Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سورة القصص: الآيات ١٠ - ١٤ المُصدِّقين بوعد الله حين قال لها: ﴿إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكٍ﴾(١). وقال: ﴿لَنُبْدِى بِهِ.) ولم يقل: لِتبديه؛ لأنَّ حروفَ الصفات قد تُزادُ في الكلام؛ تقول: أخذتُ الحبلَ وبالحبل. وقيل: أي: لِتُبدي القولَ به. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُصِيةٍ﴾ أي: قالت أمُّ موسى لأخت موسى: اتبعي أثرَه حتى تعلمي خبره(٢). واسمها مريم بنت عمران؛ وافق اسمُها اسمَ مريمَ أمِّ عيسى عليه السلام. ذكره السُّهيلي(٣) والثعلبي. وذكر الماوردي(٤) عن الضحاك: أنَّ اسمها كلثمة. وقال السُّهيلي(٥): كلثوم؛ جاء ذلك في حديثٍ رواه الزُّبير بن بكّار أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ قال لخديجة: «أشعَرْتِ أنَّ الله زوَّجني معك في الجنة مريمَ بنتَ عمران وكلثومَ أختَ موسى وآسيةَ امرأةً فرعون؟)) فقالت: اللهُ أخبركَ بهذا؟ فقال: ((نعم)) فقالت: بالرَّفاءِ والبنين(٦). ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ، عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: بُعدٍ قاله مجاهد، ومنه الأجنبي؛ قال الشاعر: فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلاً عن جَنابةٍ فإِنِّي امرؤٌ وسْطَ القِبابِ غَرِيبُ وأصله عن مكان جنب. وقال ابن عباس: ((عَنْ جُنُبٍ)) أي: عن جانب(٧). وقرأ (١) تفسير البغوي ٣/ ٤٣٧. (٢) النكت والعيون ٢٣٨/٤، وزاد المسير ٢٠٥/٦. (٣) في التعريف والإعلام ص ١٣٠ (٤) في النكت والعيون ٢٣٨/٤ . (٥) في التعريف والإعلام ص ١٣٠. (٦) أخرجه الطبراني ٢٢/ (١١٠٠) عن ابن أبي رواد. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢١٨/٩: رواه الطبراني منقطع الإسناد. قلنا: وفيه محمد بن الحسن بن زَبالة قال الحافظ في التقريب: كذَّبوه. وأخرجه الطبراني (٨٠٠٦) دون قوله: ((بالرفاء والبنين)) من حديث أبي أمامة﴾. قال الهيثمي: فيه خالد ابن يوسف السمتي، وهو ضعيف. قلنا: وفيه عبد النور بن عبد الله المسمعي، وهو كذاب. وفيه يونس ابن شعيب، وهو منكر الحديث. ميزان الاعتدال ٦٧١/٢ و٤٨١/٤ . وأخرجه الطبراني (٥٤٨٥) مختصراً من حديث سعد بن جنادة﴾. قال الهيثمي: فيه من لم أعرفهم. (٧) معاني القرآن للنحاس ١٦٢/٥، والنكت والعيون ٢٣٩/٤، وقول مجاهد أخرجه الطبري ١٨/ ١٧٥. والبيت قائله علقمة بن عبدة الفحل، وقد سلف ٦/ ٣٠٣ . ٢٤٢ سورة القصص: الآيات ١١ - ١٤ النعمان بن سالم: ((عن جانِبٍ)) أي: عن ناحية(١). وقيل: عن شوق. وحكى أبو عَمرو ابن العلاء أنَّها لغةٌ لِجُذام؛ يقولون: جنبتُ إليكَ أي: اشتقتُ(٢). وقيل: ((عَنْ جُنُبٍ)) أي: عن مُجانبةٍ لها منه، فلم يعرِفوا أنها أمُّه بسبيل(٣). وقال قتادة: جعلت تنظر إليه بناحيةٍ [كأنَّها] لا تريده (٤)، وكان يقرأ: ((عَنْ جَنْبٍ)) بفتح الجيم وإسكان النون(٥). ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنها أختُه، لأنَّها كانت تمشي على ساحل البحر حتى رأتهم قد (٦) أخذوه قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ أي: معناه من الارتضاع من قبل، أي: من قبل مجيء أمه وأخته (٧). والْمَراضِعُ جمع مُرْضِع. ومن قال: مراضيع، فهو جمعُ مِرْضاع، ومِفعال يكون للتكثير، ولا تدخل الهاءُ فيه فرقاً بين المؤنث والمذكَّر؛ لأنه ليس بجارٍ على الفعل، ولكن من قال: مِرضاعة، جاء بالهاء للمبالغة؛ كما يُقال: مِطرابة(٨). قال ابن عباس: لا يؤتى بمرضعٍ فيقبلها. وهذا تحريمُ منعٍ لا تحريمُ شرع؛ قال امرؤ القيس(٩): جَالَتْ لِتصرعَني فقلتُ لها اقْصِرِي إنِّي امرؤٌ صَرْعي عليكِ حَرامُ (١) المحتسب ١٤٩/٢، والشاذة ص١١٢ . ونسبها ابن الجوزي في زاد المسير ٢٠٦/٦ إلى ابن مسعود وأبي عمران الجوني. (٢) معاني القرآن للنحاس ١٦٢/٥، والنكت والعيون ٢٣٩/٤. (٣) أخرجه الطبري ١٧٦/١٨ عن ابن إسحاق. (٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٨٨/٢، والطبري ١٧٦/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٧٢٩). وما بين حاصرتين من هذه المصادر. (٥) المحتسب ١٤٩/٢ عن قتادة والحسن والأعرج، والشاذة ص١١٢ عن قتادة وابن عباس والأعرج، وزاد المسير ٢٠٦/٦ عن قتادة وأبي العالية وعاصم الجحدري. (٦) النكت والعيون ٢٣٩/٤ . (٧) المصدر السابق. (٨) إعراب القرآن ٣/ ٢٣٠. (٩) في ديوانه ص١١٦، وقد سلف ٤٠٢/٧ . ٢٤٣ سورة القصص: الآيات ١٠ - ١٤ أي: ممتنع. فلما رأت أختُه ذلك قالت: ﴿هَلَ أَدْلُكُ عَلَ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ الآية. فقالوا لها عند قولها: ﴿وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ﴾ وما يُدريكِ؟ لعلكِ تعرفين أهلَه؟ فقالت: لا، ولكنهم يحرصون على مَسرَّة الملك، ويرغبون في ظِئْره(١). وقال السُّدِّي وابن جُرَيج(٢): قيلَ لها لمَّا قالت: ((وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)» قد عرفتِ أهلَ هذا الصبيِّ فَدُلِّينا عليهم. فقالت: أردتُ: وهم للملك ناصحون. فدلَّتهم على أم موسى، فانطلقت إليها بأمرهم فجاءت بها، والصبيُّ على يدِ فرعون يُعلِّله شفقةً عليه، وهو يبكي يطلب الرضاع، فدفعَه إليها، فلمَّا وجدَ الصبيُّ ريحَ أمِّه قَبِلَ ثديَها(٣). وقال ابن زيد: استرابوها حين قالت ذلك، فقالت: وهم للملك ناصحون(٤). وقيل: إنَّها لما قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ وكانوا يبالغون في طلب مرضعة يقبل ثديها فقالوا: من هي؟ فقالت: أمي. فقيل: لها لبن؟ قالت: نعم، لبن هارون - وكان وُلِدَ في سنةٍ لا يُقتل فيها الصبيان - فقالوا: صدقتِ والله. ((وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ))(٥) أي: فيهم شفقةٌ ونصح(٦)، فرُوي أنَّه قيل لأمِّ موسى حين ارتضع منها: كيفَ ارتضعَ منكِ ولم يرتَضِعْ من غيرك؟ فقالت: إني امرأةٌ طيبةُ الريح، طيبةُ اللبن، لا أكادُ أوتى بصبيٍّ إلا ارتضع مني. قال أبو عمران الجَوْني: وكان فرعون يُعطي أمَّ موسى كلَّ يومٍ ديناراً(٧). قال الزمخشري(٨): فإن قلتَ: كيف حَلَّ لها أن تأخذ الأجرَ على إرضاع ولدها؟ قلت: ما كانت تأخذُه على أنه أجر على الرضاع، ولكنه مالُ حربيٍّ تأخذه على وجه (١) النكت والعيون ٢٣٩/٤ . (٢) تفسير البغوي ٤٣٨/٣ . (٣) الكشاف ١٦٨/١ (٤) ذكره النحاس في معاني القرآن ١٦٣/٥ عن السدي. (٥) زاد المسير ٢٠٦/٦ بنحوه. (٦) مجمع البيان ٢٠/ ٢٧٢ . (٧) النكت والعيون ٢٣٩/٤، وقول أبي عمران أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٧٣٩). (٨) في الكشاف ١٦٨/٣ . ٢٤٤ سورة القصص: الآيات ١٢ - ١٤ الاستباحة. قوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ أي: ردَدْناه وقد عَطَّفَ اللهُ قلبَ العدوِّ عليه، ووفينا لها بالوعد. ﴿كَنَّ نَقَرَّ عَيْهَا﴾ أي: بولدها. ﴿وَلَا تَحْزَنٌ﴾ أي: بفراق ولدها. ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ أي: لتعلَم وقوعَه، فإنها كانت عالمةً بأنَّ ردَّه إليها سيكون . ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: أكثر آل فرعون لا يعلمون، أي: كانوا في غفلةٍ عن التقدير وسِرِّ القضاء. وقيل: أي: أكثر الناس لا يعلمون أنَّ وعدَ الله في كلِّ ما وعدَ حَقٌّ. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّمُ وَأَسْتَوَ ءَانَيْنَهُ مُكَمَا وَبِمَاً﴾ قد مضى الكلام في الأشُدِّ في ((الأنعام)) (١). وقول ربيعة ومالك أنه الحُلُم أولى ما قيل فيه؛ لقوله تعالى: ﴿حَّة إِذَا بَلَغُواْ النِّكَحَ﴾ [النساء: ٦] فإن ذلك أوَّلُ الأشُدِّ، وأقصاه أربعٌ وثلاثون سنة، وهو قول سفيان الثوري(٢)، و((اسْتَوَى)) قال ابن عباس: بلغَ أربعين سنة(٣). والحُكم: الحكمة قبل النبوّة. وقيل: الفقه في الدين. وقد مضى بيانُها في ((البقرة)) (٤) وغيرِها. والعلم: الفهم في قول السدي. وقيل: النبؤَّة. وقال مجاهد: الفقه. محمد بن إسحاق: أي: العلم بما في دينه ودين آبائه؛ وكان له تسعةٌ من بني إسرائيل يسمعون منه، ويقتدون به، ويجتمعون إليه، وكان هذا قبل النبوّة. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: كما جزينا أمَّ موسى لمَّا استسلمت لأمر الله، وألقت ولدها في البحر، وصدَّقت بوعد الله؛ فرددنا ولدَها إليها بالُّحف والظرف وهي آمنة، ثم وهبنا له العقل والحكمة والنبوّة، وكذلك نجزي کلَّ محسن. (١) ٩ / ١١١ - ١١٤ . (٢) الأقوال في النكت والعيون ٤/ ٢٤٠، وأخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره على التوالي (١٦٧٤١) و(١٦٧٤٢) و(١٦٧٤٣). (٣) النكت والعيون ٢٤٠/٤ . (٤) ٢ / ٤٠٣ . ٢٤٥ سورة القصص: الآيات ١٥ - ١٩ قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ اٌلْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوِّوَّهُ فَأَسْتَغَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ، عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلُّ مُبِينٌ ﴾ قَالَ رَبِّ إِنِ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِمُ ﴾ قَالَ رَبِّ بِمَّاً أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِنَ (٧) فَأَصْبَحَ فِىِ الْمَدِيَةِ خَيِفًا يَتَرَقَبُ فَإِذَا الَّذِىِ اُسْتَنصَرَؤُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىَ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُهِينٌ (٨) فَلَمَآ أَنْ أَرَادَ أَنْ يَطِشَ بِالَّذِى هُوَ عَدُوٌ لَّهُمَا قَالَ يَمُوسَقَ أَتْرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِّ إِن تُرِيدُ إِلَّ أَنْ تَكُونَ جَّارًا فِ اَلْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِينَ ١٩ قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ قيل: لمَّا عرفَ موسى عليه السلام ما هو عليه من الحقِّ في دينه، عابَ ما عليه قومُ فرعون، وفشا ذلك منه، فأخافوه فخافهم، فكان لا يدخل مدينة فرعون إلا خائفاً مستخفياً (١). وقال السُّدِّي: کان موسی في وقت هذه القصة على رسم التعلُّقِ بفرعون، وکان یرکب مراکبه، حتى كان يُدعى موسى ابن فرعون، فركب فرعونُ يوماً وسار إلى مدينةٍ من مدائن مصر يُقال لها: منف - قال مقاتل: على رأس فرسخين من مصر - ثم علم موسى بركوب فرعون، فركبَ بعده، ولحقَ بتلك القرية في وقت القائلة، وهو وقت الغفلة. قاله ابن عباس. وقال أيضاً: هو بين العشاء والعَتَمة. وقال ابن إسحاق: بل المدينةُ مصرُ نفسُها، وكان موسى في هذا الوقت قد أظهر خلافَ فرعون، وعابَ عليهم عبادة فرعون والأصنام، فدخل مدينة فرعون يوماً على حين غفلةٍ من أهلها(٢). قال سعيد بن جُبير وقتادة: وقت الظهيرة والناس نيام(٣). وقال ابن زيد: كان فرعونُ قد نابذَ موسى وأخرجه من المدينة، وغاب عنها سنين، وجاء والناسُ على غفلةٍ بنسيانهم لأمره، (١) تفسير البغوي ٤٣٨/٣ . (٢) المحرر الوجيز ٢٨٠/٤ دون قول مقاتل، وهو في تفسير البغوي ٤٣٨/٣. (٣) معاني القرآن للنحاس ١٦٦/٥. ٢٤٦ سورة القصص: الآيات ١٥ - ١٩ وبُعْدِ عهدِهم به، وكان ذلك يومَ عيد(١). وقال الضحَّاك: طلبَ أن يدخل المدينةً وقتّ غفلةِ أهلها، فدخلها حين علم ذلك منهم، فكان منه مِنْ قَتْلِ الرجلِ من قبل أن يؤمَرَ بقتله، فاستغفر ربَّه فغفر له. ويُقال في الكلام: دخلتُ المدينةَ حين غَفِلَ أهلُها، ولا يُقال: على حينٍ غَفِلَ أهلها؛ فدخلت ((على)) في هذه الآية؛ لأنَّ الغفلةَ هي المقصودة، فصار هذا كما تقول: جئتُ على غفلةٍ، وإن شئتَ قلتَ: جئتُ على حينٍ غفلة، وكذا الآية . ﴿فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيَعَتِهِ﴾ والمعنى: إذا نظر إليهما الناظرُ قال: هذا من شيعته، أي: من بني إسرائيل ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُقِّوْ﴾ أي: من قوم فرعون(٢). ﴿فَاسْتَغَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: طلبَ نصره وغوثه، وكذا قال في الآية بعدها: ﴿فَإِذَا الَّذِى أَسْتَنْصَرَمُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِفُهُ﴾ أي: يستغيث به على قبطيٍّ آخر، وإنما أغاثَه لأنَّ نصرَ المظلوم دينٌ في الملل كلِّها على الأمم، وفرضٌ في جميع الشرائع(٣). قال قتادة: أراد القبطيُّ أن يُسخّر الإسرائيليَّ ليحمل حطباً لمطبخ فرعون فأبى عليه، فاستغاث بموسى. قال سعيد بن جُبير: وكان خبازاً لفرعون. ﴿فَوَّكَزَمُ مُوسَى﴾ قال قتادة: بعصاه. وقال مجاهد: بكفِّه، أي: دفعه. والوكز واللَّكْز واللَّهْز واللَّهْد بمعنى واحد(٤)، وهو الضرب بجُمْع الكفّ مجموعاً كعقد ثلاثةٍ وسبعين. وقرأ ابن مسعود: ((فَلَكَزَهُ)). وقيل: اللَّكْز في اللحى، والوكز على القلب. وحكى الثعلبيُّ أنَّ في مصحف عبد الله بن مسعود ((فَتَكَزَهُ) بالنون والمعنى واحد(٥). وقال الجوهري عن أبي عبيدة: اللَّكزُ: الضرب بالجُمْعِ على الصدر. وقال أبو زيد: في جميع الجسد، واللَّهز: الضرب بُجْمع اليد في الصدر مثل اللَّكْز. عن أبي عبيدة أيضاً. وقال أبو زيد: هو بالجُمْع في اللَّهازِمِ والرقبة، والرجل: مِلْهَز بكسر الميم. وقال الأصمعي: نَكّزه، (١) المحرر الوجيز ٢٨٠/٤. (٢) إعراب القرآن ٢٣١/٣ - ٢٣٢. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٤٥٣. (٤) النكت والعيون ٤/ ٢٤٢ . (٥) المحرر الوجيز ٤ /٢٨٠ . ٢٤٧ سورة القصص: الآيات ١٥ - ١٩ أي: ضربَه ودفعه. الكسائي: نَهزَه مثل نَكَزه ووكَزَه، أي: ضربه ودفعه. ولَهَدہ لَهْداً أي: دفعَه لذِلَّةٍ، فهو ملهود، وكذلك لَهَّده؛ قال طَرَفَة يذمُّ رجلاً : ذَلُولٍ بأَجْماعِ الرجالِ مُلَهَّدٍ(١) بطيءٍ عن الدَّاعي سريعٍ إلى الخنا. أي: مُدفَع، وإنما شدَّد للكثرة(٢). وقالت عائشة رضي الله عنها: فلهَدَني - تعني النبيَّ # - لَهْدةً أو جعني. خرَّجه مسلم(٣). ففعل موسى عليه السلام ذلكَ وهو لا يريد قتله، إنَّما قصد دفْعَه فكانت فيه نفسُه، وهو معنى: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (٤). وكلُّ شيءٍ أتيتَ علیه وفرغت منه فقد قضیت عليه(٥). قال: قَدْ عَضَّهُ فَقَضى عليه الْأَشْجِعُ(٦) ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِّ﴾ أي: من إغوائه. قال الحسن: لم يكن يحِلُّ قتلُ الكافر يومئذٍ في تلك الحال؛ لأنَّها كانت حالَ كفِّ عن القتال(٧). ﴿إِنَّهُ عَدُوٌ مُضِلّ تُبِينٌ﴾ خبر بعد خبر (٨). ﴿قَالَ رَبِّ إِِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهُمْ﴾ نَدِمَ موسى عليه السلام على ذلك الوكز الذي كان فيه ذهابُ النفس، فحمِلَه ندَمُه على الخضوع لربِّه والاستغفار من ذنبه. قال قتادة: عرفَ واللهِ المخرجَ فاستغفر، ثم لم يزل# يُعدِّدُ ذلك على نفسه، مع علمه بأنه قد غُفِرَ له، حتى إنه في القيامة يقول: إني قتلتُ نفساً لم أُومَرْ بقتلِها(٩). وإنَّما عدَّده على نفسه ذنباً وقال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ﴾ من أجل (١) ديوان طرفة ص ٤٠، وفيه: الجُلَّى بدل الداعي. (٢) الصحاح (لكز) و(لهز) و(نكز) و(لهد). (٣) في صحيحه (٩٧٤): (١٠٣). (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٥٣/٣. (٥) الوسيط ٣٩٣/٣. (٦) عجز لبيت قائله جرير، وهو في ديوانه ٩١٣/٢، وصدره: ((أيُفايِشون وقد رأوا حُفَّاتهم)). قال شارحه: المفايشة: المفاخرة. الحُفَّث: حية لا سُمَّ لها. والأشجع: يريد الشجاع من الحيات القاتل. (٧) النكت والعيون ٤/ ٢٤٢ . (٨) إعراب القرآن ٢٣٢/٣. (٩) المحرر الوجيز ٢٨٠/٤ - ٢٨١ . ٢٤٨ سورة القصص: الآيات ١٥ - ١٩ أنه لا ينبغي لنبيٍّ أن يقتل حتى يؤمر(١)، وأيضاً فإنَّ الأنبياء يُشفقونَ مما لا يُشفِقُ منه غيرهم. قال النقَّاش: لم يقتُلْه عن عمدٍ مريداً للقتل، وإنما وكَزَه وکزةً يُريد بها دفع ظلمه. قال: وقد قيل: إنَّ هذا كان قبل النبوّة. وقال كعب: كان إذ ذاك ابنَ اثنتي عشرة سنة، وكان قتلُه مع ذلك خطاً؛ فإنَّ الوكزةَ واللَّكزةَ في الغالب لا تقتل. وروى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة، وأركَبَكم للكبيرة! سمعتُ أبي عبدَ الله بن عمر يقول: سمعتُ رسول الله ◌ِ﴾ يقول: ((إنَّ الفتنةَ تجيء من هاهنا - وأومأ بيده نحو المشرق - من حيثُ يطلعُ قرنا الشيطان، وأنتم بعضُكم يضرِبُ رقابَ بعضٍ، وإنما قتلَ موسى الذي قتل مِن آل فرعون خطأً، فقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمْ وَفَنَّكَ فُونَ ﴾ [طه: ٤٠](٢))). قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِنَ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ﴾ أي: من المعرفة والحكم والتوحيد ﴿فَلَنْ أَكُنَ ظَمِيرًا لِلْمُجْرِمِنَ﴾ أي: عوناً للكافرين. قال القشيري: ولم يقُلْ: بما أنعمتَ عليَّ من المغفرة؛ لأنَّ هذا قبل الوحي، وما كان عالماً بأنَّ الله غفر له ذلك القتل. وقال الماوردي(٣): ﴿بِمَّا أَنْعَمْتَ عَلَىّ﴾ فيه وجهان: أحدهما - من المغفرة، وكذلك ذكر المهدوي والثعلبي. قال المهدوي ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ﴾ من المغفرة فلَمْ تُعاقِبْني. الوجه الثاني - من الهداية. قلت: قوله: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ يدلُّ على المغفرة، والله أعلم. قال الزمخشري(٤): قولُه تعالى: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىّ﴾ يجوز أن يكون قَسَماً جوابُه محذوفٌ تقديره: أُقسِمُ (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٥٣/٣. (٢) صحيح مسلم (٢٩٠٥): (٥٠). وأخرجه أحمد (٤٩٨٠)، والبخاري (٣١٠٤) مختصراً. (٣) في النكت والعيون ٤/ ٢٤٢ . (٤) في الكشاف ١٦٩/٣ . ٢٤٩ سورة القصص: الآيات ١٥ - ١٩ بإنعامِكَ عليَّ بالمغفرة لأتوبنَّ ﴿فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِنَ﴾. وأن يكون استعطافا كأنَّه قال: ربِّ اعصمني بحقِّ ما أنعمتَ عليَّ من المغفرة، فلن أكون إن عصمتني ظهيراً للمجرمين. وأراد بمظاهرة المجرمين إمَّا صحبةً فرعون وانتظامَه في جملته، وتكثیرَ سوادِهِ، حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يُسمى ابن فرعون، وإمَّا بمظاهرة مَنْ أَّت مظاهرتُه إلى الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيليِّ المؤدِّيةِ إلى القتل الذي لم يَحِلَّ له قتلُه. وقيل: أراد: إني وإن أسأتُ في هذا القتل الذي لم أومَرْ به فلا أتركُ نصرة المسلمين على المجرمين، فعلى هذا كان الإسرائيليُّ مؤمناً، ونصرةُ المؤمن واجبةٌ في جميع الشرائع. وقيل في بعض الروايات: إنَّ ذلك الإسرائيليَّ كان كافراً (١)، وإنما قيل له إنه من شيعته؛ لأنَّه كان إسرائيلياً ولم يُرِدِ الموافقةَ في الدين، فعلى هذا نَدِمَ؛ لأنَّه أعان كافراً على كافر، فقال: لا أكونُ بعدَها ظهيراً للكافرين. وقيل: ليس هذا خبراً، بل هو دعاءٌ، أي: فلا أكونُ بعد هذا ظهيراً، أي: فلا تجعلني يا ربِّ ظهيراً للمجرمين. وهذا قول الكسائي والفرَّاء. وقال الكسائي: وفي قراءة عبد الله: ((فلا تجعلني يا ربِّ ظهيراً للمجرمين))(٢). وقال الفرَّاء: المعنى: اللهمَّ فلَنْ أكونَ ظهيراً للمجرمين. وزعم أنَّ قولَه هذا هو قول ابن عباس. قال النخَّاس: وأن يكون بمعنى الخبر أولى وأشبه بنسق الكلام، كما يُقال: لا أعصيكَ لأنكَ أنعمتَ عليَّ. وهذا قول ابن عباس على الحقيقة لا ما حكاه الفرَّاء؛ لأنَّ ابنَ عباس قال: لم يَستثْنِ فابتُليَ من ثاني يوم، والاستثناء لا يكون في الدعاء، لا يُقال: اللهمَّ اغْفِرْ لي إن شئت. وأعجبُ الأشياء أنَّ الفرَّاء روى عن ابن عباس هذا، ثم (١) وهو قول مقاتل كما في الوسيط ٣/ ٣٩٣، وتفسير البغوي ٤٣٩/٣. (٢) من قوله: وهذا قول الكسائي ... إلى هذا الموضع من (ظ) وإعراب القرآن ٢٣٢/٣، ومعاني القرآن للنحاس ١٦٧/٥ . وقراءة عبد الله في الشاذة ص١١٣ دون قوله: يا ربِّ. ٢٥٠ سورة القصص: الآيات ١٥ - ١٩ حكى عنه قوله(١). قلت: قد مضى هذا المعنى ملخّصاً مُبيَّناً في سورة ((النمل))(٢) وأنه خبرٌ لا دعاء. وعن ابن عباس: لم يَستثْنِ فابتُلِيَ به مرةً أخرى؛ يعني: لم يقُلْ: فلن أكونَ إن شاء الله. وهذا نحو قوله: ﴿وَلَا تَرَّكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾(٣) [هود: ١١٣]. الثانية: قال سلمة بن نُبَيط: بعثَ عبد الرحمن بن مسلم إلى الضخَّاك بعطاء أهل بُخارى وقال: أعطِهم. فقال: أعفني. فلم يزَلْ يستعفيه حتى أعفاه. فقيل له: ما عليكَ أن تُعطيَهم وأنتَ لا ترزؤهم شيئاً؟ وقال: لا أُحِبُّ أن أُعينَ الظّلَمةَ على شيءٍ من أمرِهم (٤). وقال عُبيد الله بن الوليد الوَصَّافي: قلتُ لعطاء بن أبي رباح: إنَّ لي أخاً يأخذ بقلمه، وإنَّما يحسب ما يدخل ويخرج، وله عيالٌ، ولو تركَ ذلك لاحتاج وادَّانَ؟ فقال: مَنِ الرأس؟ قلتُ: خالد بن عبد الله القَسْري. قال: أما تقرأ ما قال العبدُ الصالحِ: ﴿رَبِّ بِمَّا أَتْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُّنَ ظَهِيْرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: فلم يَستَثْنِ، فابتُلي به ثانيةً فأعانه الله، فلا يُعينهم أخوك فإنَّ اللهَ يُعينه. قال عطاء: فلا يجِلُّ لأحدٍ أن يُعينَ ظالماً ولا يكتبَ له ولا يصحبه، وإنه إن فعل شيئاً من ذلك فقد صارَ مُعيناً للظالمين(٥). وفي الحديث: ((يُنادي مُنادٍ يومَ القيامة: أينَ الَّلَمةُ وأشباهُ الظّلَمةِ وأعوانُ الظّلَمةِ؟ حتى مَنْ لاَ لهم دَواةً أو بَرى لهم قلماً، فيُجمَعون في تابوتٍ من حديدٍ فيُرمى به في جهنم))(٦). ويُروى عن النبيِّ :﴿ أنه قال: ((مَنْ مشى مع مظلومٍ لِيُعينَه على مَظلمتِهِ ثَبَّت اللهُ قدمَيه على الصراط يومَ القيامة يومَ تَزِلُّ فيه الأقدام، ومَنْ (١) إعراب القرآن ٢٣٢/٣. وكلام الفراء في معاني القرآن له ٣٠٤/٢. (٢) عند تفسير الآية (١٠). (٣) الكشاف ١٦٩/٣ . (٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور ١٢٣/٥ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٥) الكشاف ١٦٩/٣. وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٥٥/١٣ بطرفه الأول، يعني إلى نهاية الآية. (٦) ذكره الإمام أحمد في الورع ص٩٣ من حديث عبد الله بن مسعود﴾. والديلمي في مسند الفردوس ـه. (٩٨٩) من حديث أبي هريرة ـ ٢٥١ سورة القصص: الآيات ١٥ - ١٩ مشى مع ظالمٍ لِيُعينَه على ظلمِه أزَلَّ اللهُ قدمَيه على الصراط يوم تَدْحَضُ فيه الأقدام)»(١). وفي الحديث: ((مَنْ مشى مع ظالمٍ فقد أجرم))(٢) فالمشيُّ مع الظالم لا يكون جُزْماً إلَّا إذا مشى معه لِيُعينَه؛ لأنَّه ارتكبَ نهي الله تعالى في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاَلْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢]. قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِىِ الْمَدِينَةِ خَيِفًا﴾ قد تقدَّم في ((طه)(٣) وغيرها أنَّ الأنبياءَ صلواتُ الله عليهم يخافون؛ ردّاً على مَنْ قال غيرَ ذلك، وأنَّ الخوفَ لا يُنافي المعرفةَ بالله ولا التوُّلَ عليه؛ فقيل: أصبحَ خائفاً من قتلِ النفس أن يُؤْخَذَ بها. وقيل: خائفاً من قومه أن يُسلموه. وقيل: خائفاً من الله تعالى .﴿یَئِنَُّ﴾ قال سعيد بن جُبير: يتلفَّتُ من الخوف. وقيل: ينتظر الطلب، وينتظر ما يتحدَّث به الناس(٤). وقال قتادة: ﴿يَتَّقَّبُ﴾ أي: يترقَّبُ الطلب(٥). وقيل: خرج يستخبر الخبر، ولم يكن أحدٌ عَلِمَ بقتل القبطيِّ غير الإسرائيلي. و((أَصْبَحَ)) يَحتمِلُ أن يكون بمعنى صار، أي: لمَّا قتلَ صارَ خائفاً. ويَحتملُ أن يكون دخل في الصباح، أي: في صباح اليوم الذي يلي يومَه. و(خَائِفاً)) منصوبٌ على أنه خبر ((أصبح))، وإن شئتَ على الحال، ويكون الظرفُ في موضع الخبر(٦). ﴿فَإِذَا الَّذِى أَسْتَنْصَرَؤُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِفُهُ﴾ أي: فإذا صاحِبُه الإسرائيليُّ الذي خلَّصه ج (١) أخرجه - بطرفه الأول - أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٤٨ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وفي إسناده موسى بن محمد الموقري - وهو البلقاني - وهو كذاب. ميزان الاعتدال ٢١٩/٤ . وذكر الديلمي في مسند الفردوس (٥٧٠٥) طرفه الأول أيضاً، ولكن عن معاذ بن جبل (٢) أخرجه الطبراني ٢٠/ (١١٢)، والقضاعي في مسند الشهاب (٣٨٩) من حديث معاذ بن جبل ﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٩٠ : فيه عبد العزيز بن عبيد الله، وهو ضعيف. (٣) ١٤ / ٦٧ - ٦٩ . (٤) النكت والعيون ٢٤٣/٤ . (٥) معاني القرآن للنحاس ١٦٨/٥. (٦) البيان ٢/ ٢٣٠ ومشكل إعراب القرآن ٥٤٢/٢ . ٢٥٢ سورة القصص: الآيات ١٥ - ١٩ بالأمس يُقاتِلُ قبطياً آخر أراد أن يُسَخِّره(١). والاستصراخُ: الاستغاثة، وهو من الصُّراخ؛ وذلك لأنَّ المستغيثَ يصرخ ويُصَوِّتُ في طلب الغَوْث؛ قال: كُنَّا إذا ما أتانا صارخٌ فزعٌ كانَ الصُّراخُ له قرعَ الَّنا بِيبٍ (٢) قيل: كان هذا الإسرائيليُّ المستنصرُ السامريُّ استسخره طبَّاخُ فرعون في حمل الحطب إلى المطبخ. ذكره القشيري(٣). و((الَّذِي)) رفعٌ بالابتداء، و((يَسْتَصْرِخُهُ)) في موضع الخبر. ويجوز أن يكون في موضع نصبٍ على الحال. وأمس لليوم الذي قبل يومك، وهو مبنيٌّ على الكسر لالتقاء الساكنين، فإذا دخلَه الألفُ واللامُ أو الإضافةُ تمكَّن فَأُعرِبَ بالرَّفعِ والفتحِ عند أكثر النَّحْويين. ومنهم من يَبنيه وفيه الألف واللام. وحكى سيبويه وغيرُه أنَّ من العرب من يُجري أمس مجرى ما لا ينصرف في موضعٍ الرَّفع خاصَّةً، ورُبما اضطرَّ الشاعرُ ففعل هذا في الخفض والنصب؛ قال الشاعر: لقد رأيتُ عجباً مُذْ أَمْسا(٤) فخفضَ بِمُذْ ما مضى، واللغة الجيدة الرفع، فأجرى أمس في الخفض مجراه في الرفع على اللغة الثانية . ﴿قَالَ لَهُ مُوسَىَ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ نُبِينٌ﴾ والغويُّ: الخائب، أي: لأنك تُشادُّ مَنْ لا تُطيقه(٥). وقيل: مُضِلٌّ بَيِّنُ الضلالة، قتلتُ بسبِكَ أمس رجلاً، وتدعوني اليوم لآخر(٦)، والغَويُّ فعيلٌ مِنْ أغوى يُغوي، وهو بمعنى مُغوٍ، وهو كالوجيع والأليم بمعنى الموجع والمؤلم. وقيل: الغويُّ بمعنى الغاوي. أي: إِنَّكَ لَغَويٌّ في قتال مَنْ لا تُطيقُ دَفْعَ شَرِّه عنك(٧). وقال الحسن: إنما قال للقبطيِّ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ تُبِينٌ﴾ في استسخار هذا الإسرائيليِّ، وهَمَّ أن يبطش به. يقال: بَطَش يَبطُش ويبطِشُ، (١) زاد المسير ٢٠٩/٦. (٢) المحرر الوجيز ٢٨١/٤ والبيت قائله سلامة بن جندل، وقد سلف ١٢٩/١٢ . (٣) وذكره الرازي في تفسيره ٢٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤. (٤) في (ظ) و(م): أمس. والرجز سلف ١٤٠/١٤ . (٥) إعراب القرآن ٢٣٢/٣-٢٣٣. (٦) الوسيط ٣٩٣/٣، وتفسير البغوي ٤٤٠/٣. (٧) الوسيط ٣/ ٣٩٣، وزاد المسير ٢٠٩/٦ - ٢١٠. ٢٥٣ سورة القصص: الآيات ١٩ - ٢٢ والضمُّ أقْيَسُ؛ لأنَّه فِعْلٌ لا يتعدَّى(١). ﴿قَالَ يَمُوسَى أَثْرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى﴾ قال ابن جُبير: أرادَ موسى أن يبطش بالقبطيِّ، فتوهَّمَ الإِسرائيليُّ أنه يريده؛ لأنه أغلظ له في القول، فقال: ﴿أَتْرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كَمَا قَثَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمَسِّ﴾ فسمع القبطيُّ الكلامَ فأفشاه. وقيل: أراد أن يبطش الإسرائيليُّ بالقبطيِّ، فنهاه موسى، فخاف منه، فقال: ﴿أَثْرِيدُ أَنْ تَفْتُلَنِىِ كَمَا قَدَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِّ﴾(٢). ﴿إِن تُرِيدٌ﴾ أي: ما تريد. ﴿إِلَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِ الأَرْضِ﴾ أي قَتَّالا(٣). قال عكرمة والشَّعبي: لا يكونُ الإنسان جباراً حتى يقتل نَفْسَين بغير حق (٤). ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ أي: من الذین یصلحون بين الناس. قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىّ إِنَّ الْمَلَأَ بَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ (٥ ◌َرَجَ مِنْهَا خَيِفًا يَرَقَّبٌ قَالَ رَبِّ نَجْنِى مِنَ اُلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَّتِ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَآءَ السَّبِيلِ قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ﴾ قال أكثر أهل التفسير: هذا الرجل هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون. ذكره الثعلبيّ(٥). وقيل: طالوت. ذكره السُّهيليّ(٦). وقال المهدويُّ عن قتادة: شمعون مؤمن آل فرعون (٧). وقيل: شمعان؛ (١) إعراب القرآن ٢٣٣/٣ . (٢) معاني القرآن للنحاس ١٦٨/٥. (٣) تفسير أبي الليث ٢/ ٥١٣ . (٤) مجمع البيان ٢٠/ ٢٧٧، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٧٩٠)، وقول الشعبي أخرجه الطبري ١٨/ ١٩٧ . (٥) وذكر الماوردي في النكت والعيون ٢٤٤/٤ عن الضحاك أنه مؤمن آل فرعون، وذكر عن الكلبي أنه ابن عم فرعون. (٦) في التعريف والإعلام ص١٣١ . (٧) وذكره النحاس في معاني القرآن له ١٦٩/٥ دون تسميته شمعون، وقد وردت هذه التسمية عن شعيب الجبائي فيما أخرجه الطبري ١٨/ ٢٠٠ . ٢٥٤ سورة القصص: الآيات ٢٠ - ٢٢ قال الدَّارَ قُطْنِيّ: لا يُعرف شمعان بالشين المعجمة إلا مؤمن آل فرعون(١). ورُويَ أنَّ فرعون أمر بقتل موسى، فسبقَ ذلك الرجل بالخبر(٢)، فـ﴿قَالَ يَمُوسَى إِنَّ الْمَلَأَّ يَأْتَمِّرُونَ بِكَ﴾ أي: يتشاورون في قتلك بالقبطيِّ الذي قتلته بالأمس. وقيل: يأمر بعضُهم بعضاً. قال الأزهريّ(٣): ائتمر القومُ وتآمروا أي: أمر بعضُهم بعضاً، نظيره قوله: ﴿وَأَتِرُواْ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦]. وقال النَّمِر بن تَوْلَب: وفي كلِّ حادثةٍ يُؤْتّمَرْ أرى الناسَ قد أحدثوا شِيمةً ﴿فَأَخْرُجُ إِّ لَكَ مِنَ التَّصِينَ. فَجَ مِنْهَا خَيِفًا يَتَقَّبٌ﴾ أي: ينتظر الطلب(٤). ﴿قَالَ رَبِّ ◌َِّى مِنَ اُلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقيل: الجبَّار: الذي يفعل ما يريده من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر في العواقب، ولا يدفع بالتي هي أحسن. وقيل: المُتعظّم الذي لا يتواضع لأمر الله تعالى(٥). قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبْتَ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَلَءَ السَّبِيلِ﴾ لمَّا خرجَ موسى عليه السلام فارّاً بنفسه منفرداً خائفاً، لا شيء معه من زادٍ ولا راحلةٍ ولا حذاءٍ نحو مدينَ للَّسب الذي بينه وبنيهم - لأنَّ مدين من ولد إبراهيم، وموسى من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - ورأى حالَه وعدمَ معرفته بالطريق، وخُلوَّه من زادٍ وغيره، أسندَ أمره إلى الله تعالى بقوله: ﴿عَسَى رَّتِ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَّءَ السَّبِيلِ﴾ وهذه حالة المضطر (٦). (١) التعريف والإعلام ص١٣١. (٢) النكت والعيون ٢٤٤/٤ ونسب القول الأول إلى الكلبي. (٣) في تهذيب اللغة ٢٩٤/١٥. (٤) تفسير البغوي ٣/ ٤٤٠ . (٥) الكشاف ١٦٩/٣ . (٦) المحرر الوجيز ٢٨٣/٤ . ٢٥٥ سورة القصص: الآيات ٢٢ - ٢٨ قلت: رُوي أنه كان يتقوَّتُ ورق الشجر، وما وصل حتى سقط خُفُّ قدميه(١). قال أبو مالك: وكان فرعون وجَّه في طلبه وقال لهم: اطلبوه في ثنيات الطريق، فإنَّ موسى لا يعرف الطريق. فجاءه مَلَكٌ راكباً فرساً ومعه عَنَزة، فقال لموسى: اتبعني. فاتَّبعه فهداه إلى الطريق(٢)، فيُقال: إنه أعطاه العَنَزة فكانت عصاه. ويُروى أنَّ عصاه إنما أخذها لرعي الغنم من مدين. وهو أكثر وأصح. قال مقاتل والسُّدِّي: إنَّ الله بعث إليه جبريل، فالله أعلم. وبين مدين ومصر ثمانية أيام. قاله ابن جُبير والناس. وكان مُلْك مدين لغير فرعون(٣). قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَذْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَاتٍ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْفِى حَقَّ يُصْدِرَ الرَِّاءُ وَأَبُوْنَا شَيْعٌ كَبِرٌ ﴾ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوََّ إِلَى الْظِلِ فَقَالَ رَبِّ إِنِّ لِمَآَ أَنْزَّلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيْرٌ ﴿ لَّهُ إِحْدَهُمَا تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِىِ يَدْعُوَكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَأَ فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ اُلْقَصَصَ قَالَ لَا قَالَتْ إِحْدَهُمَا بَكَبَتِ أُسْتَعْجِرَةٌ إِنَّ خَيْرَ تَخَفّْ نَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ مَنِ أُسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ ﴾ قَالَ إِنَّ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَنَّ هَتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجْ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُفِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الضَّالِحِينَ (١٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِ وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَ عُدْوَنَ عَلَىَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءُ مَذينے﴾ مشی موسی علیه السلام حتى ورد ماءَ مدين أي: بلغَها. وورودُه الماء معناه: بلغَه لا أنَّه دخلَ فيه. ولفظةُ الورود قد (١) عرائس المجالس ص١٧٦ عن ابن عباس (٢) معاني القرآن للنحاس ١٧١/٥. (٣) المحرر الوجيز ٢٨٢/٤ . ٢٥٦ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ تكون بمعنى الدخول في المورود، وقد تكون بمعنى الاطلاع عليه والبلوغ إليه وإن لم يدخل. فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه(١)؛ ومنه قول زهير(٢): فَلمَّا وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمَامُهُ وَضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ وقد تقدَّمت هذه المعاني في قوله: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. ومدين لا تنصِرِف؛ إذ هي بلدةٌ معروفة (٣). قال الشاعر: چ رُهبانُ مدينَ لو رأوكِ تَتَزَّلُوا والعُصْمُ من شَعَفِ الجبالِ الفَادِرِ (٤) وقيل: قبيلةٌ من ولد مدين بن إبراهيم، وقد مضى القول فيه في ((الأعراف))(٥). والأُمَّة: الجمع الكثير. و﴿ يَسْقُونَ﴾ معناه: ماشيتهم. و﴿مِن دُونِهِمْ﴾ معناه: ناحية إلى الجهة التي جاء منها، فوصل إلى المرأتين قبل وصوله إلى الأُمّة، ووجدهما تذودان، ومعناه: تُمنعان وتُحبسان، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((فَليُذادَنَّ رجالٌ عن حوضي))، وفي بعض المصاحف: ((امرأتين حابستين تذودان))(٦) يقال: ذادَ يذودُ إذا حُبِسَ. وذُدْتُ الشيءَ حبستُه(٧)؛ قال الشاعر: أبِيتُ على باب القَوافي كأنَّمَا أُذُودُ بها سِرْباً من الوحشِ نُزَّعَا (٨) أي: أحبِسُ وأمنَع. وقيل: ((تَذُودانٍ)): تَظْرُدان؛ قال: (١) المحرر الوجيز ٢٨٣/٤. (٢) في ديوانه ص ١٣ - ١٤ . (٣) المحرر الوجيز ٢٨٣/٤. (٤) قائله جرير، وقد سلف ١١٢/٨، ورُوي هناك: ((شعف العقول)) بدل ((شعف الجبال)). (٥) ٢٨٠/٩. (٦) المحرر الوجيز ٢٨٣/٤ . والحديث أخرجه مسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة ﴾. (٧) معاني القرآن للنحاس ١٧٢/٥ ووقع في النسخ: إذا ذهب. والتصويب من معاني القرآن. (٨) قائله سويد بن كراع، وهو في مجاز القرآن ١٠١/٢، والشعر والشعراء ٦٣٥/٢، وفيه: ((أصادي)) بدل ((أذود)). قال شارحه: صاديت الرجل: أي: داجيتُه وداريتُه وساترتُه. ٢٥٧ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ فما تَذْري بأيِّ عصّا تَذُودُ(١) لقد سَلبتْ عصاكَ بنو تميم أي: تَطردُ وتَكفُّ وتَمنعُ. ابن سلام: تمنعان غنمَهما لئلا تختلط بغنم الناس (٢)، فحذفَ المفعول؛ إمَّا إيهاماً على المخاطب، وإمَّا استغناءً بعلمه(٣). قال ابن عباس: تذودان غنمَهما عن الماء خوفاً من السُّقاة الأقوياء. قتادة: تذودان الناس عن غنمهما(٤). قال النخَّاس: والأوَّلُ أوْلى؛ لأنَّ بعده ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّ يُصْدِرَ الزِّعَاءُ﴾ ولو كانتا تذودان عن غنمهما الناسَ لم تُخبِرا عن سبب تأخير سَقِهما حتى يُصدر الرِّعاء(٥). فلما رأى موسى عليه السلام ذلك منهما ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ أي: شأنكما(٦)؛ قال رؤبة: يا عَجباً ما خَظْبُهُ وخَطبي(٧) ابن عطية (٨): وكان استعمال السؤال بالخَطْب إنما هو في مصاب، أو مضطهد، أو من يشفق عليه، أو يأتي بمنكر من الأمر، فكأنه بالجملة في شرٍّ، فأخبرتاه بخبرهما، وأنَّ أباهما شيخٌ كبير، فالمعنى: لا يستطيع لضعفه أن يُباشر أمرَ غنمه، وأنهما لضعفهما وقلَّةِ طاقتهما لا تقدران على مزاحمة الأقوياء، وأنَّ عادتَهما التأنِّي حتى يُصدِرَ الناسُ عن الماء ويخلى، وحينئذٍ تَرِدان. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو: ((يَصْدُرَ)) من صَدَرَ، وهو ضدُّ وَرَدَ أي: يرجع الرِّعاء. والباقون ((يُصْدِرَ)) بضمِّ الياء من أصدر، أي: حتى يصدروا مواشيهم من وِرْدهم. (١) قائله جرير، وهو في ديوانه ٣٣٣/١. (٢) النكت والعيون ٢٤٥/٤ - ٢٤٦. (٣) معاني القرآن للنحاس ٥/ ١٧٢. (٤) المحرر الوجيز ٢٨٣/٤ . (٥) معاني القرآن للنحاس ١٧٣/٥ . (٦) المحرر الوجيز ٢٨٣/٤. (٧) ديوان رؤبة في مجموع أشعار العرب ص١٦، وتتمة الرجز: وَأَنا يُبدي للأمير قلبي. (٨) في المحرر الوجيز ٢٨٣/٤ . ٢٥٨ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ والرِّعاء جمع راع، مثل تاجر وتجار، وصاحب وصِحاب(١). قالت فرقة: كانت الآبار مكشوفة، وكان زَحْمُ الناس يمنعهما، فلمَّا أراد موسى أن يسقي لهما زَحَمَ الناسَ وغلبَهم على الماء حتى سقى، فعن هذا الغَلَب الذي كان منه وصفَتْه إحداهما بالقوّة. وقالت فرقة: إنهما كانتا تتبعان فُضَالتهم في الصَّهاريج، فإن وجدتا في الحوض بقيةً كان ذلك سقيهما، وإن لم يكن فيه بقيةٌ عطشت غنمُهما، فَرَقَّ لهما موسى، فعمدَ إلى بئر كانت مغطّاةً والناس يسقون من غيرها، وكان حَجَرُها لا يرفعه إلا سبعة - قاله ابن زيد. ابن جريج: عشرة. ابن عباس: ثلاثون. الزجَّاج: أربعون - فرفعه، وسقى للمرأتين، فعن رفع الصخرة وصفَتْه بالقوّة. وقيل: إنَّ بئرهم كانت واحدة، وأنه رفع عنها الحجر بعد انفصال السُّقاة، إذ(٢) كانت عادةُ المرأتين شرب الفضلات(٣). روى عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه قال: لمَّا استقى الرُّعاة غطّوا على البئر صخرةً لا يقلعها إلا عشرةُ رجال، فجاء موسى فاقتلعَها واستقى ذَنُوباً واحداً لم تحتَجْ إلى غيره، فسقى لهما (٤). الثانية: إن قيل: كيف ساغ لنبيٍّ الله الذي هو شعيب # أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية؟ قيل له: ليس ذلك بمحظورٍ والدينُ لا يأباه، وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك، والعادة متباينةٌ فيه، وأحوالُ العرب فيه خلافُ أحوالِ العجم، ومذهب أهل البدو غير مذهب الحضر، خصوصاً إذا كانت الحالةُ حالةً ضرورة. الثالثة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ إِلَى اَلِظِلّ﴾ إِلَى ظلِّ سَمُرَةً(٥). قاله ابن مسعود. وتعرَّضَ لسؤال ما يُطعمه بقوله: ﴿إِنِّ لِمَّ أَنْزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وكان لم يذُقْ (١) تفسير البغوي ٣/ ٤٤١. وينظر السبعة ص ٤٩٢، والتيسير ص١٧١. (٢) في (م): إذا. (٣) المحرر الوجيز ٢٨٣/٤ سوى قوله: فإن وجدتا في الحوض ... إلى قوله: فرقٌّ لهما موسى، فهو في أحكام القرآن لابن العربي ١٤٥٤/٣ . (٤) معاني القرآن للنحاس ١٧٤/٥. (٥) وهي شجرة صغيرة الورق، قصيرة الشوك، لها برمة صفراء يأكلها الناس. اللسان (سمر). ٢٥٩ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ طعاماً سبعةً أيام، وقد لصق بطنُه بظهره، فعرَّضَ بالدعاء ولم يُصرِّخ بسؤال، هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله(١)، فالخير يكون بمعنى الطعام كما في هذه الآية، ويكون بمعنى المال كما قال: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨] وقوله: ﴿وَإِنَُّ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، ويكون بمعنى القوّة كما قال: ﴿أَهُمْ خَيِّرُ أَمْ قَوْمُ تُيَّع﴾ [الدخان: ٣٧]، ويكون بمعنى العبادة كقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قال ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع، واخضرَّ لونُه من أكل البقل في بطنه، وإنه لأكرم الخلق على الله. ويُروى أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطنُ قدميه. وفي هذا مُعتبرٌ وإشعارٌ بهوان الدنيا على الله(٢). وقال أبو بكر بن طاهر(٣) في قوله: ﴿إِنِ لِمَّ أَنْزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ أي: إني لِما أنزلت(٤) من فضلك وغناك فقيرٌ إلى أن تغنيني بِكَ عمَّن سواك. قلت: ما ذكره أهل التفسير أولى؛ فإنَّ الله تعالى إنما أغناه بواسطة شعيب. الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَءَتَّهُ إِعْدَهُمَا تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَآٍَ﴾ في هذا الكلام اختصارٌ يدلُّ عليه هذا الظاهر؛ قدَّره ابن إسحاق: فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكانت عادتهما الإبطاء في السقي، فحدَّثتاه بما كان من الرجل الذي سقى لهما، فأمر الكبرى من بنتيه - وقيل: الصغرى - أن تدعوَه له، ((فَجاءَتْ)) على ما في هذه الآية. قال عمرو بن ميمون: ولم تكن سَلْفَعاً من النساء(٥)، خَرَّاجةً وَلَّاجة. وقيل: جاءته (١) المحرر الوجيز ٢٨٤/٤ . (٢) المصدر السابق. (٣) هو عبد الله بن طاهر بن حاتم الأبهري، توفي قريباً من سنة ٣٣٠هـ حلية الأولياء ٣٥١/١٠، وطبقات الصوفية ص٣٩١ . (٤) في (ظ): أبديت. (٥) أي: سليطةً جريئةً. أو: بذيئةً فحاشةً قليلة الحياء. اللسان (سلفع). ٢٦٠ سورة القصص: الآيات ٢٣ - ٢٨ ساترةً وجهها بِكُمِّ دِرعها. قاله عمر بن الخطاب(١). ورُويَ أنَّ اسم إحداهما ليا والأخرى صفوريا ابنتا يثرون، ويثرون هو شعيب عليه السلام. وقيل: ابن أخي شعيب، وأنَّ شعيباً كان قد مات(٢). وأكثر الناس على أنهما ابنتا شعيب عليه السلام، وهو ظاهر القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ كذا في سورة ((الأعراف» [الآية: ٨٥] وفي سورة الشعراء [الآية: ١٧٦ -١٧٧]: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لْفَيْكَةٍ اَلْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَمْ شُعَيْبُ﴾ قال قتادة: بعث الله تعالى شعيباً إلى أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. وقد مضى في ((الأعراف)) الخلافُ في اسم أبيه. فرُويَ أنَّ موسى عليه السلام لمَّا جاءته بالرسالة قام يتبعها، وكان بين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال، فهبَّتْ ريحٌ فضمَّتْ قميصَها فوصفت عجيزتَها، فتحرَّج موسى من النظر إليها، فقال: ارجعي خلفي وأرشديني إلى الطريق بصوتك(٣). وقيل: إنَّ موسى قال ابتداءً: كوني ورائي فإني رجلٌ عبرانيٌّ لا أنظر في أدبار النساء، ودُلِّيني على الطريق يميناً أو يساراً(٤). فذلك سبب وصفها [له]. قاله ابن عباس. فوصل موسى إلى داعيةٍ فقصَّ عليه أمره من أوَّله إلى آخره فآنسه بقوله: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وكانت مدينُ خارجةً عن مملكة فرعون(٥). وقرَّبَ إليه طعاماً فقال موسى: لا آكل؛ إنَّا أهل بيتٍ لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهباً. فقال شعيب: ليس هذا عِوَضَ السقي، ولكن عادتي وعادةُ آبائي قِرَى الضيف، وإطعامُ الطعام. فحينئذٍ أكل موسى(٦). الخامسة: قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَهُمَا يَتَأَبَتِ اسْتَفْجِرَةٌ﴾ دليلٌ على أنَّ الإجارة (١) المحرر الوجيز ٢٨٤/٤. (٢) التعريف والإعلام ص ١٣١. (٣) المحرر الوجيز ٢٨٤/٤ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٤٥٤/٣. (٥) المحرر الوجيز ٢٨٤/٤، وما بين حاصرتين منه. وقول ابن عباس عائدٌ على القول الأول، لا على القول الذي ذكره ابن العربي. (٦) تفسير أبي الليث ٥١٤/٢ .