Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ سورة النمل: الآيات ٦٧ - ٧١ حيِّزِ الاستفهام فيما قبله؟! فإذا كان فيه استفهامٌ كان أبعد، وهذا إذا سُئِلَ عنه كان مُشكلاً لِما ذكره. وقال أبو جعفر: وسمعت محمد بن الوليد يقول: سألنا أبا العباس عن آيةٍ من القرآن صعبةٍ مُشكِلةٍ، وهي قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُكُرْ عَلَى رَجُلٍ يُنِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٨] فقال: إن عمل في ((إذَا)) ((ينبئكم)) كان مُحالاً؛ لأنه لا يُنْبِّئهم ذلك الوقت، وإن عمل فيه ما بعد ((إنَّ) كان المعنى صحيحاً وكان خطأً في العربية أن يعمل ما قبل ((إنَّ) فيما بعدها؛ وهذا سؤالٌ بَيِّنٌ رأيتُ أن يُذكّرَ في السورة التي هو فيها، فأما أبو عبيد فمالَ إلى قراءة نافع وردّ على مَنْ جمع بين استفهامين، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿أَفَإِيْن ◌َاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَ أَعْقَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وبقوله تعالى: ﴿أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَلِّدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وهذا الردُّ على أبي عمرو وعاصم وحمزة وطلحة والأعرج لا يلزَمُ منه شيء، ولا يُشبه ما جاء به من الآيةِ شيئاً، والفرق بينهما أنَّ الشرطَ وجوابَه بمنزلة شيءٍ واحد، ومعنى: ﴿أَفَإِيْن مِّتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾: أفإن مِتَّ خلدوا. ونظير هذا: أَزَيْدٌ مُنطلِقٌ، ولا يُقال: أَزَيدٌ أمنطلقٌ؛ لأنها بمنزلة شيءٍ واحدٍ وليس كذلك الآية؛ لأنَّ الثاني جملةٌ قائمةٌ بنفسها فيصلح فيها الاستفهام، والأوَّلُ كلامٌ يصلح فيه الاستفهام، فأمَّا مَنْ حذَفَ الاستفهامَ من الثاني وأثبته في الأول فقرأ: ((أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَا ؤُنَا إِنَّنَا)) فحذفَه من الثاني؛ لأنَّ في الكلام دليلاً علیه بمعنى الإنكار. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ تقدَّم في سورة ((المؤمنون))(١). وكانت الأنبياء يُقرِّبون أمر البعث مبالغةً في التحذير، وكلُّ ما هو آتٍ فقريب. قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِ اٌلْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( وَلَا وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا اُلْوَعْدُ إِن تَّحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِ ضَيْقِ مِّمَا يَمْكُرُونَ () كُثُمْ صَدِقِينَ قوله تعالى: ﴿قُلّ سِيرُوا فِ الْأَرْضِ﴾ أي: ((قُلْ)) لهؤلاءِ الكفار ((سِيرُوا)) في بلاد (١) ٧٨/١٥ . ٢٠٢ سورة النمل: الآيات ٦٩ - ٧٥ الشام والحجاز واليمن. ﴿فَأَنْظُرُوا﴾ أي: بقلوبكم وبصائركم ﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ المكذِّبين لرسلهم. ﴿وَلَا تَحْزَنَّ عَلَّهِمْ﴾ أي: على كفار مكة إن لم يؤمنوا ﴿ وَلَا تَكُنْ فِ ضَيْقٍ﴾ في حرج(١) ﴿مِّمَا يَمْكُرُونَ﴾ نزلت في المستهزئين الذين اقتسموا عقاب مكة(٢)، وقد تقدَّم ذِكْرُهم(٣). وقرئ: ((فِي ضِيقٍ)) بالكسر، وقد مضى في آخر ((النحل)) (٤). ﴿وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا الْوَعْدُ﴾ أي: وقت يجيئنا العذاب بتكذيبنا ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿قُلّ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعِْلُونَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْتَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (3) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٨) وَمَا مِنْ غَنِبَقِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّ فِ كِنَبٍ ◌ُبِينٍ قوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي: اقترب لكم ودنا منكم ﴿بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعِْلُونَ﴾ أي: من العذاب. قاله ابن عباس(٥). وهو من رَدِفَه إذا تبعه وجاء في أثره، وتكون اللام أُدخِلَتْ لأنَّ المعنى: اقترب لكم ودنا لكم. أو تكون متعلقةً بالمصدر (٦). وقيل: معناه: معكم. وقال ابن شجرة: تبعكم، ومنه رِذْفُ المرأة؛ لأنه تَبَعٌ لها من خلفها، ومنه قول أبي نُؤیب: عادَ السوادُ بياضاً في مَفارِقهِ لا مَرْحباً ببياضِ الشَّيْبِ إِذْ رَدِفا(٧) قال الجوهري(٨): وَأَرْدَفه أمرٌ لغةٌ فِي رَدِفَه، مثل تَبِعَه وأتبَعَه بمعنى؛ قال خُزيمة (١) الكشاف ١٥٨/٣ . (٢) تفسير البغوي ٣/ ٤٢٧ (٣) ٢٦١/١٢ - ٢٦٢. (٤) ١٢ / ٤٦٤ . (٥) النكت والعيون ٢٢٥/٤. (٦) معاني القرآن للنحاس ١٤٧/٥. (٧) النكت والعيون ٢٢٥/٤ . (٨) في الصحاح (ردف). ٢٠٣ سورة النمل: الآيات ٧٢ - ٧٥ ابن مالك بن نَهد : إذا الجوزاءُ أردفتِ الثُّرَيَّا ظَننتُ بآلٍ فاطمةَ الظُّونا(١) يعني فاطمة بنت يَذْكُر بن عَنَزَة أحدِ القارِظَيْن. وقال الفرَّاء(٢): ((رَدِفَ لَكُمْ)): دنا لكم؛ ولهذا قال: ((لَكُمْ)). وقيل: رَدِفه ورَدِف له بمعنّى فتُزاد اللامُ للتوكيد. عن الفرَّاء أيضاً(٣). كما تقول: نقَدْتُه ونقَدْتُ له، وكِلْتُه ووَزَنْتُه، وكِلْتُ له ووزَنْتُ له، ونحو ذلك. ﴿بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعِْلُونَ﴾ مِن العذابِ، فكان ذلك يوم بدر. وقيل: عذاب القبر(٤). ﴿وَإِنَّ رَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ في تأخير العقوبة وإدرار الرزق ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ فضلَه ونِعَمَه. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُ صُدُورُهُمْ﴾ أي: تخفي صدورهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يُظهِرون من الأمور. وقرأ ابن مُحيصن وحميد: ((مَا تَكُنُّ)) من كننتُ الشيء إذا سترتُه، هنا وفي ((القصص))(٥) تقديرُه: ما تَكُنُّ صدورُهم عليه، وكأنَّ الضميرَ الذي في الصدور كالجسم الساتر. ومن قرأ: ((تُكِنُّ)) فهو المعروف؛ يقال: أكننتَ الشيء إذا أخفيتَه في نفسك(٦). قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَنِيَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِی کِنَبٍ تُپينٍ﴾ قال الحسن: الغائبة: هنا: القيامة. وقيل: ما غابَ عنهم من عذاب السماء والأرض. حكاه النقَّاش. وقال ابن شجرة: الغائبة هنا: ما أخفى الله تعالى عن خلقِه وغيَّبه عنهم، (١) البيت في الأمثال لأبي عبيد ص ٣٤٥، وجمهرة الأمثال ١٢٣/١. (٢) في معاني القرآن له ٢٩٩/٢ . (٣) نقله عنه البغوي في تفسيره ٣/ ٤٢٧ بنحوه. (٤) النكت والعيون ٢٢٥/٤ . (٥) عند الآية (٦٩). (٦) المحتسب ١٤٤/٢ بنحوه، وقد نسب القراءة إلى ابن محيصن وابن السميع اليماني، وكذلك في الشاذة ص ١١٠، والمحرر الوجيز ٢٦٩/٤. ٢٠٤ سورة النمل: الآيات ٧٥ - ٨١ وهذا عام(١). وإنَّما دخلتِ الهاءُ في ((غَائِبةٍ)) إشارة إلى الجمع، أي: ما من خَصْلةٍ غائبةٍ عن الخلق إلَّا واللهُ عالِمٌ بها قد أثبتها في أمِّ الكتاب عنده، فكيف يخفى عليه ما يُسِرُّ هؤلاء وما يُعلِنونه. وقيل: أي: كلُّ شيءٍ هو مُثبَتٌ في أمِّ الكتاب يُخرجه للأجل المؤجّلِ له، فالذي يستعجلونه من العذاب له أجلٌ مضروبٌ لا يتأخّر عنه ولا يتقدَّم عليه. والكتاب: اللوح المحفوظ، أثبتَ اللهُ فيه ما أراد؛ لِيُعلِمَ بذلك من يشاء من ملائكته. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُوَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ وَإِنَّهُ لَمُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَينَهُم بِحُكْمِهِ، يَخْتَلِفُونَ ( فَتَوَّكَّلْ عَلَى اَللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٣) إِنَّكَ لَا تُتَمِعُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِمُ (٨َا الْمَوْقَ وَلاَ تُبِعُ الْعُمَّ الدُّعَّمَ إِذَا وَلَّوْ مُذْبِينَ (٨٥ وَمَآ أَنْتَ بِهَدِى أَلْعُمِ عَنْ ضَلَتِهِمْ إِن تُشْجِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِحَابَئِنَا فَهُم ◌ُسْلِمُونَ (@) قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُُّ عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذلك أنَّهم اختلفوا في كثيرٍ من الأشياء حتى لعن بعضُهم بعضاً، فنزلت. والمعنى: إنَّ هذا القرآن يُبيِّن لهم ما اختلفوا فيه لو أخذوا به (٢)، وذلك ما حرَّفوه من التوراة والإنجيل، وما سقط من كتبهم من الأحكام. ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني القرآن(٣) ﴿لَمُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خصَّ المؤمنين لأنهم المنتفعون به. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَنهُم بِحُكْمِهً﴾ أي: يقضي بين بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه في الآخرة، فيُجازي المُحِقَّ والمُبطل(٤). وقيل: يقضي بينهم في الدنيا فيُظهِرُ ما حرَّفوه. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنيع الغالب الذي لا يُرَدُّ أمرُه ﴿ اَلْعَلِيمُ﴾ الذي لا يخفى عليه (١) النكت والعيون ٢٢٥/٤ . (٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٠٠ . (٣) الوسيط ٣٨٤/٣، وتفسير البغوي ٤٢٧/٣. (٤) تفسير الطبري ١٨/ ١١٧ . ٢٠٥ سورة النمل: الآيات ٧٦ - ٨١ شيء(١). قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: فوّضْ إليه أمرَك واعتمِدْ عليه؛ فإنَّه ناصِرُك(٢). ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي: الظاهر(٣). وقيل: المُظهِرُ لمن تدبَّرَ وجه الصواب. ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ يعني الكفار؛ لتركهم التَّدبُّر، فهم كالموتى لا حِسَّ لهم ولا عقل. وقيل: هذا فيمن علم أنه لا يؤمن. ﴿وَلَا تُمِعُ الَُّ الذُّعَّمَ﴾ يعني الكفار الذين هم بمنزلة الصُّمِّ عن قبول المواعظ، فإذا دُعوا إلى الخير أعرضوا وولَّوا كأنهم لا يسمعون، نظيره: ﴿هُمُ بَكْمُ عُمْىٌّ﴾ كما تقدَّم(٤). وقرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وابن أبي إسحاق وعباس عن أبي عمرو: (وَلَا يَسْمَعُ) بفتح الياء والميم ((الصُّمُّ)) رفعاً على الفاعل(٥). الباقون: ((تُسْمِعُ)) مضارعُ أسمعتَ ((الصُّمَّ)) نصباً. مسألة: وقد احتجَّت عائشة رضي الله عنها في إنكارها أنَّ النبيَّ # أسمعَ موتى بدرٍ بهذه الآية، فنظرتْ في الأمر بقياسٍ عقليٍّ ووقفت مع هذه الآية. وقد صحَّ عن النبيِّ ﴿ أنه قال: ((ما أنتم بِأَسْمَعَ مِنْهم))(٦) قال ابن عطية: فيُشبه أنَّ قصةَ بدرٍ خرقُ عادةٍ لمحمدٍ# في أنْ رَدَّ الله إليهم إدراكاً سمعوا به مقالَه، ولولا إخبارُ رسول الله ﴾ بسماعهم لَحملنا نداءه إيَّاهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفَرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين(٧). (١) تفسير البغوي ٤٢٧/٣ . (٢) تفسير الطبري ١١٦/١٨ . (٣) مجمع البيان ٢٤٩/٢٠ . (٤) ١/ ٣٢٤ - ٣٢٥. (٥) قراءة ابن كثير ورواية عباس عن أبي عمرو في السبعة ص٤٨٦ ، وعن ابن كثير وحده في التيسير ص١٦٩ . (٦) سلف ٩/ ٢٧٣. (٧) المحرر الوجيز ٢٧٠/٤. ٢٠٦ سورة النمل: الآيات ٧٦ - ٨١ قلت: روى البخاري ﴾: حدَّثني عبد الله بن محمد سمع رَوْح بن عُبادة قال: حدَّثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادةَ قال: ذَكَر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أنَّ نبيَّ اللـهِ ﴾ أمرَ يوم بدرٍ بأربعةٍ وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقُذِفوا في طَوِيٍّ من أطواء بدرٍ خَبيثٍ مُحْبِث، وكان إذا ظهرَ على قوم أقام بالعَرْصَةِ ثلاثَ ليال، فلمَّا كان ببدرِ اليومَ الثالثَ أمرَ براحلتِه فشُدَّ عليها رحلُها ثم مشى وتبعه أصحابُه، قالوا: ما نُرَى ينطلق إلَّا لبعض حاجته، حتى قام على شفير الرَّكيِّ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: ((يا فُلانَ بنَ فُلانٍ، ويا فُلانَ بن فلانٍ، أيَسُرُّكم أنَّكم أطعتُم اللـهَ ورسوله؛ فإنَّا قد وجدنا ما وَعَدنا ربُّنا حقًّا، فهل وجدتُم ما وَعَد رَبُّكم حقًّا؟)) قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تُكلِّمُ من أجسادٍ لا أرواحَ لها! فقال النبيُّ ﴾: ((والذي نفسُ محمدٍ بيده ما أنتم بأسمَعَ لِما أقولُ منهم)) قال قتادة: أحياهم اللهُ حتى أسمعهم قولَه توبيخاً وتصغيراً ونِعمةً وحسرةً وندماً. خرَّجه مسلم أيضاً (١). قال البخاري: حدَّثنا عثمان قال: حدَّثنا عَبْدة، عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر قال: وقفَ النبيُّ # على قَلِيب بدر فقال: ((هل وجدتُم ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً؟)) ثم قال: ((إنهم الآن يسمعون ما أقول)) فذكر ذلك لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﴾: ((إنَّهم الآن لَيعلمونَ أنَّ الذي كنتُ أقولُ لهم هو الحقُّ)) ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ حتى قرأت الآية(٢). وقد عُورِضَتْ هذه الآية بقصة بدرٍ وبالسلام على القبور، وبما رُويَ في ذلك من أنَّ الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات، وبأنَّ الميت يسمع قَرْعَ النِّعال إذا انصرفوا عنه، إلى غير ذلك، فلو لم يسمَعِ الميتُ لم يُسلَّمْ عليه(٣). وهذا واضحٌ وقد (١) صحيح البخاري (٣٩٧٦)، وصحيح مسلم (٢٨٧٥). وأخرجه أحمد (١٦٣٥٩). قال السندي في حاشيته على المسند: ((في طَوِيٍّ)): في بئرٍ طَويٍّ بالحجارة أو غيرها. ((مُخْبِث)): اسم فاعل من أخبث: إذا صاحب الخُبَثاء، أي: كان خبيثاً في ذاته، ثم صار أصحابه خبثاء أيضاً. ((الرَّكي)): البئر. ((أسرَّكم) أي: أَظهَرَ لكم أنكم لو أطعتم كان خيراً. ((ما تُكلِّمُ)) أي: أيُّ كلامٍ تكلم وما فائدته. (٢) صحيح البخاري (٣٩٨٠ - ٣٩٨١). وأخرجه أحمد (٤٩٥٨)، ومسلم (٩٣٢): (٢٦). ورواية أحمد ليس فيها قراءة الآية. (٣) المحرر الوجيز ٢٧٠/٤ . ٢٠٧ سورة النمل: الآيات ٨١ - ٨٦ بَيَّناه في كتاب ((التذكرة))(١). قوله تعالى: ﴿وَمَّ أَنْتَ بِهَدِى الْعُمِيِ عَن ضَلَلَتِهِمْ﴾ أي: كفرهم، أي: ليس في وُسعِكَ خلق الإيمان في قلوبهم. وقرأ حمزة: ((وما أَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ)) كقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِى اٌلْعُمْىَ﴾ [يونس: ٤٣]. الباقون: ((بِهَادِي الْعُمْي)) وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وفي ((الروم))(٢) مثله(٣). وكلُّهم وقفَ على ((بِهَادِي)) بالياء في هذه السورة وبغير ياء في ((الروم)) اتباعاً للمصحف، إلَّا يعقوب فإنه وقفَ فيهما جميعاً بالياء(٤). وأجاز الفرَّاء وأبو حاتم: ((وما أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيَ)) وهي الأصل. وفي حرف عبد الله: ((وَما أَنْ تَهْدِي الْعُمْيَ)). ﴿إِن تُشْيِعُ﴾ أي: ما تسمع(٥). ﴿إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِثَايَئِنَا﴾ قال ابن عباس: أي: إلَّا من خلقتَه للسعادة فهم مخلصون في التوحيد. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَمُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِشَايَئِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٧) وَبَوْمَ نَّْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمٍَّ فَوْجًا مِّمَن يُكَذِّبُ بِثَايَتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حََّ إِذَا جَاءُو قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِثَابَتِ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْمَا أَمَّاذَا كُمْ وَوَقَعَ الْقَوَّلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لَا يَنَطِقُونَ (٨٥ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا تَعْمَلُونَ (٨٦) اَلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًاً إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (® قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ اختُلِفَ في معنى وقع القول وفي الدابة، فقيل: معنى ((وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ)): وجَبَ الغضبُ عليهم. قاله قتادة. وقال مجاهد: أي: حَقَّ القولُ عليهم بأنهم لا يؤمنون. وقال ابن عمر وأبو (١) ١/ ١٤٤ - ١٤٥ . (٢) عند الآية (٥٣). (٣) السبعة ص ٤٨٦، والتيسير ص١٦٩ . (٤) النشر ١٣٨/٢ و١٣٩ . (٥) إعراب القرآن ٢٢٠/٣ -٢٢١. ٢٠٨ سورة النمل: الآيات ٨٢ - ٨٦ سعيد الخدريّ رضي الله عنهما: إذا لم يأمُروا بالمعروف ويَنْهَوا عن المنكر وجَبَ السَّخطُ عليهم (١). وقال عبد الله بن مسعود: وَقْعُ القولِ يكون بموت العلماء، وذهاب العلم، ورفع القرآن. قال عبدالله: أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يُرفَعَ. قالوا: هذه المصاحف تُرفَعُ فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: يُسرَى عليه ليلاً فيصبحون منه قَفْراً، وينسون لا إله إلا الله، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، وذلك حين يقع القولُ عليهم. قلتُ: أسنده أبو بكر البزَّار قال: حدَّثنا عبد الله بن يوسف الثَّقَفي قال: حدَّثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن موسى بن عُبيدة، عن صفوان بن سليم، عن [ناجية ابن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود﴾](٢) أنه قال: أكْثِروا من زيارة هذا البيت من قبل أن يُرفَع ويَنسى الناسُ مكانَه، وأكْثِروا تلاوة القرآن من قبل أن يُرفَع. قالوا: يا أبا عبد الرحمن، هذه المصاحفُ تُرفَعُ فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: فيُصبحون فيقولون: كنّا نتكلّم بكلام ونقول قولاً، فيرجعون إلى شعرِ الجاهلية وأحاديثِ الجاهلية، وذلك حين يقَعُ القولُ عليهم (٣). وقيل: القولُ: هو قولُه تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ اٌلْقَوْلُ مِنِ لَأَمْلَأَنَ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة: ١٣] فوقوعُ القولِ وجوبُ العقاب على هؤلاء، فإذا صاروا إلى حَدٍّ لا تُقبَلُ توبتُهم ولا يولَدُ لهم ولدٌ مؤمنٌ فحينئذٍ تقوم القيامة. ذكره القُشيري. وقول سادس: قالت حفصة بنت سيرين: سألتُ أبا العالية عن قول الله تعالى: (١) النكت والعيون ٢٢٦/٤ . وقول ابن عمر أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٨٥/٢، والطبري ١٢٠/١٨ و١٢١،، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٥٨٥). (٢) في جميع النسخ: ((ابن لعبد الله بن مسعود عنه عن أبيه)) والتصويب من مصادر التخريج. (٣) أخرجه الدارمي (٣٣٤١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٥٨٦) من طريق موسى بن عبيدة، به. وأخرجه البيهقي في الشعب (٢٠٢٦) من طريق موسى بن سعد، عن ناجية، به. وأخرجه عبد الرزاق (٥٩٨١)، وابن أبي شيبة ٥٣٤/١٠، والطبراني في الكبير (٨٦٩٨ و٨٦٩٩ و٨٧٠٠)، والحاكم ٥٠٤/٤ من طريق شداد بن معقل، عن ابن مسعود بنحوه. وصححه الذهبي في التلخيص. ٢٠٩ سورة النمل: الآيات ٨٢ - ٨٦ ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوَّلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ اَلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ فقال: أوحى الله إلى نوح: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦] وكأنَّما كان على وجهي غطاءٌ فكُشِفَ. قال النخَّاس: وهذا من حُسن الجواب؛ لأنَّ الناس مُمتَحَنون ومُؤخّرون؛ لأنَّ فيهم مؤمنين وصالحين، ومَنْ قد عَلِمَ اللهُ عزَّ وجلَّ أنه سيؤمن ويتوب؛ فلهذا أُمهِلوا وأُمِرْنا بِأَخْذِ الجزية، فإذا زالَ هذا وجبَ القولُ عليهم، فصاروا كقوم نوح حين قال الله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ ءَامَنَ﴾(١). قلت: وجميعُ الأقوال عند التأمُّلِ ترجع إلى معنّى واحد. والدليلُ عليه آخِرُ الآية: (إِنَّ النَّاسَ كانُوا بِآيَاتِنا لا يُوقِنُونَ)). وقُرِئ: ((أَنَّ) بفتح الهمزة، وسيأتي. وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((ثلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا ينفَعُ نفساً إيمانُها [لم تكُنْ آمنَتْ من قبلُ أو كسبَتْ في إيمانها خيراً](٢): طلوعُ الشمس من مغربها، والدجال، ودابَّةُ الأرض)) وقد مضى(٣). واختُلِفَ في تعيين هذه الدابة وصِفَتِها ومِنْ أين تخرجُ اختلافاً كثيراً، وقد ذكرناه في كتاب ((التذكرة)) (٤)، ونذكره هنا إن شاء الله تعالى مستوفّى. فأوّل الأقوال أنَّه فَصِيلُ ناقة صالح وهو أصحُّها - والله أعلم - لِما ذكره أبو داود الطيالسي في ((مسنده) عن حذيفة قال: ذكرَ رسولُ الله ◌ِ﴾ الدابَّة فقال: ((لها ثلاث خَرَجاتٍ من الدهر: فتخرجُ في أقصى البادية، ولا يدخلُ ذِكْرُها القرية - يعني مكة - ثم تكمنُ زماناً طويلاً، ثم تخرجُ خرجةً أخرى دون ذلك فيفشو ذِكْرُها في البادية، ويدخل ذِكْرُها القرية - يعني مكة ـ)) قال رسول الله ﴾: ((ثمَّ بينما الناسُ في أعظم المساجد على الله حُرمةً خيرِها وأكرمِها على الله المسجدِ الحرامِ، لم يَرُغْهُم إلَّا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفُضُ عن رأسِها التراب، (١) إعراب القرآن ٣/ ٢٢١ وقول حفصة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٨٣/٢، والطبري ١٢٠/١٨، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٥٩١). (٢) ما بين حاصرتين من صحيح مسلم، وهو ليس في النسخ. (٣) صحيح مسلم (١٥٨)، وقد سلف ١٢٨/٩ . (٤) ٦٩٦/٢ - ٧٠٢ . ٢١٠ سورة النمل: الآيات ٨٢ - ٨٦ فارفَضَّ(١) الناسُ معها(٢) شتَّى ومعاً، وتثبتُ عصابةٌ من المؤمنين، وعرفوا أنهم لن يُعجزوا اللهَ، فبدأتْ بهم فجَلَّتْ وُجوهَهم حتى جعلَتْها كأنَّها الكوكبُ الدُّرِّيُّ، وولَّتْ في الأرض لا يُدرِكُها طالبٌ، ولا ينجو منها هارب، حتى إنَّ الرَّجلَ لَيَتعوَّذُ منها بالصلاة فتأتيه مِنْ خلفه فتقول: يا فلان، الآن تُصلِّي؟ فتُقبِلُ علیه فتَسِمُه في وجهه، ثم تنطلِقُ، ويشترك الناسُ في الأموال، ويصطحبون(٣) في الأمصار، يُعرَفُ المؤمنُ من الكافر، حتى إنَّ المؤمن يقول: ((يا كافر اقْضٍ حَقِّي)»(٤) وموضعُ الدليلِ من هذا الحديث أنَّه الفصيل قولُه: ((وهي ترغو)) والرُّغاء إنما هو للإبل؛ وذلك أنَّ الفصيلَ لمَّا قتلت الناقة هرب، فانفتح له حجرٌ فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله عزَّ وجلَّ. ورُويَ أنَّها دابةٌ مزغبةٌ شعراء، ذاتُ قوائم(٥)، طولُها ستون ذراعاً (٦)، ويقال: إنها الجساسة. وهو قول عبد الله بن عمر(٧). ورُوي عن ابن عمر (١) أي: تفرق. النهاية (رفض). (٢) في النسخ: منها. والمثبت من مسند الطيالسي والمصادر. (٣) في النسخ: ويصطلحون. والمثبت من مسند الطيالسي والمصادر. (٤) مسند الطيالسي (١٠٦٩). بإسنادين: الأول: عن جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن رجل من آل مسعود، عن حذيفة بن أسيد مرفوعاً. في إسناده إبهام الراوي عن حذيفة. والثاني: عن طلحة بن عمرو، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبي الطفيل، عن حذيفة مرفوعاً. طلحة بن عمرو متروك. ميزان الاعتدال ٢/ ٣٤٠ - ٣٤٢ . وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٥٩٣) من طريق الطيالسي، بالإسنادين معاً. وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٢٣٤٥)، والطبراني في الكبير (٣٠٣٥)، والحاكم ٤/ ٤٨٤، والبغوي في تفسيره ٤٢٨/٣ من طريق طلحة بن عمرو، به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٤ والطبري ١٢٢/١٨ - ١٢٣ من طريق واصل مولى ابن عيينة، كلاهما عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد موقوفاً، والفاكهي (٢٣٤٤)، والحاكم ٤٨٤/٤ من طريق قيس بن سعد، والطبري ١٢٢/١٨ - ١٢٣ وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. (٥) النكت والعيون ٢٢٦/٤ عن ابن عباس ، وزاد المسير ١٩١/٦ عن مقاتل. (٦) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٢٠/ ٢٥٠ عن حذيفة بن اليمان ﴾ مرفوعاً. (٧) الكشاف ١٥٩/٣ . ٢١١ سورة النمل: الآيات ٨٢ - ٨٦ أنها على خِلقة الآدميين، وهي في السحاب، وقوائمها في الأرض. ورُويَ أنها جُمِعتْ من خلقِ كلِّ حيوان(١). وذكر الماوردي(٢) والثعلبي: رأسُها رأسُ ثور، وعينُها عينُ خنزير، وأذنُها أذنُ فيل، وقرنُها قرنُ أيل، وعنقُها عنقُ نعامة، وصدرُها صدرُأسد، ولونُها لونُ نمر، وخاصرتها خاصرةُ هِرّ، وذنبُها ذنبُ كبش، وقوائمُها قوائمُ بعير، بين كلِّ مَفْصلٍ اثنا عشر ذراعاً - الزمخشري(٣): بذراع آدم عليه السلام - ويخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان، فتنكتُ في وجه المسلم بعصا موسى نكتةً بيضاء فيبيَضُّ وجهُه، وتنكتُ في وجه الكافر بخاتم سليمان عليه السلام فيسوَدُّ وجهُه. قاله أبو الزبير (٤). وفي كتاب النقّاش عن ابن عباس رضي الله عنهما: إنَّ الدابةَ الثعبانُ المشرفُ على جدار الكعبة التي اقتلعَتْها العُقاب حين أرادت قريشٌ بناءَ الكعبة(٥). وحكى الماورديُّ(٦) عن محمد بن كعب عن علي بن أبي طالب ﴾ أنه سُئِلَ عن الدابةِ فقال: أما واللهِ ما لها ذَنَبٌ وإنَّ لها لَلِحية. قال الماوردي: وفي هذا القول منه إشارةٌ إلى أنَّها من الإنس وإن لم يُصرِّخْ به. قلت: ولهذا - والله أعلم - قال بعض المتأخرين من المفسرين: إنَّ الأقربَ أن تكون هذه الدابةُ إنساناً متكلِّماً يُناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا، فيهلِكَ من هَلكَ عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة. قال شيخنا الإمام أبو العباس أحمد بن عمر (١) المحرر الوجيز ٢٧٠/٤ . (٢) في النكت والعيون ٢٢٦/٤، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ١٩٠/٦، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٥٩٧). (٣) في الكشاف ١٦٠/٣ . (٤) وهو محمد بن مسلم بن تدرس، وقد وقع في النسخ: ابن الزبير، والتصويب من تفسير ابن أبي حاتم وزاد المسير. (٥) المحرر الوجيز ٢٧١/٤. (٦) في النكت والعيون ٢٢٦/٤، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٥٩٦). ٢١٢ سورة النمل: الآيات ٨٢ - ٨٦ القرطبي في كتاب ((المفهم)) (١) له: وإنَّما كان عند هذا القائلِ الأقربُ لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آيةٌ خاصةٌ خارقةٌ للعادة، ولا يكون من العشر الآياتِ المذكورة في الحديث؛ لأنَّ وجودَ المُناظرين والمُحتَجِّين على أهل البدع كثيرٌ، فلا آيةَ خاصةٌ بها، فلا ينبغي أن تُذكَرَ مع العشر، وترتفعُ خصوصيةٌ وجودِها إذا وقعَ القولُ، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظرِ الفاضلِ العالمِ الذي على أهل الأرض أن يُسمُّوه باسم الإنسان أو بالعالم أو بالإمام إلى أن يُسمَّى بدابَّة، وهذا خروجٌ عن عادة الفُصحاء، وعن تعظيم العُلماء، وليس ذلك دأبُ العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير، والله أعلم بحقائق الأمور. قلتُ: قد رفعَ الإشكالَ في هذه الدابة ما ذكرناه من حديث حذيفة فليُعتمَدْ عليه. واختُلِفَ من أيِّ موضع تخرج، فقال عبد الله بن عمر: تخرج من جبل الصفا بمكة؛ يتصدَّعُ فتخرج منه(٢). قال عبد الله بن عمرو نحوه وقال: لو شئتُ أن أضعَ قدمي على موضع خروجها لفعلتُ(٣). وروى في خبرٍ عن النبيِّ ﴾: ((إنَّ الأرضَ تنشَقُّ عن الدابة وعيسى عليه السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون من ناحية المسعى، وأنَّها تخرج من الصفا فتَسِمُ بين عينَي المؤمن هو مؤمن سِمةً كأنها كوكب دُرِّيٌّ، وتَسِمُ بين عينَي الكافر نكتةً سوداء كافر)) وذكر في الخبر أنها ذاتُ وبرٍ وريش. ذكره المهدوي(٤). وعن ابن عباس أنَّها تخرج من شعبٍ فتَمسُ رأسَها السحابُ ورجلاها في الأرض : لم تخرجا(٥)، وتخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام (٦). (١) ٧/ ٢٤٠ - ٢٤١، وما قبله منه. (٢) إعراب القرآن ٢٢١/٣، وزاد المسير ١٩١/٦. (٣) المحرر الوجيز ٢٧٠/٤، وأخرجه الطبري ١٨/ ١٢٤ . (٤) وأخرجه الطبري ١٢٤/١٨ - ١٢٥ من حديث حذيفة بن اليمان ﴾. (٥) أخرجه الطبري ١٢٦/١٨ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﴾. (٦) أخرجه أحمد (٧٩٣٧)، والترمذي (٣١٨٧)، وابن ماجه (٤٠٦٦) من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. وأخرجه الطبري ١٢٦/١٨ - ١٢٧ عن عبد الله بن عمرو ﴾ موقوفاً. وأخرجه الطبري ١٢٦/١٨ - ١٢٧ عن عبد الله بن عمرو ه موقوفاً. ٢١٣ سورة النمل: الآيات ٨٢ - ٨٦ وعن حذيفة: تخرجُ ثلاث خرجات: خرجةٌ في بعض البوادي ثم تَكمُن، وخرجةٌ في القرى يتقاتل فيها الأمراء حتى تكثر الدماء، وخرجةٌ من أعظم المساجد وأكرمِها وأشرفِها وأفضلِها(١). الزمخشري: تخرج من بين الركن حذاءً دارٍ بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد؛ فقومٌ يهربون، وقومٌ يقفون نَظَّارة (٢). ورُويَ عن قتادة أنَّها تخرج في تهامة. ورُويَ أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فارَ تنُّور نوحٍ عليه السلام(٣). وقيل: من أرض الطائف؛ قال أبو قَبيل: ضرب عبد الله بن عمرو أرضَ الطائف برجله وقال: مِنْ هنا تخرجُ الدابَّةُ التي تُكلِّم الناس. وقيل: من بعض أودية تهامة. قاله ابن عباس. وقيل: من صخرة من شِعْب أجياد. قاله عبد الله بن عمرو. وقيل: من بحر سَدُوم. قاله وهب بن مُنبِّه. ذكر هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة الماوردي في كتابه(٤). وذكر البغويُّ أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدَّثنا عليُّ بن الجَعْد، عن فُضيل بن مرزوق الرَّقاشيّ الأغرِّ - وسُئِلَ عنه يحيى بن معين فقال: ثقة - عن عطية العوفي، عن ابن عمر قال: تخرجُ الدابَّةُ من صدعٍ في الكعبة كَجَرْيِ الفرس ثلاثةَ أيامٍ لا يخرجُ ثُلُثُها(٥). قلت: فهذه أقوالُ الصحابة والتابعين في خروج الدابَّةِ وصفتِها، وهي تردُّ قولَ مَنْ قال من المفسرين: إنَّ الدابَّةَ إنما هي إنسانٌ متكلِّمٌ يناظرُ أهلَ البدع والکفر. وقد روى أبو أمامةَ أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((تخرجُ الدائَّةُ فتَسِمُ الناسَ على خراطيمهم)) ذكره الماوردي(٦). (تُكَلِّمُهُم)) بضمِّ التاء وشدِّ اللام المكسورة - من الكلام - قراءةُ العامَّةُ، (١) أخرجه الطبري ١٢٣/١٨ وغيره، وقد سلف تخريجه قريباً. (٢) الكشاف ١٦٠/٣ . (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٢٧٠، وقول قتادة أخرجه الطبري ١٢٦/١٨. (٤) النكت والعيون ٤/ ٢٢٧ . (٥) أخرجه علي بن الجعد في مسنده (٢٠٩١)، والطبري ١٢١/١٨ - ١٢٢، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٦٠١)، والبغوي في تفسيره ٣/ ٤٣٠. وفي إسناده عطية بن سعد العوفي، وهو ضعيف. ميزان الاعتدال ٣/ ٧٩ - ٨٠ . (٦) في النكت والعيون ٢٢٧/٤. وأخرجه أحمد (٢٢٣٠٨). ٢١٤ سورة النمل: الآيات ٨٢ - ٨٦ يدلُّ عليه قراءة أُبيِّ: ((تُنَبِّئُهُمْ))(١) وقال السُّدِّي: تُكلِّمهم ببطلان الأدیان سوی دین الإسلام(٢). وقيل: تُكلِّمهم بما يسوءهم(٣). وقيل: تُكلِّمهم بلسانٍ ذَلِقٍ فتقول بصوتٍ يسمعه مَنْ قَرُبَ وبَعُد: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِثَايَئِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بخروجي؛ لأنَّ خروجها من الآيات. وتقول: ألا لعنةُ الله على الظالمين (٤). وقرأ أبو زُرْعة وابن عباس والحسن وأبو رجاء: ((تَكْلِمُهُمْ)) بفتح التاء(٥) من الكَلْمِ وهو الجرح؛ قال عكرمة: أي: تَسِمُهم. وقال أبو الجوزاء: سألتُ ابن عباس عن هذه الآية (تُكَلِّمُهُمْ)) أو ((تَكْلِمُهُمْ))؟ فقال: هي واللهِ تُكَلِّمُهُمْ وتَكْلِمُهُم؛ تُكلِّم المؤمن وتَكْلِم الكافر والفاجر أي: تجرحه. وقال أبو حاتم. ((تُكَلِّمُهُمْ) كما تقول: تُجَرِّحهم؛ يذهب إلى أنه تكثيرٌ من ((تَكْلمُهُم)). ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِثَايَتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ وقرأ الكوفيون وابن أبي إسحاق ويحيى: ((أن)) بالفتح(٦). وقرأ أهل الحرمين وأهل الشام وأهل البصرة: ((إن)) بكسر الهمزة(٧). قال النخَّاس(٨): في المفتوحة قولان وكذا المكسورة؛ قال الأخفش(٩): المعنى بأنَّ. وكذا قرأ ابن مسعود ((بأَنَّ)(١٠). وقال أبو عبيد(١١): (١) المحتسب ١٤٥/٢، وهي قراءة شاذة. (٢) تفسير البغوي ٤٢٨/٣، وزاد المسير ١٩٣/٦. (٣) مجمع البيان ٢٠/ ٢٥١ . (٤) الكشاف ٣/ ١٦٠ . (٥) في إعراب القرآن ٢٢١/٣ - ٢٢٢ عن أبي زرعة وابن عباس وعاصم الجحدري وعكرمة وطلحة. وفي المحتسب ١٤٤/٢ عن أبي زرعة وابن عباس وعاصم الجحدري ومجاهد وسعيد بن جبير. وفي الشاذة ص١١٠ عن أبي زرعة وابن عباس ومجاهد. وفي تفسير البغوي عن أبي رجاء ومجاهد وسعيد بن جبير. (٦) قراءة الكوفيين - وهم عاصم وحمزة والكسائي - في السبعة ص ٤٨٧، والتيسير ص١٦٩. (٧) هي قراءة نافع وابن عامر وأبي عمرو البصري، وهي في السبعة ص٤٨٧، والتيسير ص١٦٩ . (٨) في إعراب القرآن ٢٢٢/٣، وما قبله منه. (٩) في معاني القرآن له ٢/ ٦٥١. (١٠) المحتسب ١٤٥/٢، والشاذة ص ١١٠، وزاد المسير ٦/ ١٩٣ ونسبها أيضاً إلى أبي عمران الجوني. (١١) في (د) و(م): أبو عبيدة. والمثبت من (ز) و(ظ) وإعراب القرآن. ٢١٥ سورة النمل: الآيات ٨٢ - ٨٦ موضعها نصبٌ بوقوع الفعل عليها، أي: تُخبرهم أنَّ الناس. وقرأ الكسائي والفَّراء: ((إنَّ النَّاسَ)) بالكسر على الاستئناف. وقال الأخفش: هي بمعنى تقول: إن الناس؛ يعني الكفار. ◌َبَِايَتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ يعني: بالقرآن وبمحمدٍ ﴿، وذلك حين لا يقبل اللهُ من كافرٍ إيماناً ولم يبقَ إلا مؤمنون وكافرون في علم الله قبل خروجها، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَخْشُرُ مِن كُلِّ أُمٍَّ فَوْجًا﴾ أي: زمرةً وجماعةً(١). ﴿مِّمَن يُكَذِّبُ ◌َِايَئِنَا﴾ يعني: بالقرآن وبأعلامنا الدالَّةِ على الحق. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يُدفَعون ويُساقون إلى موضع الحساب؛ قال الشَّماخ: وكَم وَزَغْنَا من خَميسٍ جَحْفلٍ وكَمْ حَبَوْنَا من رئيسٍ مِسْحَلٍ(٢) وقال قتادة: ((يُوزَعُون)) أي: يُردُّ أولُهم على آخرهم (٣). ﴿حََّ إِذَا جَهُو قَالَ﴾ أي: قال الله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بَِايَِّ﴾ التي أنزلتُها على رسلي، وبالآيات التي أقمتُها دلالةً على توحيدي. ﴿وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْمًا﴾ أي: ببطلانها حتى تعرضوا عنها، بل كذَّبتم جاهلين غير مُستَدِلِّين. ﴿أَمَّاذَا كُ تَعْمَلُونَ﴾ تقريعٌ وتوبيخٌ، أي: ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكّروا ما فيها؟ ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ﴾ أي: وجبَ العذابُ عليهم بظلمهم. أي: بشركهم ﴿فَهُمْ لَا يَطِقُونَ﴾ أي: ليس لهم عذرٌ ولا حجةٌ. وقيل: يختم على أفواههم فلا ينطقون. قاله أكثر المفسرين (٤). (١) زاد المسير ٦/ ١٩٤ . (٢) ملحق ديوان الشماخ ص ٤٥٣. الخميس الجحفل: الجيش الكثير. والمِسْحَل: الشجاع. اللسان (خمس) و(جحفل) و(سحل). (٣) النكت والعيون ٢٢٨/٤، وما قبله منه. (٤) تفسير البغوي ٣/ ٤٣١ بنحوه. ٢١٦ سورة النمل: الآيات ٨٦ - ٩٠ قوله تعالى: ﴿أَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا الَِّّلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ أي: يستقِرُّون فينامون. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: يُبصَر فيه لسعي الرزق(١). ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ باللهِ، ذَكَرَ الدّلالةَ على إلهيته وقدرته، أي: ألم يعلموا كمالَ قُدرتِنا فيؤمنوا؟. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَكلّءَ اللَّهُ وَكُلُّ أَتَوَهُ دَخِرِينَ (٨٧) وَقَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةٌ وَهِىَ تَهُرُّ مَزَّ السَّحَابِّ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨) مَن ◌َّءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ خَيْرٌ مِنْهَ وَهُمْ مِّنِ فَعَ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ ﴿٨ وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيَِّةِ قَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (@)﴾ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَغُ فِ اُلُّورِ﴾ أي: واذكُرْ يومَ، أو: ذَكِّرهمْ يومَ ينفخ في الصور. ومذهبُ الفرَّاء أنَّ المعنى: وذلكم يومَ ينفخ في الصور، وأجاز فيه الحذف(٢). والصحيح في الصور أنه قرنٌ من نورٍ ينفخ فيه إسرافيل. قال مجاهد: كهيئة البوق. وقيل: هو البوق بلغة أهل اليمن(٣). وقد مضى في ((الأنعام)) (٤) بيانُه وما لِلعلماء في ذلك. ﴿فَفَرِعَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن ◌ِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ قال أبو هريرة: قال النبيُّ﴾: ((إنَّ اللهَ لمَّا فرغَ من خلق السماوات خلقَ الصُّورَ فأعطاه إسرافيلَ، فهو واضِعُه على فيه، شاخصٌ ببصرِه إلى العرش، ينتظر متى يؤمَرُ بالنفخة)) قلتُ: يا رسولَ الله، ما الصُّور؟ قال: «قَرْنٌ واللهِ عظيمٌ، والذي بعثني بالحقِّ إنَّ عِظَمَ دارةٍ فيهِ كعرض السماء والأرض، فينفخُ فيه ثلاثَ نفخات: النفخةُ الأولى نفخةُ الفزع، والثانيةُ نفخةُ الصَّعْق، والثالثةُ نفخةُ البعثِ والقيام لربِّ العالمين)) وذكر الحديث. ذكره (١) الوسيط ٣٨٦/٣، وزاد المسير ١٩٤/٦. (٢) إعراب القرآن ٢٢٢/٣ . (٣) تفسير البغوي ٢/ ١٠٧، وزاد المسير ٦٨/٣. (٤) ٨/ ٤٣١ - ٤٣٢ . ٢١٧ سورة النمل: الآيات ٨٧ - ٩٠ علي بن معبد(١) والطبري والثعلبي وغيرهم(٢)، وصحَّحه ابن العربي! وقد ذكرتُه في كتاب ((التذكرة))(٣) وتكلَّمنا عليه هناك، وأنَّ الصحيح في النفخ في الصُّور أنَّهما نفختان لا ثلاث، وأنَّ نفخة الفزع إنما تكون راجعةً إلى نفخة الصَّعق؛ لأنَّ الأمرين لازمان لهما، أي: فزعوا فزعاً ماتوا منه، أو: إلى نفخة البعث. وهو اختيار القشيري وغيره؛ فإنَّه قال في كلامه على هذه الآية: والمراد النفخة الثانية، أي: يحيون فَزعين يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَاْ﴾ [يس: ٥٢] ويعاينون من الأمر ما يهولُهم ويُفزعهم، وهذا النفخ كصوت البوق لتجتمع الخلق في أرض الجزاء. قاله قتادة (٤). وقال الماورديّ(٥): ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِ اُلُّورِ﴾: هو يوم النشور من القبور؛ قال: وفي هذا الفزع قولان: أحدُهما أنَّه الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم: فزِعتُ إليك في كذا إذا أسرعتُ إلى ندائك في معونتك. والقول الثاني: إنَّ الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحزن؛ لأنَّهم أُزعِجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا. وهذا أشبه القولين. قلتُ: والسُّنةُ الثابتةُ من حديثٍ أبي هريرة وحديثِ عبد الله بن عمرو تدلُّ على (١) هو علي بن معبد بن نوح البغدادي ثم المصري، إمام حافظ، توفي سنة ٢٥٩ هـ. السير ٦٣٢/١٠ - ٦٣٤ . (٢) تفسير الطبري ١٣٤/١٨ من طريق إسماعيل بن رافع المدني، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة مرفوعاً. إسماعيل بن رافع ضعيف الحفظ كما قال الحافظ في التقريب. قلنا: وقد اختلف عليه في إسناده اختلافاً كبيراً؛ قال الحافظ في الفتح ٣٦٨/١١: مدار إسناده على إسماعيل بن رافع، واضطرب في سنده مع ضعفه، فرواه عن محمد بن كعب القرظي تارةً بلا واسطة، وتارةً بواسطة رجل مبهم ومحمد عن أبي هريرة، وتارةً بلا واسطة، وتارةً بواسطة رجل من الأنصار مبهم أيضاً. وينظر مصادر تخريجه في تفسير الطبري ٦١٣/٣ . (٣) ١٧٣/١ . (٤) عبارة: ((قاله قتادة)) من (م)، وهي ليست في باقي النسخ. (٥) في النكت والعيون ٢٢٩/٤ . ٢١٨ سورة النمل: الآيات ٨٧ - ٩٠ أنهما نفختان لا ثلاث: خرَّجهما مسلم(١)، وقد ذكرناهما في كتاب ((التذكرة))(٢) وهو الصحيح إن شاء الله تعالى أنهما نفختان؛ قال الله تعالى: ﴿وَتُفِخَ فِ القُورِ فَصَحِقَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اَلْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع، فدلَّ على أنهما واحدة. وقد روى المبارك(٣) عن الحسن قال: قال رسول الله﴾: ((بينَ النفختين أربعون سنةً؛ الأولى يُميت اللهُ بها كلَّ حيٍّ، والأُخرى يُحيي اللهُ بها كلَّ ميت))(٤) فإن قيل: فإن قوله تعالى: ﴿يَوَ تَرْجُفُ الرَّجِفَةُ. تَتْبَعُهَا الرَّدِفَةُ﴾ إلى أن قال: ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَجِدَةٌ﴾ [النازعات: ٦-١٣] وهذا يقتضي بظاهره أنَّها ثلاث. قيل له: ليس كذلك، وإنَّما المرادُ بالزَّجرة النفخةُ الثانيةُ التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم. كذلك قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وابن زيد وغيرهم. قال مجاهد: هما صيحتان؛ أمَّا الأولى فتُميتُ كلَّ شيءٍ بإذن الله، وأمَّا الأُخرى فتُحيي كلَّ شيءٍ بإذن الله. وقال عطاء: ((الرَّاحِفَةُ)): القيامة، و((الرادِفَةُ)): البعث(٥). وقال ابن زيد: ((الراجفة)): الموت، و((الرادفة)): الساعة. والله أعلم(٦). ﴿إِلَّا مَنْ شَآءَ اللَّهُ﴾ ثم اختُلِفَ في هذا المُستثنى مَنْ هم؛ ففي حديث أبي هريرة أنّهم الشهداءُ عند ربهم يرزقون، إنَّما يصل الفزعُ إلى الأحياء. وهو قول سعيد بن (١) في صحيحه (٢٣٧٣) و(٢٩٤٠)، وهما في مسند أحمد (٩٨٢١) و(٩٥٥٥). (٢) ص ١٦٥ - ١٦٧. (٣) في جميع النسخ: ابن المبارك، وهو خطأ قديم في النسخ. والتصويب من السنن الواردة في الفتن. (٤) أخرجه أبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٧٢١) من طريق المبارك - وهو ابن فضالة - عن الحسن البصري، به. وإسناده مرسل. لكن أخرج البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ما بين النفختين أربعون)) قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوماً؟ قال: أبيتُ. قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيتُ. ((ثم يُنزِلُ الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل)). (٥) تفسير البغوي ٤٤٢/٤ و ٤٤٣ . (٦) المحرر الوجيز ٤٣١/٥ . ٢١٩ سورة النمل: الآيات ٨٧ - ٩٠ جُبير أنَّهم الشهداء مُتقلِّدون السيوف حول العرش(١). وقال القشيري: الأنبياء داخلون في جملتهم؛ لأنَّ لهم الشهادةَ مع النبوّة. وقيل: الملائكة. قال الحسن: استثنى طوائفَ من الملائكة يموتون بين النفختين. قال مقاتل: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت(٢). وقيل: الحور العين(٣). وقيل: هم المؤمنون؛ لأنَّ الله تعالى قال عُقيب هذا: ﴿مَن جَّةَ بِالْحَسَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَ وَهُم مِّن فَرَعَ يَوْمَيِدٍ مَامِنُونَ﴾ . وقال بعض علمائنا: والصحيحُ أنَّه لم يَرِدْ في تعيينهم خبرٌ صحيحٌ والكلُّ مُحتَمِلٌ. قلت: خفيّ عليه حديثُ أبي هريرة وقد صحّحه القاضي أبو بكر بن العربي فليُعَوَّلْ عليه؛ لأنَّه نصٌّ في التعيين، وغيرُه اجتهاد. والله أعلم. وقيلَ غيرُ هذا على ما يأتي في ((الزُّمَرَ))(٤). وقوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ﴾ ماضٍ، و((يُنْفَخُ)) مستقبلٌ، فيُقال: كيف عطفَ ماضٍ على مستقبل؟ فزعمَ الفرَّاء أنَّ هذا محمولٌ على المعنى؛ لأنَّ المعنى: إذا نفخ في الصور ففزع. ((إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ)) نصبٌ على الاستثناء. ﴿وَكُلُّ أَتَوْهُ دَخِرِينَ﴾ قرأ أبو عمرو وعاصم والكسائي ونافع وابن عامر وابن كثير: ((آتُوهُ)) جعلوه فعلاً مستقبلاً. وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة وحفص عن عاصم: ((وَكُلُّ أَتَوْهُ)) مقصوراً على الفعل الماضي(٥)، وكذلك قراءة ابن مسعود(٦). وعن قتادة: ((وَكُلٌّ أَتَاهُ دَاخِرِينَ))(٧). قال النخَّاس(٨): وفي كتابي عن أبي إسحاق في القراءات: [من قرأ](٩): ((وَكُلُّ أَتَوْهُ)) (١) تفسير البغوي ٣/ ٤٣١. (٢) قول مقاتل في الوسيط ٣٨٦/٣، وتفسير البغوي ٤٣١/٣، وزاد المسير ١٩٥/٦. (٣) زاد المسير ١٩٥/٦ . (٤) عند تفسير الآية (٦٨). (٥) السبعة ص ٤٨٧، والتيسير ص١٦٩ دون قراءة الأعمش ويحيى. (٦) المحرر الوجيز ٣٧٢/٤ . (٧) المحتسب ١٤٥/٢، والشاذة ص١١١ . (٨) في إعراب القرآن ٢٢٢/٣ - ٢٢٣، وما قبله منه سوى قراءة ابن مسعود وقتادة. (٩) ما بين حاصرتين من إعراب القرآن، وهو ليس في النسخ. ٢٢٠ سورة النمل: الآيات ٨٧ - ٩٠ وخَّده على لفظ ((كُلّ))، ومن قرأ: ((آتُوهُ)) جمع على معناها، وهذا القول غلطٌ قبيح؛ لأنَّه إذا قال: ((وَكُلٌّ أَتَوْهُ)) فلم يوحِّدْ وإنَّما جمع، ولو وحَّد لقال: ((أَتَاهُ)) ولكن من قال: ((أَتَوْهُ)) جمعَ على المعنى وجاء به ماضياً، لأنَّه رَدَّه إلى ((فَفَزِعَ))، ومن قرأ: ((وَكُلٌّ أَوْهُ)) حمله على المعنى أيضاً وقال: ((آتُوهُ)) لأنها جملةٌ منقطعةٌ من الأول. قال ابن نصر: قد حكى عن أبي إسحاق رحمه الله ما لم يَقُلْه، ونصُّ أبي إسحاق: ((وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ)) ويقرأ: ((آتُوهُ)) فمن وحَّد فللفظ ((كُلّ)) ومن جمع فلمعناه؛ يريد ما أتى في القرآن أو غيره من توحيد خبر ((كلّ)) فعلى اللفظ، أو جمعَ فعلى المعنى؛ فلم يأخذ أبو جعفر هذا المعنى. قال المهدوي: ومن قرأ: ((وَكُلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ)) فهو فعلٌ من الإتيان وحمل على معنى ((كل)) دون لفظها، ومن قرأ: ((وَكُلُّ آتُوهُ دَاخِرِينَ)) فهو اسم الفاعل من أتى، يدلُّكَ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]. ومن قرأ: ((وَكُلُّ أَتَاهُ)) حمله على لفظ ((كلّ)) دون معناها وحمل ((دَاخِرِينَ)) على المعنى، ومعناه: صاغرين. عن ابن عباس وقتادة. وقد مضى في ((النحل))(١). قوله تعالى: ﴿وَتَرَى لِلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾ قال ابن عباس: أي: قائمةً وهي تسير سيراً حثيثاً(٢). قال القُتبي(٣): وذلك أنَّ الجبال تُجمَع وتُسيَّر، فهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير، وكذلك كلُّ شيءٍ عظيمٍ وجَمْعٍ كثيرٍ يَقصُرُ عنه النظر؛ لكثرته وبُعدِ ما بين أطرافه، وهو في حُسبان النَّاظرِ كالواقف وهو يسير. قال النابغة في وصف جیش: وُقوفٌ بِحَاجٍ والرِّكابُ تُهملِجُ(٤) بِأَرْعَنَ مثل الظَّودِ تَحسِبُ أنَّهِمْ (١) ١٢/ ٣٣٤. (٢) مجمع البيان ٢٥٦/٢٠ . (٣) في تأويل مشكل القرآن ص٤ - ٥ . (٤) ديوان النابغة الجعدي ص ١٨٧ . الجيش الأرعن: المضطرب لكثرته. وتهملج من الهملجة: وهو حسن سير الدابة في سرعة. اللسان (رعن) و(مملج).