
دارٍ لها بابان، دخلتُ من هذا وخرجتُ من هذا(٣). ورُوي من حديث أنس قال: قال
رسول الله ﴾: «لمَّا بَعثَ الله نوحاً إلى قومه بعثَه وهو ابن خمسين ومئتي سنة، فلبثَ
في قومه ألف سنةٍ إلاَّ خمسين عاماً، وبقي بعد الطوفان خمسين ومئتي سنة، فلَّما أتاه
ملَكُ الموت قال: يا نوح، يا أكبر الأنبياء، ويا طويل العمر، ويا مُجابَ الدعوة،
كيف رأيتَ الدنيا؟ قال: مثلَ رجلٍ بُنيَ له بيتٌ له بابان، فدخل من واحدٍ وخرجَ من
الآخر)) وقد قيل: ((دخلَ من أحدهما وجلسَ هُنيهةً، ثم خرج من الباب الآخر)) (٤).
وقال ابن الورد(٥) . : بَنَى نوحٌ بيتاً من قصب، فقيل له: لو بنيتَ غير هذا. فقال: هذا
كثيرٌ لمن يموت(٦). وقال أبو المهاجر: لبثَ نوحٌ في قومه ألف سنةٍ إلاَّ خمسينَ عاماً
في بيتٍ من شَعر، فقيل له: يا نبيَّ الله، ابنٍ بيتاً. فقال: أموتُ اليوم(٧)، أموتُ
(١) النكت والعيون ٢٧٩/٤ .
(٢) أخرجه الطبري ٣٧٠/١٨، وابن أبي حاتم (١٧١٩٨). وهو في النكت والعيون ٢٧٩/٤، وسلف
مختصراً ٩/ ٢٥٩ .
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٢/ ٢٨١.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (٢٢٩)، وابن عساكر ٦٣ / ٢٨١ .
(٥) في (د) و(م): الوردي، والتصويب من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في الصادر، واسمه وهب بن
الورد.
(٦) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٤٥/٨، والبيهقي في الشعب (١٠٧٥١)، وابن عساكر ٦٢/ ٢٨٠ .
(٧) بعدها في (م) كلمة أو، وهي ليست في النسخ الخطية ولا في المصادر.

٣٤٧
سورة العنكبوت: الآيتان ١٤ - ١٥
غداً(١). وقال وهب بن مُنبِّه: مرَّتْ بنوحٍ خمسُ مئة سنةٍ لم يقرَبِ النساءَ وَجَلاً من
الموت(٢). وقال مقاتل وجُويبر: إنَّ آدم عليه السلام حين كِرَ ورقَّ عظمُه قال: يا ربِّ
إلى متى أكدُّ وأسعى؟ قال: يا آدم، حتى يولَدَ لكَ ولدٌ مختون. فوُلِدَ له نوحٌ بعد عشرةٍ
أبطُنٍ، وهو يومئذٍ ابنُ ألف سنةٍ إلاَّ ستين عاماً. وقال بعضهم: إلاَّ أربعين عاماً. والله
أعلم. فكان نوح بن لامك بن متوشلخ بن إدريس وهو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن
قينان بن أنوش بن شيث بن آدم. وكان اسمُ نوحِ السكن. وإنمَّا سُمِّي السكن؛ لأنَّ
الناس بعد آدم سكنوا إليه، فهو أبوهم(٣). ووُلِدَ له سامٌ وحامٌ ويافث، فولَدَ سامٌ
العربَ وفارسَ والروم، وفي كل هؤلاء خير، وولَدَ حامُ القبطَ والسودانَ والبربر.
ووَلَدَ يافثٌ التركَ والصقالبةَ ويأجوج ومأجوج. وليس في شيء من هؤلاء خير (٤).
وقال ابن عباس: في ولد سامٍ بياضٌ وأُدمة، وفي ولدٍ حامٍ سوادٌ وبياضٌ قليل. وفي
ولَدِ يافث - وهم الترك والصقالبة - الصُّفرةُ والحُمرة. وكان له ولدٌ رابعٌ وهو كنعان
الذي غرق، والعرب تسمِّيه يام(٥). وسُمِّي نوحٌ نوحاً لأنه ناحَ على قومه ألف سنةٍ إلاَّ
خمسين عاماً، يدعوهم إلى الله تعالى، فإذا كفروا بكى وناحَ عليهم(٦). وذكر
القشيري أبو القاسم عبد الكريم في كتاب ((التخبير)) له: يُروى أنَّ نوحاً عليه السلام
کان اسمُه یشکر، ولکن لکثرة بکائه علی خطيئته أوحى الله إليه: یا نوح، كم تنوح؟
فسُمِّي نوحاً، فقيل: يا رسول الله، فأيُّ شيءٍ كانت خطيئته؟ فقال: ((إنَّه مرَّ بكلبٍ
(١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٠٧٥٠)، وابن عساكر ٦٢/ ٢٨٠ .
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٩/٤، وابن عساكر ٢٨٠/٦٢.
(٣) أخرجه ابن عساكر ٢٤٢/٦٢ .
(٤) أخرجه البزار (كشف الأستار) (٢١٨)، وابن عدي ٢٧٢٥/٧ من طريق محمد بن يزيد بن سنان، عن
أبيه، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعاً. محمد بن يزيد بن سنان وأبوه
ضعيفان. ميزان الاعتدال ٦٩/٤ و ٤٢٧ .
(٥) أخرجه ابن سعد ١/ ٤٠-٤١ عن هشام بن السائب الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس﴾.
هشام بن السائب وأبوه متروكان.
(٦) هو تتمة قول مقاتل وجويبر الآنف الذكر.

٣٤٨
سورة العنكبوت: الآيتان ١٤ - ١٥
فقال في نفسه: ما أقبحَه! فأوحى الله إليه: اخلُقْ أنتَ أحسنَ من هذا)). وقال يزيد
الرَّقاشي: إنما سُمِّي نوحاً لطول ما ناحَ على نفسه(١). فإن قيل: فلِمَ قال: ﴿أَلْفَ سَنَّةٍ
إِلَّا خَسِينَ عَامًا﴾ ولم يقل: تسع مئة وخمسين عاماً؟ ففيه جوابان: أحدهما - أنَّ
المقصودَ به تكثيرُ العدد، فكان ذِكرُه الألفَ أكثرَ في اللفظ وأكثرَ في العدد. الثاني - ما
رُوي أنه أُعطيَ من العمر ألفَ سنة، فوهبَ من عمره خمسين سنةً لبعض ولده، فلمَّا
حضرته الوفاة رجع في استكمال الألف، فذكر اللهُ تعالى ذلك تنبيهاً على أنَّ النَّقيصةَ
كانت من جهته ﴿فَأَخَذَهُمُ الُوفَاتُ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جُبير وقتادة: المطر.
الضحَّاك: الغرق. وقيل: الموت. روَته عائشة رضي الله عنها عن النبيِّ﴾. ومنه قول
الشاعر :
أفناهمُ طوفانُ موتٍ جارفُ(٢)
قال النخَّاس(٣): يُقال لكلِّ كثيرٍ مُطيفٍ بالجميع من مطرٍ أو قتلٍ أو موتٍ:
طوفان.
﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ جملة في موضع الحال و((ألْفَ سَنَةٍ)) منصوبٌ على الظرف ((إلَّا
خَمسِينَ عَامًا)) منصوبٌ على الاستثناء من الموجب. وهو عند سيبويه بمنزلة المفعول؛
لأنه مستغنّى عنه كالمفعول. فأما المبرّد أبو العباس محمد بن يزيد فهو عنده مفعولٌ
مَحْضِّ. كأنَّك قلت: استثنيتُ زيداً (٤).
تنبيه - روى حسان بن غالب بن نَجيح أبو القاسم المصري، حدثنا مالك بن
أنس، عن الزُّهريِّ، عن ابن المسيِّب، عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﴾.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨٦٢٦) و(١٥٧٦٥)، وأبو نعيم في الحلية ٥١/٣ ، وابن عساكر
٢٤١/٦٢.
(٢) النكت والعيون ٢٧٨/٤-٢٧٩. وقول الضحاك أخرجه الطبري ٣٧١/١٨، وابن أبي حاتم (١٧٢٠٢).
وحديث عائشة رضي الله عنها أخرجه ابن أبي حاتم أيضاً (١٧١٩٩).
(٣) في معاني القرآن ٢١٧/٥ .
(٤) إعراب القرآن ٢٥٠/٣ و٢٥٢.

٣٤٩
سورة العنكبوت: الآيات ١٥ - ١٩
((كان جبريلُ يُذاكرني فَضْلَ عمرَ، فقلتُ: يا جبريلُ، ما بلَغَ فضلُ عمر؟ قال لي: یا
محمد، لو لبثتُ معكَ ما لبِثَ نوحٌ في قومه ما بلَغْتُ لكَ فضل عمر)) ذكره الخطيب أبو
بكر أحمد بن ثابت البغدادي، وقال: تفرَّدَ بروايته حسان بن غالب عن مالك، ولیس
بثابت من حديثه(١).
قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾ معطوف على الهاء(٢). ﴿وَجَعَلْتَهَآ ءَايَةً
لِلْعَلَمِينَ﴾ الهاء والألف في ((جَعَلنَاهَا)) للسفينة، أو للعقوبة، أو للنجاة؛ ثلاثة
أقوال(٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْزَهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
كُنْتُمْ تَعْلَّمُونَ ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا وَتَخْلُقُونَ إِفْكَاْ إِنَّ
الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَبْثَغُواْ عِندَ اَللَّهِ الْرِزْقَ
وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُّهْ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَرٌ مِّن
قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ ٨ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِىُ اَللَّهُ
اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
قوله تعالى: ﴿وَإِزَهِيمَ﴾ قال الكسائي: ((وإبرَّاهيمَ)) منصوبٌ بـ((أنجَينا)) يعني أنه
معطوفٌ على الهاء. وأجاز الكسائي أن يكون معطوفاً على نوح، والمعنى: وأرسلنا
إبراهيم. وقول ثالث: أن يكون منصوباً بمعنى: واذكُرْ إبراهيم(٤). ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُوا
اللَّهَ﴾ أي: أفردوه بالعبادة. ﴿وَأَثَّقُوءُ﴾ أي: اتَّقوا عقابه وعذابه. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
أي: من عبادة الأوثان. ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).
(١) وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك كما في لسان الميزان ١٨٩/٢، وتمام الرازي في فوائده
(١٤٦٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٣٧/٤٤-١٣٨ من طريق الفتح بن نصر، عن حسان بن
غالب، به. قال الدارقطني: هذا لا يصح عن مالك، وفتح وحسان ضعيفان، وهذا الحديث موضوع.
(٢) إعراب القرآن ٣/ ٢٥٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٣١٠/٤.
(٤) إعراب القرآن ٢٥٢/٣ .
(٥) زاد المسير ٢٣٦/٦ .

٣٥٠
سورة العنكبوت: الآيات ١٦ - ١٩
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ أَوَّثَنًا﴾ أي: أصناما(١). قال أبو عبيدة:
الصَّنم: ما يُتَّخذُ من ذهبٍ أو من فضةٍ أو نحاس، والوثن: ما يُتَّخذُ مِن جَصِّ أو
حجارة(٢). الجوهري: الوثن: الصنم والجمع وُثْنٌّ وأوثانٌ، مثل أُسُد وآساد(٣).
﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكَأْ﴾ قال الحسن: معنى ((تَخلُقُونَ)): تنحتون(٤). فالمعنى: إنما تعبدون
أوثاناً وأنتم تصنعونها(٥). وقال مجاهد: الإفك: الكذب(٦). والمعنى: تعبدون الأوثان
وتخلقون الكذب(٧). وقرأ أبو عبد الرحمن: ((وَتخَلَّقُونَ))(٨). وقُرِئ: ((تُخَلِّقُونَ)) بمعنى
الكثير من خَلَّق و ((تَخَلَّقُونَ» من تخَلَّق بمعنى تَكَذَّب وتخرَّص. وقُرِئ: ((أفِكًا)) وفيه
وجهان: أن يكون مصدراً نحو كذِب ولعِب، والإفك مخففاً منه كالكذب واللعب. وأن
يكون صفةً على فَعِل أي خَلِقاً أفِكًا، أي: ذا إفكٍ وباطل(٩). و((أوثَانًا)) نُصِبَ
بِ(تَعْبُدُونَ)) و((ما)) كافة. ويجوز في غير القرآن رفعُ أوثانٍ على أن تُجعَلَ ((ما)) اسماً؛ لأنَّ
و(تَعْبُدُونَ)) صِلتُه، وحُذفتِ الهاء لطول الاسم، وجُعِلَ أوثان خبر إنَّ. فأمَّا ((وتَخلُقُونَ
إفكّا)) فهو منصوبٌ بالفعل لا غير (١٠). وكذا ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْنَغُواْ عِندَ اللَّهِ
الْرِزْفَ﴾ أي: اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله، فإيَّاه فاسألوه وحده دون غيره.
(١) معاني القرآن للزجاج ١٦٥/٤. ونسبه في زاد المسير ٢٦٤/٦ إلى مقاتل. وأخرجه الطبري ٣٧٣/١٨،
وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٢١٠) عن قتادة.
(٢) مجاز القرآن ١١٤/٢ مختصراً.
(٣) الصحاح (وثن).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٩٦.
(٥) معاني القرآن للزجاج ١٦٥/٤.
(٦) أخرجه الطبري ١٨/ ٣٧٤ .
(٧) المحرر الوجيز ٣١١/٤ بنحوه.
(٨) معاني القرآن للفراء ٣١٥/٢، والمحتسب ١٦٠/٢ وزاد نسبتها إلى زيد بن علي، والشاذة ص١١٤
وزاد نسبتها إلى علي بن أبي طالب وابن الزبير، والمحرر الوجيز ٣١١/٤ وزاد نسبتها إلى عون العقيلي
وقتادة وابن أبي ليلى.
(٩) الكشاف ٢٠١/٣. وقراءة: ((تُخلِّقون)) لم نقف عليها عند غير المصنّف، وهي قراءة شاذة. وقراءة:
((أفِكا) في المحتسب ٢/ ١٦٠ عن فضيل بن مرزوق وابن الزبير، والشاذة ص١١٤ عن ابن الزبير.
(١٠) إعراب القرآن ٢٥٢/٣-٢٥٣.

٣٥١
سورة العنكبوت: الآيات ١٨ - ٢٥
﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَُّ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ فقيل: هو من قول(١) إبراهيم أي
التكذيب عادة الكفار وليس على الرسل إلا التبليغ.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىُ اَللَّهُ الْخَلْقَ﴾ قراءةُ العامَّة بالياء على الخبر
والتوبيخ لهم، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. قال أبو عبيد: لِذكْرِ الأمم، كأنه
قال: أَوَلَم يرَ الأممُ كيف. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثَّاب وحمزة والكسائي:
(تَرَوْا)) بالتاء خطاباً؛ لقوله: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ﴾(٢). وقد قيل: ﴿وَإِن ◌ُكَذِبُواْ﴾ خطابٌ
لقريش ليس من قول إبراهيم. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعني الخلق والبعث. وقيل: المعنى: أوَ
لَم يروا كيفَ يُبدِئُ اللهُ الثمارَ فتحيا، ثم تفنى، ثم يُعيدها أبداً. وكذلك يبدأ خلق
الإنسان ثم یهلکه بعد أن خلق منه ولداً، وخلق من الولدٍ ولداً، وكذلك سائر
الحيوان. أي: فإذا رأيتم قدرته على الإبداء والإيجاد فهو القادر على الإعادة ﴿إِنَّ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لأنه إذا أراد أمراً قال له: كُنْ فيكون.
قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَّ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ
الَّقْأَةَ الْآخِرَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (١٨) يُعَذِبُ مَن يَشَاءُ وَيَرَّحَمُ مَن يَشَاءُ
وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِرِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَمَا لَكُم مِّن
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَلِقَآَبِهِ: أُوْلَئِكَ
دُونِ اللَّهِ مِنْ وَإِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (*)
يَبِسُواْ مِنْ زَحْمَتِ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَن
قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنَجَنُهُ اَللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٢٤
وَقَالَ إِنَّمَا أَتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا قَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَأْ ثُمَّ يَوْمَ
اَلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا
لَكُم مِّن نَّصِرِينَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيْرُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي: قُلْ لهم يا محمد: سيروا في الأرض
(١) في (م): قوله. والمثبت من النسخ الخطية.
(٢) قراءة حمزة والكسائي وأبو بكر في المشهور عنه عن عاصم في السبعة ص٤٩٨، والتيسير ص ١٧٣ .

٣٥٢
سورة العنكبوت: الآيات ٢٠ - ٢٥
﴿فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَّ﴾ على كثرتِهم وتفاوتٍ هيئاتِهم واختلافٍ ألسنتهم
وألوانهم وطبائعهم، وانظروا إلى مساكن القرون الماضية وديارهم وآثارهم كيف
أهلكم؛ لتعلموا بذلك كمالَ قدرة الله. ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنِقُ النَّشَأَةَ الْآَخِرَةُ﴾ وقرأ أبو عمرو
وابن كثير: ((النَّشَاءَةَ)) بفتح الشين(١)، وهما لغتان مثل الرأفةِ والرآفةِ وشِبْهِه(٢).
الجوهري: أنشأه اللهُ خلقَه، والاسم النَّشأة، والنَّشاءة بالمدِّ عن أبي عمرو بن
العلاء (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِبُ مَن يَشَآءُ﴾ أي: بعدله. ﴿وَيَّحَمُ مَن
يَشَاءٌ﴾ أي: بفضله. ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ترجعون وتُرَدُّون(٤).
﴿وَمَّا أَنْتُم بِمُعْجِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ﴾ قال الفرَّاء: معناه: ولا مَنْ في
السماء بمعجزين الله. وهو غامضٌ في العربية؛ للضمير الذي لم يظهر في الثاني، وهو
كقول حسان(٥) :
فمَنْ يَهْجو رسولَ اللهِ منكم ويَمدُحُهُ ويَنصرُهُ سَواءُ
أرادَ: ومَنْ يمدحه وينصره سواء، فأضمرَ مَنْ(٦). وقاله عبد الرحمن بن زيد(٧).
ونظيره قوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أي: مَنْ له.
والمعنى: إنَّ الله لا يُعجِزُه أهلُ الأرض في الأرض ولا أهلُ السماءِ إن عَصَوه. وقال
قُظْرُب: ولا في السماء لو كنتم فيها، كما تقول: لا يفوتُني فلانٌ بالبصرةِ ولا هاهنا،
بمعنى: لا يفوتني بالبصرة لو صارَ إليها. وقيل: لا يستطيعون هرباً في الأرض ولا في
(١) السبعة ص٤٩٨، والتيسير ص١٧٣ .
(٢) المحرر الوجيز ٣١١/٤.
(٣) الصحاح (نشأ).
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٤٦٤ .
(٥) في ديوانه ص ٦٤ .
(٦) معاني القرآن للفراء ٣١٥/٢ .
(٧) المحرر الوجيز ٣١٢/٤ .

٣٥٣
سورة العنكبوت: الآيات ٢٠ - ٢٥
السماء (١). وقال المبرِّد: والمعنى: ولا مَنْ في السماء، على أنَّ مَنْ ليست موصولةً
ولكن تكون نكرةً، و((في السَّمَاءِ)) صفةً لها، فأُقيمتِ الصفةُ مقام الموصوف. وردًّ ذلك
عليُّ بن سليمان، وقال: لا يجوز. وقال: إنَّ مَنْ إذا كانت نكرةً فلابُدَّ مِنْ وَصْفِها،
فصِفَتُها كالصِّلة، ولا يجوز حذفُ الموصولِ وتركُ الصلة؛ قال: والمعنى: إنَّ الناسَ
خُوطبوا بما يعقلون، والمعنى: لو كنتم في السماء ما أعجزتُمُ الله، كما قال: ﴿وَلَوْ
كُمْ فِ بُوُجِ تُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] (٢). ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
ويجوز (نَصِيرٌ)) بالرفع على الموضع، وتكون ((مِن)) زائدة.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ الَّهِ وَلِقَآَبِهِ﴾﴾ أي: من الجنة، ونسبَ اليأسَ إليهم
والمعنى: أُويِسوا. وهذه الآيات اعتراضٌ من الله تعالى تذكيراً وتحذيراً لأهل مكة. ثم
عاد الخطاب إلى قصة إبراهيم فقال: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾﴾ حين دعاهم إلى الله
تعالى ﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِقُوهُ﴾ ثم اتَّفقوا على تحريقه ﴿فَأَنْجَنُهُ اللّهُ مِنَ النَّارِ﴾
أي: من إذايتها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في إنجائه من النار العظيمة حتى لم تحرِقْه بعد
ما أُلْقِيَ فيها ﴿لَيَتٍ﴾.
وقراءة العامة: ((جَوَابَ)) بنصب الباء على أنه خبر كان و ((أنْ قَالُوا)) في محلٌّ
الرفع اسم كان. وقرأ سالم الأفطس وعمرو بن دينار: ((جَوَابُ)) بالرفع إلى أنه اسم
((كان)) و((أنْ)) في موضع الخبر نصباً (٣).
﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم ﴿إِنَّمَا أَتَّخَذْتُم مِّن دُونِ الَّهِ أَوْثَنَا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾
وقرأ حفص وحمزة: ((مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ)). وابن كثير وأبو عمرو والكسائي: ((مَوَدَّةُ
(١) قول قطرب وما بعده في تفسير البغوي ٣/ ٤٦٤ .
(٢) إعراب القرآن ٢٥٣/٣.
(٣) إعراب القرآن ٢٥٣/٣، والمحرر الوجيز ٣١٢/٤. ونسبة قراءة الرفع إلى عمرو بن دينار لم نقف
عليها إلا عند المصنف، وهي قراءة شاذة.

٣٥٤
سورة العنكبوت: الآيات ٢٠ - ٢٥
بَيْنِكُمْ))(١). والأعشى عن أبي بكر عن عاصم وابن وثَّاب والأعمش: ((مَوَذَّةٌ بَينَكُم)) (٢).
الباقون. ((مَوَدَّةً بَينَكُم)). فأما قراءة ابن كثير ففيها ثلاثة أوجه، ذكر الزجَّاج منها
وجهين: أحدهما - أنَّ المودة ارتفعت على خبر إنَّ، وتكون ((ما)) بمعنى الذي.
والتقدير: إنَّ الذي اتَّخذتموه من دون الله أوثاناً مودّةُ بينكم. والوجه الآخر: أن يكون
على إضمار مبتدأ، أي: هي مودَّةً، أو تلك مودَّةُ بينكم. والمعنى: آلهتكم أو
جماعتكم موذَّةُ بينِكم(٣). قال ابن الأنباري: ((أوثَاناً)) وقفٌ حسنٌ لمن رفعَ المودَّةَ
بإضمار ذلك موذَّة بينكم، ومن رفعَ المودّةَ على أنها خبرُ إنَّ لم يقف(٤). والوجه
الثالث الذي لم يذكره أن يكون ((مَوَدَّةُ)) رفعا بالابتداء و((فِي الحيَاةِ الدُّنيَا)) خبره؛ فأما
إضافة ((مَوَدَّةُ)) إلى (بَيْنَكُمْ)) فإنه جعل ((بَينَكُم)) اسماً غير ظرف، والنَّحويُّون يقولون:
جعله مفعولاً على السَّعة. وحكى سيبويه: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار. ولا يجوز أن
يُضافَ إليه وهو ظرف؛ لعلةٍ ليس هذا موضع ذِكْرُها. ومن رفعَ ((مَوَدَّةٌ)) ونوَّنَها فعلى
معنى ما ذكر، و((بَيْنَكُم)) بالنصب ظرفاً(٥). ومن نصب ((مَوَدَّةَ)) ولم ينوِّنْها جعلها مفعولةً
بوقوع الاتخاذ عليها، وجعل ((إنَّما)) حرفاً واحداً ولم يجعلها بمعنى الذي(٦). ويجوز
نصبُ المودّة على أنه مفعولٌ من أجله، كما تقول: جئتُكَ ابتغاءَ الخير، وقصدتُ
فلاناً مودّةً له. ((بينكم)) بالخفض (٧). ومن نوَّن ((مَوَدَّةً)) ونصبها فعلى ما ذُكِرَ (بَيْنَكُمْ))
(١) السبعة ص٤٩٨-٤٩٩، والتيسير ص ١٧٣.
(٢) رواية الأعشى عن أبي بكر عن عاصم في الشاذة ص١١٥ ، والمشهور في رواية أبي بكر عن عاصم:
((مودَّةً بينكم))، وهي قراءة نافع وابن عامرٍ أيضاً. السبعة ص٤٩٩، والتيسير ص١٧٣ . قلنا: وقد نسب
ابن الجوزي تلك القراءة الشاذة في زاد المسير ٦/ ٢٦٧ إلى ابن عباس وسعيد بن المسيب وعكرمة وابن
أبي عبلة.
(٣) إعراب القرآن ٢٥٤/٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ١٦٧/٤.
(٤) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٢٧ .
(٥) إعراب القرآن ٢٥٤/٣. وقول سيبويه في الكتاب ١/ ١٧٥ .
(٦) المحرر الوجيز ٤/ ٣١٣ .
(٧) إعراب القرآن ٢٥٤/٣ .

٣٥٥
سورة العنكبوت: الآيات ٢٥ - ٢٧
بالنصب من غير إضافة(١). قال ابن الأنباري: ومن قرأ: ((مَوَدَّةٌ بَيْنَكُمْ)) و((مَوَدَّةَ بَيْنَكُمْ))
لم يقف على الأوثان، ووقفَ على ((الحياة الدنيا))(٢). ومعنى الآية: جعلتُم الأوثانَ
تتحابون عليها وعلى عبادتها في الحياة الدنيا ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ
وَيَلْعَبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ تتبرأ الأوثان من عُبَّادها والرؤساء من السَّفلة(٣)، كما قال
الله عزَّ وجلَّ: ﴿آلْأَخِلَُّ يَوْمَيِمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوُّ إِلَّا الْمُنَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
﴿وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ﴾ هو خطابٌ لعبَدةِ الأوثان الرؤساء منهم والأتباع. وقيل: تدخل فيه
الأوثان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾
[الأنبياء: ٩٨].
قوله تعالى: ﴿فَامَنَ لَهُ لُوْطٌ وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرٍ إِلَى رَبِّ إِنَّهُ هُوَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وَوَهَبْنَا لَهُرْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِ ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ وَءَاتَّيْنَهُ أَجْرَهُ
فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِينَ
قوله تعالى: ﴿فَامَنَ لَُّ لُوطٌ﴾ ولُوظٌ أوَّلُ مَنْ صدَّق إبراهيمَ حين رأى النارَ عليه
برداً وسلاماً (٤). قال ابن إسحاق: آمنَ لوظٌ بإبراهيمَ وكان ابنَ أخته، وآمنت به سارَّة
وكانت بنتَ عمِّه(٥). ﴿وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ﴾ قال النَّخعيُّ وقتادة: الذي قال:
﴿إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ﴾ هو إبراهيم عليه السلام(٦). قال قتادة: هاجر من كوثا وهي
قريةٌ من سواد الكوفة إلى حرَّان ثم إلى الشام، ومعه ابن أخيه لوط بن هاران بن
تارخ، وامرأته سارة (٧). قال الكلبي: هاجر من أرض حرَّان إلى فلسطين، وهو أول
من هاجر من أرض الكفر. قال مقاتل: هاجر إبراهيم وهو ابن خمسٍ وسبعين سنة (٨).
(١) المحرر الوجيز ٣١٣/٤.
(٢) إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٨٢٧.
(٣) تفسير البغوي ٣/ ٤٦٥.
(٤) تفسير أبي الليث ٥٣٥/٢ .
(٥) النكت والعيون ٢٨١/٤ .
(٦) المحرر الوجيز ٣١٤/٤ .
(٧) النكت والعيون ٢٨١/٤، وتفسير البغوي ٤٦٦/٣.
(٨) تفسير البغوي ٤٦٦/٣ .

٣٥٦
سورة العنكبوت: الآيتان ٢٦ - ٢٧
وقيل: الذي قال: ﴿إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ﴾ لوظٌ عليه السلام(١). ذكر البيهقيُّ عن قتادة
قال: أوَّلُ مَنْ هاجر إلى الله عزَّ وجلَّ بأهله عثمان بن عفان ﴾. قال قتادة: سمعتُ
النَّضرَ بن أنس يقول: سمعتُ أبا حمزة يعني أنس بن مالك يقول: خرج عثمان بن
عفان ومعهُ رقيَّةُ بنتُ رسول الله ﴾ إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله ﴾.
خبرُهم، فقَدِمتِ امرأةٌ من قريش فقالت: يا محمد، رأيتُ خَتنكَ ومعه امرأتُه. قال:
((على أيِّ حالٍ رأيتِهما؟)) قالت: رأيتُه وقد حملَ امرأتَه على حمارٍ من هذه الدَّبَّابة(٢)
وهو يسوقُها، فقال رسول اللـه ﴾: ((صحِبَهُما الله، إنَّ عثمانَ لأوّلُ مَنْ هاجر بأهلِه
بعد لوط)) قال البيهقي: هذا في الهجرة الأولى، وأما الهجرة الثانية إلى الحبشة فهي
فيما زعم الواقدي سنة خمس من مَبعث رسول الله ﴾(٣) . ﴿إِلَى رَقٍ﴾ أي: إلى رضا
ربي وإلى حيث أمرني(٤). ﴿إِنَُّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدَّم. وتقدَّم الكلامُ في الهجرة
في ((النساء))(٥) وغيرها.
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ، إِسْحَقَ﴾ أي: مَنَّ الله عليه بالأولاد، فوهبَ له إسحاق
ولداً ويعقوبَ ولدَ ولدٍ. وإنما وهبَ له إسحاق من بعد إسماعيل ويعقوب من إسحاق.
﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبَ﴾ فلم يبعثِ اللهُ نبيًّا بعد إبراهيم إلاَّ من صُلبه.
ووحَّدَ الكتاب؛ لأنه أراد المصدر كالنبوة، والمراد التوراة والإنجيل [والفرقان]، فهو
عبارةٌ عن الجمع، فالتوراة أُنزلت على موسى من ولد إبراهيم، والإنجيل على عيسى
من ولده، والفرقان على محمدٍ من ولده ﴿ وعليهم أجمعين(٦). ﴿وَءَاتَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ
(١) المحرر الوجيز ٣١٤/٤.
(٢) أي: الضِّعاف التي تدِبُّ في المشي ولا تسرع. النهاية (دبب).
(٣) دلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٢٩٧. والحديث أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٣١١)، والأوائل (١٢٦)،
والآحاد والمثاني (١٢٣) و(٢٩٧٨)، والطبراني (١٤٣) من طريق بشار بن موسى الخفاف، عن الحسن
ابن زياد البرجمي، عن قتادة، به. قال الهيثمي في المجمع ٨١/٩ : فيه الحسن بن زياد البرجمي، ولم
أعرفه، وبقية رجاله ثقات! قلنا: وبشار بن موسى قال فيه الحافظ في التقريب: ضعيف، كثير الغلط،
كثير الحديث.
(٤) زاد المسير ٢٦٨/٦.
(٥) ٧/ ٦٧ فما بعد.
(٦) مجمع البيان ٢٠/ ٣٥٥ بنحوه. وما بين حاصرتين منه.

٣٥٧
سورة العنكبوت: الآيات ٢٦ - ٣٥
الدُّنْيَا﴾ يعني اجتماع أهل الملل عليه. قاله عكرمة. وروى سفيان عن حُميد بن قيس
قال: أمر سعيد بن جُبير إنساناً أن يسأل عكرمة عن قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَءَاتِيْنَهُ أَجْرَهُ فِ
الدُّنْيَا﴾ فقال عكرمة: أهل الملل كلِّها تدَّعيه وتقول: هو مِنَّا. فقال سعيد بن جبير:
صدق. وقال قتادة: هو مثل قوله: ﴿وَءَاتَيْتَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [النحل: ١٢٢] أي: عاقبةً
وعملاً صالحاً وثناءً حسناً. وذلك أنَّ أهل كلِّ دينٍ يتولّونه(١). وقيل: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ أَجْرَهُ
فِىِ الدُّنياً﴾ أنَّ أكثرَ الأنبياء من ولده(٢). ﴿وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِينَ﴾ ليس ﴿فِى
اُلْآَخِرَةِ﴾ داخلاً في الصِّلة وإنما هو تبيين(٣) وقد مضى في ((البقرة))(٤) بيانُه. وكلُّ هذا
حٌّ على الاقتداء بإبراهيم في الصبر على الدِّينِ الحقِّ.
قوله تعالى: ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ
بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ ﴿ أَبِتَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ
وَتَأْتُونَ فِي نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِّ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتِنَا
بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ (٨) قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِيِ عَلَى الْقَوْمِ
الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَهِمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ
الْقَرْيَةٌ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَلِمِينَ ﴾ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوْطَأْ قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ
وَلَمَّآ أَنْ
بِمَنْ فِيهَّا لَمُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِيِنَ ®
جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىءَ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُواْ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنَّ إِنَّا
مُتَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلََّّ أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَيِنَ * إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ
وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا
هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
٣٤
ءَايَةٌ بَيْنَةُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٥)﴾
قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ قال الكسائي: المعنى: وأنجينا لوطاً، أو:
(١) معاني القرآن للنحاس ٢٢٠/٥.
(٢) النكت والعيون ٤/ ٢٨١ .
(٣) إعراب القرآن ٢٥٤/٣-٢٥٥.
(٤) ٤٠٦/٢ .

٣٥٨
سورة العنكبوت: الآيات ٢٨ - ٣٥
أرسلنا لوطاً. قال: وهذا الوجه أحبُّ إليَّ(١). ويجوز أن يكون المعنى: واذكر لوطاً إذ
قال لقومه موبِّخاً أو مُحذِّراً: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ
تقدَّم القراءة في هذا وبيانُها في سورة ((الأعراف))(٢). وتقدَّم
مِنَ الْعَلَمِينَ﴾.
قصة لوطٍ وقومِه في ((الأعراف))(٣) و(هود))(٤) أيضاً.
﴿وَتَقْطَّعُونَ السَّبِيلَ﴾ قيل: كانوا قُطَّاعَ الطريق. قال ابن زيد. وقيل: كانوا
يأخذون الناس من الطرق لقضاء الفاحشة. حكاه ابن شجرة. وقيل: إنه قَطْعُ النَّسل
بالعدول عن النساء إلى الرجال. قاله وهب بن مُنبِّه. أي: استغنوا بالرجال عن
النساء(٥).
قلتُ: ولعلَّ الجميعَ كان فيهم، فكانوا يقطعون الطريق لأخذ الأموال والفاحشة،
ويستغنون عن النساء بذلك.
﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِّ﴾ النادي: المجلس. واختُلِفَ في المنكر الذي
كانوا يأتونه فيه، فقالت فرقة: كانوا يخذِفون الناس(٦) بالحصى، ويستَخِفُون بالغريب
والخاطر عليهم (٧). وروته أم هانئ عن النبيِّ #؛ قالت أمُّ هانئ: سألتُ رسول الله ﴾
عن قولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِّ﴾ قال: ((كانوا يخذِفون مَنْ
يمرُّ بهم ويسخرون منه، فذلك المنكر الذي كانوا يأتونه)) أخرجه أبو داود الطيالسي
في ((مسنده))(٨)، وذكره النخَّاس والثعلبي والمهدي والماوردي(٩). وذكر الثعلبي:
(١) إعراب القرآن ٣٥٥/٣.
(٢) ٢٧٨/٩ .
(٣) ٢٧٣/٩ فما بعد.
(٤) ١١/ ١٧٣ فما بعد.
(٥) النكت والعيون ٢٨٢/٤
(٦) في (د) و(م): النساء. والمثبت من (ظ) والمحرر الوجيز.
(٧) المحرر الوجيز ٣١٥/٤ .
(٨) (١٦١٧)، وأخرجه أحمد (٢٦٨٩١)، والترمذي (٣١٩٠) من طريق سماك بن حرب، عن أبي صالح مولى
أم هانئ، عن أم هانئ، به. إسناده ضعيف لضعف أبي صالح مولى أم هانئ، واسمه باذام، ويقال: باذان.
(٩) معاني القرآن للنحاس ٢٢٠/٥، والنكت والعيون ٢٨٢/٥٤ ولم يسُقْ لفظه.

٣٥٩
سورة العنكبوت: الآيات ٢٨ - ٣٥
وقال معاوية قال النبيُّ﴾: ((إنَّ قومَ لوطٍ كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كلِّ رجلٍ
قصعةٌ فيها الحصى للخذف، فإذا مرَّ بهم عابرٌ قذفوه، فأيُّهم أصابَه كان أولى به»
يعني: يذهَبُ به للفاحشة، فذلك قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنْكَرِّ﴾. وقالت
عائشة وابن عباس والقاسم بن أبي بَزَّة والقاسم بن محمد: إنهم كانوا يتضارطون في
مجالسهم (١). وقال منصور عن مجاهد(٢): كانوا يأتون الرجال في مجالسهم وبعضُهم
يرى بعضاً(٣). وعن مجاهد: كان من أمرهم لعبُ الحمام، وتطريفُ الأصابع
بالحِنَّاء، والصَّفير، والخذف، ونبذُ الحياء في جميع أمورهم. قال ابن عطية (٤): وقد
توجد هذه الأمور في بعض عُصاةٍ أمة محمدٍ ﴿؛ فالتناهي واجب. قال مكحول: في
هذه الأمة عشرةٌ من أخلاق قوم لوط: مضغ العلك، وتطريفُ الأصابع بالحِنَّاء، وحلُّ
الإزار، وتنقيض الأصابع(٥)، والعمامةُ التي تُلَفُّ حول الرأس، والتشابك، ورميُّ
الجُلاهِقِ(٦)، والصفير، والخذف، واللُّوطية(٧). وعن ابن عباس قال: إنَّ قوم لوط
كانت فيهم ذنوبٌ غير الفاحشة، منها أنهم يتظالمون فيما بينهم، ويشتمُ بعضُهم
بعضاً، ويتضارطون في مجالسهم، ويخذفون، ويلعبون بالنَّرد والشِّطرَنج، ويلبسون
المصبغات، ويتناقرون بالدِّيَكة، ويتناطحون بالكباش، ويُطرِّفون أصابعهم بالحِنَّاء،
وتتشُّه الرجالُ بلباس النساء، والنساءُ بلباس الرجال، ويضربون المكوسَ على كلِّ
عابر، ومع هذا كلِّه كانوا يشركون بالله، وهم أوَّلُ مَنْ ظهر على أيديهم اللُّوطيةُ
(١) أخرجه الطبري ٣٨٩/٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٢٧٢) عن عائشة، وابن أبي حاتم (١٧٢٧٣)
عن القاسم بن محمد، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣١٥/٤ عن ابن عباس.
(٢) في (د) و (ظ): وقال مجاهد ومنصور. والمثبت من (م) والمصادر.
(٣) أخرجه الطبري ٣٩١/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٢٧٤)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق
(٤٤٧).
(٤) في المحرر الوجيز ٣١٥/٤، وما قبله منه.
(٥) أي: فرقعتها. الصحاح (فرقع).
(٦) أي: البندق الذي يرمى. معجم الألفاظ الفارسية المعربة ص ٤٣ .
(٧) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٤٦٦ مختصراً.

٣٦٠
سورة العنكبوت: الآيات ٣٥ - ٣٧
والسِّحاق. فلما وقفهم لوط عليه السلام على هذه القبائح رجعوا إلى التكذيب
واللَّجاج فقالوا: ﴿أَثْتِنَا بِعَذَابِ الَّهِ﴾ أي: إنَّ ذلك لا يكون ولا يقدِرُ عليه. وهم لم
يقولوا هذا إلاَّ وهم مصمِّمون على اعتقاد كَذِبه. وليس يصِحُّ في الفطرة أن يكون معاندٌ
يقول هذا. ثم استنصر لوط عليه السلام ربَّه، فبعثَ عليهم ملائكةً لعذابهم، فجاؤوا
إبراهيمَ أوّلاً مبشِّرين بنصرة لوطٍ على قومه حسبما تقدَّم بيانُه في ((هود)»(١) وغيرها.
وقرأ الأعمش ويعقوب وحمزة والكسائي: ﴿لَنُنْجِينَّه وأهلَهُ﴾ بالتخفيف. وشدَّد
الباقون. وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي: ﴿إِنَّا مُنْجُوكَ وأهلَكَ﴾ بالتخفيف.
وشدَّد الباقون. وهما لغتان: أنْجَى ونَجَّى بمعنى. وقد تقدَّم(٢). وقرأ ابن عامر: ﴿إِنَّا
مُنَزِّلونَ﴾ بالتشديد، وهي قراءة ابن عباس. الباقون بالتخفيف(٣). وقوله: ﴿وَلَقَد
تَرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ بَيْنَةُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قال قتادة: هي الحجارة التي أُبقيت(٤). وقاله
أبو العالية. وقيل: إنه يُرجَمُ بها قومٌ من هذه الأمة(٥). وقال ابن عباس: هي آثارُ
منازلهم الخَرِبة. وقال مجاهد: هو الماء الأسود على وجه الأرض(٦). وكلُّ ذلك باقٍ
فلا تعارض.
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ
اُلْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِىِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ
فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: وأرسلنا إلى مدين. وقد تقدَّم
(١) ١١/ ١٨٥.
(٢) ٨/ ٤١٣ .
(٣) السبعة ص ٥٠٠، والتيسير ص ٩٠ و١٧٣، والنشر ٢٥٩/٢. وقرأ خلف وهو من العشرة: ((لننجينه))
و((مُنجوك)) بالتخفيف.
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٤٦٧. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٩٨/٢، والطبري ٣٩٧/١٨، وابن أبي حاتم
في تفسيره (١٧٢٩٤).
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢٢٥/٥.
(٦) تفسير البغوي ٤٦٧/٣، ومجمع البيان ٣٥٨/٢٠ .